في مدينة ولنجتون
في مدينة ولنجتون
هبطت بنا الطائرة في مطار ولنجتون في الساعة الرابعة والنصف بتوقيت أستراليا ـ السادسة والنصف بتوقيت نيوزيلندا ـ فكانت مدة الطيران من مدينة مالبورن إلى ولنجتون ثلاث ساعات ونصف الساعة.
كنا نفكر: هل سنجد من يستقبلنا ممن يجيد اللغة العربية، ويفيدنا في الترجمة بيننا وبين من سنلتقي بهم في هذه الدولة النائية في جنوب شرق الأرض التي لا توجد بعدها دولة..!
أمطري حيث شئت فسيأتينا خراجك:
عندما بدأنا أطللنا من باب الطائرة قبل النزول منها، شاهدنا رجلاً هندياً وجهه معروف عندنا، لأنه تخرج في الجامعة الإسلامية، ولكن اسمه غائب عنا، فقلت في نفسي: لقد أصبح طلاب جامعتنا مثل الخلافة الإسلامية في عهد هارون الرشيد الذي يحكى عنه "أن سحابة مرت بعاصمة الخلافة ولم تمطر على أرضها، والناس في حاجة إلى المطر، فقال مخاطبا لها: أمطري حيث شئت فسيأتينا خراجك".
فما وطئت قدماي بلداً في أسفاري الكثيرة، إلا وجدت بها غالباً بعض طلاب الجامعة الإسلامية.
فكان في استقبلنا في المطار الشيخ خالد كمال حافظ، وهو من طلاب الهند الذين تخرجوا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ـ سيأتي التعريف به ـ والشيخ حاج سلامت، وأصله من فيجي، والأخ أحمد بابا، وهو رئيس الجمعية في ولنجتون حالياً.
في مركز الجمعية الإسلامية العالمية في نيوزيلندا:
وقد كان أول من أسسها الطلاب المسلمون في نيوزيلندا.
ونزلنا في مركز الجمعية فصلينا المغرب والعشاء في المسجد والتقينا إضافة إلى رئيس الجمعية والشيخ خالد حضرة آدم شاه الأمين العام للجمعية، وهو مهندس كهربائي، ومحمد إسماعيل مستقيم، وأصله بريطاني أسلم في الهند في تاج محل، وسعيد حبيب الله وهو عضو في الجمعية.
وقد بلغهم الشيخ بمهمتنا والجهة التي بعثتنا، وأخبرهم بواجبهم في العلم والعمل والدعوة، وقد عرَّفنا الإخوة بهذه الجمعية وأعضائها ونشاطها فقالوا:
إن أعضاء اللجنة التنفيذية 13 عضواً.
وعدد الأفراد المشتركين فيها مالياً ثلاثمائة.
وهي تقوم بتعليم الأولاد يومي السبت والأحد، ولا يوجد عندهم تعليم رسمي كما يوجد في أستراليا.
وقد أسست الجمعية سنة 1970م، وعدد الجمعيات الإسلامية في نيوزيلندا كلها: خمس.
حسد وصد عن سبيل الله:
وبعد ذلك ذهبنا مع الأخ خالد لتناول طعام العشاء عنده، وكان التلفزيون يبث موضوعاً يتعلق بالمسلمين في نيوزيلندا، فنقل مقتطفات عن صلاتهم في المسجد وخطبة إمامهم، وهو الشيخ خالد، والأذان وطريقة الذبح على هدى الشريعة الإسلامية التي أزعجت المزارعين من المسيحيين، فأخذوا يحتجون على الشركات التي وافقت على ذلك ويقولون: إن عدد المسلمين قليل، ومع ذلك يريدون السيطرة على اقتصاد البلاد، ويجوب بعض المسيحيين المتعصبين الأرض على المزارعين ويحذرونهم من الموافقة على الذبح الذي شرعه الإسلام ويقولون لعامة الناس: إن دينهم فاسد وإذا نفذت تعليماته فإن بركة المواشي ستقل، ويقولون: إن المسلمين يدّعون أن عندهم ديناً وتعاليم والواقع غير ذلك.
فأرادت الحكومة بعرض تلك النماذج من شعائر الإسلام، إظهار أن المسلمين لهم دين وثقافة، وكان المذيع يظهر وجهات النظر المعارضة للإسلام وللطريقة الإسلامية في الذبح، كما يظهر وجهة النظر الموافقة.
وفي هذا الموضوع أذكر ثلاث ملحوظات:
الملحوظة الأولى:
أنه مع الحرص على أن يقوم المسلمون هناك بواجبهم في خدمة إخوانهم في الشعوب الإسلامية، بالإشراف الدقيق على طريقة ذبح المواشي في تلك البلاد بحيث يكون الذبح إسلامياً فعلاً، أقول: إنه مع ذلك يجب أن يشعروا أهل البلاد عدم منافستهم في الاقتصاد باسم الإسلام، لأن ذلك سيؤلب عليهم المتعصبين من المسيحيين الذين يثيرون الجهال عليهم، ويجعلهم يحتجون بأن هؤلاء المسلمين ليس قصدهم التمسك بدينهم ولا نشره بين الناس، وإنما غرضهم استخدامه في المنافسة على الدنيا، وهذه مشكلة تحتاج إلى حل.
الملحوظة الثانية:
أن المسلمين ينقصهم الإعلام عن دينهم، إعلاماً واضحاً بيناً يشرف عليه علماء فقه في الدين وخبراء إعلام، حتى يتمكنوا من تعريف الناس بهذا الدين، فإن كثيراً من أهل أستراليا ونيوزيلندا ما كانوا يسمعون عن الإسلام شيئاً يلفت نظرهم غير أنه دين لأهله ثقافة وحضارة، إلا عندما بدأت أجهزة الإعلام تتحدث عن الذبح الحلال في الإسلام.
وهذا الأمر يحتاج إلى دراسة جادة من المسلمين في أستراليا ونيوزيلندا ومن الدعاة إلى الله في خارجها، وكذلك تجار المسلمين الذين يمكنهم أن يسهموا في المشاريع النافعة للمسلمين، والفرصة متاحة لهذا الأمر في الوقت الحاضر للحرية التي تتيح الفرص هناك مما لا يوجد مثله في بلدان كثيرة ومنها كثير من بلدان المسلمين أنفسهم.
الملحوظة الثالثة:
وسيأتي الحديث عنها في مكانها، وهي التقصير الشديد في نشر الإسلام بين غير المسلمين، لا بالدعوة المباشرة ولا بغيرها إلا ما شاء الله وقليل ما هو.
آخر الدواء الكي:
وبعد ذلك ذهب بنا الشيخ خالد والحاج سلامت خان الذي كان رئيس الجمعية سابقاً في ولنجتون إلى الفندق الذي حجز لنا فيه، فذهبنا نصعد بالسيارات في ملفات الجبال، والبلاد كلها جبلية يحيط بها ماء البحر ويتخللها، فلما وصلنا إلى الفندق وجدناه ما يسمى بـ(الموتيل) وهو يشبه الشقق المفروشة، وعندما دخلنا إلى الغرفة لم تطمئن نفوسنا لها وكان البرد شديداً جداً، وكان الشيخ يحاول بأسلوبه الهادئ إشعار الأخوين بأن الحاجة ماسة إلى فندق نظيف فيه تدفئة كافية، لأن هذا الموتيل لا تظهر نظافة أغطيته، وتدفئته متصلة بالفراش والأغطية حيث يوصل سلك الكهرباء بجهاز التدفئة المتصل بالفراش، ولكن على الرغم من محاولة الشيخ الهادئة، فإن الشيخ الحاج سلامت كان جاداً في بقائنا في هذا الموتيل وهو يمدحه ويثني عليه كثيراً، فقررت أنا أن أصارح الأخوين بأنا لا نستطيع أن ننام في هذا الموتيل، ولا بد من الذهاب لاستئجار نزل في فندق آخر ومع ذلك كان الشيخ الحاج سلامت مصراً على رأيه، فقلت في نفسي: إن آخر الدواء الكي، وقلت للأخ خالد: ترجم للشيخ سلامت وقل له: لسنا مستعدين للنوم هنا، فمضى معنا على مضض، ومن الأمور التي أقنعتنا بذلك إضافة إلى عدم النظافة وعدم وجود التدفئة الكافية، أن صاحب الموتيل كان في حالة تدل على أنه غير متزن والغالب أنه قد شرب من أم الخبائث حتى أسكره الشرب وغطى عقله، وما أكثر شرب القوم للخمر.
فذهبنا نحن والشيخ خالد والشيخ سلامت إلى فندق آخر، قال لنا الشيخ خالد: إن وزير الزراعة السعودي والوفد المرافق له ومنهم السفير السعودي نزلوا به، وهو فندق يقع بسفح جبل يشرف على جزء من البحر والغابات تكسوه من أعلى بل من جوانبه الثلاث غير الجانب الذي فيه ماء البحر وهذا اسم الفندق "TELLEVENY HOTEL". وعندما سألنا الموظف عن وجود غرف في الفندق قال: إنه يمكن أن يحجز لنا هذه الليلة فقط، وغداً لا بد من الخروج منه لأنه محجوز.
فقلنا نحن لا نبقى هنا إلا ليلتين فقط، ولا حاجة للتنقل، فطلبنا منه أن يتصل بفندق آخر يحجز لنا فيه عن طريق الهاتف، فاتصل بفندق آخر وحجز غرفتين لليلتين، وأعطى الأخ الشيخ خالد خريطة المنطقة ودله على مكان الفندق، فذهبنا إلى الفندق ونزلنا فيه آخذين راحتنا بعد رحلة طويلة ومواصلة الاجتماعات والبحث عن الفنادق، حيث خرجنا من الفندق في مالبورن في الساعة التاسعة صباحاً، ولم نستقر في هذا الفندق إلا في منتصف الليل تقريباً بتوقيت نيوزيلندا وفارق التوقيت بينها وبين أستراليا ساعتان.
في حديقة الزهور:
الجمعة 21/10/1404هـ.
جاءنا الشيخ خالد في الساعة التاسعة صباحاً وقال لنا: إذا شئتم أن تذهبوا لجولة في بعض معالم مدينة ولنجتون، فإن ذلك ممكن قبل صلاة الجمعة، فقلنا له: اختر لنا ما تشاء من تلك المعالم.
فقال: نذهب إلى حديقة الزهور، فذهبنا إليها، وهي تشتمل على زهور متنوعة وتحيط بتلك الزهور غابات ملتفة في مرتفعاتها ومنخفضاتها وبها بعض الأشجار الغريبة منها شجرة تسمى (ميلوذيدرن) نظر إليها الشيخ وقال: موز؟ ما هو موز، منقا؟ ما هو منقا. قال ذلك متعجبا! ولها جذع كبير نابت فيه ما يشبه الموز وليس بموز، وقال لنا الشيخ خالد: إن هذه الحديقة هي جزء من الحديقة العامة، وكان وادياً عميقاً والناس عاطلون عن العمل فجاءت بهم الحكومة لتشغيلهم فيها، فملئوا هذا الوادي، وكانت البداية بهذا الجزء من الحديقة قبل 90 سنة.
حاج مثلنا!
وقد حاولنا أن نجد في الحديقة من نسأله بعض الأسئلة المتعلقة بها ـ وكان الهدف محاولة ربط الأسئلة عنها بالتنبيه على قدرة الخالق وألوهيته، من خلال ما أبدع من مخلوقاته ـ فرأينا رجلاً قاعداً على كرسي واضعاً رجلاً فوق الأخرى فقلت: هذا صيدنا اليوم، فذهب إليه الأخ خالد يسأله إن كان عنده استعداد للرد على بعض الأسئلة، فقال: أنا زائر مثلكم قال الشيخ عمر: هو حاج مثلنا. [تشبيها بحالة كثير من الحجاج الذين يفدون إلى بلاد الحرمين، وهم لا يجيدون اللغة التي يمكنهم التفاهم بها مع الناس، وقد يضيعون فلا يجدون من يردهم إلى مخيماتهم وأهليهم إلا المراكز السعودية المسؤولة عن مشكلات الحجيج].
ثم وقفنا أمام شاب يغرس بعض الزهور، فحاولنا أن نسأله، ولكنه كان مشغولاً منهمكاً في عمله، ولم نسمع منه إلا أنه يعمل هنا منذ سنتين، وله في المهنة ست سنوات في البلدية وأنه خبير بالغرس، وانطلق إلى مكتب في الحديقة، فأخرج لنا بعض البطاقات وقال: إن فيها معلومات عن الحديقة ليريح نفسه من هؤلاء الناس الذين لم يكتفوا بالتجول والاستمتاع بالمناظر الموجودة في الحديقة كما يفعل بقية الناس.
في المرصد الفلكي في ولنجتون:
ثم صعدنا إلى قمة جبل ـ يظهر أنه أعلى جبال ولنجتون المجاورة لها ـ وفيه إدارة المرصد الفلكي، وهو يشتمل على أقسام عدة، عرفنا منها: قسم الجغرافيا ـ قسم الزلازل ـ وهو قسم يهتم بمراقبة الزلازل السطحية والعميقة ـ وقسم الطقس وتغيراته ـ وقسم الكواكب والنجوم وغيرها.
وفي قسم مراقبة الزلازل، رأينا الأجهزة وهي تسجل باستمرار حركات الأرض وزلازلها البعيدة، وهي على هيئة خطوط طويلة التعرج، وقريبة، وهي على هيئة خطوط قصيرة متعرجة أيضاً.
وهناك قسم لمعرفة دقة الوقت بالساعات والدقائق والثواني، بحيث يعرف أصغر جزء من الثانية، وكان معنا في أغلب هذه الأقسام الدكتور سميث الذي كلف مرافقتنا والشرح لنا عندما أستاذَنَّا في أن نعرف بعض الأمور وأعطونا رزمة من أوراق تسجيل الزلازل، وجاء الدكتور سميث بسجل الزائرين فسجلنا أسماءنا وعناويننا فيه ويسمى هذا المرصد بمرصد " كاتر CATR". وقد أنشئ سنة 1907م.
والدكتور سميث مهندس تخصصه يتعلق بعلوم الزلازل وأخبار حركات الأرض المتواصلة.
حوار مع نائب مدير المرصد الفلكي:
ثم ذهبنا إلى مكتب مدير المرصد، الدكتور داود، ونائبه الدكتور بدنج، وقد تخصص هذا الأخير في علم الأفلاك في بريطانيا وعمره: 41 سنة، وقد كلفه المدير أن يشرح لنا، ولا شك أن الشرح كان صعباً بالنسبة لنا لأمرين:
الأمر الأول: أنه تخصص دقيق.
والأمر الثاني: أنه عن طريق الترجمة، ولكن حب الاستطلاع كان طاغياً عليناً، وكان أحب إلينا منه تنبيه هؤلاء العلماء الكبار في شؤون الدنيا، على جهلهم بحقيقة الحياة الطيبة حياة الدين والعمل الصالح.
تقصيرنا الشديد في القيام بالبلاغ المبين:
جلس معنا نائب المدير في مكتبه فقلنا للأخ خالد: سله أيمكن أن نسأله بعض الأسئلة، فقال: نعم، فقال له الشيخ: إن ديننا قد حدد أهم وظائف النجوم في ثلاثة: الأول: أنها علامات يُهْتَدَى بها، والثاني: زينة للسماء، والثالث: أنها رجوم للشياطين.
فأجاب على الفور: نحن عندنا آلات من أراد أن يعرف شيئاً عن هذه النجوم يأتي وينظر إليها ويعلم بعض وظائفها.
أما لماذا خلقت فهذا لا ندريه، واستطرد قائلاً: إنا قد استفدنا من كتب العرب القديمة، وما عمل في سمرقند من التفصيل عن الكواكب لم يسبق أن عمل في مكان آخر، وقال: إنه قد سافر إلى مصر كثيراً، وكان يحاول النطق ببعض الكلمات العربية.
ثم سألته قائلاً: هل ترى في هذا الكون دقة؟ فأجاب هذا أمر بدهي لا يحتاج إلى جهد في معرفته.
قلت له: من أين جاءت هذه الدقة وهذا الإحكام؟ فأطرق ملياً، ثم قال: علماؤنا يقولون لنا: لا تفكروا في هذا الأمر، لأنه مما وراء المادة وهو شيء شخصي لا علاقة له بعلومنا.
قلت له: وهل يليق هذا بعقلِ عالمٍ عرف دقة هذا الكون وإحكامه؟
فقال: إذا فكر الإنسان في ذلك لنفسه، يشعر أنه لا بد من وجود شيء وراء هذه المادة المحكمة.
قلت له: وما هذا الشيء؟ هل يمكن أن يكون من جنس هذا الكون؟
قال: لا أدري.
قلت: إن الكون هذا بدقته وإحكامه حادث والحادث لابد أن يكون محتاجاً إلى من أحدثه، ولو كان الذي أحدثه حادثاً لاحتاج أيضاً إلى محدث فلا بد أن يكون المحدث أزلياً أبدياً يفنى الكون ولا يفنى هو، وهذا عندنا في الإسلام يدرسه عامة الناس في القرآن: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ} [الطور: 35-36]. {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]. {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ } [الرحمن: 27].
قال: أنا أحس بذلك أي بوجود خالق واحد لهذا الكون.
قلت له: وإذا كان الأمر كذلك فهل لخلق الله الإنسان في الأرض حكمة؟ ـ أي هل أراد الله منه أن يقوم بشيء؟
قال: لقد سمعنا أن في الأديان أخلاقاً طيبة تجعل الناس يتآخون ولا يعتدي أحد على أحد.
قلت له: إذا تأملت في أجزاء جسمك، كعينيك وإذنيك ويديك ورجليك وقلبك ورئتيك، ودماغك وغيرها، بل في قلمك ونعلك أتجد لها معنى وجدت من أجله؟ قال: نعم بلا شك، وذكر بعض المعاني.
قلت: وإذا كان كل جزء من جسم الإنسان وجد لمعنى، فهل يمكن أن يوجد الإنسان بكامله بدون معنى؟
قال: إنه يبتكر ويعيش فإذا مات انقطع كل شيء عنه.
قلت: وهل يكفي هذا المعنى للإنسان: أن يعيش ويبتكر فإذا مات انقطع كل شيء عنه؟
قال: لا أدري هذا أمر ليس للعلم فيه مجال.
قلت: وإذا لم يصل علم البشر إلى ذلك، فهل يجب رد ذلك إلى الصانع الخالق؟ أليس كل صانع هو أدرى بمعنى صنعته؟
قال: يمكن، وأنا أسأل نفسي دائماً عن سبب وجود الإنسان، وما وصل إليه العلم في هذا العصر، نرى شيئاً غير صحيح فيه وهو وجود السلاح المدمّر، لكن هناك أشياء صحيحة كالكهرباء والأخلاق، وأنا لست متخصصاً في الدراسة الدينية ومع ذلك أقول: لا بد أن يكون في كتب الدين حقائق.
قلت له: إن الحكمة من خلق الإنسان عندنا نحن المسلمين بدهية، وهي عبادة الله تعالى التي معناها أن لا يتحرك الإنسان ولا يسكن إلا حيث يرضى الله، ولذلك فإن كل تصرفاته إذا أرضت الخالق تكون صحيحة.
ثم قلنا له: لقد بلّغناك دعوة الإسلام في الجملة وأنت رجل عالم مثقف، ونخبرك أن كل الكتب السماوية قد حرفت باعتراف أهلها، ولم يبق إلا القرآن محفوظاً وسيبقى كذلك، ولذلك لا يوجد دين حق إلا الإسلام، ولا طريق إلى النجاة من النار ودخول الجنة إلا طريق الإسلام، فهل عندك استعداد للقراءة في كتب الدين الإسلامي لعلك تجد فيها ما يقنعك بالإسلام فقال: نعم، ولكن سمعت أن القرآن لا يمكن أن يترجم عندما كنت في مصر.
قلنا له: نعم لا يترجم نفس ألفاظ القرآن ولكن تترجم معانيه بتفسيرها، بحيث تقام الحجة على قارئها ثم اتفقنا معه أن نراسله ببعض الكتب ليقرأ عن الإسلام لأنه لم يسبق له أن قرأ عنه وكان سمع عنه، وقرأ ما يتعلق بالعلوم التي تخصص فيها بعض علماء المسلمين.
وقد سلمه الأخ الشيخ خالد ترجمة معاني القرآن الكريم وبعض الكتب المترجمة، وطلبنا من الأخ خالد أن يواصل مراسلته بما يمكنه من الكتب التي تشرح معاني الإسلام باللغة الإنجليزية.
ما اتضح لي من المناقشة مع هذا الرجل في هذا الموضوع الأمور الآتية:
الأمر الأول:
أن كثيراً من الناس، وبخاصة المثقفين منهم وعلماء، يكون عندهم استعداد لسماع ما تضمنه الإسلام في القرآن والسنة عن الآيات الكونية ودلالتها على وجود الخالق سبحانه وتعالى ووجوب عبادته وحده لا شريك له.
الأمر الثاني:
أن التأثير في أمثال هؤلاء القوم، يكون عن طريق ما تضمنه القرآن الكريم من التنبيه إلى الآيات الكونية التي بثها الله في آفاق السماوات والأرض، وهي التي تخضع عقول هؤلاء القوم للإقرار بها، كما أخضعت العرب في الجاهلية بلاغةُ القرآن وفصاحته، وللإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية مجالاته وتأثيره في هذا الصدد.
الأمر الثالث:
أن الذي يمكنه الله تعالى من بعض المعارف في الإعجاز العلمي، لا بد أن يكون متمكناً أيضاً من لغة القوم الذين يتفاهم معهم، لأن ذلك أجدى وأقرب إلى وصول المعاني المقصودة إلى نفوسهم من الترجمة، فإذا لم يتيسر ذلك فلا بد أن يوجد المترجم المتمكن من اللغة ومن فهم المصطلحات المبثوثة في ثنايا المناقشة والحوار.
الأمر الرابع:
تقصير المسلمين الشديد في القيام بالبلاغ المبين إلى العالم.
الأمر الخامس:
إن هؤلاء العلماء الكبار في تخصصاتهم المغرورين بعلومهم سرعان ما ينكشف لهم جهلهم الفاضح في أغلى شيء في الحياة، وهو الإيمان وما يترتب عليه في هذه الحياة من سلوك.
ثم ودَّعَنا نائب المدير المذكور بعاطفة جياشة، وقد ظهرت عليه علامات الرغبة في المزيد من الأسئلة والمناقشة في هذه الأمور، بل لقد كان يقول للمترجم: قل له يزيد من هذه الأسئلة والأمثلة.
وهذا ما أكد لي ضرورة إظهار الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة، على أساس من التدقيق والتمحيص الذين يوصلان إلى المقصود، دون إفراط في إثبات قضايا أو نظريات غير ثابتة قطعاً.
وللشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني اليمني جهود موفقة في بعض أبواب الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة، ظهرت بعض ثمارها في المؤتمرات والندوات والبحوث التي عقدت لذلك، في المملكة العربية السعودية وخارجها، وقد اطلعت على شيء من ذلك بسبب مشاركتي للرجل في كثير من نشاطه في هذا المجال وكنت مندوباً معه من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
ولقد سمعت كثيراً من طلبة العلم يتنكرون هذا الأسلوب ويقولون: يكفي في الدعوة إلى الله الكتاب والسنة.
ولعمر الله إنها لكلمة حق، ولكنها تحتاج إلى بيان. إن الإعجاز العلمي الذي نريده هنا إنما هو الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وكتاب الله تعالى معجز في كل عصر، ولذلك كان حجةَ الله على عباده، فإذا كان أعجز العرب بفصاحته وبيانه وأسلوبه، فإنه معجز لمدعي العلم في علمه في كل مجال، ولذلك أجهد بن القيم رحمه الله تعالى نفسه فأظهر كثيراً من ذلك الإعجاز ـ وإن لم ينص على لفظ الإعجاز ـ في كتابه القيّم: مفتاح دار السعادة، وإني أنصح طلبة العلم الذين عندهم عجز في هذا الباب مثلي، أن يحاولوا التعرف على هذا الباب ليكون لهم سلاحاً في دعوة الناس في هذا العصر، فإذا لم يقدروا على ذلك فليدعوا السيف في يد صاحبه الذي أخذه بحقه، ولا يكونوا ـ مع عجزهم ـ مناوئين لما يجهلون.
في المتحف الأثري بمدينة ولنجتون:
كان وقت صلاة الجمعة يقترب، والشيخ خالد هو خطيب المسجد وإمامه، فأسرعنا بعد انتهائنا من المرصد الفلكي إلى المسجد، وكان الجو مغيماً والمطر تارة ينهمر بغزارة وأخرى ينزل رذاذاً، ولكنه في هذا الوقت كان صحواً أو قريباً من الصحو، فرأينا بناءً عالياً في طريقنا شبيهاً بالبرج، بجانب مبنى قديم، سألنا الشيخ خالد عنه، فقال: إنه المتحف الأثري في هذه المدينة.
ثم عرج بنا إليه قائلاً: الأفضل أن تطلعوا عليه ولو بمرور سريع، فشكرناه على ذلك، وكانت الساعة آنئذ الثانية عشرة ظهراً، لذلك كان مرورنا سريعاً جداً، ورأينا في هذا المرور السريع في مدخل المبنى على اليمين صورة مجسمة تمثل أهل البلد الأصليين والسفن التي كانوا يستعملونها والأسلحة، والآلهة التي كانوا يعبدونها وهي من الخشب والأحجار ووجدنا عينات محنطة من الطيور والحيوانات الموجودة في البلد برية وبحرية، وسيارة فرنسية: (بيجو) موديل 1903م، ثمنها 245 جنيها أسترالياً، وتحفا أثرية أخرى لم نستطع الوقوف أمامها لتسجيل أسمائها وأنواعها وأشكالها.
بعض السفراء العرب والقدوة الحسنة!
ثم ذهبنا إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة، وفي طريقنا إليه كانت مناسبة ذكر السفارات الموجودة في نيوزيلندا من الشعوب الإسلامية فقال الشيخ خالد: إنه توجد ثلاث سفارات هي سفارة ماليزيا وسفارة إندونيسيا وسفارة مصر، وذكر أسفه الشديد لعدم حضور أعضاء السفارة المصرية في المناسبات حتى المفروض منها كصلاة الجمعة.
وفعلاً رأينا بعض أعضاء السفارتين الإندونيسية والماليزية أمام المركز وهم ينزلون من سياراتهم إلى المسجد، ولم نر أحداً من أعضاء السفارة المصرية، وهي قدوة سيئة من موظفي بلد مسلم كان الواجب أن يكونوا قدوة حسنة وسفراء للإسلام، قبل أن يكونوا سفراء لحكوماتهم، ومصر هي بلد جامع عمرو بن العاص والجامع الأزهر ومساجد الأئمة والمصلحين والأمراء.
صلاة الجمعة:
وقد خطب الشيخ خالد خطبة الجمعة: قدم جملاً فيها باللغة العربية، ثم استمر يخاطب الناس بلغتهم العامة وهي الإنجليزية، وبعد صلاة الجمعة ألقى الشيخ عمر فلاتة كلمة في الحاضرين تضمنت التنبيه على نعمة الإسلام ووجوب شكرها، بالعمل الصالح والدعوة إلى الإسلام.
جولة في ضواحي ولنجتون:
ثم ذهبنا إلى بيت الشيخ خالد لتناول طعام الغداء، ثم قمنا بجولة طيبة على شاطئ البحر (المحيط الهادي) ثم ذهبنا بعد ذلك إلى قمة جبل تعتبر أعلى مكان في ولنجتون، ويجثم عليه مدفع قديم استعمل في عدة حروب، صنع في سنة 1877م، وكان الجو بارداً ولكنا صبرنا حتى أشرفنا على المدينة، ناظرين في كل جهة منها، وهي مدينة جبلية تفصل بين حاراتها بعض الخلجان. [ولم أكن في هذه الرحلة وما سبقها أهتم بالتصوير، بل كنت أميل إلى تحريمه، وهذا هو سبب وجود صور توضح الأشخاص والمعالم التي تمت زيارتها، وقد تلافيت ذلك فيما تلاها من الرحلات، توثيقاً لما يذكر في المذكرات].
وفي الساعة الثالثة والنصف قفلنا راجعين إلى الفندق، وفي طريقنا إليه مررنا بالمكتب السياحي في المدينة، وله فرعان أخذنا منهما بعض الخرائط والإصدارات التي يوزعونها مجاناً وأوصلنا الشيخ خالد إلى الفندق وذهب إلى منزله.
الاجتماع بزعماء الجمعية الإسلامية في ولنجتون:
وجاء إلينا قبل الساعة السابعة، فنقلنا إلى المسجد حيث التقينا في الساعة السابعة رئيس الجمعية وبعض أعضائها.
رئيس الجمعية هو: الشيخ أحمد بابا كما تقدم، ومعه الأستاذ مظهر شكري، وهو أول مبعوث من قبل المسلمين في نيوزيلندا إلى أول مؤتمر إسلامي عقد في مكة المكرمة منذ ثلاثين سنة، والدكتور أشرف شودري، وهو رئيس الاتحاد الإسلامي في نيوزيلندا، وكذلك الشيخ الحاج سلامت.
وقالوا: إنه يوجد في نيوزيلندا ثلاثة آلاف مسلم، وفيها خمس جمعيات إسلامية: إحداها في العاصمة (CHRISTCHURCH).
والثانية في: (HAMILTON).
والثالثة في: (AUCKLAND).
والرابعة في: (PELMERSTON ـ NORTH)، والثلاثة الأخيرة كلها في الجزيرة الشمالية.
والخامسة أيضاً في الشمالية في ولنجتون (WELLINGTON).
والأولى وهي العاصمة في الجنوبية، وتوجد نواة لجمعية سادسة في دونيدين (DUNEDIN) وهي في الجنوب الشرقي للجزيرة الجنوبية.
وأغلب المسلمين في أوكلاند، وقد أسسوا جمعيتهم في سنة 1950م ويليها العاصمة التي بدأ العمل فيها سنة 1960م وفيها أسست رسمياً، وأما المدن الثلاث الأخرى فبدأ العمل فيها وتأسيس الجمعيات بعد عام 1970م.
قالوا: وقد فكرنا في إيجاد اتحاد للجمعيات وبدأ تأسيسه في سنة 1979م، وهو يهتم بكل الشؤون الإسلامية وحل ما يعترض المسلمين من مشكلات في الداخل وفي الخارج، وكل جمعية ترعى مصالحها في داخل محيطها.
والمشتركون في تكوين الجمعيات هم من المهاجرين من فيجي والهند وأوروبا والبلدان العربية وغيرها.
وقد دخل في الإسلام من الأوربيين والنيوزيلنديين مائة نفر تقريباً. وعدد المسلمين في ازدياد، ولكن الأولاد الذين ينشأون في هذا البلد يحتاجون إلى من يعلمهم ويربيهم التربية الإسلامية، وقد تم بفضل الله ثم بمساعدة المسلمين بناء مسجد في أوكلاند، وأسس مسجد في العاصمة ولم يكمل، وقد وافقت المملكة العربية السعودية على إكمال البناء بثمانمائة ألف ريال، وسيشترى مركز في بالمرستون نورث قريباً تحت إشراف الجمعية.
وقد حاولنا تعيين مسؤول عن الدعوة، وهو من أول الواجبات علينا وأعطيناه صلاحيات لوضع البرنامج، ودراسة كيفية إبلاغ الإسلام لغير المسلمين في نيوزيلندا.
قالوا: ونحن نشكركم على زيارتكم ونطمع أن تزودونا بالكتب والنشرات الإسلامية ليأخذ مَن في هذا البلد فكرة عن الإسلام.
والبلد معروف بإنتاج اللحوم، وهي أكبر مصدِّر للبلدان الإسلامية، وكانت من قبل تصدر اللحوم التي لم تذبح دوابها على الطريقة الإسلامية أو لم تعرف طريقة ذبحها.
وقبل ثلاثة أشهر طلب أهل الإمارات العربية والكويت أن يشرف الاتحاد الإسلامي على طريقة الذبح لما يصدَّر إليها، وأن لا يقبل هناك إلا ما صدَّق عليه الاتحاد.
وقد تم الاتفاق على ذلك مع الحكومة هنا وقد حرصنا على ذلك لئلا تصدّر إلى إخواننا المسلمين اللحوم المحرمة، وليس ذلك من أجل المال فإن رزقنا نناله مما كتب الله لنا من أعمال.
وقد كان الشيخ الحركان أمين الرابطة المتوفى رحمه الله أعطانا صلاحية التصديق على اللحوم، ولكن الحكومة هنا رفضت عندئذ، ولذلك إذا أمكنكم أن تبلّغوا المملكة العربية السعودية بذلك لتتفق هي مع حكومة نيوزيلندا، لأنها تستطيع أن تشترط ذلك ويكون طريق الإشراف واحداً.
وإذا ما أُعطِينا هذا الحق، فإنا نؤكد لكم أننا سنطبق كل الشروط اللازمة لِحِل اللحوم، وفي هذا مساعدة للمسلمين في نيوزيلندا وتقوية لهم.
وهذه إيران تشرف على الذبح فيما يخصّها، وقد أسست مكتباً هنا منذ أربع سنوات لتسيطر على المسلمين وتنشر عقيدتها بينهم، وتجعلهم يوالونها وقد نجحت مع بعضهم، وبناء على ضغط إيران الاقتصادي على المسلمين نرى من المصلحة أن تنفذ الدول العربية وبخاصة السعودية هذا الاقتراح، ليحصل صيانة المسلمين من الأفكار الدخيلة على الإسلام أو ليحصل توازن على الأقل وإلا فإن إيران ستنجح في بث فكرتها.
وعددنا هنا قليل، ولكن كوننا مسلمين يجعلنا مرتبطين بالمسلمين في الخارج، فإن حصل خير للمسلمين في الخارج كان لنا فيه نصيب، وإن حصل غير ذلك كان لنا فيه أيضاً نصيب، وجولاتكم هذه تقوينا وترفع معنوياتنا ونرجو أن تتكرر هذه الجولات، وبخاصة من المملكة العربية السعودية ونحن مستعدون للترحيب بأي قادم ومساعدته. [كل هذا الذي مضى هو كلام رئيس الاتحاد].
وقال الأمين العام: إضافة إلى ذلك فإننا نحاول أن نقوي أنفسنا ونعمل ما ينفع المسلمين ويوحدهم، والسبيل لزيادة عددنا هو إنجاب الأطفال ولكنهم يحتاجون إلى تربية وتعليم، ومن أسباب تكثيرنا تبليغ الدعوة لغير المسلمين ليدخلوا في الإسلام، ولنا برنامج لهذه الأسس الثلاث.
ونيوزيلندا مفتوحة لكل الناس من مختلف البلدان ونحن نود أن نستقبل المهاجرين من المسلمين ونشرف عليهم، وإذا كان في المملكة العربية السعودية خبرة في تلقي المهاجرين وتوجيههم أو مساعدة مادية كإسكانهم، فإننا نود أن نُزَوَّد بتلك الخبرة لنتمكن بذلك من نشر الدعوة، وحاجتنا إلى الدعم المعنوي أكثر من حاجتنا إلى الدعم المادي ـ حتى لا يظن أهل البلد بأنا هنا وحدنا ـ، بل وراءنا من يدعمنا ويتفقد أحوالنا.
وقضية الإشراف على اللحوم من هذا الباب، فإننا لا ننتفع منها مادياً، والمفتشون تدفع رواتبهم من قبل هيئة اللحوم العليا، ونحن لا نتدخل في شيء من ذلك، وإنما غرضنا المساعدة.
وقال رئيس الجمعية: من مشاكلنا قلة العدد، ففي العاصمة ثلاثمائة مسلم، وهناك آخرون غير ثابتين يجيئون ويذهبون مثل الطلاب، ومع قلة عددنا فإننا أقوياء إن شاء الله بإيماننا وعملنا وثقتنا في الله ثم في إخواننا المسلمين في الخارج.
ومن مشاريعنا إقامة المسجد الذي أسس في العاصمة وهو أول مسجد ينشأ فيها، ونريد أن تكون معه مرافق تفيد المسلمين وأبناءهم كالمدرسة والمكتبة ومواقف السيارات ودار الإمام.
وقلة عددنا لا تمكننا من القيام بهذه المشاريع وحدنا، ولذلك اضطررنا أن نقترض من البنك، ولعلكم تجيئون مرة أخرى فتجدون في هذا المكان مسجداً ومرافقه على المستوى المطلوب، وليس عندنا فقه في الدين ولا وقت لتربية أولادنا، ولذلك فإنهم يتربون في بيئة فاسدة يحتاجون إلى جهود كبيرة في تعليمهم وتربيتهم.
ومن المشكلات التي ستضاعف علينا الخسارة، ما سمعناه من أن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، قد عزمت على نقل خدمات إمامنا الشيخ خالد إلى الهند، وهو قد عرف البلد وألف المسلمين هنا وألفوه ونحن في حاجة إلى المزيد من الدعاة الذين إذا جاءوا وجدوا قبلهم من له خبرة يساعدهم على السير في دعوتهم على بصيرة، وإذا جاء شخص جديد بدل الشيخ خالد فإنه يحتاج إلى وقت طويل حتى يتعرف على أحوال المسلمين، وقد تطول المعاملة فلا يأتي البديل إلا بعد وقت طويل، ونحن نبقى بدون إمام ولا معلم لأولادنا، والشيخ خالد يجيد اللغة العربية والأردية وهو ينفع المسلمين الآن في هذه المدينة وفي غيرها من مدن نيوزيلندا. فنرجو أن تساعدونا في بقائه عند المسؤولين في الرئاسة، وقد أرسلنا برقيات وخطابات بهذا الصدد ولم يرد لنا جواب إلى الآن.
وقال حضرة آدم أمين عام الجمعية سائلاً: هل تساعدوننا في هذا الموضوع؟؟ وقد أجاب الشيخ عمر على هذا الشرح المفصل عن الجمعيات والاتحاد والمشاريع والطلبات والتساؤلات بما خلاصته:
أولاً: بالنسبة للشيخ خالد سنسعى في بقائه عند المسؤولين وسنحمل خطاباتكم إن شئتم بهذا الصدد.
ثانياً: فيما يتعلق باللحم الحلال عندكم السفير السعودي يمكن أن تتفاهموا معه ونحن سننقل رغبتكم إلى سعادة السفير وغيره.
ثالثاً: ما يتعلق بالمشاريع والمساعدات يمكنكم أن تذهبوا بأنفسكم إلى المملكة ودول الخليج، وإذا علموا أنكم بدأتم العمل فإنهم لا يتأخرون عن مساعدتكم، وقد ساعدت المملكة العربية السعودية كثيراً من المسلمين ولا زالت، وحَمَّلهم المسؤولية عن مواصلة العمل وتربية أولادهم ودعوة الآخرين إلى الإسلام.
وقال لهم: إن قضية إيران من أخطر القضايا في نيوزيلندا وغيرها، وهي في الحقيقة تسعى لنقل السنيين إلى عقيدة الشيعة فعليكم التيقظ والحذر.
قالوا: إن بيننا وبين الاتحاد الإسلامي في أستراليا وفيجي وماليزيا المشرفة على الدعوة في جنوب المحيط الهادي، تعاونا، و قد أنشئ مجلس جنوب المحيط الهادي للدعوة الإسلامية وفيه 17 دولة من الأعضاء. [يعرف اختصاراً بـ(ريزاب) وقد ذكرت معلومات عنه في الجزء الخاص بماليزيا].
ثم شكرناهم على ما يقومون به من جهود في الدعوة وصيانة المسلمين من أخطار الكفر والبيئة الفاسدة، وأن عليهم أن يشكروا الله على ما هيأهم له من خدمة دينية.
معلومات مختصرة عن نيوزيلندا:
كان بين أعضاء الجمعية الحاضرين الأستاذ عبد الرحمن خان، وهو يعمل في قسم الإحصاء في وظيفة حكومية، تخصصه في التاريخ والعلوم السياسية ـ وأخوه عبد الرازق خان مدير الدعوة في الاتحاد ـ ونظراً لتخصص الأخ عبد الرحمن طلبت منه أن يذكر لي نبذة مختصرة عن نيوزيلندا.
فقال: إن الموريين وهم سكان البلاد الأصليين وصلوا إلى نيوزيلندا من جزيرة: تاهيتي، وهي في شمال شرق نيوزيلندا بينها وبين أمريكا، وكان ذلك في عام 1200م من تاريخ الميلاد تقريباً.
اكتشفت نيوزيلندا عن طريق البحار الهولندي (إيبل تسمان) في عام 1605م.
الاسم (نيوزيلندا) مشتق من زيلندا، وهي منطقة معروفة في هولندا أي زيلندا الجديدة [وهذه حال الأوربيين إذا فتحوا بلاداً أكثروا من ذكر أسمائهم وأسماء بلدانهم فيها لتبقى ذكراهم إذا أجلوا منها].
سماها الموريون: آوتي أروى، أي السحاب الطويل الأبيض.
بدأ وصول الأوربيين في بداية عام 1700م، وكانوا أولاً صيادي أسماك والذي اكتشفها هولندي، ثم تردد عليها بعد ذلك الإنجليز والفرنسيون.
اكتشفت مرة أخرى من قبل جيمس كوك، البحار المعروف الذي اشتهر بالكابتن كوك ـ دار حول الجزر النيوزيلندية كلها وعمل خريطة لها، وجاء إليها ثلاث مرات ما بين 1769م ـ 1778م [سبق شيء عن كابتن كوك في 18/10/1404هـ في رحلة استراليا من هذا المجلد].
أسست في إنجلترا شركة باسم نيوزيلندا في بداية عام 1800م وهدفها تشجيع البريطانيين للاستيطان في هذه الجزر.
جاء المبشرون المسيحيون وأقاموا الكنائس وبشروا بالمسيحية بين الموريين.
بدأ الإنجليز يحصلون على الأراضي من الموريين بطرق شتى في عام 1840م، عن طريق الهدايا الزهيدة، فقد حكي أنهم أخذوا في مقابل إهداء المشط آلاف الهكتارات، وكذلك عن طريق المرآة التي لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك وقد فرحوا بها فرحاً شديداً عندما رأوا وجوههم لأول مرة فيها، وتارة عن طريق القوة والسيطرة.
وبدأت في نفس هذا العام 1840م الحرب بين الإنجليز والموريين وخسر الموريون وفاز الإنجليز لما عندهم من قوة وإمكانات لا تتوافر للموريين ومن هذا العام أصبحت نيوزيلندا مستعمرة بريطانية.
لا توجد للموريين لغة مكتوبة، والجزيرة الجنوبية أكثر برودة من الشمالية، ففضل الموريون أن يسكنوا في النصف الشمالي من الجزيرة الشمالية.
المعاهدة التي كتبت بينهم وبين الإنجليز باللغة الإنجليزية، ولم يكن مضمونها معلوماً لهم، لأن الإنجليز كتبوا بلغتهم ما أرادوا، ولما زارت الملكة نيوزيلندا وعرفت حال الموريين في عام 1965م سألت الحكومة: هل أنتم متحققون أن الموريين فهموا مضمون هذه المعاهدة؟!
نقص عدد السكان الأصليين وأسبابه:
وقد نقص عدد الموريين بعد الحرب إلى سنة 1900م لأسباب:
السبب الأول: الحرب.
السبب الثاني: انتشار الوباء بينهم بسبب مجيء الأوربيين جاءوا معهم ببعض الأمراض التي لم يألفها الموريون، كالزكام والسل وغيرهما من الأمراض، وكذلك استعمال الخمر، مع قلة العلاج أو عدمه.
السبب الثالث: احتمال أن الأوربيين قتلوهم بالسم وبعد سنة 1900م بدأ عددهم يزيد حتى أصبح الآن 10% من عدد السكان.
وأخذ الأوربيون يفدون للاستيطان في نيوزيلندا وكذلك الصينيون.
وفي أوائل هذا القرن بدأ الهنود أيضاً يفدون إليها.
وفي سنة 1933م استقلت نيوزيلندا، ولكنها ما زالت تجعل ملكة بريطانيا رمزاً لها.
وذكر الأخ عبد الرحمن نسبة السكان من الأجناس المتنوعة، فقال:
الموريون: 10%.
الصينيون: 6%.
الهنود: 5%.
ومن الجزر المجاورة: 5%، والباقون أوربيون، ونسبة البريطانيين من الأوربيين 90% تقريباً.
عدد السكان كلهم: ثلاثة ملايين ومائتا ألف بالضبط.
عدد اليهود: خمسمائة يهودي من بريطانيا وألمانيا وبولندا وروسيا.
هذا البلد من البلدان الجميلة لما حباها الله به من جمال الطبيعة، وهي ذات نظام دقيق ونظيفة، وتشتهر بطائر خاص يقال له: كيوي، ينام في النهار، ويتحرك في الليل، وله جناح ولكنه لا يطير، وهو شعار نيوزيلندا كما أن شعار أستراليا الكنجارو. [هذا الوصف ينطبق على الخفاش، ولكن الخفاش يطير].
يوجد من الشيوعيين ثلاثون شخصاً فقط، وهم الذين يسمون أنفسهم الحزب الاشتراكي، ولم يزد عددهم منذ عشرين سنة.
هذه آخر المعلومات التي ذكرها لنا الأخ عبد الرحمن، وكان يمليها من ذاكرته كأنه كمبيوتر ـ ما شاء الله! ـ وكان الوقت ضيقاً ولولا ذلك لكنا أخذنا منه معلومات أوسع.
وقال بعض الحاضرين: إنه في سنة 1860م، وصل عشرون من مسلمي الصين للبحث عن المعادن الذهبية والعمل في مناجمها، ومات هؤلاء المسلمون كلهم. وفي أول هذا القرن بدأ المسلمون يفدون إلى نيوزيلندا ووصل بعد الصينيين أسرة تسمى أسرة الأمير علي ـ أحد أمراء الحبشة ـ أسرة ملكية ـ هرب الأمير من اضطهاد الملك الحبشي المسيحي في ذلك الوقت جاءت به الحكومة البريطانية حماية له، ولكن ذريته أصبحت مسيحية كلها. [هكذا قيل: إن الحكومة البريطانية جاءت به لحمايته وحماية أسرته والمعروف عن بريطانيا أنها من أشد المناصرين للحبشة على المسلمين من قديم الزمان ولا زالت. والظاهر أنها أبعدت الأمير علياً وأسرته، ليخلوا الجو لملك الحبشة من جهة، وليلقى أبناؤه مصيرهم المحتوم وهو الذوبان في المسيحية!!!].
وفي آخر الجلسة قال أمين الجمعية الشاب حضرة آدم: إننا في حاجة نحن الشباب المسلمين في هذا البلد، إلى مساعدتنا في إعداد منهج يحقق لنا فهم مبادئ الدين الإسلامي ونشر الدعوة بين المثقفين.
والحقيقة أن مسؤولية هذا الطلب تقع على الجامعات الإسلامية، والمؤسسات الإسلامية، والجماعات الإسلامية المعنية بالدعوة في العالم، ولعل من أقرب الاقتراحات لتلبية طلبهم إقامة دورات متخصصة ذات منهج معد وأساتذة أكفاء ووقت لا يقل عن ثلاثة شهور في كل سنة ليس لشباب المسلمين في نيوزيلندا ولكن في غيرها أيضا كأستراليا.
بسم الله الرحمن الرحيم؟!
السبت: 22/10/1404هـ.
قد يتعجب من بدئي هذا اليوم بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) وتخصيصي إياه بها – دون سائر الأيام ـ، فقد كان لذلك مناسبة في دورة مياه غرف فندقنا الذي نزلنا به في ولنجتون، وهو فندق (برجنس) توجد ثلاث مرايا:
المرآة الأولى أمام الواقف للوضوء. والثانية عن يمينه. والثالثة عن يساره.
وأنا لم أرها قبل ذلك، فإذا نظر الشخص يميناً أو شمالاً رأى أعداداً هائلة من صوره، يخيل إليه أن صفوفها أبعد من مد البصر إذا تحرك تحركت تلك الصور على جانبيه في صفين متقابلين، وكنت أظن أن الشيخ قد تنبه لها، وعندما نزلنا إلى المطعم لتناول طعام الإفطار، ولم يكن موجوداً فيه هذا اليوم إلا واحد من الخدم، لأنه يوم إجازة، فقلت له ونحن نفطر: أرأيت الذين يشاركونك في وضوئك إذا دخلت الحمام؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ومن هم؟! قلت: صفوف يشاركونك كل وقت تغسل فيه يديك أو تتوضأ، قال: أنا اسمي الله وأدخل.
قلت له: وأنا كذلك، ولكن هؤلاء لا يفارقوننا ولو سمينا الله، ويظهر أنهم مسلمون يتوضأون كما نتوضأ، قال: بسم الله الرحمن الرحيم! أنت اليوم جاءك شيطانك، قلت له: سترى ما أقوله لك إذا رجعنا إن شاء الله، قال: أعوذ بالله أن أرى ذلك.
وعندما صعدنا جئته ودخلت معه إلى الحمام وقلت له: انظر فنظر أمامه، فقال: لا توجد إلا صورتان ـ يعني صورتي وصورته ـ قلت له: انظر إلى يمينك ويسارك، فنظر وقال: بسم الله الرحمن الرحيم!
ولكنه عرف السبب فبطل العجب!.
الهنود وبرامج ضيوفهم!
وفي الساعة التاسعة والنصف جاءنا الأخ خالد إلى الفندق، لنقلنا إلى مطار ولنجتون، حاسبنا موظفي الفندق وذهبنا إلى المطار وعندما اقتربنا من المطار تجاوزه إلى مكان آخر ولا ندري ما السبب وعندما ابتعد كثيراً عن المطار سألناه: إلى أين يا خالد! فقال: لقد اتفقنا مع رئيس الجمعية في أوكلاند أن نلغي رحلتكم هذه التي تقلع الساعة العاشرة والنصف إلى الرحلة التي تليها وتقلع في الحادية عشرة والنصف، قلنا: ولم ذلك؟
قال: لأن رئيس الجمعية في أوكلاند سيحضر هنا في اجتماع ويريد أن يجتمع بكم قبل سفركم، وسيبقى إلى المساء ثم يعود إلى أوكلاند. قلنا: ما علاقة مجيئه بإلغاء سفرنا على الرحلة المحددة؟ قال: هكذا قال، بصفته رئيس الجمعية وتعجبنا من ذلك، ولكن الشيخ خالد مضى لسبيله إلى منزل الأخ عبد الرحمن خان وهو يقع على ربوة مرتفعة ويشرف على البحر وتحيط به الغابات، وكان عنده نائب رئيس جمعية أوكلاند، مظهر شكري الذي قال: إنه سيرافقنا في رحلة الحادية عشرة والنصف، ولكنا استعملنا حق النقض "الفيتو".
وفي هذه المرة كان الشيخ عمر على غير عادته في الملاينة والملاطفة قرر عدم القعود، وشد زميله على يده، فكان النصر المؤزر على القرارات التي ألفناها من إخواننا الهنود والباكستانيين، يتشاورون فيما بينهم عن خط سير الضيف النازل عندهم، ولو خالف خط سيره المقرر سابقاً، دون سابق إنذار أو تشاور معه، وقد ذهبنا بسرعة إلى المطار فوصلنا قبل إقلاع الطائرة بخمس دقائق، فأخذنا بطاقات الطائرة وصعدنا، وبمجرد قعودنا أقلعت الطائرة في الساعة العاشرة وخمس وأربعين دقيقة، والحمد لله رب العالمين.
وقد ذكرتني هذه القصة بقصة القطار التي مضى عليها ما يزيد على السنتين وقد حصلت لي وللشيخ صالح بن عبد الله المحيسن (الذي كان عميداً لكلية الدعوة وأصول الدين) [ثم أصبح فيما بعد نائباً لرئيس الجامعة الإسلامية، ثم استقال مفضلاً العمل الحر: (التجارة) على الوظيفة لأسباب هو أعلم بها!]. من مدينة بنارس إلى دلهي وكانت قصة مضحكة ومتعبة في نفس الوقت وسببها مثل هذه التصرفات الاعتباطية:
لقد صعدنا القطار ظانين كما قيل لنا آنذاك أنه تم الحجز فيه، والواقع أن أسماءنا لم تكن مسجلة فبقينا واقفين على أقدامنا ما يزيد على ساعة ونصف الساعة، وموظف القطار يتعجب كيف صعدنا؟ وكان يجادل مرافقنا الذي أحرجه الموقف، وبعد مسافة طويلة يسر الله لنا مقعدين والسفر كان من بعد صلاة العشاء إلى الساعة العاشرة صباحاً تقريباً، ولو لم يتيسر لنا مكان لظللنا واقفين كل تلك المدة! إنهم بدون شك لا يقصدون إلا مصلحتك ولكن عدم التثبت من الأمور والمشاورة فيها قد يوقعك في حرج على كل حال.
السفر إلى مدينة أوكلاند:
أقلعت بنا الطائرة من مطار: ولنجتون إلى مدينة أوكلاند، وكان سيرنا في الغالب على شاطئ البحر الذي توازيه الجبال المكسوة بالغابات الكثيفة، وكانت أشعة الشمس على البحر تجعل أمواجه ذات لون أبيض ساطع، فإذا مرت السحب السوداء صار لون البحر أسود داكناً، وكان سيرنا إلى الشمال، مع ميل قليل جداً في بعض الأحيان إلى الشرق.
ازَّيَّكْ؟!
مر أحد مضيفي الطائرة بجانبنا، وسأل الأخ مظهر شكري عنا فأخبره من أين نحن، وهو شاب طويل يميل لونه إلى السمرة لا يشك من رآه ممن عرف شباب مصر أنه مصري في قسمات وجهه ونظراته وابتسامته وحركاته، فلما رآه الشيخ عمر قال له بسرعة وعاطفة وبلا تفكر: "إزيّك"؟ فلم يفهم الرجل ولكنه ابتسم، قلت للشيخ: أهو مصري؟ قال: والله كأنه مصري، فسألنا الأخ مظهر شكري عن جنسه، فقال: إنه من السكان الأصليين: "الموريين" وكانت العواطف تتبادل النظرات إذا مر من عندنا نظر إلينا ونحن ننظر إليه.
ولقد كان يتابعنا بنظراته، حتى في قاعة مطار أوكلاند بعد أن نزلنا من الطائرة، وقد ذُكِر لنا فيما بعد أن هناك من ذكر من المؤرخين أن أصل الموريين جاءوا من سواحل مصر وليبيا ولعل هذا النموذج دليل على ذلك.
وهبطت بنا الطائرة التي كانت في آخر سيرها تطير على قمم الجبال المكسوة بالغابات التي يداعبها السحاب مشيراً إليها بفضل الله وغيثه المدرار، وكأني بأزهارها تستقبله بالتحية والابتسام سروراً ببشراه. هبطت الطائرة في مطار أوكلاند في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الثانية والثلاثين ـ أي أن مدة الطيران قاربت الساعة ـ.