في مدينة قرطبة
في مدينة قرطبة
وصلنا إلى مدينة قرطبة في الساعة الحادية عشرة والنصف ظهراً، والمسافة بين غرناطة وقرطبة مائة وأربعة وستون كيلو متراً.
ومدينة قرطبة فتحها طارق بن زياد، وقتل ملكها أدينوق في سنة اثنتين وتسعين هجرية. [البداية والنهاية لابن كثير (9/ 89، 92)].
بدأنا بجامع قرطبة الكبير [الذي ابتناه عبد الرحمن الداخل سنة 170هـ] الذي حاول الأسبان تغيير معالمه جاهدين من الداخل، وتركوا عوامل التغيير والتعرية تفسد جماله من الخارج، فقد بدت صخوره الضخمة، وآجره الأحمر، وحدث في بعض الأماكن من جدرانه تصدع وتشقق.
أما من الداخل فقد حولوا أجزاء منه إلى كنائس، وغيروا تلك الأجزاء تغييراً كاملاً بنقوش أجنبية عنه وصور أوثان، وحولوا صفة نوافذه التي كانت تضيئه بأشعة الشمس، إلى نوافذ غامقة معتمة، محاولين إيجاد شيء من الهيبة المصطنعة بالأنوار الخافتة التي لا حاجة للمسجد إليها، لأن الهيبة التي تحصل في قلوب المصلين أو الخوف و الخشية، لا تكون مصطنعة من أنوار أو غيرها، وإنما تكون من الإيمان الثابت في القلوب ومراقبة الله تعالى ومن ذكره سبحانه وتعالى سواء كان ذلك في ضوء الشمس الساطع أو في ظلمة الليل البهيم.
وتبدو أعمدة المسجد القديمة التي لم تغير، صغيرة الحجم ملساء كأنها صقلت صقلاً الآن، وليس بها تصدع ولا شقوق.
بخلاف الأعمدة التي أنشأها الصليبيون، فإنها كبيرة الحجم وفيها صدوع واضحة على رغم حداثتها – نسبياً -.
وفي بعض جوانب المسجد وبخاصة الشمالية منها، وزعت حكومة أسبانيا قطعاً من المسجد على بعض الوجهاء، ورجال الدين الكنسي لتكون مقابر لهم، قد وضعت بها توابيت الموتى، كل تابوت في مكانه.
وقد شوهوا مئذنة المسجد بالنواقيس الوثنية، لتحل محل التكبير الذي أمر الله به أن يرفع في بيوته.
وبعد أن تجولنا في المسجد ذهبنا إلى مدينة الزهراء [بدأ بناءها عبد الرحمن بن محمد الناصر سنة 325هـ اكتمل بناؤها في مدة أربعين عاماً "التاريخ الأندلسي" (ص: 303 ـ 304)]. وتقع في الشمال الغربي لمدينة قرطبة، وهي محاطة بسور على مسافة واسعة جداً، ولكن أكثر الأرض المحاطة لا توجد عليها آثار واضحة غير الجدار نفسه، إلا في سفح الجبل الذي توجد به بقايا جدران المباني، وأسس واضحة التخطيط الهندسي.
وقد حاولنا مع الحارس أن ندخل إلى تلك الآثار لنراها عن كثب، فلم يأذن لنا بحجة أن وقت الزيارة قد انتهى، وظهر أنه يريد شيئاً من المال، فساومه الإخوة بخمسمائة بازتا، فرفض، وقال: إن كان ولا بد فألف بازتا حتى يكون لها وزن إذا ما عاتبني المسؤول، فلم نر كبير فائدة في الدخول واكتفينا بالنظر إليها من الخارج.
ثم رجعنا إلى جامع قرطبة لنرى المئذنة، فصعد بعضنا إلى أعلاها، وبعضنا فضل البقاء في الأسفل في صحن المسجد، وعدد درجات المئذنة من أسفله إلى أعلاه مائتان وأربع عشرة درجة، رأينا من أعلى المئذنة أغلب مدينة قرطبة من جميع الجهات.
ثم ذهبنا إلى أحد المطاعم السمكية، فتغدينا، ويوجد في شرقي جامع قرطبة نهر تعبره السيارات على جسر قديم ممدود عليه، وبجانب مسجد قرطبة كثير من المنازل القديمة تجولنا في بعض شوارعها الصغيرة. ويظهر عليها فن العمارة العربية.
السفر إلى مدينة أشبيلية:
ثم واصلنا السير إلى مدينة أشبيلية، كان خروجنا من مدينة قرطبة في الساعة الرابعة ظهراً. ومن القرى التي مررنا بها في الطريق بين قرطبة و أشبيلية قرية تسمى "أرثينا" وأخرى تسمى "لوشيانا"، وثالثة تسمى: "قرمونة". [وهي من المدن التي فتحها موسى بن نصير " التاريخ الأندلسي" ص: 73].