رحلات أستراليا ونيوزيلاندا وسريلانكا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 21 صفحة
صفحة 3 من 21 ( 1 ) في مدينة سدني

( 1 ) في مدينة سدني

( 1 ) في مدينة سدني

خريطة تبين موقع استراليا
خريطة تبين موقع استراليا

كانت الإجراءات في مطار سدني بطيئة جداً، سواء فيما يتعلق بالجوازات التي كان يزيد عدد موظفيها الذين يقومون بختمها على خمسة وعشرين في ممرات متعددة، أو في الجمارك، فقد كان التفتيش دقيقاً، حتى إن بعضهم اشتبه في مساويك الأراك التي مع الدكتور جعفر فأخرجها من جيبه وأخذ يقلبها ويتأمل فيها، كما أنهم أخرجوا فستق الشيخ عمر ولوزه وسِكِّينه الصغير ثم أعادوا ذلك كله برفق وترتيب.

منظر لمدينة سدني والتي كان الوصول إليها في 7/10/1404هـ ـ 13/10/1983م
منظر لمدينة سدني والتي كان الوصول إليها في 7/10/1404هـ ـ 13/10/1983م

في فندق (MENZIES):

وأخذنا من خدمات المطار تحويلاً إلى فندق منزيس (MENZIES) في وسط مدينة سدني، وصلنا إلى الفندق في الساعة التاسعة والنصف صباحاً، ونمنا كما قال الشيخ عمر: "شوية" أي قليلاً، وكان ذلك إلى الساعة الثالثة والنصف مساء، أي ست ساعات تقريباً، وبهذا كانت "شوية" الشيخ عمر أكثر من "شوية" الشيخ عبد القوي بساعتين. [الشيخ عبد القوي بن عبد المجيد القاري من حفظة القرآن الكريم، قام بتدريس القرآن الكريم في معهد الجامعة الإسلامية الثانوي بالمدينة المنورة، رافقني في أول رحلة إلى إندونيسيا في شهر رمضان المبارك من عام: 1400ه-وقال-ونحن في الجو-: نريد أن ننام (شوية) فنام أربع ساعات].

في مركز اتحاد المجالس الإسلامية:

وفي الساعة الرابعة اتصلنا بمركز اتحاد المجالس الإسلامية في أستراليا، حيث جاءنا الأستاذ: شفيق الرحمن عبد الله أمين الاتحاد، وفي الساعة الخامسة اصطحبنا إلى المركز وتم اللقاء برئيس الاتحاد الدكتور: محمد العريان، الذي شرح لنا ما يقوم به المركز في الدعوة والتعليم والشؤون الاجتماعية، وتم وضع جدول زمني لزيارة المدن الكبيرة التي توجد بها جاليات إسلامية في أستراليا، لزيارة المسلمين وإلقاء محاضرات في الجامعات للمسلمين وغيرهم، وكان الدكتور: جعفر إدريس، يرغب في هذا لكونه يجيد اللغة الإنجليزية وله خبرة وتجارب مع الشباب، وكان الدكتور العريان الذي انتخب رئيساً للاتحاد لحل الإشكال الذي حصل بين المسلمين في انتخاب رئيس لهم، حيث تساوت الأصوات بين اثنين مع تكرر الانتخاب فرضي الاثنان وإتباعهما به رئيساً وبايعوه.
كان يشكو من عدم وجود ميزانية للمركز، حتى إن المدرسة التي فتحت للمسلمين في (مالبورن) كادت تغلق لعدم وجود مرتبات وقد سافر هو وأمين سر الاتحاد شفيق الرحمن إلى المملكة العربية السعودية، فاتصلا بالرابطة في مكة فساعدتهما بستين ألف دولار ووعدهما الشيخ عبد العزيز بن باز بالمساعدة.
وقال: إنهم مضطرون للتسلف من البنك للإبقاء على المدرسة وعمل الموظفين في المركز، وأن ذلك لا يتم إلا بالربح (الفائدة).
وقال: إننا في حاجة إلى وقف ثابت يغذي المدرسة والموظفين، وذكر أن المهاجرين وبخاصة بعض الجنسيات العربية شحيحون جداً ببذل المال، مع ما في بذله من مصالح تعليم أبنائهم.

اجتماع حاشد للمسلمين في سدني
اجتماع حاشد للمسلمين في سدني

من تنور صيف الجزيرة إلى ثلاجة شتاء أستراليا!

السبت 8/10/1404هـ.
كنا على موعد مع الأخ شفيق الرحمن لإيصالنا إلى أحد المعارض التي تباع فيها الأصواف، لشراء بعض ملابس الشتاء القارس في سدني الذي ذكروا أنه لم يصل إلى هذه الشدة منذ خمسة وعشرين عاماً، وكنت عرفت أن الوقت وقت شتاء في المنطقة قبل السفر، ولكن خرجت من بلادي، وهي شبيهة بفرن كبير، بلغت درجة الحرارة في بعض مناطقها ستة وأربعين درجة، فظننت أن البرودة في مناطق أستراليا، مهما اشتدت لن تقل درجة الحرارة عن عشرين درجة، وبخاصة مع وجود البحار المحيطة بأستراليا من جميع جوانبها، فإن ذلك يخفف من حدة البرد، ثم قلت: إذا وصلنا سنشتري ملابس صوفية من أستراليا، فهي غنية بالأصواف والأوبار، ولكنا عندما وصلنا وجدنا البرد شديداً بالنسبة لملابسنا الصيفية، حيث إنه قد يصل إلى أقل من درجة الصفر المئوي، لذلك كنا كمن خرج من فرن ودخل في ثلاجة!
وكان الشيخ الدكتور جعفر قد استعد للشتاء بعدته فلم يضره، وكان الشيخ عمر قد استعد بشيء لا بأس به من ذلك، أما أنا فلم أكن مستعداً أي استعداد، وكان تكييف الفندق الذي نزلنا فيه غير كاف، ولكن أغطيته لا بأس بها خففت عني شدة البرد عندما تغطيت بها.
تأخر عنا الأخ شفيق، لأنه كان في اجتماع مع رئيس المركز وأعضائه الآخرين، واتصل بنا في الساعة الحادية عشرة ينصحنا أن نخرج إلى بعض المعارض القريبة من الفندق، لشراء ما نريد حتى يتمكن من المجيء إلينا، فخرجنا مسرعين لندرك المعارض قبل قفلها لأن اليوم كان يوم السبت، وجرت العادة أن تغلق فيه الأسواق في الساعة الثانية عشرة، فأدركنا واشترينا بعض ما نريد على عجل ورجعنا إلى الفندق، فجاءنا شفيق وأوصلنا إلى فندق هلتون القريب من المطار، وهو ذو حجر واسعة في منطقة مكشوفة لا توجد بقربه مبان إلا مقصورات صغيرة بجانبه، تحيط به الأشجار وبعض الحدائق ذات المناظر الجميلة ويمر بجانبه جدول متفرع من البحر شبيه بنهر صغير، ويجول الناس في الردهات المجاورة للفندق يسحبون أغراضهم على عربات صغيرة، ويجلسون عند تلك الأشجار على الأعشاب فرادى وجماعات، وكانت الطائرات تمر بقرب الفندق صاعدة من المطار وهابطة إليه جنوب شرق الفندق، فتمتعنا بتلك المناظر الجميلة بعد أن كنا في الفندق الذي قبله كأننا في قفص من الأقفاص لصغر الغرف وإحاطة المباني به ملاصقة له أو قريبة جداً.

الاجتماع بمسلمي الجالية اللبنانية:

وتركنا الأخ شفيق ليذهب ثم يعود بعد ساعتين، لأخذنا في جولة في مدينة سدني للتعرف على طبيعتها، وكنت كعادتي في تشوق للخروج إلى مشارف المدينة على ساحل البحر لأتصورها من جميع جهاتها تصوراً مباشراً بعد أن تصورتها تصوراً جغرافياً نظرياً، وهي تقع في جنوب شرق القارة الجديدة، ولكن الأخ شفيقاً اتصل بعد أن خرج من عندنا بالهاتف معتذراً عن العودة لشغل عرض له، وقال: إن الأخ محمد مصطفى صدِّيق اللبناني سيأتيكم بعد أربعين دقيقة ليأخذكم في جولة، فأبطأ علينا الأخ محمد فلم يأتنا إلا قبيل المغرب، حيث طلب منا أن نخرج في جولة ثم نتناول طعام العشاء في بيته ونجتمع ببعض الأسر اللبنانية. وهم من أكبر الجاليات العربية في القارة ـ سيأتي الكلام عن الجاليات ـ وقد تجنس كل من مضت له الفترة النظامية في البلد، والأخ محمد أحدهم، وكان يحدثنا عن قارة أستراليا وبدء الهجرة الأوربية إليها وعن سكانها الأصليين وعن الجاليات الموجودة بها من العرب والأتراك والهنود و وغيرهم، وبدا من حديثه أنه ملم بالمعلومات المتعلقة بالبلد.
وبعد ساعة ونصف تقريباً وصلنا إلى منزله الذي ملكه بالتقسيط في ضاحية أوبن، وهي منطقة هادئة، وجاء إلينا بعض أقاربه وجاليته. تذاكرنا معهم بعض الشؤون الإسلامية ولا سيما تربية أولادهم بمناسبة وجود بعض الأطفال الذين يتحدثون باللغة الإنجليزية واللهجة اللبنانية، وقد تناولنا طعام العشاء في منزل الأخ محمد وكان من عدة أنواع من الأطعمة العربية وبخاصة اللبنانية منها، ثم ذهب بنا إلى منزل أحد زملائه الذي اجتمع فيه عدد من الجالية، لسعته فاجتمعنا بهم وكان حديثهم منصباً حول نقاط معينة:
النقطة الأولى: عدم وجود العلماء المتفقهين في الدين المخلصين في العمل، الذين يمكنهم أن يجمعوا كلمة المسلمين ويعلموهم دينهم.
النقطة الثانية: وجود بعض من يتصدى للدعوة والإمامة، وهو ينشر بعض الطرق الصوفية الغالية مثل الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية التي يتزعمها محمد عبده البرهاني السوداني، وكان عندهم صورة من أدعيته.
النقطة الثالثة: استجابة من يتصدون للدعوة إلى الله في زعمهم ـ لتوجيه بعض الدول السياسي الذي يخدم مصالحها، مثل إيران وبعض الدول العربية المتفقة معها في سياستها أو غير المتفقة، وذلك بسبب بذل تلك الدول الأموال بشرط تنفيذ رغباتها، وفي ذلك تفريق للمسلمين؛ لأن بعض أولئك الأئمة يستغلون المنابر لتأييد سياسة تلك الدول وزعمائها، وتجريح زعماء دول أخرى، وطلبوا منا أن نساعدهم في حل هذه المشكلات التي فرقتهم وأحدثت بينهم العداوة والبغضاء، حتى إن بعضهم يكتب ضد بعض على صفحات الجرائد العربية التي يصدرها بعض النصارى.
وقد نصحناهم أن يحاولوا التفاهم فيما بينهم بالمعروف وأن يصبروا، من أجل اجتماع كلمتهم، بدون أن يتنازلوا عن الحق في عقيدتهم وبدون اتباع البدع والخرافات، وأن يحاولوا حل هذه المشكلات عن طريق الاتحاد الذي يعتبر الواجهة الشرعية لهم، وركز على هذا المعنى فضيلة الشيخ عمر، كما نصحوا أن يلتمسوا بالوسيلة الممكنة وجود علماء وأئمة من ذوي الفقه في الدين والإخلاص في العمل، ليقوموا بتوجيههم وجمع كلمتهم على الحق، وأن يحرصوا على التحدث مع أبنائهم باللغة العربية في المنازل ليحافظوا على صلتهم بلغة دينهم وكتابهم، وأن يؤدبوهم بآداب الإسلام ويغرسوا في نفوسهم مبادئه الإيمانية والسلوكية.
ثم وعدناهم أن نسعى ما استطعنا في حل مشكلاتهم سواء في داخل البلد (أستراليا) مع الاتحاد أو الأطراف المتنازعة، أو في المملكة العربية السعودية ببعث دعاة إلى المنطقة.
ثم استأذنَّا ورجعنا إلى الفندق ـ وفي طريقنا طلبوا منا زيارة مركز الخدمات الاجتماعية الذي أعدوه لإقامة الأفراح فيه، كالعرس، والعيد، وكذلك تعزية أقارب من يتوفى منهم، ويريدونه أن يكون نادياً ثقافياً، وطلبوا بعث كتب إسلامية له للاستفادة منها.
عدنا إلى الفندق في الساعة الثانية عشرة ليلاً، صلينا المغرب والعشاء، وكان مكيف غرفتي مضرباً عن بث الحرارة للتدفئة مصراً على بث الهواء البارد ليزيد الطين بلة، حاول الدكتور جعفر حل الإشكال حيث اتصل بالمسؤولين لإصلاح المكيف فوعدوا بالحضور لإصلاحه بسرعة ولكنهم تأخروا، فاستعنت بالله ودخلت في أغطيتي ونمت إلى الصباح.

الأحد: 9/10/1404 هـ.

صلينا الفجر وقرأنا وردنا وتناولنا فستق الشيخ عمر ولوزه، ثم رجع كل منا إلى غرفته لنستريح، حتى يأتينا من يصطحبنا إلى الاتحاد، للاجتماع بزعماء الجمعيات الإسلامية المكوِّنة للاتحاد، ووعدنا الأخ شفيق أن يأتي هو إلينا.
اتصلت بالمسؤولين في الفندق وأخذت أحاول أن أفهمهم حاجتي إلى التدفئة وعدم وجودها في مكيف حجرتي، ففهموا بعد مشقة وجاءت إلي إحدى العجائز فتفقدت المكيف ثم كلمتني بكلام لا أفهمه، فأجبتها أني لا أستطيع فهم ما تقول باللغة الإنجليزية فقالت: ما اللغة التي تجيدها؟ قلت: العربية، فوقفت حائرة ثم حاولت مرة أخرى ففهمت منها أن الأفضل أن أنتقل إلى غرفة أخرى فوافقتُ وقالت لي: انتظر حتى ننظف الغرفة المجاورة فانتظرت، فجاءت الخادمة المنظفة تخبرني أن الغرفة جاهزة، فانتقلت إليها، وجاءت عجوز أخرى تشير لي إلى قوارير أم الخبائث في الثلاجة، فقالت لها الخادمة وهي مسلمة قد عرفت أني من المملكة العربية السعودية: إنهم مسلمون لا يشربون الكحول، فانصرفت آسفة على ما حصل منها.

في مركز الجالية اليوغسلافية:

وجاء إلينا الأخ شفيق الرحمن، فنقلنا إلى مركز الجالية اليوغسلافية في سدني، وهو عبارة عن مسجد يصلون فيه صلاة الجماعة والجمعة ويجتمعون فيه لسماع الخطب والمواعظ، وتدارس أحوالهم، ويدرس فيه أبناؤهم، وكان في استقبالنا إمام المسجد الشيخ: صالح إبراهيم اليوغسلافي الذي درس في الأزهر بالقاهرة وتخرج في كلية اللغة العربية سنة 1980م، وكان يقوم بالتدريس في مدرسة البنات الإسلامية في يوغسلافيا، ثم انتدبه رئيس الجماعة الإسلامية في سراييفو بالبوسنة الأستاذ: أحمد إسماعيل لزيارة الجالية اليوغسلافية في أستراليا فمكث عندهم ثلاثة أشهر، ثم رجع إلى يوغسلافيا وألحت الجالية اليوغسلافية في طلبه ليعلمهم ويقوم بتدريس أبنائهم وتربيتهم، فانتدب ليبقى هنا معهم، وذكر أن عدد الجالية اليوغسلافية في أستراليا خمسة آلاف تقريباً، والمسلمون المتمسكون منهم بدينهم في غاية الحفاظ على دينهم وأبنائهم، وذكر أن المسجد أسس منذ سبع سنوات، وأنهم قد افتتحوا مسجداً آخر في مالبورن، ويرأس الجمعية خير الدين اليوغسلافي، وهو رجل أعمال، وقال: إن المسجد يمتلئ بالناس أيام السبت والأحد، وبعد العشاء في أيام الأسبوع الأخرى يجتمع فيه من يستطيع منهم، وهو يدرس الكبار بعد صلاة العشاء كل يوم، وقد استمعنا لأحد صغار الطلبة وهو يقرأ بعض السور، ويحفظ أركان الإيمان باللغة العربية ويترجمها بلغته، وقال: إنهم ينتظرون الكتب المنهجية للأولاد من يوغسلافيا، لأنها بلغتهم وهم يفهمونها أكثر، نظراً لأنهم يتحدثون بلغتهم مع أمهاتهم وأسرهم في البيوت. وقد صلينا مع الشيخ صالح صلاة الظهر، وبعد أن سلم من الصلاة قام هو وجماعته الصغار فصلوا السنة، ثم ابتدروا السُّبَح التي أعدت للتسبيح في المسجد وقد ملأت قفة، وأخذوا يسبحون، فلما فرغوا تحدثنا مع الشيخ صالح قليلاً، ثم جاء رئيس الجمعية خير الدين وكان مشغولاً في بعض الأعمال فرحب بنا وودعناهم داعين لهم بالتوفيق.
الاجتماع بمسؤولي الاتحاد الإسلامي وما دار فيه من حوار:
ثم ذهبنا إلى مركز الاتحاد، وكنا عندهم في الساعة الواحدة بعد الظهر، وقد استقبلنا أعضاء الاتحاد الموجودون وأغلبهم من رؤساء الجمعيات المكونة للاتحاد، وكانوا يتأهبون لصلاة الظهر، وبعد الصلاة اجتمعنا في القاعة للتعارف، وكان من الحاضرين بعض الأساتذة في الجامعات الأسترالية وهم ذوو تخصصات متنوعة.
وقدم رئيس الاتحاد الدكتور العريان للحاضرين فضيلة الشيخ عمر محمد فلاتة ليلقي كلمة، وكانت كلمته تدور حول تحمل المسؤولية في هذا البلد الذي يحتاج المسلمون فيه إلى بذل الجهود في المحافظة على إيمانهم وأخلاقهم، وأن الجامعات في المملكة العربية السعودية وبخاصة الجامعة الإسلامية وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، تتطلع إلى ما يدور في هذا البلد من النشاط الإسلامي من قبل المركز والجمعيات الإسلامية، لترتب على ذلك بذل ما يمكنها بذله من المساعدات، وحثهم أن يُرُوا الله سبحانه وتعالى ما يحب. وذكَّر هم بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من دعا إلى هدى كان له أجره وأجر من عمل به...)) الحديث.
وكان من الحاضرين الذين تذاكرنا معهم الدكتور أحمد الشبول، وهو أردني الأصل، أخذ الليسانس من جامعة دمشق، وأكمل دراسته العليا في بريطانيا، ويحمل دكتوراه في التاريخ، ويُدَرِّس في جامعة سدني قسم الدراسات الإسلامية والعربية، ويتولى تدريس المجتمع الإسلامي، وقال: إن أكثر الذين يدرسون في هذا القسم من الطلبة غير المسلمين، وأنهم يتأثرون بالمعاني الإسلامية ويرجى أن يستمر ذلك أكثر في المستقبل.
وذكر الدكتور أحمد أن نظرة غير المسلمين في هذا البلد إلى العبادة والتدين نظرة عدم مبالاة، وأن المسيحيين يذهبون إلى السينما يوم الأحد ثم يمرون بالكنيسة للنزهة وليس عندهم أدنى تأثر بها، وأن كنيسة هنا في سدني كسدت لقلة من يرتادها، وبيعت وتحولت إلى مطعم.
وبعد أن ألقى فضيلة الشيخ عمر كلمته استأذن الحاضرين ليسمعوا مني كلمة، وكان طعام الغداء قد أعد، فقال الدكتور العريان: أرجو أن تكون الكلمة بعد تناول طعام الغداء.
وبعد تناولنا طعام الغداء، قدمني الدكتور العريان للحاضرين فكانت الكلمة تدور حول الأمور الآتية:
1 ـ وجوب مجاهدة النفس على تعلم الدين الإسلامي.
2 ـ وجوب مجاهدتها على العمل بما تعلمناه.
3 ـ وجوب الإخلاص لله تعالى الذي يعين على تحقيقه استحضار عظمة الله وعدم الالتفات إلى ما سواه، لأن الله وحده هو الذي يجزي على العمل والناس لا ينفعون ولا يضرون.
4 ـ وجوب المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.
5 ـ وجوب السعي لجمع كلمة المسلمين الذين تجمعهم العوامل الآتية:
ـ وحدة المعبود.
ـ وحدة المتبوع.
ـ وحدة المنهج.
وغير ذلك من العوامل الفرعية كالشعائر التعبدية ونحوها، وأي نقص يحصل في تطبيق مضامين هذه العوامل، يحدث الشقاق والنزاع بين المسلمين.
وفي آخر كلمتي حضر الشيخ تاج الدين إمام مسجد لاكمبا في سدني، وهو أكبر الجوامع فيها، فطلب منه رئيس الاتحاد أن يلقي كلمة تتعلق بنظرته إلى مستقبل الإسلام في أستراليا، وحل ما يواجهه المسلمون من مشكلات ضياع أولادهم وقلة الإمكانات التي تعينهم على حفظهم بالمدارس والمراكز الإسلامية.

خلاصة كلمة الشيخ تاج الدين إمام مسجد لاكمبا:

إن الدعوة في حاجة إلى المال من الجالية الإسلامية في البلد ومن الخارج، وإن من أهم المشكلات الموجودة في البلد التناقضات التي حملها معهم المسلمون المهاجرون من بلدانهم.
وإن الضعف مسيطر على المسلمين هنا، واستدل على ذلك بعدم وجود جريدة عربية واحدة للمسلمين، وإن خمس جرائد نصرانية تصدر باللغة العربية تهاجم الإسلام والمسلمين. وإن السبب في ذلك هو أنّا عسّرنا ما يسَّر الله وضيقنا ما وسَّع الله، أخذنا بالإسلام أنظمة إدارية معقدة وهو ليس في حاجة إلى هذا التعقيد وإنه يجب علينا أن نبدأ خطوة عملية بإنشاء مدرسة للأولاد، حتى لا يذوبوا في المجتمعات الكافرة (وذكر بعض المقترحات لجمع التبرعات ونوقشت تلك المقترحات باستفاضة ووعد رئيس الاتحاد بدراستها وأخذها بعين الاعتبار).
وذكر الشيخ تاج أن الأخطار تحيط بالمسلمين في هذا البلد من كل جانب وأنّا لا نأمن على أبنائنا وبناتنا في هذا المجتمع الذي تباح فيه الفواحش والمنكرات وذكر بعض الأمثلة:
1 ـ بلَّغتْ إحدى المدارس امرأة مسلمة أن خمس فتيات من بناتها يتعاطين المخدرات.
2 ـ أباحت الحكومة اللواط بين المعلم وتلميذه، واختلفت حكومة الولاية مع الحكومة الحالية في تحديد السن التي يباح فيها ذلك، فرأت الحكومة المحلية تحديد السن بثماني عشرة سنة، ورأت الحكومة الحالية تحديدها بست عشرة. أي إن الخلاف في سنتين فقط أما المبدأ فَمقرٌّ من الجميع.
3 ـ توجد 325 مدرسة كاثوليك في الولاية تأخذ من كل طالب 1500 دولار، ويدخلها الطلبة المسلمون بشرط دخول الكنيسة، ويوقع على ذلك ولي أمر الطالب المسلم.
4 ـ إضافة إلى مدارس أخرى للبروتستانت وغيرهم.
والحل هو إنشاء مدارس للمسلمين، ثم وجه لنا الإمام المذكور الدعوة للاجتماع به وبأعضاء الجمعية المشرفة على المسجد، واتفقنا أن نزورهم بعد صلاة العشاء من مساء الاثنين الموافق 10/10/1404هـ.

تمهيد لزيارة نيوزيلندا:

الاثنين 10/10/1404هـ.
كنا رغبنا في زيارة نيوزيلندا، لقربها من جنوب أستراليا الذي سنزور عاصمته: مدينة مالبورن، وجزيرة تسمانيا وعاصمتها هوبرت، لما علم من جمال طبيعتها، ولم تكن عندنا تأشيرة لدخولها، وكنا على موعد مع الأخ شفيق لترتيب شؤون الحجز للمدن التي نريد زيارتها فجاءنا في الساعة العاشرة تقريباً، ورتبنا المدن التي سنزورها في أستراليا ووضعنا خطة لزيارة بعض القرى المجاورة لسدني، عن طريق البر في سيارة نستأجرها لمشاهدة جزء من المناظر الطبيعية في البر الأسترالي، ونظراً لضيق وقت فضيلة الدكتور جعفر شيخ إدريس فقد حجز له ليسافر يوم الثلاثاء إلى مدينة برزبن، على أن نلتقي نحن وهو في مدينة مالبورن يوم الخميس.
كما كنا على موعد مع الأخ مصطفى صديق، ليأخذنا في جولة في أطراف مدينة سدني على سواحل البحر، ولكنه عندما جاءنا في الساعة الحادية عشرة تقريباً، قررنا الذهاب إلى مبنى الحكومة الفدرالية في وسط المدينة، لنأخذ تأشيرة عودة إلى أستراليا بعد زيارة نيوزلندا، لنكمل زيارة المدن التي في غرب أستراليا وشمالها، وعندما وصلنا إلى المبنى ـ وهو مبنى كبير شاهق تحيط به مباني شبيهة بمباني وسط لندن، كما قال الدكتور جعفر: إن هذه المباني تجعل الإنسان كأنه في قلب لندن ـ صعدنا إلى الدور الرابع الذي هو مخصص للمهاجرين من الزوار والطلاب، وتفاهم الأخ محمد مصطفى مع السكرتيرة وأخذ أوراق البيانات الخاصة بالتأشيرة وسجل فيها المعلومات اللازمة، وقالت له بعد أن أخذتها منه انتظر قليلاً، وبعد قليل خرج الموظف المختص فطلب من الأخ محمد إحضارنا إليه وأخذ يسأل بعض الأسئلة، وكانت النتيجة أن طلب إحضار تذاكر سفر العودة إلى أستراليا من نيوزلندا، وبإحضارها يتم منح التأشيرة في نفس الوقت.
خرجنا لشراء تذاكر السفر، وفي الطريق قال فضيلة الشيخ عمر محمد فلاتة: الأفضل أن نمر بقنصلية نيوزيلندا لنعرف إمكان منح التأشيرة، وبعد ذلك نشتري التذاكر إذا تيسرت التأشيرة، فذهبنا إلى القنصلية وتفاهم الأخ محمد مع الموظفة فأفادت أنه لا بد من أخذ إذن من الجهات المسؤولة في نيوزلندا، وأن الجواب سيأتي بعد أسبوع، فتشاورنا وقررنا إلغاء السفر إلى نيوزلندا، مع رغبتنا فيه، وسبب ذلك خشية ضياع أوقاتنا في المراجعات والتردد على الدوائر الحكومية، إضافة إلى الحاجة إلى تعديل خط سيرنا في بعض المدن الأسترالية.
أما الدكتور جعفر فقد اتفق مع الموظفة على السفر لأنه قاصد أصلاً زيارة نيوزلندا ودفع بعض النقود رسوماً، وأخذ بطاقة المراجعة معه ليراجع قنصلية نيوزلندا في مالبورن.

في جامعة سدني:

وكان خروجنا من مقر قنصلية نيوزلندا في الساعة الثانية تقريباً ونحن على موعد مع الدكتور أحمد الشبول في جامعة سدني في تمام الساعة الثالثة، وكنا في حاجة إلى تناول الغداء، ولضيق الوقت مر الأخ محمد بمطعم لبناني فدخل هو والدكتور جعفر فأخذا منه طعاماً كافياً تناولناه في السيارة، ونحن في طريقنا إلى الجامعة، وكان وصولنا إلى الجامعة في الساعة الثالثة إلا عشر دقائق، حيث التقينا الأخ شفيقاً وهو الموعد المحدد للقائنا معه هناك ليوصلنا إلى الدكتور أحمد.
صعدنا إلى الدكتور أحمد في مكتبه، فرحب بنا وبعد أن قدم الشاي والقهوة، أخذ الدكتور جعفر إلى قاعة التدريس، ليلقي محاضرة في طلاب مادة الدراسات الإسلامية التي يشرف عليها وكان هو السبب الذي هيأه الله تعالى لإقرارها في كلية الآداب.
وبعد ساعة عاد إلينا الدكتور أحمد والدكتور جعفر وكنا نحن في انتظارهما في المكتب، وسألنا الدكتور أحمد عن الجامعة فأعطانا دليل الجامعة، وهو بطبيعة الحال باللغة الإنجليزية، وقد أنشئت الجامعة سنة 1855م، وهي أقدم جامعة في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، والكليات التي تشملها هي: الآداب والعلوم والطب والهندسة، وهي كليتان كلية العلوم الهندسية، وكلية الهندسة المعمارية، وكلية الزراعة وهي متفوقة في هذا المجال، وبخاصة تربية الحيوانات، ومعهد الحقوق وهو معهد عال بمنزلة كلية، وبعض الأقسام في بعض الكليات صالحة لأن تكون كليات، والسعي حاصل لجعلها كذلك.
وعندما سئل الدكتور أحمد عن سبب وجود مادة الدراسات الإسلامية في الجامعة تلكأ، فأجاب الأخ شفيق أن السبب يعود إلى تهيئة الله الدكتور أحمد للسعي لدى المسؤولين في إقرارها وإقناعه إياهم بذلك، وقال الأخ أحمد إن القسم الذي أنشئ أصلاً هو قسم الدراسات السامية.
وكان يرأس مادة الدراسات العربية والإسلامية أحد الأقباط المصريين ولكن عميدة الكلية هي التي تتولى الآن الإشراف على المادة لوجود بعض المشكلات.
وقال الدكتور أحمد: إنه قد تخرج في مادة الدراسات الإسلامية أكثر من مائة طالب في السنة الواحدة، وأكثر الطلبة الدارسين للمادة هم من غير المسلمين.
وعندما سئل عن عدد الأساتذة في الجامعة؟، قال: لم أضبط الآن العدد وهو في الدليل، وسئل عن الأساتذة هل كلهم من أستراليا؟، فأجاب نعم غالبهم، وقال: إن 60% تخرجوا من جامعات بريطانيا و15% من جامعات أمريكا والباقون من الجامعات الأسترالية. وقال: إن عدد الجامعات الأسترالية بلغ ست عشرة جامعة، وعدد سكان أستراليا كلهم ستة عشر مليوناً، أي أن لكل مليون من السكان جامعة وقال: إن خريجي الجامعات أقوياء جداً وبخاصة في العلوم.
وسألته عن علاقة الجامعة بالجامعات البريطانية فقال: إن الجامعات البريطانية تعتبر جامعة سدني بالذات من بناتها.
ثم استأذنا من الأخ الدكتور أحمد. وعدنا إلى الفندق في الساعة السادسة، حيث صلينا المغرب، وفي الطريق قص علينا الدكتور جعفر شيخ إدريس خلاصة محاضرته وبعض الأسئلة التي تلقاها من الطلبة.
قال: إن محاضرتي كانت حول النقاط التالية:
1 ـ بيان أن كل الناس يدعي أنه يحاول الإصلاح.
2 ـ أن من لم يتبع الدين الحق ليس جديراً بالإصلاح لانطلاقه من أفكار جزئية.
3 ـ أن الحاجة إلى العقيدة ليس المقصود منها إيجاد اقتناع عقلي فحسب وإن كان الاقتناع العقلي ضرورياً، ولكن لا بد من اقتناع قلبي مع الاقتناع العقلي.
4 ـ علاقة الإيمان بالله واليوم الآخر بالسلوك.
5 ـ قد يدعي ذلك اليهود والنصارى، ونحن نعترف في الجملة بأن عندهم أجزاء من الحق، ولكن العقيدة عندهم مشوهة وليست قابلة أن يبنى عليها نظام حياة.
6 ـ عند المسلمين ما يقدمونه للعالم لو تمسّكوا بدينهم حقاً.
ثم ذكر أن بعض الطلبة سألوه وناقشوا، ومنهم يهودي كبير السن (والجامعات الأسترالية تفتح المجال لكبار السن بدون تحديد سن معينة حتى إن فيها من هو متقاعد عن الوظيفة) أخذ يذم الإسلام عن طريق أسلوب المدح الماكر الخبيث، مثل قوله: إن الفكر الإسلامي محلق مثالي، وأخذ يطعن في المسلمين بسبب الخلافات التي تقع بينهم والترف الذي وصل إليه بعض الناس منهم، والتفاوت في الثروة، وأجاب الدكتور جعفر عن كل تلك الأسئلة والمناقشات بما تيسر له.
في جامع لاكمبا:
ثم ذهب بنا الأخ شفيق إلى مسجد لاكمبا، وعندما وصلنا أقيمت الصلاة وصلى بالناس إمام المسجد، وكانوا صفوفاً كثيرة نسبياً، وبعد الصلاة طلب منا أن نلقي كلمات في المصلين، وكان فضيلة الشيخ عمر متأثراً من البرد والتعب. فألقيت كلمة تضمنت أن الإيمان هو الركيزة الأولى التي ينبني عليها فروع الإسلام، وأن ثمرته هي الاستسلام الكامل لله تعالى، وأن الواجب الاعتصام بحبل الله ونبذ التفرق لا سيما الجاليات الإسلامية القاطنة في بلاد الكفر.
ثم تحدث الدكتور جعفر عن العمل الصالح الذي لا يكون صالحاً إلا إذا انبنى على الإخلاص والصواب، وهو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في القول والعمل والذكر وغيره، وحذر من البدع والطرق الصوفية المتطرفة.
ثم تحدث الشيخ عمر باختصار عن مسؤولية المسلمين يوم الحشر والجزاء، وأن النجاة تكمن في العمل الصالح.
وشكر الشيخُ تاجُ الدين الهلالي إمام المسجد الضيوفَ، ثم صعدنا إلى قاعة الاجتماعات التي أحضروا فيها الفاكهة والحلويات فتناولنا ما نرغب فيه ثم فتح باب النقاش.
وكانت الأحاديث تدور حول وجوب اجتماع كلمة المسلمين وحسن ظن بعضهم ببعض، وأن الدعاة إلى الله يجب أن يكونوا فقهاء في دين الله عاملين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، متبعين غير مبتدعين، صابرين على الأذى واسعة صدورهم للجهال من المسلمين، وتمت المصارحة التامة بين الضيوف وإمام المسجد وأعضاء الجمعية وبخاصة فيما يتعلق بالخلافات الناشئة بين الجمعية والإمام من جهة وبعض الجاليات من جهة أخرى.
وإن الذي يظهر أن هذا المركز (مركز لاكمبا) يسير بالناس بخطى تربوية وعلمية، وينشئ فيهم الحماس للبذل والتضحية بصرف النظر عن الطريقة التي يتبعها إمامهم أهي سليمة أم فيها بدع وخرافات، فهو وأعضاء الجمعية ينفون أن يكونوا سالكين طرق البدع والخرافات، بل يزعمون أنهم يتبعون كتاب الله وسنة رسوله، وخصومهم يزعمون أنهم يتبعون طرقاً صوفية، ولقد حصل تأثر كبير في النفوس من تلك المناقشات والتذكر فيما بدا لنا عندئذ، ومع ذلك فإن عامة من التقيناهم من غير جماعة (...) لا يثنون عليه بخير لا في معاملته، ولا في طريقته.

مقابلة إذاعِيَّة:

ثُمَّ أجرى أحد اللبنانيين الذي يعمل في الإذاعة ويقدم فيها بعض برامج للمسلمين مقابلة مسجلة لإذاعتها وكانت تتضمن ثلاثة أسئلة:
السؤال الأول: وجهه لفضيلة الشيخ عمر محمد فلاتة، وهو: ما نصيحتك للمسلمين في أستراليا؟
وأجاب عليه بأنه يجب على المسلمين أن يتعاونوا ويتحدوا ويحافظوا على دينهم.
والسؤال الثاني: وجّهه إليَّ، وهو:
ما المشكلات التي يواجهها المسلمون في المهجر؟
وكان الجواب:
1 ـ الجهل بالدين.
2 ـ قلة العلماء المخلصين المربين.
3 ـ إحاطة المبادئ غير الإسلامية بهم في الأمور الدينية والاجتماعية والسلوكية وغيرها.
4 ـ عدم الاهتمام بتربية أبنائهم على مبادئ الدين الإسلامي، وتعليمهم لغة دينهم.
5 ـ كثرة الاختلافات باتباع الأهواء والتأثر بالسياسات المتضاربة في بلادهم.

مع رئيس الاتحاد الإسلامي سابقاً: الدكتور إشفاق:

الثلاثاء: 11/10/1404هـ.
وفي صباح الثلاثاء جاءنا إلى الفندق الدكتور إشفاق ـ وهو باكستاني الأصل وله مدة طويلة في أستراليا ـ ومعه الأخ شفيق الذي ودّع الدكتور جعفر في المطار مسافراً إلى برزبن.
والدكتور إشفاق هو أول رئيس للاتحاد، وهو من الجماعة الإسلامية في الهند، من بلدة (لكنو)، ودرَّس في عدد من الجامعات الأسترالية.
وكان فضيلة الشيخ عمر قد اجتمع به قبل سنتين بمناسبة انتخاب رئيس الاتحاد، فسأله عن السبب في خلاف المسلمين المستمر في أستراليا فأجاب:
لقد كان من يريد العمل قبل عشر سنوات قليلاً جداً، وكذا الذين يفهمون الإسلام كانوا قليلين جداً، والآن تحسنت الظروف نوعاً ما، فالذين يفهمون الإسلام أكثر، والذين يريدون العمل للإسلام أكثر كذلك، وكان الناس ينقسمون قسمين، أي المسلمون.
قسم ماهر في الأمور التنظيمية والإدارية، قليل الفقه في الدين الإسلامي، وقسم عنده فقه في الدين، ينقصه فقه الإدارة والتنظيم ومعرفة حاجات العصر.
وعزمنا على تكوين الاتحاد، ونحن نعرف في حينه أنه لا يمكن أن يؤدي واجبه على ما يرام نظراً للتناقض الذي ذكر، ولكن أردنا أن نجمع بين القسمين ليتم التفاهم بينهم ويستفيد بعضهم من بعض، فتكون النتيجة فيما بعد في مصلحة الإسلام والمسلمين، وقد أراد الله أن يكون القسم الإداري المنظم من غير العرب، والقسم الثاني من العرب.
فكانت أهم مشكلة عندي، رئيساً للاتحاد، هو ذلك التناقض بين النوعين، ففكرت في العمل خطوة خَطوة لتدريب العرب على الإدارة والتنظيم، ليتسلموا العمل فيما بعد.
وقد جاء إلينا الأخ شفيق الرحمن، وكان يعرف لغة الهند والباكستان واللغة الإنجليزية، فأفاد كثيراً، وكنت بعيداً عن المركز في سكني حيث كنت في مدينة أخرى، ولكني كنت أشرف عليه إشرافاً جيداً عارفاً كيف يسير في عمله، ووجدت في شفيق الشخص الذي يسير بالعمل بطريقة ممتازة، ويحسن عمله وإن أخطأ بعض الأخطاء فإن الإنسان غير معصوم، وكان عندي رغبة شديدة في جمع العرب والهنود والباكستانيين لينجح العمل.
وحينما زارنا الشيخ عمر أثير أن أكون رئيساً مرة أخرى وكنت أسيّر الأمور، ولكني فضلت أن يكون الرئيس عربياً، ليتدرب ولا يكون الرئيس دائماً باكستانياً، حتى لا يتهم الاتحاد بأنه تابع لباكستان وكان الذين أمامي ممن يصلحون للقيام بالرئاسة:
إبراهيم عطا الله، وأديب معرباني، والدكتور عبد الخالق قاضي، وأحسنهم عندي علماً وعملاً: الدكتور عبد الخالق قاضي، والذي أخرني عن اختياره ثلاثة أمور:
الأمر الأول: كونه باكستانياً.
والأمر الثاني: ضعف قدرته على الاختلاط بالجاليات الإسلامية لأنه ألف الأجواء العلمية.
والأمر الثالث: رغبتي أن يكون الرئيس عربياً، لما للعرب في النفوس من منزلة، ولكثرة الجالية العربية، فصار أمامي إبراهيم وأديب، فجمعت الثلاثة للتشاور في الأمر.
وقد جئتم قبل سنتين ـ يخاطب الشيخ عمر ـ ومع ما حصل من خلاف ومتاعب خلالهما، فإن الهيئة مضت بخير من نفس المنطلق الذي بدأت العمل منه، وقد سرني جمع القسمين الذين ذكرتهما من قبل وهما يسيران بتعاون، ولكن أحب أن أعرفكم بشيء لا أدري هل عرفتموه أو لا؟ إن بعض الناس يريدون أن يهيمنوا على الاتحاد بطريق الهجوم والفوضى، وقد يكون عملهم هذا أخطر على الإسلام والمسلمين في هذا البلد، وهما اثنان طيبان من الناحية الإسلامية، وأنا أذكر أسماءهما لأجل أن تحاولوا إصلاحهما إذا قدرتم، لأنهما يعملان على إيجاد مجموعة للهيمنة على الاتحاد بطرق غير صحيحة، وإذا لم نسيطر عليهما ونصلحهما فكل الجهود ستذهب سدى.
قنديل ليس عنده حكمة في العمل ويعمل خارج الاتحاد، يريد أن يكون هيئة مستقلة، ويسمي جماعته اتحاد الجماعات الإسلامية، وهو تحوير لاتحاد الطلبة المسلمين الذي كان يطلق على نشاط الطلاب، وأكثرهم من ماليزيا، وليسوا بمستقرين كما هي عادة الطلاب، فريق يجيء وفريق يذهب، وكذلك فإن عمله شبيه ببناء قصر في الرمال.
وبعض العاملين تنقصهم الصراحة فنجدهم يداهنون (...) وأرى أن الأفضل مصارحته بأخطائه، وإظهار الموقف الصحيح منه، وإشعاره بأنه يمكن الاستغناء عنه، حتى لا يغتر ويظن أنه هو كل شيء ويترك وشأنه، ومع إظهار مصارحته لا ينبغي أن يسمى لا هو ولا غيره ممن يشذ عن المنهج السليم بأعداء الإسلام، ونسيانهم وعدم إثارتهم أحسن سياسة معهم، وكل فئة تسير في طريقها الذي ترتضيه وستكون العاقبة لأهل الحق.
وأنا في الحقيقة على الرغم من كثرة المشكلات التي تواجه العمل الإسلامي، فإني مسرور جداً بمسيرة الاتحاد نحو الاتجاه الصحيح، وإن كان سيره بطيئاً.
ثم جرت مناقشة مع الدكتور إشفاق في ترشيح الإنسان نفسه لإمرة الجماعات الإسلامية، مع ما علم من النهي عن طلب الإمرة، ومنع الرسول صلى الله عليه وسلم الإمرة عمن يطلبها، فتوصلنا في النهاية إلى أنه ليس مشروعاً أن يرشح الإنسان نفسه، إلا إذا دعت الضرورة أو الحاجة المُنَزَّلة مَنْزِلةْ الضرورة كما في قصة يوسف عليه السلام مع عزيز مصر.
وقال الدكتور إشفاق: الحل الذي أراه حسب علمي وتجربتي مع الجماعة الإسلامية في الهند أن لاختيار الأمير طريقتين:
الطريقة الأولى: أن يجتمع أصحاب الحل والعقد ويختاروا من هو أهل في رأيهم لإمرتهم وهو يختار أعوانه ومساعديه من ذوي الكفاءة.
الطريقة الثانية: أن يجتمعوا ويختاروا عدداً من أهل الحل والعقد وهؤلاء يختارون أحسن الموجود.
ثم جاء الأستاذ خليل وذهبنا إلى مدينة (ولينغون) في جنوب مدينة سدني، وكنا نسير في غابات وجبال تشبه طريقها طريق الهدى الواقع بين مكة والطائف، وكان المطر ينهمر علينا طول مسيرتنا، والمدينة تبعد عن سدني ثمانين كيلومتراً، وهي مدينة صناعية تكثر فيها صناعة الحديد والصلب.
ومما شكا منه الأستاذ خليل أن كثيراً ممن يتصدرون مناصب الدعوة في هذا البلد، يأتون إليه لأغراض دنيوية تحول بينهم وبين الإخلاص لدعوتهم وتجعلهم ينحرفون عن جادة الصواب، ونحن في حاجة إلى دعاة يفرغون أنفسهم لله تعالى، لا ينحازون للتكتلات السياسية الموجودة في الشعوب الإسلامية: العربية وغيرها، كما هو الواقع الذي نعيشه الآن، وقال: إننا لذلك فضلنا أن تؤلف جماعة الدعوة بشروط تجعل العضو الذي يدخل فيها متربياً تربية إسلامية سليمة، ولهذا تجد جماعة الدعوة قليلين جداً وإن كان المتعاطفون معنا كثيرين والحمد لله.
ثم واصل الأخ خليل شكواه من بعض المتصدين للدعوة فقال: إن بعضهم يميل إلى الشيعة ويتعاطف معهم، وتارةً يتخذ طريق التصوف غير المشروع وسيلة ليُكتِّل الناس ويجمعهم حوله، وقد أدخل الدف في المسجد واتخذ الرقص طريقاً من طرق العبادة.
وقد زكاه بعض العاملين في الحقل الإسلامي من لبنان وعلق عليه آخرون بأن عنده شطحات ولكنه له مواقف إسلامية جيدة، وكان قبله إمام آخر فرق الناس بأساليبه، وجاء هذا وفرق كلمة المسلمين أيضاً واتخذ لذلك التفريق أساليب ثلاثة:
الأسلوب الأول: الطريقة الصوفية التي ذكرت.
الأسلوب الثاني: معارضته الأسلوب الإداري الذي صار إليه المركز الاتحادي، وهو الانتخابات، وأراد في زعمه أن يأتي بنظام الشورى، ونظام الشورى الذي يعنيه هو في الواقع استغلال من يوافقه من المسلمين في لاكمبا وفرض رأيه معهم على الآخرين، وقد سئل عن كيفية تنفيذ هذا النظام؟ فلم يقدر على الإجابة، وإنما عمل بمحاولة فرض رأيه ورأي من يوافقه على بقية المسلمين.
الأسلوب الثالث: أسلوب الانحياز إلى بعض الدول العربية التي تسعى جاهدة، لتمزيق كلمة المسلمين بالأساليب الدعائية والعنف، وبعض الدول التي تسمي نفسها ثورية، وتدعي الإسلام، وهي ضد الإسلام كالشيعة، وموقفه من دول أخرى موقف العداء وسبها وسب زعمائها على المنبر يوم العيد، متخذاً المنبر وسيلة لذلك.
وقد أثار بهذه الأساليب كثيراً من المصلين، كما أثار الدولة في أستراليا، وأراد مدير الهجرة في الولاية تسفيره ورفضوا أن يجددوا له الإقامة إلا بشرط أن يغادر البلاد، وهو رفض هذا الشرط وهدد بأن ينزل المسلمين الذين معه إلى الشارع للقيام بمظاهرة مستغلاً الحرية التي يتمتع بها الناس هنا.
قال خليل وقد وقفت أنا بنفسي معه، وذهبت إلى المسؤولين وأقنعتهم بالعدول عن تسفيره وأن يعطوه الإقامة لمدة ستة أشهر أو سنة بدون شرط، فوافقوا وجددوا له، ولقد عرض علي هو نفسه أن أقوم بالتنسيق بين ليبيا ومشروع المساعدة منها بثلاثة ملايين دولار بشرط إقامة تنظيم الشورى بدايةً لإقامة مؤتمر شعبي على غرار مؤتمرات ليبيا فرفضت.
زارنا في هذا اليوم الأستاذ علي رودة، وهو رئيس مجلس ولاية نيوساوث ويلز، وعاصمتها سدني، قال: إن عدد السكان خمسة ملايين، وعدد المسلمين مائة وثلاثون ألفاً، وفي الولاية سبع عشرة جمعية، ويحتمل انضمام جمعيتين أو ثلاث، منها جمعية نسائية.
وتوجد جمعية جنوب إفريقيا تأخذ من كل عضو مائتي دولار قرضاً ليتجنبوا القرض الربوي. ومن المشكلات التي نواجهها إقناع البلديات بمشاريع المساجد، لأن المواطنين الأستراليين يحتجون على إقامة المساجد في حاراتهم، وللأقباط المصريين دور كبير في التحريض للوقوف ضد مشاريع المساجد، وعددهم يقارب خمسة عشر ألفاً، ولهم خمسة كنائس.
وعندنا أكثر من ألف تلميذ في منطقة لاكمبا في سدني، وقد سمح لنا بتدريس حصة الدين في الأسبوع في المدارس الرسمية، ولنا ثلاثون مدرساً في ثمانين مدرسة، يكلف برنامجها أربعين ألف دولار، ونحن في حاجة ماسة إلى المعلمين وبخاصة ذوي الخبرة، وقد وعدنا ابن قعود بثلاثة مدرسين جاءنا منهم واحد. ومن أهم المؤهلات التي نحتاجها وجود خبير تعليم منسق للمدارس وأشار فضيلة الشيخ عمر أن الأفضل الكتابة في هذا إلى وزارة التعليم العالي.
وقال الأخ علي: لقد شرينا في لاكمبا قطعة أرض بمليونين وأربعمائة ألف دولار سُدِّد مليونان من السعودية والباقي من البنك. ولنا برنامج إذاعي في شهر رمضان بكل اللغات التي يوجد مسلمون يتكلمونها في الولاية لمدة ساعة، وقد وافقت الحكومة على دفن الموتى من المسلمين بالطريقة الإسلامية، واشترطت النقابة التابوت وذلك من ناحية اقتصادية، فوافقنا على شراء التابوت على أن نضعه في القبر خاليا بعد أن ندفن الميت في اللحد ونضع عليه اللبن والتراب. ولنا مقبرة خاصة تحتاج إلى تنظيف وجرافة وبناء لحفظ الأدوات والمكتب. وقد طلبنا قدوم الأخ المسلم الذي كان نصرانياً ومغنياً كبيراً ثم دخل في الإسلام وترك الغناء الذي اشتهر به في العالم كله، واسمه: يوسف إسلام ويسكن في بريطانيا، أسلم سنة 1978م وكان السبب أن عنده تساؤلات في نفسه عما يتعلق بالدين، فلما زار أخوه القدس أخذ القرآن وأهداه له، فلما قرأه وجد الأجوبة السليمة على تساؤلاته، فأسلم.

الأخ يوسف إسلام (كيت ستيفن) البريطاني - المغني الشهير سابقاً - في زيارة لأستراليا سدني وعلى يمينه الأخ شفيق الرحمن عبد الله
الأخ يوسف إسلام (كيت ستيفن) البريطاني - المغني الشهير سابقاً - في زيارة لأستراليا سدني وعلى يمينه الأخ شفيق الرحمن عبد الله
يوسف إسلام وفي أقصى اليمين شفيق الرحمن عبد الله
يوسف إسلام وفي أقصى اليمين شفيق الرحمن عبد الله

وأبوه يوناني وأمه سويدية، ولد في لندن، وقد فتح مدرسة إسلامية في لندن وهو متمسك بدينه، فدعوناه لزيارة أستراليا، وقد عملوا معه مقابلة في كل محطة من محطات الإذاعة والتلفزيون، وعلى صفحات الجرائد والمجلات والفيديو. وقد أجاب عن أسباب دخوله في الإسلام أجوبة أدهشت الأستراليين، وقد وُجِّهت له أسئلة فيها غمز على الإسلام بذكر بعض التصرفات الصادرة عن المنتسبين إليه مثل تصرف حكومة الخميني في إيران، فأجاب: دخلت في الإسلام اقتناعاً بمنهجه الذي هو القرآن، ولم أدخله عن طريق الخميني. [تراجع المعلومات التي كتبتها عن يوسف إسلام في المجلد الثاني من هذه السلسلة: رحلات المملكة المتحدة ـ بريطانيا].