في مدينة طليطلة
في مدينة طليطلة
بوابة طليطلة تنفخ في رماد وتصرخ في واد!
أقبلنا على مدينة طليطلة، فاستقبلتنا بوابتها التي قيل لنا: إنها من بقايا بناء المسلمين، وهي واقفة، أحسست وأنا أنظر إليها أنها ترمز لوجه المدينة الكئيب، الذي يذرف الدمع على الماضي المجيد الذي بناه الفاتحون المسلمون على أساس كلمة الله، بالعدل والإحسان والخلق الحسن والتقوى ورحمة الصالحين، قبل البناء بالحجر والطين والآجر والنقش بالذهب الثمين. إنها واقفة تصارع عوامل التغيير وعوادي الزمن، لتشهد لقواد الجهاد في سبيل الله بأنهم أدوا واجبهم، فرفعوا في سماء هذه البلاد ذكر الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وآمنوا بالله.
ولتُحدِّث أجيال المسلمين القادمة، بتقاعس آبائهم وأجدادهم الذين كانوا شر خلف لخير سلف، الذين باعوا الدين بالدنيا فخسروا الدنيا والآخرة، واقفة تعلن لكل قادم أنها انتظرت طويلاً فاتحاً جديداً من قواد المسلمين، يحرر أرضها من الشرك بالله ودنس الصليب وظلم الطغاة، ويعيد للمآذن ذلك التكبير والتعظيم للخالق، وذلك العدل للمظلوم من خلق الله، ولكنها تنفخ في رماد وتصرخ في واد!
تمر السيارات الداخلة والخارجة على يمينها ويسارها - أي بجانبيها - ويمر المشاة عبرها(18).
هل أنتِ عربية!
صعدنا إلى المسجد ذي القباب التسع، الذي زينت نقوشه بالآيات القرآنية، فأخذنا نتأمل في أول بناء شاهدناه من آثار المسلمين في بلاد الأندلس السليبة، ووقف صبيان طليطلة وصباياها يصوبون أنظارهم إلى هؤلاء القوم الذين يتأملون في هذا البناء القديم المهجور، يبدو على وجههم الحزن والأسى.
ولا فرق بين وجوه هؤلاء الأطفال عن وجوه أقرانهم في البلدان العربية: الدم العربي واضح فيهم، قال الشيخ لبنت صغيرة: أنت عربية؟ فأخذت تردد كلمة عربي، عربي... وكأنه ذكرها بهذه الكلمة التي ربما سمعتها من أبيها وأمها الساكنين بجوار المسجد الذي يزوره العرب كثيراً، وقد تكون البنت سألت عن هؤلاء الزوار فقالوا لها عرب، فذكرها الشيخ بالكلمة فأخذت ترددها حتى لا تنساها.
وكنت حاولت أن أنفث ما يتلجلج في صدري من أسى وحزن على هذا المنظر المؤسف المبكي: مسجد شيده أولياء الله بقي أكثر من ثمانية قرون مهجوراً ينتظر من يحيي فيه ذكر الله فلم أجد فيه تلك الصفة، فقلت:
ولكني لم أقدر على مواصلة إنشاء إتمام هذا المطلع، لأنا كنا على عجل، إذ كانت الشمس على وشك الغروب، ونحن في حاجة إلى أن نرى أماكن أخرى، وذهبنا إلى سور المدينة الذي ما زال يحتضنها من بعض جهاتها، وبقربه باب جسر نهر تاج الذي بني في عهد المسلمين، وهو يؤدي إلى قصر في الشاطئ الآخر من النهر.
ثم رجعنا إلى مدريد والأسى والحزن والألم يحزان في نفوسنا على ضياع مجد تليد شيده لنا الآباء فأضعناه.
كما قال الشاعر الأندلسي يرثى سقوط طليطلة من أيدي المسلمين:
صح النوم!
كنا أنا والشيخ نتناوب في النعاس، مرة يغفو هو - وكانت بعض غفواته في غير هذه السفرة قد تصل إلى أربع ساعات - وأنا صاح، وتارة أغفو أنا وهو صاح، فغفوت عند عودتنا من طليطلة إلى مدريد، فسمعته يقول: صح النوم! فقلت بدون شعور: صح النوم أنت! فكانت نكتة يرددها الشيخ إذا ما جاءت مناسبة.
أوصلنا الأخ أبو عبيدة إلى الفندق، وغفا كل واحد منا في غرفته إلى الصباح.
السفر من مدريد إلى غرناطة:
الجمعة: 16/11/1405هـ
جاءنا الأخ الدكتور مصطفى المسدي، وهو متخصص في الأمراض النسائية، في الساعة التاسعة صباحاً إلى الفندق، ونقلنا إلى المطار للسفر إلى غرناطة. [كان الإخوان جزاهم الله خيراً يتناوبون خدمتنا كل منهم يأخذ نصيبه].
أقلعت الطائرة من مطار مدريد في الساعة الحادية عشرة إلا ثمان دقائق، وهبطت بنا في مطار غرناطة في الساعة الحادية عشرة والدقيقة التاسعة والثلاثين، فكانت مدة الطيران بين مدريد و غرناطة ثلاثين دقيقة تقريباً. ومعلوم أن غرناطة هي آخر معقل يسقط من أيدي المسلمين سنة 897 للهجرة، عمت بعد سقوطها كارثة المسلمين في الأندلس. [التاريخ الأندلسي (ص 252) وص 39].