(2) في مدينة ولينغون
(2) في مدينة ولينغون
وصلنا إلى المدينة الصناعية (ولينغون) في الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً، واستقبلنا رئيس الجمعية الإسلامية في ولينغون في المسجد الذي به مركز الجمعية، واسمه مسجد بلال، في شارع يسمى: بيت لحم، وغالب أعضاء الجمعية من الأتراك واللبنانيين والهنود واليوغسلاف، واسم رئيس الجمعية الدكتور أكرمينان، وهو طبيب نفساني يرى أن كل قلق أو مرض نفسي أهم أسبابه فقد الإيمان بالله أو ضعفه، و أغلب الأطباء النفسانيين من غير المسلمين يرجعون ذلك إلى أسباب مادية.
معلومات عن الجمعية الإسلامية في ولينغون:
واسم نائبه محمود، وقالوا: إن المركز أنشئ قبل ثلاث عشرة سنة، وكان في الأصل شبه ناد، اشتراه المسلمون وبدؤوا يصلون فيه، وعدد المسلمين خمسة آلاف في المدينة، وعدد أعضاء الجمعية المشتركين خمسمائة تقريباً، ولم يكن المسلمون منسقين قبل عشر سنين، ولكنهم نُظِّموا وأصبح لهم كيان، وللجمعية دستور مصدق من الدولة، وفي كل سنة يقومون بالانتخابات لاختيار الرئيس ومعاونيه، وتجتمع اللجنة التنفيذية كل شهر، ويوجد عدد من الدكاترة في الجمعية، ولهم مؤهلات عليا، وأعضاء الجمعية على الرغم من أنهم من شعوب متنوعة: أتراك، ويوغسلاف، وعرب، وهنود، وباكستانيين، وبنغلادشيين، وغيرهم، إلا أنهم متحدون ولا يوجد بينهم خلاف، وهمهم مصلحة الإسلام، وعددهم يزداد.
وفرص العمل متاحة في شركة الحديد والصلب.
وقد زار الجمعية الدكتور عبد الله الزايد والدكتور علي الكتاني والشيخ يوسف الحجي، وكان للمسجد إمام تركي لكنه ذهب إلى بلاده، ونحاول أن نستقدم إماماً تركيا آخر لأن أغلب من في المنطقة من الأتراك.
ويبلغ عدد المصلين يوم الجمعة ثلاثمائة، ويصلي بعض المسلمين الجماعات في المسجد عندما يستطيعون، وبخاصة أيام العطلات الرسمية كالسبت والأحد، أما في العيد فإن عددهم كبير جداً ولا تتسع لهم الشوارع الفرعية من المسجد.
ولما كان المسجد في منطقة سكنية، فإن الجمعية تواجه مشكلة مع الجيران والبوليس، لعدم وجود مواقف للسيارات، ولهذا اشترينا أرضاَ واسعة لبناء المركز والمسجد والمرافق اللازمة للجمعية، وقد وقف المسيحيون ضد شراء هذه الأرض لبناء المسجد، لأنها في أعلى مكان في البلد ولم توجد كنيسة واحدة على مكان مرتفع يوازيه، ولكنا بحمد الله تغلبنا ووافقت البلدية على تسليمنا الأرض، بشرط أن نمد لها مجاري المياه، وهذه تكلفنا ثلاثة وعشرين ألف دولار، وليس عندنا منها شيء، وإذا لم نجد هذا المبلغ قريبا فإنا نخشى أن يمنعونا الأرض فيما بعد، وإني وإن كنت آسفا لإزعاجكم بشكوانا، فإني مضطر إلى ذلك لأني لا أطلب لنفسي شيئاً، وإنما أطلب ما ينقذ المسلمين في هذه المنطقة والواجب على المسلمين أن يتعاونوا، وأن أطلب منكم العون والمساعدة لدى الجهات المختصة في بلادكم، وأخبركم أن بعض الدول قدمت لنا شيكا بمبلغ عشرة آلاف دولار مساعدة، ونحن في أمس الحاجة إلى قبولها، ولكنا لم نقبلها لأنها مشروطة بشروط سياسية، وهي أن ننشئ مؤتمراً شعبياً على غرار المؤتمرات الشعبية في ذلك البلد، وقد حصلت بين الجمعية فتنة بسبب ذلك ولكنها تجاوزتها والحمد لله، بإبعاد من كان يريد الجمعية أن ترتمي في أحضان بعض السياسات العربية التي لم نرض بالارتماء في أحضانها.
وكثير من المسلمين وبخاصة الألبان واليوغسلاف، لا يعرفون كلمة الشهادة، وأبناء المسلمين يكادون يضيعون في خضم عادات البلد وتعاليمهم الرسمية، ونحن لا نجد المال الذي يغطي احتياجاتنا، والذي نقوم به هو قليل جداً لا يفي بحاجات المسلمين، وفي يوم السبت والأحد نبعث خمسة مدرسين لتدريس بعض مبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية.
وكثير من المسلمين نطلب منهم بعث أولادهم للمسجد ليتعلموا فلا يهتمون بذلك، ولذلك لا يشاركنا في دفع الاشتراك إلا عدد قليل، والجمعية تتحمل عبئاً كبيراً من النفقات، وعندنا بعض الأطباء يقومون بعلاج الناس في المسجد ويدفعون أجورهم للجمعية لحاجتها، ولا يوجد الآن في صندوق الجمعية إلا ثلاثة آلاف دولار، وقد أجابهم فضيلة الشيخ عمر بأنا سنهتم بأمر الجمعية، ودلهم على الطريقة التي يتصلون فيها بالمسؤولين في المملكة العربية السعودية، وقد مررنا بالأرض التي تم شراؤها للمركز والمسجد، وهي ذات موقع ممتاز جداً، نسأل الله أن يحقق آمالهم بها. ثم رجعنا مساء إلى مدينة سدني.
وفي مساء هذا اليوم كنا على موعد لزيارة الدكتور إشفاق في منزله بسدني، الذي سماه: دار الإسلام، وكتب ذلك على واجهته باللغتين العربية والإنجليزية.
الدكتور إشفاق يواصل حديثه عن الاتحاد:
واصل الدكتور إشفاق حديثه معنا فيما يتعلق بالعمل الإسلامي في أستراليا، وبخاصة بعض الدعاة الذين سلكوا مسلكاً خطراً على مستقبل الإسلام في البلد، وهو مسلك التحيز والعنف، وقال: إنه يصعب على الإنسان معرفة ما في قلب الآخر، ولكنه يسهل عليه معرفة تصرفاته، وضرب مثالا بـ(...) قال: لقد كنا نحن وهو متفقين أول مجيئه ولكنه غيّر مواقفه من شيء إلى آخر جعلنا نتعجب من ذلك، فقد بدأ عمله كأنه ينهج منهج الإخوان، وظنناه منهم أول الأمر، ولكنه عندما عرف أن أفكار الناس متعددة أخذ يتقلب في طريقة العبادة وفي السياسة، ومن ذلك سلوكه بعض الطرق الصوفية، وقد شاهدته وهو يرقص رقص الصوفية على التلفزيون وهو في المسجد فصرت كالمجنون من هذه الحالة، والكفار يغتنمون الفرص، وقد أذاعوا في التلفزيون بعد إذاعتهم رقصه في المسجد طريقة كرشنا الهندي، ليظن الناس أنه لا فرق بين طريق الإسلام وطريقة كرشنا.
ومال في الأمور السياسية إلى بعض الدول العربية ذات السياسة الهوجاء، وعندي أدله على ذلك، وهو الذي شجع بعض أعضاء جمعية ولينغون على شق العصا والميل إلى تلك الدولة.
ثم قال: دعوت بعض المسلمين الذين لهم علاقة بالاتحاد ومعرفة باللغة الإنجليزية ويفكرون في نجاحه ـ يعني الاتحاد ـ وإمام مسجد لاكمبا لا يتصف بشيء من هذه الصفات، وكان عددنا خمسة عشر، فقعدنا نناقش أسلوب نجاح الاتحاد، فجاء الشيخ تاج الدين ومعه خمسة عشر من أعضاء جمعيته ومعه عصا وهو ليس لابساً جبته ويبدو عليه الغضب، ويقول لنا: ماذا تعملون ياحرامية يا منافقين! هل الاتحاد إرث أبيكم؟! اطلعوا بره، وأخذ العصا يشير بها مهدداً لنا، وكان المفروض أن يتأدب بأدب المسجد والإمامة وأن يلزم الحياء ليستفيد منه الناس.
وقال الشيخ عمر: إن الذي يبقى هو العمل الصالح، والمرجو منك يا دكتور إشفاق بصفتك الوالد الروحي بذل النصح ما استطعت إليه سبيلاً.
الأربعاء /10/1404هـ.
في هذا اليوم الأربعاء غادرنا الفندق إلى المطار في الساعة الثامنة للسفر إلى كامبرا، عاصمة أستراليا الفدرالية، لزيارة السفارة السعودية وأخذ تأشيرة من سفارة سريلانكا.
وقد أُخبرنا أن لكامبرا قصة جعلتها العاصمة، ولم تكن ترتقب تلك المنزلة، لصغرها بالنسبة للعاصمتين المتنافستين: سدني ومالبورن، وذلك أن أهل كل من المدينتين الكبيرتين أصروا على أن تكون مدينتهم هي العاصمة ولما لم يتفقوا جعلوا كامبرا وهي في الوسط بين المدينتين ـ وإن كانت أقرب إلى سدني ـ هي العاصمة، قلت: فهي شبيهة بالفرس الثالث المحلل في السباق في الفقه الإسلامي.
كان المفروض أن تقلع بنا الطائرة إلى كامبرا في الساعة الثامنة والنصف، ولكن كثافة الضباب في كامبرا أخرت الرحلة، فلم نقلع إلا الساعة العاشرة والدقيقة الأربعين، وكانت مدة الطيران من مطار سدني إلى كامبرا خمساً وعشرين دقيقة.