في مدينة مدريد
في مدينة مدريد
أوصلنا كمال إلى فندق في وسط البلد يسمى "يورب بلدنج" أي عمارة أوروبا، وهو فندق كبير من الدرجة الأولى.
واتفقنا مع كمال على أن يدعنا نرتاح إلى الساعة السادسة، لأنا كنا في أمس الحاجة إلى الراحة، حيث مر بنا يوم وليلة وجزء من يوم آخر ونحن في سفر، وكان تحليقنا في الجو وحده يقارب اثنتي عشرة ساعة.
جاءنا كمال في الوقت المحدد إلى الفندق، وطلب لنا طعام الغداء من الفندق، فتغدينا وذهبنا معه في جولة في مدينة مدريد.
جولة في مدينة مدريد:
وكان أول شارع مررنا به، وهو قريب من الفندق، شارع الكاستيانا، الذي يقع عليه المجمع الحكومي وأغلب وزارات الدولة، وبقربه ساحة تسمى: ساحة كولومبس الأسباني الشهير الذي قيل عنه: إنه أول من اكتشف القارة الأمريكية، وبجانب الساحة مكتبة مدريد العامة، وفي الساحة أعدت النوافير رمزاً لتحية البطل المكتشف، وبجانبها مكاتب البريد والبنك الأسباني المركزي.
ثم مررنا بشارع آخر يسمى شارع الكلاه، الظاهر أن المراد به كما قال كمال: القلعة، والعجم يخففون العين التي يرمز لها عندهم بالحرف (A) مع العلم أن "أل" موجودة في أول الكلمة " Al" وهي توجد في كثير من الكلمات الأسبانية وهي: (أل) التعريفية في اللغة العربية إلا أنها تكتب بالحرفين اللاتينيين " Al" بدلاً من THE الإنجليزية، وستأتي كلمات عربية كثيرة فيها تحريف قليل في النطق.
ثم مررنا بالشارع الكبير، وهو وما قبله يخترقان مدينة مدريد القديمة التي مضى على مبانيها أكثر من مائة عام، وهذه المباني وشوارعها شبيهة بمباني القاهرة وشوارعها القديمة، حتى اسوداد المباني، وهذا الشارع يؤدي إلى ساحة تسمى: ساحة أسبانيا تقابل السائر فيه إلى جهة الشمال عمارة ضخمة طويلة.
ومررنا بالقصر الملكي الذي يستقبل فيه الملك الناس ويؤدي فيه أعماله الرسمية، وتقع أمامه حديقة محاطة بتماثيل ملوك أسبانيا.
ثم مررنا بعده بشارع الأميرة، وفيه محلات تجارية كبيرة، ويقع في الشمال الغربي منه بوابة تسمى: قوس النصر، بني في عهد من يصفونه بالدكتاتور، الحاكم العسكري: فرانكو، بناه رمزاً لانتصاره على أعدائه، وبقربه على يسار الخارج من المدينة تقع وزرة الدفاع الجوي.
ثم مررنا بحديقة قريبة منه تسمى: الروساسلي، أي منتزه الورود وفيها حدائق غناء، وبقربها منتزه آخر يسمى بالمعبد المصري، وهو ساحة ركبت فيها حجارة أهديت من مصر.
ثم رجعنا متجهين إلى شمال غرب المدينة، فمررنا بقوس النصر الذي انهزم فيه بانيه المنتصر قبل بنائه، وهو يقع على يسارنا وبعده تبدأ المدينة الجامعية "جامعة مدريد" التي يقسمها الشارع، وأغلبها يقع على اليمين، ويسمى هذا الشارع بشارع شمال أسبانيا. ويقع على يسار الخارج من مدينة مدريد، بعد المدينة الجامعية مبنى مجلس الوزراء الأسباني.
ثم ذهبنا إلى قصر البرذو الذي كان يعيش فيه فرانكو أيام زمان، وهو محاط بمنطقة واسعة جداً من جميع الجهات، فيها غابة كبيرة كانت خاصة بمزاولة فرانكو فيها صيد الغزلان وغيرها.
وقد أصبح قصر فرانكو الآن مخصصاً لنزول الضيوف الكبار على الحكومة الأسبانية.
وفي هذه القصور عبرة لمن اعتبر، إذا رآها الزائر تذكر الباني، وأين هو الآن، ومن يسكنها بعده قال: سبحان الحي الباقي!
ويحيط بالقصر ثكنات عسكرية، وبقربه قرية صغيرة، فيها مطاعم وبارات، يرتادها أهل مدريد للنزهة أيام الإجازات.
والمنطقة كلها منطقة غزلان، ولكنا لم نر في طريقنا كله شيئاً منها، ولعلها كانت في الأدغال البعيدة عن الشارع هرباً من الاصطياد.
تجاوزنا القصر قليلاً، وأخذنا له صوراً مع الغابة التي تحيط به وهي مناظر جميلة.
وقال كمال: إن عدد سكان مدينة مدريد يتراوح ما بين أربعة وخمسة ملايين.
ثم رجعنا في نفس الطريق إلى المدينة، وأرانا كمال شارعاً يتجه إلى اليمين بالنسبة للداخل إلى المدينة، قال: إنه يؤدي إلى مقصورة الملك الحالي، خوان كارلوس، ومررنا بعده بباب قديم، يسمى باب الفرنسيين، رمزاً لانتصارهم عندما فتحوا مدريد، وبعدها يقع قوس النصر السابق.
ثم دخلنا الحديقة المسماة بالحديقة الريفية، وهي حديقة واسعة جداً تشتمل على بحيرة صناعية وحديقة حيوان، ولكبر هذه الحديقة يسمح للناس أن يدخلوها بسياراتهم، لعدم استطاعتهم قطعها مشياً، وبها ملاهٍ للأولاد ومنتزهات، قال كمال: إنها تعتبر متنفساً لسكان العاصمة، ولم نتمكن من زيارة الحيوانات لضيق الوقت.
ثم عدنا شرقاً إلى المدينة، فمررنا بمدينة مدريد القديمة وهي بيوت شعبية، وبها باب طليطلة التي يدخل القادم من طليطلة وهي في الجنوب، منه إلى مدينة مدريد، ويخرج قاصداً طليطلة منه، وطليطلة تبعد عن مدينة مدريد بخمسة وسبعين كيلو متراً.
وسيأتي الكلام عن بعض آثارها الإسلامية الباقية.
ثم مررنا بحارة تسمى: أمْباخْدوسْ، شوارعها شبيهة بشوارع نيويورك، وبجانبها يقع مبنى وزارة الزراعة، وبقربه تقع إحدى محطات القطار الكبيرة.
الجمعية الإسلامية في مدريد:
واقترب وقت صلاة المغرب، فطلبنا من كمال أن يوصلنا إلى أقرب مركز إسلامي لنصلي فيه ونلتقي ببعض إخواننا المسلمين، فذهب بنا إلى منطقة ووقف سيارته، وأخذ يسأل أهل الدكاكين عن مسجد كان يتوقع وجوده في المنطقة، فدلوه على إحدى الشقق في إحدى العمارات، فقال لنا: ادخلوا وأنا ألتمس لسيارتي موقفاً، فدخلنا ووجدنا لوحة على باب الشقة كتب عليها: الجمعية الإسلامية في مدريد.
طرقنا الباب وكان مفتوحاً فسلمنا ودخلنا فوجدنا عدداً من المسلمين في المسجد، ومنهم رئيس الجمعية الأستاذ رياج تطري، وهو سوري، ومقر الجمعية مستأجر، وقال الأخ رياج: إن الجمعية أنشئت سنة 1971م، وكانت قبل ذلك موجودة ولكنها غير رسمية، والمسجد يمتلئ يوم الجمعة بالمصلين. والجالية الإسلامية في مدريد تقدر بثلاثين ألف مسلم، ثلثهم تقريباً من المغرب، والمغاربة في غير مدريد هم الأغلبية.
وعدد أفراد مجلس شورى هذه الجمعية خمسة وعشرون عضواً، أما المنتسبون إلى الجمعية فكثيرون.
وقد بدأت الجمعية بنشاط طلابي يسمى: رابطة الطلبة المسلمين، كانت مهمتها تنظيم شؤون الطلاب، ورعايتهم في هذا البلد، وكذلك رابطة الأطباء المسلمين -ومعظم الإخوة أطباء - وتوجد عندنا لجنة الدعوة إلى الله. ونحن بصدد تأليف رابطة العمال المسلمين، ولدينا مجلة إسلامية باللغة العربية، تسمى العروة الوثقى، وأخرى باللغة الأسبانية، وتسمى الإسلام.
ويوجد لدينا نشاط نسوي، ولكن المكان الآن لا يتسع للرجال والنساء. ويشترط في جمعيتنا في العضوية الكاملة الالتزام الكامل بالإسلام، أما العضو المساعد فيمكنه أن ينتسب إلينا على حاله.
ونقوم ببعض المخيمات الإسلامية، انتهينا من أحدها قبل عشرين يوماً، واشترك معنا فيه الأخ إسماعيل الكيلاني - وهو أحد محرري مجلة الأمة القطرية - الذي كان موجوداً في المسجد.
وبنينا مسجداً في غرناطة منذ سنة ونصف السنة، وهو مسجد عمر وتتبع جمعيتنا خمسة عشر جمعية، ومجلس الشورى يشملها كلها، وهو الذي يضع سياستها العامة، وينتخب إدارتها العامة.
ثمان جمعيات من الجمعيات المذكورة كبيرة، وسبع منها صغيرة ويستفيد من جمعيتنا عامة المسلمين.
وتوجد جمعيات ذات طابع ثقافي في أسبانيا.
وعدد المسلمين الأسبان في ما علمنا ثلاثمائة، وهذا الرقم يشمل الكبار والصغار والرجال والنساء، وبعضهم يبالغون في رقمهم بالألوف.
ونحاول تحسين أحوال كل المسلمين المنتمين إلى جمعيتنا، وسندعوهم إلى ذلك في أقرب وقت.
وكان وقتنا ضيقاً، فودعنا الإخوة ورجعنا إلى الفندق.
الدكتور بهيج يزورنا ويعتذر:
اتصلنا بالأخ الدكتور بهيج ملا هاتفياً، فأبدى أسفه أنه لم يدركنا في المطار بسبب الخطأ الذي أعطيه في المعلومات عن وصول رحلتنا، فطلب منا أن يحضر لمقابلتنا الآن فرحبنا به فجاء هو وبعض الإخوة.
معلومات موجزة عن المسلمين:
وذكر أن المركز الإسلامي عندهم أنشئ في سنة 1966م وله فرع في برشلونة، وآخر في غرناطة، كما توجد مدرسة ابتدائية وإعدادية تابعة للمركز في غرناطة، ومن نشاط المركز الإشراف على ترجمة بعض الكتب وطبعها وتوزيعها، وأعددنا أفلاماً عن العبادات الإسلامية وآثار الأندلس. [وقد شاهدنا هذا الفيلم في مدرسة ابن رشد في غرناطة].
ولديهم مشروع إقامة مدرسة برشلونة، ومشروع تخصيص أرض لمخيم دائم، والتعاون مع السفارات الإسلامية في بعض القضايا، ويقومون بعمل دورات تربوية وتثقيفية للبنين والبنات في مخيمات، لكل جنس خمسة عشرة يوماً في السنة.
وذكروا أن عدد الطلاب والطالبات في مدرسة ابن رشد في السنة الماضية كان ستين طالباً وطالبة، والسبب في إنشائها الخوف من ذوبان أولاد المسلمين في المستقبل، كما حصل ذلك في أمريكا الجنوبية، حيث يكاد المسلمون في بعض بلدانها يذوبون في المجتمع الكافر، إذ لا يوجد عندهم من الإسلام إلا الهوية بمرور خمسة أجيال.
وللأسبان المسلمين مركز في غرناطة.
التثبت من حقيقة منهج بعض الجماعات الإسلامية:
وقال الأخ بهيج: إنها توجد جماعة الكتاني الذي جاء في حدود الثمانين وقد تعرف الكتاني على شخص وعمل له مركزاً في مسجد قديم، واتضح فيما بعد أن الرجل غير مسلم بل ظهر أنه سرق مجوهرات وسجن، ثم زار الكتاني غرناطة ووجد فيها صوفياً من الأسبان وساعده أيضاً، واتضح أنه كان يستعمل الحشيش وقد أفلس وباع المركز للشيعة.
ثم اتصل الكتاني برجل يدعى عبد الرحمن مدينة، وقدم له بياناً بعشرين مركزاً للأسبان المسلمين وساعدهم، وكل تلك البيانات كذب، والكتاني يمني نفسه بأن هؤلاء الذين يتعاون معهم يمكن أن يعيدوا الأندلس الإسلامية!
وقد عمل لهم مؤتمراً في غرناطة اختلط فيه الرجال والنساء وفي هذه السنة عمل مؤتمراً عالمياً في أحسن فندق في غرناطة بدون فائدة.
ثم غادر الأخ بهيج وزملاؤه الفندق، وطلبوا منا أن يقوموا هم بمرافقتنا إلى الأماكن السياحية في أسبانيا، وفي الأندلس خاصة، بدلاً من المكتب السياحي، وقد كان ذلك.
المركز الإسلامي يتولى شأن زيارتنا:
الخميس: 15/11/1405هـ
جاءنا في صباح هذا اليوم الخميس الأخ حسان سلامة الذي يحضر الدكتوراه في الأدب الفلسطيني، وله في مدريد ثلاث سنوات، وهو رئيس المركز الإسلامي في مدريد ومندوب الرابطة في أسبانيا، مررنا بمكتب الخطوط الأمريكية، بقرب الفندق لتأكيد الحجز للسفر إلى المغرب في يوم الاثنين الموافق: 19/11/1405هـ
نظر رجل الأمن في مكتب الخطوط إلى: "الحبلى" حقيبتي اليدوية المنتفخة وقال: افتحها، فمددت بها إليه فتأخر وأشار إلي أن افتحها، فلما فتحتها اطمأن، وأشار إلينا بالدخول فقال الشيخ: زاجر النصارى والملحدين، مشيراً إلى ما حصل في طائرة نيويورك ـ سان فرانسسكو.
أكدت لنا الموظفة الحجز من مدريد إلى الدار البيضاء، واعتذرت من تأكيده من الدار البيضاء إلى جدة، وقالت: أكدوه إذا وصلتم إلى المغرب، فقال الشيخ - مجاملاً وكانت مجاملته مبنية على أساس صحيح: قل لها: إننا وجدنا في خطوطهم خدمة جيدة جداً، فسألت الأخ حساناً: ما اللفظ العربي الذي يساوي: ثنكيو في اللغة الإنجليزية؟ فقال لها: شكراً، فهزت رأسها للشيخ مبتسمة، وقالت: شكراً، فانتشى وقد أصبح أهل اللغة الإنجليزية يحدثونه بلغته بسبب دعاباته المباحة: ومن لم يشكر الناس لا يشكر الله.
معلومات عامة عن أسبانيا:
ثم خرجنا مواصلين سيرنا إلى مكتبة الأوسكوريال الشهيرة، وفي الطريق كتبت عن الأخ حسان المعلومات الآتية:
إن ثلاثة ملايين في أسبانيا عاطلون عن العمل، منهم ثلاثون ألف طبيب.
وكان الشيوعيون قد احتلوا البلد قبل الحرب العالمية الثانية، وكان فرانكو آنذاك في الصحراء الإفريقية، فجاء في سنة 1936م وقاومهم حتى انتصر عليهم، وجازاهم على تمردهم أن جعلهم يحفرون كنيسة في جبل، وهي موجودة، وذلك عبارة عن أشغال شاقة، وسمى الوادي الذي فيه تلك الكنيسة: وادي الشهداء.
اتحاد الطلبة المسلمين نواة المركز الإسلامي:
والمركز الإسلامي ملك للمسلمين، وهو وقف إسلامي، بدأ العمل فيه سنة 1967م، عندما أصدر فرانكو قانون حرية الأديان، خشيه من ضياع ملكه من يده، وكان الكاثوليك وحدهم هم الأحرار في دينهم. فتألف في تلك الفترة اتحاد الطلبة المسلمين، ثم تطور إلى المركز الإسلامي.
واستدعى فرانكو في آخر الأمر ابن الملك خوان كارلوس الذي رباه هو على يده، وكان الملك معتقلاً، وأقام النظام الملكي وأذن بحرية الأديان، ليوجد بذلك أكثر من جبهة ضد الشيوعية، وكان حرس فرانكو الخاص من المغاربة حتى فارق الحياة، إذ كان يثق فيهم أكثر من غيرهم، ولذلك أعطاهم مسجداً قديماً في قرطبة تكريماً لهم، وكان المسجد قبل ذلك مستودعاً، ومنحهم مقبرة لموتاهم في مدريد، وتوسع العمل الإسلامي الذي تحتم معه إقامة مركز إسلامي في مدريد وفروع له في المدن الأخرى.
ثم انفصل عن الاتحاد والمركز مجموعة، وهم الذين ألفوا الجمعية الإسلامية.
ومن أحسن ما قام به المركز هو إنشاء المدرسة، وهي ملك المسلمين تابعة للوقف، وفيها عشرة أساتذة تنطبق عليهم شروط النموذج الأسباني، مع فهمهم للدين وتمسكهم به، لذلك سيعترف بالمدرسة النظام الأسباني، ويدرس فيها الدين الإسلامي والتاريخ الإسلامي، وتلتزم المدرسات باللباس الإسلامي وكذلك الطالبات، والمدرسة مجهزة بوسائل التعليم من فيديو وأشرطة وكتب إسلامية، وفيها مرافق نشاط رياضية ومسجد، وبها ثمانية صفوف من الأول إلى الثامن، وهي أول مدرسة إسلامية في أسبانيا بعد سقوط غرناطة، وأول مدرسة في أوروبا من نوعها، بعد مدرسة ألمانيا في ميونخ.
وبعض أمهات الطلبة المسلمين نصرانيات، لا يسمحن بدخول أولادهن المدرسة إلا بثقة في مستقبل المدرسة، أو ضغط من الآباء إذا كانوا ملتزمين، ولهذا لا يزال العدد قليلاً.
وقد بدأ التسجيل يزداد، ولو قدرنا على إنشاء نظام داخلي لاستطعنا جلب عدد أكبر، لأن كثيراً من الآباء يسكنون في مناطق نائية عن المدرسة، لا يستطيعون إحضار أولادهم يومياً، ولهذا اضطررنا أن نبعث إليهم من يعلم أولادهم في مناطقهم في أيام الإجازات، وقد افتتح المدرسة الدكتور توفيق القصير أمين عام الندوة العالمية للشباب الإسلامي.
ومما ساعدنا على إنشائها أن الملك فهداً [رحمه الله] تبرع بمبلغ لاستئجار مقرين لمدرستين، فرأينا أن شراء المدرسة الواحدة في أول الأمر خير من الاستئجار، وقد كنا عازمين على استئجار مدرسة في غرناطة، وأخرى في برشلونة، ولدينا مبلغ في البنك لشراء أرض في برشلونة، بعد أن تعد له دراسة من جميع الوجوه، وقد تفاهمنا مع المسلمين في برشلونة، وكانوا يفكرون في إنشاء مدرسة لأولادهم، فعرضنا عليهم أن نتولى نحن ذلك لما لدينا من خبرة، ونحن في انتظار جوابهم، وقد ظنوا أن هدفنا من وراء ذلك الربح، فأخبرناهم أن الأصل هو إنقاذ الأولاد بتعليمهم، وليس هو الربح المادي.
مشروع المركز الإسلامي:
ثم ذكر لنا الأخ حسان قصة أرض أهديت للملك فيصل رحمه الله ليستفيد منها المسلمون، كما أهديت قطعة أرض أخرى لليهود، وقد استغل اليهود أرضهم فوراً، أما المسلمون فقد أهملوا أرضهم حتى مضى عليها خمس سنوات، وسحبت الحكومة الأسبانية قطعة منها، لأن القانون يقضي بسحب الأرض بعد خمس سنوات إذا لم تستغل، وسحبت الثانية، ثم أعطت الحكومة قطعة أرض أخرى بدلاً منها، وسلمتها لمجلس السفراء العرب، فتدارسوا شأنها واتضح أنها تحتاج في استغلالها إلى مبلغ عشرين مليون دولار، جمعوا منه خمسة ملايين، ومرت خمس سنوات أخرى، ولما جاء الملك فهد، وكان آنذاك ولي عهد، أهداه الملك خوان كارلوس قطعة أرض أخرى ومرت عليها خمس سنوات أخرى، وكادت تسحب مرة أخرى، ولكن نبهنا السفارات إلى ذلك وطلبنا منهم القيام باستغلالها أو تركها لرابطة العالم الإسلامي تتولى القيام ببناء مركز ومسجد عليها، وقد وافقت الرابطة فعلاً على إقامة المركز، وسيبدأ العمل في ذلك الشهر القادم بإذن الله، ومقر الأرض جميل جداً، فإذا أقيم المركز عليها فإنه سيكون معلماً من المعالم الإسلامية.
وتم بناء المركز:
قلت: وقد أقيم هذا المركز فعلاً، وقرأت عنه في بعض الجرائد قبل فترة، وقد التقيت الأخ الكريم الدكتور بهيج ملا حويش في جدة في فندق العطاس حيث كنا معاً نازلين في الفندق، في يوم الخميس الموافق للسابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة من هذا العام 1412هـ – أي بعد هذا اللقاء بخمس سنوات - وذكر لي المعلومات الآتية عن المركز المذكور:
بدئ في إنشائه قبل أربع سنوات. كلف إنشاؤه أكثر من ثمانية عشر مليون دولار أمريكي، ومساحة الأرض وحدها خمسة آلاف متر مربع وهو يتكون من أربعة طوابق غير مواقف السيارات ونحوها في الأسفل(17).
مرافق المركز:
وقد روعي في إنشائه أن يشتمل على المرافق الآتية:
1-مدرسة.
2-مساكن (خمس شقق).
3-مكاتب إدارية.
4-خزانة ملفات إلكترونية.
5-قاعة احتفالات.
6-مكتبة.
7-مطاعم.
8-قاعة معارض.
9-قاعة محاضرات تتسع لخمسمائة شخص.
10-مواقف تتسع لمائة سيارة.
وموقعه ممتاز، يقع في الخط الدائري.
وقد اتصل المسؤولون عن المركز بوزارة العدل الأسبانية، وطلبوا منها الاعتراف بالدين الإسلامي، بناء على ما تضمنه القانون الأسباني من إمكان الاعتراف بالأديان ذات الجذور العميقة في المجتمع.
وقد وعدت الوزارة بدراسة الأمر، وأسند لكل جهة مختصة في الدولة دراسة ذلك من جهة اختصاصها، وقد كوَّن المسلمون فيدرالية تمثل الجالية الإسلامية، ووضعت مسودة قانون لتلك الفيدرالية، من أجل حفظ حقوق المسلمين قانونياً في أسبانيا، وعندما افتتحت الفيدرالية حضر الافتتاح وزير العدل الأسباني والسفير السعودي وكان ذلك قبل سنتين.
وكان الدكتور بهيج هو سكرتير الفيدرالية، ولكنه استقال منها - أي من السكرتارية - لمشاغله وسلمت لمسلم أسباني.
وينتظر توقيع الدولة الأسبانية على هذا المشروع، بحيث يأخذ الإجراءات اللازمة، حتى يصادق عليه الملك ويصبح غير قابل بعد ذلك للنقض.
والذي أخر التوقيع هو الخلاف بين المسلمين والحكومة على فقرتين: إحداهما تتعلق بالزواج، والأخرى تتعلق بالمال، بحيث تصبح الفيدرالية تأخذ من الحكومة ميزانيتها كما تأخذ ذلك الكنيسة، وتكون رواتب مدرسي المواد الإسلامية على الدولة.
وقد اقترح الإخوة في المركز أن يكون للمركز مجلس أمناء يرأسه السفير السعودي.
ويحدد المجلس سياسة المركز.
ويعين المجلس المدير التنفيذي.
يشترك في عضوية المجلس أحد سفراء حكومات الشعوب الإسلامية من غير العرب.
وعضو من رابطة العالم الإسلامي.
وعضو من الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
وعضو من الندوة العالمية للشباب الإسلامي.
وعضو من جامعة إسلامية.
والمقرر أن يفتتح المركز في شهر فبراير من هذا العام 1992م.
وهذه السنة فيها نشاطات متعددة في أسبانيا من مؤتمرات ومعارض وغيرها.
وينبغي أن يكون المركز واجهة تجذب الناس إلى الإسلام في مخبره قبل مظهره.
وقد بدأت فيه مدرسة لأبناء السعوديين خاصة وعددهم 17 طالباً فقط، والمنهج الذي يدرس فيها هو المنهج السعودي، مع العلم أنه توجد مدارس مجانية عامة لليبيا والعراق.
ولعل المملكة تفتح المجال لغير السعوديين لما في ذلك من مصلحة، ولقطع ألسنة الحاقدين، ويرى الأخ بهيج أن المركز في حاجة إلى ملء فراغ المركز بأنشطة إسلامية، وأنه يحتاج إلى موظفين لا يقلون عن ثلاثين شخصاً.
وقد فكر أعضاء المركز الإسلامي في إقامة مسجد كبير، ولكن رأينا أن المسجد الذي ستبنيه الرابطة أولى، حتى لا تتبدد الجهود، ونحن نقوم ببناء مدرسة. [انتهت المعلومات التي أدلى بها الدكتور بهيج في جدة].
واسم المركز الذي ستبنيه الرابطة: المركز الثقافي الإسلامي، وستبنى بجانبه مدرسة.
هذا وقد تم بناء المركز الثقافي الإسلامي في مدريد، وافتتحه الأمير سلمان بن عبدالعزيز، أمير منطقة الرياض، والملك: خوان كارلوس في 24ربيع الأول، من عام: 1413هـ ـ21سبتمبر 1992م. [نشرت ذلك وسائل الإعلام، وكتبت عن افتتاحه مجلة الشرق الأوسط، في عدد: 332 بتاريخ: 9-15 جمادى الأولى 1413هـ -4-10 نوفمبر 1992م. وذكرت أنه أكبر مركز ثقافي إسلامي في العالم... وفيه مرافق متنوعة، لو استغلت استغلالا سليما لكان لها من الثمار الشيء الكثير].
نسأل الله تعالى أن يجعله منارة خير وهدى، بأن يهيئ له علماء ودعاة من ذوي الفقه في الدين، والإخلاص لله، والرغبة الشديدة في هداية الناس وإخراجهم بهذا الدين من الظلمات إلى النور. وهذا هو المقصود من تشييد المساجد وعمارتها. ولا يكفي مجرد البناء المادي مهما بلغ من الفن المعماري والقوة...
عودة إلى المعلومات التي سجلتها عن الأخ حسان:
ونعود بعد ذكر المعلومات عن إنشاء المركز إلى ما أدلى به الأخ حسان، ونحن في طريقنا إلى مكتبة الأوسكوريال.
قال الأخ حسان: وتوجد في مدريد مدرسة عراقية، وهي سائرة على المنهج العراقي وأخرى ليبية، وهي على منهج ليبيا، والعراقية أفضل بكثير من الناحية الإسلامية، وهي تمنح شهادة البكالوريا وليس للمنهج الأسباني فيها دخل، مع اعتراف أسبانيا بها لأن بينهما تبادلاً ثقافياً. وشهادة المدارس العراقية معادلة عند الأسبان، لذلك يستطيع المتخرج فيها أن يدخل في الجامعات الأسبانية.
ونحن نركز على ترجمة الكتب الإسلامية، إلى اللغة الأسبانية وطبعها أو طبع ما ألف أصلاً باللغة الأسبانية ما دام سليماً من الأخطاء.
وقد طبعنا ثلاثة وعشرين كتاباً في العقيدة وفقه العبادات وغيرها، ونهتم بالكتب التي تخاطب الفكر الأوروبي، مثل كتاب الإسلام تحت المجهر، الذي ترجمناه بعنوان أضواء على الإسلام، وأصله باللغة الإنجليزية، وقد لاقى نجاحاً كبيراً.
وسيظهر كتاب آخر، وهو الظاهرة القرآنية، لمالك بن نبي، وكذلك كتاب: حياة محمد، لمحمد حسين هيكل مع تعليقات على ما لوحظ في الكتاب.
ولدينا خطة لترجمة بعض الكتب وطبعها عن حياة الصحابة في مسلسلات صغيرة، وكنا نريد أن نترجم معاني القرآن الكريم، ولكن علمنا أن رابطة العالم الإسلامي تريد القيام بذلك، فضممنا جهودنا لجهودهم، وبعثنا لهم ما عندنا في ذلك.
ولدينا أفلام فيديو عن آثار الأندلس، وأخرى عن أركان الإسلام: الأول يستغرق عشرين دقيقة، والآخر ساعة ونصف الساعة، ونقوم بتوزيع الكتب في أمريكا الجنوبية، لأن فيها ثلاثمائة مليون ينطقون اللغة الأسبانية، وقد تم إقامة تنسيق مع المجلس الإسلامي الأعلى في الأرجنتين بتبادل زيارات وإقامة مخيمات، وإعطائهم كتبا يقومون بطبعها هناك، ونتوسط لهم في بعث دعاة إليهم عن طريق بعض الجهات الإسلامية، كوزارة الأوقاف الكويتية والرابطة.
والمجلس المذكور له نشاط طيب، يتعاون مع الرابطة والندوة العالمية للشباب الإسلامي.
ونراسل الجامعات ونتبادل معها الكتب، وتأتينا كتب من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وغيرها، ونوزعها على فروعنا في أسبانيا والمغرب، وقد بعثنا بعشرات الكتب من تفسير القرآن الكريم إلى دول المغرب، وبعض الدول تمنع دخول الكتب الإسلامية، ولكن ندخلها بأسلوب مناسب.
ونقيم مؤتمراً سنوياً عالمياً يحضره ما بين ثلاثمائة وأربعمائة، ولكن رأينا أن الأولى إعداد مخيم للصغار بدلاً من ذلك المؤتمر، وكان عندنا في العام الماضي أربعون طفلاً، تتراوح سنهم ما بين ست واثنتي عشرة سنة، ونقيم المخيم لهم مجاناً.
وفي هذا العام بلغ عدد الذكور ستين طفلاً، وعدد الإناث أربعين طفلة، وكانت مدة المخيم لكل من الجنسين خمسة عشر يوماً.
والجميل أن الأمهات النصرانيات أحضرن أطفالهن، كما شارك في المخيم بعض الأطفال من النصارى، وبلغت تكلفة المخيم ستة آلاف وخمسمائة دولار، ساعدتنا ندوة الشباب الإسلامي العالمية بخمسة آلاف ريال.
ومن أملاك الوقف الإسلامي أرض جبلية قريبة من مطار مدريد تصلح لإقامة مخيمات، ومقراً للسائحين من المسلمين، كشباب الجامعات، ونريد أن نقيم فيها المرافق الأساسية، كمسجد صغير ومطعم وأماكن وضوء، تكون بأجرة رمزية.
ونقوم بالإشراف على اللحوم، لتذبح على الطريقة الإسلامية وتصدر معلبة أو غير معلبة، ونختم على ذلك مقابل رسوم من الشركة، وقد اعتمدتنا دولة الكويت رسمياً والرابطة شفوياً، كما نؤمن للمسلمين اللحم الحلال في المراكز، وتقام صلاة الجمعة في الساعة الثالثة إلا ربعاً ليتمكن الموظفون من إدراكها.
ولدينا درس أسبوعي كل سبت بعد المغرب، وبعد العشاء كذلك دروس في التفسير والقرآن والتجويد والسيرة والعبادات، وتاريخ الأندلس، بالتناوب بين تلك الدروس، ودروس أطفال: قرآن ولغة عربية وأدب إسلامي، ولغة عربية للأسبان والباكستانيين مسلمين وغير مسلمين، ودورات باللغة الأسبانية للطلبة العرب ودروس تقوية، وكلها بأجور رمزية.
والمركز ملتقى للمسلمين والصحف من كل مكان، ونقوم بإعداد جدول توقيت الصلاة، بالتعاون مع المعهد المصري في مدريد الذي أنشئ من أيام الدكتور طه حسين.
كانت هذه المعلومات تكتب ونحن في طريقنا بالسيارة من مدريد إلى مكتبة الأوسكوريال الواقعة في غرب مدينة مدريد، وتبعد عنها بحوالي أربعين ميلاً.
في مكتبة الأوسكوريال:
وصلنا إلى المكتبة في الساعة الحادية عشرة، وهي في جناح من القصر، الذي بناه فيليب الثاني الذي مثَّل الحقد الصليبي على بقية المسلمين في الأندلس في القرن السادس عشر الميلادي، والقصر كبير وبناؤه فخم.
وقد تجولنا في المكتبة التي تضم كثيراً من المخطوطات العربية النادرة من الكتب القديمة، وكان وقتنا قصيراً لم نتمكن من الاطلاع إلا على ما وضع في الرفوف الزجاجية مفتوحاً ليراه الزوار، ومما رأيناه مصاحف وكتب طب وبعض الكتب التي قيل: إن فيليب الثاني كان يقرأ فيها هو وبعض أولاده.
ثم تجولنا في باحات القصر وغرفه الكبيرة، والمقبرة التي أعدت لدفن ملوك أسبانيا وحكامها وأمرائها، وهي على هيئة قبة من الداخل، أعدت في جوانبها رفوف، وبتلك الرفوف توابيت الموتى وعددها ستة وعشرون تابوتاً.
وقال الأخ حسان: إن عدد الأسبان المسلمين في غرناطة ما بين ثلاثمائة وخمسين وأربعمائة، وفي أشبيلية ما بين ثمانين ومائة مسلم، وبعضهم يكونون جمعيات صغيرة ويذهبون إلى المملكة العربية السعودية والكويت وغيرهما لجمع التبرعات، وليس عندهم تزكيات والمفروض أن لا يعطى المساعدات إلا من زكاه ثقات.
وقال الأخ حسان: إننا نقوم بإلقاء محاضرات عن الإسلام لطلاب المدارس الأسبانية، ويوجد برنامج تلفزيوني لمدة ربع ساعة كل نصف شهر لأهل الأديان، وقد استفاد منه اليهود والنصارى البروتستانت، ونحن لم نستفد منه إلى الآن، وقد تفاهمنا مع الإخوة في الجمعية الإسلامية، ولم يتم شيء، ولعلنا نتولاه قريباً.
وعندنا امرأة مسلمة أسبانية زوجة مدير مدرسة غرناطة يمكن أن تقوم هي بهذا البرنامج، ومعها أخ مغربي رشح من قبل السفارة المغربية والسفارة السعودية، وقد أثنى الإخوة على السفير السعودي إبراهيم نوري وما يقوم به من عمل طيب للإسلام.
وتوجد ندوات للأديان في برنامج إذاعي، ويشترك فيها المركز في بعض الأوقات.
وللشيعة نشاط في هذا البلد، وهم يغرقون الناس بمطبوعاتهم، وسفارتهم في مدريد نشيطة جداً، ولهم مركز في غرناطة، وتبعهم مجموعة من المغاربة والأسبان، ويتعاون في نشر هذا المبدأ ثلاثة أصناف، وهم الإيرانيون، واللبنانيون، والسوريون.
قلت: ما وجدنا بلداً إلا والنشاط الشيعي فيه يحاول أن يسبق غيره من نشاطات السنة، وإن كان أهل السنة أكثر من الشيعة.
والأخ حسان هو مبعوث رابطة العالم الإسلامي في أسبانيا، وهو مدير المركز الإسلامي في مدريد، ويوجد للرابطة مبعوث آخر من باكستان، وهو محمد خان في فرع المركز الإسلامي في برشلونة ولكنه طلب نقله إلى باكستان ولا يرغب في البقاء هنا.
ويوجد مبعوث آخر للرابطة أيضاً، وهو عبد الكريم الخياط الذي عين ليعمل في مركز غرناطة، ولكنه لم يقبل العمل في المركز وتحول للعمل مع المسلمين الأسبان، ثم نقل إلى مدغشقر.
وقد بعثت الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد داعيَيْن آخرين، وهما: الشيخ محمد كمال في "كناري" وهو طيب ونشيط في عمله، وعبد الكريم رحموني من المغرب ومدته قليلة هنا وهو متخرج من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
ثم قال الأخ حسان: إن الذي نشكوه قلة الكتب الإسلامية العربية، وخاصة كتب الفقه والأصول والعقيدة [وهذه تقع مسؤوليتها على المؤسسات الإسلامية كلها في المملكة العربية السعودية والكويت ومصر وغيرها] وكذلك قلة الدعاة وهي كالأولى.
الرجوع إلى مدريد:
وعند دخولنا مدينة مدريد مارين بميدان كولومبس، أشار لنا الأخ حسان إلى مظاهر الحضارة الغربية التي لا بد أن تعصف بها يوماً من الأيام، فقال: إن شباباً من الأسبان المخنثين يحاولون التشبه بالنساء، ويعالجون أنفسهم بعقاقير لتكبير أثداءهم، ويلبسون مثل لباس النساء، ويتجمعون على هذا الشارع ويتزينون لإغراء المارة حتى يجدوا من يفعل فيهم الفاحشة. [وقد رأينا مجموعة من أولئك الشباب مصطفين على جانب الشارع، ولولا أن الأخ حسانا ذكر لنا أنهم ذكور لما خالطنا شك في أنهم فتيات…!].
وقال الأخ حسان معلقاً على كثرة العاطلين عن العمل: إن طعام الكلاب في البلد وما ينفق عليها في المنازل والمستشفيات يكفي لسد حاجات العاطلين.
وقال: إن الأسبان متقدمون في صناعة السفن وفي طائرات التدريب وطائرات الهليكوبتر.
ثم رجعنا إلى منزل الأخ ماهر، وهو أمين صندوق المركز، وقد اجتمع لديه الإخوة: الدكتور بهيج ومصطفى المسدي وغيرهم، وهناك تجاذبنا أطراف الحديث في مجالات شتى ثم أحطنا بمائدة الغداء وبت كل منا الحديث بتاً. وبعد الغداء اتجهنا إلى مدينة: طليطلة.
السفر إلى مدينة طليطلة:
ثم ذهبنا مع الأخ الكريم أبي عبيدة، وهو شاب صالح نشيط - ولا أزكي على الله أحداً - لزيارة المدينة التاريخية الإسلامية طليطلة، التي فتحها طارق بن زياد في أواخر القرن الأول الهجري، وسقطت من أيدي المسلمين في القرن الخامس. [راجع التاريخ الأندلسي للدكتور عبد الرحمن الحجي ص 85، 331].
كان الأخ أبو عبيدة هو الذي يقود السيارة، وكنت متعباً جداً أحاول مغالبة النوم وأتحدث مع الشيخ وأبي عبيدة، ولكن العبد نام، ولم يشعر إلا عندما اهتزت السيارة اهتزازاً غير عادي ثم وقفتْ، وإذا دولاب السيارة قد خرب (بنشر الكفر) ونزلنا من أجل تركيب الدولاب الاحتياطي (الاستبنة) ولكن مفتاح الماسكات (الصواميل) كان قد تساقطت أسنانه لطول عمره، فلم يقوَ على فتح تلك الماسكات، فذهب الأخ أبو عبيدة إلى ورشة قريبة واستعار مفتاحاً فتياً قوي الأسنان، وركب الدولاب الاحتياطي وسرنا على بركة الله، وكان النشاط قد بدأ يدب في جسمي بعد تلك الغفوة الطيبة، وكان سيرنا من مدينة مدريد إلى طليطلة في اتجاه الجنوب مع ميل قليل إلى الغرب.