رحلات أستراليا ونيوزيلاندا وسريلانكا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 21 صفحة
صفحة 9 من 21 (6) في مدينة هوبرت

(6) في مدينة هوبرت

(6) في مدينة هوبرت

هوبرت هي المدينة السادسة من المدن الأسترالية التي زرناها، وكان في استقبالنا في المطار الشيخ فضل الدين باركر، إمام المركز سابقاً، والأخ الشيخ عبد الرحمن محمد عبد الفتاح إمام المسجد حالياً ومبعوث رابطة العالم الإسلامي، نقلونا إلى المركز.

خبّأت لك خبْأً!

لقد اشتريت جبة من جلود الضأن ناعمة من الخارج مبطنة بالشعر من الداخل، وكان السبب البرد الشديد والشتاء القارس الذي وجدناه في أستراليا، حيث كانت ثلاجة كبيرة، وقد خرجنا من بلادنا في شدة الصيف حيث كانت درجة الحرارة تبلغ في بعض الأحيان 46 درجة واشترينا أيضاً ملابس شتوية أخرى ولكن تلك الجبة كانت أحسنها مكافحة للبرد، حتى كنت اضطر إلى نقلها في بعض الأحيان وأخذها في يدي احتياطاً، وهكذا كانت على كتفي عند الخروج من الطائرة في هوبرت فقال لي الشيخ: البس خروفك، وكنت قد سميتها: الخروف، فقلت إذا نزلنا والجو بارد لبسته، فأملى شيطان الشعر بيتاً من الشعر فيه مبالغة لم ينتبه لها الشيخ وأما أنا فقد انتبهت لذلك، قال الشيخ:

البس خروفاً ولو في غير موضعهفلا يضير خروف أين ما وضعا

قلت له: لقد خبأت لك خبأ، قال: وما هو؟ قلت: يأتي في مكانه إن شاء الله. وكنت عازماً أن أظهر له هذا الخبء في كولمبو وهي من البلدان الحارة ـ وقد فعلت ـ وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله.

في مركز الجمعية الإسلامية في مدينة هوبرت:

صلينا المغرب في المسجد واجتمعنا ببعض الحاضرين فيه وهم:
رئيس الجمعية: سيد عمر ثابت (وهو روسي).
ونائبه: فضل الدين باركر (وهو هندي).
إمام المسجد: الشيخ عبد الرحمن، وبعض الإخوة اللبنانيون وهم: فواز مدرجات، وحسين مدرجات، وإبراهيم حبيب.

معلومات عن الإسلام والمسلمين في هوبرت:

قالوا: إن أول مسلم قدم إلى هذه الجزيرة هو عبد الغفار قدم من روسيا منذ خمس وثلاثين سنة، وهو عضو في الجمعية وبعده جاء رئيس الجمعية: سيد عمر.
وأسست الجمعية سنة: 1970م.
أسسها الطلبة المسلمون الماليزيون والباكستانيون.
عدد المسلمين في جزيرة تسمانيا خمسمائة، وهم من ماليزيا والعرب والترك، والمقيمون من الماليزيين أربعة أو خمسة وبقيتهم طلاب.
والذين دخلوا في الإسلام من المسيحيين عشرة.
وكان أولهم دخولاً في الإسلام قبل خمس سنوات إيطالي، وآخر امرأة أسلمت منذ أسبوع وهي أسترالية، جاءت مع زوجها إلى المركز واطلعت على بعض الكتب الإسلامية وسألت بعض الأسئلة، وأعلنت إسلامها، وسأل زوجَها الإمامُ: هل يريد الدخول في الإسلام؟ فأجاب: لا، فقال له إذا لم تدخل في الإسلام فلا يجوز لك قربها، فقال: سوف لا أقربها ويقول: إنه ترك النصرانية أيضاً وهو متحير لا يدري ماذا يفعل؟ وقال: إنه لا يريد الدخول في الإسلام خشية من أن يسول له الشيطان الدخول فيه من أجل الإبقاء على رباط الزوجية بينه وبين زوجته، ويريد أن يتريث حتى إذا أسلم يسلم عن اقتناع وصدق.
وسبب إسلام من أسلم هو أنهم اطلعوا على كتب إسلامية فأحبوا الإسلام واقتنعوا به.
وطلب الإمام من هذه المرأة، أن تلبس اللباس الشرعي فوافقت على ذلك.
وأول من بدأ بتدريس الدين الإسلامي في المركز الشيخ فضل الدين بصفته إماماً للمسجد، ولما حضر الشيخ عبد الرحمن عبد الفتاح، بدأ يدرس اللغة العربية ومبادئ الدين الإسلامي في يومي السبت والأحد، وعدد الطلاب الذين يحضرون إلى المركز خمسة وثلاثون تقريباً، يدرسهم القراءة، والكتابة باللغة العربية.
وسألناهم عن حالة الأسر الإسلامية من حيث التمسك بالدين والأخلاق الإسلامية، فقالوا: إن الهنود جيدون والماليزيون متمسكون ومن أهل السنة، والروس واليوغسلاف غير محافظين، والعرب عندهم نوع التزام. ويوجد شيعة من العرب اللبنانيين والسوريين، ولكن عددهم قليل ويصلون مع الناس.
يصدر اللحم الحلال إلى المملكة العربية السعودية والكويت ويشرف على الذبح المركز ومن ضمن المشرفين إمام المسجد.
سكان مدينة هوبرت مائة وخمسون ألفاً، وعدد سكان جزيرة تسمانيا كلها نصف مليون، أكثر السكان من الإنجليز، ثم اليونان، ثم الإيطاليون، ثم اليوغسلاف، والسكان الأصليون هم من أبروجنز وهم من ذوي البشرة السمراء وقد قضى عليهم الإنجليز من مائتي سنة ولم يبق في الجزيرة منهم أحد.
حاصلات البلد: التفاح والبطاطا واللحوم والأصواف.
وصناعاتهم: الورق والزنك وألواح الألمونيوم ـ وتقع مناجم النحاس في الشمال.
وفي تسمانيا ثلاثة أنهار مشهورة: النهر الكبير "دارون ريفر"، و"جوردن ريفر"، "وغورة ريفر". طول الأول: 235 كيلو متر، وطول الثاني: 100 كيلو متر وهي مشهورة بحاصلات الأسماك.
ويوجد في هوبرت جبل عال يسمى ولنجتون، ومساحة تسمانيا من الشمال إلى الجنوب "طولا" 350 كيلو متر ومن الشرق إلى الغرب "عرضا" 250 كيلو متر.
ولا يوجد مركز إسلامي في تسمانيا، إلا هذا المركز الموجود في هوبرت.

تغيير خط السير:

الخميس 27/10/1404هـ
كان خط سيرنا في تذاكر السفر هكذا: هوبرت ـ أدلايد وهي في الجنوب ـ برزبن، وهي في الشرق ـ بيرث وهي في الغرب ـ بورت هدلاند، وهي في الشمال الغربي ـ داروين، وهي في الشمال، فأردنا تغييره بحيث يصير هكذا: هوبرت – برزبن – أدلايد ـ بورت هدلند ـ داروين. وذهبنا إلى مكتب الخطوط الأسترالية وتم التغيير والحجز في الأيام التي نريدها بسرعة عجيبة وهذا أمر صعب في كثير من البلدان المسماة بالنامية صعوبة الحجز وصعوبة تغيير خط سير وبخاصة التذاكر الحكومية. [بل وجدنا صعوبة التغيير في غير أستراليا حتى في الدول المتقدمة مادياً].
كان معنا الأخ الشيخ عبد الرحمن محمد عبد الفتاح والأخ اللبناني التاجر إبراهيم حبيب الذي نقلنا في سيارته.

على قمة جبل ولنجتون:

[ليس الذي هو في مدينة ولنجتون ولكن اسمه كذلك].
وبعد أن انتهينا من الحجز، ذهبنا إلى الجبل الكبير الذي يشرف على مدينة هوبرت، ليتم تصورنا للمدينة، وكنا نسير إلى الجبل في وسط غابات وعلى الرغم من ارتفاع الجبل الشاهق، فإن الطريق شقت على صفة لا يحس الصاعد فيها بالصعود ولا يحس النازل فيها بالهبوط. وقد بدئ بشق الطريق إلى قمة الجبل في سنة 1934م وانتهى العمل منه في سنة: 1936م وفي 23 يوليو سنة: 1937م بدأ الناس يصعدون إلى قمته. وارتفاعه عن سطح البحر 1270 متراً وعلى قمة الجبل يوجد لاقط (إريل) للبث التلفزيوني وآخر للبث الإذاعي للحكومة وللشركات، واستغرق سيرنا من وسط المدينة إلى القمة نصف ساعة والسير متوسط لا سريع ولا بطيء. وعندما وصلنا إلى قمة الجبل أخذت أنا في الصعود إلى أعلى الصخور الموجودة في القمة، حيث توجد أعمدة مقوي البث التلفزيوني، وهناك كادت يداي أن تتجمدا من شدة البرد الذي كان من أثره وجود قطع من الجليد على الجبل، على الرغم من طلوع الشمس وقد بدأ في الذوبان لأن الجو كان صحوا والشمس ساطعة.
وقد أخذ لنا الأخ عبد الرحمن صورة، والشيخ عمر واضع على رأسي قطعة من الجليد.

الشيخ عمر فلاتة ـ رحمه الله ـ وهو يضع قطعة جليد على رأس الكاتب، أستراليا: جزيرة تسمانيا هوبرت 27/10/1404?
الشيخ عمر فلاتة ـ رحمه الله ـ وهو يضع قطعة جليد على رأس الكاتب، أستراليا: جزيرة تسمانيا هوبرت 27/10/1404?

وتحيط بالجبل الكبير هذا جبال صغيرة مكسوة مثله بالغابات، تحتضنها مياه البحر وكأنها حراس للجبل الكبير، مثل الهالة المحيطة بالقمر، وقمة الجبل عارية من الغابات، لأن الجليد يحرق الأشجار لكثرة نزوله وتراكمه، ولكن هذا الجليد الذي يحرق الأشجار على قمة الجبل إذا ساح نزل ساقياً يروي أصول الأشجار المكونة للغابات في جوانبه وفي أسفله، وتوجد في قمة الجبل غرفة مبنية من الحجارة، ليحتمي بها من الجليد والمطر الغزير مَن فاجأه ذلك وهو في القمة، وهي شبيهة بالدَّيْمَة في لغة أهل اليمن: حجارة يوضع بعضها فوق بعض دون إدخال حجارة صغيرة أو لبن لسد الفتحات التي تكون بين الحجارة، وكان الماء الذي إذابته الشمس من الجليد يسيل في كل اتجاه في الجبل ولكنه لا يُخاف منه لقلته.
وقد بنت الحكومة عدة غرف في وسط الجبل، وفي أسفله مزودة بالماء والحطب والمدافىء والتنانير، لمن أراد أن يستريح ويستدفئ أو يطبخ طعاماً ويأكل، وكذلك طاولات وكراسي ثابتة من الخشب وبجانب بعض الغرف أرض مزروعة بالحشيش الأخضر ومواقف للسيارات. وعندما نزلنا ضبطنا عداد المسافة في سيارة الأخ إبراهيم حبيب لمعرفة بعد المسافة بين الجبل ووسط المدينة، فكانت عشرين كيلو متراً.

في حديقة هوبرت (بوني جاردن):

في الساعة الحادية عشرة والنصف كنا على باب الحديقة. وفي خارج الباب على يمين الداخل يوجد هاتف ودليل له، وفي داخل الباب على يمين الداخل كذلك صندوق به كتيبات فيها معلومات عن الحديقة، وبعد المدخل بخمسة أمتار تقريباً عمود به عدد من اللوحات المصنوعة على هيئة أسهم كتب على كل واحدة منها الجهة التي يُحب السائح أن تذهب إليها، والأسهم كثيرة، منها ما يشير إلى حظيرة الزهور، ومنها ما يشير إلى المطاعم، ومنها ما يشير إلى أحواض السباحة، ومنها ما يشير إلى المراحيض، وكلما وصلت إلى المكان الذي تقصده تجد أسهماً أخرى تشير لك إلى غير ذلك.
ذهبنا إلى المبنى الخاص بالزهور، وهي مغروسة في تربة في مواعين يكبر حجمها ويصغر بحسب الزهور كبراً وصغراً، وهي ذات ألوان كثيرة بديعة متناسقة تسر الناظرين، وقد أردت أن أتحدث مع المزارع الموجود بها ولكن وافق وقتنا وقت سقي وعمل، فلم نتمكن من الحديث معه كما تمكنا من الحديث مع المهندس الزراعي في مالبورن، وبجانب الحديقة خليج من البحر.
ومررنا ببحيرة صناعية في داخل الحديقة وكان البرد شديداً، حتى كنا نحس أن أيدينا مثلجة وفي تلك البحيرة طيور تسبح ذاهبة وآيبة في الماء الذي كنت أتصور أن إنساناً لو ألقى بنفسه فيه لمات من برودته، وتلك الطيور مرتاحة فيه لم تصب بأذى، فسبحان الله الخالق!.

طعام القاهرة اللذيذ في هوبرت:

وفي الساعة الثانية عشرة ذهبنا إلى المركز الإسلامي حيث صلينا الظهر، صلى بنا الشيخ باركر، ثم قدم لنا الشيخ عبد الرحمن محمد عبد الفتاح طعام الغداء المصري اللذيذ، الذي أشعرنا بأننا في أحد منازل القاهرة، وبعد تناول طعام الغداء استدعى لنا الأخ عبد الرحمن سيارة أجرة أوصلتنا إلى الفندق، وكنا في أمس الحاجة إلى الراحة حيث أرهقنا من تلك الجولة الطويلة من الصباح الباكر إلى قبيل العصر.

معركة تفاهم مع موظفي الفندق:

أخذنا مفاتيح غرفنا من موظف الاستعلامات والاستقبال وصعدنا إلى غرفنا، فكانت المفاجأة أن على مقبض باب غرفتي بطاقة وعلى الأرض بجانب الباب صندوق حليب (كرتون صغير) فأخذت الحليب وفتحت الباب ودخلت وفتحت الثلاجة فوضعت الحليب فيها، وفهمت أن هذا الحليب بدلاً من الحليب الذي كان بالأمس في الثلاجة، ونظرت إلى الغرفة فإذا هي على هيئتها عند خروجي لم تنظف ولم ترتب، وهذا أمر غريب فإنهم لا يؤخرون تنظيف الغرف وترتيبها، فتحت الباب فرأيت شاباً خارجاً من المصعد من موظفي الفندق فاستدعيته وأشرت له إلى أن الغرفة لم ترتب، فاتصل هو عن طريق الهاتف بآخرين، فجاءت إحدى الخادمات وتبعتها أخرى فسألتني ما اسمك؟ فأخبرتها باسمي فذهبت ورجعت مع صاحبتها فسألت: هل تريد البقاء هذا اليوم في هذه الغرفة؟ وكنت ضيفاً آنذاك عند الشيخ في غرفته، قلت نعم، وماذا جرى؟ قالت: شكراً، وأخذتا تنظفان وترتبان، فلما فرغتا جاءتا جميعاً فسألت إحداهما مرة أخرى: هل تريد البقاء اليوم في الغرفة؟ فقلت: هل فرغت من التنظيف؟ قالت: نعم، قلت: شكراً فاذهبي، ففهمتْ أني متضايق من كثرة الأسئلة، وقد أخبرتها أني لا أجيد التكلم ولا أفهم باللغة الإنجليزية، وفي آخر المطاف قالت: آسفة، وذهبت، وقال الشيخ الذي شاركني في هذه المعركة لأني كنت في غرفته: هم لا يستحقون منك أجرة هذا اليوم، لأنهم لم يهيئوا لك الغرفة لترتاح، قلت: ولا يستحقون منك أيضاً لأنك لم ترتح مثلي، وعجبنا من ذلك الصنيع ولم ندر سببه حتى ينقضي العجب.

في المركز الإسلامي:

وفي الساعة السابعة كنا في المركز الإسلامي، حيث نقلنا إليه الأخ إبراهيم حبيب في سيارته.
والتقينا في المركز ببعض الطلبة منهم الطالب الباكستاني آصف علي، ـ من لاهور ـ كان أخذ الماجستير من جامعة الزراعة بفيصل أباد الحكومية ـ وطلب منحة من الحكومة الأسترالية فلبت طلبه وعينت له جامعة هوبرت، وسألته عن الفرق بين مستوى التعليم في باكستان وأستراليا في مجال تخصصه؟ فقال: إنه في أستراليا أجود قليلاً.
ثم جاء رئيس الجمعية وأعضاؤها، وقال سيد عمر ثابت وهو روسي: إنه يقيم في هوبرت منذ اثنتين وثلاثين سنة، وكان قبل ذلك في مالبورن ثلاث سنوات ـ وقد هاجر من مدينة تنفروبل في جزيرة تسمى: "كريم" في البحر الأسود وهي منطقة كانت تتصارع عليها الدول، وهي بلدة إسلامية من مدة طويلة وتبعد عن أوكرانيا بخمسة عشر كيلومتراً، وأخذتها روسيا وبدأ الإسلام يتقلص فيها بعد الحرب العالمية الثانية – وقد غادرها سيد عمر في الحرب العالمية الثانية حيث احتلها الألمان ثلاث سنوات من 1941م إلى 1944م، ولما أحسوا بالهزيمة أرادوا أن يخرجوا، نهبوا أكثر ما يقدرون عليه من خيرات البلاد، وساقوا معهم أسرى من أهلها، وكان سيد عمر منهم وكان عدد الأسرى المسلمين مائتين ألف، وكانت تركيا ترغب أن تؤوي هؤلاء الأسرى ولكنها لم تفعل خوفاً من روسيا. وهاجر سيد عمر من ألمانيا إلى أستراليا بعد أن حاول الهجرة إلى بعض الدول الإسلامية، كمصر واليمن فرفضت قبوله.
وقد طرد أهله من جزيرة "كريم" ولا زال أخواه وأختاه في أوزبكستان، وتوفى أبوه سنة 1982م ـ وكان عدد المسلمين في جزيرة كريم مليوناً ومائتي ألف مسلم طرد أغلبهم إلى روسيا، وقد جاء قبل سيد روسي آخر.
وحضر وقت صلاة العشاء فأقيمت الصلاة، فصلى بنا الإمام صلاة العشاء في الساعة السابعة والنصف، وكان المسجد قد امتلأ بالمسلمين الذين توافدوا في هذه الليلة للقائنا، وأكثرهم من الطلبة الماليزيين وقد عرف الشيخ عمر الحاضرين بمهمتنا وأبدى سرورنا بهذا اللقاء وحثهم على التمسك بهذا الدين مع التفقه فيه.
وكان يترجم للشيخ أحد التجار اللبنانيين، إذ لم يوجد سواه، وكانت الترجمة لا تؤدي المعنى، لعدم معرفة المترجم بالمصطلحات الإسلامية وعدم تمكنه من فهم بعض الألفاظ العربية، ولذلك لم يكن الناس متأثرين بالكلام ـ وقد استحضرت هذا البيت:

سارت مشرقةً وسرت مغرباًشتان بين مشرقٍ ومغرِّبِ

لذلك ختم الشيخ كلمته بقوله: (المهم أنا لا أتحدث الإنجليزية، وأنتم لا تعرفون العربية حتى أهز مشاعركم وأستميل عواطفكم!).
وطلبوا مني كلمة فقلت: إذا كنتم فهمتم كلمة الشيخ فهي كلمتي، وضربت لهم مثلاً بحالتنا مع الترجمة غير المفيدة، برجل عطشان فقير والماء فوق رأسه لا يستطيع تناوله وآخر طويل صحيح ولكنه مكبل.
وكانت هذه الجلسة هي الجلسة الوحيدة التي لم تكن الترجمة فيها مؤدية للغرض، وكانت كلمة الشيخ طويلة، ثم فتح المجال للأسئلة ـ وهي أحب إلى الطلاب في كل مكان من المحاضرات في الغالب ـ وقد أسند الشيخ إليَّ الإجابة على الأسئلة، وكانت تحتاج إلى تفصيل طويل جداً وحاولت قدر الاستطاعة الاختصار.
من تلك الأسئلة:
كيف هي انطباعاتكم عن البلدان التي زرتموها في هذه الجولة؟
وقد أجبناهم بأمرين عامين، كل أمر يتكون من فروع:
الأمر الأول: ما سَرَّنا في هذه البلدان، سواء ما تعلق بالمسلمين أو بأوضاع البلدان ونظمها.
الأمر الثاني: ما ساءنا، سواء ما يتعلق بالمسلمين أو بأوضاع البلدان ونظمها كذلك.
ومنها: نبذة عن محمد بن عبد الوهاب وموقفه من التصوّف، والتمذهب الفقهي وتكفير الناس وغير ذلك، وكان هذا السؤال أكثر الأسئلة تفصيلاً، حيث حصل الحديث عن حالة البلاد العربية والجزيرة منها بالذات قبل مجيء محمد بن عبد الوهاب، وكذلك أحوال بلدان المسلمين في ذلك الوقت بصفة عامة، و الأسس التي ارتكزت عليها دعوة محمد بن عبد الوهاب، ومراجعه ووسائله في ذلك، سواء كانت تعليماً أو كتابةً أو وعظاً أو إرشاداً أو جهاداً، وبيان أن من أهم ما وطد لدعوته استجابة الأمير السعودي الأول لها ومناصرتها، كما حصل الحديث عن الشبهات التي يوردها أعداؤه عليه، مثل التكفير وكراهة الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم صلاته عليه، وبين للحاضرين زيف كل ذلك، ومصادر ذلك الزيف هي الفرق الضالة كالصوفية الغالية والشيعة، والاستعمار الغربي من ورائها.
والذي ظهر أن الأجوبة كانت مقنعة، فقد سئل الذي وجه السؤال: هل اقتنعت؟ فقال: نعم، وبدا على الجميع السرور.
وأريد هنا أن أسجل تقصير تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذين استفادوا من كتبه ودعوته، فإنهم لم يوفوه حقه في ترجمة كتبه إلى اللغات المختلفة، كما لم يختاروا كتباً تحدثت عنه وترجمت له ويترجموها كذلك إلى اللغات المختلفة وينشروها في العالم، ليعلم المسلمون زيف من تحامل على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وزعم أنه يكفر المسلمين ويكره الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو لا يصلي عليه، أو أنه يكره الأئمة الأربعة، وما أشبه ذلك. فإن كثيراً من العلماء والمستعمرين وأذنابهم، قد شوهوا سمعة هذا الشيخ تشويهاً ماكراً ونشروا ذلك بلغات مختلفة، وكثير من الناس يطلع على تلك الكتب وفيها ذلك التشويش، ولا يرى شيئاً من الكتب التي تبين الحقيقة بلغته، والروافض الآن يشنون حملة شعواء على محمد بن عبد الوهاب وكتبه، وينشرون عنه من التهم الكاذبة والتزوير ما يجب أن يتصدى له تلاميذ محمد بن عبد الوهاب بكل لغات العالم، وبعد نقاش طويل في موضوعات أخرى عدنا إلى الفندق ورتبنا حقائبنا استعدادا للسفر إلى مدينة برزبن.

جولة حول مدينة هوبرت:

الجمعة 28/10/1404هـ.
وفي الساعة التاسعة جاء إلينا الشيخ عبد الرحمن عبد الفتاح، حيث حاسبنا موظفي الفندق واستأجرنا سيارة من سيارات الفندق، لنأخذ جولة في المدينة على أطرافها المطلة على البحر الذي يفصل بين أجزائها وتمتد عليه الجسور لعبور السكان من طرف إلى آخر، وكذلك عن طريق الناقلات البحرية الصغيرة، ومن تلك الجسور كوبري تسمانيا الذي ذكروا أنه يرتفع عن سطح الماء 496 قدماً، وكان الشيخ عمر يرى أنه أقل من هذا المقدار، وبعد جولة طويلة رجعنا إلى المركز الإسلامي لأداء صلاة الجمعة.
وقد التقينا طالباً عراقياً يسمى: مؤيد صديق عبد الرحمن، وهو شاب مثقف معلوماته الإسلامية الفكرية جيدة، ولغته الإنجليزية منطلقة، وله في أستراليا سنتان، يحضر الدكتوراه في جامعة تسمانيا وكانت ترجمته طيبة جداً حتى تمنينا أن يكون هو الذي تولى الترجمة في الليلة الماضية.
وقال الأخ مؤيد: إننا في حاجة إلى بعث كتب إسلامية ومجلات من البلدان العربية، وبخاصة المملكة العربية السعودية والكويت وبعض دول الخليج. ونص على مجلات: المجتمع الكويتية والإصلاح والأمة والبلاغ وأعطانا عنوانه لنحاول الاتصال بالمسؤولين عن تلك المجلات لبعثها إليهم.
ومن الطلاب الذين التقينا هم الأخ: أحمد عوض عبد التام السوداني، الذي يدرس الكمبيوتر، وقد تزوج فتاة أسترالية التقاها في مصر كانت تدرس في كلية البنات الإسلامية ولم تكمل دراستها، قال: إنها مشتاقة إلى فهم الدين واللغة العربية.

صلاة الجمعة والاجتماع بالطلاب:

وبعد صلاة الجمعة طلب مني الطلبة الماليزيون وغيرهم أن أجلس معهم في المسجد للرد على بعض أسئلتهم، وكان أغلبها يدور حول ما تبثه إيران من شبهات ومن انتقادات لسياسات الدول العربية، وكان كثير من التحليلات السياسية مغالطة واضحة، وقد بينا لهم كذب كثير تلك المغالطات وأكثر ما ينسبونه إلى غيرهم متصفون به، واستغرقت الجلسة مع هؤلاء الطلاب الوقت الكائن بين صلاة الجمعة وصلاة العصر، ثم تناولنا طعام الغداء في منزل الشيخ عبد الرحمن، وهو ساكن في الدور العلوي من المركز والمسجد في الدور الأرضي.
وفي الساعة الرابعة والدقيقة الخامسة عشرة خرجنا من المركز إلى المطار، سلمنا حقائبنا للموظفين وأخذنا بطاقات صعود الطائرة، وكنا نظن أن سفرنا سيكون رأساً من مطار هوبرت إلى مطار برزبن، ولكن عندما تسلمنا بطاقات العفش قال الموظف للشيخ عبد الرحمن: إنهم سيستلمون عفشهم في برزبن، أما هم فإنهم سينزلون في مطار مالبورن، وينتقلون إلى طائرة أخرى، ثم في مطار سدني سينتقلون إلى طائرة أخرى أيضاً، وهي التي توصلهم إلى مطار برزبن.
قلت للأخ عبد الرحمن: كيف نعمل في هذه التغييرات ونحن لا نستطيع التفاهم باللغة الإنجليزية؟ فسأل الموظف عبد الرحمن عما قلتُ؟ فقال ـ على سبيل ـ المزاح: اتبع الناس فإذا وجدت نفسك في مطار أدلايد، فارجع إلينا مرة أخرى، وأدلايد في غرب مالبورن، وبرزبن في الشمال الشرقي لسدني، فإذا ذهبت مع الناس إلى أدلايد كان بيت الشعر منطبقاً عليّ:

سارت مشرقةً وسرت مغرباًشتان بين مشرقٍ ومغرِّبِ

ولبرزبن هذه قصة معنا، فقد كان لفظها أول ما سمعناه ثقيلاً على سمعنا وعلى ألسنتنا، فكانت عندنا كناية عن الشيء الصعب، لذلك كان الشيخ إذا رأى شيئاً فيه صعوبة كنى عنه بهذه الكلمة "برزبن" والناس لا يعرفون إلا أنها اسم للمدينة، فقلت له ونحن نصعد إلى الطائرة: لقد بدأت برزبن معنا ونحن في أول السفر إليها ولكن الله هو الميسر.

بعث قطعة الجليد في البريد!

وقد كانت النكات ظريفة في مسيرنا من المركز إلى المطار، حيث كان قائد السيارة الأخ السوداني أحمد عوض عبد التام، ويرافقنا الإمام عبد الرحمن عبد الفتاح. قال الأخ عبد الرحمن: سأبعث لكم الصورة التي أخذتها لكم على جبل "ولنجتون" وفيها قطعة من الجليد التي كانت على رأس القادري، ولكن جو المملكة حار وأخشى أن تذوب تلك القطعة (وهو يقصد صورتها) قلت له: ابعث بها في أيام الشتاء، قال الشيخ عمر: ابعث بها إليَّ، لأن عنواني واضح، قلت له: يا شيخ عنواننا واحد، ولكن تريد أن تخفي الصورة لما فيها من الطرافة بالنسبة لي، حيث إن صورة قطعة الجليد واضحة على رأسي، وأنت على رأسك الطاقية، وهي معلومة عند أبنائك.
وعندما صعدنا إلى الطائرة ودعنا الأخوان الكريمان: الشيخ عبد الرحمن والأخ أحمد عوض.

السفر من هوبرت إلى برزبن:

وفي الساعة الخامسة والدقيقة العاشرة أقلعت بنا الطائرة من مطار هوبرت إلى مطار مالبورن.

مالها تركتنا؟!

أخذت المضيفة تباشر الركاب بالشاي والقهوة وأم الخبائث، وتمر من عندنا ولم تلتفت إلينا، فقال الشيخ: مالها تركتنا هذه الخبيثة؟ فقلت: لعل عدم وضعنا الطاولات أمامنا هو السبب، ثم وضعتُ الطاولة أمامي، فجاءت مسرعة قائلة ماذا تريدون: شاياً أم قهوة أم خمرة؟
قلت للشيخ: ماذا تريد؟
قال: شاي، فقلت لها: كوب شاي واحد، وكوب حليب، فاستدرك الشيخ وقال لها ثلاث كلمات يجيدها: من فضلك، والظاهر أن سبب حفظها موافقتها في اللفظ كلمة "إبليس"، وأما الثانية فهي أحد ألفاظ العدد: " تو" أي اثنين، وأما الثالثة فهي الحليب: "ملك" قال لها الشيخ: "بليس تو ملك" وقد ندم الشيخ على طلبه الشاي فقط أو القهوة فقط كل مرة، وأنا أطلب الحليب، وهو حليب بقر صافي لذيذ نجده في الفندق وفي الطائرة، وفي المنازل، فأراد الشيخ أن لا يفوته ما تشبث به زميله وهو الفطرة.

إن كان الصمم من اللغة الإنجليزية فنحن توأم!

هبطت بنا الطائرة في مطار مالبورن في الساعة السادسة والدقيقة العاشرة.
نزلنا من الطائرة والشيخ يقول: نقول لأول مضيف أو مضيفة نجدها: برزبن ونريها البطاقة، فوجد مضيفة واقفة على رأس الممر الذي يخرج منه ركاب الطائرة إلى قاعات المطار، فأراها البطاقة وقال: برزبن، فمشت أمامنا قليلاً حتى أرتنا البوابة رقم: 5، فأشارت لنا إليها، وجئنا إلى الموظفة المسؤولة في هذه البوابة فأريناها البطاقة، وقلنا: برزبن، فأشارت لنا إلى الداخل وقالت: ابقوا هنا، فدخلنا إلى القاعة، فجلسنا ننتظر مع المنتظرين، وقال الشيخ: خل بالك ترى آذاني مصمومة، يقصد: انتبه للإعلان عن رحلتنا، قلت له: هل آذانك مصمومة من كل كلام، أم من اللغة الإنجليزية فقط؟ فإن كان الصمم من اللغة الإنجليزية فقط فنحن توأم.
وبعد خمس دقائق أعلنت المضيفة عن صعود الطائرة وسمعنا كلمة: تو سدني، ومشينا وراء الركاب فصعدنا، وقد كانت أرقام بوابات الخروج من مطار هوبرت، ومطار مالبورن ومطار سدني واحدة: (5) كما كانت أرقام مقاعدنا في الطائرات الثلاث الدرجة الأولى كذلك واحدة.

طايحين في الخمر!

جاءت إلينا المضيفة بطبق الطعام، فرددناه لعدم معرفتنا بما فيه من حلال وحرام، فأشارت لنا أن هناك أشياء أخرى ستحضرها إن أردنا، فقلت لها: احضري ذلك، فأحضرتها وكان من بينها سلطة خضراء، فأخذناها ورددنا الباقي، ثم أخذ الشيخ فنجان قهوة وأخذت كوب حليب ـ ونظر الشيخ إلى الجيران فرآهم يشربون الخمر، إذا شرب أحدهم من نوع أحضر له نوع آخر منه، فيشرب وهكذا، فقال متعجباً بلهجة ملؤها الحزن والأسى: "شف طايحين في الخمر" [أي انظر كيف يسرفون في شربها]. فقلت له: ما بعد الكفر ذنب! وقلت له: إن من فضل الله علينا أن نترك ما لا ندري أهو حلال أم حرام، ونسأل الله أن يرزقنا شكره والتزام أمره، وهؤلاء لا يسألون عن شيء، ولا يفكرون في حلال أو حرام كالأنعام {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} ولكنهم لم يبلغوا حقيقة هذا الدين لتقصير المسلمين.

في مطار سدني:

وهبطت الطائرة في مطار سدني في الساعة الثامنة والدقيقة الأربعين ـ أي أن مدة الطيران كانت ساعة وثلث الساعة تقريباً، وكان المطر في ذلك الوقت منهمراً، ولكنه لم يمسنا، لأن الخروج من الطائرة والدخول إليها في ممر متصل بها وبقاعات المطار دائماً. وفي آخر الممر المؤدي إلى القاعة وجدنا المضيفة واقفة، كالعادة في كل مطار لتسهيل مهمة الركاب المحتاجين مثلنا، فأريناها البطاقة فأشارت لنا إلى بوابتنا.

ويرفضانه!

وفي طريقنا إلى البوابة اعترضنا شابان، أحدهما أكبر سناً من الآخر فسلما علينا فقلت: من أين أنتما؟ وقال أكبرهما: نحن لبنانيان، وسألني هل جئتما هنا من أجل حضور المؤتمر الإسلامي؟ قلت: أي مؤتمر هذا؟ فقال: لقد عقد مؤتمر إسلامي عالمي قبل أسبوعين، قلت: لماذا؟ فقال: لأجل شؤون الحج، فعرفنا أنه يقصد المؤتمر الشيعي، وقلت: لعل هذين الشابين من شيعة لبنان، أو أنهما تأثرا بذلك، وكل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (ويقاس على ذلك كل أنواع المعاصي والفسق ومن ذلك: الترفيض، أي يرفّضانه).
وكثير من المؤتمرات التي يعقدها الشيعة أو غيرهم ممن يتخذون الدين الإسلامي مطية لبعض مآربهم، هي شبيهة بمسجد الضرار الذي بناه المنافقون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، للإضرار بالمسلمين وتفريق كلمتهم، ولم نستطع التحدث مع هذين الشابين لأن الموظف المسؤول بمجرد ما رآنا قال: فضلا اذهبوا إلى الطائرة ـ فصعدنا إلى الطائرة وتحركت للإقلاع بمجرد ركوبنا. وأقلعت الطائرة من مطار سدني إلى مطار برزبن في الساعة الثامنة والدقيقة والخامسة والخمسين.

دقة النظام وإنجاز المواعيد:

إن القوم قد أتقنوا التنظيم المريح السريع، وكذلك التزموا الحفاظ على العادية، [أعني بها ما عدا الوعود السياسية، التي قد يتعاطون من أجل عدم الوفاء بها كل وسيلة ممكنة، إذا كان في الوفاء بها ضرراً عليهم]. ولذلك يتيسر أمر المسافر ولو كان لا يجيد لغة القوم، فترى الموظف المرشد في كل مكان في المطارات وغيرها كالدوائر الحكومية، ومن ذلك دقة مواعيد طيرانهم تهبط من طائرة في مطار وتصعد إلى أخرى في نفس الوقت أو بعده بقليل، وتجد أرقام مقعدك وبوابة خروجك واحدة في المطارات المختلفة، وإن تلك الدقة وتلك الأنظمة تستحق الإعجاب، ونتمنى للشعوب المتخلفة في النظام ودقة المواعيد أن تبلغ تلك الدقة، ليس في طيرانها بل في كل أعمالها وليس اقتداء بتلك الدول المسماة بالدول المتقدمة بل تمسكاً بالإسلام الذي لم يسبق في كل مجال من مجالات حياة الإنسان بدقة نظام أو موعد، ولقد جعل خلف الموعد من علامات النفاق.

نظام هناك و فوضى هنا!

قد يتعجب القارئ من هذا العنوان الذي ينافي مضمون العنوان الذي قبله في ظاهره، كيف يكون القوم ذوي دقة في النظام والمواعيد وتنتشر فيهم الفوضى؟ ولكن إذا عرف القارئ انفكاك الجهة كما يقول علماء أصول الفقه زالت الغرابة. وانفكاك الجهة هنا المقصود به أن دقة النظام والمواعيد في أمور، والفوضى في أمور أخرى، فلا منافاة أن يوصفوا بدقة النظام والمواعيد في الأمور الأولى، وبالفوضى في الأمور الأخرى.
إنهم يحافظون على المواعيد وعلى تطبيق النظام وإعطاء الإنسان حقه الذي يفرضه القانون، ومعاملتهم حسنة جداً ويظهر عليهم الرفق وغير ذلك من الأمور، وهذا ما قصدته في العنوان السابق.
وإنهم إذا دخلوا المراقص والمسارح وتناولوا الخمرة وبدؤوا في الرقص والاحتكاك يفوقون فوضى جميع الحيوانات، وكأنهم مجانين وقد رأيت ذلك في التلفزيون الذي تعمدت أن أرى كثيراً من برامجه. إنهم يجتمعون عراة إلا من شريط يستر العورة الكبرى ـ كما يقول الفقهاء ـ هذا بالنسبة للمرأة ـ في الغالب ـ أما الرجل فحسب مزاجه والغالب أن يكون مستوراً إلى الكعبين ـ ويأخذ الرجال والنساء أزواجاً – يعني رجلا وامرأة – في الرقص وما يتبعه من الاحتكاك السيئ وترتفع أصواتهم ارتفاعاً مزعجاً، ولا يستطيع الإنسان وصف ما يرى إلا بالجنون، ولكنهم قد لا يفعل ذلك كثير منهم في الشوارع والأسواق والطائرات، وقد يحصل من بعضهم شيء من ذلك، على صفة ليست كتلك التي في المراكز الفوضوية (أي المسارح والمراقص). ولكننا في هذه الطائرة رأينا المضيفين والمضيفات، تجمعوا في مقدمة الطائرة يتضاحكون ويقهقهون ويشربون، وارتفعت أصواتهم ارتفاعاً غير عادي وقد تجمعوا بجانب الشيخ الكريم يضحكون وفي أيديهم كؤوس الخمر فقلت له: إني أخشى أن تنكب عليك هذه الكؤوس فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، قلت له: قل لهم: مالكم تكأكأتم على كتكأكؤكم على ذي جنة؟ وصرفهم الله عنه استجابة لاستعاذته.
الخلاصة أن نظامهم دقيق في المعاملات الرسمية، وتخيم عليهم الفوضى في الصلات الشخصية، والغالب أن يكون ذلك في أماكن خاصة وقد يحصل شيء منه في الأماكن العامة. وحلقت الطائرة على مدينة برزبن بعد ساعة من إقلاعها من مطار سدني ـ فكانت المدينة، والظلام الذي يغطيها والأنوار المتلألئة بها، شبيهة بجوخ أسود وُشِّيَ بفصوص من فضة، وقد بدت شوارعها وحاراتها متناسقة بتناسق أضوائها الكهربائية وهي ممتدة على مساحة واسعاً جداً من الأرض. وقد هبطت بنا الطائرة في مطار برزبن في الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة ـ مع العلم أن الطائرة من نوع بوينغ 727 السريعة الطيران فكانت مدة الطيران ساعة واحدة.