رحلات كندا وإسبانيا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 19 صفحة
صفحة 17 من 19 في مدينة أشبيلية

في مدينة أشبيلية

في مدينة أشبيلية

وصلنا مدينة أشبيلية في الساعة الخامسة والنصف، فكانت مدة سيرنا بين قرطبة إلى أشبيلية ساعة ونصف الساعة.
ومررنا بقصر أشبيلية فوجدناه قد أغلق، ولا يفتح إلا في اليوم الثاني في الساعة التاسعة، وبجانبه برج الذهب وهو من آثار المسلمين، وهو أيضاً في إجازة، مغلق لا يفتح إلا بعد شهر.
و أشبيلية من المدن التي فتحها موسى بن نصير [التاريخ الأندلسي ص 74] في سنة 94هـ. [القاموس الإسلامي (1/114)].
صعدنا إلى مئذنة الجامع الكبير الذي بناه عبد الرحمن الثاني [نفس المرجع السابق] وقد حوله النصارى إلى كنيسة، ولم يبق إلا تلك المئذنة التي ما زالت ترمز لذكر الله الواحد، في وسط الكفر الكنسي.
وإنما غيرت نقوشها وبعض دعائمها التي يغلب على الظن أنهم أخفوا فيها أعمدة المسجد الصغيرة الحجم، وهدفهم طمس معالم البناء الإسلامي، ومما مسخوه به التماثيل والصور الوثنية المسيحية.
وقد ألقينا نظرة من على المئذنة على القصر من الخارج، وعلى مدينة أشبيلية التي لا زالت مبانيها تمثل البناء العربي(23).

جانب من مدينة أشبيليه التقط من مئذنة الجامع الكبير 17/11/1405?
جانب من مدينة أشبيليه التقط من مئذنة الجامع الكبير 17/11/1405?
مدينة أشبيليه
مدينة أشبيليه
مئذنة الجامع الكبير بمدينة أشبيليه 17/11/1405?
مئذنة الجامع الكبير بمدينة أشبيليه 17/11/1405?

قصر أشبيلية:

الأحد: 18/11/1405هـ
ذهبنا في صباح هذا اليوم: الأحد في الساعة التاسعة والنصف إلى قصر أشبيلية، وهو من بقايا آثار دولة الموحدين ويسمى بقصر السلطان(24). [القاموس الإسلامي (1/114)].

جانب من القصر العربي في أشبيليه صور من المئذنة 17/11/1405?
جانب من القصر العربي في أشبيليه صور من المئذنة 17/11/1405?

وما زالت أعمدة القصر وسقوفه ونقوشه، كأنها أنشأت الآن على رغم المدة الطويلة التي مرت به. [أكثر من سبعة قرون].
هذا وقد صورتُ بعض معالم هذا القصر وغيره من الآثار الإسلامية التي مررنا بها.
وقد سقطت أشبيلية في يد الأسبان، في عهد فردناند الثالث سنة 646هـ. [راجع القاموس الإسلامي (1/114)].

بدوي!

وبعد أن تجولنا في هذا القصر غادرناه، راجعين إلى غرناطة التي سيكون سفرنا منها بالطائرة إلى مدريد، وأخذ سائقنا الأخ محمد يبحث هنا وهناك عن الطريق الذي يخرجنا من مدينة أشبيلية إلى مدينة غرناطة، ويقف فيسأل، واتجه إلى جهة الشمال من المدينة، فقلت له: إن اتجاهك خطأ، وكنت متصوراً للجهات الأربع كما كنت متصوراً جهة غرناطة، وقلت للسائق اتجه إلى اليسار، واذهب جنوباً قليلاً، ثم تحول إلى اليسار مرة أخرى واذهب إلى الشرق، فإن اتجاهنا سيكون شرقاً، والشيخ ساكت، ثم وقف الأخ محمد وذهب فسأل أحد السائقين فأشار له إلى نفس الجهة التي كنت قلت له يتجه إليها، فلما رجع قال: إن اتجاهنا صحيح، فقال الشيخ -وكأنه يكلم نفسه -: بدوي!
قلت له: من تعني؟ قال: أعنيك أنت، قلت: لماذا؟ قال: لأنك تقول هذا شرق وهذا غرب وهذا شمال وهذا جنوب، والشمس تطلع من هنا، القمر يبدو من هنا، والقبلة هنا!
قلت: الحمد لله على هذه البداوة.

السفر من أشبيلية إلى غرناطة:

كان خروجنا من مدينة أشبيلية في الساعة الحادية عشرة ظهراً، وقد مررنا في طريقنا بما لا يقل عن ثلاثين قرية عن يميننا وشمالنا، وكلها مطلية بالطلاء الأبيض، ورأينا على رؤوس الجبال قصبات وحصوناً، يبدو أنها من آثار المسلمين.
وكان الطريق من قرطبة إلى أشبيلية مستوية، أما من أشبيلية إلى غرناطة فكانت مستوية في أول الأمر، وبعد أن قطعنا ما يقارب ثلث الطريق، بدأت الطريق تدخل في الجبال والمرتفعات كما هو الحال من غرناطة إلى قرطبة، وتركنا الطريق الذي يتجه إلى منطقة ملقة على يميننا في مكان لا يبعد عن ملقة إلا أربعين كيلو متراً شمالاً.
وقد وصلنا إلى مدينة غرناطة في الساعة الثانية والربع.
نزلنا في مدرسة ابن رشد، وكان أول ما بدأت به السباحة إلى أن أذن الظهر، فصلينا وتناولنا طعام الغداء.
وطلب منا الإخوة المسؤولون عن المركز الإسلامي والمدرسة، أن ننقل رغبتهم إلى المسؤولين في المملكة العربية السعودية، وبخاصة المؤسسات الإسلامية، في مساعدتهم بالمدرسين والمنح لبعض طلابهم وبعث بعض الكتب والمراجع الإسلامية.

خذ الموز و اترك: مْبِيقِيَّات!

ذكر الإخوة أن الأخ هماماً سيسافر إلى موزمبيق، فقال له أحد الحاضرين: ستجد هناك زوجة من الموزمبيقيات، وقال له الشيخ: خذ الموز، واترك مْبيقيات، فكانت من نكاته المضحكة.

حمزة عبد الواحد مسلم جديد:

ثم ذهبنا إلى مطار غرناطة، وكان معنا الأخ محمد بساطة والأستاذ محمد نافع عاقل، مدير المركز الإسلامي في غرناطة.
وفي المطار رأينا رجلاً يلبس ثوباً عربياً، وآخر يلبس ثوباً موريتانياً، فسلمنا عليهما، فكان لابس الثوب العربي هو عبد الرحمن بن الحاج الموريتاني المبعوث من وزارة الأوقاف الكويتية للعمل مع الأسبان، وأما صاحب الثوب الموريتاني، فهو حمزة عبد الواحد الأمريكي الذي أصل سكناه في مدينة سان فرانسسكو، وقد أسلم منذ سبع سنوات.
سألته عن سبب إسلامه؟ فقال: إنه عثر على ترجمة معاني القرآن العظيم في الجامعة عندما كان يدرس الفلسفة، وإن سورة مريم كانت من أهم أسباب اقتناعه بالإسلام، وإنه قرأ بعد ذلك كتاب مارتن لنجس، المسمى باليقين في التوحيد، وإنه أثر في حياته وقال: إن مارتن المذكور، هو موظف في متحف بريطانيا وهو شيخ كبير في السن.
وقال: تعرفت على أمريكي مسلم تزوج فتاة من مكة كان مذيعاً، ولا زال في وزارة الإعلام السعودية واسمه بوقس، وقد أسلمت على يديه، وهو الذي وجهني إلى إنجلترا، وهناك تعرفت على الشيخ عبد الله آل محمود الذي توسم فيّ خيراً، وطلب مني أن ألتحق بالمعهد الديني في العين تحت كفالته، ولكن عندما التحقت بالمعهد الديني وجدته لا يفي منهجه بما أريد من الدراسة الإسلامية، لأن فيه رياضيات وجغرافيا، وأنا قد درست تلك العلوم.
وقد ساعدني الشيخ بشير بمشقة، أن أكون مؤذناً في مسجد ثم أصبحت إماماً فيه، وقرأت على يد شيخ موريتاني ثم ذهبت إلى موريتانيا، وأخذت العلم على الشيخ الشنقيطي والد عبد الرحمن. [وهنا انقطع الحديث، لأنا دعينا إلى الصعود إلى الطائرة].
وقد علمنا أن الأخ حمزة متأثر بالطرق الصوفية، وأن مارتن لنجس هو كذلك على طريقة صوفية، وكذلك الشناقطة الذين درس عليهم.

السفر إلى مدريد:

تحركت الطائرة من مطار غرناطة إلى مطار مدريد في الساعة الثامنة والنصف مساء، وهبطت في مطار مدريد الساعة التاسعة واستأجرنا سيارة أوصلنا سائقها إلى الفندق.

الرغبة شديدة، والآثار كثيرة، والوقت ضيق:

إن زيارتنا للآثار الإسلامية في الأندلس، كانت قصيرة لقصر الوقت الذي لم نتمكن فيه من قضاء وطرنا في الوقوف على جزئيات تلك الآثار، ومحاولة وصفها ونقل صورة متكاملة عنها، لهذا اكتفيت بنقل نُتف مبتورة بحسب الوقت المبتور للزيارة، فلم نتمكن من زيارة طليطلة إلا قبيل المغرب عندما بدأ الظلام يخيم عليها، كما أن زيارتنا لقصر الحمراء لم تزد عن ثلاث ساعات، وكذلك زيارتنا لآثار قرطبة و أشبيلية، فليعذرني القارئ في التقصير، ويكفي أني بذلت جهدي في تسجيل ما استطعت تسجيله(25).

آثار من مدريد 18/11/1405?
آثار من مدريد 18/11/1405?

إلحاح المضطر!

الاثنين: 19/11/1405هـ
في الساعة الثانية عشرة ظهراً حاسبنا الفندق، وذهبنا إلى المركز الإسلامي مع الأخ عبد القادر الجزائري المقيم في المركز للحراسة واستقبال الضيوف وتوديعهم، واستقبال المكالمات الهاتفية في وقت خارج الدوام الرسمي، واجتمعنا ببعض الإخوة في المركز، منهم مديره وأمين صندوقه، ومسؤول الثقافة فيه، وهم يلحون في طلب مساعدتهم بالكتب العربية الإسلامية، والتوسط لدى وزارة الإعلام السعودية بتزويد المركز بأفلام الفيديو المشتملة على المحاضرات والندوات الإسلامية، لإفادة المسلمين في أسبانيا بها، وتزكية المركز لجمع التبرعات للمركز وما يتبعه من مدرسة ابن رشد في غرناطة والمدرسة التي ستنشأ في أشبيلية.
وها نحن نسجل رجاء الإخوة ونعتبر هذا التسجيل هنا موجهاً لوزارة الإعلام السعودية، لمساعدة المركز بما يمكن من أفلام الفيديو الإسلامية المفيدة إسهاماً منها في الدعوة إلى الله. [خلاصة ما يطلب منا في رحلاتنا نقدمه في تقرير إلى الجامعة الإسلامية... وهي التي تتولى ما يمكن فعله، من قبلها أو من قبل الجهات الأخرى في المملكة].
كما نرجو من أهل الغنى والثراء، أن يمدوا يد المساعدة للمركز الذي يحاول المحافظة على أبناء المسلمين في أسبانيا ونشر الدعوة بين الأسبان.

السفر إلى الدار البيضاء:

ثم ذهبنا إلى المطار ومعنا الأخ عبد القادر الجزائري، وأنهينا الإجراءات اللازمة، وصعدنا إلى الطائرة المغربية التي أقلعت من مطار العاصمة الأسبانية: مدريد في الساعة السابعة والدقيقة العشرين.

منظر مدينة مدريد من الجو:

نظرت من النافذة إلى مدينة مدريد عندما أقلعت الطائرة، فرأيتها مدينة صغيرة بالنسبة لما يقال من أن عدد سكانها يقارب خمسة ملايين، والظاهر أن سبب صغرها تلاصق مبانيها الشديد، لا يكاد الناظر من على الطائرة أن يستبين شوارعها الفاصلة بين أحيائها، بخلاف المدن الأخرى التي رأيناها في البلدان الأخرى، فإن مبانيها منتشرة، وأحياءها متصلة وشوارعها كبيرة، وكل حي مقسم إلى أجزاء كما هو الحال في أستراليا وكندا وأمريكا وغيرها من بلدان أوروبا.
ورأيت مزارع الزيتون التي تملأ السهول والوديان والتلال، كما رأيت بعض الأنهار والبحيرات الصغيرة.
وكان الجو صحواً، والشمس ساطعة.

مضيق حماة الإسلام ومنقذي البشرية!

عبرت بنا الطائرة فوق مضيق جبل طارق الذي عبرت منه جحافل الإسلام إلى أوربا. فبعد أن مضى من الوقت ما يقارب أربعاً وأربعين دقيقة كانت الطائرة تحلق فوق هذا المضيق الذي يفصل بين الجبل ومدينة طنجة، ويحجز بين البحر الأبيض المتوسط في الشرق والمحيط الأطلسي في الغرب، وكأنه حمامة سلام تحول بين طغيان أحدهما على الآخر.
تذكرت والطائرة تعبر فوق هذا المضيق، الفاتح العظيم طارق بن زياد وإخوانه المجاهدين، وهم يعبرونه إلى بلاد أوروبا، التي كان يسودها الظلام في عصورها الوسطى المتخلفة، يعبرونه إليها بنور الإيمان والعلم الذي أيقظها من سباتها، وجعلها تقف من الكنيسة الطاغية وتعليماتها الخرافية موقف النضال، لاحترام العقل والذب عنه، من أن تستعبده الخرافات وتحول بينه وبين العلم. وتذكرت كيف قلبت أوروبا ظهر المجن لمعلمها فجارت عليه وعاملته أشد مما عاملت به الكنيسة، عندما شبت عن الطوق في التجارب العلمية المادية؟ فحرمت نفسها وحرمت العالم كله الذي غزته واستعمرته نور الإسلام الذي لا سعادة للبشرية كلها إلا به.

في مطار طنجة:

وهبطت الطائرة في مطار طنجة في الساعة الثامنة والدقيقة الثانية عشرة، فكانت مدة الطيران بين مدريد و طنجة اثنتين وخمسين دقيقة.
وبقيت في مطار طنجة أربعين دقيقة، حيث نزل بعض الركاب وصعد آخرون.
ثم أقلعت الطائرة من مطار طنجة في الساعة التاسعة.
وهبطت الطائرة في مطار الدار البيضاء المسمى بمطار محمد الخامس، في الساعة التاسعة والدقيقة الخامسة والثلاثين، أي أن مدة الطيران بين طنجة والدار البيضاء خمس وثلاثون دقيقة.
والفرق بين توقيت مدريد والدار البيضاء ساعة، فكانت الساعة عندما هبطنا في الدار البيضاء الثامنة والدقيقة الخامسة والثلاثين.