في مدينة جاكرتا
في مدينة جاكرتا
هذا هو الجزء الثالث من رحلات إندونيسيا التي تكررت أكثر من غيرها من البلدان.
ولهذا تجد في معلوماتها تقديماً وتأخيراً مراعاة لوحدة الموضوعات، حيث يضم المتأخر إلى المتقدم أو العكس إذا كان الموضوع يتعلق بموضوع واحد.
أقلعت بنا الطائرة من جدة إلى جاكرتا في الساعة الثامنة مساء بتوقيت مكة المكرمة، واستغرقت الرحلة تسع ساعات تقريباً. وهبطت في مطار جاكرتا الساعة السادسة من صباح الاثنين: 28/2/1419هـ بنفس التوقيت، وهو يوافق الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت جاكرتا.
استقبلني في المطار الشيخ عبد الله بن سعيد باهرمز، والأخ زفر باوزير.
وكان النزول في فندق: (غرَانْ مِيْلْيا GRAN MILIA). وهو فندق جديد من فئة خمسة نجوم.
الثلاثاء: 29/2/1419هـ ـ23/6/1998م.
زارني بعض الطلاب الإندونيسيين المتخرجين في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ومنهم الشيخ حلمي أمين الدين. وطلبوا مني إلقاء محاضرة تتعلق بتجربتي في الدعوة، فلبيت الطلب، وتحدد لإلقائها غداً: الأربعاء في مقر إحدى مؤسساتهم التعليمية…
الدعوة إلى الله من خلال التجارب:
الأربعاء:30/2/1419هـ ـ 24/6/1998م
بدأت المحاضرة في الساعة الواحدة ظهراً، وانتهت في الساعة الخامسة مساء، تخللتها أسئلة ومناقشات. وكانت تتلخص في النقاط الآتية:
النقطة الأولى: وجوب تزود الداعية بالعلم والفقه في الدين، وإطلاعه على أحوال المدعوين وعاداتهم ومشكلاتهم.
النقطة الثانية: أن يكون قدوة حسنة، حكيماً في دعوته، ليناً، صبوراً.
النقطة الثالثة: أن يثبت على الحق غير مبال بمن خالفه في ذلك، مع الإصغاء لآراء المخالفين والاستفادة منها، والتسليم لما يظهر له من الحق، وإن خالف رأيه.
النقطة الرابعة: البعد عن التحزب الذي يفرق بين المسلمين، ومحاولة جمع كلمتهم على الحق، والتعاون معهم في ما يتفقون عليه، وعدم التشدد معهم في الأمور الاجتهادية.
النقطة الخامسة: عدم إنشاء أحزاب ضد أي حكومة تطبق أحكام الإسلام، وإن حصل منها تقصير في بعض فروعه، لما في ذلك من الخروج على الدولة المسلمة من جهة، ولما فيه من التنازع المؤدي إلى الفشل من جهة.
وأما إقامة حزب إسلامي يجتمع في ظله المسلمون الذين يريدون إقامة حكم الله في أي بلد حكومته علمانية تحارب تطبيق الإسلام، وتتعدد فيه الأحزاب، فهي فرض عين، يأثم المسلمون كلهم إذا لم تقم بها طائفة قياماً كافياً حسب الطاقة.
وإذا كانت الحكومة العلمانية تأذن بإنشاء أحزاب للفئات العلمانية، وتحظر إقامة حزب إسلامي، فيجب على المسلمين إقامته سراً، لأن ذلك هو المستطاع، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
وكان السبب في الكلام على هذه النقطة والتي قبلها كثرة الأسئلة عن حكم إقامة أحزاب إسلامية، بمناسبة ما حصل هذه الأيام من إعلان أحزاب كثيرة في إندونيسيا، بعد سقوط سوهارتو، إثر المظاهرات التي حصلت أخيراً.
مع الأستاذ حلمي أمين الدين:
الخميس:1/3/1419هـ ـ 25/6/1998م
كان الأخ حلمي أمين الدين من أوائل الطلبة الإندونيسيين الذين تخرجوا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وكنت التقيته مع الدكتور محمد ناصر رحمه الله في سنة:1400هـ -1980م مع الدكتور محمد رشيدي، في جاكرتا، عندما قمت بأول حلة دعوية لإندونيسيا والإشراف على نشاط بعض طلبة الجامعة الإسلامية الدعوي أيضاً.

وكان موقف الحكومة الإندونيسية موقفاً معادياً للدعوة والدعاة، حتى إن بعض العلماء كان مقيماً في بيته إقامة جبرية، ومنهم الدكتور محمد ناصر.
وقد اعتقل بعد ذلك الأخ حلمي، ومكث سنتين تقريباً في السجن.
ولهذا أحببت أن أعرف ما جرى له في تلك الفترة، فكان هذا الاجتماع الذي لم تكتمل فيه جميع المعلومات التي كنت أود الاطلاع عليها.
قلت للأخ حلمي: أرجو أن تعطيني نبذة مختصرة، عن حياتك، وعن مسيرتك في الدعوة إلى الله في بلدك؟ فأجاب:
الاسم: حلمي أمين الدين بن داتو محمد حسن.
المولد: في اليوم السادس من شهر يونيو في جاوة الغربية.
الدراسة: تخرج من المرحلة الابتدائية في مدينة: "تشلنجون" في المنطقة الساحلية من جاوة الغربية.
وتخرج من المرحلة المتوسطة الاقتصادية في مدينة "باندونغ" سنة: 1965م.
وتخرج من المرحلة الثانوية الاقتصادية سنة: 1968م.
والتحق بكلية الاقتصاد في مدينة: "باندونغ" في نفس السنة، وتدرب في البنك الوطني في باندونغ.
نشاطاته:
كان عضواً في اتحاد الطلبة المسلمين في إندونيسيا، واشتغل بالدعوة.
ولذا نصحه والده أن يترك دراسته في الكلية الاقتصادية، ويلتحق بالدراسات الشرعية.
وسعى له في الحصول على منحة دراسية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فتحصل عليها، والتحق بالجامعة سنة: 1373م.
الأسرة:
والده من مواليد: 1917م. وأمه من مواليد سنة: 1926م.
كان والده في عهد الاحتلال الهولندي يعمل في دائرة الأشغال العامة، في منطقة: "بَتْن" في أواخر الثلاثينات.
عدد إخوان حلمي: سبعة، توفي اثنان، وهم صغار، وبقي خمسة: ذكران، وثلاث إناث.
نشاط والده:
كان والده من المجاهدين الذين أطلقوا على أنفسهم: "حزب الله".
وكان يقود هذا الحزب عدد من المجاهدين، وكان والده مسئولاً عن حشد المسلمين لمقاومة الاستعمار وتوفير السلاح للمجاهدين وتمويلهم.
وكان قائد حزب الله في منطقة: "شربون". واسم الكتيبة التي كان يرأسها: "سنن جوننغ جاتي" وهو لقب لشريف هداية الله.
وقد أيد هذا الحزب جمهور الشعب الإندونيسي بعد استقلال إندونيسيا.
وقام والد حلمي- بعد الاستقلال - بمطالبة الحكومة الإندونيسية بتطبيق الشريعة الإسلامية.
وعندما رفض سوكارنو تلبية ذلك الطلب، اشترك والده مع المجاهد: "سَكَرَا ماجي مرجان قارطوسو وِرْيو"-الذي كان من قادة الجيش ونائب وزير الدفاع في عهد سوكارنو- في الجهاد ضد الحكومة.
وكان خروجهم ضد سوكارنو في اليوم السابع من شهر أغسطس سنة: 1962م.
وفي هذه السنة طلب الجنرال "إبراهيم آجي" قائد الجيش في جاوة الغربية من سوكارنو أن يأذن له بالتفاوض مع المجاهدين - الذين أطلقوا على أنفسهم: "الحكومة الإسلامية" - وعلى المجاهدين: "الجيش الإسلامي الإندونيسي"- بشرط أن لا يمس سوكارنوا هؤلاء المجاهدين بسوء. فوافق سوكارنو على ذلك، إلا أنه استثنى من هذا الشرط رئيس الحكومة الإسلامية: "مرجان" السابق الذكر.
خديعة للإخلال بالشرط:
وفي أثناء المفاوضات مع قادة المجاهدين، أمر سوكارنو الجيش بمحاصرة الشعب في جاوة الغربية، وأجبر الشعب الذي كان يتعاون مع المجاهدين على محاصرتهم وعدم مساعدتهم بالطعام والشراب، فكان ذلك سبباً في موت كثير منهم من شدة الجوع والعطش.
وكانت الحكومة الإسلامية توجد في جاوة الغربية، وفي آتشيه بسومطرة، بقيادة: "داود بيريه"، وفي سيلاويسي بقيادة الشيخ: "ابن حجر" الذي قتل فيما بعد في السجن، وفي جاوة الوسطى بقيادة: الحاج "إسماعيل بْراتوتو". وكان والد حلمي يشرف على جاوة ومادورا.
وقد رفض والد حلمي بعض شروط التفاوض، واستطاع بعض الجنود القبض عليه، وذهبوا به إلى باندونغ وأطلقوا سراحه. وعمل في التجارة.
وعندما قام الانقلاب الشيوعي الفاشل سنة: 1965م قام بمحاربة الشيوعيين مع جنوده السابقين الذين جمعهم ونظمهم من جديد للعمل في الدعوة إلى إقامة حكومة إسلامية تطبق الشريعة الإسلامية.
مفاوضة سوهارتو مع المجاهدين:
وعندما شعر سوهارتو بالخطر من ذلك دعاه مع داود إلى القصر الرئاسي سنة: 1977م للتفاوض معهما، طالباً منهما التنازل عن محاربة: أساس الحكم: "البانتشاسيلا" وفشل التفاوض لعدم استجابتهما لذلك الطلب.
وفي الإجازة الدراسية من تلك السنة، رجع حلمي إلى إندونيسيا من المدينة المنورة، قال له والده: هذه أوراق الحكومة. وفيها ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: وقف محاولة تطبيق الشريعة.
النقطة الثانية: تأييد حكومة العهد الجديد.
النقطة الثالثة: تأييد الرئيس سوهارتو.
وقال: إن الموافقة على النقطتين: الثانية والثالثة، من حيث المبدأ، سهلة، وأما النقطة الأولى فلا يمكن الموافقة عليها.
وسأل حلمي والده: لو أنك قبلت هذه الشروط، ماذا يحصل؟
قال: وعدني سوهارتو أن يعينني عضواً في مجلس النواب، وأن يمنحني خمسمائة مليون ربية، وكان الدولار في تلك الفترة: 250 ربية، أي إن المبلغ يساوي عشرين ألف دولار، وهو مبلغ كبير في تلك الأيام.
فقال له حلمي: وإذا رفضت الموافقة، فماذا يحصل؟
قال: يدخلونني السجن.
ووجه والد حلمي لابنه سؤالاً: هل اتصلت برجال الدعوة في الخارج؟
فأجابه حلمي: نعم. لأني أدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهي جامعة تعليم وتربية ودعوة، ويقوم عليها رجال العلم والتربية والدعوة، وعلى رأسهم الشيخ عبد العزيز بن باز.
رفض التنازل فسجن:
وفي شهر نوفمبر، دعا قائد الجيش في باندونغ والد حلمي إلى مقر قيادته للتفاوض، الأخير وظل يرفض التنازل عن المطالبة بتطبيق الشريعة.
وفي شهر سبتمبر، وبعد عودة حلمي إلى المدينة، اعتقلت الحكومة والده. ولم يخبروا أهله باعتقاله، ولا بمكانه. وقد بقي في السجن عشر سنين.
وبعد تخرج حلمي وعودته من المدينة، وبعد أن مضى على سجن والده سبع سنين، كتب خطاباً إلى الرئيس سوهارتو، وبعث بصور منه إلى كل من وزير الدفاع، ووزير العدل، والنيابة العامة، واللجنة القانونية في مجلس النواب، يطلب منهم في الخطاب محاكمة والده.
وعقدت المحكمة العسكرية لمحاكمته، واتهم بأنه كان ينظم للانقلاب على الدولة، وحكم عليه بسجن عشر سنين، بما فيها السنين السبع الماضية.
وبعد انقضاء المدة المذكورة، اتصل مدير السجن في باندونغ بحلمي في الساعة السابعة والنصف من صباح اليوم الثاني من شهر مايو سنة: 1987م وقال له: تعال خذ والدك.
قتلوه بالسم!
قال حلمي: وعندما ذهبنا - أنا وجميع العائلة - إلى السجن قبل موعد إطلاقه بربع ساعة، أخبرنا مدير السجن أن والده قد غادر السجن إلى بيته في الساعة السادسة والنصف صباحاً.
فرجعوا إلى المنزل بعد صلاة الجمعة، ووجدوه فيه.
وفي الساعة التاسعة ليلاً من ذلك اليوم شعر الوالد بألم شديد، صاحبه تقيئ، وكان من طبيعته المداومة على ذكر الله، فسمعه حلمي يرفع صوته بالذكر على غير العادة، فاقترب منه ومس جسمه، فوجده بارداً، فأخذ يدلك جسمه بالدهن، ونقله إلى السرير، وبدأ صوته يضعف، وأسلم نفسه لبارئها في نفس الوقت.
قال الأخ حلمي: لقد قتلوه بالسم، وقد دلت على ذلك قرينتان:
القرينة الأولى: أني أخذت عينة من قيئه وسلمتها لمهندس كيماوي، فحللها ووجد فيها مادة سامة، توفي بعد تناولها بعشر ساعات.
القرينة الثانية: أنهم عندما كانوا يقومون بدفنه، رأوا أحد جنرالات الجيش يراقب الدفن على بعد مائة متر تقريباً، وكان ذلك واضحاً أنه أراد الاطمئنان على وفاة الضحية، واسم الضابط: بوبي رحمان.
أراد حلمي من ذكر قصة والده، قبل أن يذكر نشاطه، تسجيل ما يفعله الطغاة بالدعاة إلى الله في كل الأزمان، وأن يسجل حياة والده قبل حياته.
تتمة المعلومات عن الأخ حلمي:
درس حلمي في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وتخرج فيها سنة: 1979م.
وكان قد التحق قبل ذلك بشعبة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في نفس الجامعة.
وبعد تخرجه، رجع إلى بلده مدينة: باندونغ في شهر يناير سنة: 1980م. [وهي السنة التي التقيته فيها في أول زيارة قمت بها لإندونيسيا] تعاقد مع دار الإفتاء السعودية للقيام بالدعوة إلى الله في إندونيسيا.
طلب منه سكرتير محافظة باندونغ الموافقة على تعيينه في إدارة شئون الحج، فاعتذر.
وطلب منه ضابط في الجيش - واسمه: مأمون - يشرف على معهد إسلامي في باندونغ، أن يعينه مدرساً في المعهد، فاعتذر، ولا زال المعهد موجوداً، ويشرف عليه ابن الضابط المذكور، وهو متخرج من الأزهر، واسمه: منصور.
وسبب اعتذاره أنه كان يريد التفرغ للدعوة في إندونيسيا.
العناية بالشباب:
بدأ عمله الدعوي بالاتصال بالجمعيات الإسلامية، وبخاصة جمعيات الشباب، وكان اتصاله والتجاوب معه سهلاً، لأن والده كان مشهوراً عند الناس.
اتصل بحركة الشباب المسلم في جاكرتا، وهم من شباب حزب ماشومي، الذي يسمى الآن: (المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية) يطلب منهم أن يمكنوه من تربية بعض شبابهم، فعينوا له عشرين شاباً منهم.
واتصل باتحاد الطلبة المسلمين في جاكرتا، فعينوا له مجموعة منهم.
واتصل باتحاد الأمة الإسلامية الذي أنشأه الحاج عبد الحليم في مدينة: "محالينكا" والشيخ السنوسي في مدينة: "سكابومي" وكان إنشاء هذا الاتحاد في الأربعينات. فعينوا له مجموعة من الشباب.
واتصل بالاتحادات الطلابية في الجامعات الإندونيسية الكبيرة، فاجتمع حوله عدد كبير منهم.
أساس التوحيد يزعج المنافقين:
ألقى الأستاذ حلمي أمين الدين محاضرة في مقر اتحاد الطلبة، في الجامعة الإسلامية الحكومية في جاكرتا، في شهر أغسطس من عام: 1981م عن معنى الشهادتين: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) تعرض في المحاضرة لمعنى الولاء والبراء، وكانت الدولة بوليسية في تلك الفترة، والولاء والبراء عند الدولة يجب أن يكون للمبادئ الخمسة: (البانتشاسيلا) وليس لله ولرسوله وللمؤمنين، فأزعجها تفسير: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) التي هي أساس الإسلام، والتي تتعارض مع أساس الحكم.
وفي اليوم الرابع والعشرين من نفس الشهر اعتقلت الحكومة الأستاذ حلمي، بحجة أنه يحرض على إقامة دولة إسلامية…
دعاة التوحيد قطاع طرق!
جاء فريق من الجيش واقتحموا منزله، وكبلوه بالقيود، وأخذوه من بيته معصوب العينين، وكان بيته في الحي أمام المسجد.
وعندما رآه أهل الحي بتلك الحالة، صاحوا مستنكرين: لماذا تفعلون هذا بهذا الرجل، وهو من العلماء؟ فقال لهم الضابط: إنه متورط في قطع الطريق ونهب أموال الناس بالقوة، فرد الناس عليه كلامه مكذبين له، لعلمهم بنزاهة عالمهم، فما كان منه إلا أن يستعمل سلاح الطغاة: الأمر والنهي من عل، فقال لهم: اسكتوا.
طمأنة وتكذيب:
قال الأخ حلمي: عندما أخذني الزبانية من البيت، قالوا لي: نحن نريدك ساعات فقط، ثم تعود إلى منزلك. ولكني لم أصدقهم، فأخذت معي بعض الأغراض اللازمة استعداداً لوقت طويل.
وكانوا - مع تغطية عينيَّ - يدورون بالسيارة في اتجاهات مختلفة للتمويه حتى لا أخمن الجهة التي يذهبون بي إليها.
ترغيب وترهيب!
قال له الضابط في السيارة: إذا تعاونت معنا في التحقيق فستعود الليلة إلى منزلك، وإلا فانتظر النار. ولم يرد الأخ حلمي عليه.
وعندما اقتربت السيارة من السجن، قال الضابط: حصلنا على بضاعة جديدة! وصاح جنود السجن: بضاعة جديدة.!
وجبة سريعة من التعذيب!
وعندما أدخلوه غرفة التحقيق، لم يكلموه بشيء، وإنما جردوه من ملابسه تجريداً كاملاً! وأخذوا يضربون في جميع أجزاء جسمه، حتى سقط على الأرض، ولبسوه أوراق جريدة وأشعلوا فيها النار.
ونثروا على الأرض مواد حادة - لعلها من الحسك - وأمروه أن يحبو على ركبتيه عليها، وأخذوا يضربونه، ويشتد ضربهم له كلما توقف من الألم والتعب، وكان الدم يسيل من ركبتيه ومن جسمه.
وقبيل الفجر كبلوا يديه ورجليه وربطوه في عمود الغرفة.
واستمروا في تعذيبه المتواصل لمدة أسبوعين، ثم عذبوه بعد ذلك ستة أشهر تعذيباً متقطعاً.
المذكرات الحمراء!
نقلوه بعد الأسبوعين الأولين إلى زنزانة أخرى، وكانوا قبل ذلك يكررون في أسئلتهم له سؤاله عن (المذكرات الحمراء).
قال الأخ حلمي: وهذه المذكرات هي الأوراق التي وضع فيها الجيش إستراتيجيته العسكرية للانتخابات عام: 1972م. وكان قد حصل عليها صحفي يسمى: حسن، وهو من أعضاء حزب ماشومي المحظور، وأعطاني نسخة منها، وهي مذكرات سرية للغاية… وكنت أنكر علمي بها.
وفي إحدى الليالي قمت أتهجد في آخر الليل في الزنزانة وأتلو القرآن بصوت مرتفع نسبياً، وسمع أحد المعتقلين في زنزانة مجاورة صوتي، وناداني باسمي: أستاذ حلمي! فإذا هو الصحفي "حسن سورات مجا" الذي يعمل في جريدة: "أبدى" وهو الذي سلمني المذكرات الحمراء!
فقلت له: اطمئن أنا لم أعترف، فقال لي: اعترف، أنا قد اعترفت.!
حيلة المعتقل للاعتراف بالمذكرات الحمراء!
قال الأخ حلمي: وفي اليوم الثاني قلت للضابط: سألتموني كثيراً عن المذكرات الحمراء، ولم تذكروا لي عنوانها، فما هو عنوانها؟
فسكت الضابط قليلاً، ثم خرج ورجع، وقال لي:
عنوانها (استراتيجية الجيش في الانتخابات) فقلت له: نعم رأيتها، وهي عندي، وقد أخذتها من حسن!
فقال لي الضابط: هل عرفت شيئاً من مضمونها؟ قلت: نعم وذكرت له بعض موضوعاتها.
ثم أخذ الضابط يسأله عن أمور أخرى، منها: حركة دار الإسلام التي كان والده يقودها.
ولكن عندي هذا وهذا!
بقيت في السجن سنتين، ثم جاء إلي الضابط " مهتدي غزالي" [هكذا يسميهم آباؤهم تيمناً وتفاؤلاً، ليكونوا مهتدين مقتدين بعلماء الإسلام، كالإمام الغزالي... ولكنهم تجتالهم الشياطين فيصبحون معاول هدم للإسلام، وجنودا للطغاة يسلطونهم على رجال الدعوة، كما تسلط الكلاب المدربة على الاصطياد...!]. وقال لي: إذا تعاونت معي في التحقيق فسيطلق سراحك.
فقلت له: كيف ذلك؟
قال: لا أريد رئيسي يتهمني بأنني فشلت في التحقيق معك، أنا مسلم وأنت مسلم من منطقة "بَتَن" [وهي منطقة مشهورة بقوة تمسك أهلها بالإسلام]. ووالدي حاج، ولكن عندي هذا - وأشار إلى بطنه، يعني لا بد من المحافظة على رزقه ووظيفته ومكافآته - وعندي هذا - وأشار إلى كتفه، يعني رتبته العسكرية التي لا يريد أن يخسرها أو يهتز أمام مسؤوليه -…
قلت له: وكيف أتعاون معك؟
قال: نتشاور أنا وأنت قبل أن تكتب الإجابة عن كل سؤال، فلا تكتب إلا ما نتفق عليه.
قلت له: سأتعاون معك فيما لا يمس المبادئ التي لا مساومة عليها.
قال الأخ حلمي: وخرجت من السجن في: 18 من شهر يونيو سنة: 1983م.
ونص العبارة التي سجلت في وثيقة الإفراج عني: (إيقاف التحقيق لعدم وجود المسوغات). [نعم لا توجد مسوغات لاستمرار التحقيق، ولكن المسوغات وجدت لاعتقال سنتين، وتعذيب وحشي واعتداء على الكرامة وإهدار الحقوق الشخصية والأسرية...!].
وقد وقع على هذه الوثيقة: الجنرال إسماعيل صالح رئيس النيابة.
وألزموني بمراجعتهم أسبوعياً لمدة ثلاثة أشهر بعد خروجي من السجن… [كان من المقرر أن أجتمع مرة أخرى بالأخ حلمي، لاستكمال مسيرة الدعوة في إندونيسيا، ولكني شغلت وشغل هو، فلم نتمكن من الاجتماع لهذا الأمر مرة أخرى، ولعل الله ييسر ذلك في سفرة أخرى].
الجمعة: 16/3/1419 هـ ـ 10/7/1998م.
كانت مجموعة من المتخرجين في الجامعات العربية، في مصر والسعودية وسوريا وليبيا والعراق… ويطلقون على أنفسهم: خريجي الشرق الأوسط، قد طلبوا مني إلقاء محاضرة صباح هذا اليوم في اجتماعهم الأسبوعي، في مؤسسة الطاهرية في جاكرتا، فلبيت طلبهم.
محاضرة مسؤولية العلماء عن الدعوة إلى الله:
ودارت حول النقاط الآتية:
النقطة الأولى: العالَم بدون علم إلهي في ظلمة. وقائد الدعوة إلى تلك الظلمة: الشيطان. وأنصاره في الدعوة إلى تلك الظلمات وتوسيعها، هم أتباعه الذين يتبعون خطواته.
النقطة الثانية: العالَم الذي يحظى بالعلم الإلهي في نور. وقادة الدعوة إلى ذلك النور: الأنبياء والرسل. وأنصارهم هم أهل طاعتهم.
النقطة الثالثة: ورثة الأنبياء والرسل هم الذين ينوبون عنهم في توسيع دائرة النور، ودعوة الناس إلى الخروج من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
النقطة الرابعة: العلماء الجديرون بهذا الوصف، هم الذين يحققون الأمور الآتية:
الأمر الأول: التفقه في الدين تفقهاً صحيحاً مبنياً على فهم الكتاب والسنة، وعلى الأسس والقواعد العلمية التي سار عليها علماء الإسلام.
الأمر الثاني: أن يكونوا قدوة حسنة يرى الناس في أقوالهم وأفعالهم معاني الإسلام تتحرك بحركتهم.
الأمر الثالث: أن يجعلوا غايتهم التي يعيشون من أجلها رضا الله، وإن سخط عليهم كل الناس.
الأمر الرابع: أن ينقلوا معاني الإسلام التي يحققونها في أنفسهم، إلى أسرهم ومجتمعاتهم، أي أن يقوموا بوظيفة البلاغ المبين.
الأمر الخامس: أن يكونوا أمناء على دين الله بأن ينقلوه للناس كاملاً دون منقوص، في العقيدة والعبادة والشريعة والأخلاق على أساس أن الدين شامل لكل تصرفات الناس، ولا تجوز مخالفته في أي شأن من شؤون الحياة.
الأمر السادس: أن يتصدوا لحل مشكلات الناس التي تحدث، بتوضيح حكم الإسلام فيها حتى لا يظن الناس أن هذا الدين ناقص.
الأمر السابع: أن يسعوا إلى جمع كلمة المسلمين وعدم تنازعهم المؤدي إلى فشلهم، بحيث يتعاونون في تحقيق ما يتفقون عليه من أصول الدين وفروعه، و يتناصحون في الأمور الاجتهادية التي للاجتهاد فيها حظ من النظر، عند علماء الأمة المبرزين، ولا يجعلوا تلك الأمور سبباً في تنازعهم.
الأمر الثامن: أن يعطوا كل عصر ما يستحقه من البحث والتحقيق، وأن يتخذوا الوسائل التي تنجح بها الدعوة، ولا يجمدوا على الوسائل الماضية وحدها، لأن الأحداث تتجدد والوسائل تتنوع، والله تعالى لم يكلفنا الوقوف على وسائل للدعوة معينة، بل كل وسيلة متاحة لم يمنعها شرع الله، يشرع للداعية اتخاذها لتبليغ دين الله.
الأمر التاسع: أن يقووا علاقاتهم بشباب الصحوة الإسلامية، ويتعاونوا معهم في الدعوة إلى الله، لأنهم نصبوا أنفسهم لذلك في ميادين متنوعة، وأثرهم ملموس في التأثير على غيرهم، وبخاصة شباب الجامعات... وهم في حاجة إلى التوجيه والترشيد، والعلماء هم أهل التوجيه والترشيد.
الأمر العاشر: أن ينشروا معاني الإسلام نشراً واسعاً سريعاً إلى كل من يحتاج إليها من المسلمين وغيرهم.
الأمر الحادي عشر: أن يعقدوا حلقات العلم لكل فئات المجتمع، بالخطب والمحاضرات والندوات والمؤتمرات، في المساجد والمدارس والجامعات وأماكن العمل، وأن يخصوا الشباب بحلقات علمية بتدريسهم كتباً معينة في العلوم الإسلامية وما يخدمها، بحيث يقرءون الكتاب من أوله إلى آخره، مع الفهم، كما كان يفعل ذلك علماء الإسلام.
الأمر الثاني عشر: الاهتمام بالتعمق في دراسة اللغة العربية وتعليمها بالعربية، وليس اللغة الإندونيسية، لأن تعلم اللغة العربية وتعليمها الذي يفهم بها دين الله على حقيقته، من فروض الكفاية، بل تعلم كثير من الأذكار والعبادات من فروض العين، كقراء الفاتحة في الصلاة.
وينبغي أن يوجد العلماء الذين تخرجوا في الجامعات العربية نادياً شهرياً على الأقل خاصاً باللغة العربية، يلقون فيه كلمات وخطباً ومحاضرات باللغة العربية، يتذاكرون فيه طرق تعليمها وتعلمها ونشرها بين الطلاب.
هذا وقد رأيت غالب الحاضرين من كبار السن، ويندر وجود الشباب بينهم، فأنكرت ذلك، ونصحتهم بأن يدعوا الشباب الذين تخرجوا في الجامعات والمعاهد العربية ـ وهم كثيرون جداً ـ لمشاركتهم في هذا الاجتماع الأسبوعي.
الاجتماع بالسفير السعودي في جاكرتا:
[كان هذا الاجتماع بعد الرجوع من مدينة: باندونغ. وإنما قدمته هنا، لوقوعه في مدينة: جاكرتا].
الجمعة: 23/3/1419هـ ـ 17/7/1998م.
كنت زرت سعادة السفير السعودي: عبد الله بن عبد الرحمن عالم يوم الجمعة الموافق: 16/3/1419هـ ـ 10/7/1998م. وطلبت منه ـ كما جرت عادتي ـ مع الشخصيات التي أجتمع بها، أخذ بعض المعلومات، فاعتذر بزحمة العمل في هذا اليوم، ووعدني باللقاء يوم الجمعة القادم، وهو هذا اليوم.



قلت له: أرجو أن تعطيني معلومات مختصرة عن سيرتكم الذاتية، ووظائفكم، وعن تجاربكم في الاتصال بزعماء المسلمين في البلدان التي عملتم فيها...
وقد أدلى سعادته بالمعلومات الآتية:
1 ـ ولدت بمدينة مكة المكرمة، سنة: 1358هـ ، ونشأت بها، وأكملت بها دراستي إلى المرحلة الثانوية، ودراسة تحضير البعثات.
2 ـ ثم درست في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، فرع بيروت، ونلت منها شهادة: البكالوريوس.
3 ـ التحقت بوزارة الخارجية سنة: 1376هـ.
4 ـ عملت مدير إدارة في السفارة السعودية بالقاهرة.
5 ـ عملت ملحقاً سياسياً في بيروت.
ثم ترقيت في وظائف السلك الدبلوماسي، وعملت في بلدان: منها نيجيريا والسودان، ووزيراً مفوضاً في الولايات المتحدة الأمريكية، وكنت الرجل الثاني في الوزارة، نائباً لرئيس البعثة.
6 ـ انتقلت إلى تونس، في مندوبية جامعة الدول العربية، وكنت الرجل الثاني في المندوبية.
7 ـ عينت سفيراً في الصومال، سنة: 1967م، وبقيت بها إلى سنة: 1991م عندما نشبت الحرب الأهلية في الصومال.
8 ـ وسألت سعادة السفير عن أسباب أزمة الصومال من وجهة نظره، وكيف كان وضع السفارات عند قيام الحرب، وبخاصة السفارة السعودية؟
فأجاب: أزمة الصومال كانت نتيجة للحكم الفردي الاستبدادي الذي قام في الأصل على العصبية القبلية، ثم على استبداد زياد بري وأسرته واستئثارهم بالحكم.
ولهذا قامت المعارضة ضد هذا الاستبداد من قبل القبائل الأخرى التي سلبها حقوقها وحرمها من المشاركة السياسية. فعارضته كل الأقاليم، وحاصرته حتى ضاقت عليه الحلقة، وأصبح لا يستطيع أن يتحرك في أكثر من خمسة كيلو مترات في العاصمة. وكان في تحركه يتنقل من ثكنة إلى أخرى من ثكنات الجيش. واشتدت الانتفاضة عليه حتى اضطر إلى الخروج إلى الحدود الكينية.
عندئذ وجد فراغ سياسي، فانفصل الشمال عن بقية الأقاليم، وسمي بأرض الصومال. ثم تولى السلطة في الجنوب علي مهدي محمد، وعارضه حسين عيديد، وتفاقم الانشقاق، ولا زالت الحرب مستمرة إلى الآن.
أما السفراء الذين كانوا موجودين في مقديشو، فقد فروا مع أسرهم.
وأنا رحلت أسرتي، وفي اليوم الثالث رحلت زملائي، وبقيت أنا وواحد منهم فقط لمدة أسبوعين، وكنا ـ لشدة القصف المتواصل من كل اتجاه ـ نقيم في ممر المبنى، وليس في الغرف، اتقاء لإطلاق النار. وعندما سنحت الفرصة سافرت أنا وزميلي على الطائرة المصرية.
9 ـ ثم عينت سفيراً في جاكرتا، في شهر ديسمبر سنة: 1992م، ولا أزال على هذه الوظيفة.
10 ـ لي ولدان، وهما: باسم وعبد الرحمن، وثلاث بنات، وهن: خلود وسوسن ودعاء. وكلهم متزوجون، ما عدا عبد الرحمن الذي يواصل دراسته في الجامعة.
ولي في السلك الدبلوماسي: 43 سنة، أكثرها في خارج البلاد.
قلت له: أما شعرت في هذه المدة الطويلة بالتعب والغربة، وهممت بترك العمل في الخارج والرجوع إلى بلدك، للاستقرار فيه أنت وأسرتك، وبخاصة أن المشكلات التي يتعرض لها الدبلوماسي كثيرة؟
قال: كان دخولي في السلك الدبلوماسي هواية ورغبة ذاتية، ثم صار بعد ذلك عشقاً. وبرغم كثرة التنقلات مع الأسرة ووجود بعض المشكلات، فإني لا أزال أعشق هذا العمل.
ومع وجود بعض السلبيات والمشكلات في هذا العمل، فإن إيجابياته أكثر من سلبياته. ومن تلك الإيجابيات: أن الأسرة والأولاد يكونون أكثر انفتاحاً واطلاعاً، وأوسع آفاقاً وأعمق فهماً للحياة، لأن الطفل الذي يعيش في بيئات متنوعة يتوسع أفقه أكثر من غيره.
وأضرب مثالاً لذلك: أن أولادي ـ بنين وبنات ـ ألموا بأمور كثيرة في الثقافة والتخصصات... لذلك إذا قارنتَ بينهم وبين بعض زملائهم الذين لم تتنوع بيئات عيشهم تجد الفرق بينهم شاسعاً. [هذه الميزة التي ذكرها سعادة السفير، وهي سعة الأفق والإلمام الواسع لأولاد الدبلوماسيين الذين يعيشون في بيئات متنوعة صحيحة من هذه الناحية، ولكن بشرط أن يكون السفير أو الدبلوماسي وزوجته على فقه في الدين وتمسك به، مع الاجتهاد في توجيه الأبناء وتربيتهم على هذا الدين، كما هو واقع هذا السفير وزوجته. أما عندما يكون السفير وزوجته أو أحدهما غير ملتزمين بالمبادئ الإسلامية التزاماً صادقاً، أو غير مهتمين بتربية أبنائهما التربية الإسلامية السليمة، فإن ضياع أولادهما وبعدهما عن الالتزام بالإسلام متوقع بنسبة كبيرة، كما هو حال أبناء كثير من الدبلوماسيين].
11 ـ قلت له: ماذا تتمنى من الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها السفير المسلم؟
قال: السفير هو الداعية الحقيقي إلى الإسلام، وبخاصة إذا كان سفيراً لأرض الرسالات، ولو لم أكن سفيراً لتمنيت أن أكون داعية، وقد وفرت لي مهنتي أن أكون داعية والحمد لله.
ومما ساعدني على هذا لاتجاه رعاية والدي وإعانته لي، حيث كان يزورني مع الأسرة كلها في أيام الإجازات، عندما كنت في بيروت والقاهرة.
وكان حريصاً على أن لا أغيب كثيراً عن البيت، وكان إذا سهرت مع بعض الزملاء وتأخرت عن البيت في بيروت لا ينام، حتى إذا أحس أنني دخلت البيت تنحنح، فأسأله: لما لم تنم يا أبي؟ فيقول: لم يأتني النوم خوفاً عليك… فكان في ذلك الأسلوب تربية وتأديباً مؤثرين غير مباشرين، لذلك كنت أحرص على أن أعود مبكراً، وإذا احتجت إلى التأخير قليلاً، أتصل به هاتفياً وأطمئنه، فكان لذلك أثره في تربيتي.
وهناك عامل آخر مهم في حياتي ساعدني مساعدة عظيمة على مهمتي، سواء فيما يتعلق بالوظيفة الرسمية، أم بالدعوة العملية إلى الإسلام... وهذا العامل هو: زوجتي التي هيأت لي كل الوسائل التي تريحني وتجعلني أقوم بمهمتي وأنا مرتاح البال.
12 ـ وسألته عن: صلته بزعماء الجمعيات الإسلامية في البلدان التي عمل فيها، وعن تجاوبهم معه؟
فقال: الصلة بهم على أحسن ما يرام، وبخاصة زعماء الجمعيات الإسلامية في إندونيسيا، مثل جمعية نهضة العلماء والجمعية المحمدية وجمعية الإرشاد وغيرهم. وأعتز بحضور احتفالاتهم، وإن كانت مرهقة، لكثرتها وكثرة مناسباتها.
13 ـ قلت: ماذا تتمنى أن يكون عليه الداعية؟
قال: أتمنى ـ مع فقهه للدين ـ أن يدرس تاريخ البلد وعاداته وتقاليده، وكيف تلقى أهله الإسلام ودخلوا فيه، فإذا كان الداعية كذلك فإنه سيكون ناجحاً في دعوته بإذن الله.
وليس الداعية ـ فقط ـ من يحمل الكتاب ويأتي إلى المسجد ويدرس ويؤم الناس، لكن الداعية هو كل مسلم في مهنته: الطبيب والأستاذ والسفير وعضو السفارة والتاجر... كل منهم يكون داعية في مهنته، ولا تقتصر الدعوة على فئة معينة من الناس، وإن كان الواجب على كل داعية أن يفهم ما يدعو إليه قولاً وعملاً.
14 ـ وضرب السفير مثالاً حصل له مع الرئيس الصومالي زياد بري، فقال: كنت عنده فسألني: هل تشرب الخمر؟
قلت: لا.
قال: هل أنت مريض؟!
قلت: لا. بل أنا بصحة جيدة، وأمارس أنواعاً من الرياضة.
قال: فلماذا لا تشرب الخمر؟!
قلت: لأني مسلم، والإسلام حرم الخمر.
قال: ولكن غيرك ـ يقصد من السفراء والدبلوماسيين ـ يشربون!
قلت: الأولى بهم إذا كانوا يتناولونها ـ مع حرمتها ـ أن يستتروا، بدلاً من المجاهرة التي هي أشد حرمة.
وقال: إن كثيراً من الدبلوماسيين يظنون أنه لا بد من مجاملتهم للآخرين بسبب علاقاتهم الدبلوماسية!
وقد قال لي سفير شاب مسلم: أنا أعجب من كثرة صلاتك بالناس، وبخاصة الزعماء، وأنت لا تشرب الخمر، والأصل في الدبلوماسي أن يجامل!!
فقلت له: المسلم إذا التزم بدينه يحترمه الناس.
وضرب السفير مثالاً آخر، يرد به على من يزعم من الدبلوماسيين أنه يضطرون لتعاطي الخمر ونحوها من باب المجاملة، لأن صلاتهم بالناس متنوعة وبعضها حساسة! وهذا المثال يدل على احترام من يلتزم بدينه ومبدئه من السفراء، فقال: كان السفراء في اليابان يجتمعون مع عوائلهم في منزل أحدهم، وكانت زوجتي تحضر معي وهي محتجبة، ولم نكن نشرب الخمر والسفراء الآخرون وعوائلهم يشربون ويراقصون النساء، وذات ليلة كان اجتماعنا في منزل سكرتير السفارة الأمريكية، فقدم الطعام ولم يقدم الخمر، وأعلن للسفراء بأنه سوف لا يقدم الخمر احتراماً للسفير السعودي وزوجته، ومن يرد منكم الخمر فليذهب إلى المطبخ ويشرب هناك!
وتعجب الحاضرون من ذلك، وكثير منهم لم يتناولوا الخمر في تلك الليلة، وبعضهم ذهب إلى المطبخ وتناولها...! [إلى هنا انتهت المقابلة مع السفير السعودي. وقد استغرق الاجتماع به ساعة ونصف الساعة بعد صلاة الجمعة، وكانت لدي أسئلة أخرى أود أن أسمع إجابات السفير عنها، لما في إجاباته من تجارب سفير مسلم داعية، وهذه الفئة من السفراء قليلة جداً، ولكني فضلت الاقتصار على ما مضى، خشية من الإثقال على الرجل، لكثرة أعماله. وقد دعاني لتناول طعام العشاء في منزله، ولكني اعتذرت لأني كنت مرتبطاً بموعد آخر، مع حاجتي إلى الاستعداد للسفر إلى جزيرة بالي].
الاجتماع بمخرج الأفلام الإندونيسي المسلم:
الأحد: 18/3/1419 هـ ـ 12/7/1998م.
أخبرني الأخ أحمد ثروت أنه يوجد مخرج أفلام مسلم، يسمى: إيمان خير الأمم بن خيري، وانه يهتم بإخراج الأفلام الإسلامية، وأنه يحب التعاون في ذلك مع الدعاة، ويحب أن يسمع بعض أفكارهم، فرغبت في الاجتماع به، لأناقش معه موضوعاً كنت أفكر فيه منذ مدة طويلة، وأشرت إليه في كتابي: السباق إلى العقول، وهو: مقارنة إعلامية ميدانية، تبين أوضاع المسلمين في هذا العصر.

ومن أمثلة تلك المقارنة: تصوير ما يهتم به الإعلام الموجه من قبل حكومات المسلمين من توافه الأمور، كالرقص والغناء والمسلسلات الغرامية المفضوحة، والمبالغة في تمجيد المغنين والراقصين والممثلين والرياضيين وإكرامهم... والكتاب والأدباء العلمانيين، وإبرازهم جميعاً للناس، ووصفهم بالرواد والنجوم... وتصوير أعداء الإسلام من اليهود في فلسطين، والنصارى في البوسنة والهرسك وكوسوفا والفلبين، والوثنيين في الهند وبورما، والشيوعيين في أفغانستان ثم في الشيشان، وهم مدججون بالسلاح الذي يقتلون به المسلمين في تلك البلدان ويدفنونهم في مقابر جماعية، ويخرجونهم من ديارهم، وينتهكون أعراضهم، ويعذبونهم في المعتقلات والسجون... وأمثلة أخرى كثيرة. تصور تلك الأمور المتناقضة وتخرج في فلم يعرض على الشعوب الإسلامية، مع التعليق الذي ينبهها على هذه التناقضات، لترى ما يحيط بها من الخطر من قبل الأعداء، ومن المخططات الرامية إلى إلهائها عن ذلك الخطر من قبل غالب من تولى أمرها من العلمانيين الموالين لليهود والنصارى..
فإن المسلمين إذا تنبهوا لهذا الخطر ووعوه قد يفيقون من غفلتهم ويتجهون إلى وضع أنفسهم في الموضع الذي يعيد لهم عزتهم وكرامتهم، ويهتموا بالأهداف العليا التي وضعها لهم ربهم في هذا الدين، وينصرفوا عن تلك التوافه التي كانت سبباً في ذلتهم...
لهذا رغبت في الاجتماع بالأخ: إيمان لأشرح له هذه الفكرة، لعله يستطيع أن يعمل شيئاً، فكان هذا اللقاء.
والأخ إيمان ولد في: 4 من شهر إبريل، عام: 1943م. والتحق بكلية علم النفس في جامعة: غاجه ماجه (GAGAH MAGAH) في مدينة جوك جاكرتا، رغبة في علم طبيعة الإنسان وسلوكه... ولم يكمل دراسته في الكلية، بل انتقل إلى تعلم إخراج الأفلام، بعد تعرفه على الحياة الإنسانية...
قلت له: هل وجدت علم النفس الذي يدرس في الجامعات يعرِّف حقاً حقيقة الإنسان؟
قال: لا.
وكان تعلمه لإخراج الأفلام عن طريق فريق النادي المسرحي في جوك جاكرتا، الذي كان مشتركاً فيه قبل دخوله الكلية.
وقال: إنه يخرج من الأفلام ما يتعلق بمسيرة الإنسان، وهو الآن يحاول أن يربط أفلامه بالدين.
قلت: ما سبب اتجاهك للربط بين مهنتك وبين الدين؟
قال: إنني ولدت في أسرة دينية، ووجدت بعض الشباب الذين لفتوا نظري إلى ذلك. وكنت أتمنى أن أخرج فيلماً إسلامياً، ولكني لم أجد من يساعدني بالمال إلا في الفترة الأخيرة.
قلت: هل تتابع الأفلام التي تصنع أو تعرض في البلدان الإسلامية؟ وهل يرجى من بعضها خير للمسلمين؟
قال: لا أعرف كثيراً من تلك الأفلام حتى أحكم عليها، ما عدا الأفلام التي تصنع أو تعرض في إيران، فإنها تشترك في المعارض والمسابقات العالمية… ولذلك نطلع على أفلامها. أما الدول العربية ـ مثل مصر وسوريا ـ فلا تشترك إلا نادراً جداً.
وعندي استعداد لإقامة معارض كبيرة للأفلام من البلدان الإسلامية، ولكني لا أجد من يمدني بذلك.
قلت له: ما أهدافك من إخراج أفلامك؟
قال: الهدف الرئيس: حل مشكلات الأمة اليومية، ولا يمكن ذلك إلا عن طريق الإسلام.
هذا وقد عرضت عليه فكرة: (مقارنة إعلامية ميدانية) فاستحسنها وأعجب بها، ولكنه قال: إنه يعترض ذلك عقبتان:
العقبة الأولى: جمع المادة الإعلامية الميدانية التي يراد مقارنتها. والعقبة الثانية: أنه قد لا يؤذن للفلم أو الأفلام بالعرض في كثير من البلدان، بهذه الصفة.
قلت له: أما المادة فليست صعبة، إذ تستطيع أخذها عن طريق ما يعرض في القنوات التلفازية الفضائية والمحلية في جميع البلدان الإسلامية، وفي غير البلدان الإسلامية، كما تستطيع أخذ ذلك عن طريق الملحقين الثقافيين في سفارات البلدان الإسلامية وغير الإسلامية، ولا يبقى عليك إلا المقارنة والإخراج.
وأما الإذن فيكفي أن تأذن بعرضه دولة واحدة أو دولتان، وقد تتولى ذلك بعض الشركات الإعلامية العالمية، إذا أدركت أنها ستربح من وراء العمل المعروض...
السفر إلى باندونغ:
الجمعة:9/3/1419 هـ ـ 3/7/1998م.
في الساعة الثانية بعد الظهر اتجهنا إلى مدينة: (باندونغ) بالسيارة، وكان مرافقي الأخ أحمد ثروت الذي َيدْرُس في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود ـ فرع جاكرتا ـ ويقوم بالتدريس والإدارة في معهد إسلامي ـ مساعداً لأبيه الذي أنشأ المعهد ـ وهو متخرج من الأزهر. والأخ أحمد يسره أن يقوم بخدمتي ويرافقني، ويحاول استغلال الوقت معي للسؤال عما يدور بخاطره من المسائل المتعلقة بالأحكام الشرعية والدعوية. [ما حصل بعد هذا التاريخ سجل في المعلومات المتعلقة بمدينتي (باندونغ وجاكرتا) في المجلد الرابع من سلسلة في المشارق والمغارب، الجزء الأول من رحلات أندونيسيا.. ص: 139].
وكانت الطريق من جاكرتا إلى باندونغ شديدة الزحمة بالسيارات، لكثرة المسافرين، لوجود إجازتين في هذه الأيام: إحداهما: إجازة المدارس، والثانية: إجازة الموظفين، بمناسبة المولد النبوي الذي يستعد له الإندونيسيون جميعاً رسمياً وشعبياً.
حدَثٌ جديد خطير في احتفالات المولد!
وبهذه المناسبة أحب أن أنبه على أنه مع ما في المولد من ملاحظات، سواء في الاحتفال به أم في بعض ما يتضمنه من مبالغات، فقد رأيت هذه السنة حدثاً خطيراً ينقله التلفاز الإندونيسي، لا يقل خطراً عن عبادة الأوثان، وهو أنهم يجتمعون صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، وينشدون أناشيد في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل: طلع البدر علينا… وأنت شمس أنت نور… ومما لا شك فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم من جميع الأنوار الأرضية، وأعظم من الشمس، والنور الذي جاء به لا يقارن به أي نور.. ولكن في نفس اللحظة يمر أمامهم جمل قد أشعلوا عليه نوراً، فيركعون له جميعاً…!
وقد نبهت بعض العلماء الذين اجتمعت بهم وبعض طلبة الجامعة الإسلامية، بأنه لا يجوز السكوت على ذلك، لأن هذا العمل عمل وثني لا فرق بينه وبين الركوع لأي وثن، بل هو أشد خطراً، لأن غالب الشعب الإندونيسي جاهل بكثير من أصول الدين، والعادات الوثنية منتشرة في الشعب، وتجد الصور المجسمة في منازل كثير منهم، وإذا استمرت هذه الصفة بدون إنكار، فقد يصبح الناس يسجدون للجمل، ظناً منهم أن في ذلك احتراماً وتوقيراً للرسول صلى الله عليه وسلم.
ولشدة تلك الزحمة بقينا مسافرين ست ساعات من جاكرتا إلى باندونغ، مع العلم أن المسافة بينهما لا تزيد عن مائة وستين كيلو متر.
الرجوع إلى مدينة جاكرتا من مدينة بالي:
الخميس: 22/3/1419 هـ ـ 16/7/1998م.
وفي هذا اليوم رجعت من مدينة بالي إلى مدينة جاكرتا.