رحلات أستراليا ونيوزيلاندا وسريلانكا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 21 صفحة
صفحة 11 من 21 (8) في مدينة جولد كوست

(8) في مدينة جولد كوست

(8) في مدينة جولد كوست

معلومات موجزة عن المدينة:

ثم ذهبنا إلى مدينة: "جولد كوستGOLD COST "
وهي مدينة حديثة تقع جنوب مدينة برزبن، مع ميل قليل جداً إلى الشرق على ساحل المحيط الهادي الغربي في شرق أستراليا، وقد أنشئت هذه المدينة منذ عشرين سنة تقريباً، وكان قبل ذلك يسكنها بعض الأفراد في بيوت صغيرة متفرقة، أما الآن ففيها قصور عالية ويقع في شرقها المحيط الهادي بشاطئ نظيف جميل المنظر، وفي شمالها الغربي شرم صغير، وشوارعها منظمة وتُؤَجر في ذلك الشرم قوارب صغيرة للركوب والتجول فيه، فذهب الأخ إقبال إلى أحد الملاحين فاستأجر لنا قاربا مشينا فيه ما يقارب نصف ساعة، وبعد ذلك ذهبنا إلى الساحل في شرق المدينة، للتأمل في هذا المحيط العظيم الذي أحاط بالأرض حتى كاد يغلب عليها وحده لعظمه، ووجدنا الناس مثلنا على هذا الساحل يتأملون في هذا المحيط للتمتع الحسي وحده، أما نحن فكنا بحمد الله نمتع أعيننا وقلوبنا وعقولنا معاً، إن البصر ليشعر بالراحة وهو ينظر إلى تلك الأمواج المتلاحقة وذلك اللون الذي يبدو لك ألواناً كثيرة اختلطت فكونته: الأخضر، والأزرق، الأسود، وإن القلب ليخفق تذللاً للخالق الذي أوجده على تلك الهيئة وبتلك العظمة، وإن العقل ليسجد لبارئ الكون خاضعاً مسلماً له بأنه الواحد الأحد القادر على كل شيء العالم بكل شيء { أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }. [الملك: 14]. وكان بعض الناس في داخل البحر "في أطرافه" يسبحون ويداعبون أمواجه التي ترفعهم تارة وتهبط بهم أخرى مغرية لهم بالخوض في غماره ليشتركوا هناك في أعماقه مع عمالقة الحوت والدواب المختلفة، والله أعلم ماذا سيكون لهم هناك من حسن استقبال وكرم ضيافة لو غامروا فدخلوا، ولكن حب الحياة يحول بينهم وبين ذلك.
وكنا نود لو يطول وقت البقاء في هذا المكان، ليطول تمتعنا بذلك المنظر الجميل، ولكن الوقت كان يمضي بسرعة، ونحن إلى الآن لم نتصل بالمسلمين الذين جئنا لزيارتهم.

زيارة المسلمين في المدينة:

ذهبنا بعد ذلك إلى الإخوة المسلمين في المدينة ـ وهي كثيرة الموتيلات ـ لأنها بلد سياحي جميل يكثر زوارها والموتيلات شبيهة بالشقق المفروشة التي تؤجر للساكنين فيسكنون ويخدمون أنفسهم فيها، ويوجد فيها مطابخ وأواني وغيرها، وقد اجتمع المسلمون الذين علموا بوصولنا في منزل أحدهم، وهو موتيل يسكن صاحبه في جانب ويؤجر ما عداه.
رحبوا بنا وفرحوا بزيارتنا لهم، لأنهم لم يسبق أن زارهم أحد من المسلمين قاصداً لهم في منازلهم ـ كما صرحوا بذلك ـ، وقد ألقى فيهم الشيخ عمر كلمة حرضهم فيها على التمسك بالدين وتعليمه أولادهم حتى لا يضيعوا، وكلهم يوغسلافيون في الأصل.
وقد شكروا لنا الزيارة وقالوا: نحن ما علمنا بقدومكم إلا قبل ساعتين من الآن، ولو كنا علمنا مبكرين في وقت يتسع لكنا دعونا كل المسلمين الساكنين في هذه المدينة.
وقالوا: إن عدد اليوغسلافيين في هذه المدينة ثلاثون شخصاً مع أسرهم، ويوجد عدد آخر من غير اليوغسلافيين، والعدد الإجمالي للمسلين مائتان.
وذكروا أنهم الآن يقيمون صلاة الجمعة، وأنهم أسسوا جمعية ويسعون لبناء جامع، ويعترضهم قلة الإمكانات المادية، ويرون أنه ينبغي أن يبنى مسجد ممتاز لائق في مظهره، لأن هذه المدينة سياحية، وطلبوا منا إبلاغ المسؤولين في المملكة العربية بحاجتهم وأعانتهم على قضائها، وقالوا إنهم عرفوا الدكتور علي الكتاني وسيكتبون له بذلك، وشكوا من عدم وجود عالم يفقههم في الدين ويصلي بهم ويعلم أولادهم، وإن كثيراً من الكفار يسألون عن الدين الإسلامي ولا يوجد من يجيبهم على تساؤلاتهم.
وقالوا: إنهم الآن يعتبرون جزء من جمعية كويزلاند الإسلامية، ولكنهم يبعدون عنها بمائة ميل تقريباً، ولذلك تقل استفادتهم من نشاط الجمعية، وإن كان بعض أعضاء الجمعية يزورونهم وبخاصة إمام المسجد، وقالوا: إن أغاخان زارهم وساعد بعض المسلمين في مالبورن وإنهم تكلموا معه في مساعدتهم، ولكنه لم يحصل منه شيء، وإن زعيماً إيرانيا جاء إلى هذه المدينة واشترى لنفسه منزلاً كبيراً وإنهم سعوا لزيارته ولم يتمكنوا.
تأمّل كيف حالة المسلمين الذين بلغ بهم الجهل، أن لا يفرقوا بين المسلمين حقاً وبين المجرمين الذين ينتسبون إلى الإسلام وهم حرب عليه، مثل أغاخان ومن شابهه؟! والسبب تقصير المسلمين والحكومات المسؤولة عن الشعوب الإسلامية في العناية بأولئك المسلمين، وبعث معلمين إليهم ليفقهوهم في الدين. والزعيم الإيراني الذي اشترى المنزل الكبير، سيعود إلى المدينة غالباً هو أو غيره من دعاة الرفض، ليستغلوا جهل أولئك المسلمين ويغرسوا فيهم عقائدهم، إن لم يسارع أهل السنة بإنقاذهم، وكذلك أغاخان قد يبعث إليهم المساعدة والدعاة إلى مذهبه.
وذكروا أن بعض العرب أيضاً، جاءوا إلى هذه المدينة واشتروا منازل ولكنهم لم يقابلوهم. وتسمى جمعيتهم بالجمعية الإسلامية في جولد كوست ـ ومعنى جولد كوست ـ شاطئ الذهب.
ورئيس الجمعية الدكتور: صوتيه.
ونائب الرئيس: مصطفى كرمان.
والسكرتير: محمد سلام.
وأمين الصندوق: شفيق أحمد.
والأعضاء الآخرون في اللجنة التنفيذية: محمد هوجك، ومحمد شريف، وعلي خان، ودين.
أسست الجمعية قبل ثمانية شهور، ويسعى أعضاؤها لضمها إلى الاتحاد الإسلامي في أستراليا، ولكن الشروط اللازمة للانضمام لم تكتمل فيهم، وكان عندهم أحد الأتراك واسمه: "قاسم" يعلم أبناءهم وقد تركهم وسافر، وأصبح أولادهم الآن لا يوجد من يعلمهم، وبدؤوا يحاولون تعليم الكبار، وكانوا يرسلون أولادهم إلى الجامع في مدينة برزبن، ولكنهم لا يقدرون على الاستمرار في ذلك لبعده عنهم، وشكوا من أنهم اضطروا لأخذ المال قرضاً من البنك لشراء المنازل والاتجار لطلب الرزق، وأن بعضهم ليس لهم عمل ويعيشون على مساعدة الدولة وكانوا ينوهون بذلك إلى حاجاتهم إلى المساعدة في تعليم أبنائهم وإيجاد مدرسة أو مسجد صغير يكون مركزاً لنشاطهم.
وقد أشار إليهم الشيخ عمر أن السبيل المفيد أن يقدموا طلباتهم عن طريق الاتحاد، وأخبرهم أن المساعدات التي ترجى من قبل المؤسسات المعنية، سواء كانت حكومية أو خيرية، لا تحصل إلا إذا وجد لها أساس يدل على اهتمام الجهة الطالبة، كإيجاد أرض ومخطط للبناء وخرائط وشروع في بناء ونحو ذلك.
وسألوا: إذا تمكنوا من شراء بيت صغير هل يمكن أن يساعدوا بانتداب إمام يصلي بهم ويعلمهم؟ فوعدهم الشيخ بأنا سنبذل وسعنا إذا جاء منكم طلب وأحيل إلينا.

الرجوع إلى مدينة: برزبن:

وفي الساعة الرابعة والنصف مساء رجعنا إلى مدينة برزبن ومررنا قبل الدخول إلى المدينة ـ في الساعة الخامسة والنصف ـ بمنزل الأخ محمد إقبال، وهو يقع في الضاحية على يسار الطريق ويبعد عن مدينة برزبن بنحو ستة وعشرين كيلو متراً تقطع بالسيارة في نصف ساعة.
تناولنا في منزل الأخ إقبال العشاء – مبكراً ـ ثم واصلنا السير إلى منطقة وستئند، حيث كنا على موعد لزيارة الجمعية الإسلامية في مسجد وستئند

زيارة الجمعية الإسلامية في وستئند:

كان الإخوة أعضاء الجمعية في انتظارنا، وقد ألقى الشيخ عمر كلمة مختصرة بين فيها الهدف من زيارتنا، ثم طلب مني أن أتحدث إلى الحاضرين بما يسر الله، فكان حديثي يتلخص فيما يأتي:
وجوب تقوية الإيمان في النفوس ـ محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم ، الخوف من الله، العمل الصالح الذي لا يتحقق إلا بالإخلاص لله والمتابعة للرسول، البعد عن البدع والمنكرات، وكل ذلك لا يتحقق إلا بالعلم.
وكان أعضاء الجمعية هم:
الأخ محمد نصار: رئيس الجمعية وهو من جمهورية مصر العربية.
نور شاه: نائب رئيس الجمعية وهو أفغاني.
والي بابي: الأمين العام وهو هندي.
محمود سكريه: مساعد الأمين العام، وهو أردني.
ياسين حيدر: مساعد أمين الصندوق وهو باكستاني.
عبد الرحمن نعمان: عضو، لبناني.
مصطفى نديم: عضو، باكستاني.
عثمان رينج: عضو، أسترالي.
صالح عبد الحفيظ: عضو، فلسطيني.
يوسف علي: عضو، من جنوب إفريقيا.
أنشئت الجمعية سنة 1979م.
زاولوا نشاطهم في المسجد، وكان نشاطهم محدوداً، فلما تمكنوا من شراء هذا المبنى في سنة 1981م، وهو مؤسسة مسيحية اتسع نشاطهم، وقد كلفتهم عشرين ألف دولار أسترالي.
وعدد أعضاء الذين يشتركون مالياً مائة وثلاثون عضوا، أما عدد المسلمين الذين يستفيدون من الجمعية فيصل إلى مائتي شخص تقريباً، أغلبهم عرب، وباقيهم من مختلف الجنسيات.

نشاط الجمعية:

من أنشطة الجمعية: التعليم، وقد كونت له لجنة من أربعة أشخاص، منهم إمام المسجد، وقد طلبوا من وزارة التعليم أن تمنحهم أحد الفصول في مدرسة، لتعليم أبنائهم أيام الإجازات، فمنحتهم ثلاثة فصول، وتساعد الوزارة بنسبة ضئيلة من التكلفة، وتتحمل بقيتها الجمعية.
يقوم بتعليم اللغة العربية المهندس جمال حسنين، والمحاسب أحمد عودة، والمهندس صالح عبد الحفيظ، إمام المسجد، وزوجته تقوم بتدريس النساء، وعندهم محاولة لاتخاذ طرق حديثة جيدة لتعليم الأطفال وتُلقَى دروس في المسجد غير خطبة الجمعة.
ويدرس فقه السنة للسيد سابق، ويصدرون جريدة إخبارية للمسلمين في مدينة برزبن شهرية تقريباً، ويقومون بزيارة الأسر المسلمة ويدعونهم لحضور المسجد، ويحضر كثير منهم للصلاة والتعليم.
ويزورون المسلمين في الحدائق أيام الإجازات ويصلون بهم، ويقيمون حفلات عامة يدعى لها المسلمون يقدم فيها الطعام وتحصل خلال ذلك توجيهات اجتماعية، من ذلك الحث على تزويج الشباب المسلمين بالشابات المسلمات.

مشروعات ينوون القيام بها:

قال الإخوة: إنهم عندما اشتروا هذا المكان، أصلحوه ليناسب وضعه الجديد: "مسجد" وأنشأوا أربعة مراحيض وحمامين، كلفهم ذلك أربعة عشر ألف دولار، ويريدون أن يهيئوا الطابق الأرضي للصلاة، وجعل جزء من الطابق العلوي للنساء، وقد بدؤوا في شراء المواد، وتهيأ القاعة السفلى للاجتماعات وتعليم الأولاد الذين، وصل عددهم إلى أربعة وستين تلميذاً وتلميذة.
وعندهم مشروع ناد رياضي، وقد بدؤوا قريباً برئاسة الأخ محمود سكريه، ويشترك فيه الآباء والأبناء.
ويفكرون في شراء قطعة أرض وحافلة صغيرة، لنقل الأولاد للمدارس وزيارات المسلمين بعضهم لبعض.
كما يحاولون شراء مكان يكون موقفاً للسيارات من البيوت المجاورة للمسجد، لحاجتهم إلى ذلك.
ويفكرون في إنشاء مدرسة كاملة، ولكن تكلفتها لا تقل عن مليون وثلاثمائة ألف دولار، وإدارتها ستكلف سبعمائة ألف دولار، للموظفين والمدرسين، وسيستفيد منها القادر على دفع المصاريف.
ويتبنى هذا المشروع مركز الجمعية الإسلامية في كويزلاند، وهذه الجمعية.
وقال الإخوة: إن اتحاد المجالس الإسلامية في مدينة سدني قد وعدهم بإمام على نفقة الاتحاد، ولكنه لم يأتهم أحد إلى الآن.
وسألنا الأخ إقبال بصفته رئيس المجلس في هذه الولاية، عن سبب تأخر الوفاء بهذا الوعد؟ فقال: إن الإمام قد عين وهو في إندونيسيا ينتظر صدور التأشيرة من الحكومة الأسترالية.
وسألناهم: هل هم منضمون للاتحاد؟ فقالوا: نحن نريد ذلك وقد بلغنا رئيس مجلس الولاية شفوياً أن جمعيتنا تعتبر عضواً في الاتحاد، ولكن لم يبلغنا رسمياً شيء.
وسألنا الأخ إقبال مرة أخرى عن سبب عدم انضمام الجمعية إلى الاتحاد؟ فأجاب أنه سيفصل في الأمر في الاجتماع القادم.
وقال الشيخ عمر: المطلوب من الأخ إقبال متابعة الأمر حتى يعترف الاتحاد بالجمعية، لما في ذلك من اتحاد الكلمة.
وقال الإخوة: إن أغلب أعضاء الجمعية عرب، ولهذا يحبون أن يكون لغة الإمام الأصلية هي العربية، لأن ذلك أقرب إلى معرفة مخاطبتهم ونفسياتهم، والمهم أن يكون مؤهلاً.
وقد طلب مني الشيخ عمر أن ألقي كلمة مختصرة بعد ذلك، فلبيت الطلب، وكانت الكلمة في العناصر الآتية:
1 ـ الإخلاص في العمل لله.
2 ـ خوف الله، ودليل الخوف من الله مراقبته في السر والعلن.
3 ـ محبة الله ورسوله، ودليلها الاتباع للشرع.
4 ـ الإيمان باليوم الآخر، ودليله الإسراع إلى الخير والبعد عن الشر.

السفر إلى مدينة أدلايد:

الاثنين: 12/11/1404هـ
في الساعة العاشرة والنصف جاء إلينا الشيخ محمد رحيم الله، لينقلنا إلى المطار، وكنا في المطار في الساعة الحادية عشرة والنصف.
انتظرنا في المكتب المعد لركاب الدرجة الأولى، وتذاكرنا موضوع الطرق الصوفية في أستراليا، وذكرنا الأخ الشيخ محمد رحيم الله بخطرها، وبخاصة أنه قد ذكر لنا هو نفسه من بدأ ينشر إحدى هذه الطرق في مدن أستراليا، وأن ذلك قد سجل في الفيديو ونشر على التلفزيون فقال: هذا صحيح، وقد رأيت ذلك بنفسي، وهم يصفقون ويرقصون ويتمايلون.
قلت: إذا يجب الحذر من ذلك. ومحاولتنا بذل الأسباب للوصول إلى وحدة المسلمين، لا تسوغ لنا ترك بيان الحق الذي يجتمعون عليه، بل يجب السعي لتصفية عبادة الله من البدع والخرافات، ولزوم اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم ودعنا الشيخ رحيم الله، وصعدنا إلى الطائرة التي أقلعت بنا في موعدها المحدد، في الساعة الثانية عشرة ظهراً متجهة إلى مدينة سدني، إلى الغرب مع ميل إلى الجنوب، وكانت السحب تغطي الجبال المسجاة بالغابات.

لقد جاز!

جاءت المضيفة، فسألت الشيخ: "تي أور كوفي"؟ شاي أم قهوة؟ وكنت أعد نفسي مترجماً له! ولم ألق لما قالت بالاً، فسمعته وهو يقول لها: تي وكوفي، جاء بحرف العطف العربي "الواو" بين المعطوف والمعطوف عليه الإنجليزيين، فقلت له: ما شاء الله أصبحت ماهراً في خلط اللغتين العربية والإنجليزية! فقال: أما يجوز ذلك؟ قلت: لقد جاز!

اذهبوا بسرعة:

هبطت بنا الطائرة في مطار سدني في الساعة الواحدة والدقيقة العاشرة، ونزل الركاب، وكنا نظن أن الطائرة نفسها ستوصلنا إلى مطار مالبورن الذي نواصل منه رحلتنا إلى "أدلا يد" ولكن المضيفة التفتت إلينا ونحن هادئو الأعصاب، ننتظر على مقعدينا، فقالت لنا كلاماً فهمنا منه: اذهبوا بسرعة (كْوِكْلِي)، فعرفنا أن الطائرة ستغير، فأسرعنا مهرولين، ورأينا إحدى موظفات المطار في الباب الذي دخلنا منه وأريناها التذاكر، فأشارت لنا إلى الباب رقم (5).

وهدأت الأعصاب:

كان بجانبنا في قاعة الانتظار رجل وامرأة، فقلت للرجل: إلى مالبورن؟ قال: نعم، ووثبت المرأة فقالت: نعم، كلنا إلى مالبورن، وبعد أن مضى زمن يسير من الانتظار خشينا أن تكون رحلتنا غير رحلة هذين، فأريتهما تذاكرنا وقلت: هل الرحلة واحدة؟ فتأملت المرأة في التذاكر وأشكل عليها الأمر، ثم ذهبت معنا فسألت بعض الموظفات، فأخبرنها أن الرحلة واحدة فقالت: نعم سنسافر سوياً، فهدأت بذلك الأعصاب.
وبعد ربع ساعة أعلن عن وقت صعود الطائرة فصعدنا، ولكنها تأخرت في الإقلاع عن موعدها، فلم تقلع إلا في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر.
وكان الاتجاه غرباً: البحر على يسارنا جنوبا، والجبال المغطاة – أحياناً ـ بالغابات على يميننا شمالاً، والأرض كلها غابات، ما عدا الأماكن الزراعية التي يبدو أن أهلها قطعوا أشجار الغابات فيها ليزرعوا مكانها، وتُرَى في تلك المزارع بيوت قليلة متباعدة، وتنتشر قرى صغيرة هنا وهناك.
وكانت الشمس ساطعة والجو صحواً ـ في الغالب ـ فتمكنا من التأمل في هذه الأراضي الخصبة بجبالها وسهولها وغاباتها.
وكانت الوديان تمتد بين الجبال متعرجة، وكانت السحب الصغيرة المتقطعة تزين المنظر، وهي شديدة البياض بسبب أشعة الشمس المسلطة عليها، فكانت مع الغابات الخضراء كالبساط الأخضر الموشى بالبياض، وكانت السحب في بعض الأحيان تتراكم على تلك الجبال والشعاب وغاباتها، حتى لا تُبقِي إلا ثقوبا صغيرة يرى منها ما تحتها، وفي بعض الأوقات لا يرى الناظر سوى السحب البيضاء الشبيهة بالقطن الشديد البياض.
وقد قاطعنا في هذه الرحلة الطعام خشية من الوقوع في الحرام.
ثم بدأت الطائرة في الهبوط، فولَجَتْ في سحب كثيفة غطت الطائرة والشمس والأرض، ثم بدأت الأرض الزراعية تظهر، وبحيرات المياه التي تجمعت من الأمطار، وهبطت في مطار مالبورن في الساعة الثالثة والنصف ظهراً.
ودخلنا إلى قاعة المطار، فدلتنا المضيفة على الباب الذي يعبر منه المسافرون إلى الطائرة التي تقلع إلى مدينة "أدلايد" وصلينا الظهر والعصر، وما إن سلمنا حتى بدأ الناس يصعدون إلى الطائرة، فصعدنا معهم وبمجرد قعودنا تحركت الطائرة، وأقلعت إلى "أدلايد" في الساعة الرابعة والدقيقة الثامنة، وكان اتجاهها إلى الغرب، مع ميل قليل إلى الشمال.
واجتازت السحب المتراكمة صاعدة، فعاد منظر السحاب الشديد البياض الذي كانت تتسلط عليه أشعة الشمس.
وبعد أن مضت عشر دقائق تقريباً، قل تراكم السحب في الأماكن القريبة من الطائرة، فبدت الغابات والمزارع، التي كانت تتناوب مع السحب في تمتعنا بالمناظر الخلابة: إذا كثرت السحب غابت الغابات، وإذا غابت السحب ظهرت الغابات، وظهرت قرية صغيرة على اليمين وبجانبها في شمالها الغربي مطار صغير، ويبدو ـ بل قيل لنا ذلك فيما بعد ـ أن الحكومة الأسترالية تشجع الناس على إنشاء قرى في الأماكن النائية التي تخلو من السكان، وتوجد لهم المرافق التي يحتاجون إليها، ومنها المواصلات، لتتمكن من توطين أكبر عدد ممكن في مساحات القارة الفارغة، لقلة سكانها، وهم يتجمعون في مناطق معينة منها. وعندما اقتربنا من مدينة "أدلايد" رأيت أحد الأنهار وهو يتخلل المزارع على اليمين.
ثم هبطت الطائرة في مطار "أدلايد" في الساعة الخامسة والدقيقة الثامنة مساء.