(7) في مدينة برزبن
(7) في مدينة برزبن
في فندق شيراتون الجديد:
استقبلنا في مطار: برزبن، الشيخ محمد رحيم الله إمام مسجد الجمعية الإسلامية في برزبن ـ والأخ إقبال محمد، ونزلنا في فندق شيراتون الجديد في برزبن الذي فتح قبل قدومنا بأسبوع، غالب غرفه لم تزال أبكاراً، لذلك قال الشيخ محمد رحيم الله عندما دخلنا قاعة الاستقبال: لا يزال الفندق بكراً، قلت: ومع ذلك فإن أجرته كأجرة الفنادق المماثلة التي قد صارت ثيباً، والحقيقة أنه فندق غاية في الفخامة، كما أن أثاثه من الأثاث الفاخر.
إمداد مطعم الشيخ بالطعام:
السبت 29/10/1404هـ
في الساعة العاشرة من صباح اليوم جاءنا الشيخ محمد رحيم الله، إمام المسجد الجامع في برزبن، وخرجنا معه إلى السوق قرب الفندق لشراء بعض الأطعمة الخفيفة من العسل والفواكه واللبن، وما أشبه ذلك لوضعها في المطعم المتنقل الذي كان الشيخ يحرص على حمله ولا يسمح لي بحمله، وهو الذي كان يمدنا بالبرنامج الثالث بعد صلاة الفجر من كل يوم وكذلك في الليل، حيث نكتفي به عن طعام الفنادق ويمتاز بالاطمئنان إليه. لكونه معروفاً بأنه حلال وبرخصه بالنسبة لطعام الفنادق، ويمتاز الشيخ محمد، وهو من بنغلاديش ـ بالهدوء وسعة البال وطيب القلب والابتسامة الطيبة التي يلقى بها غيره ـ .
البدء بصغار الأمور قبل كبارها:
وبعد شراء الأطعمة ذهبنا نتجول، وكنا في اشتياق للخروج إلى أطراف المدينة لنتصورها ونقف على أطرافها وعلى الشاطئ الغربي للمحيط الهادي. فقال الشيخ محمد: نذهب إلى النهر الصغير ـ يعني الخليج المتفرع عن البحر ـ وكأن الشيخ يقيس ذلك على ما يفعله الربانيون وهو أن يعلموا الناس صغار المسائل قبل كبارها، وهو قياس بعيد قد لا يكون خطر بباله. فقلت له أنا: لنذهب إلى البحر الكبير، (ومن قصد البحر استقل السواقيا) فقال الشيخ: نذهب إلى الصغير نبدأ به ثم نذهب إلى الكبير، فالأفضل البدء بصغار الأمور قبل كبارها، مؤيداً بذلك رأي الشيخ محمد رحيم الله، فسكتُّ امتثالاً لا اقتناعاً، وذهبنا إلى النهر الصغير فوجدنا الباب المؤدي إليه مغلقاً، وذهبنا إلى باب آخر مفتوح فقال الحارس: ماذا تريدون؟ فقال الشيخ محمد: نريد أن نتفرج. قال: إن المكان فيه إصلاحات وعمل لا يسمح بالدخول، وكان اليوم عطلة، فحمدت الله تعالى على ذلك وقلت لهما: الآن ليس أمامنا إلا البحر الكبير. فذهبنا إلى الشاطئ وكانت المسافة إليه خمسين كيلو متراً تقريباً. ولعل بعد المسافة كان من أسرار اختيار الشيخ محمد النهر الصغير القريب، وبخاصة أنه كان يسقي سيارته ماء بين آونة وأخرى، لسرعة ارتفاع حرارتها.
والزورق مفقود!
أراد الشيخ محمد أن نتمتع برحلة بحرية قصيرة، فذهب إلى مكاتب بعض الشركات لاستئجار زورق فقالوا له: اذهب إلى مكان كذا قد تجد فيه ذلك. فذهبنا ولكن الناس في عطلة فلم نجد شيئاً.
متفق عليه!
مِلْنا إلى جانب من الشارع نظيف ـ وكل الشوارع جوانبها نظيفة ـ فتوضأنا من صنبور ماء واختلفنا في جهة القبلة، ومن الصعب أن تجد من يعرف القبلة بداهةً بغير البوصلة، أو في غير بيت الله أو منزل الشخص نفسه، وأنا حريص في أسفاري أن أكون عارفاً بالجهات لأتصور البلدان على طبيعتها، والغالب أن أكون واعياً للجهات الأربع وفروعها، فأشار الشيخ إلى جهة، وأشار الشيخ محمد إلى جهة أخرى، وأشرت أنا إلى جهة ثالثة، وكانت لديه آلة تحديد القبلة (بوصلة) فنظر إليها فإذا هي كما أشرتُ، فقلت: الحمد لله! الأمر متفق عليه.
وكان الناس الذين يمرون بالشارع ينظرون إلينا متعجبين من صلاتنا في هذا المكان.
الكلب والمذهب!
كانت إحدى النساء تمشي على شاطئ البحر وقبلها كلبها، فاتجه الكلب إلينا أنا والشيخ عمر، ولعل ملابسنا العربية هي التي لفتت نظره إلينا، وهو كلب ضخم الجثة برقبته طوق من الحبال، فاقترب أولاً من الشيخ فقابله بالهدوء وعدم المبالاة، حتى شم ثوبه فتركه ومشى إليَّ فقلت: كخ، ورفعت يدي تحذيراً له من الاقتراب مني، فرفع هو يديه ورأسه يريد مصارعتي ففررت منه، وقال لي الشيخ: لو فعلت كما فعلت ما أصابك منه شيء، قلت له: يجب أن تغسل ثوبك سبع مرات. فقال: أنا مالكي ولست شافعياً، ولذلك تركني الكلب بهدوء، وأراد أن يضايقك لأنك شافعي تقول بنجاسته، ولما رأته صاحبته ابتسمت ومشت إليه بهدوء فمسكته وأراحني الله منه!.
ذِكر حنيذ الدجاج فَجَّر المشايخ شعراً!
قال لنا الشيخ محمد: الآن نذهب إلى أحد مطاعم المسلمين وفيه طعام حلال لتناول طعام الغداء، فذهبنا ووجدنا المطعم مقفلاً. فقال: نذهب إلى مطعم آخر وفيه دجاج لذيذ لأنه حنيذ، فذهبنا إليه. وفي الطريق إليه حضر شيطانُ شعرِ الدجاجِ وسجعه، فتجاوبت قرائح الثلاثة:
* [وكانت كلمة الحجاج من الألفاظ التي نطلقها على أنفسنا من باب التشبيه، لأن كثيراً من الحجاج يفدون إلى بلادنا وهم لا يجيدون إلا لغاتهم المحلية، فإذا لم يجدوا من يترجم لهم تعبوا وقد يتوهون، وكنا كذلك إلا أنا لم نته لوجود مرافقين ومترجمين من إخواننا المسلمين].
هذا ما سجلته وقد فاتني شيء منه ولكنه قليل.
وصلنا إلى ذلك المطعم، ووجدنا صاحبه المسمى إقبال، وهو من المسلمين الذين هاجروا من جنوب إفريقيا، فقدم لنا الدجاج والخبز والعصير، ولشدة سروره بنا عندما علم أننا من المدينة رفض أن يأخذ منا شيئاً من قيمة الطعام على رغم محاولتنا.
وذكر لنا الشيخ محمد رحيم الله أن هذا الرجل اجتهد في تعليم أولاده القرآن الكريم، حتى ختموه وطلب منا مساعدته في التحاق ابنه بالجامعة الإسلامية ليتعلم اللغة العربية والإسلام، وقد أكمل الدراسة الثانوية، وهو الآن في الجامعة ـ في برزبن ـ وقد أخبرناه بالشروط اللازمة للالتحاق بالجامعة، وقلنا له عليه أن يتخذ الوسائل ووعدناه أن نساعده إذا جاءت معاملته.
وكان بعض الأستراليين يدخلون إلى المطعم فيشترون من ذلك الدجاج ويأكلون وهم واقفون بسرعة، ويمسحون أيديهم بمناديل الورق ويذهبون حفاظاً على أوقاتهم.
وضع خطة لزيارتنا مدينة برزبن:
ثم رجعنا إلى الفندق واسترحنا إلى المساء، حيث جاءنا رئيس الجمعية في كويزلاند: سلطان محمد دين وإمام المسجد الشيخ: محمد رحيم الله، لوضع خطة اللقاءات والزيارات والتعرف على الجمعيات الموجودة في برزبن، واتفقنا اليوم على ما يأتي:
1 ـ صلاة المغرب في جامع وستئند.
2 ـ صلاة العشاء في جامع برزبن ـ الذي يحتوي عليه المركز الإسلامي في منطقة تسمى: مندغر أباد، للاجتماع بالمسلمين فيه.
3 ـ زيارة المدرسة الإسلامية في المركز نفسه بين الساعة العاشرة والحادية عشرة.
4 ـ تناول طعام العشاء ببيت الشيخ ناصر المصري في (وستئند).
صلينا المغرب في جامع (وستئند) وكتبنا بعض المعلومات عن المجلس الإسلامي، وعن المسلمين في الولاية.
معلومات عن المجلس الإسلامي في ولاية برزبن:
ـ رئيس المجلس الإسلامي في الولاية هو محمد إقبال، والمجلس في كويزلاند.
ـ أعضاء المجلس: وهو ـ أي المجلس ـ منتخب من أربع جمعيات في كويزلاند وهي: جمعية برزبن، وجمعية مكاي، وجمعية تانزول، وجمعية مريبا. ويتوقع أن توجد جمعيتان أخريان تكونان عضوين في المجلس، وهي جمعية المسلمين في برزبن، وجمعية المسلمين في جامع ليك.
ـ وأكبر الجمعيات هي جمعية كويز لاند إسلاميك، أي الجمعية الإسلامية في كويز لاند، ورئيسها سلطان محمد دين.
ـ أعضاء المجلس لهذه الجمعية: تسعة أشخاص:
السكرتير هو: محمد منظور الحق.
نائب الرئيس: صديق محمد دين.
أمين الصندوق: سليمان سبدية.
ـ عدد الأعضاء المشتركين فيها مالياً: مائتان وخمسون.
ـ عدد المسلمين في الولاية: ستة آلاف، ثلاثة آلاف منهم في برزبن. معظم المسلمين من لبنان، ويوغسلافيا، وفيجي، وباكستان، وألبانيا، وجنوب إفريقيا، ومصر، والأردن، وبنغلاديش، وإيران (وهم شيعة)، والهند.
نشاط مجلس الولاية:
تأسيس بناء المساجد والمدارس وتعليم الأولاد وتبليغ الدعوة. كل جمعية لها مسجد وإمام ولا توجد مدارس.
و المسلمون في مكاي. أكثرهم من ماليزيا، وهم ملايويون نسوا دينهم واختلطوا بالنصارى، وشاركوهم في عاداتهم، وتبعد مكاي ثمانمائة ميل شمال برزبن، وقد أسس بها جامع، ويدخل عدد قليل من النصارى في الإسلام، ولكن كثيراً من أولاد المسلمين يدخلون في النصرانية.
وقد بدأ بعضهم بتعلم الدين الإسلامي وعمره ثمانون سنة، ويشكو أنه لم يسمع من يعلمه شيئاً من الدين طول هذا العمر، وأنه لم يسمع عن الإسلام إلا في هذه الأوقات، وأما أولاده فقد ضلوا كلهم.
ورئيس الجمعية هناك زوجته مسيحية، وهو من يوغسلافيا ـ وليس هو رئيساً للجمعية الآن ـ ويدعى أولياء أمور أبناء المسلمين لإحضارهم إلى المسجد، لتعليمهم يوم الأحد من الساعة التاسعة إلى الساعة الواحدة، ويستجيبون لذلك، كما يذهب الإمام إلى مدارس الحكومة، لتعليم أبناء المسلمين وبخاصة في المدارس التي يكثرون فيها وهي ابتدائية ـ ويمكن أن يذهب إلى المدارس الثانوية، ويوجد في الجامعة مئات من أبناء المسلمين، ويذهب إليهم الإمام عندما يطلبونه في برنامجهم الخاص، كل ليلة خميس وهو برنامج الأسرة، ويعلم تلامذةُ الجامعة أولاد المسلمين في البيوت، ولهم مدرسة أخرى في وستئند يرسل إليها بعض المسلمين يعلمونهم كل يوم اثنين.
ويدرسون الأولاد في أربعة مواضع:
في الجامعين، ويوم السبت في مدرسة حكومية، أو في منطقة درة في بيت رئيس الجمعية: سلطان محمد دين، ويجتمع فيه أربعة وثلاثون تلميذاً.
وهناك جماعة صغيرة من المسلمين في غولكوت، عددهم ما بين سبعين وخمسة وسبعين، يصلون الجمعة في بيت أحدهم، ويعلمون الأولاد في بيت آخر، والذي يقوم بتعليمهم رجل من يوغسلافيا.
وقال الشيخ محمد: إننا نتوقع أن نشتري مدرسة إسلامية في برزبن بمساعدة كل المسلمين في هذه المدينة، وقد عين المكان واتفقنا على كل ما يتعلق به، ولكن الأمر يتوقف على المال.
والمكان قريب من المدينة، وفي مركز مناطق المسلمين في برزبن، ويكلف شراء الأرض والبناء أكثر من مليون دولار أسترالي، ولكن الجمعيات متفرقة في المنطقة، وكل جمعية تسعى لإيجاد مصالحها، وإن كانت الجمعيات كلها لا خلاف بينها في شراء هذا المحل وإعداده، وهو موضع متوسط وقريب من جامعة كويزلاند وعلى شاطئ النهر.
ونحن في حاجة إلى الكتب والمدرسين، ولدينا مكتبة في الجامع، وقد بعثت لنا الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ورابطة العالم الإسلامي، ببعض الكتب وزعنا بعضها وبعضها في مكتبة الجامع.
ولدينا جريدتان شهريتان بالإنجليزية، ونطبع فيها شيئاً من القرآن ومبادئ الإسلام.
والجمعيات الإسلامية عندنا، لا يوجد فيها صراع، وإن كانت الآراء تختلف، وتوجد ثلاث أسر من شيعة إيران، ورجل شيعي من الأردن، ولا نرى لهم نشاطاً في الدعوة إلى أفكارهم، وتأتينا كتب ومجلات من السفارة الإيرانية في البريد.
أما البهائية فيعلنون عن نشاطهم في الجرائد، ويدعون النصارى ولهم مركز هنا، وهم أربع وعشرون عائلة، ولهم دكاكين، ولا صلة بيننا وبينهم وإنما نسمع عنهم في الجرائد. [غريب أن يكون عدد البهائيين قليلاً وهم على باطل ويدعون النصارى أكثر مما يدعوهم المسلمون أهل الحق، وهم أكثر عدداً، ولكن الغرابة تزول إذا علم أن أعداء الإسلام في الغرب يدعمونهم أينما وجدوا].
والمجلس الإسلامي في الولاية يسعى لإعانة المسلمين ومساعدتهم، ويشرف على الذبح الحلال، ويوقع عليه، ويعقد حفلات للشباب مرة كل عام؛ أي مؤتمر عام.
وأولاد المسلمين هنا ينقصهم تعليم الإسلام، إذ لا يأتون إلا ساعتين في الأسبوع إلى الجامع وهذا لا يكفي، وكثير من الآباء لا يحضرون أولادهم لعدم مبالاتهم، ويفضلون الفسح ـ أي الخروج إلى الحدائق والمنتزهات وأماكن الملاهي ـ على إحضارهم للتعليم، والباكستانيون أكثر حرصاً على تعليم أولادهم في بيوتهم ولكن بقية الجاليات جهال، وليس عندهم استعداد للتعليم.
وفي صلاة العيد صلينا في الصحراء إحياء للسنة، ولكن اليوغسلاف والألبان صلوا في المساجد، لجهلهم بهذه السنة، ويرون الصلاة لا تجوز خارج المسجد.
وأهم الأمور عندنا تعليم الصبيان كل يوم، فلو وجدنا مدرسة خاصة كاملة، تجمع فيها بين منهج الحكومة والمنهج الإسلامي لحلت المشكلة، وإذا لم يوجد ذلك فإنهم قد يَضِلون، كما ضل غيرهم قبلهم، وأكبر الجهاد الذي يتعين علينا هنا تأسيس المدارس للتعليم، ولذلك نسعى لشراء محل وبناء مدرسة ونرجو أن يعيننا كل قادر من المسلمين.
إن بعض المسلمين لا يعرفون تحية الإسلام، وتحيتهم هي تحية النصارى، وكثير من المسلمين يختلطون بالنصارى بالتزاوج، يتزوج المسلم النصرانية ويتزوج النصراني المسلمة، وإذا مات الأب المسلم ذهب أولاده إلى الكنيسة.
كثير من المسلمين جاءوا إلى هذا البلد وهم طيبون في إسلامهم، ولكنهم شغلوا بكسب المال ونسوا تعليم أولادهم، وأصبحوا هم أنفسهم لا يحضرون المساجد. [هكذا نفث الشيخ محمد رحيم الله ما في صدره وهو يشكو شكوى مرة مما يعانيه المسلمون في هذا البلد!].
من هو الشيخ محمد رحيم الله؟
هو إمام وخطيب الجامع في مدينة برزبن ولد سنة 1947م في منطقة تسمى "نوى خألي" وقال إن معناها المنطقة العربية الثانية في بنغلاديش تشبيها لها ببلاد العرب، لأنه يوجد في كل بيت منها عالم.
تعلم الشيخ القرآن الكريم في صغره، ثم تعلم في المدارس الحكومية الابتدائية، ثم تعلم في المدرسة الإسلامية الدروس الإسلامية والقوانين الشرعية والحديث والتفسير وتخصص في الحديث وتخرج بدرجة ممتاز، وكانت مدة دراسته فيها اثنتي عشرة سنة، ثم دخل الجامعة وتخرج فيها، ثم درَّس ثلاث سنوات وكان أستاذا في قسم السياسة وقوانين الحكومة، وبخاصة القوانين الإسلامية، ثم ترك بلاده وهاجر إلى فيجي للقيام بالدعوة وتعليم المسلمين فيها، وبقي فيها ثلاث سنوات، ثم هاجر منها إلى أستراليا واستقر في مدينة برزبن هذه.
إلى مسجد وستئند:
خرجنا من الفندق قبل صلاة المغرب، قاصدين مسجد وستئند الواقع في قرب مركز المدينة، فرأينا على رصيف الشارع بالجانب الأيمن رجلاً عجوزاً يترنح من شدة السكر ويكاد يسقط، فذكرني اسم المنطقة هذا باسم منطقة في مدينة لندن تسمى بنفس هذا الاسم، ولا بد أن يكون اسم المنطقة في برزبن مأخوذاً من اسم منطقة لندن، وهي في لندن منبع من منابع الفساد والإجرام وقد مررت بها في زيارتي الأولى وأشرت إلى ذلك في الكتاب الخاص ببريطانيا من هذه السلسلة: "في المشارق والمغارب" فلا غرو أن يوجد نوع تشابه بين المنطقتين وإن تباعدتا، ولكن الإنصاف يوجب أن نفرق بينهما، لأن مظاهر وستئند في لندن واضح فسادها في كل شيء. أما وستئند برزبن فلم نر مظاهر الفساد في الشوارع إلا هذا العجوز السكران، وإن كانت البواطن سيئة كما هو معروف.
وصلنا إلى المسجد، وكان جزءً من كنيسة اشتراها المسلمون وأزالوا آثار الديانة المسيحية من المكان الذي كان معداً لعبادة النصارى، وحولوه إلى مكان للصلاة ـ أي إلى مسجد ـ ولم تسمح لهم الحكومة بتغيير الشكل حتى يصير ظاهره مسجداً كباطنه، وأذن الأخ إقبال لصلاة المغرب وانتظر قليلاً فجاء ثلاثة أشخاص أحدهم أردني واثنان لبنانيان وصلى بنا الشيخ عمر المغرب وخرجنا.
إلى جامع برزبن:
ذهبنا إلى جامع برزبن التابع لمركز الجمعية الأولى في هذه المدينة.
لا ترد يد لامس!
في طريقنا إلى الجامع وقفوا بنا أمام مطعم لتناول العشاء، وقالوا إنه مطعم مسلم، وعندما دخلنا وجدنا أضواء المطعم شبيهة بأضواء حانات الخمر، حمراء خافتة، وعرفنا أنه فعلاً يقدم الخمر للزبائن، وكان الوافدون من الزبائن قليلين، ولكنهم ليسوا من رواد الحلال، ولا يستطيع الإنسان أن يفرق بين مسلمهم وبين كافرهم، وكان من بينهم رجل غريب الشكل كثير شعر الرأس كثيف شعر اللحية والشاربين، كأن غابة سوداء تحيط برأسه ووجهه، فلا يرى من وجهه إلا القليل، وعلى كل حال فقد قدم لنا الطعام الحلال ـ كما قال الإخوة ـ وقدم لغيرنا ما يشتهون، وقد شبهت مطاعم هؤلاء التي توصف بأنها إسلامية، بأجهزة الإعلام التي تحاول أن ترضي جميع الأذواق، كما يقول ذلك المشرفون عليها، فتشتمل برامجها على ما يرغب فيه المتدين، والمثقف، وذو التخصص، والفاسق، وغيرهم، هكذا تلك المطاعم يحد فيها متحرو الحلال ما يريدون، ويجد فيها قاصد الحرام ما يريد، أي أنها لا ترد يد لامس كما جاء في الحديث المختلف في روايته ودرايته.
آمال نرجو للمسلمين تحقيقها:
وأخبرنا الشيخ محمد ونحن في هذا المطعم ببعض الآمال التي يحاولون تحقيقها، وقد بدؤوا ببعضها، فقال:
إن لديهم برنامجاً للعب الأطفال وسيبدءون بتنفيذه من الشهر القادم، في كل شهر مرة، حتى يتمكنوا من تنظيمه واستمراره، مثل كرة القدم، وكرة اليد، والتنس، ويكون ذلك في أيام الإجازات، والسبب في الاهتمام بذلك هو محاولة حفظ هؤلاء الأطفال من أن يختلطوا بأولاد النصارى ويتأثروا بهم، وإذا اجتمع بعض أطفال المسلمين مع بعض حصل بينهم التآلف ومليء فراغهم، حتى لا يفكروا في الاختلاط مع الكفار.
وقال الشيخ محمد: إن ذلك سيكلفنا مبلغاً من المال نرجو أن ييسره الله.
وقال: إننا نحاول إيجاد برنامج إسلامي في الإذاعة المعدة للأجناس المختلفة من ذوي اللغات المختلفة، وقد بدأنا بذلك فعلاً في كل يوم سبت، وقد أعطينا الإذاعة المال اللازم ونجدد العقد معها كل عام، وهو يتضمن أشياء كثيرة ومن أهمها البيان لمبادئ الإسلام، ولنا أن نعلن في الإذاعة عن المناسبات الخاصة، كالصيام والإفطار والعيد ونحوها.
معلومات عن رئيس المجلس في الولاية:
رئيس مجلس ولاية كويزلاند، هو محمد إقبال ولد في باكستان، ودرس في الكلية الحكومية في ملتان، قسم المالية باللغة الإنجليزية والأردية، هاجر إلى أستراليا سنة 1955م، وتزوج امرأة أسترالية، وكان أبوه في أستراليا قبل الحرب العالمية الثانية وبعض أقاربه، وكان أبوه قد جاء أصلاً للزيارة ثم تزوج من أقاربه وأقام في أستراليا، كان إقبال يعمل في قطع قصب السكر، ثم عمل في المطبعة وعمل قائداً لحافلة مدة طويلة، ثم ابتدأ في التجارة في الثياب وعمل غسالاً، ولا زال يعمل في تجارة الثياب.
وانتخبه المسلمون رئيساً للمجلس الإسلامي في الولاية، حج في العام الماضي بدعوة من المملكة العربية السعودية وكان أميناً للجمعية.
في مركز الجمعية الإسلامية في كويزلاند:
وصلنا إلى المركز قبل صلاة العشاء، وهو يحتوي على جامع ومكتبة وقاعة اجتماعات، ومقر لتعليم أولاد المسلمين في أيام الإجازات، وتتبعه مرافق أخرى، وتوجد في المكتبة بعض الكتب الإسلامية باللغة الإنجليزية والعربية والأردية، ومنها كتاب ألفه الإمام اليوغسلافي الذي كان في هذا المسجد، وهو موقيس، واسم الكتاب موجز الكلام في الإسلام، وهو باللغة الإنجليزية، توفي مؤلفه قبل أربع سنوات في مدينة برزبن، تعرض في الكتاب لأمور العقيدة والعبادات، وفصّل القول في الصلاة والمعاملات والأسرة والحقوق والأخلاق، هكذا قال الشيخ محمد رحيم الله، وقال: إن لغته الإنجليزية جيدة وهو كتاب مفيد، وفيه أخطاء بعضها فاحش، ومن ذلك تأييده للقاديانية والظاهر أنه لم يكن يعرف مذهبهم، بل وجد الكلام عنهم في بعض الكتب فنقل ذلك، ومذهبه في الفروع حنفي، وخطؤه بالنسبة للقاديانية وقع في ص 144 ـ 489.
وبعد أن اطلعنا على المكتبة، اجتمعنا بمن حضر من أعضاء الجمعية ومنهم صديق محمد دين، نائب رئيس الجمعية في كويزلاند، وهي الجمعية الأولى في هذه الولاية.
ومن المعلومات التي ذكروها لنا عن المسلمين في هذه الولاية، أن بعض المسلمين جاءوا من الهند والأفغان، وسكنوا حول الجبل هذا الذي أصبح المركز فيه، وكانوا متمسكين بدينهم وبنوا في هذا المكان بيتاً صغيراً من الخشب للصلاة فيه 1908م، ولم يكونوا علماء وإنما يقيمون شعائر الدين حسب علمهم، وكانوا تجاراً ينقلون الأموال والبضائع للحكومة من ولاية إلى أخرى، وكانت بريطانيا أخذتهم من بلادهم للعمل، وقتلت السكان الأصليين، ونقلت من بقي منهم من المدن إلى القرى والغابات، وبعضهم كانوا عمالاً، وكان أكثر السكان في هذه المنطقة مسلمين، ولكن من المؤسف أن أولادهم صاروا الآن نصارى.
وقال الإخوة: إننا نعرفهم ونعرف أسماءهم وبيوتهم، ومهما حاولنا معهم أن يعودوا لدينهم لم يقبلوا، والسبب في ترك دينهم هو جهلهم به، ولا زالوا يسكنون قرب هذا المسجد.
أول مسجد بني في برزبن وثاني مسجد في أستراليا:
وبعد الحرب العالمية الثانية جاء بعض أسرى المسلمين من اليابان والهند وتركيا واستوطنوا في هذا البلد، وبعضهم ماتوا، وهاجر كثير من الأتراك وأقاموا الجمعة والجماعة، وعندما رأوا هذا المسجد قائماً أقاموا حوله، وهو أول مسجد بني في برزبن وثاني مسجد في أستراليا (المسجد الأول هو الذي بناه الأفغان في أدلايد وسيأتي الحديث عنه).
وجاء بعض المسلمين من الولايات الأسترالية الأخرى وفيجي وغيرها وسكنوا هنا وتزوجوا أستراليات، ولما كثر عددهم أنشأوا جمعية واتفقوا على عمارة المسجد عمارة جميلة، وعندما بدؤوا بناءه كان لا يوجد عندهم إلا القليل من النقود لا تتجاوز خمسين دولاراً، ولكنهم تعاونوا وبنوه خلال عشر سنوات من سنة 1960م ـ 1970م، ويتكون من طابقين الطابق الأرضي، وفيه المدرسة وقاعة الاجتماعات والمكتبة والمطبخ وغرف خدمات، والطابق العلوي، وهو مسجد وألحق به غرفة خاصة بالنساء، وغرفة للإمام.
وبلغت تكاليف المركز كله أكثر من ستين ألف دولار، وهي قيمة المشتريات، أما العمل فقد باشره المسلمون بأنفسهم.
وأسست الجمعية سنة 1958م، وقام بإنشائها فضل الدين، وهو عم صديق المذكور.
وبدؤوا بتدريس الأولاد مبادئ الدين الإسلامي، وبالدعوة حسب الإمكان ونصحوا الناس بالتمييز بين الحلال والحرام، وبخاصة فيما يتعلق باللحوم، وعملوا للتجارة في اللحم الحلال منذ ثلاثين سنة.
رئيس الجمعية: سلطان محمد دين.
نائب الرئيس: صديق محمد دين.
أمين السر: محمد منظور الحق.
عدد الأعضاء التنفيذيين: تسعة.
المشتركون بالمال: خمسون ومائتان.
المستفيدون من الجمعية: ثلاثة آلاف تقريباً، وهم منتشرون في مسافات بعيدة.
وقد حضر عدد من المسلمين العرب إلى المسجد، من مصر والأردن ولبنان وتم التعارف بيننا وبينهم.
وقد ألقى الشيخ عمر محاضرة عرف الحاضرين بمهمتنا في هذه الزيارة، وأبدى أسفه على الجهل الذي يحيط بالمسلمين حتى أصبح أكثرهم لا يعرفون معنى الشهادتين حق المعرفة، وبذلك كثر عدد المسلمين وقل نفعهم، وقد أذلهم الله لبعدهم عن دينه، وهنا بين مكانة الجمعيات الإسلامية في العالم وما تقوم به من تعليم أبناء المسلمين.
وأثنى على المسلمين في هذا البلد، بما يبذلون من العمل لإنقاذ أنفسهم وأولادهم من الكفر والعادات الضارة، حيث يبنون المساجد ويلحون في وجود أئمة ومعلمين، ويحاولون إنشاء مدارس خاصة كاملة، و حذر من أنه إذا حصل أي تساهل في صيانة الأولاد، فإنه سيأتي اليوم الذي يكون اسم الأب محمد واسم ابنه جورج وما أشبهه، كما حصل لأبناء المسلمين السابقين في هذا البلد.
وبين لهم أنه لا يجوز أن يغلب طلب الرزق على صيانة الأنفس والأولاد بدين الله، بل يجب أن يكون الهدف الأول هو حفظ أنفسنا بدين الله وحفظ أولادنا، والرزق مكتوب لا بد منه، وذكرهم بأن القدوة الحسنة من أسلافنا كانت سبباً في إسلام شعوب كثيرة في العالم، كإندونيسيا وماليزيا وإفريقيا، وحثهم أن يلحوا على حكومات الشعوب الإسلامية في بعث علماء يربون أولادهم ويعلمونهم، وأكد لهم أن هذا خير من ملايين الدولارات.
ثم طلب مني الشيخ أن أتحدث إلى الحاضرين، فأكدت المعاني التي تعرض لها، مع حضهم على الاجتهاد في إيصال أولادهم إلى المركز أيام العطل وعدم التساهل في ذلك، وأن يكونوا هم أنفسهم قدوة حسنة لأولادهم في التزام الطاعة وترك المعاصي والمحرمات كالخمر والخنزير ونحوهما، وأن يحافظوا على الاجتماع في المساجد في كل فرصة تسنح لهم، وأن يكثروا من اللقاءات مع إمام المسجد للاستفادة منه، وأن يتحدثوا مع أولادهم بلغة بلدهم حتى لا تضيع لغتهم التي يفهمون بها الكتب الإسلامية المؤلفة بلغتهم.
وكان المترجم الأستاذ فاخر بيتيه، وهو لبناني يتجر في الخضار وترجمته جيّدة، ويقوم بخدمة المساجد وقال: إنه يخدم المسلمين ويحل مشكلاتهم المتعلقة بالدولة.
هذه هي برزبن!
إن أول ما طرقت سمعنا كلمة (برزبن) كانت ثقيلة علينا كما أن ألسنتنا كانت تتعثر بنطقها، وكان الشيخ عمر يطلقها على كل شيء فيه صعوبة أو مشكلة، وها نحن نزور مدينة برزبن بعد أن ذلت بها ألسنتنا وألفتها أسماعنا.
وحصلت مشكلة بين بعض الحاضرين من العرب وإمام المسجد ورئيس مجلس الولاية، خصام شديد ونزاع أعقبهما سباب وشتائم وكاد يحصل بين الفريقين مضاربة، والسبب في ذلك ظن بعض العرب أن إمام المسجد ورئيس المجلس ورئيس الجمعية وبعض أعضائها يريدون الاستئثار بالضيوف الزائرين، وأنهم ينظمون لهم برامج تعود مصالحها لهذه الجمعية والعرب محرومون منها، وعلى رغم محاولتنا حل النزاع وإيضاح عدم صحة ما توهمه الإخوة العرب، فإن الأمر كان يزداد خطورة، لذلك رأينا أن الحل الأنسب هو الانصراف، فخرجنا من المركز، فلما خرجنا تفرقوا، وقال الشيخ عمر عند خروجنا معبراً عن هذه الحالة الصعبة التي وقعت: "هذه برزبن!".
وقد ذكرتني هذه القصة بقصة وقعت للشيخ محمود عبد الوهاب فايد المصري الأزهري ـ وهو أحد أعضاء الجمعية الشرعية في القاهرة، وأحد الأساتذة الذين قضوا فترة طويلة في الجامعة الإسلامية، وكنت كثيراً ما أستدعيه لإلقاء بعض المحاضرات، أو الاشتراك في بعض الندوات لطلاب الجامعة، عندما كنت مسؤولاً عنهم، وكذلك الاشتراك في الرحلات الطلابية ـ وقد حكى لي بنفسه القصة وخلاصتها أنه كان مدرساً في إحدى مدارس الكويت وخرج ذات يوم من المدرسة راجعاً إلى منزله وحقيبته في يده، فقابله رجل يقود سيارة، فوقف وقال له: تفضل يا شيخ، فقال له: شكراً منزلي قريب، فأقسم عليه أن يركب معه، وهو يظن أنه سيوصله إلى منزله، فاستمر وتجاوز منزل الشيخ، فقال له الشيخ: إلى أين؟ فقال إلى منزلنا لحاجة خفيفة فحاول أن يعفيه من هذه الزيارة التي كان يظن الشيخ أنها زيارة غداء، لأن أحد أولاد الرجل في المدرسة وأحد طلبة الشيخ، ولكن الرجل لم يعفه، وعندما جاء إلى المنزل وطرق الباب فتحت زوجُ الرجل فرأت الشيخ، فصرخت تبكي وتلعن زوجها وهرعت إلى المطبخ، فأخذت الكبريت وأرادت أن تحرق نفسها وتقول لزوجها: جئت بالمأذون والله لأحرق نفسي والشيخ في ذهول شديد وحرج أشد! وكان يقسم لها بالله أنه غير مأذون وأنه مدرس ولا علم له بذلك، وكانت تظن أنه جاء ليكتب طلاقها. وحاول الشيخ الخروج ولكن باب المنزل مقفل، وبعد مشقة استطاع أن يقنع المرأة أنه لا يريد أن يكتب طلاقها ـ وما كان يدري بالخصام بينها وبين زوجها ـ وللقصة بقية لم استوعب تفاصيلها ولكن محل الشاهد منها أننا كنا أنا والشيخ عمر كالشيخ محمود فايد في مركز برزبن هذه الليلة ـ وقد سلم الله والحمد لله.
ملحق لما دار في المركز، في الفندق:
الأحد 1/11/1404هـ
وألحق الإخوة العرب قصة البارحة بملحق آخر، حيث انتدبوا من يمثلهم لزيارتنا في الفندق لشرح المزيد من آرائهم وشكاواهم، فقد زارنا بعد الساعة الثامنة بدقائق من صباح هذا اليوم في الفندق الأخ فاخر بيتيه، وبدأ الكلام بذكر بعض المشكلات التي يسببها بعض العرب لأنفسهم ومنها التعطل المتعمد عن العمل، وذلك أنهم وجدوا الحكومة تنفق على من عطل نفسه عن العمل أكثر مما يتقاضونه إذا كانوا موظفين، فينامون في النهار ويلعبون الورق في الليل وكان هذا سبباً في صعوبة منح الإقامة لمن يريد أن يبقى في أستراليا.
ثم أثنى فاخر على الشيخ تاج الدين الموجود في سدني، وقال: إنه يقوم بالذكر الصوفي، وإنه قد وكله أن يقوم به في برزبن نيابة عنه، وإنه عنده شرائط فيديو من الذكر الذي يقوم به تاج، وقال: إن الذكر الصوفي سنة وهم يقولون: إنه بدعة وينهون عنه، (وقد تحدثنا عن الذكر الصوفي وما يتعلق به حديثاً مستفيضاً، مساء هذا اليوم بعد صلاة العشاء في المركز الذي عزمنا فيه العرب ومنهم فاخر بيتيه وسيأتي).
ثم قال فاخر بيتيه عن نفسه: إنه يخدم المسلمين بدون أي مقابل ويساعد المساجين من المسلمين وغيرهم، وإن الحكومة الأسترالية منحته بطاقة رخصة لدخول أي سجن في أي حال من الأحوال، وإنه لا يستطيع أحد أن يرده من كبار الموظفين!.
ثم جاء الأخ شفيق سكريه الأردني، وهو الذي تولى المشادة ليلة البارحة في الجامع، وجاء معه الأخ محمد نصار المصري، وصارحناهم بأن ما حصل منهم ليلة البارحة، لا يرضي الله، وأنا لسنا راضين عما حصل وبخاصة ما صدر من الأخ شفيق، واعتذروا عما صدر منهم وأكدوا أنهم مظلومون، لأن جمعية كويزلاند تستأثر بالوفود وبالمصالح المترتبة على زيارتهم، وألحوا علينا في مساعدتهم بوجود إمام يقوم بتعليمهم وتعليم أولادهم ويؤمهم في الصلاة ويساعدهم في تحديد أوقات الصلاة والصيام والأعياد، ويجب أن يكون مستقلاً لا يخاف إلا الله، وقد نُصِحوا بالتريث في الأمر وعدم المشادة مع الآخرين ووعدناهم أن نبلغ الجهات المختصة عندنا برغبتهم.
وبعد خروج الإخوة العرب الثلاثة، جاء الأخ محمد إقبال والشيخ محمد رحيم الله، وكانا مستاءين جداً مما حصل من الإخوة العرب ليلة البارحة، وقد أبدوا في الحقيقة تبصراً وتعقلاً على ما وجه إليهم، ولو أنهم فعلوا كما فعل بعض العرب لكانت فتنة لا تحمد عواقبها.
وقد أخبرناهم أن ما حصل لم يسرنا وأنه إنما حصل من شخصين تقريباً، وقد اجتمعنا بثلاثة من الإخوة العرب صباح هذا اليوم وصارحناهم بما عندنا، وأخبرناهم أنكم أنتم الذين عرفتمونا بهم، وأنكم وضعتم في البرنامج زيارتين لمسجدهم: الزيارة الأولى صلاة المغرب يوم السبت وقد تمت، والزيارة الثانية صلاة العشاء من هذا اليوم الأحد، وأخبرناهم ـ أي العرب ـ أن الإخوة الذين نظموا البرنامج ـ وهم أنتم ـ لم نسمع منهم عنكم إلا الخير، وصارحنا الأخ شفيق سكريه أنا لسنا راضين عما حصل منه وأن ذلك لا يخدم تألف المسلمين، وأخبرنا الإمام إقبال أننا أكدنا على الإخوة العرب التعاون معكم وإحضار أولادهم إلى المسجد، ليتعلموا أيام الإجازات وأثنينا على ما يقوم به المركز من الخير كما أكدنا عليهم أنا إذا حضرنا اليوم إلى مسجدهم أن لا يحدثوا شيئاً يسيء إلى أحد، ونرجو منكم أنتم أن تصبروا وتصفحوا، والإنسان الذي يكلف مسؤولية لا بد أن يؤذى ولا بد أن يصبر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لنا لا بد أن نجتهد في الإقتداء به وإن لم نصل إليه.
وقال الأخ إقبال ـ بعد أن سمع منا ما تقدم ـ : إن هذا ليس أول ما يقع لي في حياتي وقد صبرت على كثير من الأذى، وأنا صديق للإخوة العرب ولكنهم عندهم شكوك غير صحيحة ونسأل الله لهم الهداية.
ومن المعلومات التي ذكرها لنا الشيخ محمد رحيم الله والأخ إقبال، أن عدد سكان مدينة برزبن مليون نسمة، وسميت برزبن باسم أول بريطاني وصل إلى هذه المنطقة، وقال الشيخ رحيم الله إن أول من اكتشف أستراليا هم العرب وأيد ذلك إقبال، وقالا: إن العرب وصلوا في الشمال أولاً للتجارة وعندما رأوا الجبال والغابات رجعوا وقد اعترف بذلك الأستراليون أنفسهم.
وأهل البلاد الأصليون: " أوبروجنيز" لا يدرى من أين جاءوا إلى أستراليا ـ وهذه الأمور تدرس في تاريخ فيجي، ويقال أن أستراليا كانت جزءً من آسيا وانفصلت عنها.
ومن الأمور التي تحدثنا عنها، ظاهرة عدم وجود البوليس في الشوارع والأماكن العامة، كالمطارات البنوك والدوائر الحكومية وغيرها، فقال الإخوان: إن لذلك أسباباً كثيرة: منها ارتفاع نسبة التعليم والثقافة، ومنها صرامة تطبيق القانون على الصغير والكبير بدون فرق، والجاسوسية منتشرة بشكل واسع جداً وأي مجرم يحال إلى القضاء ويلقى جزاءه إذا ثبت إجرامه.
ومن الأمثلة أنه أعلن في بعض الجرائد أن بعض الوزراء جاء من الخارج وأَسَرَّت امرأته شيئاً ممنوعاً، فأحالوها هي إلى المحاكمة للتحقيق، وأوقفوا الوزير عن عمله الرسمي حتى يتضح إن كان شريكاً لها فيطرد من الوزارة، وإلا أعيد إلى عمله ونالت هي جزاءها.
وشرب بعض الوزراء الخمر وسكر، فحول إلى المحكمة بعد أن أمسكه البوليس، والناس يعلمون موقف الحكومة الصارم الذي لا يحابي أحداً، ولذلك يقف كل واحد عند حده.
قلت: أين عدالة أكثر المسلمين اليوم من عدالة هؤلاء الكفار الذين يستوي عندهم الكبير والصغير والغني والفقير والآمر والمأمور؟ مع أن الأساس في العدالة هو الإسلام الذي قال نبيه صلى الله عليه وسلم: ((والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها)).
موقع مشروع المدرسة:
تعتزم الجمعية إقامة مدرسة جديدة لأبناء المسلمين، وأحبوا أن يطلعونا على المكان الذي اختاروه لذلك، وهو مبنى كلية مدرسي الكنيسة الذي تعتزم الكنيسة بيعه، وهو يتكون من مبنى كبير فيه اثنتا عشر غرفة، فصول دراسية، وبجانبه أربعة مبان صغيرة وقد بني منذ 12 سنة فقط، وهو في موقع ممتاز جداً، وبجانبه جامعة كويزلاند لا يفصل بينهما إلا خليج من البحر. وقيمة المبنى مليون وثلاثمائة دولار تقريباً، وقال الأخ إقبال: جاء سفير المملكة العربية السعودية في كامبرا ورأى المكان، وكذلك الشيخ عبد العزيز المسند ووعدنا السفير بالمساعدة لشراء هذا المكان، وقال إننا نريد شراءه لجعله مدرسة لأبنائنا، بحيث تجمع بين المنهج الإسلامي ومنهج الحكومة الدراسي، لنحفظ أولادنا بالتربية المستقلة والتعليم، ونضمن لهم أن يواصلوا دراساتهم الجامعية في الدولة وينخرطوا في الوظائف الحكومية حتى لا يكونوا عالة على المجتمع.
وقال الأخ إقبال ـ لشدة حماسه لهذا المشروع ـ : إني لأرجو الله أن لا يميتني حتى أرى هذه الكلية بأيدي المسلمين يدرس فيها أولادهم، قلنا: ونحن نرجو ذلك.
وقد نصحناهم بالاتصال بالسفير السعودي باستمرار ليساعدهم أو يدلهم على كيفية طلب المساعدة.
كانت الساعة في هذا الوقت الحادية عشرة والنصف صباحاً.
ذهبنا بعد ذلك إلى الجامع لزيارة المدرسة، فوجدنا عدداً من البنين والبنات الصغار، ما بين سن الخامسة والعاشرة تقريباً، ويقدر عددهم بنحو ثلاثين ومعهم أربعة مدرسين، يدرسونهم اللغة العربية ومبادئ الدين الإسلامي حسب مستوياتهم.
وكان بعض الأساتذة يرفع صوته مترسلاً بكلمة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله" والصغار يرددونها وراءه بصوت عال وحماس عاطفي، واقتربنا من بعضهم وطلبنا منهم أن يقرؤوا بعض السور القصيرة، فكانوا يتسابقون لقراءتها.
ومن الآباء المتحمسين لتعليم أولادهم الخائفين على مستقبلهم الإسلامي الأخ الأردني زهير كريمة، الذي هاجر إلى أستراليا سنة 1977م وهو يعمل مع الاتحاد الآن وله خمسة أولاد، أربعة منهم ذكور وأكبر أبنائه اسمه زهير – أيضاً ـ كان موجوداً ويظهر عليه أثر تربية والده، حيث يتكلم اللغة العربية ويظهر حماسه للإسلام، ولم يفارقنا مدة بقائنا في المسجد، ولما رأينا تحمس الأخ زهير كريمة طلبنا منه أن ينقل هذا الحماس إلى إخوانه العرب الذين لم يحضروا أولادهم للتعليم، وقد طلب منا بعث كتب إسلامية باللغة العربية ليستفيد منها هو وأولاده وغيرهم.
ثم إذن المؤذن وصلى بنا الشيخ محمد رحيم الله صلاة الظهر، وألقى الشيخ كلمة مختصرة شجع فيها الآباء على تعليم الأبناء ولاطف الأولاد فقال لهم: نحن جئنا من عند الكعبة ومن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فمن منكم يحب أن يزور مكة والمدينة؟ فرفع كلهم أيديهم للدلالة على رغبتهم في هذه الزيارة.
إلى جبل ما ونت جرافت: "MOUNT GRAVATT "
وهذا الجبل يشرف على المدينة من كل الجهات، لأنه يقع في وسطها وعلى قمته يقع لاقط (إريل) الهاتف في المدينة، وأول ما فوجئنا به على قمة الجبل، عجوز كبيرة تلاطف كلباً لها كبيراً جداً ـ أي ضخم الجثة وليس كبير السن مثلها ـ وهي تمسحه بيدها وتقبله، وقد التفتْ حولها بنات يشاركنها في تمسيحه وتقبيله.
وبهذه المناسبة ذكر لنا الإخوة أن مراقب النظافة في إحدى مناطق المدينة ذهب يفتش على الكلاب في المنازل للتأكد من سلامتها من الأمراض ونظافتها، فغضب منه أحد السكان وضربه، وهو الآن في المستشفى من أثر ذلك الضرب. ومعنى هذا أن الحكومة حريصة على وقاية الشعب من أمراض الكلاب وقذارتها المؤذية ـ وليتها تهتم بأمراض القلوب كما اهتمت بأمراض الكلاب ـ ، ولكن بعض السكان يغيظه أن يفتش كلبه، لأنه يراه فوق مستوى التفتيش، وهذه نتيجة طبيعية لانعكاس المقاييس، حيث أصبح الكلب والاختلاط به عند بعض الناس أفضل من الاختلاط بالإنسان، ولو كان هذا الإنسان زوجاً أو أبناً...