رحلات أستراليا ونيوزيلاندا وسريلانكا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 21 صفحة
صفحة 13 من 21 (10) في مدينة بيرث

(10) في مدينة بيرث

(10) في مدينة بيرث

واستقبلنا في مطار مدينة بيرث الأخ رئيس مجلس الولاية في غرب أستراليا خليل إبراهيم فليفل، وأحد رؤساء الجمعيات في الولاية وأوصلانا إلى الفندق، واتفقنا معهما على أن يدعانا نرتاح إلى الساعة السابعة، ويأتينا رئيس المجلس ورؤساء الجمعيات للاجتماع بهم في الفندق لوضع خطة لزيارة المسلمين.

الاجتماع بزعماء الجمعيات الإسلامية في الفندق:

زارنا في الفندق "شيراتون" رئيس المجلس الإسلامي في غرب أستراليا ورؤساء الجمعيات الإسلامية الموجودة في بيرث في الساعة السابعة مساء.
حياهم فضيلة الشيخ عمر بكلمة وعرفهم بمهمة زيارتنا والبلدان التي زرناها أو سنزورها، وهنأهم بما مَنَّ الله به عليهم من القيام بالدعوة إلى الإسلام وخدمة المسلمين، وأن خير ما يجده المسلم عند الله هو العمل الصالح، والقيام بالدعوة من أهم الأعمال الصالحة، وحثهم على الإخلاص في العمل والقدوة الحسنة وقال لهم: إن الناس ينظرون إلى الداعي إلى الله على أنه قدوة حسنة وذكر لهم مثالاً لذلك، وهو دخوله مرة بنك الملك فيصل الإسلامي في جدة، وعندما رآه بعض الناس يدخل إلى البنك اتصلوا به وأخبروه أنهم كانوا مترددين في التعامل مع البنك، ولكنهم عندما رأوه يدخله اطمأنوا في التعامل مع البنك، والسبب في ذلك أنهم اعتبروه قدوة. ثم قال لهم: إن وجودكم في هذا البلد النائي يجعل المسؤولية عليكم أكبر، فيجب عليكم أن تبذلوا الجهد الأكبر من التعلم والتعليم والدعوة والتفاني في إيصالها إلى الناس.
وأخبرهم بموعد سفرنا إلى مدينة "بورت هدلند" يوم السبت القادم: 7/11/1404هـ ورغبتنا في أخذ معلومات عن جمعياتهم وزيارتها، ومعرفة ما عندهم من نشاط ومشروعات.

مجلس غرب أستراليا:

رئيس المجلس: خليل إبراهيم فليفل، وهو في أستراليا من سنة 1973م، يعمل في مطبعة له، متزوج، وليس عنده أولاد، وكان قبل ذلك يعمل في اللحم.
وكان يصلي في مسجد بيرث الذي بناه الأفغان ـ وهو غير مسجد أدلايد ـ إلى آخر سنة 1974م.
وبدأ بعض الإخوان بتأسيس جمعية بيرث الإسلامية، وكثر أعضاؤها واشتروا منزلاً في منطقة "ريفر فيل" وانسحب بعض الأشخاص من مسجد بيرث إلى هذه الجمعية، وبدأ آخرون يؤسسون جمعيات أخرى كجمعية: كتاننج، وجمعية بورت هدلند، وجمعية الطلاب المسلمين وجمعية كننج في مسجد يسمى بالمسجد التركي، ثم اجتمعت هذه الجمعيات وكونت المجلس الإسلامي في غرب أستراليا، وهو منتخب عن الجمعيات الخمس بنسبة أعضائها.
انتخب الرئيس، وأمين السر، ونائب أمين السر، وأمين الصندوق، وللرئيس خمسة نواب، كل رئيس جمعية يكون نائباً للرئيس.
ومهمة المجلس التنسيق بين الجمعيات ومعاونتها في تصريف أمورها وإرشادها في أمور كثيرة ترغب الجمعيات في إرشادها فيها. مثال ذلك: لجنة بناء المساجد، تقوم اللجنة بالاتصال بالدولة والوزراء، نيابة عن الجمعية للحصول على رخص مستمرة، وتعاونهم في تصميم المسجد.
وسيفتتح المسجد في مدينة بورت هدلند، وقد أخذوا رأينا في إمكان حضور أحد من الخارج لافتتاحه ليروا عمل المسلمين ويدعموهم معنوياً.
وانبثقت عن الجماعة الإسلامية في مسجد بيرث، جمعية اسمها جمعية الخدمات الإسلامية، وهي ليست منضمة إلى الاتحاد، لأنها لم تقدم طلباً إلى الآن للمجلس في غرب أستراليا، ولا للاتحاد.
وقد دعا المجلس هذه الجمعية للاجتماع، وأنشئت لجنة التنسيق بين المجلس والجمعية للاتفاق على بعض الأمور وتوحيد النشاط.

الجمعية الأولى: الجمعية الإسلامية في بيرث:

أنشأت سنة 1974م.
الرئيس: علوي عبد الله الشاطري.
نائب الرئيس: عبد الله بخاري ـ من مسلمي أستراليا، أسلم في ماليزيا، وتزوج امرأة ماليزية مسلمة من أكثر من عشرين سنة، تولى الأخ علوي رئاسة هذه الجمعية منذ سنة، وكان قبل ذلك سكرتيراً عاماً لها.
سكرتير الجمعية: أنور إبراهيم من سنغافورة، وكان سفيراً لسنغافورة في الهند.
أمين الصندوق: قاسم إسماعيل، من كرسمس (جزيرة أسترالية تقع في شمال غرب أستراليا).
أعضاء اللجنة التنفيذية: خمسة: الأربعة المذكورون والخامس اسمه: اثنين أحمد زيني. [يلاحظ أن المسؤولين في الجمعيات يتغيرون حسب الانتخابات بعد كل سنة أو سنتين].
عدد الأعضاء المشتركين في الجمعية: خمسة وستون ومائتا عضو، وهم الذين يشتركون مالياً، أما عدد المستفيدين من خدمات الجمعية فهم أكثر.

نشاط الجمعية:

توجد لديهم مدرسة للصغار، يوم الأحد ـ بنين وبنات، مدرسوها متطوعون وعدد طلابها خمسة وأربعون تقريباً.
تبعث الجمعية عمر الشاطري، لتدريس طلبة جامعيين يبلغ عددهم مائة وخمسين طالباً وطالبة، أكثرهم ماليزيون، في بيت أحد الطلبة، والجمعية في حاجة إلى متخصص في الدين متفرغ للعمل وكتب إسلامية.
يعلِّمون المسنين حروف الهجاء العربية من أجل أن يقرءوا القرآن فقط، يقوم بذلك رئيس الجمعية نفسه.
يوجد نشاط قليل بين غير المسلمين، لعدم وجود من عنده قدرة على دعوة غير المسلمين بالأساليب المؤثرة، ويدخل بعضهم في الإسلام بمعدل واحد في الشهر، وأسلم في هذه المدة: ستة أو سبعة.
يوجد مجلس استشاري إسلامي تابع للجمعية، وفيه ستة أعضاء يقومون بالخدمات الاجتماعية للمسلمين، كالحفلات والأعياد والزواج ونحوها، ويوجد بيت بجوار المسجد يحاولون شراءه لجعله مدرسة إسلامية ومقراً للاجتماعات.

الجمعية الثانية: جمعية كننج الإسلامية:

رئيسها: موسى ترزي، وهو تركي، يوجد هنا من سنة 1971م وهو متقاعد، بسبب عاهة أصابته.
نائب الرئيس: جمال نازلي، ويعمل في شركة مواد بناء.
أمين السر: فوزي كشك.
أمين الصندوق: إبراهيم كلنج.
ومع هؤلاء ثلاثة أعضاء آخرون هم اللجنة التنفيذية، وهم: سليمان يغوث، محمد علي مارتلي، وسامي شاكان.

نشاط الجمعية:

التعليم: لديهم مدرسة كل يوم لمدة ثلاث ساعات، يتعلم فيها الأطفال حروف الهجاء، ويتعلم الكبار قراءة القرآن والسنة والتفسير، ويقوم بتعليم الإسلام إمام المسجد: جمال النازلي.
تقوم الجمعية بعقد الزواج ودفن الموتى، ويفد إلى المسجد جماعة الدعوة والتبليغ.
ونشاط الجمعية الأولى هو تقريباً نشاط الجمعيات الأخرى.
عدد أعضاء الجمعية المشتركين: خمسة وثلاثون ومائتان، أما المستفيدون من الجالية فهم أكثر من ذلك، والجالية متماسكة ومعظمهم عمال، وكثير منهم عاطلون عن العمل.
بدأت الجمعية سنة 1979م، انبثقت عن جمعية بيرث ورتبت نفسها بجمع المال وتنظيم العمل، وسبب تجمع الأتراك في جمعية واحدة هو كون لغتهم التركية ولا يفهمون اللغة العربية، والجمعية الأم متعددة اللغات.
وقد أرادت الجمعية بناء مسجد وجمعت أربعين ألف دولار أسترالي من الأعضاء، واختاروا أربع قطع لشرائها للمسجد، ولكن البلدية رفضت بناء مسجد على أي واحدة منها.
وشروا قطعة أرض سنة 1981م، مساحتها ألف وأربعمائة متر ودفعوا قيمتها، وأعانتهم منظمة المؤتمر الإسلامي بمبلغ قليل وهو خمسمائة دولار، وعندهم ثلاثون ألف دولار، وقد تمت الموافقة على بناء المسجد بعد محاكمة بين الجمعية والبلدية، وتكلفة المسجد تقارب مائتي ألف دولار.
وقد ذهب: موسى، وسامي شاكان إلى المملكة العربية السعودية في أول رمضان بتوصية من الاتحاد، وقد قابلا الدكتور: على الكتاني والشيخ محمد بن قعود، ولم يتيسر لهم شيء في هذه الجولة، وقالوا: إنهم عازمون على إعادة الكرة مرة أخرى إلى المملكة العربية السعودية والكويت، حتى يتمكنوا من جمع مساعدة يبنون بها المسجد.

الجمعية الثالثة: جمعية الخدمات الإسلامية لغرب أستراليا:

أسست منذ سنتين ـ سنة 1982م ـ
الرئيس: هو الحاج عبد الله مجر، مصري له في أستراليا ستة عشر عاماً، ويعمل في الكيمياء الصناعية، نشيط في العمل، وقد أثنى عليه بعض المسلمين من غير جمعيته.
نائبه: عصام حلمي السمكري، وله في أستراليا أربع وثلاثون سنة.
أمين السر: جمال حور ـ متقاعد ـ له في غرب أستراليا سنة ونصف السنة، وكان قبل ذلك في مدينة برزبن (يقال أنه بريطاني الأصل) وكان طياراً.
أمين الصندوق: محمد جمال ـ مصري ـ وله في أستراليا خمس عشرة سنة، يعمل في البلدية.
وهؤلاء مع ثلاثة آخرين يكونون اللجنة التنفيذية، والثلاثة الآخرون هم: عبد الله أرنؤوط ـ لبناني ـ وقاسم كشويه من جنوب إفريقيا ـ وأسامة مجر.
ينتسب إلى الجمعية أربعون ومائتا شخص.

نشاط الجمعية:

تعليم الصغار والكبار، يومي السبت والأحد، في ثلاثة فصول، وتلقى دروس دينية للرجال والنساء.
ترتيب عقد الزواج ودفن الموتى.
احتضان أولاد المسلمين الذين يتركون أهلهم.
يستفيد من هذه الجمعية أكثر من ألف شخص.
توجد لجنة رياضية للأولاد، لإبعادهم عن الجو الأجنبي قدر الاستطاعة، ولجنة للتعارف العائلي والصداقات بين المسلمين، حتى يتعارف أولاد المسلمين وتوطد علاقات بعضهم ببعض.
مساعدة المسلمين الذين يفدون إلى هذا البلد باللغة والمادة حتى يتمكنوا من الاستقلال بحياتهم.
دعوة المسلمين إلى التمسك بدينهم، بدلاً من التخلق بأخلاق الأجانب، وهذا كثير في المسلمين.
ويشترك معهم في المركز جماعة التبليغ، ويبلغون الإسلام وإمام المسجد منهم ـ أي من جماعة التبليغ ـ وهو الأخ محمود النشار.
وتدفع الجمعية أجورا للمعلمين، ويوجد في الجمعية من يتبرع بالمال إضافة إلى الاشتراكات الرسمية، ويأملون أن يزداد عددهم وعدد الطلبة الآن ما بين ستين ومائة وسبعين ومائة، بنين وبنات.
ويدرس في يومي السبت والأحد أربعون رجلاً وامرأة، ولديهم مجلة شهرية: عربي وإنجليزي، وعندهم سيارة تحضر الطلاب ممن لا توجد عند أهلهم سيارات من بيوتهم وتعيدهم إليها.
وقد أثمرت الخدمات الاجتماعية بدليل زيادة العدد.
وكل عضو يدفع خمسة دولارات في السنة حداً أدنى.
وهناك من يدفع ألفاً أو أكثر، ولكن لا يحبون أن تذكر أسماؤهم ومقر هذه الجمعية في مسجد بيرث.
وقال الأخ عصام: المسلمون يحبون بعضهم بعضاً، ولكن يوم الجمعة يصعب عليهم أن يجدوا خطبة يفهمها الجميع لتعدد لغاتهم، ولهذا لا بد لكل فئة من خطيب يجيد لغتهم ويصعب أن تترجم الخطبة لكل فئة بلغتها، ولا يجيدون كلهم لغة واحدة، وفي مسجد بيرث أكثر من اثنتي عشرة جنسية.
ولم تنضم الجمعية إلى الاتحاد وستحاول ذلك فيما بعد، وقال الإخوة: إن المصلين في المسجد يوم الجمعة لم يكونوا يزيدون في بعض الأيام عن صف واحد، وقد يصلون إلى خمسة صفوف.
أما بعد نشاط هذه الجمعية فإن المصلين يوم الجمعة لا يجدون لهم مكاناً في المسجد لكثرتهم، وسبب ذلك هو ارتباط العمل الذي يخدم المسلمين، والأعضاء متآخون فيما بينهم، ويفكرون في شراء مكان لتغطية زيادة المصلين أو توسيع المسجد وتحتاج الجمعية إلى كتب دينية ومراجع إسلامية. واتفقنا أن نزور غداً الخميس جمعية "كننج الإسلامية" بحيث نصلي معهم الظهر، ونصلي المغرب مع جمعية مسجد بيرث، ونصلي يوم الجمعة في مقر المجلس الإسلامي مع جمعية بيرث الإسلامية، وبعد صلاة المغرب نجتمع بالطلاب.

جولة في ضواحي مدينة بيرث:

الخميس 5/11/1404هـ
جاءنا الأخ خليل إبراهيم فليفل في موعده المحدد في الساعة العاشرة صباحاً، واتصل بالخطوط الجوية لتغيير الحجز، إذ حجزنا يوم السبت صباحاً إلى بورت هدلند، بدلاً من يوم الجمعة ومررنا بنهر "سوان ريفر" أي نهر البجع ـ وهو الغرنوق ـ الذي عرفناه باللون الأبيض ـ ولكنه في هذا البلد ذو لون أسود.
وهذا النهر هو موئله الأصلي، وأصل النهر ينبع من شمال شرق البلاد، ويصب في المحيط الهندي، في مرفأ جريمنتون، غرب المدينة كما مررنا بحديقة كننج بارك التي كتب على كل شجرة منها اسم جندي من الجنود الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى، وفيها نصب للحرب العالمية الثانية، ونصب كبير للفرقة الأسترالية.. التي قضي عليها بأكملها قرب مدينة "جلي بولي".
وصلنا إلى مصب النهر في الغرب من المحيط الهندي، وعندما وقفنا على الشاطئ لنرى البحر كانت الرياح شديدة جداً أهاجت أمواج البحر، فكانت تلك الأمواج ترتفع إلى السماء وترتطم بشدة بالشاطئ فلم نطق البقاء هناك لأن رشاش الأمواج كان يخرج على هيئة سحب تسوقها رياح شديدة، لذلك أسرعنا إلى الدخول في السيارة التي خشي أن يتكسر زجاجها من ارتطام الأمواج به، وفي تلك اللحظة التي خرجنا فيها من السيارة وعدنا إليها تبللت ثيابنا.
وحصلت فرصة لشيخنا فقال: تُبْ يا أهدل من قرب البحار التي تحرص على زيارتها في كل مدينة!.
ورجعنا إلى الحديقة المذكورة، وكان ذهابنا إلى البحر من الجانب الشمالي للنهر ورجوعنا من الجانب الجنوبي منه.

في جمعية كننج الإسلامية:

وفي الساعة الثانية عشرة كنا في مقر جمعية كننج الإسلامية وقد سبقت المعلومات المتعلقة بها ـ الجمعية الثانية ـ.
وجدنا عدداً قليلاً من أعضاء الجمعية في المركز، لأن اليوم عندهم يوم عمل، والناس لا يحضرون إلى المراكز الإسلامية إلا في أيام الإجازات، ووصاهم الشيخ عمر بتقوى الله وذكرهم بالواجب الملقى على عواتقهم للعمل الإسلامي، وأن المسلم يجب أن يتميز عن اليهودي والنصراني بتطبيق الإسلام، ولا تكفي الدعوة بدون امتثال، وحثهم على الجد في تربية الأبناء، حتى لا يضيعوا في هذا المجتمع الذي لا يدين بالإسلام، وطلب منهم أن يبلغوا زملاءهم تحياتنا وسرورنا بما يقومون به من عمل في المركز، وحثهم على الصبر والمثابرة حتى يحصلوا على ما يصبون إليه من مشروعات تحقق نشر الإسلام والحفاظ على أبناء المسلمين.
وحصل نقاش حول المشكلات والحروب القائمة بين بعض الشعوب الإسلامية، وأجيب عن أسئلة كثيرة في هذا الموضوع وغيره.
وذكر لنا الأخ خليل فليفل أنه متزوج من امرأة أوروبية من مدينة "لكسمبورج"، التقاها في أستراليا ورغبت في الزواج به، ولكنه لم يلب رغبتها حتى أسلمت راضية مختارة، فتزوجها، وقد علمها ما تحتاج إليه من مبادئ الإسلام، والسور القصيرة التي تصلي بها مع فهم معانيها، وأنها من عائلة نصرانية متدينة، ولكنها رفضت أن تشاركهم في الكنيسة لعدم اقتناعها بما يعتقدون، ولما فهمت الإسلام اقتنعت به.
وصلينا الظهر في مسجد جمعية كننج ورجعنا إلى الفندق.

هاج و أهاج!

ذهب الشيخ إلى غرفته ونام، أما أنا فقد فتحت نافذة غرفتي المطلة على الخليج ـ ونحن في الطابق الثاني عشر من الفندق ـ فرأيت الخليج متأثراً بهياج المحيط الهندي الذي لم نستطع الوقوف على شاطئه لهياجه، وكان الخليج هائجاً كذلك، كانت أمواجه ترتفع ثم تمتد على الرصيف على الرغم من ارتفاعه، وحاولت أن أنام فلم أقدر لشدة تأثير المنظر عليّ: منظر البحر وأمواجه المتتابعة، وتمايل أشجار الحدائق المجاورة لشدة الهواء الذي كان يصارعها، وكلما أغلقت النافذة وأردت أن أمتد، دفعني الشوق إلى فتحها والوقوف بجانبها لأرى ذلك الهياج الذي أهاجني، فقد هاج البحر وأهاج غيره.

أين الرحمة؟!

إنني أثني دائماً على التزام الأوربيين – والأستراليون أوربيون – بتطبيق أنظمتهم التي وضعوها معتقدين أنها تحقق لهم مصالحهم، ولكن النظام وقد وضع لمصالح الناس لا يجوز أن يكون قاسياً إلى درجة الإضرار بالفرد، وإن كان النظام في مصلحة من يقع منه ذلك الضرر.
إن كثيراً من المسلمين ـ وإن كان إسلامهم ضعيفاً في نفوسهم ـ وعملهم به قليلاً، ترق عواطفهم على الضعيف والمضطر، ويتنازلون عما يخولهم النظام ويجعله حقاً لهم في سبيل رحمة الضعيف.
أقول هذا وقد رأيت منظراً من النافذة عندما كنت أطل على البحر آسفني: رأيت امرأة قطعت نصف الشارع لتعبر من رصيف إلى آخر، فوقفت في مكانها والمطر نازل عليها، ولم يعطها السائقون فرصة العبور من مكانها، فكانت سيارة تمر من ورائها وأخرى من أمامها، وهي في الوسط، وقفت دقيقة واحدة، ولم تتحرك إلا بعد أن انقطعت السيارات، ولهذا اضطر الغربيون أن يمنحوا الكفيف عصا ملونة ليعبر بها الشارع، حتى لا يستمر واقفاً لا يرحمه أحد بسبب النظام، فلا يرحم الإنسان إلا في حدود النظام، والنظام بشري، يفوته كثير من المصالح بسبب الجهل والهوى.
أما في بلداننا ـ وإن كانت الفوضى تسيطر على كثير من الناس ـ فالغالب أن السائقين إذا رأوا طفلاً أو امرأةً أو شيخاً كبيراً أو كفيفاً ـ بدون عصا بيضاء ـ واقفاً على الشارع، لا بد أن يوجد منهم من يرحم ذلك الواقف ويقف له وإن كان الحق للسائق في المرور، لأن الإسلام يدعو إلى الإيثار والرحمة، وكثير من الأنظمة البشرية قد تنطوي على الأثرة، لذلك تجد النظام البشري أحياناً لا يرحم.
وتراكمت السحب قبل المغرب واشتد الغيم وادْلَهَمَّ السواد الذي تعاونت على وجوده ـ بإذن الله ـ خضرة الغابات وزرقة البحر المائلة إلى السواد، والسحب السوداء، التي أكسبت العمارات المجاورة للفندق لوناً آخر غير لونها، فأصبح اللون الأبيض منها يرى كأنه بني داكن.
وإن جمال هذه البلاد ليغري بسكناها، لولا أن بلاد الإسلام خير منها، ولو لم يكن فيها شيء من الجمال المادي، فالمسلم مأمور بأن يهاجر من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، منهي عن العكس، إلا أن الضرورات قد تبيح المحظورات!.
إن طبيعة البلاد جذابة، ولطف الأستراليين في المعاملة مغر، وفطرتهم تميل إلى الصفاء وعدم الحقد، ولكن يخشى عليهم أن يفقدوا تلك الفطرة وذلك الصفاء على مر الأيام بكثرة الحاقدين الذين يفدون إليهم من العالم من يهود ونصارى وغيرهم.
ولو أن المسلمين اليوم جدوا في انتقاء الصالحين منهم والعلماء العاملين الذين يحبون هداية البشر إلى دين الله، وبذلوا في سبيل ذلك الأموال لإقامة المساجد وإنشاء المدارس الإسلامية، وتمويل الدعاة ومساعدة المحتاجين من المسلمين الذين فيهم قدوة حسنة للاستيطان والدعوة في أستراليا، لدخل كثير من الأستراليين في دين الله، وبخاصة إذا وجد الكتاب الإسلامي المناسب لكل فئة بلغة القوم ومستوياتهم يبين فيه محاسن هذا الدين ويشرح غوامضه بلغة سهلة وأسلوب ميسر، ويرد على شبهات الأعداء الذين استوطنوا في أستراليا وساءهم أن يوجد المسلمون على أرضها.
وإني لأرى ـ وأجزم ـ كما رأى غيري وجزم، أن أكثر الناس لم يبلغهم الإسلام على حقيقته، ولم يروه مطبقاً كما يريد الله في واقع الحياة ليتأثروا به. ولهذا قالت المذيعة النيوزلندية التي قابلت الدكتور جعفر شيخ إدريس في مدينة "ولنجتون": إننا لم نسمع عن الإسلام إلا هذه الأيام بمناسبة الكلام عن اللحم الحلال، وكان قولها هذا قبل أيام من كتابة هذه السطور.

في مسجد بيرث الذي بناه الأفغان سنة 1905م:

صلينا المغرب في هذا المسجد، وبعد الصلاة ألقى فضيلة الشيخ عمر محاضرة، قال فيها: إن وجود هذا المسجد في هذا البلد منذ ثمانين سنة تقريباً يدل على اهتمام المسلمين بإقامة المساجد للعبادة، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم اهتم ببناء المسجد أول قدومه مهاجراً إلى المدينة المنورة، فقد بنى مسجد قباء عند أول نزوله قباء، وبنى مسجده الشريف عند أول نزوله بالمدينة المنورة.
ومساجد المسلمين ليست كبقية المعابد، لأن المساجد بنيت لذكر الله وعبادته وإقامة دينه في كل الأوقات، بخلاف معابد اليهود و النصارى والوثنيين، فإن أوقات قصدها قليلة، ويعبد فيها غير الله، وتوجد فيها معصية لله، والمسلمون سواسية في مساجدهم بدون تفرقة بين جنس وجنس، وذكر قصة المرأة السوداء التي كانت تسكن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقوم بتنظيفه، فلما ماتت ودفنها الصحابة ليلاً دون علم الرسول صلى الله عليه وسلم، وسأل عنها فأخبروه بذلك فطلب أن يدلوه على قبرها فذهب إليه وصلى عليها.
ولهذا فإن المسلم عندما يصل إلى أي بلد يسأل عن المسجد، فإذا وجده وجد فيه إخوة يحبهم ويحبونه، فتذهب غربته، فالعناية بالمسجد وعمارته مادياً ومعنوياً من أهم الأمور في الإسلام، والمسجد وشعائره هي التي تميز المسلمين عن غيرهم عند المجاهدين، فإذا جاء الجيش الإسلامي لغزو بلد تريث فإن سمع أذاناً كف عن قتالهم، وإلا قاتلهم.
وقد سرَّنا وجود المساجد في هذا البلد والاهتمام بها، ولكن الذي فقدناه ـ أو هو قليل ـ إحضار أطفال المسلمين إلى المساجد، فإن حضورهم إلى المسجد يجعلهم يألفونه ويعتادونه إذا كبروا، وعدم حضورهم إلى المسجد يجعلهم يعزفون عنه ويفضلون حضور بيوت الملاهي على بيوت الله، واعتياد الإنسان المسجد يدل على إيمانه { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ}. [التوبة: 18].
ومن محاسن المسلمين وجود هذا المسجد، غفر الله لمن بناه... وأهم ما أحببنا رؤيته هو المسجد القديم هذا، وليست مناظر مدينة بيرث ولا جمالها، ومن بنى لله بيتاً بنى الله له بيتاً في الجنة، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الأخ أيوب خان: إن مسجد مدينة أدلايد بني في سنة 1893م وفي برزبن بني المسجد في سنة 1911م.

وقد التقينا بعض الإخوة:

الشيخ محمود النشار. مصري، من كفر الدوار، قرب مدينة الإسكندرية.
ولد سنة 1932م.
درس في كلية الزراعة.
جاء إلى أستراليا سنة 1967م (سنة الهزيمة العربية) ونزل في مدينة بيرث، وعمل في التحليل الكيماوي، وترك ذلك في سنة 1980م، وهو يقوم بإمامة المسجد منذ سنتين ولم يتزوج.
الأخ محمد عبد الوهاب: (مسلم جديد)
ولد في إنجلترا في "ونشتر" 1955م، وجاء إلى أستراليا سنة 1967م مع والده، درس الابتدائية في إنجلترا والثانوية في أستراليا، ورجع إلى إنجلترا، وتجول في بلاد أوربا فرنسا وألمانيا وإيطاليا، ثم رجع إلى أستراليا وعمره عشرون سنة، عمل في المشتل: زراعة الزهور والأشجار، وكان أول اتصاله بالإسلام سنة 1974م، اتصل بأحد المسلمين وقرأ عن الإسلام، وفتح الله قلبه للإيمان، وسافر بعد إسلامه إلى تركيا ومصر والسودان.
والسبب الأول لإسلامه هو التوحيد، لأنه تربى في المدارس المسيحية وكان عنده شك في التثليث، فلما وجد التوحيد في الإسلام انشرح صدره له.
وكان سبب سفره بعد إسلامه أن يطلع على حقيقة الإسلام في بلدان المسلمين، ورجع إلى أستراليا، ثم ذهب إلى الهند وباكستان وماليزيا، وتزوج سنة 1982م، وعنده ولد سماه أحمد.
وسألناه ـ بعد أن أدلى بهذه المعلومات ـ هل وجد في البلدان الإسلامية الإسلام على حقيقته كما عرفه من القرآن والسنة؟.
فقال: وجدت ذلك في بعض الأفراد، ولم أجده في الدول.
قلنا له: هل خالجك شك في الإسلام عندما رأيت الدول التي زرتها لا تطبقه؟.
قال: لا، لم يغير ذلك من إيماني شيئاً، ولكني حزنت حزناً شديداً.
وسألناه عن نشاطه في الدعوة: فقال: لا يدعو غير المسلمين مباشرة، وإنما يدعوهم بعمله: بصلاته وسلوكه ولباسه، ويكتب إلى أهله بما رآه في البلاد الإسلامية ولا ينكرون عليه إسلامه.
وسألناه: هل ترى دخول غير المسلم في الإسلام سهلاً؟
فقال: إذا وجد دعاة صالحون يمثلون الإسلام ويكونون قدوة حسنة ووجد المجتمع الإسلامي الذي يطبق الإسلام في حياته، فلا أرى صعوبة في ذلك.
قلت: نعم، بهذه الشروط التي ذكرها الأخ محمد، وهذا يفسر لنا قلة إقبال غير المسلمين إلى الإسلام، لأنهم لم يجدوا من يبلغهم حقيقة الإسلام بالوسائل المناسبة، ولم يجدوا الدعاة الذين يمثلون القدوة الحسنة، الذين يخاطبون كل أمة بلغتها، ولم يجدوا الكتب والمراجع التي تقنعهم بالإسلام بلغتهم، ولم يجدوا التطبيق العملي في حياة كثير من المجتمعات الإسلامية، ولهذا اختصر الأخ محمد أسباب سهولة دخول غير المسلمين في الإسلام في هذه الأمور تقريباً.
مساحة المسجد القديم ستون متراً مربعاً (فقط!)، ويوجد دور تحت الدور الأرضي للمسافرين، وفي فنائه غرف أعدت لاستقبال الضيوف أيضاً، ومطبخ، وغرفة لغسل الموتى، وقد زيد في المسجد، وساعد في تكملة بنائه بهذه الزيادة ثلاثة من المسلمين في مدينة بيرث، ولم يتناولوا مساعدة من الخارج إلا ألف دولار من ماليزيا، وألف دولار من السفير المصري، والسفير السعودي تبرع بخمسة آلاف دولار تقريباً، وفيه قاعة للاجتماعات.
ومصاريف المسجد يؤديها اثنان متطوعان من المسلمين هنا.
وقد أثنى الأخ خليل فليفل على الأخ أيوب.
وألقى فضيلة الشيخ عمر كلمة شكر فيها الجمعية على الخدمات التي تقوم بها وحثهم على مواصلة الجهود في ذلك.
ثم قال الأخ أيوب: لقد زارنا الدكتور عبد الله الزايد، وكان مبعوثاً من الملك فيصل، ووعدنا بالمساعدة ولم يأتنا شيء، ولكن نأمل أن يصل إلينا ما يساعدنا على مهمتنا، وهذا المسجد يعتمد على الله ثم على أهله، ونملك الآن ثلاثة وعشرين ألف دولار، منها خمسة آلاف من السفير السعودي والباقي محلية، وتمر بنا فترات نكون في حاجة إلى المال لهذا المسجد ولكن الله ييسر الأمور.
وقد كلف التوسيع الجديد وموقف السيارات خمسمائة وثمانين ألف دولار.
وحصل نقاش طويل حول المساعدات لا داعي لإثباته هنا. [المسودة (4/44-47، 55 وما بعدها)].
وقد دلهم فضيلة الشيخ عمر على كيفية طلب المساعدة ومتابعة ذلك.
وتابع فضيلة الشيخ عمر كلامه حول وجوب وحدة المسلمين التي لها دعائم قوية في الإسلام، وأن كل الوشائج والصلات تنقطع إلا وشيجة الإسلام، وحث الحاضرين على تفهم الإسلام بالتعليم وتطبيقه بالعمل، وعلى الإخلاص في العمل والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم. ودارت مناقشات طويلة وألقيت أسئلة وأجيب عنها.
وقد أنشئت جمعية مسجد بيرث الإسلامية سنة 1905م.
ورئيسها هو متولي أمر المسجد محمد أيوب خان، ونائبه سليمان كجمك، ألباني، وهما اللذان يقومان بالإدارة فقط.

نشاط الجمعية:

يعلمون المسلمين كل سبت وأحد وبخاصة الصغار، وخصصت غرفة لجماعة التبليغ ويقومون بجولتين في الأسبوع. وينظمون حفلات الأعياد وعقود الزواج وبقية حفلات المناسبات. وقال أيوب خان أما عدد الأعضاء، فإنا نعتبر كل المسلمين أعضاء، لأن بيت الله مفتوح للجميع.
مسلم جديد: الأخ محمد أمين.
والتقينا الأخ الأسترالي: محمد أمين، أسلم منذ ستة شهور.
وقال: إنه قبل أن يسلم قرأ القرآن عن طريق ترجمة معانيه باللغة الإنجليزية لمدة أربع سنوات، وتعرف على بعض الطلبة في الجامعة من المسلمين.
والسبب في دخوله الإسلام أنه من وقت قراءة القرآن، بدأ ينسى الدين المسيحي، وتعرف على رجل أفغاني مسلم وعلمه الدين الإسلامي فاقتنع به وأسلم.
درس في الجامعة: كلية الزراعة، ودرس سنتين ليكون معلماً وأصبح معلماً، ولكنه ترك التدريس بعد أن أسلم، لأن كل المدرسات والطالبات متبرجات، ويصعب عليه العمل معهن، وقال: في إمكاني أن أستمر ولكن إيماني ليس قوياً وأخشى على نفسي. [قلت: هذا هو الصدق، المؤمن الذي يعلم وسائل المنكر القوية التي تصعب عليه مقاومتها، لا بد أن يتجنبها ولا يلقي بنفسه فيها، وليس كما يتبجح بعض المسلمين الذين يخالفون أوامر الله ويختلطون بالمنكرات ويزعمون أنهم قادرون على تجنب الفساد..!].
ومما لفت نظر الأخ محمد أمين في القرآن أنه عندما قرأ سورتي الإخلاص، وسورة العصر وجد أن الإله واحد فقط في الإسلام (التوحيد) وكان قبل ذلك يفكر ويتعجب كيف يكون الإله عدة آلهة؟!.
وعندما ذهب إلى الهند وبنغلاديش أخذ فكرة قوية عن الإسلام، وقال: إنه يوجد في مبادئ المسيحية ما يشبه الإسلام (في بعض الآداب) ولكن كلام المسيحيين نظري، أما الإسلام ففيه تطبيق عملي مثل حجاب المرأة وطاعة الولد والديه.
وكان الأخ محمد لابساً لباساً عربياً: (غترة وعليها عصابة كعصابة أهل البادية عندنا، ولحافاً كلحاف السودانيين أو الحضارمة).
وقال: إنه كان يشرب قبل الإسلام، وله صديقات وهو أمر طبيعي في المسيحية، ولكنه بعد أن أسلم قوي على ترك تلك الأمور المخالفة للإسلام.
وعندما يدخل المسجد يشعر بسلام.
وسألناه عن موقف أقاربه منه بعد إسلامه؟
فقال: إن والديه عندما أسلم عارضاه بشدة وعنف، وعندما سافر إلى الهند بعث صديقاً له يقرأ لهما ترجمة معاني القرآن ويشرح لهما الإسلام، وقد مرض في الهند مرضاً شديداً، وقال له والداه: إن سبب مرضه هو الإسلام، ولكنه ثبت على إسلامه.
وما زال يعيش معهم اعتبارياً، ولكنه فضل أن يعيش في الجامع فراراً من المحرمات وارتكابها. ويقوم بخدمة والديه إلا فيما يحرمه الإسلام. ولم يتزوج إلى الآن، وهو عازم على الزواج ثم الحج، وعمره إحدى وعشرون سنة.

هل يكره الأستراليون الإسلام؟

أجاب الأخ محمد: إننا لو أريناهم الإسلام على حقيقته في سلوكنا، لما كرهوا الإسلام ولأحبوه، ولكنهم يسمعون دعاية ضد الإسلام غربية خبيثة ويسمعون عن تصرفات بعض حكام المسلمين ما يوافق تلك الدعاية السيئة، وهذا هو السبب في عدم إقبالهم إلى الإسلام.

وما الوسائل المفيدة لنشر الإسلام؟

وقال الأخ محمد: إن الأستراليين إذا وجدوا من يتحدث عن الإسلام منهم بلغتهم سيستمعون إليه أكثر، وإذا علموا معاني الإسلام جيداً فإنهم سيدخلون فيه.
ومما يساعد على فهم الإسلام ترجمة الكتب الإسلامية، لأنها تساعد على التعريف بالإسلام، وتمهد الطريق للدعوة.
وسبب إسلام كثير منهم هو قراءتهم ترجمة معاني القرآن الكريم.
وقد نصحنا الأخ محمد أمين أن يذهب إلى بلد إسلامي ليتعلم الدين الإسلامي حتى يعود قادراً على شرح معاني الإسلام للأستراليين، ونصحناه أن يتصل بالسفير السعودي ليساعده على ذلك، فقال: إنه يرغب في ذلك وسيفعل.

لا أريد أن أغير عادتي:

الجمعة: 6/11/1404هـ.
سهرت في هذه الليلة إلى الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل لكتابة مذكراتي اليومية التي كانت مبعثرة في كراسة صغيرة، خشية من نسيان كثير منها إذا تأخرت عن كتابتها كثيراً. [وقد دأبت بعد ذلك على حمل دفتر كبير يتسع لكتابة المذكرات اليومية بالتفصيل لمدة شهر أو أكثر، ووجدت ذلك أنفع وأحفظ للمعلومات مفصلة].
وبعد أن صلينا الفجر وقرأنا حزبنا من القرآن والسنة ـ في كتاب رياض الصالحين، للنووي رحمه الله قال الشيخ: البرنامج الثالث اليوم عندنا ضعيف، ما رأيك لو نزلنا إلى مطعم الفندق لنرى ما يمكننا تناوله من الطعام؟.
فقلت له ـ وكنت متعباً ـ : أنا يا شيخ في حاجة إلى الراحة اليوم، وإذا كان عندك في مطعمنا المعتاد (زنبيل كان الشيخ يحمله من مكان لآخر نضع فيه بعض المأكولات التي لا شبهة فيها، لتناولها عندما نشك في حصولنا على طعام تطمئن إليه نفوسنا، وبخاصة في المساء والصباح) شيء يمكن أن تتناوله، وأنا أحب أن أنام، فقال: يوجد شيء من الخبز وقليل من العسل يمكنني الاكتفاء به ولا أريد أن أغير عادتي.

هذا جزائي!

غادر الشيخ غرفتي إلى غرفته ولم يغير عادته، وأنا أردت أن أغير عادتي، فاستلقيت على سريري وأخذت أغمض عيني، فلم أتمكن مما أردت، ذلك أنه كان يوجد بجانب غرفتي إزعاج شديد: طرق مستمر لإصلاحات في الفندق، فلم أنم ولم أنزل مع الشيخ للمطعم وكان حقاً عليّ السمع والطاعة، ولم أذهب معه لأشاركه في مطعمنا ولو قل ما فيه! وقلت في نفسي هذا جزائي.
ثم فتحت ثلاجة الفندق فوجدت بها قرطاساً من حبوب الفول السوداني وبعض علب العصير البرتقال، فاستدركت بذلك البرنامج الثالث، والحمد لله.

جولة حول مدينة بيرث:

وفي الساعة الحادية عشرة جاءنا الأخ خليل وذهبنا لنتجول في بعض المناطق القريبة من مدينة: بيرث، فمررنا بالمنطقة الصناعية وقال الأخ خليل: إن أستراليا تصدر المواد الخام، وأهمها: الحديد والقمح والثروة الحيوانية.
وعدد سكان مدينة بيرث مليون، وسكان بقية غرب أستراليا كلها نصف مليون.
وكنا في طريقنا إلى رابية مرتفعة في شرق المدينة، وكل المناطق التي بينها وبين المدينة صناعية، ومن ضمنها مطبعة الأخ خليل التي مررنا بها، وهي تقع على يسار الذاهب إلى تلك الربوة.
وتوجد في الغابات بيوت متفرقة للمزارعين، وسألنا: هل تعطي الدولة الأرض للمزارعين؟ قالوا: في هذه المنطقة الآهلة بالسكان يشتري المزارع الأرض من المالكين، أما في الشمال فالدولة تعطي المزارعين الأرض مجاناً، وقد تعطي بعض المزارعين مليون فدان، ويحددون لكل عشرة أفدنة وجود بقرة واحدة، لأنه إذا حصل جفاف تموت الأبقار، ويتضاعف موتها إذا كثرت.
وتوجد في المزارع خيول يستعملونها للسباق من أجل المقامرة.
ولم نجد في طريقنا إلى تلك الربوة مشاة في الطريق مع طول المسافة نسبياً، حتى قال الشيخ: كأن البلد لا سكان فيها. وقال الأخ خليل: إن الناس في أعمالهم والأولاد في المدارس، والناس هنا لا يجتمعون ولا يتراحمون قلوبهم متنافرة، على الرغم من أن القانون الأسترالي يلزم الجار أن يساعد جاره، وإذا حدث للجار ضرر وجاره يقدر على مساعدته فلم يساعده يعتبر كأنه جنى عليه.
قلت: إنهم حاولوا قدر استطاعتهم وعلى مستوى عقولهم أن يحققوا للإنسان مصالحه، ولكن العقول مهما بلغت من الذكاء، وأهلها مهما اجتهدوا في تحقيق المصالح، والقوانين مهما روعي فيها ذلك، كل ذلك لا يحقق تلك المصالح بالقدر الكافي بدون شرع الله، وإن التقت بعض اجتهاداتهم مع شرع الله في بعض الجزيئات، وقد يطبقون ذلك خوفاً من القانون وليس عن إيمان، كما هو شأن المسلم الذي يطبق الشرع من أجل أن يرضي الله، والقانون بدون خوف الله يمكن أن يحتال عليه.
وطلب الأخ خليل منا أن نبعث له ببعض الكتب الإسلامية المترجمة إلى اللغة الإنجليزية، تشرح مبادئ الإسلام، ليقوم بطبعها ويستفيد منها المسلمون وغيرهم ـ مع العلم أن عنده مطبعة ـ وطلب منا بعض الكتب التي تهتم بالإعجاز العلمي ليستعان بها على دعوة غير المسلمين من الطبقات المثقفة.

في مركز المجلس الإسلامي:

وبعد تلك الجولة رجعنا إلى المدينة لنصلي الجمعة في مسجد مركز المجلس الإسلامي في غرب أستراليا.

المسلم الأسترالي الجديد ستيفن:

وقبل دخول المسجد التقينا شاباً أسترالياً مسلماً، وأخذنا منه المعلومات الآتية:
ولد سنة 1954م، في مدينة بيرث، مسيحي، تخرج من الثانوية العالية، يعمل في وزارة المعارف، مهندس، لم يكن متديناً جيداً في المسيحية.
عاشر الطلبة الملايويين واختلط بهم، والذي قربه إليهم، أخلاقهم الطيبة (القدوة الحسنة) ورغبته في الزواج منهم، وأسلم بعد أن قرأ عن الإسلام كتاباً بعنوان "الإسلام وكيفية تطبيقه" لمريم جميلة، وقرأ ترجمة معاني القرآن، فوجد أشياء كثيرة معقولة ومنطقية دفعته إلى الإسلام.
دخل في الإسلام وهو مقتنع بأنه الدين الحق، وكانت عنده مشكلات كثيرة في الدين المسيحي، وقد أثر الإسلام في حياته فشعر بالاطمئنان بعد أن كان يشعر بالقلق وسمى نفسه: شهرين محمد ديمون عبد الله، وسبب اختياره هذا الاسم أنه وجد اسم رجل هكذا في مجلة ملايوية.
وسئل عن الوسائل التي يرى أنها تقنع غير المسلمين بالإسلام، فقال: كل وسائل الدعوة تنفع في هذا المجال، ولكن المقارنة بين الإسلام والمسيحية توصل العاقل إلى أن الإسلام هو الدين المعقول.
قلت: نعم، ويعرف هذا من اطلع على ما في نسخ الأناجيل والتوراة أيضاً، من النقائص التي يصفون بها الرب والرسل عليهم الصلاة والسلام وغير ذلك مما لا يمكن لعقل سليم أن يقبلها.
وقد كان إسلام الأخ (شهرين) "ستيفن" سنة 1975م.
ومركز المجلس الإسلامي لغرب أستراليا، يشتمل على مقر للمجلس ومكتب للإشراف على اللحم الحلال، وغرفة لتجهيز الموتى، وفيه مقر الجمعية الإسلامية في مدينة بيرث، ومسجد لإقامة الصلوات.
وقد امتلأ المسجد الذي يتسع تقريباً لستة صفوف يقارب عددهم مائة مصل، وصلى بهم عمر الشاطري وخطبهم، وهو من الدارسين في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وتخرج من كلية الشريعة سنة 1969م، وكان من الذين نجوا من بين سكان العمارة التي سقطت قبل تخرجه بسنتين تقريباً، [سمتها وسائل الإعلام في تلك الفترة بـ(عمارة الموت)]. في المدينة المنورة في محل العمارة المسماة الآن بفندق القاسم، [لم تبق عمارة القاسم ولا غيرها من العمائر القديمة والجديدة بعد توسعة المسجد النبوي الشريف!]. وكانت تقع جنوب مستشفى الولادة القديم في الجنوب الغربي لميدان باب الشامي غرب مخرج النفق الحالي.
وقد انفض الناس بعد الصلاة مباشرة إلى أعمالهم، ولم يبق إلا بعض أعضاء جمعية بيرث الإسلامية.
وقد وجه لهم فضيلة الشيخ عمر كلمة طويلة رأيت أن أثبتها لما فيها من الفائدة لكل الجمعيات الإسلامية في العالم، ومن عادتي أن أكتب نص الكلام الذي يقال في الغالب.
فقد عرفهم بمهمتنا في هذه الرحلة، وبالجامعة الإسلامية وما تقوم به من الدعوة والتعليم، ثم قال: ويهمنا الاجتماع بالقيادات في الجمعيات الإسلامية، وقد نصارح الإخوان بما فيه مرارة، ولكن الغرض منه التناصح.
العمل للإسلام ليس الهدف منه الرئاسة والشهرة، وإنما الهدف العمل للإسلام، والشخص القيادي ليس معصوماً، ولكن يجب أن يحاول أن يكون قدوة حسنة، وإذا وجد الإخلاص بارك الله في الجهود وحصلت الثمرة.
والواجب السعي في إزالة أسباب الخلاف، وتثبيت وسائل الاجتماع والائتلاف، وبخاصة في بلد لكم فيه حرية كاملة في الاجتماعات والدعوة إلى الإسلام، لا تضييق ولا مراقبة. وإذا تفاقم الخلاف وأحست الدولة وجود مشاكل، فإنها قد لا تترك الحرية للمسلمين، ومما ساءنا كثرة وجود الخلاف بين المسلمين في كل بلد زرناه في أستراليا، والسبب هو الهوى وحب الذات وطلب الرئاسة، وليس المقصود به وجه الله.
فإذا وجدت القدوة الحسنة، فإن الأستراليين ـ وبلادهم بكر أقرب إلى الفطرة ـ سيقتدون بالمسلمين، أما إذا رأوا عكس ذلك فإنه سينفرهم عن الإسلام.
ومما لا يعجبنا عدم أخذ الأولاد إلى المساجد، ولا بد من العناية بذلك ليبقى الإسلام في الأجيال القادمة.
ولم نجد عناية بدعوة غير المسلمين من الأستراليين، وما فائدة مراكز ومساجد مع وجود الخلاف وعدم القيام بالدعوة إلى الله، وقد دخلت بلدان بأكملها في الإسلام بسبب وجود تجار مسلمين فيها، كإندونيسيا وماليزيا وغيرها، ولكن هذه الأشياء لا ينبغي أن توجد في نفوسنا، فنحن إنما ذكرناها للتشجيع وإثارة الحماس في النفوس.
التعليم يجب التوسع فيه للأولاد في المنازل والمدارس، ولا يكفي تعليمهم في يوم واحد في الأسبوع.
وإذا كانت الكنيسة مستيقظة وتجتهد في تخصيص دعاة في أماكن متعددة مع فساد معتقدها، ونحن بيوتنا خراب فكيف نكون دعاة إلى الإسلام؟
والجمعية تنصب نفسها قدوة حسنة للناس، وكأنها خلافة ونيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليفتش كل واحد عن حاله أهو كذلك؟ فإن كان كذلك فليزدد وليستمر وإلا فليصلح نفسه حتى يكون قدوة حسنة.
هذا وقد سبقت المعلومات عن هذه الجمعية في مذكرات يوم الأربعاء 4/11/1404هـ، وهي الجمعية الأولى.

جزيرتا: كرسمس وكوكس:

والتقينا بعض رؤساء قبائل جزيرتي: كرسمس وكوكس، وهما تبعدان عن أستراليا بمسافة ثمانمائة كيلو تقريباً، وتقعان بين أستراليا وإندونيسيا. والأولى منها أقرب إلى أستراليا، والثانية أقرب إلى إندونيسيا، وقد أمرت أستراليا سكان الجزيرتين بالانتقال منهما إلى أستراليا نفسها، لأنها تريد أن تجعلهما منطقتين عسكريتين. وقد انتقل بعضهم والباقون سينتقلون، والمسلمون في الجزيرتين يشكون من عدم وجود إمام يصلي بهم ويعلمهم، ولا يجدون من يجهز لهم الجنازة على طريق السنة، وقد أشار لهم الشيخ عمر أن يكتبوا إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وقال لهم: نحن إذا سئلنا سنزكي طلبكم إن شاء الله.

جمعية الطلبة المسلمين:

ثم التقينا بعض الطلبة المسلمين من ماليزيا.
ورئيسهم: الأخ جيلاني حسماني الذي قال: إن الجمعية أسست سنة 1975م، وأغلب أعضائها من ماليزيا وإندونيسيا، ثم من بنغلاديش، فبروناي، فالسودان، ولا يوجد لهم مقر خاص وإنما يستعملون بعض القاعات في الجامعة، وعددهم ثمانون طالباً.
من نشاطهم: دراسة دينية أسبوعياً، ولهم في كل أسبوعين اجتماع يتباحثون فيه شؤون دينهم وتنظيم عملهم.
وفي كل أربعة شهور يعقدون مؤتمراً، تلقى فيه المحاضرات ويعرضون بعض الأفلام عن طريق الفيديو إذا كان لها صلة بالدعوة، ويتم فيه لقاء بين الطلبة وتعارف.
وهذه الجمعية الطلابية هي شعبة اتحاد الطلبة في كامبرا ـ عاصمة أستراليا ـ ولكن لبعد المسافة بينهم وبين المسؤولين في كامبرا جعلهم يراجعون من هو أقرب إليهم، وهم الآن يراجعون عمر الشاطري في بعض مشكلاتهم.
وقد بدؤوا في دعوة غير المسلمين هذه السنة في شهر مايو الماضي وبدؤوا بالمحاضرات، والتجاوب قليل لأن العمل جديد.
وقال الإخوة: يمكن أن ننجح في المستقبل، لأن الطالبات المسلمات يحتجبن الآن، وغير المسلمين يتساءلون ويعرفون الجواب عن طريق المحاضرات، وأغلب الطالبات ماليزيات.
والاتصال الفردي مع الأستراليين غير المسلمين ليس موجوداً الآن، وإذا جاء الأسترالي إليهم يحدثونه عن الإسلام.
وقال الإخوة: إن معلوماتنا عن الإسلام قليلة، والأستراليون يسألوننا عن بعض الأمور التي تشكل عليهم، مثل الخلافات التي تقع بين المسلمين كحرب العراق مع إيران، ولا نستطيع أن نجيبهم (وقد نبهنا الإخوة قاعدة عامة، وهي: أن التطبيق العملي الذي يرونه مخالفاً للإسلام من قبل بعض الدول التي تحكم الشعوب الإسلامية يجب أن لا يحمل الإسلام تبعته).
وقال الإخوة الطلبة: إن أحسن وسيلة للدعوة إلى الإسلام، هو وجود دعاة ماهرين في فهم الإسلام، مع فهم اللغة التي يخاطبون بها الناس.
وقالوا: إن البهائيين قد دعونا للتباحث معهم في الدين، ولكنا رفضنا الحضور معهم لقلة معلوماتنا.
وإذا حضر بعض العلماء الذين لا يجيدون اللغة الإنجليزية ينفعون، ولكن نفعهم غير كامل، لأن الترجمة لا تكون وافية بالغرض.
والفرص كثيرة للدعوة، وعندنا قسم خاص في الإذاعة، ولكن لا يوجد من يقوم بذلك.

مع الأخ عمر الشاطري:

ثم دار نقاش طويل بيننا وبين الأخ عمر الشاطري في الفندق قارب ساعتين من الزمن، وكان النقاش حول المشكلات التي حصلت في مدينة أدلايد، ونصحنا الأخ عمر الشاطري أن يشكر الله الذي جعله يتعلم الإسلام في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجامعة الإسلامية، وعليه أن يكون قدوة حسنة يدعو إلى الله ويحاول جمع كلمة المسلمين ووعد أن ينفذ كل ما نُصِح به. [المسودة (4/69 وما بعدها)].

بروناي ـ دار السلام:

سمعنا عن هذا البلد واستقلاله، وأن زعيمه مسلم من أصل عربي وأنه يريد تطبيق الإسلام فيه. [بعد زيارتي لبروناي في عام: 1409 هـ ـ 1989م اتضح لي أن تلك كانت إشاعات مبالغاً فيها، فلا تطبيق لأحكام الشريعة إلا في بعض الشعائر التعبدية وبعض المظاهر الاحتفالية، وإن كانت عواطف الشعب -كغيره من الشعوب الإسلامية - تستجيب للتوجيهات الإسلامية، إلا أن الموجهين من العلماء الموجودين هناك يميلون إلى التصوف والاحتفالات المعتادة في كثير من بلدان المسلمين، مثل الرجبية والشعبانية والمولد النبوي… أما التطبيق العملي الشامل للشريعة الإسلامية فلا وجود له].
فسألنا الأخ عمر الشاطري عنه لقرب بلاده ـ سنغافورة ـ منه؟
فقال: يقع هذا البلد الصغير في جزيرة: بورنيو، وهي أكبر جزيرة في العالم ـ وهي ثلاثة أقسام: القسم الجنوبي منها تابع لإندونيسيا، والقسم الشمالي تابع لماليزيا، وبروناي تقع في وسط القسم الشمالي بين سرواك وصباح، وهما ولايتان من ولايات ماليزيا (الشرقية).
استقلت بروناي في هذا العام: 1984م.
نسبة المسلمين فيها ستة وتسعون في كل مائة من السكان الذين يبلغ عددهم مائتي ألف نسمة. وهي ـ الآن ـ سلطنة البلقيه معز الدين والدولة وأصله من أشراف الطائف، وأسرته كبيرة، والسبب الذي أوصل الملك إلى أجداده، أن أحد الأشراف تزوج قديماً بنت أحد سلاطين البلاد، فتوفى السلطان وليس له ولد ذكر، فانتقل الحكم إلى زوج ابنته وتوارثوا الملك في السلطنة إلى الآن. وهي الآن أغنى بلاد العالم، بها بترول كثير وحاصلات زراعية (معنى كونها أغنى بلدان العالم بالنسبة لمستوى معيشة الفرد بها) والأحوال الشخصية تطبق بحسب القانون الإسلامي أما القوانين الأخرى فهي بريطانية. [زرت بروناي سنة: 1409هـ -1989م أي بعد هذه الرحلة بخمس سنوات، مع غالب بلدان جنوب شرق آسيا، وكتبت عنها معلومات كغيرها من البلدان، تجدها في المجلد الثالث عشر من هذه السلسلة "في المشارق والمغارب"].

الفيلم أم النوم ؟!.

طلبنا من الأخ خليل أن يتصل بموظفي الفندق ويسألهم عن رسالة لنا عندهم يشير إليها زر أحمر في الهاتف، فلما اتصل بهم قالوا له: إنهم يسألون عن موعد خروجنا غداً، وهل نحن في حاجة إلى صرف عملة؟ فقلت له: أخبرهم أن يوقظونا في الساعة الخامسة إلا ربعاً صباحاً لنستعد للخروج، خشية أن يغلبنا النوم ـ وخاصة أنا لأني تأخرت في الليلة الماضية عن النوم، وواصلت اليوم طول النهار بدون نوم ـ فقال الأخ خليل: إن فيلماً سيعرض في التلفزيون في الساعة الثامنة والنصف عن محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو الذي أنتجه العقاد.
وكنت مستلقياً على سريري لأنام، فطار النوم وبقيت صاحياً لأرى الفلم، ولم ينته إلا في الساعة التاسعة والنصف.

مغادرة مدينة بيرث:

السبت 7/11/1404هـ
جاء إلينا الأخ خليل قبل صلاة الفجر، فنزلنا وحاسبنا موظفي الفندق، وذهبنا إلى المطار، وصلينا الفجر في إحدى قاعاته وأتممنا الإجراءات ـ وهي في غاية السهولة في كل مطارات أستراليا ـ وودعنا الأخ خليل وصعدنا إلى الطائرة التي أقلعت بنا في الساعة السادسة والنصف صباحاً إلى مدينة "بورت هدلند".

وَنْ مَانْثْ:

كنا طلبنا عند الحجز في الخطوط الجوية: (TAA) أن يقدموا لنا طعاماً حلالاً: "مسلم فود"، وعندما قدموا للركاب الطعام بدؤوا بنا فقدموا لنا طعاماً نباتياً، ثم أخذت المضيفة تعرض علينا أشياء أخرى من الأطعمة ونحن لا نزيد على كلمة: نو ـ لا ـ ففهمت أننا لا نفهم لغتها، فقالت: ألا تتكلمون الإنجليزية؟ فقلنا لها: نو، فقالت: كم مدة بقيتم في أستراليا ـ والظاهر أنها تتعجب من أناس يبقون مدة طويلة في بلد لم يفهموا لغته وكيف يكون سيرهم ومعيشتهم ـ ؟! فقال لها أحدنا: ون، وقال الآخر مانث، أي شهر واحد.
وكانت المنطقة التي اجتزناها بين مدينة بيرث ومدينة بورت هدلند صحراوية، توجد بها غابات متفرقة، وأحياناً كثيرة، أشجار متباعدة.

أول مطار قاحل نراه في أستراليا (نيمان):

وفي الساعة الثامنة إلا ربعاً هبطت بنا الطائرة في مطار صغير، مكاتبه من المباني الجاهزة وهي صغيرة، ولا توجد علامة على وجود مدينة، ونزل جميع الركاب ونزلنا معهم، ظناً منا أن هذا هو مطار بورت هدلند، وأخذوا ينزلون شيئاً من العفش، ولم نر حقائبنا فتضايقنا وسألت أحد الركاب: هل هذا هو مطار بورت هدلند؟
فقال: نو. إت إز نكست، أي لا، هو المطار التالي، فالتفتنا إلى الكتابة الموجودة على اللافتة: في واجهة تلك الغرفة فإذا هو هكذا: نيمان: NEMAN، ونطقها شيخنا نويمان، فأخذنا حقائبنا اليدوية وهرولنا إلى الطائرة، خشينا أن تطير وتتركنا، فقال ذلك الراكب: انتظروا سنصعد جميعاً إذا جاء الوقت فهدأت أعصابنا، والسبب في هذا كله أننا لم نعلم أن الطائرة ستهبط في مطار قبل مطار بورت هدلند، والمضيف يتكلم وقت الصعود ووقت الهبوط ونحن لا ندري عنه ماذا يقول؟ وهكذا سلمنا الله من أن ننام في نيمان أو نويمان ـ كما نطقها الشيخ ـ أول مطار قاحل رأيناه في أستراليا. وبعد خمس وثلاثين دقيقة أعلن عن صعود الطائرة، وأقلعت بنا في الساعة الثامنة والنصف من مطار نيمان، أو نويمان!
وفاتنا اليوم البرنامج الأول والثاني، أما الثالث فقد تناولناه في الطائرة.
وهبطت بنا الطائرة في مطار بورت هدلند الصحيح في الساعة التاسعة والدقيقة العاشرة.