رحلات أستراليا ونيوزيلاندا وسريلانكا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 21 صفحة
صفحة 20 من 21 في مدينة كولمبو

في مدينة كولمبو

في مدينة كولمبو

هبطت بنا الطائرة في مطار كولمبو في الساعة الثانية عشرة والثلث بعد الظهر بتوقيت سنغافورة ـ أي أن مدة الطيران كانت ثلاث ساعات وخمس دقائق من سنغافورة إلى كولمبو.

ونفع التقليد:

ولم نتمكن من كتابة المعلومات ببطاقة الدخول السريلانكية فطلبنا من موظفة الاستعلامات في المطار أن تكتب لنا ذلك فأخذت واحدة وكانت تكتب كتابة الكسلان، وتشير لي أن أكتب مثلها في البطاقة الأخرى، فقلدتها ونفع التقليد.

إظهار الاحترام وغايته:

وقفنا في الصف أمام الضابط الذي يختم الجوازات وكان أحد الموظفين بجانبه، فنظر إلينا من بعيد، ونحن نتميز عن بقية الركاب بملابسنا العربية، فجاء ومر بجانبنا وهمس للشيخ بكلام لم يفهمها، وهز له الشيخ رأسه، ثم ذهب وعاد مرة أخرى فهمس له بكلام لم يفهمه كالمرة الأولى، فأعاد له الشيخ هز رأسه، ثم ذهب الرجل وقعد بجانب الضابط، وأشار إلى الشيخ أن يتقدم ولا ينتظر في الصف، ففرح الشيخ وصاحبُه، ظناً منهما أن الرجل احترمهما لما رأى لباسهما، وقد يكون مسلماً أحب أن يساعد إخوانه المسلمين! فلما دنا الشيخ منه أخذ الجواز منه وبدأ يقلب صفحاته، ويلتفت إلى الشيخ، ففهم الشيخ أن الغاية من هذه العناية هي البخشيش، أو حق السليط [زيت يؤتدم به] كما يقول أهل اليمن، فقال لي الشيخ: إنه يريد قروشاً، فقلت له: أعطه، فقال دعه حتى يطلب، فالتفت الرجل وطلب، فأعطاه خمسة دولارات أمريكية، وهي تساوي مائة وخمساً وعشرين روبية، فطمع الرجل أكثر ونظر إليَّ فحولت وجهي عنه، ثم التفت إلى الشيخ وكلمه طالباً المزيد، فقال له الشيخ: خمسة دولارات؟! يعني أنها كافية. فأشار الرجل بيده يقللها، وكان أحد المسافرين الأوربيين ينظر إلى هذا المشهد ويضحك متعجباً.
ثم خرجنا إلى الجمرك، وكانوا يفتشون الناس بدقة ونظر إلينا أحد الموظفين، وقال أمضوا. ولم يمسوا حقائبنا، فحمدنا الله على تيسيره، فقد كانت حقائبنا ممتلئة ولو فتشوها لأتعبنا ترتيبها.

هذا هو الخبء الذي خبأته لك في هوبرت!

عندما خرجنا من المطار قلت للشيخ: الآن يا شيخ لا بد أن أفتح حقيبتي، وأعطيك جبتي: (الخروف) لتلبسها، قال: أعوذ بالله! ألبسها في هذا الحر الشديد؟! قلت: لا يضيرك ذلك شيئاً. قال: هل جننتَ يا أهدل؟ أنت الآن في كولمبو ولست في سدني! قلت: أينما كنت لا يضيرك أن تلبسه. قال: من يقول هذا؟ قلت: أنت! قال أنا قلت: إنه يلبس في البلدان الباردة والحارة على السواء؟ قلت: نعم، وهل نسيت قولك لي في مدينة هوبرت:

البس خروفاً ولو في غير موضعهفلا يضير خروفاً أينما وضعا

قال: هل ما يقوله الإنسان مزحاً يصلح دليلاً عليه؟ قلت: ألم أقل لك عندما قلت هذا البيت: إنني خبأت لك خبأً؟ هذا هو الخبء الذي خبأته لك في هوبرت.
وقد استقبلنا في المطار بعض الإخوة المسلمين في سريلانكا وهم: من الهند وباكستان وبنغلاديش، رئيس الجماعة الإسلامية في سريلانكا منهم محمد إبراهيم، وبدأت المناظر المعتادة في أغلب بلدان العالم، تظهر وقد اختفت في أستراليا ونيوزيلندا اختفاء جعلنا نتعجب: مناظر الجنود المسلحين المقطبين وجوههم الذين يذرعون الشوارع وساحات المطارات وأرصفة البنوك، والذين يتجمعون على أبواب المكاتب الحكومية المهمة.
إن أستراليا ونيوزيلندا، لا بد أن تكون لديها أجهزة أمن مسلحة معدة لأي طارئ وعندها من الأجهزة الخفية التي تنقل لها تحركات البشر في الشوارع والأسواق والمكاتب ما قد يغنيها عن مراقبة البشر المسلحون، ولكن الشيء الغريب أننا لم نرها ظاهرة، لا في المطارات، ولا في البنوك، ولا في الإدارات الحكومية، ولا أمام أبواب حكام الولايات، وقد سبق ذلك وإنما ذكرته هنا بمناسبة عودة حليمة لعادتها القديمة!.
وأوصلنا الإخوة إلى فندق (هوليدي إن) على ساحل البحر، الذي يفصل بين سريلانكا وجنوب الهند، وهو جزء من المحيط الهندي.

الجمعة: 13/11/1404هـ.

في الساعة الخامسة والنصف صلينا الفجر، ثم قرأنا وردنا "وهو جزء من القرآن الكريم، وصفحات من رياض الصالحين" ثم اتبعناه بالبرنامج الثالث، وهو الإفطار.

منظر البحر يغري بزيارته:

وبعد تناول طعام الإفطار، وقفنا بجانب النافذة في غرفة الشيخ وسحبنا الستارة، فإذا أمواج البحر ترتفع ارتفاعاً عالياً، فقلت للشيخ: ما رأيك في أن ننزل نتمشى على الساحل، لنتمتع بهذا المنظر الرائع، ونستنشق الهواء العليل في هذا الصباح الباكر؟ والشيخ يعلم شدة شوقي للتمتع بمنظر البحار، وأراد أن يزيد من شوقي، فقال: الأحسن أن نذهب في الساعة التاسعة، فقلت له: هذا وقت طويل وستكون الشمس قد ارتفعت، ولا يكون الجو مناسباً كالآن، وسيأتينا بعض الإخوة، فلا نحصل على وقت كاف للتمتع بالبحر، ثم نظر إلى الأمواج وهي ترتفع وتصطدم السابقة باللاحقة، وقال ـ مبالغاً في التشويق ـ: شف شُف ـ أي انظر انْظر ـ كيف ترتفع أمواجه؟ قلت: إذاً فلنذهب، فقال: هيا توكلنا على الله، فلبسنا ثيابنا ونزلنا نتجول بجانب البحر والأمواج تتواثب كأنها في مظاهرة، حتى كان الرشاش يصل إلينا مع بعدنا عنه.
ورأينا شباباً يتسكعون وبعضهم يتكففون، وآخرين يزاولون الرياضة، رجالاً ونساء.
ورأينا سفناً كبيرة تمخر عباب البحر، ورأينا زورقاً صغيراً كان يرتفع بارتفاع الموج، كأنه كرة تقذفه الموجة إلى السماء، ثم ينخفض حتى يختفي عن أعيننا.

الشيخ يستثير صاحبه ليقول شعراً:

وهنا وقف الشيخ يتأمل هذه الأمواج العارمة، وتحركت قريحته فقال ـ معبراً عن شعوره نحو هذا البحر ـ:

فناجه ثم ناجه ثم قل ليما باله يثور بالأمواجِ

والظاهر أنه كان يحاول استثارة صاحبه ليقول شعراً، فأجبته قائلا:

هزه الشوق للقاء فأضحىفي سرور راقصاً بابتهاج
قائلاً: إنكم ضيوف كرامعندنا من غرائب الحجاج
قد لبستم ملابساً ذات حسنزان أرضي بريقُها وفجاجي
خبروني من أين جئتم؟ وماذاأنتم طالبون في أمواجي؟
إن عندي من الغنى ما يواسيطالب الرزق من فتىً محتاج
فأجبناه يا أخا الكون إنافي غنىً عنك والإله نناجي
إنه الله قد حباك جمالاًوثراءً بخلقه في الفجاج
إنه ذو الغنى وأنت فقيرٌمثلنا فاستمع بغير حجاج
ما دعانا إلى لقائك إلاما هوينا من رؤية للهياج
وبلاد التوحيد جئناك منهامهبط النور والسَّنا الوهَّاج
طهَّر الله من طغاة رباهاواستنارت بأفضل المنهاج

* [يشير البيت إلى تطهير الجزيرة العربية من الشرك بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم].

وله مثلها:

وأطلعتُ الشيخ على هذه الأبيات، فإذا هو قد هاج وماج كالبحر ذي الأمواج، وجاءه شيطان الشعر في هذه الفجاج، فقال:

فناجه ثم ناجه ثم قل ليما لهذا الأثير والأمواج
ألأنَي أتيت أرنو إليهأم لأني غريب هذي الفجاج
قد برانا إلهه وإلهيما لهذا العتو والإزعاج
تارة يرسل العباب ويرغومرة ثم يمعن في الإدلاج
غره أن جزءا من الأرض أحاطت به مياهٌ دواج
رب هذا المخلوق قاسٍ عليناأنت قد أبدعته بهذا النهاج
ثبتنه وأرسلنَّ عليـه سافياتبوارحاً وعواج
والبسني أزكي ثيابِ تقاةٍواخلفني منك بخير التناج
وأعدني إلى منازل طهعند خير الأحباب والأزواج
لأصلي في مسجد قد بناهخير رسل الإله أرسلت بالمنهاج
وأطوفن بالمطاف كثيراوأروِّي من قبلة الأفواج
إن حبي تلك الديار عظيمليس بوذا ولا هياكل الأهواج
ليس فيها خزعبلات هنودلا ولا شرك جين وتاج
إن فيها ثورا وأحدا وسلعاوطفيلا وشامة نور وراجي
أين أيْن حواء أين أبوناآدم يروا فعال قوم عواج
يعبدون الأحجار والأشجار وإلهاخُلِقَ وأسواقهم تمور بالأزواج
رب إن الهدى هداك وآياتك بينات بغير ازدواج
حط عني خطيئتي وذنوبيواكفني المقت إنني يارب راجي
منك رحمة ونعمة وقصوراشماء في دارك الخلاد
هذه ومضات شعر إليكقلتها صحبة القادري خلِّ العواجي
عند بحر كبير محيط صبح يوم الـــجمعة في ثورة الأمواج

ليس الشيخ بشاعر، ولست كذلك بشاعر، ولكن عندنا مشاعر أدرجناها في هذه السطور، فلتكن شعراً أو نثراً، فقد كتبت في مناسبة تاريخية، ولهذا سجلتها في يومياتي، ورجعنا بعد أن قضينا على شاطئ البحر ساعة إلى الفندق.

خطة زيارتنا لسريلانكا:

وفي الساعة التاسعة جاءنا الأخ الشيخ محمد إبراهيم رئيس الجماعة الإسلامية في سريلانكا، والأخ شهيد الله بن حافظ فقير أحمد، ووضعنا برنامج زيارتنا كما يأتي:
اليوم الجمعة:
1 ـ زيارة الحاج نظيم محمد إسماعيل.
2 ـ صلاة الجمعة.
غداً السبت:
1 ـ زيارة الكلية الغفورية.
2 ـ زيارة مركز الجماعة الإسلامية.
3 ـ زيارة دار الأيتام في ماكولا.
4 ـ زيارة كلية البنات.
يوم الأحد:
ـ زيارة الجامعة النظمية الإسلامية.
يوم الاثنين:
ـ زيارة مدينة: (كَنْدِي).

وهنا فقدنا التسهيلات!

وأول ما بدأنا به الذهاب إلى وكالة الخطوط، لمعرفة أوقات الرحلات وخط سيرها إلى أسطنبول التي كنا كلفنا المرور بها، بعد الانتهاء من زيارة سريلانكا التي هي آخر الدول التي نزورها في جنوب الأرض.
وهنا فقدنا تلك التيسيرات التي كنا نجدها في أستراليا ونيوزيلندا وسنغافورة، كان التفاهم مع الكمبيوتر سهلاً، يخبرك في لحظات عن كل شيء تستفسر عنه، ويحجز لك ويؤكد الحجز، ويكتب لك ذلك في ورقة تحملها معك، فلما جئنا إلى بعض بني آدم الذين لا يوجد عندهم كومبيوتر، وإنما يتصرفون هم بحسب رغباتهم وما يحصلون عليه من مصالح، فقدنا تلك التسهيلات. وجدنا معلومات ذات تفاؤل كاذب، ومواعيد لا تَصْدُق، وطلب بخشيش لا يفتر، ولهذا خرجنا من الوكالة بخفي حنين. [مثل يضرب لمن رجع بالدون، وفقد الغالي، يقال إن رجلاً يقال له حنين وهو إسكافي أي يصلح الخفاف والنعال فبايعه إعرابي في خفين ولم يشترهما منه، فاحتال حنين على الإعرابي، فعلق أحد الخفين في طريق الإعرابي، فلما رآه قال: ما أشبه هذا بخف حنين، لو كان معه آخر اشتريته، وكان قد علق له الخف الآخر في مكان آخر في طريقه، فلما رأى الخف الآخر نزل وعقل بعيره عند الخف الأخير ورجع لأخذ الأول، فأخذ حنين بعير الإعرابي ورجع إلى الحي وعاد الإعرابي بالخفين، فقيل: رجع بخفي حنين!].

زيارة الحاج محمد نظيم محمد إسماعيل:

ذهبنا إلى مكتب الحاج محمد نظيم في منطقة تسمى: بـ(كولومبو) والحاج محمد بلغنا عنه أنه يجمع بين التجارتين: تجارة الدنيا وتجارة الآخرة، كما سيأتي!.
عندما اجتمعنا به حيانا، وعرفه الشيخ بمهمتنا وخط سيرنا، حسب العادة، وكان المترجم بيننا وبينه الأخ شهيد الله.
أخبره الشيخ عمر بما علمناه عنه من الاهتمام بشؤون الإسلام في هذا البلد، وتهنئته بما وفقه الله له من عمل صالح يفتقر إليه المسلمون في هذا العصر، وأن هذا الخير يعود إليه برضا الله وثوابه والله غني عن العالمين.
وقال له: إن كل ما أنفقته في سبيل الله محفوظ لك، تجده في الوقت الذي ستكون أحوج إليه فيه، ونرجو أن تجتهد في غرس هذه الروح في نفوس أبنائك وأصدقائك، كما غرسها الله في نفسك وهي حب العمل للإسلام والتفاني في العمل من أجله.
وقال الحاج محمد نظيم: إنني صديق للشيخ ابن باز، والشيخ الحركان، وقد زارنا، وكذلك ابن قعود وابن عتيق والعبودي.
وسئل الحاج بعض الأسئلة وأجاب عنها.
وقال: إنه يوجد في تاريخ سريلانكا أن الصلة بين العرب وبين هذا البلد كانت موجودة قبل الإسلام، ووصل العرب إلى هذا البلد تجاراً، واستمرت الصلة إلى أن انتشر الإسلام فيه عن طريق التجار. ومدير الجامعة ـ الدكتور شكري ـ خبير بهذه الأمور.
وعقد في يناير من هذا العام مؤتمر لتدوين تاريخ مسلمي سريلانكا، أنفق عليه الحاج محمد نظيم نصف مليون روبية، وحضره علماء من الهند وباكستان وأستراليا وماليزيا وتايلاند ونيبال وأمريكا وسريلانكا، وعددهم خمسة و ثلاثون شخصاً، تقدر نفقة المؤتمر مائة ألف ريال سعودي تقريباً.
كانت حالة المسلمين قبل عشرين سنة في سريلانكا سيئة جداً، فقد استغل الاستعمار البلاد وخيراتها، وسلبوا المسلمين حقوقهم وساء تعليمهم واقتصادهم، فنظر الحاج نظيم إلى هذه الأحوال، وأسس جمعية النهوض بالمسلمين قبل أربع سنين، وهو رئيسها، والمسلمون تسعون في المائة منهم فقراء، يعيشون في القرى، والأثرياء منهم لا يهتمون بالمصالح العامة.
وقد بلغت المنح الدراسية لطلاب الكليات في السنة الواحدة أربعمائة منحة، لكل طالب ثلاثمائة روبية.
وأقيمت الحلقات العلمية يومي السبت والأحد، يذهب المدرسون المسلمون لتدريس أبناء المسلمين المواد العلمية في الطب والهندسة وغيرهما، ليؤهلوهم للالتحاق بالكليات العلمية وهو الذي ينفق عليهم، فارتفع عدد الطلبة المسلمين الذين يدخلون في الكليات العلمية.
وقال الأخ محمد نظيم: إن الله ألهمه التفكير في أحوال المسلمين والعمل لصالحهم، ودعا كبار العلماء قبل تأسيس الجامعة فتشاوروا وكونت لجنة عددها واحد وأربعون شخصاً، منها لجنة إدارة الجامعة وأفرادها تسعة.
وشارك عدد قليل جداً من المسلمين في هذه المشروعات وربما تصل تبرعاتهم إلى اثنين في المائة من التكاليف.
إن ما يكلف من المال للجامعة فقط: ثلاثمائة وخمسة وعشرون ألف دولار وأربعمائة دولار أمريكي شهرياً.
تخرج من الجامعة إلى الآن عشرون طالباً، منهم اثنان يَدْرسان في السودان في معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
وثلاثة في الأزهر، وواحد في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، وواحد في الجامعة الإسلامية الدولية في ماليزيا، والآخرون منهم من يدرس في نفس الجامعة، ومنهم من يعمل في إدارة النشر والطباعة، وهو قسم يترجم كتباً من اللغة العربية إلى اللغة التاميلية المحلية، ولهم مجلة شهرية يكلف كل عدد منها عشرين ألف روبية.
وقد أنشأ الحاج محمد نظيم بناءً وقفاً على الجامعة، وجاء وفد من البنك الإسلامي للتنمية فمنحه نصف مليون دولار أمريكي للمشاركة في هذا المبنى، والتجارة فيها كساد، والخير موجود في الدول العربية، ولعلهم يعينوننا على مجهوداتنا، وقد منحتنا جامعة الأزهر خمسة مدرسين وانتهت مدتهم وذهبوا.
وشهيد الله يدرس على نفقة محمد نظيم، وقد وافقت الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد على تحمل مرتبه.
وذكر الحاج نظيم أنه توجد جماعات إسلامية في سريلانكا، منها: الجماعة الإسلامية، وجماعة التبليغ، وهيئات أخرى.
وفي مجال التعليم: جمعية النهوض بالمسلمين، وجمعية الشبان المسلمين، تقدم خدمات، وهي قسمان.
ثم ودعنا الحاج محمد نظيم وذهبنا نصلي الجمعة. [وبعد أن خرجنا من عند هذا الرجل الكريم: قلت للشيخ عمر معلقاً على جهود هذا الرجل وبذله: "بعض الناس تتكلم أعمالهم أكثر من ألسنتهم"].

صلاة الجمعة في جامع مردانة:

قال الشيخ للإخوة: اذهبوا بنا إلى أكبر مسجد تقام فيه الجمعة، فذهبوا بنا إلى جامع مردانة، وإمامه يسمى الشيخ محمد منصور، خطب بالعربية وترجمها إلى اللغة التاملية، وكانت خطبته تدور حول الحج لقربه، وقد صلى في المسجد ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مسلم في داخل المسجد وردهاته.
توجد في المسجد بركة ماء للوضوء على عادة المساجد القديمة.
وبعد الصلاة ذهبنا لتناول طعام الغداء في فندق: دي بهاري، وهو فندق قديم لأحد المسلمين، أممته الحكومة في عهد بندرانيكه الاشتراكية، ولكن موظفي إدارة الفندق وخدمه كلهم مسلمون.
وكان يرافقنا الأخ شهيد الله الذي حفظ القرآن على أبيه ودرس الابتدائية في بنغلاديش، ودَرَس في باكستان في جامعة العلوم العربية التابعة للشيخ محمد يوسف البنوري [سبق لي أن زرتها قبل ثماني سنوات وكتبت نبذة عنها في المجلد الرابع عشر الخاص بباكستان والهند من هذه السلسلة "في المشارق والمغارب"]. من سنة 72 ـ 1975م، والتحق بمدرسة الجامعة العلمية في كراتشي سنة 1976م، أخذ منها البكالوريوس، وطلب منه الحاج محمد نظيم ومدير الجامعة الدكتور محمد علي محمد شكري أن يقوم بالتدريس في الجامعة النظمية الإسلامية (في بيرولا) وهي أول منطقة نزل فيها المسلمون في هذا البلد، وبدأ التدريس فيها سنة 1978م وهي تبعد عن مدينة كولمبو بمسافة خمسة وثلاثين ميلاً إلى الجنوب الشرقي قرب الشاطئ.
وفي طريقنا إلى جامع مردانة لصلاة الجمعة، رأينا مبنىً كبيراً في وسطه ما يشبه مئذنة المسجد، فسألنا الأخ شهيداً عنه فقال: هذا مبنى بلدية كولمبو، ورأينا بجانبه مبنى صغيراً، وله أربع مآذن صغيرة وقال: هذا المسجد وبجانبه قبر أحد المسلمين، وقد كتب على باب المسجد: مسجد جماعة مسلم.

رجال تتحدث أعمالهم قبل ألسنتهم:

هذا، ومن باب الاعتراف بالجميل لأهله والثناء عليهم بما هم أهل له إن شاء الله، أود أن أسجل هنا شعوري الذي حصل وأنا أصغي لحديث الحاج محمد نظيم محمد إسماعيل، تاجر الدنيا والآخرة ـ ولا أزكي على الله أحداً ـ
لقد رأيت رجلاً هادئاً، يصغي لمحدثه أكثر من إصغاء محدثه له، قليل الكلام، يظهر عليه الوقار، ويبدو من حديثه الإخلاص، مهتم بأمر الدين، ورفع كلمة الله، باذل ما يقدر عليه من مال وجاه في سبيل الله، لتقوية إخوانه في الإسلام.
كنت أحس من إجاباته على الأسئلة التي ألقيتها عليه أنه محرج من ذكر ما قام به من عمل خير وبذل مال.
وعندما أحالني على مدير الجامعة التي أنشأها هو قبل عشر سنوات للإجابة على بعض أسئلتي، إنما أراد التخلص من الحديث عن نفسه.
إنه رجل يختلف عن كثير من الذين وجدناهم من المسؤولين عن العمل الإسلامي، كرؤساء الجمعيات وغيرهم، إذ تشعر وهم يتحدثون إليك أن كلام أغلبهم كثير وعملهم قليل، يتحدثون أكثر مما يعملون، أما هذا الرجل فإن عمله أكثر من كلامه، ولذلك قلت للشيخ عمر عندما خرجنا من عنده عفواً وبدون تفكير: إن بعض الناس تتحدث أعمالهم أكثر مما تتحدث ألسنتهم، فاستحسن تلك العبارة وكررها.
ولو أن أغنياء المسلمين وتجارهم، أنفقوا من أموالهم على الدعوة إلى الله، بإقامة المدارس وبناء المساجد والإنفاق على الأئمة والمدرسين لأبناء المسلمين، كما فعل الحاج محمد نظيم، لكان للإسلام شأن آخر في قارات العالم التي تنتظر المخرج من البلاء الذي أصابها من البعد عن الله وعن دينه.
وبعد أن تناولنا طعام الغداء، ذهبنا إلى السوق لشراء بعض الفواكه، وخاصة فاكهتي المفضلة: الباباي. [العنبرود في لغة بعض أهل اليمن].
بقينا نحن في السيارة وذهب الأخ شهيد، فشرى لنا ما نريد، وكان الجو شديد الحرارة، والشوارع مزدحمة، وكان الذباب يغطي البضائع في الدكاكين، وما كنا نشاهد ذبابة واحدة في المدة التي قضيناها في أستراليا ونيوزيلندا، اللهم إلا في مدينة دارون فقد رأينا فيها شيئاً من ذلك ولكنه قليل جداً، ولا مقارنة بين دارون وبين كولمبو. ودارون تعتبر أقل نظافة من غيرها من مدن أستراليا في الجنوب والغرب والشرق.
وذكر لنا الأخ شهيد الله ما حصل بين الهندوك والبوذيين من صدامات، أدت إلى قتل كثير من الناس وإحراق كثير من المنازل والدكاكين، وخسائر فادحة في الأموال، وكنا سمعنا أنباء تلك الصدامات من أجهزة الإعلام، قبل ما يزيد على شهرين عندما كنا في بلادنا قبل السفر.

اللهم سلم!

وفي الليل أخذت مذياع الشيخ لأسمع الأخبار، فكان من ضمن ما سمعت من إذاعة القاهرة أن عنفاً قد حصل هذا اليوم (الجمعة) في سريلانكا، وأن اعتقالات قد تمت، وأن بندرنيكه طالبت الحكومة بحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، فقلت: اللهم سلم ويسر أمر سفرنا قبل أن يشتد العنف ويمتد إلى العاصمة كولمبو وغيرها، فنتعطل عن السفر لإغلاق المطار، وهذا أمر متوقع في بلد تكثر فيه الاضطرابات والمظاهرات والصدامات والحروب، الحزب الحاكم يضغط على المعارضة والمعارضة تقيم المظاهرات وتفسد الحياة بالعنف الدموي من أجل إسقاط الحزب الحاكم، ونمور التاميل تقوم بالهجوم إثر الهجوم، فيكثر الهدم والتدمير، ويقل البناء والتعمير، وتتعطل المصالح وتكسد التجارة وتقل الزراعة، مع وجود الأرض الخصبة والمياه العذبة ويكثر الفقر، وتصبح البلاد شبيهة بالسجن لأهلها، يتنفس الصعداء من استطاع منهم الهجرة إلى سواها.

وفي كل شيء له آية:

كنت قعدت بين العصر والمغرب بجوار النافذة، أتأمل في تلك الأمواج المتلاحقة على ساحل هذا المحيط، وأخذت أفكر في قدرة الخالق، ودلالة كل ذرة في الكون على كمال تلك القدرة، دارت بخاطري السماوات وكواكبها، والأرض وجبالها ووديانها، والغابات وكثافتها وثمارها وأزهارها وألوانها المتنوعة، وما في هذا البحر من مياه وأمواج وحيوان صغير وكبير ولآلئ وجواهر، وما يمخر عبابه من بواخر وأناس عاشوا غالب حياتهم فيه، وغير ذلك من عجائب المخلوقات الدالة على كمال قدرة الخالق وسعة علمه، وغير ذلك من صفاته التي انبثت آثارها في هذا الكون فدلت عليها، فقلت: إن البحر بأمواجه الظاهرة والباطنة، وكل ذراته المتناسقة، وما أودع الله فيه من حيوانات لطيفة ومتوحشة، هذا البحر الذي لو كان مداداً لكلمات الله يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله.
وإن السماء بكواكبها الكثيرة المتقاربة والمتباعدة والمضيئة والمضاءة، وملائكتها الراكع منها والساجد والقائم بأمر الكون بإذن ربه، وإن الأرض وجبالها بقممها الشاهقة وسهولها بوديانها المتعرجة وأنهارها الدافقة، والغابات بأشجارها الكثيفة المتشابكة وثمارها اليانعة ووردها وأزهارها الجميلة، والهواء بمادته المنعشة، والإنسان بخلقه العجيب وعقله المفكر وكل ما أودع الله في هذا الكون جماده وحيوانه، يابسة ورطبه، إن ذلك كله لدليل واضح وبرهان ساطع على وجود الخالق الحكيم القدير العالم الجميل، الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى وأمات وأحيا.
وإن الإنسان إذا تأمل في هذا الكون وجده كله قائماً بمظاهرة دائمة ولسان ناطق ضد من ألحد وكفر بالله الخالق العظيم: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ}. [سورة الطور، الآيات: 35، 36].

وفي كل شيء له آيةٌتدل على أنه واحد

زيارة لأمير الجماعة الإسلامية في منزله:

السبت: 14/11/1404هـ
جاءنا إلى الفندق الأخ شهيد الله في الساعة التاسعة والدقيقة الأربعين، فصحبنا إلى منزل الشيخ مولوي إبراهيم لنقوم بتنفيذ برنامج هذا اليوم.
مررنا بجانب الفندق بحارة تسمى: سيليب آيلند، أي جزيرة العبيد وهم المسلمون الذين جلبهم الإنجليز من إندونيسيا وماليزيا عندما احتلوا البلاد، وهي حارة يظهر عليها البؤس والفقر وبها مسجدان صغيران.
وفي منزل الشيخ مولوي إبراهيم تناولنا حلوى تسمى: "وتلبم" مصنوعة من قصب السكر.
وشكا الإخوة من انتشار دعوة الشيعة في البلاد، بسبب نشاط الإيرانيين وبخاصة السفارة، وذكروا أن ممثل الإمام الخميني زار المسلمين هنا، وزار جامعتهم وألقى خطبة دعا فيها إلى المذهب الشيعي وقبول انتشار الثورة الإسلامية في كل أنحاء الأرض.
وقالوا: إنهم يتمنون أن توجد سفارات قوية لدول الخليج في هذا البلد، لأن في وجودها نوعاً من التعادل.
قلنا لهم: المشكلة أن حكومتكم اعترفت باليهود، وفتحوا لهم مكتباً هنا والواجب على المسلمين مقاطعة أعدائهم وأصدقاء أعدائهم... [كنا نقول هذا عندما كانت غالب الدول العربية تدعي مقاطعة اليهود، أما الآن فقد اختلف الأمر كما هو معروف..!].

زيارة الكلية الغفورية:

ثم قمنا بزيارة الكلية الغفورية في الساعة العاشرة، وكان معنا رئيس الجماعة الإسلامية الشيخ مولوي إبراهيم والشيخ شهيد الله، وكان في استقبالنا الأخ الشيخ محمد مخدوم أحمد مبارك الذي درس في الجامعة الإسلامية وتخرج منها سنة 1398هـ، وهو من أبناء الكلية الغفورية، وهو الآن عميدها وهو ـ كما عرفته في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ـ شاب صالح، وكنت قبل تركه الجامعة الإسلامية مشرفاً على شؤون الطلاب وكان يشارك هو في النشاط الطلابي.
اجتمعنا بالأخ محمد في مكتبه وأطلعنا على تطورات هذه الكلية، وما اعترضها من مشكلات، وما قاموا به من جهود لتذليل العقبات التي واجهتها، وأعطانا نبذة عن المؤسس رحمه الله.
اسم الكلية: الكلية الغفورية العربية للدراسات الإسلامية.
المؤسـس: أنشأ هذه الكلية المغفور له: عبد الغفور بن نور الدين سنة 1335هـ 1931م، في أرض واسعة مقدار مساحتها ثلاثون فداناً، وقد أحاط الشعب البوذي بهذه الأرض بمساكنهم، وهي تقع على بعد تسعة أميال من العاصمة كولمبو.
وبذل المؤسس رحمه الله جهده الطيب، لاستقدام أساتذة أجلاء لكي تسير الكلية في طريقها إلى هدفها الذي أسست من أجله، وجاء بعلماء مشهورين في تلك الفترة: مثل العلامة الشيخ محمد عمر المليباري رحمه الله، والشيخ زيني دحلان، والشيخ السيد علوي القناني، وغيرهم من الهند ومن البلاد العربية.
ومنذ ذلك الحين أصبحت الكلية معروفة بتدريس العقيدة السليمة وتوافد الطلبة من جميع أجزاء هذه الجزيرة، وبعض أبناء المسلمين من الهند تلقوا تعليمهم في هذه الكلية، وقام المؤسس ببناء سكن للطلبة، ومبنى للإدارة، ومسجد، والكلية ملك جميع المسلمين في الجزيرة، كما صار مسجدها هو الجامع الوحيد لأبناء المسلمين في المنطقة ـ أي المنطقة التي بنيت فيها الكلية ـ ومنذ تأسيسها كانت هي المسؤولة عن إسكان الطلبة وإطعامهم وتزويدهم بالإسعاف الطبي، كل ذلك على نفقة المؤسس رحمه الله، الذي كان يزور الكلية أسبوعياً ليعرف ما يحتاج إليه طلاب الكلية وأساتذتها، وبعد وفاة المؤسس قامت هيئة مكونة من أبناء المؤسس بشؤون الكلية.
وقد نجح من الكلية ما يقرب من مائتي طالب، يتولون تدريس اللغة العربية في مدارس الحكومة، ويقومون بنشاط ديني: خطباء ومترجمين للكتب العربية إلى اللغات المحلية، ويسهمون في شتى المجالات الخيرية والمنظمات الإسلامية التي تبذل جهدها لإعلاء كلمة الله.

ميزات الكلية:

1 ـ التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بعيدة عن التصوف الذي ينافي هدي الرسول صلى الله عليه وسلم.
2 ـ منهجها الدراسي يشمل المواد العصرية واللغات الأهلية والإنجليزية مع إعطاء الأولوية والأهمية للغة العربية والمواد الإسلامية.
أهداف الكلية:
1 ـ تدريس اللغة العربية والعلوم الشرعية.
2 ـ توضيح مسائل الخلاف بين أئمة المذاهب الفقهية.
3 ـ قمع البدع والخرافات.
4 ـ إخراج علماء عاملين مخلصين.
نشاط المتخرجين:
لقد قامت الكلية منذ نصف قرن بتخريج علماء حاملين شهادة "المولوي العالم"، وهؤلاء المتخرجون يقومون بتدريس اللغة العربية والدينيات في المدارس الحكومية، وبعضهم مفتشون في مدارس وزارة التربية والتعليم. وبعضهم يحاضرون بجامعات ومعاهد المدرسين للغة العربية والحضارة الإسلامية.
وجدير بالذكر أن بعض المتخرجين من هذه الكلية واصلوا دراساتهم في جامعات الدول العربية، كالأزهر في مصر، وجامعات المملكة العربية السعودية، ونحمد الله تعالى أن أكثرهم حائزون على إعجاب المسؤولين في كل مؤسسة يعملون فيها، وحاصلون على نفوذ ومكانة، وقائمون بأداء واجباتهم ومسؤولياتهم بكل نشاط وأمانة وإخلاص.
لجنة النشر:
قام بعض الطلبة المتقدمين بتأسيس هذه اللجنة، ونشرت عدداً من الكتب في الحديث وفيما يتعلق بمشاكل المسلمين وحلها، ثم توقفت لعدم الإمكانات اللازمة، ونأمل أن يعاد نشاط هذا القسم من جديد لأداء مهمته الحيوية.

تعثر الكلية بسبب قلة الإمكانات:

وقد انحصر عمل الكلية إلى ما يشبه التوقف قبل عامين، حيث تعرضت الكلية لامتحان صعب بعد وفاة بعض مدرسيها، وانقطع البعض عن العمل لظروف، مما جعل توقف الكلية محرجاً للغاية، وأصبحت شبه مشلولة مما دعا إلى إسهام السيد الوزير محمد حنيفة محمد، عضو رابطة العالم الإسلامي بجهوده المشكورة، فعمل على حل هذه المشكلات، وعادت الكلية إلى نشاطها المعتاد الذي نأمل أن يتسع ويزدهر في المستقبل القريب بمشيئة الله.
عمر الكلية: نصف قرن.
لقد مضى على تأسيس هذه الكلية خمسون عاماً، وقامت بجميع مصروفاتها اللجنة المكونة من أبناء المؤسس رحمه الله، كما قام بها هو في الماضي، حتى اضطرت إلى مصروفاتها اليومية، فقدمت رابطة العالم الإسلامي رواتب أستاذين، كما تم بناء سكن للطلبة بمساعدة المملكة العربية السعودية، وتم تأثيث الكلية من جديد بمساعدة الحكومة العراقية، فنشكر جميع الإخوة المساعدين، راجين من الله العلي القدير أن يوفقنا جميعاً لإنجاز المشروعات الجديدة لهذه المؤسسة الدينية.
هذا ما أدلى به عميد الكلية الغفورية من معلومات، عن الكلية ومؤسسها ومشكلاتها، ومن أسهم في حل تلك المشكلات، وقد أملى هذه المعلومات من تقرير له لعام 1402هـ.

زيارة دار الأيتام:

وفي الساعة الثانية عشرة زرنا دار الأيتام، وهي تشتمل على مسجد ومساكن وفصول دراسية، وفيها بعض أنواع التدريب المهني كالكهرباء والنجارة. وعدد الأيتام الذين يعيشون في هذه الدار حالياً سبعة وخمسون ومائتا يتيم ويتيمة، ويحتمل أن يزيد العدد قريباً فيصل إلى ثلاثمائة، ومساحة الأرض التي تقع عليها الدار فدانان، ويخطط المشرفون على الدار لتوسعتها، حتى تستوعب ألفاً من البنين في موضع آخر ويخصص البناء الحالي للبنات.
بدأت الدراسة وإيواء الأيتام سنة 1962م، ولها أوقاف في العاصمة كولمبو. وقد زارها عدد من البلدان العربية، وأخذ بعض الزائرين من إمارة دبي عشرة أيتام ليكفلهم ويربيهم. وقام بتأسيس هذه الدار لجنة من المسلمين وهي برئاسة عبد الجبار محمد حالياً، وأسهم أولاً في إنشائها الحاج نظيم والحاج سليم.

زيارة الجماعة الإسلامية:

ثم قمنا بزيارة الجماعة الإسلامية في مقرها بـ(كولمبو) في الساعة الواحدة والنصف ظهراً، واجتمعنا برئيسها الحالي الشيخ مولوي محمد إبراهيم، وأطلعونا على نشاطهم الذي يقومون به، وأخذنا منهم المعلومات الآتية:
تأسيس الجماعة:
أسست الجماعة الإسلامية السيلانية سنة 1954م، وهي في الحقيقة امتداد للجماعة الإسلامية التي أسسها داعية العصر الكبير الأستاذ: أبو الأعلى المودودي رحمه الله.
وتتركز دعوة الجماعة الإسلامية السيلانية [نسبة إلى سيلان اسم البلد سابقاً قبل أن تسمى سريلانكا]. ومنهاجها على الجوانب الدينية والتعليمية والثقافية والاجتماعية، ولا تتدخل في السياسة الحزبية، ولكنها تسعى دائماً للدفاع عن حقوق الأمة الإسلامية في جمهورية سريلانكا.
أهداف الجماعة:
1 ـ تصحيح أفكار المسلمين وتربيتهم أفراداً وجماعات تربية دينية.
2 ـ الاهتمام بحقوق المسلمين في جمهورية سريلانكا، والسعي للمحافظة عليها.
3 ـ السعي لتنظيم المسلمين في البلد ليصيروا أمة دعوة مثالية.
4 ـ تبليغ الدعوة الإسلامية لغير المسلمين من البوذيين والهندوس والمسيحيين الذين يبلغ عددهم تسعين في المائة من مجموع السكان.
أهم نشاط الجماعة:
1 ـ رعاية المنظمة الطلابية التي أسستها الجماعة الإسلامية، ومحاولة توفير حاجاتها المادية والمعنوية.
2 ـ نشر الكتب الإسلامية باللغات الأهلية: لغة التاميل، واللغة السنهالية والإنجليزية، وقد تم نشر خمسين كتاباً باللغات الثلاث المذكورة.
3 ـ ترجمة تفسير القرآن الكريم والسنة النبوية باللغة السنهالية، وقد تمت ترجمة تفسير سورة البقرة من تفسير الأستاذ المودودي، والعمل مستمر بإذن الله.
4 ـ إصدار مجلة أسبوعية وأخرى شهرية، وهذه تصدر منذ ثلاثة عشر عاماً بالتتالي.
5 ـ تقديم الخدمات الاجتماعية للمسلمين خاصة، ولجميع المواطنين عند الحاجة.
6 ـ إنشاء رياض الأطفال للمسلمين والمدارس الدينية في المدن والقرى.
7 ـ تدريب الشباب المسلمين والشابات المسلمات على الحرف والمهن اليدوية.
8 ـ تربية المسلمين الحديثي العهد بالإسلام وتعليمهم.
9 ـ تملك الجماعة مطبعة لطبع القرآن الكريم، والكتب الإسلامية وتبيعها بثمن رمزي.
10 ـ السعي لتحويل بعض قرى المسلمين إلى قرى إسلامية نموذجية، في بيئتها وتقاليدها.
11 ـ جمع التبرعات وأموال الزكاة لإسكان المسلمين الفقراء وبخاصة الجدد منهم وقد تم إسكان مائة عائلة في ثلاث قرى، كلهم جدد في المنطقة الشرقية من سريلانكا وامتد المشروع إلى المناطق الأخرى.

زيارة الكلية العربية للسيدات المسلمات:

وفي الساعة الرابعة مساء ذهبنا إلى الكلية العربية للسيدات، وهي تقع في قرية تبعد عن العاصمة: كولمبو بخمسة وخمسين ميلاً تقريباً، في الشمال الشرقي، وكانت الطريق التي سلكنا فيها ضيقة تحيط بها الأشجار والغابات المثمرة، وتتخللها منازل وقرى صغيرة.
وكان في استقبالنا مؤسس الكلية الشيخ محمد علي أبو الحسن، وهو شيخ كبير جاوز سبعين سنة من العمر، وبعد أن تناولنا بعض المرطبات جلنا معه ومع بعض المدرسين على مساكن الطالبات اللاتي بلغ عددهن الآن سبعمائة طالبة، وهن قسمان: قسم من اللقيطات اللاتي لا يعرف لهن آباء، ترك أغلبهن في المستشفيات، وعددهن يقارب مائتين، وتقوم الكلية بكل النفقات لهن.
وقسم لهن آباء وأمهات وعددهن خمسمائة طالبة تقريباً، وهؤلاء يؤدي أهلهن نفقاتهن بمبالغ ميسرة.
وقد رأينا في بعض القاعات الكبيرة التي يشتمل عليها بعض المباني خمسين سريراً لخمسين طالبة، وهي مرتبة ترتيباً حسناً، وبعض القاعات توجد بها سرر من طابقين لضيق المكان وعدم اتساعه، وقد كتب على أحد المباني: مبنى الكويت لأن المساعدات التي بني بها تبرع بها بعض أمراء الكويت وكتب على بعضها مبنى جدة، لأن بعض الأغنياء في جدة تبرع بتكلفته، ولم يأذن بذكر اسمه خوفاً من إحباط عمله، وهكذا يكون القليل من الرجال الصالحين يقدمون الأعمال، ويؤخرون ذواتهم عن الظهور، ليظهروا يوم القيامة بتلك الأعمال الصالحة.
ومررنا بالمسجد الذي تصلي فيه الطالبات على دفعتين، يصلي بكل دفعة منهن مشرفة، لعدم اتساعه لهن دفعة واحدة، ثم ذهبنا إلى قاعة المحاضرات العامة، وقد اجتمع بها كل الطالبات بلباس واحد ساتر لجميع البدن والرأس، وأغلبهن صغيرات، وقد قرأت إحداهن ما تيسر من القرآن، من حفظها ثم قامت زميلة لها بكلمة ترحيب، نيابة عن زميلاتها وإدارة الكلية، ثم تقدم الشيخ عمر بكلمة نصح فيها الطالبات والقائمين على أمرهن إشرافاً وتدريساً، وشكر المؤسس على هذا العمل الجليل.
وكان المترجم هو الطالب محمد أكرم جنيد الذي يدرس في المعهد الديني في الكويت، وسيلتحق بكلية الشريعة بجامعة الكويت، وهو شاب نشيط فصيح يبدو عليه الصلاح، ثم قامت إحدى الطالبات بكلمة شكر باللغة العربية، وتقدمت الطالبات كلهن بنشيد باللغة العربية يتضمن شعورهن بالسرور بهذه الزيارة واللجوء إلى الله أن يأخذ بأيدي المسلمين إلى ما يرضيه، وبهذا النشيد ختم الحفل.
معلومات عن الكلية العربية للسيدات المسلمات:
وهي تقع بمنطقة تسمى: (كل إليا)
وهذه المعلومات من نشرة أصدرتها الكلية عام: 1399هـ ـ1979م.

تمهيد: سريلانكا والمسلمون فيها:

"سيلان" كما نعرفها، أو "سرنديب" كما عرفت لدى العرب من قبل، أو "سريلانكا" كما هو اسمها الجديد، الذي أطلق عليها منذ سنوات، جزيرة الشاي المشهورة، تقع في الجنوب الشرقي من الهند، يبلغ عدد المسلمين فيها مليوناً، وعدد سكانها كلهم ثلاثة عشر مليوناً، وأغلبهم بوذيون، أي أن نسبة المسلمين فيها ثمانية في المائة.
ظلت علاقتها بالبلدان العربية قبل الإسلام طيبة، وكذلك بعده، وكانت نقطة مهمة في خطوط تجار العرب منذ قرون، ودخلها الإسلام في القرن الأول من الهجرة، حتى غزاها الاستعمار البرتغالي، ثم الهولندي، في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر، وخرب ديار المسلمين فيها وطردهم من سواحل الجزيرة حتى احتلها ونصّر خلقاً كثيراً من البوذيين، وظل الحال كذلك في أيام الاستعمار البريطاني، ولكن لم ينجح هؤلاء في تنصير المسلمين في الجزيرة التي استقلت عن بريطانيا وصارت جمهورية في سنة 1948م وحكمتها الأغلبية البوذية.
مدارس عربية ودينية:
قبل مائة عام أسست في هذه الجزيرة مدارس صغيرة، لتعليم اللغة العربية والعلوم الدينية، لأولاد المسلمين، بعناية بعض المسلمين، وجرت هذه المدارس على النظام القديم، المعروف بالسلسلة النظامية، حيث تخرج أشخاص يقومون بتعليم المسلمين مبادئ الإسلام والعقائد، وبالخطب على منابر المساجد، وبالوعظ والإرشاد والإفتاء في المسائل الدينية.. ولم تكن هذه المدارس كافية لتعليم اللغة العربية ونشرها في الجزيرة.
الكلية العربية للبنات:
أما البنات المسلمات فلم تكن لهن أي مدرسة في الجزيرة، قبل عام 1959م، وأول مدرسة عربية دينية أسست لتعليم البنات، هي الكلية العربية للسيدات المسلمات، التي أسست سنة 1959م، وكانت صغيرة جداً في قرية: "كل إليا" بدأ يدرس بها ثلاثون بنتاً من نفس القرية، يدرسهن أستاذ واحد، وأسست بعناية بعض المسلمين المخلصين، وكان مقرها شُقَيْقَة صغيرة، ثم حلت عليها بركات الله، وأخذت تنمو عاماً بعد عام، حتى صارت كلية واسعة يتلقى العلم فيها أكثر من خمسمائة طالبة مسلمة من جميع أنحاء الجزيرة، وبها أكثر من ثلاثين مدرساً ومدرسة، وصارت فريدة من نوعها في جميع البلاد الإسلامية، كما شهد لها من زارها من العلماء والرؤساء من بلاد مختلفة، وصارت تقوم على ثمانية أفدنة من الأرض، وفيها عدة مبان للدراسة والسكن ومطعم ومسجد ومركز للخياطة والتدبير المنزلي، عدا مأوى اليتيمات، وآخر لليتامى من الأولاد.
مواد التدريس ومناهج التعليم:
ولها برنامج خاص لتعليم اللغة العربية والأدب العربي والنحو والصرف، والفقه وأصول الفقه، وعلوم القرآن وعلوم الحديث، والمعاني والمنطق، والعقائد والتصوف، ثم اللغات الأهلية والإنجليزية، والحساب والصحة والتدبير المنزلي، والخياطة والطبخ والحياكة والزراعة والألعاب الرياضية، تحت نظام إسلامي ومدة الدراسة فيها ثمان سنوات.
وفي مساكن الكلية الآن أكثر من ستمائة طالبة، من جميع أنحاء الجزيرة.
شهادة معترف بها:
وتحصل خريجة الكلية على الشهادة العالية التي تقبلها بموجبها وزارة التعليم والتربية، لتوظيف صاحبتها مدرسة في مدارس الحكومة، وقد بلغ عدد المتخرجات من الكلية أكثر من أربعمائة طالبة، أكثرهن موظفات في مدارس الحكومة، ومدرسات للغة العربية والتربية الإسلامية، لصغار المسلمين من الشعب في المدارس التي يكثرون فيها.
وأول ما بدأت المدرسة اعتمدت على بعض الموفدين من الأزهر، ثم اكتفت بمتخرجاتها المؤهلات تأهيلاً جيداً.
كلية غير حكومية:
وهذه الكلية لا تحصل على أي مساعدة مالية من حكومة سريلانكا، لكونها غير حكومية، لأنها صارت مستقلة في برامجها، وفي زيها، وإدارتها، تغلب فيها العلوم العربية والإسلامية.
إنما تحظى هذه الكلية بمساعدة المسلمين المخلصين، من داخل الجزيرة ومن خارجها. وجدير بالذكر أن الكلية تلقت فيما مضى مساعدة مالية من المملكة العربية السعودية، ومن دولة الكويت، ومن الجمهورية العراقية، وبنت بها مسكناً يتسع لمائة طالبة.
دار الأيتام التابعة للكلية:
في سنة 1962م، أسست في الكلية العربية دار لليتيمات لإنقاذهن من دور المسيحيين والبوذيين ومن المستشفيات العامة والدار تربيهن تربية إسلامية، وتعلمهن في نفس الكلية حيث تقدم لهن مرافق الحياة مجاناً، بلا فرق ولا تمييز بينهن وبين سائر الطالبات في الكلية.
ويوجد الآن في كفالة هذه الدار الوحيدة من نوعها في الجزيرة مائة وخمسون يتيمة، ولولا هذه الدار للجأ هؤلاء البنات إلى دور المسيحيين والبوذيين الذين ينفقون جهداً كبيراً في مثل هذه الأعمال لجلب الفقراء إلى دينهم بالمساعدات المادية، وفي الجزيرة آلاف من اليتيمات والأيتام بين المسلمين الذين جلهم فقراء يحتاجون إلى مثل هذه الخدمة.
دار الأطفال التابعة للكلية:
وفي سنة 1974م، أسس في نفس الكلية دار التربية للأطفال الصغار الذين يتركون في المستشفيات أو دور غير المسلمين، لسبب عجز وفقر الوالدين، أو لعدم من يكفلهم.
وفي هذين العامين كفلت هذه الدار خمسة وعشرين طفلاً مسلماً من الدُّور المذكورة، وهي تربيهم في بيئة إسلامية صالحة وهذا أيضاً جهد مشكور من جهود المسلمين في الجزيرة.
ومما لا يخفى أن هذه الخدمات صارت من الضروريات لكل قوم في هذه الأيام، وبخاصة أقليات تعيش في بلد غير إسلامي، للحفاظ على دينهم وثقافتهم، كما لا يخفى أن هذه الخدمات لا تتم إلا بمساعدة إخواننا في الدين في جميع البلاد الإسلامية والعربية الذين فتح الله عليهم خير الدنيا ليزيدوا به خير الآخرة.
مشروعات الكلية العربية في المستقبل:
تثبيتاً لمستقبل مأمون لمسلمي هذه الجزيرة، وإنماء للعلوم العربية والإسلامية فكرت هيئة إدارة الكلية العربية في توسيع خدماتها كما يلي:
1 ـ تأسيس مدارس عربية: ابتدائية وثانوية، لنشر العلوم العربية والإسلامية بين المسلمين في كل منطقة من مناطق الجزيرة.
2 ـ إيجاد دور لليتيمات المسلمات في مناطق مختلفة.
3 ـ إنشاء دور لتربية الأطفال في مناطق تجمع المسلمين.
4 ـ تأسيس مطبعة عربية في الكلية، لنشر الكتب العربية ولتدريب البنات على الطباعة.
5 ـ فتح كلية خاصة بالأولاد.
6 ـ فتح فصول عليا بعد الثانوية، تعد نواة لتحصيل جامعي عال.
مصادر التمويل:
قامت هذه المدرسة ـ أصلاً، ولا تزال ـ على تبرعات ونفقات أهل الخير من المسلمين السيلانيين أنفسهم، بالرغم من ضعف إمكاناتهم لكن صدق العزيمة [مع تيسير الله] لا تقف في طريقه عقبة.
وكان من الطبيعي أن يستعين المسلمون ـ هنا ـ بالعالم الإسلامي في البلاد العربية، وخصوصاً المقتدرين منهم، وحيث تفيض الأموال، وقد يذهب بعضها أحياناً حيث يجب أن لا توضع. [تعليق مؤدب من واضع النشرة].
وتتلقى الكلية العربية كتباً من مصر والسعودية، وقد تلقت معونات من السعودية، والكويت، والعراق، وليبيا، فجزاهم الله جميعاً كل خير وبر.

حاجات ماسة وضرورية:

هذا، وقد زاد الإقبال على الكلية العربية للبنات من بنات المسلمين في سائر أنحاء سريلانكا، وتقدم الآلاف بطلباتهم، لإدخال بناتهم في الكلية، بعد أن شاعت سمعتها الطيبة، وأثبتت خريجاتها جدارة فائقة، وكذلك الأمر بالنسبة للأيتام واليتيمات حيث ضاق الملجآن بهم، وهما في حاجة إلى توسعة وتدعيم.
ومن هنا، ونظراً لمشروعات الكلية التي سبق عرض بعضها، فإن الكلية العربية للبنات ومؤسساتها بحاجة ماسة إلى مزيد من العون السخي من إخوانهم المسلمين، أفراداً ومؤسسات وحكومات في الكويت والخليج والعالم العربي، وكذلك نصرة لقضية الإسلام، ودعم لانتشار اللغة العربية في تلك البلاد، وهذا واجب على كل غيور على دينه، مخلص لإسلامه وقرآنه ولغته العربية.
ونأمل أن يجد هذا النداء آذاناً صاغية وقلوباً واعية، وأيدياً سخية في الخير ماضية.
إذ أن المدرسة المذكورة بحاجة إلى مزيد من المباني والمرافق واللوازم المختلفة، لتساير النمو المضطرد في الدراسة والإقبال عليها، كما أنها في حاجة إلى مزيد من المنح وخصوصاً للطالبات في بلدان العالم العربي خاصة، والإسلامي عامة، كما تحتاج إلى إيفاد معلمين ومعلمات وخصوصاً من العرب.
هذا، ولا يخفى أن غلاء الأسعار، بات يرتب تبعات مضاعفة وأعباء مادية زائدة، على كواهل العاملين في ذلك الميدان الإسلامي الإنساني العظيم، مما يؤكد وجوب مساعدتهم قدر الإمكان. وجزى الله العاملين للخير والإسلام كل خير، حيث كانوا، وبارك جهودهم، وجعلها مثمرة منتجة، خالصة لوجه الله.

دعوة قائد السيارة إلى الإسلام:

عندما بدأنا السير راجعين إلى مدينة كولمبو، طلبت من الإخوة الشيخ مولوي إبراهيم، والشيخ محمد مخدوم، أن يترجما بيني وبين قائد السيارة الذي اتفقنا معه على إيصالنا إلى المدرسة وإعادتنا إلى كولمبو، إذا رغب أن نشرح له بعض مبادئ الإسلام فاخبروه، فقال: إنه يحب أن يسمع شيئاً من ذلك، وسألناه: هل درس عن الإسلام شيئاً؟ فقال: إنه يأسف لأنه لم يسمع عنه إلا قليلاً، فسألناه عن ثقافته، فقال: إن عنده بكالوريوس، وكان مدرساً في المدارس الحكومية، ثم إنه استقال، وهو يعمل الآن سائقاً لسيارة أجرة فبدأنا نشرح له مبادئ الإسلام:
الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان بالوحي، وذكرنا له شمول الإسلام لحياة الإنسان ومحاسن المنهج الإلهي.
وسأل هو عدة أسئلة وأجيب عنها، وطال النقاش بيننا وبينه حيث استغرق الطريق كله الذي يزيد عن خمسين ميلاً، وكانت النتيجة أنه استسلم واعترف بأن المعاني التي ذكرناها له عن الإسلام كلها صحيحة، وأنه اطلع على أمور كان جاهلاً بها. ومن الأمور التي تعجب منها: نفينا أن يكون محمداً صلى الله عليه وسلم، هو المعبود عند المسلمين، فقد كان يعتقد أن المسلمين عندما يدخلون المساجد إنما يعبدون محمداً صلى الله عليه وسلم، فلما فهم معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله، علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ عن الله، وليس هو الله ولا ابن الله ولا ثالث ثلاثة كما يزعم النصارى في عيسى عليه السلام.
وقال: إن الأجرة التي سيأخذها منا في ذهابه وإيابه معنا، لا تساوي شيئاً بجانب هذه المعلومات التي يسمعها لأول مرة في حياته عن الإسلام، [وهذا دليل على تقصيرنا في البلاغ المبين الذي كلفه الله رسوله، ثم أمته من بعده، وأن كثيرا ممن يختلطون بالمسلمين ويعرفون لغتهم، ويرونهم يؤمون مساجدهم يجهلون حقيقة هذا الدين، بل يجهلون قاعدة قواعده: (شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله). فكيف بمن لم يخالطوا المسلمين ولم يفهموا لغتهم...؟!]. ووعد بقراءة ترجمة معاني القرآن الكريم، وأي كتب أخرى يستفيد منها عن الإسلام، وإنه يريد معرفة الحق، وكان في أول النقاش يدافع عن تعليمات بوذا بشدة، ويحاول أن يصرفنا عن النقاش في هذه الأشياء، وكان يعتقد أن النار والهواء والتراب تعاونت مجتمعة على إيجاد هذا الكون، وعندما بينا له زيف هذا الاعتقاد، قال: إن بوذا أمرهم بعدم الخوض في هذه الأمور، وأن الذي سيخوض فيها سيصيبه الجنون، ولكن بحمد الله ذهبت هذه الاعتقادات بعد المناقشة، ولا زلنا جميعا نتمتع بعقولنا، وقد ودعنا عندما وصلنا إلى الفندق بحرارة، واتفق مع الشيخ مولوي إبراهيم والشيخ محمد مخدوم، أن يقدما له الكتب المفيدة عن الإسلام باللغة الإنجليزية.
واتضح لنا أنه أخو مدير الشرطة في كولمبو، وهذا الموقف يدل أن الناس لم يبلغوا الإسلام على حقيقته.

زيارة الجامعة النظمية:

الأحد: 15/11/1404هـ.
جاءنا الإخوة في الساعة الحادية عشرة إلا ربعاً، فذهبنا إلى مقر الجامعة النظمية، وصلنا إليها في الساعة الثانية عشرة والربع.
مرافق الجامعة:
وأطلعنا الإخوة المسؤولون على بعض مرافق الجامعة من ذلك:
ـ إدارة النشر والبحوث الإسلامية.
ـ أمانة الجامعة وإداراتها.
ـ قاعة الاجتماعات.
ـ مكتبة في طور الإنشاء.
ـ قاعة المحاضرات التي أنفقت على بنائها ليبيا ـ بعد أن بدأ بالإنفاق على بنائها الحاج نظمي.
ـ مبنى المدرسين العزوبيين بنين، وفيه خمس وعشرون غرفة، في كل غرفة مدرسان، ومنازل صغيرة يسكنها المدرسون الذين عندهم عوائل، وعددها سبعة، وسبعة فصول دراسية: ثلاثة تمهيدية، وأربعة جامعية.
ـ وبجانب الفصول مساكن الطلاب.
ـ الرابطة التعليمية للطلاب.
ـ المكتبة القديمة، وفيها خمسة عشر ألف كتاب باللغات المختلفة، يراجع المكتبة خمسة وسبعون شخصاً في اليوم ـ ويكثر عدد المراجعين يومي الجمعة والسبت.
ـ ويرغبون كثيراً في الأدب العربي، حسب التوجيهات ولا تعار الكتب.
ـ ومساكن الطلبة قاعات، كل قاعة تتسع لخمسة وعشرين طالباً.
وسيبنى مركز للتدريب المهني، ويوجد مطعم ومطبخ، والجامعة في وسط غابة كبيرة تحيط بها من كل جانب.
ـ واجهة قاعة المحاضرات على هيئة العين الباصرة، والقاعة تتسع لسبعمائة مستمع، سقفها من الخشب الثمين، قالوا: إنه يسمى "تيك".

هذه كتلك..

عندما خرجنا من القاعة، قال الدكتور محمد علي شكري: الآن نصلي أولاً، ثم نتغدى، فقال له الشيخ عمر: هذا كلام قلتموه للشيخ العبودي، وكان الشيخ عمر قد قرأ في كتاب للعبودي عن زيارته لسريلانكا، فقال الدكتور محمد علي: وكان في مثل هذا الوقت، أي أن الكلام مع العبودي في مثل هذا الوقت قبيل الظهر، قلت: "هذه كتلك".
ـ وفي وسط الجامعة ملعب للأولاد، مزروع بالعشب.

وهل يجوز أن يُقْتَدَى بجحا؟.

دخلنا قبل أن نصلي الظهر منزل الدكتور محمد علي، وأرانا خريطة سريلانكا، وقال: هي شبيهة بقدم أبينا آدم، قلت: مثل رِجل الشيخ عمر، فقال الشيخ عمر: هل تعلم علام يدل كبر القدم؟ قلت: لا، فحكا حكاية وقعت له ولامرأة قدمت للحج من بلده، وكانت تريد أن تعرف منزل والده، وكان هو ـ أي عمنا عمر ـ صغيراً يلعب مع الأولاد، فجاءت المرأة تريد أن تسأل الأولاد عن منزل محمد فلاتة، فلما رأت عمر ابنه نظرت إلى قدميه ـ وهي قَيَّافة ـ فعرفته وقالت له: أوصلني إلى منزل والدك، دون أن تسأله من هو؟ ولم تكن تعرفه من قبل.
قلت للشيخ: ولكن هذه القصة لا يوجد فيها جواب على سؤالي، وهو علام يدل كبر القدم؟ فقال: ما دمت لا تعرف علام يدل كبر القدم، فلا داعي لشرح ذلك لك، وأنا اليوم أعمل معك مثل جحا عندما وقف ليخطب، فقال: هل تعلمون ما أقول؟ قالوا: لا، قال: فلا داعي أن أتحدث إلى من لا يعلم، ثم جاء مرة أخرى فقال للناس: هل تعلمون ما أقول؟ قالوا: نعم، فقال: فلا داعي للحديث إلى من يعلم، وفي المرة الثالثة قال لهم: هل تعلمون ما أقول؟ فاختلفوا: منهم من قال: نعم ومنهم من قال: لا، فقال: لا داعي لأن أتحدث إلى قوم مختلفين، قال الشيخ: وأنت واحد من هذه الأصناف الثلاثة، فقد قلت إنك لا تعلم، فلا داعي لأن أشرح لك شيئاً لا تعلمه!.
قلت: وهل يجوز أن يُقتدى بجحا؟ فسكت الشيخ.!

الدكتور محمد علي محمد شكري:

هو من بلدة سيلان، من منطقة تسمى "ماطرا". ولد سنة 1940م.
درس في مدرسة حكومية تسمى: كلية: "بِيَرَادِنْيَا" الظاهرة في كولمبو، وتخرج في جامعة "كَنْدِي" في وسط المدينة، بدرجة بكالوريوس، وكان تخصصه في اللغة العربية.
وكان خطيباً بارعاً عندما كان شاباً، نال جوائز كثيرة، منها: الجائزة الذهبية، عين مدرساً في نفس جامعة "كندي" في قسم اللغة العربية لمدة سبع سنوات تقريباً.
ثم سافر إلى إنجلترا سنة 1973م، لمواصلة الدراسات العليا، ودرس في جامعة أدمبرا، وقدم بحثا للدكتوراه، في موضوع قوت القلوب، لأبي الطالب المكي ـ دراسة عن الكتاب ـ ونال الدكتوراه سنة 1976م، عين بعدها رئيساً لقسم الدراسات الإسلامية في جامعة كَندي، وكانت دراسته في بريطانيا على منحة قدمت له من الكومنولث، ثم استقال من جامعة كندي، والتحق بالجامعة النظمية مديراً لها سنة 1981م، معاوناً للشيخ محمد نظيم.
وقد عادلت وزارة التعليم العالي شهادة هذه الجامعة بدرجة بكالوريوس، ويمكن للذي يتخرج من هذه الجامعة من الناحية الرسمية، أن يلتحق بدراسة الماجستير والدكتوراه في جامعات المملكة العربية السعودية.

معلومات عن سريلانكا:

الجزيرة قديمة، ذكرت في كتب التاريخ القديمة، ذكرها الإغريق واليونان، يقال: إن أصل سكانها من الهند، وكانت توجد علاقة تجارية بين العرب وسكان الجزيرة وجنوب الهند قبل الإسلام، ودخل الإسلام الجزيرة في القرن الأول الهجري.
ذكر البلاذري حادثة في كتابه فتوح البلدان، أنه كان في (سيلان) بعض العرب، وأن ملك (سيلان) بعث إلى الحجاج بن يوسف بعض العربيات، أسرن عندما كن في جنوب الهند، فلما علم الحجاج ذلك أرسل محمد بن القاسم لفتح السند. [هكذا قيل: والمعروف أن المسلمين كانوا يقومون بفتح البلدان للدعوة إلى الإسلام].
مساحة الجزيرة: طولها مائتان وسبعون ميلاً، وعرضها مائة وأربعون ميلاً، أي اثنان وثلاثون وثلاثمائة وخمسة وعشرون ألف ميل مربع.
عدد سكانها: خمسة عشر مليوناً، وعدد المسلمين مليون ونصف المليون. [ذكر سابقاً أن العدد غير هذا.. ولكن النسبة متقاربة بالنسبة لعدد المسلمين].
الأغلبية من البوذيين، ثم الهندوس، ثم المسلمين، ثم النصارى ثم الديانات الأخرى.
عدد مساجد المسلمين في الجزيرة: ألف وستمائة مسجد في إحصائيات الحكومة، ولكن يوجد عدد كبير لم يسجل، يبلغ مجموعها ألفين وخمسمائة مسجد.
مدارس المسلمين الدينية: خمس وأربعون مدرسة.
مدارس المسلمين الحكومية: ألف وستمائة مدرسة، منهجها عام مع مادة دينية.
الجامعات الحكومية: سبع.
استعمرت الجزيرة سنة 1505هـ ، من قبل البرتغاليين، ثم استعمرها الهولنديون سنة 1658م، ثم الإنجليز سنة 1796م، ونالت استقلالها سنة 1948م.
كانت تابعة لبريطانيا باسم الحكم الذاتي.
وفي سنة 1972م، صارت جمهورية. والنظام ديمقراطي اشتركي.
حاصلاتها: الشاي والمطاط والنارجيل، والأحجار الكريمة، وتصدر هذه الأشياء للخارج، وهناك محاصيل، كالأرز ولكنها لا تصدره، وتوجد محاولة للحصول على البترول.

الجماعات الإسلامية:

جماعة التبليغ، جمعية الشبان المسلمين، رابطة المسلمين السريلانكيين، دار الثقافة الإسلامية المورية، جمعية النهضة الإسلامية، جمعية الأحَدِية للتدريس، وجمعيات طرق صوفية كثيرة.
وتوجد جمعية المسلمات السيلانيات، وهي متأثرة بالأفكار الغربية والجبهة الاشتراكية، وهي تعمل في صف الحكومة.
وجماعة أنصار السنة المحمدية، ومركزهم في المنطقة الشرقية في " كَلُبَنَيْ " ولهم فروع في بعض النواحي، وتوجد منظمة لدفن الموتى، وجمعيات خيرية كثيرة، كجمعية بيت المال، تجمع الزكاة وتوزعها.

أهم المشكلات التي تواجه المسلمين في سريلانكا:

أهم المشكلات التي تواجه المسلمين من ثلاث طوائف: البوذيين، والشيوعيين، والشيعة.
الدولة البوذية تخطط لتشريد المسلمين، وقد أنفقت الدولة البوذية على مشروعات في بنود كثيرة في مؤتمر عقدوه في كولمبو، وحضره الرئيس في الأسبوع الماضي وشجعهم، وقرروا قرارات، يدعون فيها كل البلدان في جنوب شرق آسيا إلى وجوب عودة البوذية بقوة كما كانت.
ومن قراراتهم:
ـ إنشاء بنك دولي بوذي.
ـ إنشاء مطابع تطبع الكتب البوذية.
ـ إنشاء معهد لتدريب الدعاة البوذيين بكل اللغات.
ـ بعث الوفود المبشرين إلى الخارج.
ـ الاهتمام بوسائل الإعلام العالمي.
ـ إنشاء المعابد في كل عاصمة فيها سفارة سيلانية، والسفير يشرف على ذلك، ويسهله، وقد بنو معبداً في لندن، ويعتقدون أن سريلانكا هي المؤهلة لحفظ تعاليم بوذا، وعندهم تخطيط سري لاسترجاع كل الأراضي التي أخذها المسلمون منهم كالهند وإندونيسيا وماليزيا وأفغانستان.
وقد خططت الحكومة مشروعات، لإيجاد مليون بيت خلال ثلاث سنوات، لتفريق الأقليات وتذويبهم بين البوذيين، حتى تحرم تلك الأقليات من الفوز في الانتخابات، وحتى يحرموهم من كل الحقوق عن طريق استحقاق الأكثرية.
المنهج الدراسي في المدارس والجامعات، يهدف إلى تغيير أفكار غير البوذيين إلى أفكار البوذية.
ـ تأميم الشركات والمرافق التي تملكها الأقليات.
ـ عدم توظيف الأقليات في السلاح والبوليس والمرافق المهمة.
ـ مضايقة الأقليات في كل المعاملات، وتيسيرها للبوذيين بأقصى سرعة.
ـ تشجيع الزواج بين الفئات، بحيث يتزوج البوذي بمسلمة، والمسلم ببوذية، وهكذا الهندوك والنصارى.
ـ إقامة مخيمات شبابية مختلطة. [كما تفعل بعض الحكومات التي ابتلي الله بها بعض الشعوب الإسلامية من الدول العربية].
ـ تشجيع تحديد النسل، وبخاصة بين المسلمين، ويمنحون من يوافق على التعقيم خمسمائة روبية، والذي يعقم لا يلد مطلقاً.
لا يتيحون الفرص للمسلمين في الدراسات العليا، والمسلمون لا توجد عندهم إمكانات لمواصلة هذه الدراسات.
والسياسيون المسلمون المشتركون مع الحكومة هم في صفها.
وأما غيرهم من المهتمين بشؤون المسلمين فإنهم لا يسمعون لهم.

وسائل تقوية المسلمين وحل مشكلاتهم:

والحل الأمثل لكل المشكلات التي تواجه المسلمين، هو إقامة الدعوة الإسلامية لإعادة الروح الإسلامية إلى المسلمين، وتقديم المساعدات للجمعيات الإسلامية المخلصة، وأن تفكر حكومات الشعوب الإسلامية في المساعدات التي تقدمها لحكومة سريلانكا هل تنفع المسلمين أو تضرهم؟ وعند الحكومة ـ مثلاً ـ تحويل مياه الأنهار لتطوير الزراعة، فقد حولوا المياه عن مساكن المسلمين وأراضيهم إلى غيرهم، وقد ساعدتهم بعض الدول العربية بمبالغ مالية لهذا الغرض، وقد لا تكون تلك الدول على علم بما يجري، ولكن عليها أن تسأل المسلمين بالأسلوب الذي تراه لتعرف الضرر الذي يصيبهم من ذلك ونحوه.
والنصارى يأخذون مساعدات سرية من روما، والحكومة لا تعلم بها هنا، بخلاف المساعدات التي تقدم للمسلمين من بعض الدول، فإن المساعدة الصغيرة تعلن في أجهزة الإعلام، وذلك يسبب للمسلمين مشكلات ويتهمون الحكومات المساعدة أنها تريد تقوية المسلمين ضد الحكومة.
ومما يساعد المسلمين هنا: المنح الدراسية، وليس عن طريق الحكومات، ولا بد من توفير الكتب الإسلامية باللغة العربية وغيرها من اللغات العالمية والمحلية، وتشجيع الجمعيات القادرة على ذلك.

نشاط الشيعة وأثره:

لم يكن المسلمون يعرفون معنى الشيعة قبل قيام الثورة الإيرانية، إلا القليل الذين درسوا مقارنة المذاهب، والمذهب السائد في سريلانكا هو المذهب الشافعي.
ولكن بعد قيام الثورة قويت الدعوة الشيعية، والسفارة الإيرانية خصصت منحاً دراسية لبعض الشباب ودعتهم للمؤتمرات، وساعدتهم بالأموال كما ساعدتهم معنوياً، ونشروا الكتب والمجلات الشيعية باللغات الثلاث: الإنجليزية والسنهالية والتاميلية.
وأهدوا للعلماء الكتب والمراجع باللغة العربية والإنجليزية، ويبعثون لوحات فيها آيات مختارة، وبعثوا امرأتين من مجلس الشورى محتجبتين، قامتا بمحاضرات ومناقشات وزيارات.
وأعلنوا أن آخر جمعة في شهر رمضان ليوم القدس، ولهم وفود كثيرة وعقدوا مؤتمراً عالمياً في سريلانكا، أصدروا فيه ستة وثلاثين قراراً كانت معدة من إيران، منها أن المذهب الجعفري مذهب معتمد.
وإنشاء مركز لدراسة تحقيق الحديث، لبيان الصحيح والضعيف ـ بحسب رأيهم ـ، وأنه لا توجد في العالم دولة إسلامية إلا دولة إيران.
وبهذه النشاطات أثروا على الشباب، وأصبح بعضهم يناصرهم ويعتقد معتقداتهم.
ويريدون الآن إقامة مؤتمر في سريلانكا يتولى القيام بمناقشات مفتوحة في أمور الحج، ويشجعون جمعية الخطباء في سريلانكا على تشجيع هذه المناقشات، وستقام ندوة في الثامن من أغسطس ـ أي في هذا الشهر ـ في كلية الزاهرة بجانب مسجد مردانة.
ويساعدون المدارس العربية، ويبنون المساجد.
وعندهم دعايات منظمة عالية، بحيث يظهرون مساعداتهم إظهاراً تختفي به مساعدات غيرهم، وإن كانت أكثر من مساعداتهم، وذكر الإخوة أن الدكتور: كليم صدقي، مدير المعهد الإسلامي في لندن ورئيس تحرير مجلة: "كْرِسْنِتْ إِنترناشونال" وهي مجلة أسبوعية باللغة الإنجليزية، تعاون مع السفارة الإيرانية في سريلانكا على عقد المؤتمر الإسلامي الدولي سنة 1982م، باسم اتحاد المسلمين: أسبوع الوحدة.
ويوجد في سريلانكا محمد يوسف الذي فصلته الجامعة الإسلامية بسبب تشيعه، وهو الآن رئيس لمنظمة تؤيد الثورة الإيرانية.
كما يوجد شاب يدعى: محمد إسحاق حصل على منحة دراسية في مدينة قم الإيرانية، وكان سبباً في التحاق عشرين طالباً بالمدارس الشيعية في مدينة قم، وتعطيه إيران التذاكر ليذهب إلى الحج كل سنة، ويوزع لهم أموالاً كثيرة، وهو الآن في مدرسة (حُجَّتِي) في مدينة قم، لينال شهادة حجة الإسلام ويؤيدهم رجل يدعى "بابكر" وهو هندي الأصل صاحب فندق صغير ولكنه ساذج.
وكذلك الطبيب الأهلي إلياس من بلدة " بُتْلَم" التي بها المدرسة القاسمية، وكان يؤيد حزب بندرانيكه، ثم اتصل بالهندوس، ثم اتصل بالشيعة مع الجمعية التي تؤيد الثورة الإيرانية.
وكذلك حمزة حنيفة، وهو رئيس تحرير مجلة الإسلام باللغات الثلاث: الإنجليزية، السنهالية، و التاميلية، وهو مدير لمقر الأمانة الإسلامية في سريلانكا، وجريدته تؤيد فكرة الشيعة، ويقوم حمزة بمسابقات في القرآن والخطابة والكتابة على حساب إيران وحوله زمرة من الشباب الذين لا يعرفون الإسلام.

مسجد الجامعة النظمية:

ثم ذهبنا بعد أن أخذنا هذه المعلومات من الدكتور محمد علي، إلى مسجد الجامعة لصلاة الظهر، تقع على يمين الداخل إليه بركة طولها ست خطوات وعرضها خطوتان، وبجانبها دورات مياه وصنابير ماء للوضوء، والمسجد مصمم على هيئة خيمة كبيرة، وله أربع عشرة أسطوانة، طوله ثلاثون خطوة وعرضه كذلك، وهو قبة واحدة لا يوجد بداخله أعمدة، وإنما الأعمدة في أطرافه، وجدرانه ليست مغلقة بل بين كل عمود وآخر فتحة مقوسة متدلية إلى الأرض، بحيث لا يدخل منها المطر ولا أشعة الشمس، والصوت الصغير يسمع من كل مكان منه، ويبقى مترددا فترة حتى قال بعض الحاضرين: يخشى أن يسمع به الفساء!.
وبعد أن صلينا ودعنا الإخوة في الجامعة، وكان معنا الأخ محمد مخدوم، والأخ محمد مولوي، اللذين رافقانا من الفندق من الساعة الحادية عشرة إلا ربعاً. والجامعة تبعد عن كولمبو بخمسة وخمسين ميلاً تقريباً أنشئت في منطقة تسمى: برويلا، والشارع الذي سلكنا فيه من العاصمة إلى الجامعة قريب من البحر، ويسمى "جُوْلْ رُوْدْ" والاتجاه إلى منطقة الجامعة إلى الجنوب، مع ميل قليل إلى الغرب.
وقد مررنا في ذهابنا بأسواق ومؤسسات كثيرة، منها المطار القديم ويقع على اليسار، وكان هو المطار الوحيد الذي تنزل به الطائرات العالمية، وعندما أسس المطار الجديد الواقع في شمال شرق كولمبو، أصبح المطار القديم خاصاً بالرحلات الداخلية، وهكذا كل جديد في الدنيا يصبح قديماً، وذلك عبرة حتى لا يغتر بالدنيا جديدها وقديمها.
كما مررنا بمركز تدريب مهني، وهو كذلك على اليسار، ومدرسة مسيحية قديمة بنيت أيام الاستعمار، وهي على اليمين، ومررنا بسوق مزدحم تباع فيه الفواكه والخضار، والسبب في ازدحامه أنه سوق أسبوعي، إذ توجد في كل منطقة أسواق أسبوعية، وهذا اليوم هو سوق هذه المنطقة.
وقال السائق: إن أغلب هذه الخضار والفواكه يأتي بها أهلها من منازلهم الخاصة، ومررنا على جسر فوق أحد الأنهار، وكانت المزارع والغابات معنا عن يمين ويسار، وتوجد بعض المنازل وتارة بعض القرى.

البلدات والمساجد التي مررنا بها ذهاباً وإياباً:

وكانت أول ضاحية بعد خروجنا من كولمبو قرية تسمى: "فَنَدُوْرَه" وسكانها مسلمون، وتوجد بها ثلاثة مساجد، أحدها على جانب الطريق، وهو تكية للطائفة النقشبندية، في هذه المنطقة وفي جنوب هذه القرية يسكن البوذيون. وقال الإخوة: إن البوذيين العاديين كانوا يحبون المسلمين ويحترمونهم ويودعون عندهم أموالهم، ولكن رئيسة الوزراء: بندرنيكة، أشعرت البوذيين بأهمية تعاليم بوذا، وكانت تخطب فيهم وتنفث فيهم التعصب لتعاليمهم.
وكنا نرى صور بوذا في كل مكان، واقفاً وقاعداً، صغيراً وكبيراً، في الشمس والظل، ورأينا إحدى صوره الكبيرة وقد غطي وجهه فسألنا: لماذا غطي وجه صورة بوذا هنا بالذات؟ فقالوا: إن هذه الصورة تحت الإصلاح، ولهذا لا يريدون أن تظهر صورته مشوهة للناس، قلت: بئس المعبود معبوداً يصلحه ويزينه عُبَّاده ويسترون وجهه بخرقة لتغطية التشويه الذي أصابه في وجهه! وفي هذه المنطقة مستشفى عام على اليمين، ومن هذه المنطقة انتخب نائب وزير الخارجية وهو مسيحي.
ثم مررنا بقرية تسمى: "وَادُّوَا" وهي مشهورة بصناعة الخمر، وقد رأينا براميل كثيرة تحملها العربات من الخمر.
وتبني الحكومة بهذه القرية جامعة خاصة بالبوذيين، يتعلمون فيها تعاليم بوذا ولغة فاني ـ أي لغتهم الدينية ـ ويوجد في القرية بعض المسيحيين.
وقال الإخوة: إن للبوذيين لجنة خدمات اجتماعية، تحاول نشر التعاليم البوذية بين المسلمين في القرى، بطريقة غير مباشرة في أول الأمر، تسمى: " تَرْوُودَيَا"، وهم يفكرون في التبشير في بعض دول الخليج، والبوذيون المتعصبون يسعون جاهدين في بناء معابدهم في كل مكان، ويحاولون أن لا يؤذن للمسلمين ببناء المساجد.
كما مررنا بقرية تسمى: "وَاسْكَادُوَا" ثم مدينة: "كَالُوتَارَا" وتوجد من بين الأشجار شجرة ثمر "مَانْقُوسْ" وهي ثمرة صغيرة الحجم على شكل التفاح، قشرتها حمراء، وفي داخلها حبوب تشبه حبوب اللوز، صغيرة عليها لب أبيض، وهو الذي يؤكل، ونواتها صغيرة جدا، وهي فاكهة لذيذة.
وفي جنوب هذه المدينة يوجد مسلمون، ولهم مسجدان، أحدهما على جانب الطريق ولا زال تحت التعمير، وبها نهر يسمى: "كَلُوجَنْجَا" ومعناه: النهر الأسود، ويوجد في هذه المنطقة شباب شيوعيون، ونائب البرلمان المنتخب منها شيوعي.
وقال لنا الإخوة: إن زعماء البوذيين قد دعوا إلى ترك شرب الخمر، وأنهم اتفقوا أن يذهبوا إلى الصنم ويحلفوا أمامه على تركها، فذهبوا وحلفوا ولكن كثيرا منهم لم يتركوها.
ومررنا بقرية تسمى: " بَيَّا جَالاَ " وأكثر سكانها من المسيحيين.
والشارع في هذه المناطق ضيق جداً، حتى إن السائقين المتقابلين يتسابقان عليه بسيارتيهما كما يتسابق لاعبو كرة القدم على الكرة، وكنت أقول اللهم سلم.
وكان المحيط الهندي على يميننا ـ في الذهاب ـ يرغي ويزبد بأمواج هائجة مائجة، ينطح الجبال الصغيرة والصخور الواقعة على شاطئه بغضب شديد، كأنه يحس أنها تمنعه من الانطلاق إلى ما بقي مكشوفاً من اليابسة، وما يدري أن الخالق هو الذي وضع له حداً لا يتجاوزه.
ومررنا بقرية تسمى: "مَجُّونَا" وفيها يسكن كثير من المسلمين، وتوجد فيها الأحجار الكريمة.
ثم دخلنا منطقة "بِيْرْوُولاَ" التي أسست فيها الجامعة النظمية، ومررنا بدكان صغير وصاحبه يقول: "هِرْ لُو هِرْ لُو" فقلت: ماذا يعني؟ قالوا: يقول: سمكة سمكة، والظاهر أنه ينادي ببيع السمك.
وكان على يميننا مسجد فخم، منارته مصنوعة من الزجاج وكثير منه كذلك، والمنازل بجواره من المنازل الفخمة التي يظهر عليها الغنى، وقال لنا الإخوة: إن هذه المنازل لتجار الأحجار الكريمة من المسلمين، وقد بطروا فبالغوا في البناء: بناء المنازل وبناء المساجد، وقد أصبحوا الآن إما فقراء أو شبه فقراء، حتى إن كثيراً منهم لم يتمكنوا من تجديد منازلهم بالدهان، لقلة المال وكانوا تجاراً أغنياء بسبب اتجارهم في الأحجار الكريمة، وقد حسدهم البوذيون على هذه التجارة، إذ كان الحجر الذي يبيعه الغواص من التاجر بخمسين روبية يبيعه التاجر بالآلاف، ولكن الحكومة الآن أسست هيئة يسجل فيها الغواصون ما يحصلون عليه وتتولى الهيئة أمر الشراء والتصدير.

مسجد المرآة الشاذلية:

ومررنا بمسجد صغير، يسمى: "مسجد المرآة الشاذلية" وبجانبه مزرعة دواجن لأحد أقرباء الحاج نظيم، ثم دخلنا في حرم الجامعة، وكان في استقبالنا الدكتور: محمد علي محمد شكري، مدير الجامعة وغيره من الأساتذة.
هذا، وعند عودتنا من الجامعة النظمية مررنا بمسجد قرب منزل الشيخ محمد نظيم، وكذلك مسجد يسمى: "تاج المفاخر" "أَكَرَاجُودَا بِيرُولا" وله ثلاثة مداخل، وعلى يساره بركة ماء صغيرة، ولا يوجد بداخله أي عمود، وطوله خمس عشرة خطوة، وعرضه كذلك أسس قديماً، وبنى من جديد سنة 1980م، لكل مدخل من مداخله ثمان درجات حتى ينزل الداخل إلى المسجد، وكانت توجد مدرسة تسمى تاج المفاخر، والمسجد على شكل تاج في وسطه من الأعلى مئذنة في أعلاها شكل الهلال، وبجانبه من الجهة القبلية مئذنة طويلة.

مسجد الأشرفية والخرافات:

ثم مررنا بمسجد يسمى "مسجد الأشرفية" نسبة إلى من يسمونه بسلطان الأولياء الشيخ أشرف، ولأتباعه توسل يرددونه يسمى:
"التوسل الأسعف بولي الله الشيخ أشرف" وهذا نصه الذي وجدناه: مكتوباً في المسجد، حيث دفن فيه الولي المزعوم نسأل الله اللطف:
شيء لله يا ولي الأشرف..
باسم مولانا تعالى شيء لله..
نسأل اللطف الخفي شيء لله..
من كبير وخفي شيء لله..
يا ولي الأشرف شيء لله..
نذو المواهب كلها شيء لله..
وأمان الخائف شيء لله..
يا ولي الله حسبنا شيء لله..
فاقضها أنت الوفي لله..
أنت سلطان ولي شيء لله..
عندنا الحاجات جمة شيء لله..
وهي كما ترى ألفاظ ركيكة، ذات معان غير لائقة، هدف قائلها الغلو الذي حاربه القرآن والسنة، ولكن الجهال وأشباههم يرددون هذه الألفاظ معتقدين أنهم ينالون بها شرف القرب ممن يزعمون أنه ولي، وأنه يقضي حاجاتهم التي يستغيثون به في قضائها!
واسمه الكامل الذي كتب على جدار القبة: "ولي الله عند قومه الشيخ أشرف السيد علوي بن عبد الرحمن المشهور بالعلوي".
قالوا: إن المسلمين وصلوا إلى هذا البلد ـ وهو على ساحل المحيط الهندي سنة 1800م، والمسجد أسس من أكثر من مائتي سنة، وجدد أربع مرات أو خمساً، والبناء الحالي بني قبل سنة 1975م، وفي آخر المسجد غرفة ممتدة دفن فيها الولي المزعوم.
وجدنا في المسجد رجلاً عاكفاً عند القبر، يستقبل الناس ويهديهم إلى كيفية الاستفادة من الولي ـ الاستغاثة به ودعاؤه من دون الله ويسمى: الشيخ حمزة، وقال: إنهم يسيرون على الطريقة العيدروسية القادرية [أرجو أن لا يفهم القارئ أن لاسمي منها نصيباً، فأنا بريء من كل طريق حدثت في الدين، وطريقي الوحيد هو اتباع الكتاب والسنة، ومعلوم أن الشيخ عبد القادر كان من كبار العلماء الصالحين، ولكن بعض أتباعه زادوا في منهجه ونقصوا، وأوغلوا في الغلو فيه، وكل واحد يؤخـذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم]. والعلوية الحدادية، أسست قبل مائة وخمسين سنة، جاء بها السيد علوي بافقيه من حضرموت، وقال الشيخ حمزة: إن أجداده من العرب.
وطول المسجد أربع عشرة خطوة وعرضه خمس خطوات، يقع على ربوة مرتفعة وبجانبه المحيط الهندي، في مدخله إلى اليسار من المسجد بركة، وفي ساحته قبة مسنمة، بها قبر مغطى، والبحر يحيط بالمسجد من ثلاث جهات حتى قلنا: إنه شبه جزيرة في جزيرة، أي هو شبه جزيرة، ويقع في جزيرة سيلان.
ويزعم الشيخ حمزة أنه من كبار العلماء. ولا ضير فلكل علم علماء فلعله من كبار العلماء بالتخريف.
والعجيب أنه يقرأ للناس صحيح البخاري وصحيح مسلم في شهر جمادى الأولى، وأعماله تخالف كثيراً من أبواب الصحيحين، وبخاصة: جناب التوحيد.
ووجدنا زائرين وزائرات لتلك القبور يتبركون بها، وقد استبشر بنا الشيخ حمزة عندما رآنا واستقبلنا، ظناً منه أننا جئنا نطلب البركة من ولي الله! وعندما رآني أكتب ظن أني أريد أن أكتب معلومات أدعو إليها بين قومي إذا رجعت إلى بلادي ولكنه أسقط في يده عندما رآنا سألناه ومضينا.
هذا ويجب تعريف الولي في اصطلاح القرآن وهو "المؤمن الصادق الذي يحقق بإيمانه المصطلح القرآني لمعنى الإيمان"، فكل المؤمنين أولياء لله تعالى، وقد قطع كتاب الله بذلك حيث قال: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}. [سورة يونس، الآيات: 62-64]. وتكمل الولاية وتنقص بقوة إيمان الأشخاص، وكلما كان الإنسان أكثر تقوى كان أكثر ولاية لله، وهؤلاء الذين يقال: إنهم أولياء هم داخلون في هذه القاعدة، لا فرق بينهم وبين غيرهم من المؤمنين، ويحرم الغلو فيهم أو في غيرهم حتى الأنبياء عليهم السلام، ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: ((لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله)) صحيح البخاري.
والمؤسف أننا رأينا في طريقنا صنماً لصورة بوذا، أخبرنا الإخوة أنه بناه المسلمون مجاملة للبوذيين!!!.

شعار الحداد عند البوذيين:

وفي القرية رأينا حبالاً معلقة على الشوارع، يربط طرف الحبل في جدار على يمين الشارع أو يساره ويمد عبر الشارع ويربط في الجدار الآخر، وعلق في تلك الحبال أوراق من شجر النارجيل على هيئة طائرات صغيرة متتابعة، سألنا عنها فقالوا: هذه الحبال تعلق على هذه الصفة للدلالة على موت أحد البوذيين، والنصارى يضعون تلك الحبال مع رايات صليب.

الغني يحرق والفقير يدفن!

وقد مررنا بمقبرة للبوذيين وهم يدفنون ميتاً، وقال السائق: إن الذي يدفن هو الذي يوصي بدفنه أما غيره فيحرق، وقال الشيخ مخدوم: يدفن الفقراء ويحرق الأغنياء، لأن الحرق يكلف مالاً كثيراً لا يطيقه الفقراء.

مشكلات المواصلات الجوية والاتصالات في البلدان المتخلفة:

الاثنين: 16/11/1404هـ
جاءنا الشيخ محمد مولوي إبراهيم، والشيخ محمد مخدوم في الساعة التاسعة، فخرجنا من الفندق إلى وكالة الخطوط لمراجعة الحجز من كولمبو إلى كراتشي، ثم إلى اسطنبول بتركيا، وقالوا لنا: إن الحجز من كولمبو إلى كراتشي متيسر ولكن تأكيد الحجز من كراتشي إلى اسطنبول لم يتم إلى الآن، وكان الموظف قد غفل عن أن تذاكرنا من تذاكر الدرجة الأولى، فلما علم قال: الغالب أن يتم الحجز وتأكيده ما دام في الدرجة الأولى، ووعدنا أنه سيبعث إلى كراتشي طلباً لتأكيد الحجز إلى اسطنبول عن طريق التلكس، لأنه لا يوجد في سريلانكا كومبيوتر.!
ولقد كان الإخوة المسلمون في أستراليا يحجزون لنا عن طريق الهاتف لكل رحلاتنا في الداخل والخارج، ولكنا فقدنا ذلك في هذه البلدة، وفقدنا الكومبيوتر، بل إننا نذهب بأنفسنا ونمكث وقتاً طويلاً ثم ندع تذاكرنا ونعود بعد يوم أو يومين ولا نجد مبتغانا.
وعندما رأى الشيخ مولوي إبراهيم حرصنا على الحجز وعدم ارتياحنا لتلك المواعيد العرقوبية، قال: أنا أذهب إلى صديق لي في مكتب آخر وأحاول، فذهب إلى صديقه ووقفنا نحن أمام بنك سيلان في السيارة، وكان الجو حاراً فخرجت أنا والشيخ محمد مخدوم مبارك، وبقي الشيخ عمر في السيارة مع السائق، وجاء جندي المرور وأمر السائق بالتحرك إلى موقف نظامي، فتحرك السائق وجاوز البنك ووقف في مكان لا نراه من محلنا، فقلت للأخ محمد: أين الشيخ؟ فقال: لا تخف، قلت: لست خائفاً، فإن السائق ضعيف والشيخ ما شاء الله صحته جيدة، فإذا أراد به سوءاً فسيخنقه، ولكن لا بد من التحقق من مكانه فمشينا حتى تجاوزنا البنك ورأينا السيارة واقفة فاطمأننا.
ونظر إلينا جندي من حراس البنك، ونحن واقفان في ظل البنك وأغضى ثم نظر مرة أخرى وأغضى، ثم جاء إلينا وقال للأخ محمد: لماذا أنتما واقفان هاهنا؟ فقال له: ننتظر صديقنا الذي دخل إلى مكتب وكالة الخطوط في هذا المبنى، فرجع الجندي ولكنه بقي يلتفت إلينا بين آونة وأخرى، قلت للأخ محمد: لماذا هو يسأل ويخاف من وقوفنا تهنا؟ فقال إنه يوجد اضطراب في المنطقة الشرقية، ويوجد صدام بين الحكومة وبين الهندوس، فهم يخافون أن يحصل تخريب في البنوك والمرافق العامة، وقد أعلنوا أن كل من يشتبه في أمره يبلغ عنه البوليس.
ثم خرج الأخ محمد إبراهيم، وقال: إن صديقه وعده أن يجتهد اليوم في الحجز وتأكيده، وأنه سيرد لنا الجواب في المساء أو غداً صباحاً.
فتركنا ظل البنك ليطمئن الحارس وذهبنا إلى الشيخ فأخبرناه بالنتيجة غير السارة.

السفر إلى مدينة: (كَنْدِي) والقرى التي مررنا بها:

بدأنا مسيرنا إلى مدينة (كندي) وتقع في وسط جزيرة سريلانكا وكندي بفتح الكاف وسكون النون وكسر الدال بعدها ياء ساكنة.
وعند خروجنا من مدينة كولمبو، مررنا بالميناء على يسارنا، وكذلك ملعب رياضي كبير تقام فيه المسابقات الرياضية المحلية والدولية، وبجانبه تمثال المؤسس، وهو رئيس بلدية كولمبو السابق، وأسس هذا الملعب قبل عشرين سنة، وتوفي مؤسسه قبل عشر سنين، وتمثاله أقيم قبل سنتين بأمر من رئيس الوزراء تخليداً لذكراه.

لماذا اخترتم لنا زيارة مدينة: (كَنْدِي)؟

بمناسبة اختيار الإخوة لنا أن نذهب إلى مدينة كندي هذه، سألت الإخوة عن سبب اختيارها لنا وفائدة سفرنا إليها، وهي تبعد عن العاصمة: كولمبو، مائة وعشرين ميلاً؟ فقالوا: إن الطريق إليها ذات مناظر طبيعية طيبة كما سترى، والمدينة تعتبر الثانية في الجزيرة بعد كولمبو، وبها آثار للمسلمين وللبوذيين، وقد اختتم البوذيون عيدهم الكبير الذي اعتادوا إقامته في هذه المدينة أمس، وقد استمر أسبوعين، وهم يقيمونه في الأسبوع الأول من شهر أغسطس، ولهم عيد آخر كبير في كل سنة أيضاً.
قلت: وماذا يفعلون في هذا العيد؟ قالوا: عندهم سن يزعمون أنها سن بوذا، يضعونها في طبق يحمله فيل كبير يزينونه بأنواع الزينة من الثياب وغيرها ويسير وراءه أعداد من الفيلة، تصحبها فرق موسيقية وفرق تضرب على الطبول وعامة الناس معها يرقصون، مارين بشوارع المدينة كلها، ثم يذهبون إلى المعبد ويقفون أمامه متذللين، وتوجد أمام المعبد بركة كبيرة ـ وقد رأيناها بمساحة واسعة جداً ـ وينزل راهبهم إليها، ويضرب بالسيف في وسطها، وبذلك تحصل البركة لجزيرة سرنديب أو سيلان أو سريلانكا ـ هذه أسماء لهذه الجزيرة: الأول عند العرب، والثاني عند أهلها قبل الاستقلال، والثالث في عهد الرئيسة بندرنيكة.
وبعد أن خرجنا من مدينة كولمبو بقليل، رأينا في إحدى ضواحيها عدداً من الناس في ساحة واسعة على يسارنا، بعضهم قاعدون وبعضهم واقفون وكانوا لابسين لباس الرهبان البوذيين، وهو شبيه بلباس الإحرام للحج أو العمرة عند المسلمين: إزار ورداء إلا أن لونه أصفر.
فسألنا عنهم فقال الإخوان: إنهم من طلاب الجامعات ـ وكانوا قاموا بمظاهرات، وأكثرهم اشتراكيون، وقتل طالب منهم أثناء المظاهرات في مثل هذا اليوم من السنة، فهم هنا معتصمون يبقون هنا حتى يأتي مسؤول كبير من الدولة يتفاهم معهم، ثم يتفرقون.
وكان سيرنا في وسط غابات كثيفة من الأشجار المختلفة، وأغلبها أشجار ذات بال، كالنارجيل، والمانجو، والقنس، والموز، والباباي، والشاي، والقرنفل، والبن، والمطاط، والهيل، وتوجد مزارع للأرز بأصنافه الثلاثة: الصنف الممتاز وهو الذي يحصد بعد ستة شهور، والمتوسط وهو الذي يحصد بعد أربعة شهور، والرديء وهو الذي يحصد بعد ثلاثة أشهر، ويسير الإنسان في كل مكان ويلتفت إلى أي مكان فلا يرى إلا الخضرة التي تغطي الجبال والسهول.
هذا، وقد مررنا في طريقنا إلى مدينة كندي بعدد من القرى:
القرية الأولى: تسمى "كَدَاَوَتا" والقرى عبارة عن منازل مغروزة في الغابات والمزارع وأسواق للخضروات والفواكه وغيرها.
القرية الثانية: تسمى "يَكَّلْ" وهي مشهورة بمزارع الأناناس مع الفواكه الأخرى.
القرية الثالثة: تسمى "تِهَارِيَا" وتوجد بها حارة للمسلمين وفي بعض الأوقات تلتقي الأشجار التي على جانبي الطريق بأغصانها، فتكون ظلا يسير المسافر فيه وكأنه في داخل الغابة ويوجد بهذه القرية مسجد يسمى "مسجد الأمينية" ومعهد معلمين للبوذيين على يسارنا.
القرية الرابعة: تسمى "هُوْرَقُولاَّ" وبها تقع حديقة الرئيس السابق لبندرنيكة الذي قتله أحد الرهبان ودفن في نفس الحديقة، وهي على اليسار.
القرية الخامسة: تسمى " نِتَّامْبُوَا " وهي على اليمين وبها حارة للمسلمين ويوجد بهذه القرية قبر رجل جاء من حضرموت يقال له: "أبو ذيب" ويظهر أنه كان على مذهب السلف رحمهم الله، وبخاصة في توحيد العبادة واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه رد على الخرافيين من أهل الطرق، وقال لنا الإخوان: إن له كتاباً رد فيه على الطريقة الفاسية، وقد حرضناهما على محاولة الحصول على هذا الكتاب ليطبع إذا كان مفيداً.
القرية السادسة: تسمى " فَسْيَالاَ " وقد أضحكنا هذا الاسم فقد قلت: هذا يدل على الأمر، فقال الشيخ: ولكن بعد معنى الأمر لا، وهي للنهي فنسخ النهي الأمر.
ومن هذه القرية يفترق الطريق إلى الكلية العربية للسيدات، حيث يميل قاصدها إلى اليسار، وهي التي كنا زرناها بالأمس.
القرية السابعة: تسمى " نامْبْلُوَا " وهي قرية صغيرة أغلب سكانها مسلمون، ولكن فيها أربع فرق:
الفرقة الأولى: من أهل السنة، وهي الأكثر وهم جماعة الشيخ عبد الحميد البكري.
الفرقة الثانية: أهل القرآن، وهم متفرعون عن الفرقة الأولى، ولكنهم ينكرون السنة النبوية.
الفرقة الثالثة: فرقة القاديانية.
الفرقة الرابعة: فرقة الخرافيين.
وهذه القرية معروفة بالكاجو وهو نوع من الثمر، ولا يبيع هذا الثمر إلا بنات القرية اللاتي في سن الشباب وهن جميلات، وذلك بتشجيع من رئيس الوزراء لأجل جلب السائحين ـ قلت: لعل الأهم هو إفساد أخلاق المسلمين أكثر من غيرهم ـ كما تشتهر بالصناعات اليدوية، ولقد رأينا فعلاً أن الفتيات هن اللاتي يبعن الكاجو، و لا يوجد رجل واحد أو شاب بينهن، وأكثر أشجار البساتين بعد هذه القرية من شجر المطاط.

لا تزعجنا يا بني!

عندما كدنا نتجاوز هذه القرية أسرع السائق، والطريق ضيق والسيارات كثيرة وكبيرة في الغالب، والسائقون يتسابقون بسياراتهم في الأماكن الضيقة كتسابق لاعبي الكرة، من سبق وقف له الآخر، أو أخرجه قليلاً عن الطريق، فقال الشيخ للسائق: لا تزعجنا يا بني! وهو لا يدري ماذا يقول، ولكن ترجم له أحد الإخوة فهدّأ سيره.
القرية الثامنة: تسمى "فِيْوَلْ دِنْتَا" وفيها يقع منزل الشيخ أبي الحسن مدير كلية البنات، وتوجد بها مدرسة للمسلمين.
القرية التاسعة: تسمى "وَرَقَهْ فُولاَ" ومعناها كما قال الإخوان: سوق الفنس، والفنس: نوع من الفاكهة، فسألت: هل تشتهر هذه القرية بهذه الفاكهة؟ قالوا: لا، ويوجد بها مسلمون، ولهم فيها مسجد كبير، وفيها يصنعون الأحجار الكريمة، وقد مررنا بمنزل على يمين الطريق، وهو لأحد المسلمين، ويسمى: نظام، والمنزل خصص مستودعاً ومعرضاً للأحجار الكريمة ومصنعاً لها.
وكان الشاب المسؤول عن تلك الأحجار ـ وهو مسلم ـ يريد أن يشرح لنا أنواع الأحجار وألوانها، وكيفية استخراجها، والنظام الذي وضعته الدولة للاتجار فيها، إلا أن الوقت كان ضيقاً بالنسبة لنا، وفهمنا مما ترجم لنا من كلامه أنهم يحفرون الأرض للبحث عن هذه الأحجار، وأنه يوجد منها اثنان وثلاثون نوعاً بستة وخمسين لوناً، وأنها في جملتها تنقسم قسمين: أحجار كريمة لها قيمة وأحجار رديئة، وقد أرانا عينة لها من الصغار التي تشبه حب السمسم، والكبار التي تزن عشرات الأرطال، وفصوص الخواتم وغيرها، وتركناه وذهبنا دون أن نشعره بأنا نفكر في الشراء.
ويقع على يمين الذاهب مثلنا موقف لسيارات الحكومة في هذه القرية، وعندما جاوزناها ازداد الطريق ضيقاً لوجود حفريات، ووجدنا سيارتين قد اصطدمتا على اليسار. إحداهما مقلوبة ولا ندري ماذا جرى في الحادث لأنا لم نقف.
القرية العاشرة: تسمى "أَمْبِيْ فُسَّهْ" وفي حروف هذه تقارب في الجملة مع حروف القرية الخامسة، وبجانب هذه القرية بدأنا نرى مزارع الشاي السيلاني، ويغلب البوذيون في هذه القرية، ويوجد بها قليل من المسلمين، ولهم مسجد صغير بنوه سراً على أنه منزل، ثم بنوا له بعد ذلك مئذنة صغيرة، ويسمى: مسجد الدعاية الشاذلية وهو على اليسار.
وقد حركت تلك المناظر الشيخ عمر فقال لي: اسمع، وأنشد يقول:

سيلان تسلي من قد أتاكِأينبغي أن يجحد المولى بأرض رباكِ

القرية الحادية عشرة: تسمى "نِيْلُوْن دِنْيَهْ" وفيها مسلمون وبها وادٍ بين جبلين، والطريق فيه متعرج.
القرية الثانية عشرة: تسمى " دَدِيْ جَامَا"، وكان منها أول رئيس لسريلانكا، واسمه: "دِيْئِسْ سِيْنَايْكَا" وبها بيت للعجزة، وهو تابع للحكومة، يقع على اليمين.
القرية الثالثة عشرة: تسمى: "جَلَيْ جَمُوَا" ولا يوجد بها مسلمون، بل سكانها كلهم بوذيون.
القرية الرابعة عشرة: تسمى: "أَمْبَمْ فِتْيْاَ" وفيها آلاف الأفدنة من مزارع المطاط والشاي، وكان أغلبها للمسلمين، وكان أحدهم يملك أغلب المزارع وأغلب مصانع الشاي، وكان يسمى ملك المطاط، لكثرة ما يملك من مزارع المطاط، ولكن حكومة بندرنيكه الاشتراكية أممت تلك المزارع والمصانع واسترد الرجل المسلم بعد أن جاءت الحكومة الجديدة شيئاً من مزارعه، لأنه صديق لرئيس الوزراء.
القرية الخامسة عشرة: تسمى: "كِيْجَلاَّ" ويوجد بها مسلمون ولهم فيها مسجد، وبها مصنع للنسيج وهي عاصمة منطقة "صَبْرَهْ حَمُوَا" وتوجد بها بعض المرافق كالمستشفى.
وقال الشيخ محمد إبراهيم مولوي: إن أغلب دكاكين هذه القرية كانت للمسلمين، ولكنهم تأخروا وتقدم غيرهم.
وللجماعة الإسلامية في هذه القرية مركز نشيط، فيه مركز للتدريب المهني وروضة أطفال.
القرية السادسة عشرة: تسمى: "مافِنَلاَّ" وبها مسلمون وفرع للجماعة الإسلامية، ومدرسة دينية، وروضة أطفال، ومركز تدريب مهني، وبها مسجد صغير والروضة تسمى "النور" ويوجد في هذه القرية شجرة الكاكاو، وقد زرنا روضة الأطفال على عجل.
ومررنا بمنزل الدكتور: محمد نور، وهو طبيب وعيادته في منزله، وابنه مهندس، وهو مسؤول عن فرع الجماعة في هذه القرية، وأغلب أهل القرية مسلمون مثقفون وعلماء.
القرية السابعة عشرة: تسمى: "هِنْجُولاَ" قال الشيخ محمد مولوي إبراهيم: إنه ولد في قرية وراءها على اليمين على بعد ثلاثة كيلو، ويوجد في هذه القرية قبر يعظمه المسلمون كما يعظم البوذيون صورة بوذا، ويقف المارة بسياراتهم على جانب الطريق عند القبر، ويرمون النقود كما يفعل البوذيون، وقد رأينا ذلك من البوذيين، ومن المسلمين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
القرية الثامنة عشرة: تسمى: "جَنَيْتَنَّا" وفيها مسجد للمسلمين.
القرية التاسعة عشرة: تسمى: "كَدُوجَنَّاوَا" ومنها تبدأ المنطقة الجبلية، وبها تكثر زراعة الفلفل الأسود والقرنفل وقد رأينا أشجارهما، وفيها وقفنا لنشرب من الماء النقي الذي لا تناله الأيدي، ماء الآبار المعلقة في السماء، ماء النارجيل الذي يقطع ثمره من شجره الباسق، وهو شبيه بالحبحب، شكله كروي أو بيضاوي، وقشره أصفر اللون، وقد يميل إلى الأحمر، ماؤه عذب، يحيط به لب أبيض من داخل القشرة يؤكل وهو يحتوي على زيت.
وعندما صعدنا الجبل، وهو شبيه بجبل الهدى في الطائف، وقفنا نطل على المناظر الجميلة العجيبة، السهول والجبال مكسوة بالغابات كلها خضراء، وقد رأينا جبالاً كثيرة في كل اتجاه، منها جبل يسمى: "دَوَنَا جَلاَ" وهو يشبه ظهر الفيل، قال الشيخ محمد إبراهيم: إنه ولد في قرية بجانبه وبقربه جبل آخر ممتد يسمونه: "بَايْبِلْ رَكَهْ" أي جبل الإنجيل ولا ندري سبب التسمية.
ثم استمر سيرنا في هذا الطريق الجبلي المتعرج الضيق الذي فتحه الإنجليز أيام الاستعمار، وبجوار طريق السيارات سكة الحديد التي يسير عليها القطار من مدينة كولمبو إلى مدينة: "كندي"، وقد أقيم نصب تذكاري على اليمين في مكان مرتفع للكابتن: "دُوْسَنْ" الذي أنشأ سكة الحديد، وهو إنجليزي، ويوجد في هذه القرية مسجد للمسلمين أنشئ سنة 1916م، على يسار الطريق في أول منحدر الطريق الجبلي من جهة الشرق، كما يوجد بها مصنع للشاي على اليمين.
القرية العشرون: تسمى: "إِلْكُوْتَّا" وفيها جامع للمسلمين، وفيها قال الشيخ عمر: أنا أنظر للفوفل وأنتم تنظرون للمانقس، كان الإخوان يقولان: هذه مانقس، وهو يقول: هذا فوفل، لشجرتين مختلفتين، فلما اختلف معهما قال: أنا أنظر للفوفل فأقول: هذا فوفل، وأنتم تنظرون للمانقس وتقولون هذا مانقس، يعني فلا خلاف بيننا.
القرية الحادية والعشرون: تسمى: "دَهِيَنْجَا" تنطق بين الجيم والقاف وأغلب سكانها مسلمون، ويكثر بها البن والهيل.
القرية الثانية والعشرون: تسمى: "مُرُوْتَلاَوَا" وأغلب سكانها مسلمون وتوجد بها شجرة تسمى: "كِتُلْ" يأكل ورقها الفيلة، وفيها زهور يستخلص منها نوع من السكر ونوع من الخمر.

شاب يترنح من السُّكْر:

القرية الثالثة والعشرون: تسمى: "فُلْكَهَا مُلاَ" ورأينا في شارعها شاباً يترنح من السكر، وكان قريباً من السيارة وسقط على يسار الشارع، ثم قام واقفاً ونظر إلينا وكاد يسقط أمام سيارتنا وهو يضحك ولكن الله سلم، وكان ذلك بعد أن كتبت شجرة "كِتُلْ" التي يستخلص من زهرها الخمر، فناسب المقام المقال وطابق الاسم المسمى.
وهذا الطريق كان طريقاً فرعياً على يسار الشارع العام، مال بنا الإخوان إليه، لنرى خلال مشينا فيه مزارع الشاي على طبيعتها، وكذلك أشجار القرنفل والفلفل الأسود والبن والهيل وغيرها، وقد أمضينا في الشارع الفرعي ساعة إلا ربعاً تقريباً، ثم التقينا الشارع العام بعد أن رأينا ما تفعله أم الخبائث بالعقول البشرية.
القرية الرابعة والعشرون: تسمى: "فِيْرَا دِنْيَا" وقد شيدت بها جامعة سيلان المشهورة في آسيا، والمسلمون في هذه القرية قليلون، وكذلك الهندوس، وأغلب سكانها من البوذيين وفيها أطول أنهار سيلان ويسمى: "مَهَاوَلِيْ قَنْقَا" وهو يخترق الجزء الغربي من حديقة الزهور، والشمال والشرق، فهي بالنسبة لهذا النهر شبه جزيرة، وتقع الحديقة والجامعة على اليمين. وفي هذه القرية مستشفى مشهور بناه اليابانيون قرب الجامعة، وبها معبد للبوذيين لا يتجاوزه الناس حتى يرموا له قرباناً من النقود، وقد وقف سائقنا ورمى له كغيره، ويحكون لهذا المعبد معجزة خرافية، يقولون: إن الفيضانات غطت جميع الأرض المجاورة له سنة 1948م، ولكن المعبد بقي سليماً. ويوجد في هذه المدينة مركز للبهائية. ثم دخلنا مدينة "كَنْدِي".