(3) في مدينة كامبرا
(3) في مدينة كامبرا
وقد استقبلنا في المطار رئيس الجمعية في كامبرا وأعضاء اللجنة التنفيذية، وكان معهم إمام المسجد: أمين هادي، وهو من إندونيسيا، تخرج في الجامعة الإسلامية سنة 1979م من كلية الدعوة وأصول الدين، والتحق بالأزهر وأخذ منه الماجستير، ثم ابتعث من قبل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ليقوم بإمامة جامع كامبرا، ويدرس أولاد المسلمين في الجامع.

مع بعض السفراء العرب:
وكان على رأس مستقبلينا في مطار كامبرا رئيس الاتحاد الدكتور العريان.
سألت عن السكان في كامبرا فقالوا: إن عددهم لا يزيد عن سبعة وعشرين ألفاً غالباً.
نقلونا إلى السفارة السعودية (والسفارات كلها في كامبرا) ولم يكن السفير موجوداً، إذ كان وصل في تلك الليلة إلى سدني راجعاً من المملكة العربية السعودية، فاستقبلنا القنصل والقائم بالأعمال الأستاذ محمد أحمد الرشيد، وهو متخرج من كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (وقال: إن له مع عميدها قصة لا يزال يذكرها) التحق بالسفارة منذ سنتين، وهو شاب نشيط ذو أخلاق فاضلة، ومعه أحد العاملين في السفارة وهو ذو خلق فاضل، جلسنا في السفارة لمدة نصف ساعة تقريباً، ثم ذهبنا إلى الجامع لأداء فريضة الظهر فالتقينا عند باب المسجد بصاحبي السعادة سفير المملكة الأردنية الهاشمية الدكتور سليمان الدجاني، وهو من حملة الدكتوراه في العلوم السياسية وكانت دراسته بإيطاليا، وله في الوظائف الدبلوماسية ما يزيد على تسع وعشرين سنة.
وقال عن نفسه: لقد مشيت في مناكب السياسة وركبت مركب القدر الدبلوماسي منذ 29 عاماً، وتنقلت في حوالي اثنين وعشرين بلداً، ولي هنا في أستراليا سنتان، وسألته عن أولاده فقال: إنهم معه وكلما نزل بلداً جاء لهم بمن يدرسهم اللغة العربية للحفاظ على تلك اللغة، ويتثقفون بثقافة البلد.
وسفير الجمهورية العربية العراقية أنور عبد القادر الحديثي الذي عمل وزيراً في العراق للعمل والنقل، والبلديات لسنوات طويلة، وقد كنت أخاطبه بـ(يا دكتور) فقال: أنا ماني – أي لست – بدكتور أنا ضابط. وقد كان في ثورة رمضان 8شباط سكرتير عام مجلس قيادة الثورة، وهي الثورة التي قادها عبد السلام عارف ضد الشيوعية التي كان قائدها عبد الكريم قاسم.
ويمتاز السفراء بكثرة النكات، وكانت نكات السفيرين كثيرة على الرغم من قصر الوقت الذي قضيناه معهما، وأسجل هنا نكتتين حصلتا مع السفير العراقي.
النكتة الأولى عنوانها (حبيس المسجد):
وهي كما يأتي: صلينا الظهر في المسجد جماعة، وعندما خرجنا قفل الإمام باب المسجد الخارجي، وعندما أردنا أن نمتطي السيارات سمعنا طرقاً على باب المسجد، فالتفتنا فإذا سعادة السفير، وهو ضخم الجثة طويل القامة، داخل المسجد قد قُفِل عليه الباب، لأنه تأخر وكان إمام المسجد عجلاً ويظن أن الجميع قد خرجوا فقفل عليه الباب. فضحك الحاضرون كلهم، فقلت للسفير الأردني: هذه نكتة اليوم، هل يسمح لي سعادة السفير بتسجيلها؟ فقال السفير الأردني: سجل وأنا اسمح لك بالنيابة عنه، وعندما خرج السفير العراقي قلت له: لقد حبسوك وحبسك هو نكتة اليوم في المشارق والمغارب، أتأذن لي بتسجيلها؟ فقال: سجل أنا حبيس المسجد، ما أحلى الحبس فيه، ثم طلب السفيران من القائم بالأعمال السعودي أن يأذن لي بأن أكون معهما في سيارتهما، وكان الشيخ عمر قد ركب مع القائم بالأعمال للذهاب إلى المطعم لتناول طعام الغذاء، فأذن، وكان السفير الأردني كثير المناقشة والسؤال في جوانب فقهية وثقافية، ويظهر أنه ذو ثقافة إسلامية طيبة.
النكتة الثانية عنوانها (مَصْلَك):
كنا على مائدة الطعام، فجاء أحد عمال المطعم يقول: إن شخصاً يطلب السفير العراقي على الهاتف، فقام السفير إلى التليفون ورجع متعجباً، وقال: إن هذه المرأة لا تطلب السفير العراقي وإنما تطلب رجلاً يدعى (مصلك) قلت: لعلها عرفت أن سعادة السفير في المطعم يتناول طعام الغذاء فأرادت أن تنكت عليه!
وسألت سعادة السفيرين عن الدول العربية التي أنشأت لها سفارات في أستراليا؟ فقالا: توجد هنا فقط خمس سفارات: هي السفارة السعودية، والأردنية، والعراقية، والليبية، والمصرية.
زيارة جامعة كامبرا:
وكان الدكتور محمد العريان يرغب في أن نزور جامعة كامبرا التي يشرف هو فيها على الدراسات الإسلامية والعربية فزرناها، وقد زرنا عميد كلية الدراسات الآسيوية، وهي تدرس اللغة العربية لمدة أربع سنوات ويعطى الدارسون فيها شهادة ليسانس إلى جانب الدراسات الجاهلية والإسلامية، والقرآن الكريم، والتاريخ، وقد تضمنت الدراسات التاريخية دراسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقال العميد: إننا نولي الدراسات العربية والإسلامية اهتماماً كبيراً ولهما عندنا مركز عظيم، وقد كنا طلبنا من وزير التعليم العالي بالمملكة العربية السعودية منح الكلية كرسياً لهذا القسم، ونحن نود أن يُخّصَّصَ لها ولو محاضرة واحدة بصفة عاجلة، ليتمكن القسم من النهوض والاستمرار، والميزانية السنوية للمحاضرة لا تكلف أكثر من خمسة وثلاثين ألف دولار أسترالي.
وقال: إن هذه الجامعة هي الوحيدة التي فيها كلية الدراسات الآسيوية، أما غيرها فقد توجد بها أقسام وليست كليات، والطلاب الذين يلتحقون بها ليسوا من أستراليا فقط، بل من كثير من دول آسيا من ماليزيا وغيرها من دول جنوب شرق آسيا.
وقد ذكر مع ذلك المكتبة التابعة للجامعة ومكتبة الكلية، وقال: إن فيها قسماً من الكتب العربية ونحتاج إلى مدها بمراجع عربية في اللغة والدين والتاريخ وغيرها، كما نحتاج إلى خبير فني ينظم المكتبة العربية ويعنى بها.
وقد أجاب فضيلة الشيخ عمر فقال: إننا مسرورون جداً بحسن استقبالكم وعنايتكم بالدراسات الآسيوية وبخاصة اللغة العربية والدين الإسلامي، وإننا سنبلغ شعوركم هذا إلى المسؤولين في المملكة العربية ونعنى بمتابعته.
ثم قلت أنا: إن عنايتكم باللغة العربية ودراسة الدين الإسلامي في هذه الجامعة تعود بالخير الكثير على الشعب الأسترالي والعالم كله إن شاء الله، لأن في ذلك توسيعاً للمدارك ونشراً للثقافة وهو من وسائل التنمية التي تعني بها الآن كثير من الدول في العالم، وهذا علاوة على ما للدين الإسلامي من مكانة عالمية.
وقد أعطانا العميد دليلاً للجامعة وقال: إنها أنشئت قبل خمسة وعشرين عاماً.
ثم علق الدكتور العريان قائلاً: إن هذه الجهود التي بذلت لتثبيت الدراسات الإسلامية واللغة العربية ستذهب سدى إذا لم نجد عوناً من المملكة العربية السعودية، وإن اليهود يحاربوننا حرباً شعواء الآن، وهذا العميد متعاطف معنا فلا ينبغي أن نضيع الفرصة.
وهناك الكلية الوطنية التي يُدَرِّس فيها الأستاذ أحمد عبد الحميد وهو في الأصل مهندس، ولكن له عناية باللغة العربية خاصة وهو مصري ويدرس في الكلية اللغة العربية والإسلام وله جهود فيها ويشكو من قلة الإمكانات.
العودة إلى سدني:
ثم غادرنا مطار كامبرا في الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة والأربعين، ووصلنا إلى مطار سدني في السادسة وعشر دقائق.
وعندما خرجنا من قاعة المطار وجدنا صاحب سيارة أجرة ينتظر فركبنا معه إلى الفندق، ولما رأى لباسنا العربي قال: الإخوة عرب؟ قلنا: نعم. وأنت من أين؟ قال: من مصر فسألناه عن حاله؟ فقال لا بأس ولكن مهما كان الإنسان، فإنه في خارج بلده غريب، والمشكلة التي أعانيها الخوف على أولادي من نسيان اللغة العربية والضياع في هذا الجو.
وسألناه إن كانت السيارة له، فقال: ليست لي، والحصول على السيارة صعب لأن النمرة لسيارة الأجرة لا يحصل عليها صاحبها إلا بسبعين ألف دولار، أي أن رخصة السير لسيارة الأجرة ضريبتها سبعون ألف دولار وعندنا في المملكة العربية السعودية خمسة وأربعون ريالاً لثلاث سنوات. [والآن (عام 1418هـ ) خمسة وسبعون ريالا، لمدة خمس سنوات].
مذاكرة أحوال المسلمين في أستراليا مع الدكتور حسن باجودة:
الخميس: 13/10/1404هـ.
جاء إلينا في الصباح الأخ شفيق ومعه الدكتور حسن باجودة، المبعوث من جامعة أم القرى لزيارة أستراليا، وقد مكث سنة في هذه القارة ودرَّس في بعض جامعاتها، وله إلمام بظروفها وبعض المسلمين العاملين أو الموجودين فيها، وتذاكرنا الوسائل التي يمكن أن تؤدي إلى خدمة الإسلام والمسلمين فيها، وكانت أهم الوسائل التي اتفق عليها، هي المدارس والمساجد والدعاة إلى الله المتفقهين في الدين الذين لا توجد عندهم أغراض شخصية، وكان الوقت ضيقاً، فحاسبنا المسؤولين في الفندق وذهبنا إلى المطار، وكان الدكتور حسن في وداعنا مع الأخ شفيق.
السفر إلى مالبورن:
وبعد أن أنهى الأخ شفيق الإجراءات ودعونا وصعدنا إلى الطائرة التي أقلعت بنا من مطار سدني إلى مطار مالبورن في الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة عشرة صباحاً، وقُدم لنا شيء من الطعام ففضلنا أنا والشيخ أن نتركه، خشية مما قد يكون فيه مما لا نعلم حله من حرمته، وطلب هو الشاي الذي كثيراً ما حاول إغرائي بشربه لأكون من حزبه فلم ينجح، وطلبت أنا عصير البرتقال.
وحصلت مناسبة تذاكرنا فيها النسيان، فذكر نكتة جعلت عنوانها:
يبحثون عن سروال وهو على كتف أحدهم!
قال: كنا ذاهبين من مكة إلى منى وعرفات أنا والشيخ حامد بكر ومجموعة نمشي على أرجلنا، لأداء مناسك الحج، وجمعنا ثيابنا وأدخلناها في سروال وربطناها فيه، وحمله الشيخ حامد على كتفه، ومررنا بمطعم صغير فيه فول وخبز، فأفطرنا ومشينا، وعندما وصلنا إلى منى قال الشيخ حامد [وقد توفي رحمه الله في المدينة المنورة، وكان نائباً لفضيلة الشيخ عمر في إدارة دار الحديث المدنية المباركة]: أين السروال؟ فرجعنا نمشي حتى وصلنا إلى ذلك المطعم، وعندما أردنا الدخول رأى أحدنا السروال على كتف الشيخ حامد فقال له: ما هذا؟ على كتفك يا شيخ؟ وإذا نحن ينظر بعضنا إلى بعض متعجبين حيث خطر لنا أنّا نسينا السروال ونسينا كلنا أن السروال على كتف حامله. والعجب هو كون حامل السروال مقتنعاً بنسيانه وهو على كتفه.