رحلات أستراليا ونيوزيلاندا وسريلانكا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 21 صفحة
صفحة 15 من 21 (12) في مدينة دارون

(12) في مدينة دارون

(12) في مدينة دارون

في فندق كازينو:

وكان في استقبالنا في مطار دارون: رئيس الجمعية في دارون وإمام المسجد وبعض أعضاء الجمعية، وقد أوصلونا إلى فندق يسمى: كازينو، وهو مأوى ألعاب القمار المتنوعة، وقال الإخوة: إنهم لم يجدوا لنا أي مكان في الفنادق الأخرى، وقد اجتمع فيه المقامرون بالخيل، ولهذا جعل يوم غدٍ الاثنين يوم إجازة لأجل سباق الخيل.
وقال لنا الإخوة: إننا سنصلي غداً المغرب في المسجد ونلقي المحاضرة ونتناول طعام العشاء مع أعضاء الجمعية الذين اتفقوا على ذلك.

معلومات عن الجمعية الإسلامية في شمال أستراليا:

أسست سنة: 1971م.
رئيسها الحالي: محمد نور الحق (مهندس جيولوجي).
نائب الرئيس: محمد أزهر جاويد.
أمين السر: جعفر أحمد.
أمين الصندوق: محمد أزهر جاويد.
هؤلاء مع ستة آخرين هم اللجنة التنفيذية للجمعية.
عدد المشتركين مالياً في حدود مائة شخص.
عدد المستفيدين من الجمعية ثلاثمائة تقريباً.
وهم من الجنسيات الآتية: إندونيسيون، باكستانيون، هنود، أتراك، ألبان، يوغسلاف، مصريون، ماليزيون، سنغافوريون، بنغلاديشيون، أستراليون ـ وعددهم عشرة تقريباً ـ وواحد من روسيا.

نشاط الجمعية:

تدريس القرآن الكريم والمبادئ الإسلامية للأولاد، وعددهم ستون طالباً وطالبة تقريباً، يعلمون الصلاة ويثقفون إسلامياً.
وتقام دورة تدريبية على الصلاة.
وتقام دورة سنوية في سدني للأولاد، يبعثون إليها ليستفيدوا منها.
ولديهم دائرتان رئيسيتان في الجمعية: دائرة التعليم ودائرة السيدات المسلمات، وهن يقمن بالحفلات والثقافة الدينية.
والتعليم في المسجد يوم السبت للصغار، ولا يوجد تعليم ديني للأولاد في المدارس الحكومية لقلة الإمكانات، وتعليم الكبار في يومين، يوم للرجال ويوم للنساء، وخمس وأربعون دقيقة للقرآن الكريم، وخمس وأربعون دقيقة للغة العربية.
والسيدات سيبدأن من الأسبوع القادم في قراءة القرآن ودراسة الدين الإسلامي.
ويقومون بتنظيم زيارات للمسلمين في منازلهم يوم الأحد ويدعونهم إلى الحضور إلى المسجد، والإمام يخطب فيهم، ورئيس الجمعية هو أمير جماعة التبليغ، يقرأ عليهم بعض الكتب في الحديث وغيره.
وأحياناً يستقبلون بعض الزوار الأستراليين وبعض السائحين الأوربيين.
وهم في حاجة إلى الكتب المترجمة إلى اللغة الإنجليزية لتوزيعها عليهم، ويزورهم بعض الطلبة الكاثوليك.
وعندهم مجلة إسلامية، اسمها الأذان باللغة الإنجليزية والإندونيسية، وقد تكتب فيها موضوعات باللغة العربية. ولديهم لجنة رياضية تهتم بالشباب بجانب المسجد، للحفاظ عليهم، وأرض المسجد تبرعت بها الدولة قبل عشر سنوات، وموقعها ممتاز جداً وقيمتها الآن مرتفعة...
والقسم الذي لم يبن من أرض المسجد يخشى أن تصادره الحكومة وهم في حاجة إلى بناء منزل فيها للإمام وأهله، ومدرسة للأولاد.
والمسلمون هنا ليسوا فقراء ويمكن أن تجمع تبرعات منهم ولكنهم لا يبذلون من أموالهم ما يكفي.
وقد دلهم فضيلة الشيخ عمر على كيفية طلب المساعدة لإقامة هذا المشروع، وهو أنهم يضعون له مخططاً هندسياً، ويبعثون إلى رابطة العالم الإسلامي أو أي جهة في المملكة العربية السعودية أو الكويت من الجهات المعنية، ونحن سندعم طلبكم إذا سئلنا.
وقالوا: إن بناء المسجد بدأ سنة 1978م وأكمل في نفس السنة، وأقيمت فيه صلاة الجمعة الأولى في مايو 1979م وكلف بناؤه سبعين ألف دولار أسترالي، وتمم لتجميله أربعون ألف دولار أخرى، فتكون تكلفته الإجمالية مائة وعشرة آلاف دولار، ولا توجد في شمال أستراليا إلا هذه الجمعية. أخذت هذه المعلومات من رئيس الجمعية محمد نور الحق في الفندق‎

أزمة الفنادق التي ملأها المقامرون:

الاثنين: 9/11/1404هـ.
كان هذا الأسبوع موعد اللقاء للمقامرة في أستراليا وما جاورها، كنيوزلندا، وقد اختاروا لهذه المقامرة مدينة دارون هذه، حيث توافدت أعداد كبيرة من كل أنحاء أستراليا ونيوزلندا، واشترك في السباق بعض الأمريكان، ولذلك امتلأت الفنادق كلها في دارون، وحاول الأخ شفيق الرحمن أن يحجز لنا في بعض الفنادق، فلم يتمكن، ثم حجز رئيس الجمعية: نور الحق غرفتين في هذا الفندق ـ وهو من فنادق الدرجة الأولى الممتازة ـ ليلة واحدة فقط وفنادق كازينو مشهورة في العالم لأنها نزل المقامرين، وهي فنادق يكثر فيها الفساد الأخلاقي والصخب الموسيقي والرقص والعري في أحواض السباحة التابعة لها، فنمنا ليلتنا.
واتصل الأخ عبد القدوس إمام المسجد بمدير الفندق، طالباً منه بقاءنا في غرفتينا، نظراً لعدم وجود أماكن في جميع فنادق دارون، فاعتذر له، وبعد إلحاح شديد من الإمام وعده مدير الفندق بغرفة واحدة، فاتصل بنا الإمام وأخبرنا بذلك فاطمأننا، لأنا مضطرون للبقاء في مدينة دارون ليلتين أخريين لأمرين:
الأمر الأول: أن نقوم بزيارة الجمعية ومسجدها، وزيارة بعض الشخصيات الإسلامية فيها.
الأمر الثاني: وهو اضطراري أكثر، أنه لا توجد رحلة إلى سنغافورة التي يمر بها خط سيرنا إلا يوم الأربعاء، ونحن اليوم في يوم الاثنين.
وهناك أمر ثالث نرغب فيه وإن كان غير ضروري ـ وهو التجول في المدينة والتعرف عليها وأخذ تصور عنها.

زيارة رشيد بن عبد الملك بن مروان!

وزارني في الفندق شخص يدعى: هشام بن عبد الملك بن مروان، ـ هكذا قال؟! ـ ولا أدري كيف عرف أننا موجودون هنا، وقال إنه يريد أن يشرح لي أحواله في أستراليا، ويسألني عن بعض أوضاع الدول العربية، وكان في نفسي منه شيء، لذلك لم أجاره في المحادثة… وسألت عنه بعض الإخوة فلم يعرف أحد منهم هذا الاسم!.

زيارة الشيخ عبد القدوس محمد حنيف:

ثم زارنا الشيخ عبد القدوس محمد حنيف، وهو هندي من مدراس في جنوب الهند.
ولد في مدراس سنة 1951م.
درس في مدرسة الباقيات الصالحات في دلهي، وحمل شهادة مولوي، والتحق بمدرسة دار العلوم في ديوبند في شمال الهند غرب دلهي، وأخذ منها شهادة الفضيلة، وهي تعادل الليسانس في الأزهر، وحفظ القرآن الكريم والتحق بالأزهر سنة 1974م وأخذ الماجستير منه سنة 1977م، في اللغة العربية قسم التاريخ والحضارة، وسجل في نفس الكلية في الأزهر موضوع: الإمبراطورية المغولية: نشأتها وخصائصها وسقوطها.
ثم ذهب إلى ليبيا سنة 1977م، وعين داعية ومدرساً للغة العربية والدراسات الإسلامية، من قبل جمعية الدعوة الإسلامية في جزر فيجي، وقام بالدعوة في فيجي ست سنوات، وكان معه محمد إبراهيم وهو من خريجي الأزهر مبعوث دار الإفتاء (السعودية) وأسسا مدرسة، بناءً ومنهجاً، اجتمع فيها أربعون طالباً بعد حملهم الشهادة الثانوية، ولا زالت المدرسة موجودة في فيجي، وكان هو مدير المدرسة، وكان الأخ عبد القدوس نائبه.
وانتقل الشيخ عبد القدوس إلى أستراليا سنة 1982م، ولا زال على وظيفة داعية من قبل جمعية الدعوة في ليبيا.

مع الدكتور يوسف عَصِر:

والتقينا الأستاذ يوسف بن أحمد عصر ـ أستاذ تاريخ الفنون الجميلة في جامعة دارون ـ أخذ شهادة بكالوريوس 1958م، من كلية الفنون الجميلة في القاهرة، وأخذ الماجستير في نفس التخصص من ألمانيا، وماجستير في الفلسفة الإسلامية والفن الإسلامي سنة 1962م من سدني سنة 1974م ودكتوراه من الهند في أثر الفلسفة الإسلامية على فكر الهندوس من جامعة برودة في كجرات، شمال بومباي، وهو يدرس في جامعة دارون من سنة 1972م، وقد أخذنا الأستاذ يوسف في جولة شمال مدينة دارون على ساحل البحر وداخل المدينة وزرنا منزله.
وقال: إن اسم المدينة الأصلي: بالمستوف، وغير اسمها إلى دارون، بعد أن زارها شارلز دارون (صاحب النظرية الداروينية) لمدة أسبوع سنة 1910م.
وعدد سكانها خمسة وستون ألف نسمة.
ويُدرس الأستاذ يوسف الفن الآشوري والمصري، واليوناني والروماني، والسوماتري القديم، وفنون عصر النهضة في أوروبا، وفنون العصر الإسلامي من القرن الثاني إلى سقوط غرناطة.
وقال: إنه أسلم على يديه ثمانية من الطلاب، لأنه يشرح لهم الإسلام عندما يدرسهم الفنون الإسلامية.
وهو يحمل شهادة دبلوم عالي في مقارنة الأديان من معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة.
وقد انتقد سطحية بعض المجلات الإسلامية التي تصدر في بعض الدول الإسلامية، وأثني على مجلات تصدر من بلدان أخرى، [وهو يعني المجلات الإيرانية خاصة] وقال: إن المجلات التي تصدر من بعض الدول العربية يجب أن تكون على مستوى عميق، [وقد حصل بيننا وبينه نقاش طويل لتأثره ببعض أهل العقائد الفاسدة الذين يجهل أصول مذهبهم]. لأننا نحن الأمة التي بعث منها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد مر بنا في وسط المدينة بجوار بيت الحاكم العام في الولاية بشمال أستراليا، ولم نشاهد بجواره أو بباب بيته أي جندي، فسألت الأستاذ يوسف عن ذلك؟ فقال: إن أستراليا من الدول الديمقراطية المتقدمة، وحكامها يختارون اختياراً حراً بدون أي تدخل أجنبي أو تعسفي، ولهذا هم آمنون، والعناصر الموجودة في أستراليا الآن عناصر يقل فيها العنف، ويوجد نوع من التقارب في توزيع الثروة، وليس فيه تفاضل فاحش، كما يوجد في بعض الدول الأخرى المتأخرة، وبهذه الأمور يسود الأمن!

الرجاء إبعاد كلبيك عنا!

ثم أخذنا الأستاذ يوسف إلى منزله، ولدى دخولنا من باب داره كان في استقبالنا كلباه، وكان معنا الشيخ عبد القدوس، وهو مثلي يخاف من اقتراب الكلاب منه، ورجونا من الأستاذ يوسف أن يبعد عن أعيننا الكلبين فأمرهما باللغة الإنجليزية أن يدخلا في غرفتهما فامتثلا أمره.
والمنازل متجاورة لا تفصل بينها إلا الأشجار التي زرعت على هيئة حائط للمنزل.

هل يوجد تواصل بين الجيران؟

وسألنا الأستاذ يوسف: إذا كانت المنازل هكذا كل جار يرى جاره في فناء داره، فهل يحيي بعضكم بعضا ويزور الجار جاره؟ فقال: إنه لا توجد أي صلة هنا مع هذا المجتمع، ولا أحد يحيي أحداً، ولو أنك جئت أحداً منهم في منزله، لقال لك: ماذا تريد؟ وهم قد كرهوا الدين من حيث هو، فهم لا دينيون. [وجهات نظر المسلمين في تقبل الأستراليين للاتصال بهم والتعامل معهم تختلف، وقد خالف: سيد عبد الله السملوطي ما ذكره الدكتور يوسف هنا، كما سيأتي، وفي مقابلاتي للأوربيين ما يدعم رأي الأخ سيد].
وقال الأستاذ يوسف: إن المجتمع متحلل، وقد يبلغ التحلل ذروته في بعض الأحيان، وضرب لذلك مثالاً بأنه توجد منطقة في دارون، تبعد عن الجامع بخمسة كيلومترات، وهي خاصة بالعرايا، ولا يسمح لأحد أن يذهب لهذه المنطقة إلا إذا كان عرياناً، وهو ناد يسمى بنادي الشمس، وله فروع في كل مدينة من مدن أستراليا.
والأستاذ يوسف متزوج بامرأة هولندية مسلمة، وله منها ولد عمره سنتان ونصف السنة، واسمه محمد سالم، وهو يتكلم اللغة العربية والإنجليزية والهولندية إلا أنه في العربية ضعيف.
وأبدى الأستاذ يوسف رغبته في الإقامة المؤقتة في المملكة العربية السعودية، ولو لسنة واحدة، لتعيش امرأته الحياة الإسلامية وتتأثر بها.
هاجر الأستاذ يوسف إلى أستراليا سنة 1967م، وكان رائداً في الجيش المصري، وقال إن سبب نزوحه من بلده أنه صدم بالسياسة الهوجاء التي انتهجها عبد الناصر، وكان له في أستراليا أصدقاء دعوه إليها، وقد قابل قبل ذلك عالماً في الفنون من أستراليا ووجده غير مرتاح للأوضاع في بلده مصر، فنصحه أن يذهب إلى أستراليا، ولو لسنتين فلما جاء أعجبه الوضع في أستراليا وبقي إلى الآن.
وقال الأستاذ يوسف: إن أسرته أصلها من الجزيرة العربية من الحويطات.
ويرى الأستاذ يوسف أن أنجح الوسائل للدعوة أصعبها، وهي أن ينسى المسلمون قومياتهم العصبية، وقال: إن عدد المسلمين في أستراليا أكثر من نصف مليون مسلم، وفي منطقة دارون أكثر من ثمانمائة مسلم، ولكن لما كانت الأغلبية هنا إندونيسيون وباكستانيين وهنوداً في الجمعية، فإن العرب لا يحضرون، والسبب العصبية.
وقال: إن أو ل جمعية قامت في سدني سنة 1968م كانت خليطاً من الجنسيات، وكان عملها جيداً، فلما تعددت الجمعيات باسم البلدان حصل التعصب والتفرق.
الأمر الثاني: لا بد من تنظيم مراكز إسلامية عندها إمكانات وبها مؤهلون كثيرون، يقدرون على القيام بالعمل: مدرس متخصص، وداعية وإمام، والإمام عندنا هو الذي يقوم الآن بكل شيء وذلك فوق طاقته والثمرة تكون قليلة.
ولا بد من مدرسة خاصة بها إمكانات كافية لتعليم الأولاد، وأثنى الأستاذ يوسف على تبرعات المملكة العربية السعودية لمشروعات الجالية الإسلامية في أستراليا.
ولا بد من وجود مكتبة في المركز، تكون فيها المراجع الإسلامية متوافرة، ليتمكن الإمام والمدرس والداعية من المراجعة ليستفيدوا ويفيدوا ويجيبوا على الاستفتاءات.
ولا بد من بيت ضيافة في المركز لاستقبال الدعاة إلى الله، ليختلطوا بالمسلمين بدلاً من نزول الفنادق.
وأكد هذا الشيخ عمر وقال: إن بعض البلدان في إفريقيا إذا نزل الداعية في الفندق لا يزوره فيه المسلمون.
وقال الشيخ عبد القدوس: وكذلك يوجد هذا المعنى في الهند.
ويعني هذا كله: أن هذا المركز يجب أن يكون مجمعاً، فيه كل المرافق التي يحتاج إليها المسلمون.
وضرب الأستاذ يوسف مثالاً: بأن إمام جامع دارون يسكن بعائلته في غرفة واحدة، والمسؤول المسيحي القبطي في سدني يخصص له بيت كبير وسيارة فخمة تغير كل سنتين وحالته المادية ممتازة، وهم منظمون تنظيماً دقيقاً.
وقال الشيخ عمر: إننا قبل إنشاء هذه المرافق نحتاج إلى العالم المخلص الحكيم القادر على قيادة المسلمين وجمع كلمتهم.
وقال الأستاذ يوسف: إن كثيراً من المسلمين فقدوا عزتهم، فقد تجد بعضهم يسمي نفسه باسم مسيحي، من أجل حفاظه على الوظيفة بسبب ضعف الدين في نفسه، ولهذا فإن الإحصائيات الأسترالية ليست دقيقة.
ومع أن عدد المسلمين يزيد على نصف مليون، فإنهم لا وزن لهم في السياسة وعدد اليهود لا يزيد عن خمسين ألفاً، ولهم وزنهم السياسي، مثال ذلك أنه لا توجد في دارون من اليهود إلا أسرتين، وقد أصبح أحدهم وزيراً.
وقال الأستاذ يوسف: إنه على رغم الاختلاف الموجود في أستراليا بين المسلمين، فإن التجمع الذي حصل في السنوات الخمس الأخيرة فيه خير كثير جداً، وقال: نحن لا نحب الخلاف ولكن لا ينبغي أن يخيفنا خطره كثيراً.
وقال الشيخ عمر: أن الخوف من خطر الخلاف أمر لا بد منه، لما فيه من العواقب الوخيمة. [كان الخلاف شديداً في تلك الأيام بين أعضاء الاتحاد، ولكنه اشتد فيما بعد حتى انصدع إلى قسمين، كل قسم له تنظيم خاص كما سمعنا]. وسألت الأستاذ يوسف عن تعرضه لجمال الكون وتناسق خلقه ودلالته على الخالق سبحانه وتعالى، نظرا لما للرسم من أهمية في الفنون الجميلة؟.
فقال: إن مناهج كليات الفنون الجميلة مناهج غربية، ولهذا لا تجد في البلدان العربية المهتمة بالفنون الجميلة تعرضاً لهذا الأمر، وتعلمي للفنون الإسلامية الجميلة إنما حصل في أستراليا، لأن المعلومات متوافرة عن الفنون الإسلامية في البلدان الأجنبية، بخلاف بلداننا فإننا لا نستطيع الحصول على معلومات واسعة في كثير من المجالات التي لا يرضى بها من لهم الهيمنة على تلك البلدان.

زمن إعداد اللوحة الفنية الواحدة!

وقد عرض علينا الأستاذ يوسف بعض لوحاته التي كتب عليها بخطه الجميل بعض العبارات، مثل: بسم الله الرحمن الرحيم، ومثل: الرزق على الله.
وقال: إن اللوحة الواحدة قد يستغرق عملها من الوقت مائة وثمانين ساعة.
قلت: ماذا يجدي عمل مائة وثمانين ساعة في لوحة واحدة ـ يعني ـ سبعة أيام ونصف يوم مع لياليها ـ مهما كان جمال تلك اللوحة ومهما كانت المعاني التي ترمز إليها؟!.
إن حاجة المسلمين إلى تعليم أولادهم في هذا البلد أهم من كل عمل آخر من الفن وغيره.
فاللوحة الجميلة ستبقى في المتحف يقال عنها: إنها من الفنون الإسلامية، وقد يتأثر بها بعض الناس تأثراً يهديه إلى البحث عن الإسلام والدخول فيه، أو تأثراً يجعله يحترم الإسلام والمسلمين، لأن لديهم فنوناً جميلة، ولكن تعليم الطفل المسلم سيُبقي الإسلام حياً على مدى الأجيال، وترك تعليمه سيكون سبباً في انقراض المسلمين، وما قيمة لوحة فنية جميلة إذا لم يترب المسلمون على الإسلام؟!.
وقد سبق أن الأستاذ يوسف نفسه قال: إن إمام المسجد مرهق لأنه لا يوجد من يعينه على تعليم الكبار والصغار من المسلمين.
أما كان الأجدر بالأستاذ يوسف بأن يصرف بعض الوقت في تعليم أبناء المسلمين مبادئ القراءة والكتابة وما يعلمه من مبادئ الإسلام؟!.
نعم: إن هذا العمل أصبح حرفة الأستاذ يوسف، ولكن لا بد من التوفيق بين الحرفة وما تقتضيه الضرورة من المساعدة في تعليم أبناء المسلمين.

فاعتبروا يا أولي الأبصار!

في الساعة الخامسة مساء جاء إلينا الأخ عبد القدوس وتجولنا في شمال المدينة، حتى وصلنا إلى المستشفى الذي قال: إنه أكبر مستشفى في شمال أستراليا، ويوجد به بعض الأطباء المسلمين من الباكستان.
ثم ذهبنا إلى منطقة: "ملك" في شرق المدينة ويعيش بها بعض المسلمين، ومررنا بمنطقة، قال الأخ عبد القدوس إنه يسكن بها بعض أبناء الأفغان، وإنهم يأتون إلى المسجد وأسماؤهم مركبة من أسماء إسلامية وأسماء مسيحية، مثل: ديفيد خان، ويشربون الخمر، ويطلبون المصحف ويزعمون أنهم مسلمون، وأغلبهم قد تنصروا وتركوا الدين الإسلامي أصلاً، لأن آباءهم تزوجوا مسيحيات وماتوا وربتهم أمهاتهم على الدين المسيحي.
قلت: إن في هذا لعبرة لأولي الألباب، الذين يفكرون في مستقبل ما يبذرون من ذرية في أرحام كافرات في بلاد الكفر، لا يوجد من يرعاهم إذا فرق بينهم هادم اللذات، فيكثر بهم سواد أهل الكفر، أما بالنسبة للمسلمين فإن هؤلاء الذرية أصبحوا أعداءهم كغيرهم من الكفار، فاعتبروا يا أولي الأبصار. [الأصل في زواج المسلم بالكتابية الإباحة، ولكن إذا علم أن في زواجه بها ضرراً عليه في دينه أو على ذريته، هل تبقى هذه الإباحة؟ هذا أمر يحتاج إلى بحث واستقصاء لآراء العلماء وقواعد الشرع، ولعل الله ييسر لي ذلك. وقد تم بحمد الله كتابة بحث بهذا الموضوع بعنوان "حكم زواج المسلم بالكتابية في بلاد الكفر" وهو معد للطبع وقد ألقيت خلاصته في محاضرة في الجامعة الإسلامية في 10 ربيع الأول من هذا العام 1407هـ].
ومررنا بالمسجد الجامع في مدينة دارون، وتبلغ مساحة ما بني من أرضه عشرة أمتار في اثني عشر مترا، والملحق به للتعليم والحفلات: عشرة أمتار في ثلاثة عشر متراً، والغرف ودورة المياه ستة أمتار في اثني عشر متراً.
ومساحة المسجد وملاحقه كلها ثمانية وعشرون متراً في اثني عشر متراً.
والأرض التابعة له الباقية بدون بناء مساحتها فدان تقريباً، وهم يخشون إذا لم تبن الأرض الفارغة أن تأخذها الحكومة، لأن النظام يقتضي ذلك إذا مضت فترة بدون استغلال الأرض.

الاجتماع بالمسلمين في المسجد:

صلى بنا الإمام صلاة المغرب وبعد الصلاة اجتمع الحاضرون في القاعة الواقعة بين المسجد ونُزُل الإمام، وهو وراء المسجد وعرف رئيس الجمعية الحاضرين بنا، وقدم الشيخ عمر ليلقي محاضرة وقد حضر الرجال بعوائلهم، والقاعة معدة للاجتماعات بكراسي وطاولات، وقد أحضرت كل عائلة معها شيئاً من الطعام، وهذه عادة الهنود والإندونيسيون واليوغسلاف وغيرهم من الجاليات الإسلامية يتوافدون في استقبالهم للضيف بالطعام من كل بيت، وكذلك يفعلون في اجتماعاتهم العادية كأيام الإجازات والأعياد.

مسجد دارون شمال أستراليا /11/1404?
مسجد دارون شمال أستراليا /11/1404?

ثم تقدم الشيخ عمر وألقى محاضرته، وعرف الحاضرين بمهمتنا، وأشار إلى أن هذا الدين دين عالمي ليس لفئة من الناس دون فئة أخرى، والله عز وجل ينظر إلى القلوب والأعمال وليس إلى الأموال والأجسام، والأنساب، والمسلم أينما حل وأدى عبادة ربه يثيبه على ذلك، وغير المسلم لا ينفعه نسبه ولا وجوده في الأرض المفضلة، واستدل على ذلك بالمشركين الذين ماتوا على شركهم في مكة والمدينة، وكذلك المنافقون، وذكر قصة أبي لهب وقصة أبي طالب عمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر قول الإمام مالك: إن الأرض لا تقدس أحداً. وشكر الحاضرين على هذا الاجتماع وكرم الضيافة، وأبدى الأسف على ما يوجد من خلاف بين المسلمين وقلة تربية الأولاد. وطلب مني أن ألقي كلمة مختصرة، فأكدت ما قاله فضيلته وبينت لهم أن الجنة تحتاج إلى عمل واجتهاد، وأن المعاصي بريد النار وأن هذا البلد في حاجة أن يجتهد فيه المسلمون للمحافظة على دينهم.
ثم قدم طعام العشاء، وبعده ودعناهم وودعونا ورجعنا إلى الفندق.

في آخر الزمان تطير الساعات إلى الجيوب!

الثلاثاء: 10/11/1404هـ.
جرت عادتي أن أعمل مع رفقائي في الرحلات والأسفار بعض المقالب ـ كما قال الشيخ محمد المجذوب في إحدى سفراتنا إلى الهند وذكر ذلك في إحدى مقالاته في بعض أعداد جريدة المدينة المنورة، قبل سنوات [اعتدت القيام بعمل تلك المقالب مع الأساتذة والمشرفين الثقافيين والاجتماعيين والطلاب، في الرحلات الطلابية التي كنا نقوم به عندما كنت مسؤولاً عن شؤون الطلاب، ثم عميداً لكلية اللغة العربية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، كما يعلم ذلك كل من كان يشارك معنا في تلك الرحلات] ـ وكنت أنوي أن أفعل ذلك مع فضيلة الشيخ عمر محمد فلاتة عدة مرات، ولكني كنت أجبن عن ذلك مع قدرتي عليه توقيراً وإكراماً له، وكانت هذه آخر مدينة من مدن أستراليا، ولم تطب نفسي أن أغادرها قبل أن أعمل مع الشيخ شيئاً ولو خفيفاً، للذكرى، على الرغم من ترددي، لاحترامه.
وفي هذا اليوم كنت أنا وهو في غرفة واحدة، لأن أهل الفندق أصروا على أن يأخذوا غرفته التي كان فيها فانتقل عندي، وبعد أن انتهت برامجنا اليومية المعتادة، قراءة حزب من القرآن الكريم، وصفحات من رياض الصالحين، وتناول طعام الإفطار، اضطجع الشيخ واستلقيت أنا ووضع الشيخ ساعته على الطاولة المجاورة لي وله، فقلت له: إذا مضت نصف ساعة يا شيخ أرجو أن توقظني، فقال: طيب إن شاء الله وغطى وجهه بعمامته، وبعد قليل قمت فأخذت ساعته ووضعتها في جيب جبته في الدولاب، ورجعت بخطىً خفيفة جداً لم يحس بي فاستلقيت، وما كان عندي شئ من النوم، وإنما أردت أن اسمع ماذا يقول الشيخ عندما يلتمس الساعة ليوقظني في الوقت المحدد فلا يجدها. وجاء الوقت الذي ظن الشيخ أنه موعد إيقاظي بدأ يتحفز وأنا اسمع ولا أرى، والظاهر أنه فتش على الطاولة وتحتها ظناً منه أن الساعة سقطت ولما لم يجد شيئاً سكت، ثم قال: يا الله.. يا أهدل قم. فقمت ودخلت الحمام وخرجت فإذا هو يضحك ويقول: في آخر الزمان تطير الساعات إلى الجيوب!
وكان قد وجدها في الجيب بعد أن لبس جبته انتظاراً للزائر!.

زيارة الدكتور قريشي لنا في الفندق:

جاءنا بعد ذلك بقليل الدكتور حياة أحمد القريشي، وقد حثه فضيلة الشيخ على السعي المتواصل للإسهام في الدعوة، وقال له: إن قيام المسلم بالدعوة إلى الله يعتبر رزقاً ساقه الله إليه عليه أن يشكره على ذلك.
وشكر الدكتور فضيلة الشيخ على محاضرته التي استفاد منها المسلمون كثيراً، وقال: إن الاختلافات الموجودة في الجمعيات الأخرى لا توجد في جمعيتنا، والإمام يبذل مجهوداً طيباً في توحيد صف المسلمين، وهذه الجمعية الموجودة في دارون تختلف عن الجمعيات الأخرى، فإنها تضم أكثر من أربعة عشر جنسية، والجمعيات الأخرى توصف باسم البلد الذي ينتسب إليه منشئها، كالتركية واليوغسلافية ونحوهما.
وقال الشيخ عمر: نوصيكم أن تقفوا ضد أي شخص يريد أن يفرق كلمتكم، ومن أهم الأسباب التي وجدناها تفرق أعضاء الجمعيات الأخرى موضوع اللحم الحلال، كل فئة تريد أن تفوز هي بما يحصل منه من مال.
وقال الدكتور قريشي: كنت رئيساً للجمعية من قبل وأنا رتبت نظام اللحم الحلال في هذه الولاية، والذي يشرف على اللحم الحلال هنا هو الإمام، وإشرافه بدون مقابل، ولهذا لا يوجد تنافس، أما الجمعيات الأخرى فإن الاتحاد هو الذي يعين أحد الأعضاء ويحصل بسبب ذلك التنافس.
وطلبنا من الدكتور الاهتمام بالمدرسة كما اهتموا بالمسجد لحفظ أبنائهم في هذا البلد.
فقال الدكتور: عندما فكرنا في هذه المدرسة رفضت أن أكون رئيساً للجنة التي تتولى الإشراف على هذا المشروع، ولكن أخذت مسؤوليتها بتكليف من المسلمين وعندي خريطة وتقرير عن المدرسة (وعرض علينا الخريطة والتقرير).
وقال: إن أكبر مشكلة نواجهها هي البيئة، فالأم تعمل وتضع ابنها في الحضانة، والطفل في هذا السن المبكر قد يلقن مبادئ ضد الإسلام، ولهذا نريد فتح دار حضانة، ونحن لا نريد بناء ضخماً، بل نريد بناء يكفي لغرضنا: روضة أطفال وحضانة ومدرسة ابتدائية.
وعندنا خريطة لمركز الدعوة، لأن هذه المنطقة قريبة من آسيا، وأول ما دخل الإسلام إلى أستراليا كان من دارون عن طريق قبيلة مكاسا، التي جاءت من إندونيسيا قبل أربعمائة سنة، ولهذا تختلف هذه المنطقة عن المناطق الأخرى لقربها من دول آسيا.
واتصلنا بالاتحاد ـ يعني اتحاد المجالس الإسلامية في سدني ـ ووعدنا بتزكية نحملها إلى المملكة العربية السعودية والكويت لجمع التبرعات لهذا الغرض.
فقال له الشيخ عمر: هذا حسن طيب ـ وفي الحركة البركة ـ وقال الدكتور: إن السفير ـ يعني السفير السعودي ـ صديقي وقد وعدني أن يكتب لنا تزكية.

معلومات عن الدكتور حياة أحمد القريشي:

ولد سنة 1942م، في لكنو في الهند.
درس في جامعة عليكرا الإسلامية.
وأخذ الدراسات العليا في جامعة بنجاب في مدينة لاهور في باكستان.
وعنده ماجستير في الجيولوجيا، والدكتوراه كذلك من جامعة نيوكاستل بقرب مدينة سدني.
وظيفته الآن التنقيب عن الماء، وهو رئيس القسم ويعمل معه ثلاثة وعشرون، متخصصون في الجيولوجيا، وهو المسؤول عن شمال أستراليا.
وجاء إلى أستراليا سن 1970م.
قال: والسبب في مجيئي إلى أستراليا، أني كنت أحمل شهادة في الجيولوجيا وكنت في باكستان أرى الناس يغادرون البلاد إلى دول الغرب فطلبت من عدة دول منحي تأشيرة عمل فكان أول جواب جاءني من أستراليا.
وذكر لنا الأخ حياة حالة المسلمين عندما جاء إلى دارون فقال: عندما جئت رأيت البيئة ليست متدينة، وبهذه المناسبة أسجل أن للملكة العربية السعودية فضلاً كبيراً في هذا البلد، وما ترونه هنا من عمل خلال عشر سنوات كان بمساعدة المملكة العربية السعودية، وقد أنشأت مساجد وبنيت مدارس بسبب تلك المساعدات، وعندما جئت من سدني إلى دارون، كان يوجد هنا مهندسون وأطباء ومثقفون، وكانوا يخافون من ذكر أنهم مسلمون فأدركنا أن في ذلك خطراً، وفكرنا في بناء المركز والمسجد. وقد ظهرت النتيجة والحمد لله فبني المسجد والمركز.
وعندما رأينا المسلمين بدلوا أسماءهم إلى أسماء غير إسلامية خوفاً من الانتساب إلى الإسلام، دعونا بعد بناء المسجد والمركز رئيس وزراء الولاية، وحضر إلى المركز، وندعوهم في مناسبات عديدة حتى يتبدد هذا الخوف عند المسلمين، فبدؤوا يظهرون إسلامهم.
وعندي أفكار اجتماعية لتصحيح وضع المسلمين الاجتماعي، فالحالة الاجتماعية سيئة، الرجل يتزوج غير المسلمة مع بقائها على عقيدتها وعاداتها، وبذلك تؤثر على الأسرة كلها، وتصحيح هذا الوضع أمر رئيسي عندي، والسبب في هذا الوضع قلة المعرفة عند المسلمين وضعف الإيمان، ومعظم الماليزيين والإندونيسيين بقوا في هذا البلد عن طريق الزواج والاختلاط بغير المسلمين، وذلك يسبب مشكلات عديدة.
والمسلمون الآن في دارون يبذلون جهوداً طيبة لوحدتهم وتطوير حالتهم الاجتماعية إلى الأحسن، وإذا وجدت وظيفة هنا نبعث إلى المسلمين في المناطق الأخرى لملئها لأجل تكثير المسلمين في هذه البلدة.
وقد عينا بعض المسلمين للقيام بالذبح في قرية تابعة لدارون تبعد بمسافة ثلاثمائة كيلو، ونعمل جهدنا في مساعدة المسلمين وتحسين أحوالهم.
وقد قررت عدم قبول وظيفة رئيس الجمعية من أجل القيام بعمل ينفع المسلمين أكثر، وهو القيام بالمشروعات المفيدة، كالمدرسة وتوابعها، وأرجو منكم الدعاء، فإذا نجحنا في هذا العمل فذلك بفضل الله وتوفيقه وتسهيله، وإن لم ننجح فنخشى أن تأخذ الحكومة الأرض أو نصفها، لأن الأرض في المنطقة قليلة، والحكومة قد تضطر أن تمنحها بعض من يقدر على بنائها، ولها معنا عشر سنوات لم تبن، ثم دعانا الدكتور القريشي لتناول طعام العشاء في منزله وعنده مستشفى خاص تديره امرأته.
وختم الدكتور القريشي حديثه بقوله:
وأطلب منكم أمرين:
الأمر الأول: إذا أمكن تلخيص هذا التقرير ونشره في جرائد المملكة العربية السعودية لعل بعض المحسنين من أهل الثراء يساعدوننا على مهمتنا.
الأمر الثاني: نريد أن نزور المملكة ونستفسر هل توجد إمكانيات لمساعدتنا على حساب بعض الأغنياء أو الحكومة؟
فقال له الشيخ عمر: الجهات التي يمكن أن تستضيفكم إذا كتبتم لها هي رابطة العالم الإسلامي أو الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. وعليكم أن تتسببوا ونحن إذا طلب منا رأي في شأنكم فإننا سنزكي طلبكم.

جولة في مدينة دارون:

في الساعة الواحدة قمنا بجولة في داخل مدينة دارون، ورأينا في هذه المدينة أموراً تختلف فيها عن المدن الأخرى:
وجدنا شباباً متعطلاً يتسكعون في الشوارع ويجلسون على الأرصفة ويقعدون يتناولون طعامهم تحت ظلال الأشجار، وشوارعها ليست مثل المدن التي زرناها في الجنوب والغرب لا في النظافة ولا في الجمال، وجوها يميل إلى الحرارة، وهذا الأخير أمر عادي، أما الأمور الأخرى فقد علقت عليها وقلت: لعل السبب في ذلك كله: قربها من قارة آسيا، والعدوى تنتقل إلى القريب إذا لم تكن عنده مناعة أكثر من انتقالها للبعيد. وبعد الجولة رجعنا إلى الفندق.

قادة الدعوة أحوج من غيرهم إلى الصبر على الأذى:

وفي الساعة السادسة مساء جاء الشيخ عبد القدوس لينقلنا إلى المسجد، ومعه أخوه محمد افتخار الدين محمد حنيف الذي يدرس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض منذ ثلاث سنوات، درس في معهد اللغة العربية ثم أخذ الدبلوم من المعهد نفسه، ويريد أن يواصل دراسته في كلية اللغة العربية بالرياض.
ذهبنا إلى المسجد وصلى بنا الإمام المغرب، ولفت نظري وجود قطعة من كسوة الكعبة المشرفة في إطار معلق في حائط المسجد وسألت: من الذي جاء بها؟
فقال رئيس الجمعية: جاء بها الأخ عبد الواحد الإندونيسي قبل أربع سنوات عندما ذهب للحج.
وطلب رئيس الجمعية من الشيخ عمر أن يقدم له النصح، ليستفيد منه هو وأعضاء جمعيته. فقال فضيلته:
إن الواجب الملقى على عاتق العلماء والمسؤولين عن الشؤون الدينية كبير، وكون الله قد حملك مسؤولية هذه الجمعية يلزمك أن تقوم بهذه المسؤولية، والازدياد من شكر الله، والشكر هو العمل بما يرضي الله.
وقد سرنا أن العاملين في الجمعيات الإسلامية والاتحاد لا يتقاضون على عملهم شيئاً من المال، وهذا فيه خير كثير لهم بخلاف من لا يعمل للإسلام إلا بأجر.
والرجاء أن تحرصوا كلكم على القيام بالدعوة إلى الله على خير ما يرام وان تبلغوا بقية الأعضاء ذلك.
ويجب على المسؤول أن يتحمل المشاق ويصبر، لأن الكبير لا بد أن يتعرض للأذى والمشكلات ويحتاج إلى الصبر، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.
والعمل للإسلام حقل يزرع فيه صاحبه العمل الصالح ليجده يوم القيامة، والذي سرنا في جمعيتكم عدم وجود الاختلاف، فعليكم أن تحرصوا على هذا الاجتماع، وتصونوا جمعيتكم من أسباب الخلاف، وإذا اشتد عليكم الأمر في أي قضية فعليكم أن تقرعوا باب الله، فإن بابه مفتوح لسائله.
وقال رئيس الجمعية: ما نعمله في حقل الدعوة فهو لله.
وعدد المسلمين قليل، ولكنهم يحبون العمل لبقاء الإسلام قوياً في أستراليا.
والرئيس لا يمكنه إنجاح العمل إلا بتوفيق الله ثم بمساعدة الجمعية والمسلمين في المنطقة... وأحب أن أخبركم أنَّا لم نعلم تحديد وقت قدومكم إلا في صباح اليوم الذي قدمتم فيه ولو علمنا به قبل ذلك لرتبنا لحضور عدد أكبر من المسلمين للاجتماع بكم والاستفادة منكم، ونرجو إذا جاء أي وفد منكم أو من إخوانكم في المملكة أن نخبر بذلك قبل قدومهم بأسبوع، لنتمكن من إحضار المسلمين كلهم للاجتماع بهم، وقد استفدنا كثيراً مما سمعناه منكم ونرجو أن لا تنسونا من الدعاء لما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين.

في منزل الدكتور حياة قريشي:

ثم ذهبنا إلى منزل الدكتور القريشي، والتقينا عنده الأخ: سيد عبد الله السملوطي، على مائدة الطعام، وكان قد جاء من مدينة أدلايد ـ وقد اجتمعنا به هناك ـ فسألته عن أهم الوسائل التي يراها لدعوة غير المسلمين في أستراليا، فقال: إن أهم ما نفقده القوة في العلم والإيمان، والوقت الذي يسمح بالاجتماع مع غيرنا.

وسائل قد تجعل الأستراليين يتأثرون بالإسلام:

ونحن نحاول أن نري غير المسلمين ما هو الدين، وإذا اجتمعنا بالأستراليين نخبرهم ماذا فعلنا في اجتماعاتنا وحفلاتنا أو غيرها، وإذا ذهبنا يوم الأحد إلى المسجد نأخذ معنا أولاد جيراننا الصغار إلى المسجد، وهم من أبناء المسيحيين، فيلعبون مع أولادنا ويرون ما يطبق من الإسلام في المسجد.
قلت: وهل يسمح لكم آباؤهم بأخذهم إلى المسجد؟ قال: نعم، فقلت له: لقد سمعنا أن الأستراليين لا يتجاوبون مع المسلمين لو أرادوا زيارتهم، بل ينكرون ذلك، فقال: إن ذلك غير صحيح، وأن العبرة في هذا تعود إلى المعاملة الحسنة والقدوة الحسنة، والناس يختلفون، والتعميم غير صحيح.
وأهم وسائل الدعوة عند الأخ عبد الله أن يري غير المسلمين أن المسلمين أحق بالاتباع من غيرهم، بأن تظهر صورتنا صورة الصادقين المعلمين في الدين وغيره، إن ذلك لو حصل سيرفع منزلتنا عند غيرنا وعندئذٍ سيتبعوننا.
لكن المسلمين عندما يختلفون بسبب الدنيا، فان ذلك يحط من قدرهم.
ومن الأسباب النافعة القدرة على التحدث والإقناع بالإسلام، عن طريق البراهين القوية.
والمجتمع الغربي له قيم طيبة وقيم مرفوضة، والذم المطلق غير صحيح، ويجب أن يكون المسلمون عندهم شخصية قوية يعاملون الآخرين بأسلحتهم: العمل والجهد.
قلت: وهذا دليل على أن القدوة الحسنة، والحكمة والبصيرة في الدعوة، تيسر لصاحبها القيام بالبلاغ المبين.
وسألنا الأخ سيد: هل تفكرون في عمل بحوث، لتقوية من يريدون أن يعملوا في حقل الدعوة إلى الإسلام في هذا البلد؟
فأجاب الشيخ عمر: يمكن أن تقام دورات لذلك، إذا طلب من المسؤولين في المملكة.
وقال الدكتور قريشي: من المهم أن يجيد الإمام أو الداعية اللغة الإنجليزية، ولهذا يدخل في الإسلام عدد في السنة بمعدل خمسة أو ستة، لكون الإمام يجيد اللغة الإنجليزية، ويتفاهم مع من يأتيه ويقنعه.
وقال: إن وسائل الإعلام قوية جداً، وسيوجد قريباً برنامج تلفزيوني للأجناس المختلفة، ولو أوجدنا برامج إسلامية لهذا لكانت نافعة جداً.
وقال سيد: إن ترجمة معاني القرآن مفيدة جداً، وكذلك ترجمة الكتب الإسلامية المناسبة، ولكن ترجمة يوسف علي كانت بلغة الكنائس، والترجمة يجب أن تكون بلغة حية يعرفها عامة الناس، ويتمنى سيد أن يمكنه الله من ذلك ويحصل على من يساعده في تقويمها وطبعها. وقال: إن الإسلام هذا العام 1984م، أقوى في أستراليا من عام 1974م.
وقال الدكتور القريشي: إن نشر الإسلام عن طريق وسائل الإعلام مهم جداً، ووسائل الإعلام هنا يتحكم فيها اليهود، ويجب علينا أن نحاول التحكم فيها نحن عن طريق الشركات المادية، ولا يكون المسلمون من الخارج ظاهرين في هذا التحكم بل من وراء وراء.
وإذا ترك الأمر لليهود، فإن المسلمين بعد فترة لا يقدرون أن يفعلوا شيئاً.
وذكر الدكتور قريشي حادثة يوسف إسلام، فقد كان للفلم الذي عرض تأثير قوي جداً، ولو أنا دعمنا أمثال هذه الشخصيات لكان لها شأن كبير، وقال: إنه لما كان يوسف إسلام في مدينة سدني أقبل الناس على شراء ترجمة معاني القرآن الكريم، حتى نفذت من المكتبات لشدة الإلحاح على طلبها. وقال: إن أهم وسائل الدعوة إنشاء مدارس خاصة تحت إشراف المسلمين، بشرط أن تكون ممتازة في التعليم والإدارة والسلوك. وضرب مثالاً بالمدارس الكاثوليكية التي يسرع الناس إلى تسجيل أبنائهم بها لمدة سنة أو سنتين أو أكثر، ويدفعون في الفصل الواحد ألفاً وخمسمائة دولار، وهذا لو تحقق للمسلمين ستكون فيه دعوة للإسلام غير مباشرة، وسيتأثر الطلاب تأثراً ملموساً بغير ضجة. والعالم الغربي الآن لا يعرف عن الإسلام إلا الصورة المشوهة التي يراها في الشعوب الإسلامية، كالحرب بين العراق وإيران، فيتهمون الإسلام بأنه دين الحروب، وأنه إنما ينتشر بالسيف والقهر. وضرب مثالاً للإعلام الجيد بمجلة: ريدنت الهندية، وفيها معلومات متعددة يتشوق الناس لقراءتها، فلا بد للمسلمين من أجهزة إعلام ناجحة.

جوهرة في مزبلة!

والأمر الذي سرنا في منزل الدكتور قريشي تلك المرأة الصالحة ـ زوجته ـ التي أخذت الشهادة من جامعة لندن في الطب، وهي تدير مستشفى خاصاً، ولها أولاد أكبرهم بلال، وله أخوات، وهي مع إدارتها للمستشفى تدير الأسرة وتربي الأولاد تربية صالحة ممتازة، يرى أثرها على وجوه أولادها ولباسهم وتصرفاتهم. إن وجود مثل هذه التربية الإسلامية ـ وإن كانت صعبة ـ ممكنة في أسوأ الظروف والبيئات، إذا وجدت الأم الصالحة التي تخاف الله واليوم الآخر وتحب أن تخلف وراءها أولاداً صالحين يخافون الله واليوم الآخر، ويكون لها مثل ثواب أجرهم من غير أن ينقص منه شيء، ولا بد أن تكون ذات ثقافة جيدة وحكمة وورع وصبر وجلد يقتدي بها أبناؤها في كل تصرفاتها، وإن وجود مثل هذه الأسرة الإسلامية المثقفة الجامعة، بين الأعمال الناجحة في خارج المنزل، والتربية الإسلامية في المنزل، لشبيه بجوهرة في مزبلة.!
اللهم متع المسلمين بأمهات صالحات وآباء صالحين ليكون المجتمع مجتمعاً صالحاً، وبغير هذه التربية فإنه لا يرجى للنشء خير والله المستعان.

جولة بحرية:

الأربعاء: 11/11/1404هـ
جاءنا الأخ عبد القدوس في الساعة التاسعة والنصف صباحاً، ونزلنا فحاسبنا موظفي الفندق، ووضعنا حقائبنا عندهم، واستأجرنا سيارة أوصلتنا إلى مرفأ القوارب السياحية الموصلة إلى جزيرة تسمى: " مَنْدُوْرَا MANDURA".
وتحرك بنا المركب في الساعة العاشرة، متجها من الجنوب إلى الشمال ومدة سيره إلى الجزيرة أربعون دقيقة.

قسوة دعاة حقوق الإنسان على الإنسان!

وذكر لنا الشيخ عبد القدوس أن رئيس قبيلة الإبروجنيز ـ وهم سكان أستراليا الأصليون ـ كان في هذه الجزيرة، فقتله المسيحيون وصلبوه والقوه في النار، هذا كان قبل مائة وثمانين سنة، ثم إن المسيحيين أعلنوا أن كل من يأتي برأس واحد من هذه القبيلة، فله مكافأة قدرها خمسة جنيهات، ومن جاء بمائتي رأس فهو حر ـ كان الذين يأخذون أجراً على الرؤوس أو يعطون الحرية هم المجرمين الذين ساقهم الأوربيون معهم إلى أستراليا، لإبعادهم عن أوربا والاستعانة بهم على قتل أهل البلد، فكانوا أسرى أشبه بالعبيد الأذلاء عند الأوربيين ـ وكانوا يقولون لهم إن سكان أستراليا الأصليين ليسوا من بني آدم!.
أرجو من قارئ كتب في المشارق والمغارب أن يتأملوا في هذه المأساة: يأتي المسيحيون أهل الدين الذي يقال: إنه يربي أتباعه على أن من لطمهم في خدهم الأيمن أداروا له خدهم الأيسر، فيغزون بلاد السكان الآمنين فيها، فيقتلونهم ويكون ثمن رأس الواحد منهم خمس جنيهات ـ ثمن بخس ـ ويقولون للمجرمين الذين ينفذون أوامرهم بقتل الأبرياء أن هؤلاء ليسوا من بني آدم!.
هؤلاء المسيحيون وهم الذين يفعلون هذه الأفاعيل يرمون المسلمين بأنهم سفاكو دماء، يكرهون الناس على الدخول في الإسلام، على حد المثل القائل: رمتني بدائها وانسلت!.
وهذا يذكرني بقصة أخرى ـ وما أكثر قصص وحشية النصارى في البلدان التي احتلوها على أهلها ـ ذكرها الأستاذ محمد الغزالي في كتابه: الاستعمار أحقاد وأطماع، وقد حصلت في بعض بلدان إفريقيا، [يغلب على الظن أنها في السنغال] فقد اجتمع اثنان من جنود الاحتلال وكان أحدهما يقص على الآخر ما صادف من وحشية أحد الأفارقة، فقال: تصور يا أخي كيف أن هذا الإفريقي متوحش! كنت أنا أذبحه بالسكين وهو يعض ساقي بأسنانه؟! أيهما الوحش عندكم أيها القارئون؟ المعتدي على البلد المحتل لها بغير حق، الذي يذبح أهلها بالسكاكين كما تذبح الخرفان، أم رجل أعزل وقع تحت قسوة يد معتدية تذبح هذا الرجل بسكين وهو يدافع عن حياته بأسنانه؟!.
ومن هو الوحش؟ الذي يدعو الناس إلى الدخول في دين الله دين السلم أو يعلن سلمه ومسالمته للإسلام بدفع قليل من المال، فإذا لم يعلن تلك المسالمة فهو محارب يجاهد في سبيل الله، أم الذي يستأصل أهل بلد بأكمله بالذبح والقتل كما فعل النصارى في كل البلدان التي احتلوها: أمريكا الشمالية وأستراليا وغيرهما من بلدان العالم؟! وهل رأيت أيها القارئ قسوة على الإنسان أشد من قسوة دعاة حقوق الإنسان؟‍‍‍‍
هذا، وقد وجدنا في الجزيرة أشخاصاً من البروجنيز وهم يحاولون صيد ما تيسر لهم من السمك، وثيابهم التي يلبسونها رثة، وبعضهم لا يوجد على ظهره ما يستره، والبؤس باد على وجوههم، وعند رجوعنا ركب معنا في المركب اثنان منهم "رجل وامرأة".
ويقال: إن عددهم الآن نصف مليون، وان خمسة وثلاثين في المائة من سكان الشمال منهم الذين يبلغ عددهم مائة وعشرين ألفا.

يحب البحر وهو لا يحبه!

عندما نزلنا في الجزيرة، نزلت إلى شاطئ البحر، وفيه صخور كان ماء البحر يناطحها، وعليها شيء من الطحلب، فمشيت على بعضها وانزلقت رجلي فوقعت بثيابي في الماء، فقال الشيخ عمر: مسجلاً هذه الحادثة شعراً:

يحب البحر وهو لا يحبهويرميه مع الأسماك حزبه

وللشيخ نفحات شعرية سيأتي ذكرها في مكانها.

لماذا اختارني؟!

عندما رجعنا إلى الفندق من الرحلة البحرية أخذنا حقائبنا، وكان عبد القدوس عنده سيارة، واستأجرنا سيارة أخرى من أجل الحقائب لأن سيارته لا تتسع لحملها، وقال لي: أنت تركب معي، وأخي يركب مع الشيخ عمر في التاكسي فتعجبت وسكت، وقلت في نفسي: لماذا اختارني ولم يختر الشيخ؟!
ولما مشينا قليلاً ـ إلى المسجد ـ قال لي: أتأذن لي أن أدخن؟ فترددت قليلاً، ثم قلت له: إذا كنت لا تقدر على الصبر حتى نصل إلى المسجد فدخن. فقال: لقد منعت نفسي عن التدخين عندما كنت مع فضيلة الشيخ طول المدة التي قضيناها في البحر والجزيرة، فعرفت السبب في اختياره، ثم قال: أتحب أن تسمع أغنية هندية؟! قلت: لا أحب أن اسمع الأغاني ولا أشم التدخين ففتح المسجل وقال: إن هذه أحسن أغنية في الهند هذا العام، ألفها مسلم هندي، قلت أهي غرامية؟ قال: نعم، قلت: وكيف تكون أحسن أغنية عندك وهي غرامية وأنت شيخ؟ فسكت ولكنه استمر يدخن ويغني فعرفت أيضاً لماذا اختارني، وقد أخبرت فضيلة الشيخ بذلك فتعجب من إمام الغناء والتدخين؟!.

كنيسة فور سكوير:

مررنا بمبنى مستطيل، قبل أن نصل إلى المسجد بمسافة قصيرة، وقال لي الأخ عبد القدوس: هذه كنيسة، ومعنى فور سكوير الجدران الأربعة.
وهذه الكنيسة توجد بها أجراس وموسيقى في الداخل، ولا توجد بها صلبان لا في داخلها ولا في خارجها، ولأهل هذه الكنيسة نظام خاص، فهم يجتمعون يوم الأربعاء، ويلقي لهم الراهب محاضرة دينية، وأما يوم الأحد فيجتمعون للرقص والموسيقى.

اشتعال النار في العود تظهر رائحته الطيبة: ‍‍

ويهاجم الراهب في خطبته يوم الأربعاء الإسلام، وقد سمع ذلك منه يوغسلافي دخل الإسلام، وكان اليوغسلافي يحضر إلى الكنيسة ويحضر إلى المسجد قبل أن يسلم، والظاهر أنه كان يقارن بين الدينين وذكر أنه ناقش الراهب وقال له: أنتم تقولون: إن المسيحية دين الرحمة لكل الناس فلماذا لا تحبون إلا النصارى و لا تساعدون إلا النصارى، وماذا قدمتم للأبروجنيز؟ فلم يرد له جواباً.
وهذا اليوغسلافي يعيش في هذه المدينة دارون، وقد بدأ يدرس الإسلام عن طريق ترجمة معاني القرآن الكريم، وطلب من إمام المسجد (وهو الذي أملى هذه المعلومات) أن يخبره بكيفية الدخول في الإسلام، وقال: إنه يريد أن يسافر إلى مدينة سدني ثم يعود بعد أسبوعين لإقامة احتفال في المسجد ليشهر إسلامه، وذهب الإمام إلى المسجد ولقي اليوغسلافي في مسجد لاكمبا وهو يصلي، فسأله: هل أسلمت؟ فقال: نعم أنا مسلم وأصلي، فأخذه الإمام عبد القدوس إلى إمام مسجد في سدني الشيخ تاج الدين الهلالي، وأشهر إسلامه على يديه، وهو طبيب نفساني.
قلت: هكذا يُظِهر الحقدُ على الإسلام عظمةَ الإسلام، وينير ظلمُ الحاقدين دربَ طالب الحق ليصل إلى معرفة الحق، كما يظهر اشتعال النار في عود الطيب رائحته الطيبة.
كما قال الشاعر:

وإذا أراد الله نشر فضيلةطويت أتاح لها لسان حسود
لولاً اشتعال النار فيما جاورتما كان يعرف طيب عرف العود

وسألت الأخ عبد القدوس عن هذه الفرقة النصرانية ومعتقدها؟ فقال: إنه لا يعرف عنها غير ما ذكر، وإن هذا الراهب علي الرغم من أنه يهاجم الإسلام فإنه يزور المسجد ويطلب من الإمام أن يزور الكنيسة.
وقال الشيخ عبد القدوس: إنه قد أُجرِيَ استفتاءٌ في أستراليا عن تمسك الناس بالدين، فكانت النتيجة أن عشرة بالمائة يؤمنون بدين، وأن تسعين في المائة لا دين لهم وإن كانوا ينتسبون إلى الدين المسيحي!.
قلت: وهذه فرصة لشرح مبادئ الإسلام للأستراليين، فإن الذي لا يؤمن بدين لا يكون متعصباً لدين ضد دين آخر، فإذا عرف الدين الحق وتأثر به، فإن إسلامه أسهل من الذي عنده دين يتعصب له.

السلاح السلبي!

وصلنا إلى مطار دارون وسلمنا الحقائب التي ترسل مع العفش، وطلبنا منهم أن يسلمونا إياها في كولمبو، حتى لا نكلف أنفسنا مشقة حملها ونقلها في سنغافورة التي سننام فيها ليلة واحدة، وودعنا الإخوة عند مدخل الممر المؤدي إلى موظفي الجوازات، فختم أحد الموظفين جواز الشيخ وأخذ الموظف الذي وقفت أمامه يقلب جوازي ورقة ورقة، فأشكل عليه أمرٌ مَّا ـ سيأتي توضيحه ـ فاستشار آخر فتردد، ثم أشار إليه أن يختمه فختمه، وأخذه الموظف الآخر ودعاني وجلس على مقعد وأجلسني بجانبه، وسألني سؤالاً فهمت منه كلمة: قبل أمس، ولم أعرف ما قبلها وما بعدها، فسللت سلاحي الذي لا تقدر أجهزة الأمن حتى في المطارات أن تصادره مني، وقلت له: "نو سبيك إنجلش" ـ لا أعرف اللغة الإنجليزية ـ وهذا السلاح السلبي نفعنا في كثير من المطارات، [إلا عند الميجر الأمريكي الحاقد في مطار مونتريال، راجع في المشارق والمغارب المجلد الثامن "رحلات كندا واسبانيا والمغرب"]. ثم طلبوا إحدى الموظفات، فجاءت وبيدها البطاقة التي كانت في جوازي، وسألتني سؤالاً فهمت منه كلمة: زوجة "وايف" فقلت لها: "نو سبيك إنجلش"، وسأل الرجل سؤالاً آخر فهمت منه كلمة أولاد: "تشيلدرن" فقلت له: نو سبيك إنجلش. عندئذ ربت بيده على كتفي وابتسم، وقال: نحن آسفون "وي آر سوري". وخلى سبيلي. والشيخ عمر واقف ينظر ماذا يجري لصاحبه؟
والقصة تتلخص في أن تأشيرة جوازي انتهت قبل يوم أو يومين في أستراليا، واتصل رئيس الجمعية الإسلامية في دارون بمدير التأشيرات، وأخبره بذلك، فقال له مدير التأشيرات: إنه سيتصل بموظفي المطار ـ وهم الذين سألوني ـ ويخبرهم بتسهيل الأمر، والظاهر أن الموظفين الذين سألوني لم يكن عندهم خبر، لأنهم ذكروا قبل أمس، ففهمت أن المراد انتهاء التأشيرة، ثم سألوني إن كان لي أولاد أو زوجة جئت بهم معي إلى أستراليا؟ هكذا فهمت والله اعلم. فلما يئسوا أن يجدوا جواباً على أسئلتهم فضلوا أن يريحوا أنفسهم من مناقشة رجل لا يزيدهم على قوله: أنا لا أتكلم اللغة الإنجليزية وهذا هو السلاح السلبي الذي ألجأ إليه إذا لم أفهم المراد، وعلى من لم يكتف به أن يدبر أمره والله مدبر كل الأمور.!
وبالخروج من مكتب موظفي جوازات الأمن وصعود الطائرة، خرجنا من آخر مدينة زرناها من المدن الأسترالية، وهي مدينة دارون التي سميت باسم صاحب النظرية الدارونية المشهورة: نظرية النشوء والارتقاء والتطور.
وبالخروج من هذه المدينة نكون قد ختمنا بها زيارة إحدى عشرة مدينة من المدن الأسترالية، منها الكبيرة، ومنها الصغيرة في الشرق والجنوب والغرب والشمال، وهي: برزبن، وجولد كوست، وسدني، ولنغون، وكامبرا (العاصمة)، ومالبورن، وهوبرت، وأدلايد، وبيرث، وبورت هدلند، ثم دارون، وبهذا الخروج نستودع الله جميع مسلمي أستراليا، نستودع الله دينهم وأمانتهم وخواتيم أعمالهم، ونرجو الله لهم مستقبلاً سعيداً، يتقوى فيه إيمانهم وتصلح أعمالهم، وتجتمع كلمتهم وينفع الله بهم عباده في بلاده إنه سميع مجيب.
ومع أن الزيارة كانت ـ في الأساس ـ لأستراليا، فقد زرنا مدينتين كبيرتين في نيوزيلندا وهما: ولنجتون، وأوكلاند، والحمد لله رب العالمين.
وأقلعت بنا الطائرة من مطار دارون إلى سنغافورة في الساعة السادسة إلا خمس دقائق، وكانت تحلق فوق المحيط الهندي.

مفاوضات ووساطة!

جاءت المضيفة تتفاهم معنا في نوعية الطعام الذي نريد، وهنا لا ينفع السلاح السلبي "نو سبيك إنجلش" فأخبرناها أنا نريد طعام المسلم، ولكن نفوسنا لم تطمئن لهذا الإجمال، ولهذا كنا نحاول أن نفهمها ببعض الكلمات فلم تفهم منا وحق لها ذلك، ولم نفهم منها وحق لنا ذلك! فغابت عنا قليلاً وجاءت معها بأحد المضيفين وهو: إيهاب الخوري الفلسطيني الذي يتكلم اللغة العربية وقال: إنه من مواليد الكويت فأخبرناه بما نريد وما لا نريد، وأفهم هو زميلته فكان وساطة لحل الإشكال وإنهاء المفاوضات بسلام. وطلبنا منه أن يكتب لنا المعلومات اللازمة في بطاقات الجوازات التي يطلبها موظفو مطار سنغافورة، فوعدنا أن يعود إلينا بعد أن ينتهي من خدمة الضيوف…

خواطر واقتراحات:

عندما أقلعت الطائرة من مطار: دارون ـ مغادرة بذلك الأراضي الأسترالية ـ أخذت في استعراض ما ظهر لي من عقبات في سبيل المحافظة على إيمان المسلمين ودينهم، والوسائل التي تمكنهم من اجتياز تلك العقبات.
فبان لي أن أهم المشكلات التي يعانيها المسلمون تنقسم قسمين رئيسين:

القسم الأول: مشكلات داخلية:

أي في ذات المسلمين أنفسهم وهي كما يأتي:
أولاً: ضعف الإيمان: كما هي حالة أغلب المسلمين في الأرض، وضعف الإيمان هو أساس كل المصائب التي تحيط بالمسلمين.
ثانياً: قلة الفقه في الدين: وبه يتصف كثير من الذين يتزعمون قيادة المسلمين فضلاً عن عامتهم، والجهل بالدين داء عضال، لأن الجاهل كالأعمى الذي لا قائد له ولا خبرة له بدروبه التي يريد أن يسلكها.
ثالثاً: اهتمام كثير من المسلمين بأمور الدنيا أكثر من الاهتمام بالأمور الدينية.
رابعاً: شدة الخلاف بين الجماعات من جهة وبين الجماعة الواحدة. وذلك مبني على الأمور الثلاثة السابقة، والخلاف قد سماه الرسول صلى الله عليه وسلم حالقة الدين. وهذا لا يعني أن كل المسلمين فيهم هذه الصفات، فقد يكون بينهم أفراد عندهم إيمان قوي، وعلم طيب، واهتمام بالمصالح الإسلامية العامة، ولكنهم قليل، والقليل يغلبه الكثير.

القسم الثاني: مشكلات خارجية:

وهو يشمل ما يأتي:
أولاً: وجود المسلمين في بيئة جاهلية: فالبلاد بلاد كفر، أكثر أهلها لا يدينون بدين ـ ومن دان بدين فرضاً ـ فأصول دينهم وفروعها كلها ضد الإسلام بأصوله وفروعه. يبدأ ذلك بالشرك وينتهي بإباحة المحرمات، والمسلمون كبارهم مختلطون بكبار أهل البلد، وصغارهم بصغارهم، في السكن والعمل والدراسة واللعب والثقافة العامة التي تتولى نشرها كل المؤسسات: التعليمية والإعلامية وغيرها.
ثانياً: تزوج كثير من المسلمين بالنصرانيات: وهن اللاتي يصبحن المربيات والموجهات للأولاد، وبذلك تصبح عادات البلد كلها في داخل البيت المسلم، وتتولى المرأة تلقين الأولاد في صغرهم بكل ما تريد، لأنها ألصق بهم من الأب لاشتغال الأب بالعمل، وعدم اهتمامه بالأولاد، فينشأ الأولاد بعيدين كل البعد عن الإسلام ولو سموا مسلمين!.
ثالثاً: تشويه معاني الإسلام في مناهج التعليم، والإعلام: التعليم الذي يصوغ الصغار، والإعلام الذي يبث سمومه في الكبير والصغير، لأنهما ـ أي التعليم والإعلام ـ بيد قوم يظنون أن الإسلام هو العدو الأول للحضارة الغربية القائمة على الوثنية والإباحية ـ وليس العلوم التجريبية النافعة ـ وقد أتقن أعداء الإسلام من اليهود والمبشرين والمستشرقين سبل الكيد للإسلام والدس عليه، وكل تلك السبل موجودة في أستراليا كغيرها من البلدان الغربية، ولا شك أن المسلم الضعيف الإيمان قليل العلم يتأثر بالدعايات من حيث يشعر أو لا يشعر، وفي ذلك خطر عظيم على أبناء المسلمين في هذا البلد.

أمور أخرى جديرة بالاهتمام:

وبالتأمل في هذه المشكلات ـ داخلية كانت أو خارجية ـ بدا لي أن هناك أموراً أخرى جديرة بالاهتمام لمواجهة تلك المشكلات وغيرها:
الأمر الأول: أن يجتهد الصالحون من المسلمين في اختيار من يرونه أصلحهم في دينه وثقافته وأخلاقه، وأبعدهم عن الحرص على المناصب وابتزاز الأموال باسم الدين، ليتولوا شؤونهم الإدارية والتوجيهية، فإنهم إذا اختاروا من تتوافر فيهم هذه الصفات، نصحوا لهم وعملوا جهدهم في جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، على عكس من يتصفون بأضداد تلك الصفات.
الأمر الثاني: أن يجتهدوا في استقدام علماء، من ذوي الفقه في الدين من البلدان الإسلامية، بمساعدة المؤسسات الإسلامية المعنية، ليقوموا بتعليمهم أمور دينهم وتقوية الإيمان في نفوسهم ونفوس أسرهم، ويؤموهم في صلاتهم، ويفتوهم في دينهم ببيان الحلال والحرام، حتى يعملوا بأمر الله ويتركوا نهيه سبحانه.
الأمر الثالث: أن تحاول المجالس الإسلامية في كل ولاية، إنشاء مراكز إسلامية شاملة لكل المرافق المعينة على خدمات المسلمين.
ويشمل المركز المرافق الآتية:
1 ـ مسجد. [أشرت إلى بعض وظائف المسجد المهمة في كتاب: (دور المسجد في التربية) وهو مطبوع].
2 ـ مدرسة. (من روضة الأطفال إلى الثانوية).
3 ـ قاعة اجتماعات.
4 ـ دار ضيافة.
5 ـ ملاعب رياضية.
6 ـ مكتبة: يجلب لها الكتب والمراجع الإسلامية المختلفة باللغة العربية والإنجليزية، ويعني باختيار القصص الإسلامية السليمة.
وبمناسبة الكتب والمكتبة، فإن على المؤسسات الإسلامية مسؤولية عظيمة فيما يتعلق بالترجمة:
1 ـ ترجمة معاني القرآن العظيم، بأن تراجع الترجمات الموجودة، ويختار أحسنها وأكثرها قرباً إلى معاني الآيات القرآنية، وتؤلف لها لجنة من المختصين في اللغة العربية والإنجليزية والتفسير وأحكام الفقه الإسلامي، وتصاغ الترجمة صياغة ذات أسلوب أدبي، ويكون المقصود بها شرح معاني الآيات شرحاً مفهوماً بالمعنى، لا بالترجمة الحرفية التي قد تفهم منها بعض المصطلحات على غير حقيقتها، فإذا تمت الترجمة على هذا الوصف، وجب أن تطبع بكميات كثيرة وتوزع على المراكز الإسلامية في كل العالم، وكذلك تنشر في المكتبات العامة والتجارية في كل البلدان، ليستفيد منها المسلمون وغيرهم.
2 ـ أن تختار كتب صغيرة، أو تؤلف في العقيدة، تعني بشرح المعاني الإيمانية، الإيمان بالله: بربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، بأسلوب سهل مع البراهين القوية الدالة على صحة هذا الإيمان وتترجم وتنشر في العالم كذلك.
3 ـ تختار كتب وتؤلف في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية وتترجم وتنشر كذلك.
4 ـ تنتقي بعض الكتب التي تبرز أسرار حكم التشريع في الإسلام وتترجم وتنشر، وكذلك كتب في الأدب والسلوك.
والترجمة تحتاج إلى مؤسسة إسلامية تنشئ داراً خاصة للترجمة، وتختار رجالاً أكفاء في اللغة العربية واللغات الأجنبية، مع فهمهم للدين الإسلامي فهماً دقيقاً، وتفرغهم لهذا العمل، وتكون في هذه الدار عدة أقسام:
قسم مهمته اختيار الكتب الإسلامية المفيدة وترشيحها للترجمة.
وقسم مهمته فحص هذه الكتب والعلم بسلامتها.
وقسم يتولى الترجمة والمراجعة.
وقسم يتولى الطبع.
وقسم يتولى التوزيع والنشر.
هذه خمسة أقسام وقد يحتاج إلى أكثر، لأن هذه السطور التي تكتب هنا هي خواطر، والأمر يحتاج إلى دراسة جادة وعمل.
وإن هذا المشروع لفرض على المسلمين أن يقوموا به، ليمكنوا العالم من معرفة الدين الإسلامي الذي يجب أن يبلغ إلى العالمين. والمؤسسات الإسلامية المعنية بالدعوة إلى الإسلام هي التي يجب أن تضطلع بهذا الأمر بالاتصال بالحكومات أو بالتجار المسلمين لإقامة هذا المشروع. [ذكرت في كتاب: (الإيمان هو الأساس) الشروط الواجب توافرها في الترجمة والمترجم في فصل: الإيمان بكتب الله].
الأمر الرابع: أن تقوم المؤسسات المعنية بالدعوة إلى الإسلام في المملكة العربية السعودية وغيرها، كالرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ورابطة العالم الإسلامي، والجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية... بإقامة دورات لأئمة المساجد ومدرسي اللغة العربية ومبادئ الإسلام، ليتقووا في ذلك ويكون نفعهم أكثر، ويمكن أن تتعاون هذه المؤسسات مع المؤسسات الأخرى في الكويت وقطر ومصر وغيرها، بعضها تتولى انتداب المدرسين، وبعضها تتولى الإنفاق المالي، وبعضها تتولى وضع المناهج وإعداد الكتب والمذكرات.
وتقام الدورة كل عام في منطقة من المناطق، ليحضرها مع المدرسين أكبر عدد ممكن من عامة المسلمين أو غيرهم، ليروا كيفية تطبيق الإسلام في العبادة والمعاملة.
الأمر الخامس: بعث الدعاة في الإجازات الصيفية. ويختارون من ذوي الفقه في الدين القادرين على نقل المعاني الإسلامية إلى المسلمين بالقول والعمل، ويستحسن أن يكونوا ممن يجمعون بين الفقه في الدين وإجادة اللغة الأجنبية التي هي لغة أهل البلد، فإن لم يتيسر ذلك اختير مع كل داعية ممن تقدمت صفاته، مترجم ماهر في الترجمة الفورية، عنده ثقافة إسلامية ومقدرة على ترجمة المصطلحات الإسلامية.
وهؤلاء الدعاة أرى أنهم ينقسمون قسمين:
القسم الأول: يبقى في كل مدينة أو مركز فترة مناسبة يعلم فيها المسلمين ويفتيهم ولا تقل عن عشرة أيام ـ مثلاً ـ .
القسم الثاني: مهمته الأساسية: أن يلتقي زعماء الجمعيات والمراكز الإسلامية في بلدان معينة ـ وبخاصة البلدان التي لا توجد عن المسلمين فيها معلومات كافية ـ لمعرفة نشاط مؤسساتهم، وتقويمه وتوجيههم ـ إن لزم الأمر ـ بما فيه مزيد من النشاط المفيد، بحسب التجارب والخبرات، ولأخذ معلومات عن الإسلام والمسلمين في هذه البلدان: وتسجيلها، مع تسجيل ما يرى من مقترحات لتقوية الدعوة الإسلامية في كل بلد، وتسلم هذه المعلومات للمؤسسات الإسلامية لدراستها والقيام بما يمكنها من عمل على ضوئها فإن وجود المعلومات ضرورة لمن يريد العمل في أي مكان.
الأمر السادس: الإكثار من المنح الدراسية، لأبناء المسلمين في أستراليا ونيوزيلندا وما شابههما من البلدان، ليتلقوا تعليمهم في بيئة إسلامية يتأثرون بها، حتى إذا رجعوا إلى بلدانهم يؤثرون في أهليهم وغيرهم، والمعاهد والجامعات الإسلامية كثيرة في العالم الإسلامي: في المملكة العربية السعودية، ومصر، وقطر، والباكستان، والهند، وماليزيا، وغيرها، وإذا كانت بعض الجامعات لا تستطيع أن تقدم منحاً للطلاب، فإن بعض المؤسسات يمكن أن تتكفل بالنفقات المالية لهؤلاء الطلاب.
الأمر السابع: الواجب على أغنياء المسلمين وحكومات الشعوب الإسلامية أن تساعد المسلمين في هذه البلدان، لإقامة مشروعاتهم حتى لا يضيع المسلمون وأبناؤهم في تيارات الكفر والعادات المخالفة للإسلام، وقد علمنا أن بعض أولاد المسلمين في فترات ماضية تنصروا وتركوا دينهم بسبب عدم وجود من يعنى بهم. ويمكن أن يقوم التجار الصالحون من المسلمين، باستثمار أموالهم في تلك البلدان، ويخصصوا جزءً من أرباحها لمصالح المسلمين العامة. [إنني أكتب هذه المقترحات وأنا أرى صعوبة تطبيقها، بسبب غفلة كثير من المسلمين في تلك البلدان عن مصالحهم من جهة، وعدم اهتمام أكثر المسلمين في خارجها بإخوانهم في تلك البلدان من جهة أخرى، ولكنه واجبي وقد جلت في مشارق الأرض ومغاربها ورأيت بعيني الخطر المحدق بالمسلمين في تلك البلدان أن أنقل من باب البلاغ ما رأيت واقترح ما أراه نافعاً وأرجو الله أن يهيئ من المسلمين من يؤدي واجبه، والله المستعان].
وقد وجدنا جهوداً طيبة لبعض الدول والشعوب الإسلامية وبعض الأغنياء ولكنها لا تكفي.
الأجواء المناخية:
عندما أقلعت الطائرة من مطار دارون، كانت الشمس على وشك الغروب إلا أنها ـ أي الطائرة ـ كانت تتجه إلى الشمال مع ميل إلى الغرب، ولذلك كانت تلاحق الشمس فيتأخر مغيبها.
وكنا نمر فوق المحيط الهندي، ونظرت من النافذة، وكان الجو بادئ الأمر صحواً، فرأيت بعض الجزر، فسألت عنها المضيفة؟ فقالت: إنها جزيرة تيمور، ثم مررنا على بقية الجزر الإندونيسية وقد رأيت في تلك الجزر جبالاً ومرتفعات، فتذكرت أني قد مررت بهذه الجزر ـ جزر إندونيسيا ـ قبل خمس سنوات، وقد فصلت ذلك في الكتاب الخاص بأندونيسيا من سلسلة في المشارق والمغارب. [زرت إندونيسيا بعد ذلك مراراً، وكتبت عنها معلومات جديدة. وقد بدأت في جمع السابق واللاحق من تلك المعلومات في كتاب واحد، أسأل الله أن ييسر لي إتمامه].
وبدت بعض الجزر شبيهة بالدبابيس، وأخرى شبيهة بقدم وكرة مثل: الجزء الجنوبي من إيطاليا مع صقلية، وأشكال أخرى غيرها...
وكانت السحب في بعض الأوقات تتراكم، حتى تظن لشدة كثافتها أن الليل قد أسدل عليك جلبابه، وتقل حتى تسفر الشمس ويتبرج البحر وجزره، وهكذا نحن والسحب مرة تمنعنا من رؤية غيرها، ومرة تنقشع حتى لا نرى منها شيئاً ونرى سواها.
ثم جاءت سحابة كبيرة أخذت مساحات واسعة أفقياً ورأسياً سدت علينا كل الآفاق المحيطة بنا، وأخذت الطائرة تتراقص عندما التقت تلك السحابة، ليس طرباً وإنما خوفاً وفرقاً من صراعها، اعترافاً بقدرة الخالق العظيم الذي ما ارتفع شيء من هذه الدنيا فيها إلا وضعه الله.
وبعد أن كشف الله غمة تلك السحابة وخرجنا منها سالمين، رأى الشيخ عمر منظر سحابة أخرى، فقال: هل رأيت قلعة صلاح الدين في حلب؟ قلت: لا. فقال: هذه السحابة كأنها قلعة صلاح الدين!. ثم جاءت قافلة أخرى من السحب أقل ارتفاعاً من الطائرة ممتدة على مد البصر، شبيهة بالسيل القوي الذي ينحدر من رؤوس الجبال في نظرنا لشدة سرعة الطائرة فوقه، وتحيط به سحب كبيرة من الجانبين كأنها جبال عظيمة.

من أين جاء هؤلاء الرهبان؟!

كان المضيفون الأستراليون يحاولون إكرامنا ويتلطفون معنا ويكثرون من عرض الأطعمة وتوابعها علينا، فكانوا كلما جاءوا لنا بشيء قلنا لهم: لا، "نو" ليس بسبب اشتباه طعامهم علينا في الحل والحرمة، لأن مما عرضوه علينا ما لا شك في حله، من أنواع الفواكه والعصير والسمك، ولكن بسبب أنّا تناولنا طعام الغداء متأخرين، فما كنا نطيق الزيادة، خشية من أن نرهق المعدة، وكان المضيفون يتعجبون من حالنا، كلما قدموا لنا شيئاً قلنا لهم لا نريده، والناس من حولنا ينهبون الأكل والشرب.
فقال الشيخ: الآن يقول هؤلاء المضيفون: من أين جاءنا هؤلاء الرهبان الذين لم نر مثلهم من قبل؟!.

هل أَنْفُكَ مُخْتَبَر؟!

وقدموا لنا حلوى ـ شوكلاتة ـ فأخذ الشيخ يشمها، وقال: ليس فيها شيء ـ يعني من الحرام ـ فقلت له: وهل أنفك مختبر حتى تحكم عليها؟!.
وبعد أن قضينا ساعتين وعشرين دقيقة غابت الشمس، وسبقت ناقة الله ناقتنا!.

اختلال الموازين:

جرت العادة أن يطمئن الإنسان في منزله أكثر من اطمئنانه في منزل غيره، وأنه يرتاح بين أفراد أسرته أكثر من ارتياحه بين أفراد غير أسرته، وأن يرتبط ببلده أكثر من ارتباطه ببلد غيره، فإذا فارق بعضاً من هذه فإنما يفارقها مؤقتاً على غير العادة ويعود إليها في أقرب فرصة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((السفر قطعة من عذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته أي حاجته ـ فليعد إلى أهله)). ولكن هذا الميزان وهذه القاعدة قد تختل إذا تغيرت الأمور فيصبح أحب إلى الإنسان أن يغادر منزله فلا يعود إليه، وأسرته فلا يفكر في الانضمام إليها، وبلده فيكره أن يذكر بالرجوع إليه: هذه حالة بعض العرب والمسلمين في هذا الزمن، فقد كرهوا منازلهم وبلدانهم وهربوا منها إلى أوطان أجنبية عنهم، فأحسوا بالراحة والطمأنينة فيها أكثر من بلدانهم، هكذا وجدنا كثيراً من العرب والمسلمين يصرحون بذلك، ويتمنون أن تعود إلى أوطانهم عاداتها القديمة: الحب والإخاء، والأمن والاستقرار حتى يتمكنوا من العودة إليها.
كان سبب ذكري لهذا الأمر أن شاباً فلسطينياً يسمى: إيهاب الخوري، مسيحي، أحد المضيفين في الطائرة، كما مضى ذكره عندما أردنا تناول طعام الغداء وعدنا أن يساعدنا بملء بطاقات الدخول إلى سنغافورة، وبعد أن قام بالخدمة المطلوبة منه في الطائرة جاء إلينا للوفاء بوعده، وهو يتكلم اللغة العربية بطلاقة، وقال: إنه متزوج من امرأة أسترالية، وأنه مرتاح معها ومرتاح بالعيش في أستراليا، وله فيها ستة عشر عاماً، وقال لنا: إن الحالة التي يعيش فيها العرب سيئة للغاية: الفرقة والتناحر والخلاف السياسي، والانقلابات، والتبعية للأجانب وعدم الاستقلال، كل ذلك كره العربي أن يعيش في بلاده، والأهم من ذلك أنه سهل لليهود أن يحتلوا بلاد العرب....
قلنا له: الشكوى إلى الله! وأنت عربي فلسطيني مسيحي، فاصبر على ما تسمع منا. لا يمكن أن يعود الأمن والاستقرار والعزة في المنطقة إلا بالإسلام! فسكت، وملأ بطاقتينا بالمعلومات اللازمة وودعنا وذهب.
وهذا ما أردته من هذا العنوان: انقلاب الموازين.

سلسلة في المشارق والمغارب

رحلة نيوزيلاندا
1404هـ – 1984م

د. عبد الله قادري الأهدل