في مدينة مونتريال
في مدينة مونتريال
وكان في استقبالنا في المطار الإخوة: قطبي المهدي السوداني، رئيس اتحاد الجمعيات الإسلامية في أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة الأمريكية وكندا) والأخ رضوان يوسف النيجيري وهو من الطلبة الذين تخرجوا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1397هـ 1977م والدكتور النفساني محمد أمين رئيس جمعية الجالية الإسلامية التي يوجد مركزها في كوبيك بـ(مونتريال) (15).
أوصلونا إلى فندق (ANGRIL HOTEL UXELESH) وهو فندق صيني يقع في قلب مدينة مونتريال واتفقنا أن يأتينا الأخ رضوان صباح غدٍ الاثنين لزيارة بعض المؤسسات الإسلامية.
في قسم الدراسات الإسلامية بجامعة مقيل:
الاثنين: 20/10/1405هـ
في صباح هذا اليوم، الاثنين جاءنا الأخ رضوان في الساعة التاسعة وقال: لقد ضربنا لكم موعداً للالتقاء برئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة مقيل الأستاذ "ليتيل".
ذهبنا إلى جامعة مقيل، قسم الدراسات الإسلامية، فزرنا الأستاذ ليتيل رئيس القسم، وهو كما قال الأخ رضوان مهتم بالدراسات الإسلامية، والجامعة قريبة من الفندق الذي أقمنا فيه. فاستقبلنا الأستاذ ليتيل ببشاشة، وبدأ يتحدث معنا باللغة العربية، ويسمع منا أيضاً بدون ترجمة إلا نادراً، كأن يحتاج هو أو نحتاج نحن إلى الترجمة، وإن كان حديثه ثقيلاً باللغة العربية(16).
وأول ما بدأ يتحدث إلينا أخبرنا أنه قد اشترك في المملكة العربية السعودية في بعض الندوات.
قسم الدراسات الإسلامية في جامعة مقيل:
وطلبنا منه أن يعطينا بعض المعلومات عن نشأة هذا القسم في الجامعة.
فقال: أنشئ القسم سنة 1901م، وكان السبب في إنشائه أن أستاذاً كندياً يدعى "سميث" يسكن في الهند، وكان يُعَلِّم في إحدى جامعات الهند، ولما رجع إلى مونتريال أسس كلية العلوم الدينية، وأنشأ قسماً لدراسة الدين سنة 1952م، وكان يفكر في تأسيس معهد يتعاون فيه الأساتذة المسلمون وغير المسلمين، والطلاب المسلمون وغير المسلمين، لأن الأساتذة غير المسلمين لم يكونوا يفهمون الدين الإسلامي حقاً، وقد تم ذلك الأمر، فحصل تعاون بين المستشرقين والمسلمين، وأكثر من نصف الطلاب في المعهد هم من المسلمين، ولدينا الآن أستاذ مسلم أفغاني، وكان عندنا أستاذ من الكويت وهو أبو حاكمة وترك القسم، [عرفنا فيما بعد أنه تركه بسبب مضايقة حصلت له] وكذلك كان عندنا أستاذ مسلم اسمه فضل الرحمن، وشارك في التدريس الدكتور إسماعيل الفاروقي، والأستاذ أزيرو.
وسألناه عن توافر المراجع الإسلامية في مكتبة القسم باللغة العربية وغيرها، فقال: إنه يوجد تسعون ألف كتاب ولكن نحتاج إلى المزيد.
وسألناه: هل يوجد بينكم وبين بعض الجامعات الإسلامية والعربية تعاون؟ فقال: كان بيننا وبين جامعات الكويت تعاون، ويوجد شيء من التعاون بيننا وبين المملكة العربية السعودية، فقد اتفقنا أن تمنحنا السعودية أربعين ألف دولار سنوياً منحاً لخمسة طلاب مسلمين ولكن المملكة قطعتها بعد سنتين ولا أدري ما السبب؟ [ذُكِر لنا أن السبب هو صرف المبلغ المذكور على طلاب غير مسلمين].
وسألته عن رأيه في دين الإسلام؟ فقال: إنه مسيحي وله دين يعتقده، وإنه يدرس التاريخ، وتخصصه في ابن تيمية ويحترم اعتقاداته، وإنه يحبذ وجود أساتذة مسلمين في هذا المعهد لعدم قدرته على فهم دين الإسلام كما يفهمه أهله.
وسألته: هل خَفَّتْ حملة المستشرقين على دين الإسلام؟
فقال: إن أوائل المستشرقين كانوا في الأصل دعاة للدين المسيحي، وعندهم رغبة في فهم اليهودية، وكانت دراستهم تنطلق من وجهة نظر فهمهم للدين المسيحي، فلما وجدوا ما يخالف اعتقادهم هاجموا الإسلام، ولكن الوضع تغير الآن، والمبشرون المسيحيون ليس لهم رغبة أن يدخلوا أحداً في الدين المسيحي [هكذا قال!] ولكنهم يريدون تثبيت فهم شامل للدين وهذا حالنا هنا، ولكن من الصعب لغير المسلم فهم الدين الإسلامي فهماً صحيحاً، فلا بد من أساتذة مسلمين. [يكرر الدكتور ليتيل الإلحاح على وجود أساتذة مسلمين، من أجل الحصول على إعانة مالية للمعهد، والأساتذة الذين يحبذ وجودهم، هم الذين يفهمون الإسلام فهماً استشراقياً أو قريباً منه، بدليل ما ذُكر لنا من مضايقة الأستاذ الكويتي].
وهناك مشكلة سياسية، فقد كان الإسلام قبل ألف سنة قوياً في عهد العثمانيين والمغول [وقد أطلق على العثمانيين الأرمن] والناس في الغرب خافوا ـ ولا زالوا يخافون من الإسلام إلى الآن، خصوصاً بعد وجود قوة الشيعة واختطاف الطائرات.
هذه مسوغات ذكرها الأستاذ ليتيل لهجوم المستشرقين على الإسلام؟!.
قلت له: إن المنهج قد يكون غير التطبيق، فقد يوجد منهج ولا يطبقه بعض أهله، فالذنب ذنب من لا يطبق المنهج، وليس ذنب المنهج نفسه، فالشيعة ليسوا حجة على الإسلام، وكذلك غيرهم ممن يخالف الإسلام، وأغلب حكام المسلمين الآن هم علمانيون، وليسوا علمانيين بالمفهوم السائد للعلمانية، وهو: فصل الدين عن الدولة فحسب، بل الوقوف ضد الإسلام عندما يخالف أهواءهم، ومحاربتهم له، وإن ادعوا أنهم مسلمون.
قال: نعم ولكن كل واحد يعتقد ما يريد حسب عقله!
قلت له: هل الدين عندكم تابع للعقل؟
قال: لا، ولكن الصوفية يأتون بأشياء غريبة وهم مسلمون لم يخرجوا من الإسلام.
قلت: ليسوا كلهم مسلمين، بل يوجد منهم غلاة كفرهم علماء الإسلام، كالقائلين بوحدة الوجود.
ثم قلت له: هل تعتقد أن التوراة والإنجيل قد حرفا؟
قال: لا أدري.
قلت: هل قال أحد من المسيحيين: إنهما قد حرفا؟
قال: إن الأمر يحتاج إلى دراسة، والله عندي واحد.
قلت: هل تعتقد فعلاً أنه واحد؟
قال: نعم.
قلت: ما دليلك على أنه واحد، ودينكم يقرر حسب كتبكم الموجودة الآن أنه ثلاثة؟ قال: ثلاثة في واحد!
قلت: هل يصدق ذلك عقلك؟
قال: أعتقده!
لقد كان الدكتور ليتيل يحيد ويراوغ في أجوبته، وظهرت الكآبة على وجهه وعدم الرضا عن هذه المناقشة.
وقال له الشيخ: إن دراستك لابن تيمية الذي بنى عمله على الكتاب والسنة قد يزيدك فهماً للإسلام.
وزعم الدكتور أن خمساً وسبعين في المائة في القسم من المسلمين وأن الباقين من غيرهم. والذي علمناه يخالف هذه النسبة!
ثم زرنا الدكتور المسلم التركي المدعو: ترقاي [ويبدو أن الدكتور ليتيل غير راض عنه، بدليل أنه لم يذكر لنا اسمه عندما زرناه، وهو يزعم أن المعهد في حاجة إلى أساتذة من المسلمين]. فسر بنا سروراً عظيماً، وقال: إننا في أشد الحاجة إلى من يعرف الإسلام، ليعلم الناس هنا أن دين الإسلام حق، وإن من المشكلات التي واجهتنا أننا نتحدث عن الإسلام وعدله وأخلاقه، ولكن ما قامت به إيران بعد الثورة جعل الناس ينظرون إلى الإسلام نظرة غير مطمئنة، وقال: إن السنيين طيبون، ولكن يجب أن نظهر اعتقادنا في أعمالنا، فالمبشرون يهاجمون الإسلام ويعملون ضده ويهاجمون السنيين أيضاً.
ثم نزلنا فزرنا المكتبة التي تقوم بالعمل فيها امرأة عراقية لها في البلد كما قالت: خمسة وعشرون عاماً، فمرت بنا على كثير من أقسام المكتبة.
ثم دخلنا المتحف وتجولنا فيه، وهو يحتوي على صخور وحيوانات محنطة وغيرها، وكان الوقت ضيقاً، لذلك اضطررنا إلى الاكتفاء بهذه الزيارة الخاطفة لمعهد الدراسات الإسلامية في جامعة مقيل.
مع الأخ قطبي المهدي رئيس الاتحادات الإسلامية:
ثم جلسنا مع الأخ قطبي المهدي، فأعطانا بعض المعلومات عن نشاط الاتحاد في هذه المدينة، فقال:
إن الاتحاد أنشئ في مونتريال سنة 1960م. بدأ في جامعة مقيل عن طريق الجمعية الإسلامية التي كُوِّنت فيها من الطلاب المسلمين، ومنهم إسماعيل الفاروقي، وكان عدد الجالية قليلاً جداً، يصلون الجمعة هنا، وشجعهم الإخوة الطلاب على بناء مسجد خارج الجامعة، فبنوا المركز الإسلامي سنة 1967م، ثم تدفقت أفواج المهاجرين، وأصبح في المدينة أربع جامعات في كل جامعة جمعية إسلامية، يقيمون فيها صلاة الجمعة ويقومون بنشاطات إسلامية أخرى، وهي تابعة للاتحاد الإسلامي.
وفي عام 1979م نشأت جمعية في غرب المدينة، وهي جمعية مسلمي كوبيك، وبمساعدة من المملكة العربية السعودية أنشئ مركز كبير للجالية، ويرأس هذا المركز الآن الدكتور محمد أمين، وهو طبيب نفساني يُدَرِّس في كلية الطب.
وأنشئ في وسط المدينة مسجدان: مسجد الأمة، ومسجد فاطمة، الأول مستأجر، والثاني بناه أحد التجار السوريين وتديره رابطة الشباب العربي المسلم، وكان إنشاؤه سنة 1978م.
ولدينا ثلاثة أئمة متفرغين، أحدهم من رابطة العالم الإسلامي، واثنان من قبل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وهما الأخ عبدالرحمن إبراهيم أحمد إمام مسجد كوبيك، والأخ رضوان إمام الجمعية الإسلامية بجامعة مقيل، وعدد المسلمين خمسة وعشرون ألفاً، نصفهم من العرب: لبنان وفلسطين وشمال إفريقيا، والباقون من غير العرب: من الهند وباكستان وإفريقيا، ولا توجد خلافات جوهرية وإنما قد توجد خلافات بسبب حواجز اللغة.
والشيعة موجودون، وقد حاولوا أن يحتلوا المساجد ولكنهم فشلوا.
ومن المشروعات التي سعينا في إيجادها المدرسة الإسلامية الكاملة، وقد اشترينا المبنى الذي ستكون فيه الدراسة، وهو يُعَدَّل الآن ليتناسب مع الدراسة، وستبدأ المدرسة بإذن الله في شهر سبتمبر من هذا العام، وسينتهي تعديل البناء في 15من شهر يوليو، وسيكون عدد الطلبة في أول الأمر خمسة وسبعين طالباً من المرحلة الابتدائية، وتتدرج المدرسة حتى تصير ثانوية عليا.
وقد جمعنا لذلك تبرعات من قبل التجار في المملكة العربية السعودية، ومن الجالية الإسلامية هنا.
وستضطر الجالية إلى أن تنفق على المدرسة لمدة ثلاث سنوات، وعندما ترى الحكومة أن المدرسة قائمة، يمكن بعد ذلك أن تتولى الإنفاق عليها.
ولدينا مشروع كبير لبناء مسجد كبير، لأن المساجد الحالية غير كافية، وقد اشترينا أرضاً واسعة كافية للمشروع وعندنا ما يقارب خمسين ألف دولار من تكلفته، ونعتزم إنشاء استديو لإعداد برامج إذاعية وتلفزيونية، وبعض إخواننا في المملكة العربية السعودية الآن يجمع التبرعات، وسيتصل بوزارة الإعلام السعودية لطلب المساعدة في هذا المجال، وسيكون البث من مبنى الإذاعة والتلفزيون، والأمور هنا ميسرة لا يعيقنا إلا وجود الإمكانات.
جولة قصيرة في حديقة عامة:
ثم ذهب بنا الأخ رضوان إلى إحدى الحدائق العامة في مونتريال، وبها جناح مغطى فيه معرض للأشجار والزهور العالمية، وهو يقع بجانب المبنى الرياضي الكبير الذي أُعِدَّ بمناسبة الألعاب الأولمبية.
ثم ذهبنا إلى أحد المطاعم اللبنانية في وسط البلد حيث وجدنا فيه كل أنواع الأطعمة الشرقية والحلويات، قعد الشيخ، ووقفنا أنا والأخ رضوان أمام موظفي المطعم لاختيار بعض الأطعمة، وعرف الموظف أنني عربي فقال: إيش بِتْرِيْدْ؟ باللهجة اللبنانية، فطلبنا ما نريد وتناولنا طعام الغداء ثم عدنا إلى الفندق.
زيارة المساجد الثلاثة:
جاءنا الأخ رضوان في الساعة السادسة والنصف مساء فذهبنا لزيارة المساجد الثلاثة:
المسجد الأول: مسجد الأمة. وهو فرع من مسجد الجالية الإسلامية في كويبك الذي يرأسه الدكتور محمد أمين.
وأغلب الذين يصلون فيه عرب، تسعون في المائة منهم مغاربة، وإمامه لبناني تخرج في كلية الشريعة بالجامعة الأزهرية، وهو مبعوث من رابطة العالم الإسلامي.
وكنا في هذا المسجد في الساعة السابعة، ولم نجد فيه إلا رجلاً واحداً كان قائماً يصلي العصر، والمسجد يتسع لخمسة عشر صفاً، كما قدرته، الصف يتسع لخمسة وعشرين مصلياً، وعلى هذا فهو يتسع لـ(375)، وهو مستأجر.
المسجد الثاني: هو مسجد فاطمة. وهو لا يبعد عن الأول بل يعتبران متجاورين، يفصل بينهما شارع وقد تعجبنا من ذلك، لأنهما في وسط المدينة، وعدد المصلين فيهما ليسوا كثيرين، إلا يوم الجمعة الذي يمكن أن يكفي أحدهما المصلين وبخاصة مسجد الأمة.
وهذا المسجد عبارة عن بيت صغير مكون من ثلاثة أدوار، الدور: الأرضي يتسع لخمسين مصلياً تقريباً.
والدور الثاني خصص للنساء.
والدور الثالث للمكتبة والحارس.
ولم نجد فيه أحداً.
وقال الأخ رضوان: إن الناس في غير أيام الإجازة لا يحضرون المساجد إلا قليلاً.
تعريف بالأخ رضوان:
سبق أنه تخرج في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سنة 1397هـ 1977م.
له في مونتريال خمس سنوات، وهو مبعوث من الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، في المملكة العربية السعودية.
ومع قيامه بالدعوة يواصل الدراسات العليا، وقد أكمل مرحلة الماجستير، وكان بحثه في القياس عند أبي حنيفة، ويحضر الآن رسالة الدكتوراه وبحثه في الاستحسان، وهو متزوج وله ثلاثة أولاد.
تجولنا في المدينة لمدة تزيد عن الساعة.
المسجد الثالث: مسجد "كوبيك": ثم ذهبنا إلى مسجد الجالية الإسلامية في كوبيك، وهو المسجد الثالث في هذه المدينة، وإمامه الأستاذ عبد الرحمن إبراهيم أحمد السوداني الذي درس في جامعة الرياض، وأكمل الماجستير فيها (واسمها الآن جامعة الملك سعود) في قسم الثقافة الإسلامية.
أُذِّن لصلاة المغرب في الساعة الثامنة والدقيقة الخامسة والأربعين، وبعد صلاة المغرب ألقى الشيخ نصيحة للحاضرين، وقدموا بعض الأسئلة وأجيبوا عنها. وهذا المسجد بعيد عن مساكن المسلمين.
وطلب بعض الحاضرين أن تمنحهم الجامعة الإسلامية بعض المراجع الإسلامية، كما طلبوا أن تخصص الجامعة لأبنائهم منحاً دراسية ويفضل أن تكون المنح لأبناء الجالية الإسلامية، لأن المسلمين من أهل البلد إذا ذهبوا إلى المدينة لا يصبرون على البقاء مدة طويلة، ويقترحون أن يُفتح لطلاب أهل الغرب قسمٌ لا يتجاوز سنتين ليدرسوا فيه مبادئ الإسلام وشيئاً من اللغة العربية ثم يعودوا.
واقترح الشيخ أن يطلب لأمثال هؤلاء إقامة دورات لمدة شهرين أو ثلاثة، كما تقام دورات في بلدان أخرى.
وذكر بعض الإخوة أن عدد المسلمين الكنديين يمكن أن يزيد على مائتين. أما في الولايات المتحدة الأمريكية فعددهم كثير جداً.
وقال الأخ قطبي المهدي: إن الاتحاد قد أنشأ قسماً خاصاً بالمسلمين في أمريكا وكندا، وفي المنطقة الشرقية ثلاثون ألفاً في السجون، ويوجد شخص مسلم مخصص لهذا العمل وهو أمريكي، وعلى اتصال مستمر بالمسجونين.
وقد وضع لهم نظام تعليم بالمراسلة، وهي بمعدل مرتين في العام ويستوعب ما بين ثلاثين وأربعين شخصاً، توزع عليهم الكتب والنشرات.
وخصصت لهم كتب. والأئمة والدعاة من الأمريكان، ويوجد أفراد متخصصون لكل الجمعيات، كالبلاليين.
ومن المشكلات عندنا عدم وجود كتب صالحة لهؤلاء الناس، ولهذا يُعِد الاتحاد كتيبات ونشرات خاصة تناسبهم.
وطلب إمام المسجد أن تقوم المؤسسات الإسلامية، مثل الجامعة الإسلامية، بدراسة واسعة لأوضاع المسلمين في الغرب، وبدون ذلك لا يستطيع الدعاة خارج المنطقة أن يؤدوا ما ينبغي للمسلمين هنا، بل سيكون اهتمامهم في واد ومشكلات المسلمين في واد آخر.
من ذلك أنه لا بد للكتاب الإسلامي من اختيار مناسب، ويكون بلغة كل منطقة، وضرب مثلاً لذلك بكتاب مبادئ الإسلام للأستاذ المودودي، قال: إنه قد أسلم بسببه عدد كبير، ولكنه لم يوجد باللغة الفرنسية في هذه المنطقة التي يجيد أهلها الفرنسية ـ يعني مدينة مونتريال ـ وكذلك يجب الاهتمام بأولاد المسلمين الذين ينشأون في الغرب، لأنهم يتربون على مناهج الغرب التعليمية والإعلامية، وقد تعب المسلمون في مجرد إقناع الحكومة الكندية في أن تأذن لهم بإنشاء مدرسة خاصة كاملة، مع أن الحكومة تساعد اليهود والنصارى.
كذلك المسائل الفقهية تحتاج إلى علماء في الشريعة الإسلامية، وعندهم اطلاع على أوضاع المسلمين ومشكلاتهم في الاقتصاد وغيره، والمسلمون هنا منقسمون في أوقات الأعياد والصوم واتجاه القبلة.
وقال الأخ قطبي: أنا أؤيد ما اقترحه الأخ عبد الرحمن وأحب أن أضيف أن سيل الهجرة المتدفق من المسلمين إلى هذه البلدان أصبح محدوداً، وهم الذين يساعدون في انتشار الإسلام وأصبح العبء كله الآن على الموجودين، وإذا لم توجد وسائل للحفاظ على مكاسب المسلمين الموجودة والدفع بالإسلام إلى الانتشار، فإن في ذلك خطراً على مستقبل الإسلام هنا.
والتعليم هو الذي يستوعب أولاد المسلمين خلال خمس سنوات، حيث إن الطفل أو الناشئ المسلم، يبدو أمام زملائه شاذاً في اسمه وفي تصرفاته، إذا كانت إسلامية، فيُحتَقر ويُزدَرى، ولا يستطيع أن يتحمل ذلك الاحتقار والازدراء، فيحاول تغيير اسمه وإخفاء تصرفاته، وانتمائه إلى بلده ودينه، حتى يذوب في المجتمع مع زملائه.
ولهذا اقتنعنا بأن الحل الذي لا بد منه، هو التعليم الإسلامي المستقل، وبدونه يكون الناشئ كمن يسبح ضد التيار.
والتعليم في حاجة إلى إمكانيات بشرية ومادية.
مرحلة النشر، لا مرحلة الإنقاذ فقط.
وأضاف قطبي: يجب أن ينظر المسلمون إلى أنفسهم هنا أنهم في مرحلة متقدمة، هي مرحلة نشر الإسلام، ولا ينظروا إلى أنفسهم أنهم في حاجة إلى الإنقاذ فقط، فإنهم إذا نظروا إلى أنفسهم أنهم في حاجة إلى الإنقاذ فقط، تكون النظرة سلبية، وهي في الواقع روح انهزامية، ولو نظر المسلمون إلى أنفسهم هذه النظرة من قبل، لما كان هذا الخير موجوداً في هذا البلد، كما نأمل من المسلمين في البلدان الإسلامية أن ينظروا إلينا هذه النظرة المتقدمة، ويساعدونا على هذا الأساس.
ولهذا صممنا أن نقيم مدرسة إسلامية كاملة لأولادنا بإمكانيتنا المحدودة، حتى إذا تشبعوا بمبادئ الإسلام والتربية الإيمانية، لم يضرهم بعد ذلك الاختلاط بأهل التيار المعاكس، لأن المؤمن المعد إعداداً طيباً يرجى أن يؤثر هو في غيره، ولا يتأثر بغيره من المخالفين لمبادئه.
هكذا يكون علو الهمة:
إن هذه الجمل التي سجلتها بنصها تقريباً من كلام الأخ قطبي، قد ينظر إليها بعض الناس نظرة تعجب، وقد يرى فيها شيئاً من المبالغة، ولكن عزة المسلم الصادق وهمته العالية، تقوده إلى التفاؤل والإقدام، وتحول بينه وبين التشاؤم والإحجام.
والذي زار أمريكا قبل عشر سنوات وزارها الآن، يرى الفرق الكبير الذي يؤيد نظرة الأخ قطبي، فليثق المسلمون القاطنون في بلاد الغرب أنهم إذا تحركوا جادين بخطوات ثابتة وبإيمان صادق، سيجدون أنفسهم ناجحين في دخول غيرهم في الإسلام مع ثباتهم هم على دينهم، وسيستوطن الإسلام بلاد الغرب اليوم كما استوطن غيرها أمس، بإذن الله!
وليتق الله المسلمون في الشعوب الإسلامية وبخاصة حكامهم وأغنياءهم، في إخوانهم المسلمين في الغرب، ويمدوا لهم يد المساعدة بما يقدرون عليه من مال ودعاة وكتب، لينتشر الإسلام في الغرب انتشاراً تتحقق لهم به العزة، كما تحققت لآبائهم من قبل عندما وصل الإسلام إلى شرق الدنيا و غربها، بالجهاد والدعوة والخلق الحسن.
ثم أذن لصلاة العشاء في الساعة العاشرة والدقيقة الخمسين. وبعد صلاة العشاء دعانا رئيس الجمعية لتناول بعض الحلويات والمرطبات في قاعة الاجتماعات بالمسجد.
وقد وجدنا في هذه اللقاءات كثيراً من المسلمين المتخصصين في مجالات علمية متنوعة، حُرِمَت منهم بلادهم لعدم عودتهم إليها، بسبب المضايقات التي يجدها بعضهم من حكومات بلادهم، أو عدم تمكينهم من مزاولة تخصصاتهم التي أفنوا في تحصيلها شبابهم، وكثير منهم ساخط على بذل طاقته لبلاد الغرب، مع حاجة بلادهم الشديدة إليهم.
ورجعنا إلى الفندق في الساعة الثانية عشرة لأخذ راحتنا.
السفر إلى إنديانا بولس:
الثلاثاء: 21/10/1405هـ
في الساعة العاشرة من صباح هذا اليوم: الثلاثاء ذهبنا إلى شركة الخطوط الأمريكية (إير أمريكان) ليحجزوا لنا جميع رحلاتنا الباقية: ابتداء بشيكاغو، وانتهاء بالمدينة المنورة، وهي كالآتي:
(شيكاغو-إنديانا بولس-ديترويت-واشنطن-أتلنتا-تلاهاسي-بنماستي - ميامي-لوس إنجيلوس- سان فرانسسكو-مدريد-الدار البيضاء-جدة-المدينة المنورة).
أخذ الموظف تذاكر السفر، واتصل بالشركة في أمريكا وأعطاهم خط السير، وأرقام التذاكر، وقيمتها، وقال لنا بعد أن أمضى ما يقارب الساعة: أمهلوني حتى يأتي جواب الشركة فيما يتعلق بالقيمة، أهي كافية أم لا؟.
فذهبنا إلى الفندق لأخذ حقائبنا ومحاسبة الموظفين، وعندما جئنا إلى الفندق لم نجد ثيابنا التي أعطيناهم بالأمس لغسلها، ووعدوا أنها ستجهز الآن، كنا في حاجة إلى السفر وهم يسوفون، وبعد أن مضى نصف ساعة تحققنا أنها لا زالت في المغسلة، فحاسبناهم، ووكلنا الأخ رضوان في تسلمها وبعثها إلى ولد الشيخ في تلاهاسي.
والفندق ملك لجماعة من الصينيين، لأن موظفيه كلهم من الصين، ولهذا بدا عليهم أثر الكسل الآسيوي في كثير من خدماتهم في الفندق.
ذهبنا إلى صاحبنا ـ موظف الخطوط ـ فقال: إن السعر المطلوب منكم زيادة على ما في التذاكر سبعمائة دولار على كل تذكرة، قلنا: لماذا؟ قال: لأنكم طلبتم تغيير التذاكر من مونتريال إلى شيكاغو، بدلاً من إنديانا بولس وقد تم الحجز لكل المدن التي تريدون، وسلَّمَنا بيانا مطبوعاً على الكمبيوتر بأرقام الرحلات، وأسماء الشركات، والبلدان، والتواريخ.
فقلنا: لا حاجة إلى التغيير، فلنذهب إلى إنديانا بولس إن كان في الإمكان، فقال: نعم، وألغى ذلك الحجز الطويل دون أي امتعاض أو تأثر، واتصل بشركة في المطار، وحجز لنا إلى إنديانا بوليس، وأسرعنا إلى المطار فأخذوا ـ حقائبنا وسلمونا بطاقات الصعود، ومررنا بنقاط عبور المسافرين في القاعة، وودعنا الأخ رضوان بعد أن اطمأن على انتهاء الإجراءات وأسرع في العودة إلى منزله وتمنينا بعد ذلك أن لا يكون غادر قاعة المطار، وكان السبب في إسراعه أنه يريد أن يتصل هاتفياً ببعض الإخوة في إنديانا نظراً لمفاجأة تغير السير من شيكاغو إلى إنديانا.
الميجر الحاقد!
في آخر نقطة من نقاط العبور إلى باب الخروج إلى الطائرة، مررنا بالميجر الحاقد الذي لمسنا منه حقداً أشبه ما يكون بحقد اليهود على المسلمين.
سألني سؤالاً فلم أفهمه، لقلة بضاعة اللغة عندي، ولأكلهم الحروف أكلاً عندما يتحدثون، فقال: هل تتكلم الإنجليزية؟ قلت: لا، وكان هذا سلاحنا في كثير من المطارات، إذا قلنا نو سبيك إنجلش أشفقوا علينا وساعدونا أو تركونا.
أما الميجر الحاقد ذو الوجه العابس الذي لا يعلوه البشر، فقد عكس القاعدة، فأخذ بطاقات صعود الطائرة وضرب عليها بقلمه إشارة إلى إلغاء سفرنا على هذه الرحلة، وأشار لنا بأن نرجع إلى موظفي الخطوط الجوية، رجعنا إلى الموظف، وقلت له: نحن لا نتكلم الإنجليزية. وأطلعته على ما فعل إبليس بالبطاقات، فقال لي الموظف: أين صديقكم الذي كان معكم قبل قليل؟ قلت له: رجع إلى بيته. فقال: هل تعرفون اسمه؟ قلت: نعم، فأخبرته باسمه، فأخذ يناديه بواسطة مكبر الصوت، ولكن الأخ رضوان قد غادر المطار، وكنا نظن أن الطائرة قد غادرت المطار أيضاً.
تغدو خماصاً وتروح بطاناً:
وتحرك الشيخ مسرعاً إلى موقف السيارات، لعله يجد الأخ رضوان، فلم يدركه، ثم كر راجعاً إليَّ، وفي طريقه رأى خمسة من ذوي اللحى الموفرة، والعمائم المكورة، يدخلون من باب القاعة في تلك الساعة، فأسرع إليهم مهرولاً، وعلى الله متوكلاً، فقال رافعاً صوته بعد السلام: أيها الإخوة الكرام، فقالوا له: وعليكم السلام ورحمة الله يا عبد الله، فقال لكبيرهم ظناً منه أنه أميرهم: هل تتكلم العربية؟ فقال: سنتكلم بما يسر الله بها وباللغة الإنجليزية، وكان كلامه قد أضحى باللغة العربية الفصحى، فقال له الشيخ حاثاً له على المساعدة والمعونة: أنا من أهل المدينة، ففرحوا به وقالوا: تلك بلد النور والسكينة، ورحبوا به ترحيباً شديداً، وأكدوا له تلبية طلبه تأكيداً، وجاء الشيخ إلى تلميذه المنتظِر وقال له: أبشر فقد جاء الفرج بأمر قد قُدِر، وكان قابضاً بيده على مظفّر الذي لو حاول الإفلات منه لما كان له منه من مفر! [الباكستاني الذي جاء به ليترجم بيننا وبين الميجر الحاقد].
وكان الرجال الخمسة من جماعة التبليغ الباكستانيين.
وقلت للشيخ عندما جاء: لقد توكلت على الله حق توكله، كالطير التي تغدو خماصاً وتروح بطاناً.
يوم اللطف!
وفرح الموظف التابع لشركة الخطوط بالصيد الذي جاء به الشيخ، وأظهر لنا لطفه معنا، فصحبنا مسرعاً إلى الميجر وتخطى الروتين في النقاط، وعندما جئنا إلى الضابط بدأ يتلكأ، وسألنا بعض الأسئلة التي ظهر لنا منها أنه كان خائفاً أن نكون من مختطفي الطائرات والمهاجمين لبعض الشخصيات، ولعل السبب هو ما كان يفعله الشيعة من الاختطافات وغيرها.
وكان من أسئلته التي سألنا: كيف عرف بعضكما بعضاً؟ ثم ختم التذاكر، ودخلنا قاعة الانتظار، ثم صعدنا بعد قليل إلى الطائرة، وحمدنا الله الذي يسر لنا ولطف بنا، كما قال الشيخ: هذا يوم اللطف! أقلعت بنا الطائرة من مطار مونتريال في الساعة الثانية والدقيقة الرابعة والعشرين.
إنها هي يا شيخ!
كنا نظن أن طائرتنا ستهبط في مطار شيكاغو، لننتقل إلى طائرة أخرى تقلع إلى إنديانا بولس، وعندما بدأت تهبط رويداً رويدًا نظرت من النافذة، فإذا أنا أرى على يساري الفندق الذي نزلنا به قبل سبع أو ثمان سنوات في مدينة ديترويت، والبرج التابع له الذي يوجد بأعلاه طابق متحرك يدور بالناس وهم يأكلون ويشربون، والنهر الذي يفصل بين أمريكا وكندا، ولم يساورني شك في ذلك، فقلت للشيخ: إن الطائرة تهبط في مطار ديترويت وليس في مطار شيكاغو، فقال: وما يدريك؟ قلت: رأيت كل المعالم التي كنت رأيتها في رحلتي السابقة، فقال: إن المدن تتشابه، قلت: مهما تشابهت فإن هذه ديترويت، ورأيت عندئذ الجسر الحديدي المعلق على النهر الذي تعبر عليه السيارات بين البلدين أمريكا وكندا، فأكدت للشيخ أن هذه ديترويت، فقال: هم قالوا لنا أن الطائرة ستهبط في مطار شيكاغو، فقلت: ولكنها هي يا شيخ، أي ديترويت، وعندما هبطت الطائرة في المطار اتضح فعلاً أنها مدينة ديترويت، وكان هبوطها في الساعة الرابعة والدقيقة السابعة فكانت مدة الطيران بين مونتريال و ديترويت ساعة وثلاثاً وأربعين دقيقة.
تمت مراجعة هذا الكتاب في الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر
من يوم الأربعاء 20/11/1426هـ ـ21/12/2005م
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه وسلم