الرحلة إلى أندونيسيا عام1418هـ ـ 1997م
الرحلة إلى أندونيسيا عام1418هـ ـ 1997م
الأربعاء: 10/ 4/1418هـ ـ 13/8/1997م.
كان الإقلاع من جدة يوم الأربعاء في الساعة: 45، 21 بتوقيت مكة وكان الوصول إلى جاكرتا يوم الخميس في الساعة 15، 7 بتوقيت مكة أي 15،11 بتوقيت جاكرتا. وبذا تكون مدة الطيران في الجو: 30 :9.
وكان النزول في فندق: (ماندرين) في وسط جاكرتا الجديدة على أكبر الشوارع الرئيسة فيها.

الجمعة 12/4/ 1418هـ ـ 15/8/1997م
تم في هذا اليوم الاجتماع بالمتخرجين من الجامعة الإسلامية، العاملين في بعض المؤسسات الإسلامية في جاكرتا، ومنهم الأستاذ حلمي أمين الدين، والأستاذ عبدالله بن سعيد باهرمز، من الساعة الواحدة والنصف ظهراً إلى الساعة السادسة لوضع خطة للمحاضرات والندوات في الأيام المقبلة.
السبت: 13/4/1418هـ ـ 16/8/1997م:
تم في هذا اليوم الاجتماع بلجنة الفتوى في مؤسسة الخيرات بجاكرتا ـ وهي مؤسسة خيرية تعنى بالتعليم ـ من الساعة: 9 صباحاً إلى الساعة: 13.


أهمية الفتوى والقضاء وإعداد المؤهلين لهما:
هذا هو عنوان المحاضرة التي ألقيت في هذا الاجتماع، تلتها مذاكرة وحوار في نفس الموضوع.
الأحد 14/4/1418هـ ـ 17/8/1997م
هذا اليوم كان يوم راحة.
الاثنين 15/4/1418هـ ـ 18/8/1997م:
محاضرات في (الإيمان) ـ غالب كتاب: "الإيمان هو الأساس" للطالبات الجامعيات، من الساعة:10 إلى الساعة: 13.
الثلاثاء 16/4/1418هـ ـ 19/8/1997م:
تكملة المحاضرات لنفس الطالبات، من الساعة: 10 إلى الساعة:13.
الأربعاء 17/4/1418هـ ـ 20/8/1997م:
محاضرات في الإيمان للطلاب الجامعيين، لمدة ثمان ساعات، من الساعة: 9 إلى الساعة:17.
الخميس 18/4/1418 هـ ـ21/8/1997م:
تكملة محاضرات الإيمان لنفس الطلاب السابقين، لمدة: تسع ساعات، من الساعة: 9 إلى الساعة: 16. تم بذلك كتاب الإيمان هو الأساس.
الاجتهاد والتقليد:
الجمعة 19/4/1418 هـ ـ 22/8/1997م
عقدت الجلسة الأولى لندوة الاجتهاد والتقليد التي أقامتها لجنة الفتوى في مؤسسة الخيرات، وكانت في إحدى المقصورات بالجبل الوقع جنوب جاكرتا، وقد ألقيتُ محاضرة بعنوان: (الاجتهاد والتقليد) بدأت في الساعة: 9 وانتهت ـ مع المناقشات والاستفسارات والإجابات ـ في الساعة: 30 : 17.


القضاء بين الأمس واليوم:
السبت 20/4/1418هـ ـ 23/8/1997م
عقد ت الجلسة الثانية من ندوة لجنة الإفتاء في الجبل أيضاً، وقد ألقيت فيها محاضرة بعنوان: القضاء بين الأمس واليوم، من الساعة: 9 إلى الساعة : 30 ،17.

ثم عقدت جلسة حوار حول: القواعد الفقهية وتطبيقاتها، قدم فيها الدكتور سالم سقاف جفري [وقد عين سفيراً لإندونيسيا في السعودية سنة 1427هـ 2006م] ورقة مختصرة، ثم دار الحوار والاستفسارات والأجوبة استغرقت أكثر من ساعتين.

مواقف جماعات الدعوة الإسلامية بعضهم من بعض:
الأحد 21/4/1418هـ ـ 24/8/1997م
محاضرة لرواد النشاط الطلابي في الجامعات الإندونيسية، وهم من جامعات جاكرتا، ومن جامعات: جاوة الغربية، و جاوة الوسطى، و جاوة الشرقية، وجامعات سومطرة، وجامعات سولاويسي الجنوبية، وجامعات سولاويسي الشمالية، وجامعات: نوستنجارا الغربية، وجامعات جزيرة بالي، وكانت المحاضرة: بعنوان: (مواقف جماعات الدعوة الإسلامية بعضها من بعض) من الساعة: 9 إلى: الساعة:13.

الاثنين: 22/4/1418هـ ـ 25/8/1997م
محاضرات في (الإيمان) للجنة الإفتاء من الساعة: 9 إلى الساعة: 30 ،18.
الثلاثاء: 23/4/1418هـ ـ 26/8/1997م
محاضرات في (الإيمان) للجنة الإفتاء أيضاً من الساعة: 9 إلى الساعة: 30، 16.
الأربعاء: 24/4/1418هـ ـ 26/8/1997م
محاضرة بعنوان الكفاءة الإدارية في السياسة الشرعية، للإداريين في مؤسسة الخيرات وفروعها، من الساعة: 9 إلى الساعة: 30، 16.

العودة إلى بلاد الحرمين الشريفين:
الخميس: 25/4/1418هـ ـ 27/8/1997م.
الإقلاع من مطار جاكرتا في الساعة: 45، 9 بتوقيت مكة 45 ، 1بتوقيت جاكرتا. وكان الوصول إلى مطار الملك عبد العزيز بجدة: الساعة 36، 18.
زيارة السيد: شيخ بن علي الجفري بمنزله في جاكرتا:
الثلاثاء: 19/6/1410هـ ـ 16/1/1990م.
ولد السيد الجفري في 22/6/1940م.
درس في معهد دار الحديث الفقهية في: مالانج، بجاوة الشرقية.
من مشايخه الأستاذ عبد القادر بالفقيه، وابنه الأستاذ عبد الله بن عبد القادر.
جاء جده الرابع السيد حسن بن علي الجفري من حضرموت، وتوفي ودفن في سمارانج [عاصمة جاوة الوسطى]. وكل آبائه كانوا يتكلمون اللغة العربية.
والده: السيد علي تعلم في حضرموت، ذهب إليها من إندونيسيا وعمره سبع سنوات، وبقي هناك اثنتي عشرة سنة.
ويرأس ـ شيخ بن علي الجفري "الرابطة العلوية" منذ أربع سنوات [رئيسها العام]. وهو رئيس عام مؤسسة الفضلاء الإسلامية، ولها مسجد جامع، ومدرسة إسلامية، بها أربعة فصول، وتدرب الأئمة والدعاة، ولها 122 فرعاً، وهي تبعث أئمتها وخطباءها للتدرب على الإمامة والخطابة، ولها مجالس تعليم عامة، ومجالس تعليم خاصة بالنساء، ومجالس خاصة بالشبان، ومجالس خاصة بالشابات، وتعليم خاص بتلاوة القرآن وتجويده، واللغة العربية والإنجليزية.
ويتبعها مستوصف لمداواة الفقراء والمساكين، ولها نشاط في مساعدة اليتامى والأرامل. وعندها ست سيارات، أربع منها لنقل المرضى، واثنتان للموتى، وهي ـ في أغلبها ـ مساعدة من الملك خالد بن عبد العزيز وأخيه الأمير سلطان في وقت السفير بكر عباس خميس. ومن مشاريع المؤسسة بناء "معهد علي مفتاح الخيرات" وهو متوقف على صدور إذن رسمي.
ويرأس السيد الجفري مؤسسة مفتاح الخيرات ويُدَرِّس كتاب كفاية الأخيار في الفقه الشافعي ورياض الصالحين، ومنهاج المسلم للشيخ الجزائري، والنصائح الدينية لعبد الله الحداد المتوفى سنة 1132هـ.
ويقوم السيد الجفري بالدعوة في كل أنحاء إندونيسيا وسنغافورة وماليزيا وبروناي دار السلام، في المساجد والسجون والدواوين العسكرية.
ومن مؤسسي الرابطة العلوية السيد أبو بكر العطاس، وهو أبو حيدر العطاس رئيس اليمن الجنوبي. [الأب داعية والابن شيوعي]!
زيارة جمعية الإرشاد الإسلامية:
الأربعاء 20/6/1410هـ ـ17/1/1990م.
اجتمعنا بعدد من أعضاء الجمعية: منهم الرئيس العام للجمعية: الأستاذ قيس بن محفوظ عمار، المولود في 19 أبريل سنة 1943م.
المؤهل: ليسانس من كلية الحقوق في جامعة أيرلنقا في سورابايا سنة 1969م.
كما نال شهادة الماجستير في بريطانيا. وهو موظف في وزارة الأشغال العامة.
ومنهم الأستاذ: أسد عمر بارضوان، المولود في 15 يوليو سنة 1938م.
التخصص: حقوق ـ ماجستير.
عمله: محامي، وهو مؤسس جمعية اتحاد المحامين الإندونيسية.
ونائب الرئيس العام لجمعية الإرشاد، ورئيس مجلس أوقافها.
ومنهم الأستاذ: عبد القادر عبد الله عفيف المولود في 9 يوليو سنة 1923م.
وهو نائب رئيس وقف الإرشاد، وتاجر.
ومنهم الأستاذ: صلاح بن يوسف البكري، المولود في 16 أبريل سنة 1950م.
تخرج في معهد المعلمين في الكويت سنة 1982م.
وعنده مؤسسة خاصة في تعليم اللغة العربية، أسسها ويُدَرِّس فيها، وهي في مدينة بوغور [جنوب جاكرتا] ورئيس فرع جمعية الإرشاد في بوغور.
ومنهم الأستاذ: عبد الله عثمان باوهاب، المولود سنة 1934م في حضرموت.
وهو نائب الرئيس العام للجمعية، وأمين صندوق الوقف، وتاجر.
هاجر إلى إندونيسيا سنة 1949م وصل في 24 نوفمبر إلى ميناء جاكرتا بدعوة من والده الذي كان تاجراً في مواد البناء، وتوفي والده بعد وصوله في نوفمبر سنة 1950م.
والأخ قيس هاجر جده إلى إندونيسيا وأبوه ولد هنا.
والأخ عبد القادر هاجر جده الثاني إلى إندونيسيا، ووالده هاجر إليها سنة 1914م.
ومنهم الأستاذ فيصل أبوبكر باعشير، المولود سنة 1934م وهو حقوقي، ورئيس وقف المؤسسة، وكان عضوا في البرلمان، وهو الآن عضو في مجلس الأمة، هاجر والده إلى إندونيسيا سنة 1910م.
وكلهم يؤكدون حاجتهم إلى منح دراسية لأبنائهم في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وغيرها من الجامعات العربية، ليقوموا بالتدريس في مؤسساتهم.
ولدى الجمعية مدارس تشمل مراحل الدراسة المتنوعة من الروضة إلى الثانوية العامة. ويمكن لطلابهم أن يلتحقوا بالجامعات.
وفي شهر محرم الماضي من هذا العام فتحت روضات القرآن الكريم للأطفال، ويقبل فيها الطفل من سن الرابعة إلى العاشرة، ومدة الدراسة بها سنتان لإجادة التلاوة، ويجري امتحانهم أمام من يحضر من الآباء وغيرهم. وتحفظ سور معينة من الجزء الثلاثين للصلاة بها. وبعض الأدعية المناسبة، اليومية: صباحية مسائية وغيرها.
وتوجد ستة كتيبات لتعليم قراءة القرآن يبدأون بها وتعتبر قواعد للقراءة، ثم ينتقلون بعد ذلك إلى القراءة في المصحف.
ويتبع المؤسسة فروع بلغ عددها 97 فرعاً، ولكل فرع إدارة ونشاط دعوي، وقد يتبعه مسجد ومدرسة، وعدد المساجد أربعون مسجداً. وعدد المدارس أكثر من خمسين مدرسة ابتدائية. وعدد المدارس المتوسطة عشرون مدرسة تقريباً. وعشر مدارس عالية. كما يوجد برنامج إضافي لتعليم اللغة العربية للطلاب وغيرهم.
ويدرس النساء تلاوة القرآن والتفسير. وكان المؤسسون للجمعية 90% منهم من العرب والآن 90% منهم إندونيسيون.
صلة جمعية الإرشاد بالجمعيات الأخرى:
صلتها بالجمعية المحمدية طيبة، لأن مبدأهما واحد، وهو السلفية، وتوجد بين الجمعيتين أعمال مشتركة، وأكثر رجال الإدارة في المحمدية من جمعية الإرشاد، لأن الإرشاد كانت تؤهل الرجال أكثر، وكذلك توجد صلة بين جمعية الإرشاد، وجمعية الاتحاد الإسلامية وهي سلفية (لكنها متشددة).
أما جمعية نهضة العلماء فيوجد بينها وبين الإرشاد تعاون، ولكن مبدأهم صوفي خرافي، وإن كان بعض أعضاء الجمعية متخرجين من جامعات في الشرق الأوسط، متأثرين بالمذهب السلفي في الجملة، وهم ـ أي أعضاء النهضة ـ لا يريدون التعاون معنا إلا على مبدئهم.
وكذلك العلويون [أعضاء الرابطة العلوية] مثل أعضاء النهضة، ولهم مزار في كل مكان يتبركون به، ولهم نفوذ في القرى. ومن أعضاء جمعية الإرشاد عبد القادر سوجانا المولود سنة 1916م دراسته كانت في المدارس الدينية. وهو نائب رئيس شؤون الدعوة في الإرشاد.
عقبات في طريق الجمعية:
من المشكلات التي تواجه الجمعية أن هذا المجلس يتعرض لضغوط حكومية، فلا يعطى الحرية في دعوته حسب خطته وإرادته.
ونقطة الضعف أن الدعوة تكون عن طريق مجالس التعليم والمساجد، ولا توجد طريقة عملية ـ يعني مساعدات مادية تحل بها مشكلات المجتمع الذي يدعَى إلى الإسلام ـ كما يفعل النصارى، ما عدا شيئاً يسيراً، كتقديم الرعاية الصحية في بعض الفروع، ويوجد للجمعية أكبر مستشفى خيري في جاوة الشرقية في سورابايا.
أما المؤسسات النصرانية فإن رعايتها العملية في كل مكان، فلا تستطيع الجمعية منافسة النصارى وتوفير البديل للمسلمين. والتنصير يتلقى الدعم من الخارج، وأنشئت كنائس كثيرة من مناطق الهجرة الداخلية.
ودعاة المسلمين لا توفر لهم إمكانات لأنفسهم في حياتهم اليومية، بخلاف دعاة النصارى. والنشاط الدعوي داخل الجمعية هدفه تطوير الدعوة ضد المذاهب الضالة، كالأحمدية. وقامت الجمعية بدراسة ميدانية خارج المؤسسة عن طريق فروعها لمعرفة الصعوبات التي تعترض الفروع في مجال الدعوة.
وعدد الدعاة المسجلين في الجمعية 240 داعية، وغير المسجلين عددهم لا بأس به، وأكثرهم يحملون الشهادة العالية، وبعضهم عندهم شهادات جامعية، ومعظم الدعاة من المدارس والجامعات العامة اهتموا شخصياً بالدراسات الإسلامية، وهم في حاجة إلى توفير الكتب التي تساعدهم في الدعوة، والمعهد السعودي في جاكرتا والملحق الديني ـ أيضاً ـ يساعدان بالكتب.
80% من الدعاة عندهم مبادئ في اللغة العربية. و50% يتكلمون العربية بطلاقة، والباقون يقرأون بالعربية ولا ينطقونها. وتهتم الجمعية ودعاتها بالعقيدة.
مؤسس جمعية الإرشاد:
قال الأستاذ عبد القادر: إن مؤسس هذه الجمعية الشيخ أحمد بن محمد السوركتي.
مستواه العلمي جيد، ولكن شخصيته قوية، وهو شجاع وبخاصة فيما يتعلق بالعقيدة الصحيحة. وغيره قد يكون أعلم منه، ولكنهم لا يقولون كلمة الحق مثله، مثل المساواة في الكفاءة ـ في الزواج ـ ونحوها. [سيأتي تفصيل لهذا بذكر شيء مما حدث بين الشيخ وأتباعه من الإرشاديين، وبين الرابطة العلوية].
ومن شجاعته أنه لم يكن يخاف من الحكومة الهولندية، حصل جدال بين قادياني جاء من بنجاب في الهند وبين تلاميذ الشيخ في جاكرتا، ونجح تلاميذ الشيخ في إقامة الحجة على القادياني لأن الشيخ كان يرشد تلاميذه ويعلمهم.
قالوا: والمعلومات عن الجمعية مفصلة في كتاب تاريخ حضرموت السياسي الذي ألفه الأستاذ صلاح عبد القادر البكري الذي كان مديراً لإذاعة نداء الإسلام سابقاً، وهو يسكن في بوغور، وعمره 94 سنة تقريباً وعنده إقامة في المملكة العربية السعودية. [حرصت على مقابلته كما سيأتي قريباً، وأخذ نسخة من كتابه المذكور، وسيأتي ذكر ما يحتاج إليه من الكتاب].
وتوجد مجلات أصدرها الشيخ أحمد السوركتي نفسه [وقد حصلت على بعضها].
أما حسن باندونج، فهو مؤسس جمعية الاتحاد الإسلامي، ويسمى هذا الاتحاد ـ اختصارا ـ "برسيس".
توفي في جاوة الشرقية، ولأتباعه وأقاربه معهد في جاوة الشرقية، في بانغيل، وقد تأثر ـ أي حسن باندونج ـ بمبدأ الشيخ أحمد السوركتي.
هذه المعلومات أخذتها من الإخوة المسؤولين عن جمعية الإرشاد الإسلامية، وحصل نقاش طويل معهم عندما ذكر خلافهم مع الرابطة العلوية، وكان النقاش يدور حول تعاون الجمعيات الإسلامية في الأمور التي تتفق عليها، للوقوف ضد أعداء الله الذين يتعاونون على عدوانهم على الإسلام والمسلمين، وأن التنسيق بين هذه الجمعيات فيما يتفقون عليه مما فيه مصلحة عامة للمسلمين أمر لا بد منه.
تبدل الأحوال!
الخميس 21/6/1410هـ ـ 18/1/1990م.
تذكرت في هذا اليوم غابر زمان أولياء الله من رجال العلم والدعوة والتربية والجهاد، ونشرهم الإسلام في كل مكان، وما آلت إليه أمورنا في هذا الزمان من ضعف و ذلة وشقاق فجاد اليراع بإذن ربه بالقصيدة الآتية: [فندق أندونيسيا ـ جاكرتا ـ 27جمادى الآخرة 1410هـ ـ الموافق 2يناير 1990م].
نص قصيدة تبدل الأحوال:
* [أندونيسيا].
* [بلدان في تايلاند وأندونيسيا وماليزيا والفلبين وللإسلام فيها تاريخ].
الاجتماع بالأستاذ صلاح عبد القادر البكري:
الجمعة 22/6/1410هـ ـ19/1/1990م.
كان الاجتماع في منزله في مدينة بوغور. ولد الأستاذ صلاح سنة 1912م في مدينة تغال/ جاوة الوسطى.


الدراسة: درس الابتدائية في مدرسة الإرشاد في جاكرتا. ورحل إلى مصر سنة 1931م فأكمل دراسته في المرحلة المتوسطة، والمرحلة التوجيهية في المدارس الحكومية. وبعد تخرجه من الثانوية التحق بجامعة فؤاد الأول سنة 1934م كلية الآداب، قسم التاريخ، وفي سنة 1938م تخرج منها، والتحق بمعهد التربية العالي للمعلمين، وتخرج منه سنة 1940م [الدراسة فيه سنتان] وكان ترتيبه بين الناجحين الثالث في القطر المصري.
عين مدرساً في الإسكندرية سنتين في مدرسة القباري، وعندما جاءت الحرب العالمية الثانية طلب نقله إلى القاهرة سنة 1942م.
وقام بالتدريس في مدرسة محمد علي الثانوية في الدرّاسة، وكان عميد الجامعة الدكتور منصور فهمي، والمسؤول عن قسم اللغة العربية الدكتور طه حسين، ويساعده الدكتور زكي مبارك.
كان الدكتور طه حسين هو الأديب البارز في العالم العربي من حيث الأسلوب وأفكاره في الأدب، ولكنه وقع منه تطرف في الثقافة الإسلامية، ويعتقد أنه رجع في آخر حياته إلى الإسلام، وبخاصة في كتابه: مستقبل الثقافة في مصر، وانتقادات بعض الناس له بعد وفاته غير صحيحة. [هذا رأي الأستاذ صلاح، وهو غير صحيح، فانتقاد الأفكار من خلال كتبه القديمة والجديدة أمر مشروع، أما كونه تاب فهذا يعتمد على العلم بذلك، ثم إن التوبة بينه وبين الله، والناس لهم الظاهر، وفي كتابه مستقبل الثقافة في مصر انتقد عليه أيضاً].
ومن أساتذة الأستاذ صلاح في التاريخ الدكتور حسن إبراهيم، والدكتور محمد زيادة، ومدرسون آخرون من الإنجليز.
وبقي مدرساً في هذه المدرسة ثلاث سنين، وأرسلت وزارة المعارف المصرية بعثة إلى السعودية للتدريس في مكة المكرمة، في عهد الملك فاروق سنة 1377هـ وكان وزير المعارف في مصر الدكتور محمد هيكل.
ودرَّس الأستاذ صلاح في مدرسة الفلاح الثانوية في مكة خمس سنين. من زملائه في هذه المدرسة السيد إسحاق عزوز وهو مدير المدرسة، ومدرس رياضة، لقبه "دوم" ومدرس الدين السيد علوي مالكي. ومن زملائه المصريين محمد الجعار.
ومن تلاميذه: الدكتور محمد عبده يماني، والدكتور فايز بدر، وحسن العطاس.
ولم يُعلِّم أو يتعلم في الحرم. وكان معه جواز سفر مصري، ولا زال يحتفظ به إلى الآن. ثم رجع إلى مصر وقدم استقالته من وزارة المعارف المصرية، لأن الراتب قليل لا يزيد عن تسعة جنيهات، والراتب السعودي أربعة آلاف ريال فضة.
وكانت استقالته في مصر سنة 1377هـ.
ثم رجع إلى السعودية، وعمل في الإذاعة، وكان مديرُ الإذاعة الشيخ عبد الله بالخير. وكان الأستاذ صلاح ـ في الأصل ـ مترجماً للملك عبد العزيز.
وكان مديراً للأحاديث الدينية، ثم مراقباً دينياً في إذاعة نداء الإسلام ـ في عهد الملك سعود ـ وكان له برامج يومية في الإذاعة.
وكان للشيخ باشميل أحاديث دينية. ومن زملائه في الإذاعة حسين العسكري وسليمان عبيد. وكان الموظفون في الإذاعة يحترمونه.
وترك الإذاعة سنة 1408هـ وبقي يتعاون معها. وقدم استقالته بسبب الضغط العالي في قلبه بنصح من الأطباء. وراتبه خمسة آلاف ريال، ولكنه يحصل من عمله في المراقبة والبرامج على خمسة آلاف ريال أخرى.
وبعد تركه العمل قرر له الملك ثلاثة آلاف ريال ما دام في المملكة.
والذي جاء إلى إندونيسيا أبوه. وبعثه إلى حضرموت مع عمه، وعمره ثلاث سنوات، وكانت عادة العرب في إندونيسيا أن يبعثوا أبناءهم إلى بلادهم للدراسة.
وعاد من حضرموت إلى إندونيسيا وعمره 13 سنة. ولا زال أقاربه موجودين في حضرموت. وكان يدرُس في كتاتيب، وفي مدرسة عبد ربه بافضل الذي توفي قبل سنوات في مدينة بابكر في منطقة القطن.
وعندما رجع إلى إندونيسيا درَس ستة شهور في مدرسة شمائل الهدى، ثم التحق بمدرسة الإرشاد الابتدائية كما سبق ودرس شيئاً في المتوسطة.
والده توفي قبل رجوعه إلى إندونيسيا، وكانت وفاته في البحرين، وكان مغرماً بالآثار وكتاباتها حتى سموه: عبد القادر المعزوم ـ أي المجنون لأنه يقضي أغلب أوقاته في الكهوف. وكانت النقوش معه يريد الذهاب بها إلى ألمانيا، للاستفسار عن الكتابات من خبراء الآثار، وتوفي قبل أن يسافر في البحرين.
ذراري القبائل العربية في إندونيسيا:
وسألت الأستاذ صالحاً عن القبائل العربية التي لا زالت أسماؤها موجودة في إندونيسيا؟
فقال: العرب الموجودون في إندونيسيا حضارم، ويندر وجود غيرهم، ومن القبائل الموجودة: آل الكثيري. آل النهدي. آل الجعيدي. آل اليافعي. آل المناهيل. آل العوابسة. آل المسيبان. آل الحموم. آل باعلوي [العلويون] الذي جاؤوا إلى حضرموت سنة 317هـ.
ودرس الأستاذ صلاح على الشيخ محمد بن عبيد عبود وكان سكرتير جمعية الإرشاد، واعتقل في عهد الدولة القطيعية بسبب كونه من جمعية الإرشاد، وكان سجنه بدون تحقيق. وآل باعلوي يحافظون على المظاهر الدينية.
الطبقات العربية في إندونيسيا:
والإرشاديون أحرار لا توجد عندهم طبقية ولا تعصب، ويرون أن المسلمين كلهم إخوان لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالتقوى.
قبل سنة 1914م كانت توجد طبقية:
الطبقة الأولى: طبقة آل باعلوي وكان نفوذهم الروحي قوياً، وهم لا يزوجون بناتهم من غيرهم.
الطبقة الثانية: طبقة المشايخ، ونفوذهم أقل.
الطبقة الثالثة: القبائل، وهم حملة السلاح.
الطبقة الرابعة: هم أصحاب الحرف والمهن.
صلة الشيخ السوركتي بالعلويين:
قبل نهاية الحرب العالمية الأولى بعثت الجمعية الخيرية التابعة لـ(بـاعلوي) في جاكرتا إلى المسؤولين في مكة تطلب بعث مدرسين للجمعية، فبعثوا الشيخ أحمد السوركتي السوداني، وآخر يسمى الطيب ـ وهو مغربي ـ وثالث يلقب العربي ـ وهو جزائري.
وكانت جاكرتا تسمى: "باتافيا". وكان الثلاثة مدرسين في مدرسة جمعية خير.
بداية الجفوة بين العلويين والشيخ السوركتي:
وبعد فترة تعصب المسؤولون في المدرسة لأنفسهم، حتى إن الناظر أمر التلاميذ أن يقبلوا أيادي أبناء العلويين، فلم يرق للشيخ السوركتي ذلك، فألف نشيداً ينشده التلاميذ قبل دخول الحصة الأولى كل يوم، وهو يدعو إلى المساواة، ففهم التلاميذ منه ما يخالف تعصب العلويين، فلما علم المسؤولون في الجمعية ذلك أظهروا كراهيتهم للشيخ.
وعندما أحس ذلك منهم قدم استقالته وعزم على أن يعود إلى مكة أو السودان.
السوركتي و جمعية الإرشاد الإسلامية:
ولكن جماعة من العرب، منهم عمر منقوس، نقيب العرب في جاكرتا، وسعيد مشعبي ـ وهما من الأغنياء ـ وصالح عبيد عبدات، فكروا في إقامة الشيخ في إندونيسيا، وطلبوا منه إقامة مدرسة مستقلة، وتعهدوا له بالمساعدة المالية.
نواة جمعية الإرشاد الإسلامية:
وأنشئت المدرسة، واستمرت مدة قصيرة، وفكر بعض العرب، ومنهم الثلاثة في تسمية المدرسة باسم جمعية الإرشاد الإسلامية.
وفتحت المدرسة فعلاً، وأقبل الطلاب عليها، فاضطر الشيخ أحمد السوركتي أن يطلب مدرسين من السودان، فجاءوا، ومنهم الشيخ أحمد العاقب، وهو من أساتذة الأستاذ صالح، وحسن حامد، ومحمد نور، وانضم إليهم الشيخ عبيد عبود.
وعندما ظهرت نتائج مرضية إلى حد كبير، وانتشر خبرها في المدن الأخرى في جاوة، طلبت بعض المدن فتح فروع فيها، ففتحت فروع، وبدأت فيها الدراسة بصورة حسنة، وظهرت نتائج طيبة.
تفاقم الخلاف بين العلويين والإرشاديين وإنشاء الرابطة العلوية:
ولما رأى آل باعلوي انتشار هذه الفروع بدأوا في مقاومتها ومعاكستها والوشاية بها لدى الحكومة الهولندية والإنجليزية، بصفتها مستعمرة لحضرموت، فمنعت الحكومة الإنجليزية كل عضو ينتمي لجمعية الإرشاد من دخول حضرموت.
وازداد غضب باعلوي عندما ذهب الشيخ السوركتي إلى مدينة صولو، وسئل في مجلس كبير عن حكم زواج العلوية بغير علوي؟ فأفتى بجواز ذلك.
وأخذوا ينشرون ضده وشايات، وأقاموا على إثر ذلك جمعية، سموها: الرابطة العلوية لمقاومة هذه الحركة الدينية الحرة.
بعض الجرائد العربية التي ظهرت في تلك الفترة:
وظهرت جرائد عربية، منها:
حضرموت، وهي تابعة للعلويين، وهي شديدة الهجوم على جمعية الإرشاد.
مجلة الرابطة العلوية.
مجلة الذخيرة، للشيخ أحمد السوركتي.
جريدة الدهناء، صدرت في سنغافورة.
جريدة الإرشاد.
البعكوكة، نشرة أصدرها الهاشمي، وهو تونسي.
جريدة السلام، (صدر منها عدد واحد).
الكويت والعراق، أصدرها الشيخ عبد العزيز ـ كويتي ـ ويونس بحري ـ عراقي، وكان يؤيد هتلر.
ووصلت المعارضة إلى سنغافورة. وسئل السيد عمر العطاس في سنغافورة عن زواج العلويات بغير العلويين؟ فأفتى بالتحريم ـ وهو عالم ـ .
وبعث أحد السكان الفتوى إلى السيد محمد رشيد رضا، ورد عليها بأدلة شرعية قاطعة بالجواز، ونشر السؤال وجوابه في تاريخ حضرموت السياسي. [كتاب للمؤلف، أهداني نسخة منه، وسيأتي شيء من ذلك إن شاء الله].
وعندما قامت الحرب العالمية الثانية، شغل الناس بمشكلاتها، وبخاصة عندما احتلت اليابان المنطقة، حتى أغلقت المدارس مؤقتاً، إلى أن أذنت اليابان بفتحها.
وكانت الأوضاع صعبة من الناحية الاقتصادية ـ والسياسية، وأصبح الناس يفكرون في ظروفهم الخاصة. وفي أواخر الثلاثينات ظهر أفراد من الإرشاديين يطالبون بتطوير التعليم في المدارس إلى الأحسن، ليتمكن المتخرجون منها من إكمال دراستهم العالية في المعاهد والجامعات، وعندما ظهرت الحرب توقفت الحركة وخمدت.
وبعد الحرب الثانية ظهرت الفكرة من جديد، رغبة في إتمام المتخرجين من مدارس الإرشاد دراساتهم، فأدخل البرنامج الحكومي في مناهج مدارس الإرشاد وغيرها.
وبعد سنين تخرج عدد من الطلبة العرب، منهم محامون وأطباء ومهندسون، دون معرفة للغة العربية. وتطوير مناهج المدارس العربية لا يزال على حساب اللغة والدين.
ولذلك أصبحت الحاجة ماسة جداً إلى إنشاء معهدين كبيرين: أحدهما في جاوة الشرقية، والآخر في جاوة الغربية، لتدريس اللغة العربية والدين للبنين والبنات.
والهدف منهما القيام بالدعوة الإسلامية من المصادر الشرعية، ومقاومة التنصير النشيط في إندونيسيا وغيرها، تدعمه جمعيات وشركات وحكومات من أوروبا وأمريكا وكندا.
حركة المواليد:
تكون اتحاد العرب الإندونيسيين (PAI). وكونه جماعة من العرب تحت قيادة عبد الرحمن باسويدان. والهدف منه تطوير المدارس العربية، ومسايرتها للمناهج الحكومية، ليتمكن المتخرجون من مواصلة دراساتهم العالية. ومزاحمة الجاليات غير العربية، كالصينيين في التجارة وغيرها. والمحافظة على حقوق العرب والدفاع عنها في إندونيسيا، واعتبارهم مثل الإندونيسيين في كل الحقوق.
وانتشرت الفكرة في أنحاء كثيرة من إندونيسيا. وواجهت مقاومة من بعض العرب المحافظين على القومية العربية، ونالت الجماعة مركزاً طيباً لدى الحكومة.
وقد عين بعضهم في مراكز بارزة في الحكومة، وتولى عبد الرحمن نفسه وزارة الإعلام. والآن تولى وزارة الخارجية على بن عبد الله العطاس، وكان والده مدير مدرسة الإرشاد في مدينة تغال، وهو أي والده من تلاميذ الشيخ السوركتي. ووزير التربية فؤاد حسن.
ومن أهداف الجمعية الاندماج في المجتمع الإندونيسي اندماجاً كاملاً. وكان من أثر ذلك ضعف العلم بالدين ونسيان اللغة العربية.
ويرى الأستاذ صالح أن العرب لا بد أن يندمجوا مع الإندونيسيين المسلمين، ولكن لا بد أن تتخصص طائفة منهم في اللغة والدين للقيام بالدعوة والتعليم.
وعمل الأستاذ صالح في إذاعة هولندا في: هلفرسون مدة سنة، والذي أسس القسم العربي في الإذاعة هو فندرمولن، وهو مستشرق يتكلم اللغة العربية، وساعده الشيخ صالح، وكان ذلك سنة 1949م.
وكان الشيخ صالح يلتقي المستشرق: فنسك في لاهاي: جامعة ليدن، وهو الذي ألف المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي.
ومن أعضاء جمعية الإرشاد الإسلامية الأستاذ أحمد بن محمد عبود المولود سنة 1914م. كانت دراسته لمبادئ القراءة والكتابة في مدرسة الإرشاد. ذهب مع أبيه إلى حضرموت، وعمره 11سنة، وبقي هناك 15سنة، تعلم على المشايخ في الكتاتيب [قاعدة حضرموت] وسافر إلى عدن ودرس اللغة العربية في مدرسة ثانوية. توفي أبوه في عدن منفياً سنة 1953م.
وهو يقوم الآن بتدريس اللغة العربية، ورئيس فرع الإرشاد في بوغور، ويبلغ عدد سكان مديرية بوغور ثلاثة ملايين وخمسمائة نسمة. وسكان مدينة بوغور أقل من مليون.
دورة شبابية لتلاوة القرآن الكريم:
بعد خروجنا من منزل الأستاذ صالح البكري ـ الساعة الثانية والنصف بعد الظهر ـ ذهبنا إلى معسكر نظمته الندوة العالمية للشباب الإسلامي، بالتعاون مع مؤسسة اقرأ الخيرية في جدة، وقد أقيمت الدورة في إحدى مناطق جبال بوغور في جنوب جاكرتا، تحت عنوان تلاوة القرآن الكريم وتجويده.

وطلبوا مني محاضرة فألقيت محاضرة بعنوان: "الأخطار المحيطة بالمسلمين والوقاية منها" كانت مدتها ـ مع ما تخللها من أسئلة وإجابات ـ ساعتين ونصف الساعة.
وكان ممن حضر الدورة "الشيخ عبد الله بن علي بصفر إمام مسجد الشعيبي" في جدة، وهو الذي أمنا في صلاة المغرب.
ويبدو على الشباب الإندونيسي الحماس الشديد للإسلام والرغبة في العمل به والدعوة إليه ورفع رايته في الأرض والتفاؤل بقرب النصر.
وهذه أمور كلها جيدة مطلوبة، إلا أن هذا الشباب في حاجة ماسة إلى من يرشده ويبين له معالم الطريق ويفقهه في دينه، و يجنبه العجلة التي قد تجهض عمله وتؤخر ثماره، وهذا لا يمكن إلا عن طريق العلماء ذوي الفقه في الدين والبصيرة فيه وفي المشكلات المعاصرة المحلية والعالمية، يسر الله ذلك وأعان عليه.
وقبل أن أنتقل إلى ذكر بعض المعلومات القديمة عن جمعية الإرشاد الإسلامية فيما يتعلق بنشأتها ونظامها الأساسي والذين قاموا بتأسيسها، أرى أن أثبت هنا ما كتبته في الرحلة الرابعة عن الأستاذ علي سالم بن عفيف عندما زرته في منزله في منطقة (تغال) وزرت بعض المؤسسات التي أنشأها، وهو من الأعضاء النشطين في جمعية الإرشاد الإسلامية.
زيارة الأستاذ علي بن سالم عفيف:
الجمعة 30/2/1413هـ ـ28/8/1992م.
كانت الزيارة في منزله في مدينة : تغال. [هذه رحلة أخرى من رحلات إندونيسيا ضمت إلى رحلة 1990م لتتصل المعلومات عن جمعية الإرشاد].
جاء جده مهاجراً من حضرموت إلى إندونيسيا قبل أكثر من مائة سنة.
ووالده من مواليد حضرموت. والأستاذ علي من مواليد إندونيسيا في رجب سنة 1340هـ درس المرحلة الابتدائية في مدارس الإرشاد، وسافر بعد ذلك إلى الهجرين، ومنها إلى سيئون في رباط الحيش في حضرموت، مكث هناك للتعليم سنة ونصف السنة، ورجع إلى إندونيسيا سنة 1357هـ ـ 1938م.
وجد عند والده مصنعاً للنسيج، ولا زال. وعنده أخ شقيق وسبع أخوات.
وللأستاذ علي تسعة أبناء وثلاث بنات من زوجتين، واحد منهم من الأخيرة والباقون من الزوجة الأولى.
وله أقارب في مناطق مختلفة في إندونيسيا، منهم وزير التخطيط الإندونيسي، وعندهم عدة مشروعات. وقد زرنا المستشفى الذي أنشأه في مدينة تغال TEGAL ويسمى: مستشفى الرجاء الإسلامي. وفيه مائة سرير بأقسام مختلفة.
وفيه قسم خيري خاص بالمسلمين يعالج من ليس عنده شيء مجاناً، والذي عنده شيء يدفع كل يوم خمسة آلاف روبية في نفس القسم [خمسة آلاف روبية تساوي دولارين ونصف الدولار بالعملة الأمريكية في تلك الأيام] تقريباً. ولديه مدارس من الروضة إلى العالية، ومسجد كبير نسبياً.
معلومات عن فرع جمعية الإرشاد في مدينة تغال: هذا، وقد بعث لي الأستاذ علي عن طريق البريد بالمعلومات الآتية عن فرع جمعية الإرشاد في تغال:
جمعية الإرشاد الإسلامية:
تأسست جمعية الإرشاد الإسلامية فرع مدينة تغال عام 1914م وتعمل في حقل التربية والتعليم والدعوة والإرشاد، والهدف من كل ذلك نشر المعرفة والتوعية الفكرية الإسلامية وتجريد الدين الإسلامي الحنيف مما علق بتعاليمه السمحة من شوائب، وقد حرصت جمعية الإرشاد الإسلامية على عدم الخوض في معامع السياسة، وتقصر نشاطها على الإصلاح الديني وبث اللغة العربية، مع إيجاد حملة منظمة فعالة لقمع البدع والخرافات والضلال في الدين لخدمة الفكرة الإسلامية.
فمنذ عام 1973م قامت الجمعية بثورة تعميرية جذرية لمدارسها من روضة الأطفال والابتدائية والإعدادية ثم الثانوية، مع العلم أن جميع مدارس الإرشاد في مدينة تغال تقع على الشارع الرئيس الاستراتيجي للمدينة، وبالإضافة إلى كل ذلك هناك مسجد جامع الإرشاد الذي يتسع لـ(1500 مصل).
ويبلغ عدد طلاب مدارس الإرشاد الإسلامية فرع مدينة تغال 1800 طالب، من المسلمين من بينهم أولاد الفقراء والمساكين المسلمين وبالخصوص الأيتام الذين يتعلمون بالمجان.
نبذة عن مدارس الإرشاد الإسلامية بمدينة تغال ـ جاوة الوسطى:
1 ـ روضة أطفال الإرشاد الإسلامية: بنيت عام 1966م وكانت مكونة من طابق واحد، ثم تجددت وأعيد بنائها عام 1987م والآن مكونة من طابقين وبها: 200 طفل.
2 ـ مدرسة الإرشاد الإسلامية الابتدائية: بنيت عام 1930م ومكونة من طابق واحد، وتجددت وأعيد بنائها عام 1986م والآن مكونة من طابقين وعدد طلابها: 300 طالب.
3 ـ مدرسة الإرشاد الإسلامية الإعدادية (الثانوية): بنيت عام 1980م مكونة من طابقين وعدد طلابها: 500 طالب.
4 ـ مدرسة الإرشاد الإسلامية العالية (التوجيهية): بنيت عام 1985م ومكونة من ثلاث طوابق وعدد طلابها 800 طالب.
5 ـ مسجد جامع الإرشاد، مكون من طابقين ويتسع لـ(1500 مصل) وهو ملاصق تماماً لمدرسة الإرشاد الإسلامية العالية (التوجيهية) ولدينا 5 دعاة يتنقلون بين المساجد الموجودة في مدينة تغال وضواحيها.
القانون الأساسي لجمعية الإرشاد الإسلامية:
هذا، ولجمعية الإرشاد الإسلامية قانون أساسي، وضع عندما تأسست الجمعية رسمياً في 15 شوال سنة 1332هـ ـ 6 سبتمبر سنة 1940م نقل نصه الأستاذ صلاح البكري في كتابه تاريخ حضرموت السياسي، في طبعته الثانية سنة 1375هـ 1956م. [التزمت بطبعه ونشره شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر].
سبقت نصوصَ القانون في الكتاب مقدمةٌ فيها هجوم شديد على العلويين، وتلا نصوصَ القانون كذلك هجومٌ عليهم كما يتضح ذلك من الجمل الآتية:
جمعية الإصلاح والإرشاد:
لم يرد الله أن تبقى سلطة العلويين الروحية حاكمة على الحضارمة مالكة لمشاعرهم وعواطفهم، لم يشأ أن تبقى تلك الأفكار جامدة، والأذهان هامدة، والأبصار عشواء، والقلوب عمياء، بل أراد أن يحرر تلك النفوس من عبوديتها، وتلك العقول من خبالها، أراد أن يحطم تلك الخرافات والترهات والبدع والأوهام التي لعبت بعقول القوم مئات السنين، لذلك هدى جماعة من أعيان الحضارمة لتأسيس جمعية الإصلاح والإرشاد في بتافيا [جاكرتا فيما بعد] سنة 1914م، وكان من أكبر القائمين بتكاليفها وبتكاليف مدرستها التي أنشئت أوائل سنة 1915م نقيب العرب بـ(بتافيا) عمر منقوش، والسيد سعيد مشعبي، وكان العلامة الأستاذ أحمد السوركتي هو القائم بإدارة التعليم في مدرسة الإرشاد، ويساعده في التدريس العلامة الأستاذ محمد عبيد عبود الحضرمي وجماعة من السودانيين، منهم العلامة الورع الأستاذ أحمد العاقب.
ولجمعية الإرشاد قانون أساسي هذا نصه:
الفصل الأول: هذه الجمعية اسمها: (جمعية الإصلاح والإرشاد العربية)، ومركزها ببتاوى.
الفصل الثاني: غرض هذه الجمعية: جمع الأموال وصرفها فيما يأتي:
1 ـ السعي في إصلاح وترقية الأمة الإسلامية عموما والعربية خصوصا أدبيا واقتصاديا بنشر الدين الإسلامي، وبث الآداب، والأخلاق الفاضلة، ونشر العلم واللغة العربية.
2 ـ القيام بالمشاريع الخيرية: كالمدارس وبيوت الأيتام والأرامل والعجزة والمستشفيات، وتتوسل الجمعية لأغراضها بالتأليف والنشر، وعقد الاجتماعات، وإلقاء المحاضرات، وإرسال البعثات، وإنشاء النوادي والمكاتب العمومية، ومساعدة الجمعيات التي تتفق مع هذه الجمعية في المقصد، بشرط أن يكون كل ذلك غير مخالف للدين الإسلامي، ولا لقوانين الحكومة المحلية.
الفصل الثالث: هذه الجمعية أقيمت لمدة تسع وعشرين سنة وتسعة أشهر، ويعتبر ذلك من ابتداء صدور فرمان الإذن المصادق عليه من فخامة الوالي العام، ومن ذلك الحين صار لها الحق في ابتداء إدارة الأشغال.
ويجوز للمركز أن يفتح له فرعاً في بلدة يكون أعضاؤها عشرة، سواء كانت في هنديا نيدرلند أو في غيرها من الأماكن، وإدارة الفرع تكون من أعضاء ذلك الفرع نفسه.
الفصل الرابع: كل شخص من الأمة الإسلامية عليه أن يقدم طلباً خطياً إلى الإدارة المركزية أو وكلائها، أو إلى مدير الفرع الذي في بلدته، موضحاً فيه اسمه وحرفته ومحل إقامته، وللإدارة المركزية أو وكلائها أو مديري الفرع حق القبول أو الرفض، وللمجالس المذكورة رفع أعضاء شرف من الذين يتبرعون لها بمال كثير، أو يقومون لها بعمل عظيم النفع، وكل عضو من أعضاء هذه الجمعية يمكن للاجتماع العمومي، وللإدارة المركزية رفضه من العضوية متى تبين وثبت أنه يسعى ضد مصالح الجمعية.
الفصل الخامس: القيادة العامة للجمعية هي بيد الإدارة المركزية التي لا يقل أعضاؤها عن أحد عشر نفراً، أي رئيساً ونائبه، وكاتباً أولاً وكاتباً ثانياً، وأميناً للصندوق ومفتشين، ومستشاراً واحداً، ولا يزيدون على سبعة عشر نفراً، ويكون انتخابهم بواسطة الاجتماع العمومي لمدة ثلاث سنوات، ولا مانع من إعادة انتخابهم مرة أخرى، وللإدارة حق رفع مساعدين وإقامة لجان وهيئات متى بدت الحاجة.
أما إدارات الفروع فلا يقل أعضاؤها عن 4 أنفار بما فيهم الرئيس والكاتب وأمين الصندوق والمفتش، ولا يزيدون على أحد عشر نفراً، وانتخابهم كعزلهم موكول إلى أعضاء ذلك الفرع نفسه، ما لم يخالفوا القانون الأساسي، وإلا فللإدارة المركزية حق عزلهم، ويجب في الحال رفع معلومات كتابية إلى الإدارة المركزية، وعليها المصادقة، ما لم يخالف ذلك القانون الأساسي، وانتخابهم لمدة سنة، ويجوز انتخابهم مرة ثانية.
والمركز مسؤول في تنفيذ نظام الجمعية، وعليه أن يفكر فيما يرقيها ويحقق مقاصدها، وكل إدارة تنوب عن الجمعية التي تديرها أمام المحاكم وغيرها، كما أن لها أن تنيب من تشاء.
وفي كل سنة يجب على المركز عقد اجتماع عام، يدعى إليه أعضاء إدارات الفروع للنظر في أعمال الجمعية وميزانيتها وثروتها وبروجرام "نظام" عملها للسنة القادمة، وليس للمركز حق إيقاف أي فرع من فروعه، إلا إذا خالف القانون الأساسي وأصر على المخالفة، وفي حين حدوث خلاف بين الفرع والمركز يحكم بينهما الاجتماع العام لإدارات الفروع والمركز، ويكون حكمه نافذاً مقبولاً.
وأية إدارة أخلت بواجبها يجوز عزلها قبل انتهاء مدتها المقررة، بواسطة اجتماع عمومي لهذا الغرض وحده يعقد في البلدة التي فيها تلك الإدارة المخلة.
ولا يجوز لأحد من آل باعلوي أن يكون عضواً من أعضاء الرئاسة أو وكيلاً لها. [السبب لمنع العلويين من رئاسة الإرشاد: هو أن هؤلاء كانوا يقولون عند بدء حركة الإرشاد (أن الحضارم من غير العلويين لا يستطيعون أن يقوموا بمشروع إن لم يكن قائدهم علوياً، فأراد هؤلاء أن يبرهنوا بالمقدرة والكفاءة على العمل].
الفصل السادس: كل كتاب يصدر عن إدارة الجمعية، يجب أن يكون ممضى عليه بإمضاء الرئيس والكاتب المعتمد.
الفصل السابع: بقية الشؤون المتعلقة بالجمعية ستسطر في قانونها الداخلي الذي يجب إبرامه أو إبطاله بواسطة اجتماع أعضاء هذه الجمعية، وحينئذٍ يجب الخضوع له ما لم يكن مخالفاً لقوانين الحكومة المحلية.
الفصل الثامن: هذا القانون لا يجوز تغييره ولا تبديله، إلا بموافقة ثلاثة أرباع أعضاء هذه الجمعية الحاضرين في الاجتماع وقبول الوالي العام لذلك.
الفصل التاسع: للإدارة المركزية وإدارات الفروع أن يبتاعوا للجمعية العقارات، ولهم حق بيعها وإيجارها، وليس للإدارة المركزية حق التصرف في مالية الفروع، وعند سقوط أي فرع من فروع الجمعية، يكون جميع ماله وممتلكاته للمركز بعد دفع ما عليه من الدين، والمركز في أي حال من الأحوال غير مسؤول عن دين الفرع.
الفصل العاشر: مالية الجمعية تتكون من الاشتراكات التي يدفعها الأعضاء، ومن الإعانات والصدقات والأوقاف والوصايا، ولمجلس الإدارة المركزية أن يوسع موارد الجمعية بالطرق المشروعة الشريفة، وكل من وهب أو أوصى أو وقف شيئاً على الجمعية، فليس له ولا لورثته الرجوع فيه مطلقاً في أي حال من الأحوال.
الفصل الحادي عشر: لا يجوز إيقاف الجمعية قبل تمام المدة المأذون فيها بموجب ما ذكر في الفصل الثالث، إلا إذا اتفق تسعون في المائة من أعضائها على إيقافها، ويجب عليهم حينئذٍ أن يراعوا حقوق الديون على حسب القانون، وإذا بقي بعد ذلك شيء من المال، فعلى أعضاء الإدارة أن يوزعوه على المشروعات الخيرية الإسلامية على حسب تقرير الاجتماع العمومي.
وأما الفرع فسقوطه يكون بتوقيف المركز له، كما هو مذكور في الفصل الخامس، أو باتفاق ثلاثة أرباع أعضاء ذلك الفرع نفسه. انتهى.
من هو مؤسس جمعية الإرشاد الإسلامية؟
وقد ترجم الأستاذ صلاح البكري في كتابه تاريخ حضرموت السياسي المذكور آنفاً ص255، لمؤسس هذه الجمعية، وهو الشيخ أحمد السوركتي، فقال:
ولد العلامة الشيخ أحمد محمد السوركتي الأنصاري ببلدة أدفو من أعمال دنقلا سنة 1292هـ من أبوين ينتسبان إلى قبيلة الجوابرة، نسبة إلى جابر بن عبد الله الأنصاري، وكانت هذه القبيلة ساكنة في صعيد مصر، ولما احتل السلطان سليم مصر دعا الجوابرة إلى الطاعة فرفضوا فجهز عليهم، ولما رأوا أنهم لا طاقة لهم بجنود السلطان تقهقروا إلى السودان، وهناك حطوا رحالهم، وصار لهم نفوذ روحي ومادي، ولا تزال لهم في بلاد السودان آثار من حصون وقلاع وقباب وخرافات وترهات طويلة عريضة.
وكلمة السوركتي لقب أحد أجداد الشيخ أحمد، وهي من لغة أهالي تلك البلاد، ومعناها كثير الكتب، والسبب أن جده رحل إلى مصر لطلب العلم، وعاد من سفره بكتب كثيرة فلقب بهذا اللقب، لأن "سور" عندهم الكتاب و"كتي" للمبالغة في الكثرة.
ولما مات أبو الشيخ أحمد استوحش من البلاد لفقدان والديه، وتنقل في بعض المعاهد العلمية الدينية في السودان، وحفظ القرآن الكريم على قراءة نافع ودرس الفقه والتوحيد.
ثم رحل إلى الحجاز سنة 1314هـ، وأقام بالمدينة أربع سنوات مُجِداً في طلب العلوم الشرعية واللغة العربية، ثم اختار مكة فجدَّ في الطلب حتى نال الشهادة العالمية، وأنشأ هناك مدرسة أهلية، واستمر في التدريس فيها وفي الحرم المكي، وكان لمدرسته إقبال منقطع النظير.
وفي سنة 1329هـ أتاه طلب من جمعية "خير" في بتافيا [اسم لمدينة جاكرتا أيام الاحتلال الهولندي]. لإدارة التعليم في مدرستها، [ذكر في منشور لجمعية الإرشاد أنها أقدم المدارس العربية]. وكان الواسطة لذلك العلامة الشيخ محمد بن يوسف الخياط، والعلامة الشيخ حسين بن محمد الْحِبْشِي.
فسار العلامة الشيخ أحمد السوركتي إلى جاوة، وبصحبته معلمان، ومندوب جمعية "خير" السيد عبد الله بن عبد المعبود الموصلي، ولما وصلوا بتافيا قابلهم العلويون وغيرهم بكل إجلال واحترام، واحتفوا بهم احتفاء يعجز عن وصفه البيان.
ولقد سحر القومَ الشيخُ أحمد السوركتي بما طبع عليه من الخلق الكريم، والأدب الجم، وما اتصف به من الصلاح والورع والعلم والحلم والتواضع والتسامح، وكان الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن شهاب العلوي الذي أصبح بعد ظهور الإرشاد ألدَّ أعداء الشيخ أحمد السوركتي، يجل الشيخ كل الإجلال، ويحترمه كل الاحترام، ويدعو الناس لتعظيمه وتكريمه. انتهى.
هذا وكان عمله مع العلويين ثلاث سنوات، لأنه ذهب إلى إندونيسيا سنة 1329هـ وقدم استقالته سنة 1332هـ.
وبقي بعد ذلك مسؤولاً عن جمعية الإصلاح والإرشاد الإسلامية إلى أن توفي في سنة 1353هـ ـ 1934م فتكون مدة بقائه في إندونيسيا 24 سنة.
هذا، وقد أصيب الشيخ السوركتي بألم في عينه وأدخل المستشفى وأجريت له عملية فقد بعدها بصر تلك العين، واهتم به بعض تلاميذه اهتماماً جعله ينشئ قصيدة فيه وفي أمثاله، وكان ذلك في مدينة (كوتاباتو) [كوتا: تعني مدينة، وباتو: تعني منطقة]. في مالانج في جاوة، وليست هي مدينة كوتاباتو الفلبينية، وقد أشاد في هذه القصيدة بالإرشاديين ونشاطهم مشيراً إلى معارضيهم من العلويين في كثير من أبيات القصيدة، وهي قصيدة طويلة، بلغت 150 بيتاً.
وقد طبعت في رسالة مستقلة بعد وفاته بسبع سنين، وهذا نص القصيدة وعنوانها:
قصيدة الخواطر الحسان في الإشارة إلى بعض أهل الفضل والإحسان:
في القصيدة كما ترى ثناء مسهب على جمعية الإرشاد التي انتقل إليها السوركتي، وهجوم عنيف على العلويين الذين فارقهم بعد خلافه معهم...
وفي القصيدة ذكر أماكن كثيرة في الجزر الإندونيسية، ذَكَرها للثناء على من يسكنها من الإرشاديين، ولذلك تجد في كثير من أبيات القصيدة خللاً في الوزن، اللهم إلا إذا شُكِّلت الأماكن تشكيلاً ينسجم مع الوزن.
وقارئ القصيدة يظهر له تكلُّف منشئها تكلُّفاً يدل على أنه من زمرتنا نحن طلاب العلم الشرعي، غير متمكنين من الأسلوب الفني الشعري، ولكنها مشاعر تصاغ في صورة ما يسمى شعراً.
أسباب الخلاف بين الشيخ السوركتي والعلويين:
السبب الذي اشتهر بين الناس أن بعض علماء العلويين أفتى بعدم جواز تزويج العلوية بغير العلوي. وقد ذكر خلاصة هذا السبب الأستاذ البكري في كتابه السالف الذكر، حيث قال: [غير العلوي: واضطر الشيخ لذلك أن يقدم لجمعية خير استقالته، يوم 15شوال سنة1332هـ ـ 6سبتمبر عام1914م].
"بدء نفور العلويين من الشيخ أحمد السوركتي وتحاملهم عليه: حدث أن سأل السيد عمر سعيد بن سنكر الأستاذ الشيخ أحمد السوركتي، وكان في مجلس من مجالس العرب، بمدينة صولو عن جواز زواج العلوية من غير العلوي، فأجاب فضيلته بالجواز.
وحيث إن العلويين وغيرهم من الحضارمة يعتقدون تحريم زواج العلوية لغير العلوي، فقد أخذ القوم يتهامسون في شيء كثير من الدهشة والحيرة، وذاعت فتوى الشيخ في بتافيا وغيرها من بلدان جاوة.
ولم يكد يعود الشيخ أحمد السوركتي من رحلته، إلى بتافيا إلا وقد أصبحت وجوه العلويين عابسة ضده، ينظرون إليه نظرات كلها مقت وغل، لم يجد الشيخ عشر معشار ما كان يلقاه من القوم من الاحترام والإجلال، بل وجد منهم إعراضاً وإدباراً، وتعبيساً ونفوراً، وليس للشيخ ذنب سوى أنه أفتى بصحة زواج العلوية من غير العلوي، واضطر الشيخ لذلك أن يقدم لجمعية "خير" استقالته يوم 15 شوال سنة 1332هـ 6 سبتمبر عام 1914م.
فتاوى الجانبين وغيرهم في هذه المسألة:
يتضح من كلام الأستاذ البكري هذا، أن السبب الوحيد ـ أو السبب الرئيس على الأقل ـ هو فتوى الشيخ السوركتي بجواز نكاح العلوية بغير العلوي، وهذه الفتوى تخالف ما أفتى به بعض العلويين كما سيأتي ذكره.
وحيث إن هذه المسألة هي التي اشتهرت من أسباب الخلاف الذي وقع بين الشيخ السوركتي والعلويين، فإنه يحسن إثبات بعض النصوص التي تضمنت الفتوى من قبل بعض العلويين بعدم جواز زواج العلوية بغير العلوي، وفتوى الشيخ السوركتي بجواز ذلك، وردود الأفعال من الجانبين، وتجاوز المسألة الطرفين في إندونيسيا إلى خارجها، حيث استُفتي فيها السيد رشيد رضا وأيد فيها الشيخ أحمد السوركتي، وما استدل به الفريقان من النصوص على تأييد كل منهما لما ذهب إليه.
ومحاولة بعض المصلحين الصلح بين الفريقين وفشل تلك المحاولة.
وستكون هذه النصوص مرتبة على النحو الآتي:
أولاً: فتوى الشيخ عمر العطاس:
أفتى الشيخ عمر العطاس بعدم جواز زواج العلوية بغير العلوي، وكانت فتواه ردا على الاستفتاء الذي بعث به أحد الحضارمة، إلى السيد رشيد رضا فرد عليها مؤيدا جواز زواج العلوية بغير العلوي.
ثانياً: رد الشيخ أحمد السوركتي على القول بالتحريم:
وكان ذلك في رده المطول على بعض المهاجمين له في بعض الجرائد الإندونيسية.
ثالثاً: ما حصل من محاولات الصلح بين الفريقين:
وكل هذه النصوص من كتاب التاريخ السياسي لحضرموت للشيخ صالح البكري، وهو من الإرشاديين وبعضها من مجلة الرابطة، وهي الجهاز الإعلامي للعلويين.
أولاً: فتوى الشيخ عمر العطاس:
(تزويج الشريفة بغير شريف وفضل أهل البيت)
سيدي، هل هذه الفتوى المذكورة أدناه صحيحة، ويجوز العمل بما فيها أم الأصح خلافها؟ أفيدونا، لا زلتم خير خلف لخير سلف عن جوهر الإسلام، وأرجو من حضرتكم الكلام عنها في المنار، وهي: ما قولكم فيمن يستحل تزويج الشرائف بمن ليسوا بأشراف، بل لو كان بعضهم يزعم أنه هاشمي أو مطلبي أو من بقية قريش، فهل يصح تزويجهم بالشرائف أولاً؟
الجواب ـ والله أعلم بالصواب ـ اعلم أن مراعاة الكفاءة في النكاح واجبة، وهي في النسب على أربع درجات:
الأولى: العرب لا يكافئهم غيرهم من العجم.
الثانية: قريش لا يكافئهم غيرهم من بقية العرب.
الثالثة: بنو هاشم لا يكافئهم غيرهم من بقية قريش.
الرابعة: أولاد فاطمة الزهراء بنو الحسن والحسين رضي الله عنهم لا يكافئهم غيرهم من بني هاشم.
والدليل عليه ـ كما في التحفة والنهاية وغيرهما ـ من خبر مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله اصطفى من العرب كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم)) والأحاديث الواردة في فضل العرب وفي فضل قريش وفي فضل بني هاشم كثيرة جداً، وقال ابن حجر في التحفة والرملي في النهاية: أولاد فاطمة لا يكافئهم غيرهم من بقية بني هاشم، لأن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن أولاد بناته ينتسبون إليه في الكفاءة وغيرها، كالوقف والوصية، كما صرحوا به، لأنهم أبناؤه كما ثبت في قصة المباهلة في قوله تعالى: { نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} [آل عمران: 61]. فإنه ورد أنه خرج ومعه الحسن والحسين وعلي وفاطمة.
وروى الحاكم، قال صلى الله عليه وسلم: ((لكل بني أم عصبة إلا أبناء فاطمة فأنا وليهم وعصبتهم)).
وأخرج الترمذي عن أسامة أنه صلى الله عليه وسلم أجلس الحسن والحسين يوماً على فخذيه وقال: ((هذان ابناي وابنا بنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما)).
وأخرج الطبراني وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((كل بني أم ينتمون إلى عصبة إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم)).
فقول الشارع نص، ويترتب عليه أحكام البنوة في الأشباح والأرواح، كالحسن والحسين وأولادهما، والتشريف ببعض خصائصه صلى الله عليه وسلم، كوجوب الصلاة عليهم، ودخولهم في آية التطهير، وتحريم الزكاة عليهم، وافتراض محبتهم على الأمة، وغير ذلك.
ثم اعلم أن الشرف قسمان: ذاتي، وصفاتي. وقد اصطلح العلماء على أن الشرف الذاتي للنبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة لذريته، فكما كانت ذات النبوة مختارة إليه من الوجود جعلها الله معدناً لكل نعت محمود، ولم يزل يسري منها في شعبها مظهرها في المعدن، ومع ذلك فقد بالغ الجليل الكبير في كمال التطهير لها، كما قال: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب: 33]. لا بعمل عملوه، ولا بصالح قدموه، بل بسابق عناية من الله لهم، فتأثير البضعة النبوية لا يدركه أكابر الأولياء من غيرهم، ولو جاهدوا أبد الآباد، ولهذا السر قال الله تعالى: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى }. [الشورى:23].
إذا عرفت ذلك واتضح لك أن مقام ذات النبوة وقدرها لا يُدرك، وعرفت أن الكفاءة عند العرب بل وغيرهم أمر مرعي، وقد جاء الشرع في ذلك على موافقة عادتهم، وعرفت أن تزويج الأدنى بمن ليس كفؤا لها يلحق عاراً على عصبتها كما صرَّح به الفقهاء، الواصل في ذلك العار عند تزويج الشرائف بغير الأشراف إلى مقامه صلى الله عليه وسلم، تحقق لديك أن الجرأة على ذلك إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم ولذريته.
وأي إيذاء أعظم من إلحاق العار، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من آذى أهل بيتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله) وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تؤذوني في أهل بيتي)).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((احفظوني في أهل بيتي فإيذاؤهم من أكبر الكبائر، ومن استحله فقد كفر)).
فلا يجوز تزويج غير السيد بالسيدة، ولو رضيت وأسقطت الكفاءة أو رضي وليها، لأن الحق ليس لهما، لأنه شرف ذاتي ليس من كسبهما حتى يسقطاه، بل له صلى الله عليه وسلم، ولكافة أبناء الحسنين ولا يُتصور رضاهم، وقد ثبت أنهم موال على ما سواهم من كافة الخلق بنص حديث ((من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)).
وهل يجوز تزويج العبد مولاته؟ لا قائل به، بل قد منع خليفة الزمان السلطان عبد الحميد خان أيده الله تبعاً لسلفه، تزويج السيدات بغير السادة، وأمر الخليفة يجب العمل به في المباحات، فضلاً عن الموافق للحكم الشرعي.
وأما ما نسب إلى الإمام مالك عالم دار الهجرة رضي الله عنه من أن المسلمين أكفاء، فلا يبعد أنه مقول عليه، لأنه ثبت عنه أنه امتنع من لبس النعال في المدينة، وقال: "أستحي أن أطأ بنعلي أرضاً وطئها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدمه".
فمن استعظم واستشرف أرضاً وطئها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدمه، (هل) يبيح ويستحل افتراش ووطء بضعته صلى الله عليه وسلم؟ يجل قدره عما نسب إليه رضي الله عنه.
وفي هذا القدر كفاية لمن مَنَّ الله عليه بالهداية، ومن قال بخلاف ما ذُكر، فإما مِنْ عدمِ اطلاع، وإما جهل بقدره صلى الله عليه وسلم وقدر أهل بيته، بل من تجرأ وارتكب ذلك بعد اطلاعه على ما ذكر فهو ضعيف إيمان، بل مسلوبه لمراغمته ومعاندته للشرع، يخشى عليه من سوء العاقبة {مَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ} [الأعراف:186]. حفظنا الله من ارتكاب الموبقات وعصمنا من الهجوم على الخطيئات، وعرفنا قدر نبيه وأهل بيته السادات، إنه ولي التوفيق.
غير أنه معلوم لذي كل ذي عقل أنه للضرورات تباح المحظورات وارتكاب أخف الضررين لدفع الأشد متعين، فلا يلزمك العناد وارتكاب الفساد والعدول عن سبيل الرشاد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قاله بفمه، وكتبه بقلمه، أضعف الناس، عمر بن سالم العطاس، عفا الله عنه آمين، وذلك في شهر محرم سنة 1323هـ.
ثانياً: فتوى (رد) السيد رشيد رضا:
(ج) سبق لنا أن نشرنا في هذه المسألة سؤالاً لأحد القراء من سنغافورة في واقعة حال هناك، ثم جاءنا من سنغافورة رسالة بتوقيع أحد الحضارمة، رغب إلينا مرسلها أن نرمز له بحرفي: ع. ب. قال فيها بعد الثناء والإطراء: إن ما نشرناه في الواقعة (في ج 6م 8) لم يكن السؤال فيه مطابقاً للواقع، وأن الشريفة التي تزوجت بالسيد الهندي، قد زوجها وليها الشرعي برضاه ورضاها، مع علمها بأن الزوج مطعون في نسبه، على أنه قد شهد 12 شاهداً من أهالي بلده وغيره بالسيادة له، وأن ما ذكره السائل أيضاً من طعن ذلك الرجل بكتب الشرع غير صحيح.
وطلب منا هذا الكاتب أن نذكر الحكم في الواقعة على ما قرره هو من تزويج ولي الشريفة لها برضاها ورضاه، على أنه لا حاجة إلى ذلك، فإن الجواب الأول ناطق بصحة العقد في هذه الحالة.
وقد فهمنا من الرسالة ومن مجموع ما كتب إلينا في معناها من تلك الجزيرة، أن سبب الاهتمام بهذه المسألة هو أن بعض السادات الحضرميين الذين يوجد منهم طائفة هناك غالون في التفاخر بأنسابهم والإدلال بأحسابهم، ولذلك ذهبوا في الغلو إلى ما تراه في فتوى الشيخ عمر بن سالم العطاس التي سألنا عنها أحد القراء في سنغافورة، وقد أرسلت إلينا صورتها مطبوعة، فعلمنا أنهم طبعوها ووزعوها لإثبات اعتقادهم في أنفسهم.
أما الحق في مسألة الكفاءة فهو ما بيَّنَّاه في الجزء العاشر من المجلد السابع، أيام حادثة الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، وقد نقل المؤيد ما كتبناه يومئذٍ، فاطلع عليه الأستاذ الإمام مفتي الديار المصرية رحمه الله تعالى، وكان في مصيف رأس البر، فكتب ما يلي: "اطلعت في المؤيد على ما كتبت في الكفاءة والأولياء واستحسنته".
وإنما اطلع عليه في المؤيد، لأنه نشر فيه ما كتبت قبل أن أرسل إلى المنار، ولذلك كتب إلي الإمام في ذلك الترقيم: "كنت أنتظر أن يصل إلي المنار هنا ليكون مما ألقي عليه نظري إذا أرجعته عن أمواج البحر الأبيض ولم أطلقه إلى بساط النيل الأحمر، فإني جالس طول يومي بين البحرين"، والمقصود أن الأستاذ الإمام قد أجاز ما كتبته في الكفاءة، فكأنه أفتى به.
أما المنزع الذي رمى عنه الشيخ عمر بن سالم العطاس، فهو غريب وأوغله في الغربة والغرابة جعل الكفاءة في الشرفاء حقاً للنبي صلى الله عليه وسلم، ولجميع أبناء الحسنين، بحيث لا يصح تزويج الشريفة بغير شريف ولو رضيت ورضي وليها، إذ لا يتصور أن يرضى النبي صلى الله عليه وسلم، وسائر الشرفاء في مشارق الأرض ومغاربها، واستدلاله على ذلك بكونه إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم وإيذاء أهل بيته، قال وإيذاؤهم من أكبر الكبائر يكفر مستحله، ثم استدلاله أيضاً بحديث: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) على كون ذراري علي موالي على من سواهم من جميع الخلق بالنص، وخروجه من ذلك إلى أن جميع الناس عبيد لهم، وأنه لا قائل بجواز تزويج العبد لمولاته، نعوذ بالله من هذا الغلو والغرور.
يستدل الشيعة بحديث: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) على أن علياً أحق بالخلافة ممن سبق فيها، ولا أعرف عنهم أنهم بعدوا في الاستدلال إلى جعل جميع الناس عبيداً له ولذريته، بل لم يقل مسلم بأن الناس عبيد للنبي صلى الله عليه وسلم، بل الإسلام يمنع هذا، فمن أين جاء به العطاس؟ رحمه الله ويصلح باله، وكيف يتفق استنباطه هذا مع ذكره السلطان عبد الحميد بلقب الخلافة؟
وإذا كان غير الشريف العلوي الفاطمي لا يجوز أن يكون زوجاً للشريفة لأنه عبدها، فكيف يكون العبد خليفة على ساداته ومواليه الذين لا يحصى عددهم؟ والخليفة مولى لرعيته يجب عليهم طاعته في كل معروف، وأما الزوج فليس مولى لامرأته بهذا المعنى، بل يقول جماهير الفقهاء إنه لا تجب عليها طاعته إلا في المكث في البيت والتمكين من الاستمتاع.
والحق أن لفظ المولى في الحديث معناه الناصر كما قال الجوهري في الصحاح، ويطلق في اللغة على الصاحب والقريب والجار والحليف والنزيل والشريك والعبد والمعتق، فكيف يسمح لنا الدين أن نتخطى هذه المعاني؟ ونقول إن الحديث نص في أن الناس عبيد لذرية علي؟
هل كان أبو بكر وعمر والعباس وغيرهم من الصحابة وسائر المسلمين عبيداً لعلي في حياته؟ وهل ملك أولاده من بعده الإرث؟ أم نص الحديث دال على أنهم يملكونهم بالاستقلال في كل زمان؟ ظاهر قول العطاس الثاني، وكل مسلم يبرأ إلى الله من الأول والثاني.
كان الشرفاء وما زالوا يزوجون بناتهم من غيرهم، وجميع العلماء يستحلون هذا مع التراضي وسائر الناس تبع لهم فيه، فهل يقول العطاس إن جميع من استحل ذلك كافر، حتى المزوجون والمتزوجات بالرضى والاختيار، فيكفر الشرفاء مبالغة في تعظيمهم؟
ليس هذا المنزع الذي رأيت بأغرب من منزعه الآخر، في جعل النسبة إلى الحسن والحسين في معنى نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، من حيث إن شرفها ذاتي غير مدرك وأنها من اختيار الله تعالى، وأنها منبع لكل نعت محمود، وأن أكابر الأولياء لو جاهدوا أبد الآباد لا يلحقون لشريف أثراً، لأن الله تعالى بالغ في كمال تطهير آل البيت إذ قال: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً } لا بعمل عملوه، ولا بصالح قدموه بل بسابق عناية من الله لهم، ثم قال: ولهذا السر قال الله: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى }.
فانظروا أيها المنصفون كيف يلعب بكتاب الله ويحرف كلمه عن معناه، بدعوى الاهتداء بهديه والعمل بأمره ونهيه، وإنما هو اتباع الهوى شَرَد بالغالين عن معهدي الهدى، وأحمد الله تعالى أن جعلني شريفاً غير مفتون، وجنبني وقومي مزالق الغرور.
فأما قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [سورة الأحزاب: 33] فقد ورد تعقيباً لآيات في خطاب نساء النبي عليه الصلاة والسلام، يأمرهن الله تعالى بها وينهاهن ويعلمهن بأن جزاءهن على الخير والشر مضاعف، لأنهن لسن كسائر النساء، وهذا ظاهر معقول المعنى، فإن بيت المرشد الكامل قدوة في الهدى والرشاد، ولو ظهر العمل السيئ من ذلك البيت الذي جعله الله منبعاً للهدى ومشرقاً للوحي، فكان أعظم مُنفر عن الاهتداء والإيمان.
فقوله تعالى بعد تلك الأحكام: { أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ.. } إلى آخر الآية، تعليل وبيان للحكمة في كون نساء النبي لسن كسائر النساء، وكونهن جديرات بمضاعفة العذاب على المعصية، والثواب على الطاعة لمكان القدوة، كقوله تعالى بعد ذكر أحكام الصيام وما فيها من الرخص: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. وإنما قال: {عنكم} لأن النبي صلى الله عليه وسلم في البيت، وهو المقصود بالتطهير أولاً وبالذات، لأن كمال نسائه ينسب إلى هدايته صلى الله عليه وسلم.
وأما قوله تعالى: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } فليس معناه أنه يطلب من الناس مودة قرابته أجرة لتبليغه أحكام ربه، حاش لله! ما كان لنبي أن يطلب على التبليغ أجراً كما نطق القرآن ونهض البرهان، وإنما الاستثناء منفصل، ومعناه: لا أسألكم أجراً على ما جئتكم به، فتتوهموا أني طالب منفعة لنفسي، وإنما أسألكم ما هو نافع لكم وهو المودة في القرابة، أي أن تودّوا ذوي القربى منكم.
فهو إذن بمعنى ما يؤثر عن الإنجيل من الأمر بمحبة القريب، أو أن تؤذوني في قرابتي منكم، لأني بعثت لهدايتكم، فعاملوني معاملة سائر الأقربين ولا تؤذوني. وأما الدين فلكم دينكم ولي دين، لست عليه بجبار، وإنما عليّ البلاغ وللناس الخيار.
وعقب هذا بقوله: { وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً } والآية من سورة الشورى وهي مكية من أول القرآن نزولاً، وأمثال هذا الخطاب في الدعوة والاستمالة إلى الحق كثيرة، ولا يمكن أن يحمل لفظ القربى فيه على ذرية فاطمة عليها السلام لما تقدم، ولأنها لم تكن تزوجت ولا ولدت في ذلك العهد.
سبق للمنار قول في تفسير هذه الآية، وفيه أن الشيعة هم الذين انتحلوا لها هذا المعنى، غافلين عما وراءه من الطعن في الرسالة، واحتجاج الكافرين على المؤمنين بأن الرسول كان يطلب بدعوته الدنيا لذريته كالملوك والأمراء، وأن القرآن بجملته وتفصيله وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه وأهله ومعاملته للناس وتوليتهم الأعمال، كل ذلك مما ينسف هذه الشبهة نسفاً.
أي غلو العطاس يرحمه الله ويصلح باله ليس بالغريب؟ أإنكاره قول الإمام مالك أن المسلمين أكفاء، واحتجاجه على ذلك بما كان من أدب هذا الإمام مع النبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان لا يطأ أرض المدينة بالنعال، واستنباطه منه عدم إباحة افتراش البضعة النبوية ووطئها.
أيظن أن الإمام مالكاً كان يحرم أن يمشي الناس في المدينة بالنعال، أو أن تركب فيها الحمير والبغال؟ أيظن أنه يقيس اتخاذ المرأة زوجاً وقرينة للرجل تشاركه في نعمته، وتتحد معه في معيشته على وطء الأرض بالنعل أو بغير النعل؟ ما هذا الفقه المقلوب؟؟
يسهل على من يسلك مسلك هذا المفتي في الاستنباط أن يستخرج من كلامه ما يعده الفقهاء من المكفرات فيكفره كما كفر من يخالف فتواه، أو كاد يكفر بها جميع المسلمين، والحق أنه لا يحكم بكفر أحد من أهل القبلة إلا بقول أو عمل يدل دلالة قطعية على أنه لا يؤمن بالله وبما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما هو متواتر مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة.
فمن آذى شريفاً من آل البيت لحظ من حظوظ الدنيا يكون عاصياً لله كما لو آذى غيره، لأن الإيذاء حرام، وأما من يؤذي الشرفاء لأنهم ينتمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فالأقرب أن يكون إيذاؤه إياهم بهذا القصد معلولاً لكفره به لا علة له، إذ لا يعقل أن يقصد المؤمن ذلك، ولا يظهر هذا إلا فيمن يؤذى كل من قدر على إيذائه منهم، فمتى خص فرداً أو أفراداً علم أنه لا يؤذيهم لأجل النسبة.
وجملة القول أن الشريعة الإسلامية شريعة عدل ومساواة، لا شريعة تقسيم ومحاباة، وأحكامها عامة، مدار العبادات فيها على تزكية النفس وتحليتها بالفضائل، ومدار المعاملات على درء المفاسد والمضار وجلب المنافع وحفظ المصالح، وليس لأحد أن يخص الشرفاء أو غيرهم بأحكام شرعية تؤخذ بالتسليم على أنها من التعبد.
فأبناء الحسنين وغيرهم من الناس سواء في أحكامها، وما ورد في تخصيصها آل النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الأحكام كتحريم الصدقة عليه معقول المعنى، ولا يجوز لأحد أن يزيد عليه لأن التخصيص خلاف القياس فلا يقاس عليه، وفي الحديث الصحيح: إن الآل في باب تحريم الصدقة هم بنو هاشم وبنو المطلب، لا ذرية فاطمة خاصة.
وإن الكفاءة في النكاح لا يستدل عليها بالفضائل والخصائص، وإنما يرجع فيها إلى نص الشارع أو القياس الصحيح، أما نص الشارع فلم يصح منه في مسألتنا شيء، قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: لم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث، وأما ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه: ((العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض)) فإسناده ضعيف. أ هـ.
وإنما الكفاءة الثابتة في السنة خاصة بالدين والحرية والأخلاق واليسار، وهذا ما كان عليه أكثر أهل الصدر الأول، ومن قال من الفقهاء باعتبارها في النسب فحجته الصحيحة القياس ومداره على دفع العار، فإذا لم يكن هنالك عار فلا اعتبار بالنسب في الكفاءة، وعلى هذا أكثر البلاد الإسلامية فيما نظن، وإذا رضيت امرأة شريفة هي وأولياؤها بالتزوج بمن ليس بشريف في بلاد يعد ذلك فيها من العار، فلا حرج عليهم لأنهم أعلم بمصلحتهم، وأحرص على شرف أنفسهم، والأمر ليس بتعبدي.
ولو كان ما ذكره العطاس من فضل أهل البيت يجعل استنباطه صحيحاً وداخلاً في الأحكام التعبدية، لكان لنا أن نقول مثله في العلماء، فإن ما ورد في الكتاب والسنة في مدح العلم والعلماء أعظم وأظهر مما ورد في آل البيت، فهل نقول: إنه لا يحل للعالم أن يزوج ابنته بمن ليس بعالم، لأن ذلك إهانة للعالم الذي عظمه الله تعالى، فالأمر فيه ليس إليه، وإنما هو متعبد بذلك؟
كلا! إن الزواج من المعاملات التي تبنى على أساس المصلحة، وكل قوم أعلم بمصلحتهم، والشرع لم يحجر عليه في اختيار الخير، وإنما حرم عليهم الإيذاء، والله أعلم وأحكم.
هذا، وإنني لا أظن بالشيخ عمر بن العطاس إلا الخير وحسن النية، وأشكر له حبه للشرفاء، ولولا أن فتواه طبعت لما رددت عليها في المنار، وأسأل الله تعالى أن يحفظنا وإياه من الغلو ويلهمنا رشدنا أجمعين" انتهى.
ليس [لا زال الكلام من كتاب الأستاذ البكري]. من شك أن هذه الحادثة هي الهزة الأولى لأفكار الحضارمة بجزائر الهند الشرقية، وليس من شك أن هناك أفراداً تسرب إلى أذهانهم شيء من روح المساواة الشرعية ومن حرية الفكر. ولا ريب أن الفضل في ذلك إنما يعود لمجلة المنار الحرة الغراء، ولكن تلك الهزة لم تكن عنيفة إذ سرعان ما تضاءلت، وآلت حركتها إلى الخمود، وأولئك الأفراد الذين أصابهم طل من روح المساواة لم يستطيعوا البروز والظهور، لأن الظروف لم تكن تسمح لهم بذلك ثم إنهم لم يجدوا لفكرتهم أنصاراً وأعواناً.
لقد أثار ظهور جمعية الإصلاح والإرشاد غضب العلويين، لأنهم يعلمون أنها ستقضي على سلطتهم الروحية، وعلى تلك الامتيازات التي يتمتعون بها، فأخذوا يتكلمون ضد الشيخ أحمد السوركتي، وضد أنصاره في مجالسهم، ويحطون من قدرهم، ويرمونهم بالزندقة والكفر، لينفروا الناس عنهم، ويحولوا بينهم وبين الانضمام إلى صفهم، وأخذوا يكتبون في الصحف الجاوية ضد الشيخ، ويوجهون إليه الأسئلة لقصد تعجيزه.
ولكن الشيخ رد عليهم ببيان نشره بالعربي، ووزعه على الناس كان له الأثر الحسن فيهم حيث انضم إلى جمعية الإرشاد جمع كثير، وسحب بعض العرب أبناءهم من مدرسة جمعية "خير"، وألحقوهم بمدرسة الإرشاد.
وهذا نص البيان:
ثالثاً: فتوى (بيان) الشيخ السوركتي:
بسم الله الرحمن الرحيم..
الحمد لله، وبه نستعين، وصلى الله وسلم على رسوله الصادق الأمين.
حضرة الفاضل مدير جريدة (صولو هنديا) المحترم تولاه الله آمين.
بعد تقديم ..... [هنا كلمة غير واضحة] الاحترام نعرض أننا قد قرأنا بواسطة الترجمان في جريدتكم الغراء عدد 2 صحيفة 2 الصادرة في 28 أكتوبر سنة 1915م، مقالاً صادراً عن بعض الإخوان المتحمسين من ذكر المساواة بين المسلمين، تحت إمضاء حرف Z، فهذا الأخ الفاضل قد رمز إلينا في مقاله هذا، وأتى فيه بما لا يليق وهوّل الأمر في موضوعه، وأطال التشنيع، وخرج عن جادة الإنصاف، وسلك طريق التشفي والاقتراف، فنزل بذلك عن مرتبة من يستحق الجواب، ولعله يريد زيادة حطب في نار العصبية التي أوقدها بعض الجهال.
ولما كان مقاله هذا يشِف عن عدم إدراكه لحقيقة هذه المسألة، وعن عدم حفظه لشروط المباحثة وقانون الأدب، وكان مقصوده به هتك أعراض المسلمين المصونة فقط، وعدلت عن جوابه، وضربت عنه صفحاً، وأكرمت نفسي بعدم مجاراته في هتك الأعراض، ومقابلته بمثل كلامه، كما صفحت عن غيره من قبل ممن سبّ وصاح واخترع الأكاذيب وأشاع وآذى بما استطاع، ولست عائداً إلى مخاطبته، لأن التصدي لرد الكلام الذي ليس مبنياً على أساس المعقول، ولا معضداً بحجج المنقول عبث وضياع وقت، فلا يشتغل به إلا من لا شغل له، كما أنه لا يعتمد على مثله إلا من لا عقل له.
ولكن سؤال حضرتكم عن الحق، واستفساركم عن الحقيقة، ضغط على ضميري وقهره على إجابتكم، وساقه إلى كتابة هذه الكلمات بزاجر قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ }، [آل عمران: 187]. وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 160]. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)).
غير أني أتأسف كثيراً من خفاء مثل هذا الأمر المعلوم من الدين بالضرورة على أمثالكم، ومن توهمكم في دين الإسلام المقدس عدم المساواة بين المسلمين، وإضاعة حقوق الأعمال بمراعاة الأنساب، حتى احتجتم إلى السؤال عنه، ومع ذلك فإني أشكركم على طلب الحقائق، وأبشروا فقد وافاكم الحق نزيهاً يسيراً وسألتم عنه خبيراً.
إن النكاح بين المسلمين، كالبيع والإيجار من جهة أنه متى عينت المنفعة المقابلة من المهر أو الثمن أو الأجر، وسمح من بيده الأمر، وقبل الآخر، صح العقد، وحل بذلك الانتفاع والتمتع، ولا خلاف في ذلك بين علماء الأمة المحمدية المعتبرين، وكلا الفريقين حر مختار فيما في يده أو تحت حكمه قبل المعاقدة، وقد ينوب عن صاحب السلعة وليه أو وكيله، إذا كان ناقص الرشد أو المعرفة لدفع المغابنة.
ولما كان جلّ ذلك معلوماً عند حضرتكم بالضرورة، ولم يداخلكم الشك إلا في مسألة النكاح فقط من جهة حكم الدين، فإني أذكر لكم في هذه الأسطر بعض ما بلغني من قضايا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ذلك، لتعلموا حكم الدين الحقيقي وعدله وبراءته عن الأدناس والسفاسف السياسية، لأن ما جاء به الرسول وما فعله وما أمر به وما أقر عليه هو الدين لا غيره، وإليه التحاكم وإليه الرجوع لقوله تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} النساء: 59. ولقوله تعالى: { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]. ولقوله تعالى: { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر: 7. ولقوله تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ }. [آل عمران: 31].
ثم إن شئتم بعد ذلك مزيداً من أقوال أهل العلم المتبعين لآثار الرسول صلى الله عليه وسلم، أذكر لكم من نصوص علماء الأمة المعتبرين من أهل المذاهب الأربعة ما يكون به الإقناع وينكشف به القناع في مقالة أخرى إن شاء الله تعالى، لأن الأئمة الأربعة المجتهدين متفقون على أنه إذا رضيت المرأة ووليها الأقرب أو أولياؤها الأقربون لتزويج مسلم، وعين المهر وحصل الإيجاب والقبول بغير شرط بحضور شاهدين، صح النكاح بدون نظر إلى شيء وراء ذلك.
وتبعهم على ذلك علماء الأمة المعتبرون، وأما من شذَّ وخرج عن هذا المنهج الذي أجمع عليه النبي وأصحابه والأئمة المجتهدون وعلماء الأمة وحكماؤها المعتبرون، وغض النظر عن حكم الشرع لمجاراة عادة أو لإرضاء ذي سلطان أو عصبية، فليس منا ولسنا منه.
{ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ }. [يوسف: 108].
وقوله تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }. [الأنعام: 153].
كل ذلك مبني على عدل الإسلام ومساواته بين المسلمين، ومحافظته على حقوق الشعوب المتشرفة بتفيؤ ظلاله، وهاك من كتاب ربك برهاناً على ما أدعيه، وسراجاً يضئ لك ما تبتغيه، قال تبارك اسمه: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }. [الحجرات: 13].
إن تقسيم القبائل والشعوب أو تسميتها بالأسماء المختلفة، إنما هو لأجل التعارف كتسمية الأشخاص من أبناء الرجل الواحد لتميزهم عن بعضهم فقط، وهي كتقسيم البحار والرياح والأقطار، ولا تفاضل بينها إلا بالنتائج والآثار.
إن جميع أهالي الأديان متفقون على أن أصل جميع الناس واحد بلا خلاف، ولا فضل لأحد على أحد بذات دمه ولحمه، ولكنهم يتفاضلون بالصفات والآثار وحسن التربية، كالأثمار المأخوذة من شجرة واحدة، فإنها تتفاضل في حلاوة الطعم وعظم المقدار والسلامة من الفساد، وكذلك الناس يتفاضلون في العلم والعمل وحسن الأخلاق.
وكما أن البذرة المأخوذة من الشجرة الصغيرة تنتج بحسن التربية والعناية شجرة كبيرة ذات أثمار عظيمة فائقة على أصلها في الحلاوة والنضارة، كذلك البذرة المأخوذة من الشجرة العظيمة الجيدة من ذلك النوع يصغر ثمرها، وتنقص حلاوته ويفسد إذا ساءت التربية ونقصت العناية بها.
فكذلك الحال في بني آدم وفي بني كل رجل فاضل عظيم من البشر، فإن ابن الكريم العالم الفاضل الحسن الأخلاق يكون بليداً جباناً خسيساً سيئ الأخلاق إذا ساءت التربية، ويكون ابن البليد الأحمق الخسيس الجاهل كريماً شجاعاً فاضلاً عالماً حسن الأخلاق إذا حسنت تربيته، فلا محل للاغترار بالانتساب إلى كريم أو عالم أو نبي من الأنبياء.
ولتقرير هذا المبدأ وإقناع المتوهمين خلاف ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((ليس لأحد فضل على أحد إلا بدين أو عمل صالح)) وقد أخرج الله كنعان بن نوح من آل نوح حينما ساء عمله، مع رجاء أبيه وشفاعته فيه بقوله الأسمى: { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46]. فزجره الله بذلك عن إلحاق من لا يعمل مثل عمله، وقال تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } [الطور: 21]. فقيد الله الإلحاق في الدرجة بالإيمان والاتباع.
لست أعني الإلحاق اللحمي الموضوع لأجل التمييز والتشعيب، أي أن يقال فلان ابن فلان، ولكني أعني الإلحاق في الفضيلة، فإذا فهمت ذلك، فاعلم أن شرط الإيمان بالله ورسوله أن يكون هوى المؤمن تبعاً لأحكام الله ورسوله بدون تردد ولا اختيار، ولا نظر إلى ما يحبه، أو يتخيله مصلحة له، أو تكليفاً عليه، لقوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [البقرة: 65]. ولقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً }. [الأحزاب: 36].
وعليه فلا يظهر إيمان المرء وقوته إلا عندما يأتي حكم الله مخالفاً لما يهواه أو لما يتخيله مصلحة له، فإن رأيته خاضعاً لحكم الله مسلماً له بالقلب والقالب، فذلك برهان إيمانه، وإن رأيته حرج الصدر متضجراً من الحكم متعاظماً عليه يتطلب التخلص منه بالاحتيال أو بالتأويل إلى ما يناسب هواه أو بتغطيته على الناس، فهو عبد هواه ولم يبرهن على إيمانه بالله ورسوله.
ولا ينفعه حينئذٍ ما يعمله من الأعمال الدينية الموافقة لهواه، لأن دينه حينئذٍ يكون تابعاً لشهواته لا متبوعاً لها فيكون داخلاً في مضمون قوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}. [الحج: 11].
فإذا تأملت فيما ذكر يظهر لك أن الإلحاق في الفضيلة مشروط بالإيمان والاتباع في الأعمال الصالحة، وأن الإيمان شرطه التفويض لأحكام الله ورسوله، وأن الفضل بالأعمال والآثار، لا بالأنساب والأحساب.
ولو كان الفضل بالتوارث والانتساب لما رأيت في بني آدم ساقطاً ولا جاهلاً ولا شريراً، لأن انتساب جميع الناس إلى آدم والى نوح عليهما الصلاة والسلام، وهما أبوا الرسل والأصفياء والعلماء والحكماء والملوك والأمراء، وهما أيضاً أبوا الفاسقين والملعونين والجهال والحمقاء والساقطين.
وانظر إلى آل إبراهيم وال عمران الذين اصطفى الله منهم الرسل المقربين كموسى وعيسى ويحيى وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام، فانظر كيف لعن الله المعتدين منهم والعاصين الذين لا يتناهون عن المنكر بقوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}. [المائدة: 78-79].
فالمدح والذم والفضل والنقص تابعة للأعمال لا لذم مخصوص ولا لنسب مخصوص، فقد أفلح من زكى نفسه بصالح الأعمال وقد خاب من دساها.
وأما دين الإسلام فكما علمه كل من اطلع على قواعده العالية وأصوله الشريفة هو دين العدل والمساواة، هو الدين الذي يمكن للعقل أن يرضخ لأحكامه بدون ضغط ولا إجبار ولا تخويف، وهو الذي جعل الحكم والتمييز في الأمور للعقل والعلم خاصة، وجعل الفضل بين الناس بالعلوم والأعمال فقط.
هو الدين الذي لا يؤاخذ فيه الوالد بذنب الولد ولا الولد بذنب الوالد، هو الدين الذي يقول شارعه على رؤوس الأشهاد: ((لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى، ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى)).
ولو كان الإسلام دين سياسة أو تفضيل أشخاص وأنساب بغير عمل، أو كان يميز قريباً عن بعيد في حكمه، لما انتشر هذا الانتشار الذي لم يعهد له مثال في الأديان بغير دعاة ولا سعاة، مع فقر أهله وسقوطهم وفشلهم في هذا الزمان، ليس ذلك إلا لترامي العقول والقلوب عليه لسهولة مبادئه وعدله وإنصافه وسماحة قواعده.
فإذا فهم ذلك فالقول بأن بعض الشعوب أفضل من غيرهم لذات دمائهم ولحومهم بدون اعتبار عمل أو علم، ونسبة هذا القول إلى الشرع الشريف، تلويث له بما لا يناسب شيئاً من أصوله، وإيقاظ لفتنة عظيمة بينه وبين العقل الذي جعله الله ميزاناً لكل شيء، وإثبات لدعاوى أعدائه المتعنتين عليه، فمن دس على الدين شيئاً من ذلك فهو مردود عليه، والله ورسوله براء منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)).
وأما مسألة الكفاءة بين المسلمين التي خاض فيها بعض العلماء، فليست مبنية على تفضيل أحد ولا على تنقيص أحد، وإنما النظر فيها إلى وسائل حسن المعاشرة والاتفاق بين الزوجين والنظر في حالة معاشهما.
فإن بنت الغني التي تلبس كل يوم فستاناً جديداً، وتأكل كل يوم ألواناً كثيرة وتبيت على الفراش اللين الناعم، إذا دخلت في بيت فقير ليس عنده شيء من ذلك، فإنها تتكدر وتسوء حالتها، فيجر ذلك إلى بغض الزوج واحتقارها له، فيكون ذلك سبباً لعدم الاتفاق ولسوء المعاشرة، فرأوا أن المناسب أن يتزوجها من يناسب حالتها، وكذلك الحال بين المتعلمة والجاهل، وبين المتربية وقليل التربية وغيرهما مما لا مناسبة بين أحوالهم وأخلاقهم.
ولما كان هذا الاعتبار تابعاً لأمر المعاش والمعاشرة، كان ساقطاً عند حصول رضاء المرأة مع العلم بحال الرجل الخاطب إذا كان مسلماً، وإذا كانت رشيدة تميز بين محاسن الرجال ومساويهم، لأنه ربما كان رضاءها به مع ما ذكر لمزية أخرى تعادل ما فقدته من خصوبة العيش ونعومة اللباس والفراش والعلم والحضارة وشرف المحتد، كالقوة والشباب وحسن الأخلاق وحسن المنظر وغير ذلك من الصفات التي ترضي النساء.
ولذلك جعل الشارع المدار على رضائها مع الرشد، فإن لم تكن رشيدة كان أقرب الناس إليها نائباً عنها في ذلك، ومن ادعى على الشارع شيئاً وراء ذلك، فقد افترى عليه ما هو برئ منه.
هذا حكم الله وحكم رسوله، فمن اتبعه وأسلم وجهه فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن تكبر على أحكام الله وأعرض عنها فليبتغ نفقاً في الأرض، أو سلماً في السماء، فالله يحكم لا معقب لحكمه، وهاك أمثلة من قضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ذلك، لتكون على بينة من أمرك:
أولاً: زوّج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب من زيد بن حارثة مولاه، وكانت قد استنكفت من ذلك على عادة الجاهلية في أول الأمر، فأنزل الله فيها وفي أخيها قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً }[الأحزاب: 36]. فلما نزلت الآية رضيت به، والقصة مشهورة في القرآن وفي التفاسير.
ثانياً: زوّج النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً زيد بن حارثة المذكور بعد طلاقه لزينب من أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزله رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزله نفسه في زواجها وهي قرشية.
ثالثاً: زوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس القرشية بأسامة ابن زيد كما في صحيح مسلم، وقدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاوية بن أبي سفيان وعلى أبي جهم، لأن الأول كان صعلوكاً لا مال عنده في ذلك الوقت، وكان أبو جهم كثير الضرب، ولم يعب أسامة كونه مولى في نظر الشارع صلى الله عليه وسلم.
رابعاً: زوّج النبي صلى الله عليه وسلم ابنتيه رقية وأم كلثوم من سيدنا عثمان بن عفان على التعاقب، وهو غير هاشمي رضي الله عنه.
خامساً: زوّج سيدنا علي ابنته (هي أم كلثوم من السيدة فاطمة عليهم الرضوان) من سيدنا عمر رضي الله عنه وهو غير هاشمي أيضاً.
سادساً: زوّج عبد الرحمن بن عوف أخته من بلال الْحَبَشي رضي الله عنهم، كما في كتاب زاد المعاد.
سابعاً: زوّج أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة القرشي، وهو أحد الصحابة البدريين سالماً من بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة القرشي، وكان سالم هذا مولى لامرأة من الأنصار كما في صحيح البخاري.
ثامناً: في سنن الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)) قالوا يا رسول الله، وإن كان فيه ما فيه فقال: ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه)) [ثلاث مرات] أيضاً، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبني بياضة وهم بنو بياضة بطن من الخزرج أحد قبيلتي الأنصار: ((أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه))، وكان حجاماً.
فهذه قضايا سيد المرسلين وإمام المصلحين محمد صلى الله عليه وسلم وقضايا أصحابه، نقدمها لمن يريد أن يتبعها، { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً }. [النساء: 115].
ومن ادعى أن الله حرم إنكاح مسلم مسلمة مع حصول التراضي بين الفريقين، لأجل اختلاف نسب أو غيره، فليأتنا ببينة من كتاب الله أو من أحكام رسوله، فإنا عبيد الحق وأنصاره.
ومن يرد أن يجعل رأيه أو رأي أحد من الناس، فوق حكم الله وحكم رسوله، فإنا برآء منه، ومن حكمه: {ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ}. [آل عمران: 85].
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ }. [المائدة: 45].
فصل: يلمزني الجهال ويعيبونني بالاشتغال بصناعة التعليم، ويقولون لي: كن معلماً وما أنت إلا معلم، على سبيل التنقيص، فيا ترى إذا كان ما أنا فيه من تعليم الدين عيباً أكون بسببه محتقراً، فأي صنعة أشرف منها أكون عظيماً محترماً إذا تمسكت بها؟
ويا ليت شعري إذا كانت إجابتي عن مسألة دينية سئلت عنها على مقتضى ما علمت قد عدّ غلطاً وفضولاً وخوضاً فيما لا يعني، ففي ماذا أكون معلماً؟
إن من احتقر صنعة التعليم وأهلها، فقد احتقر ما عظمه الله وصغر ما كبره الله، إن أفضل الفضائل هو الاشتغال بتعليم الناس وهو صنعة الأنبياء والمرسلين، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما بعثت معلماً)).
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خيركم وخير من طلعت عليه الشمس المعلمون)).
وعنه صلى الله عليه وسلم: ((خيركم وخير من يمشي على ظهر الأرض المعلمون)).
وعنه صلى الله عليه وسلم: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)).
والتعليم هو أساس كل تقدم ومبدأ كل مجد، والسبب الأول لكل نجاح في العالم، فلا يحتقر أهله إلا جاهل غبي، فكل أمة عزّ فيها المعلمون عزَّت وسادت، وكل أمَّة ذلّ فيها المعلمون ذلَّت وشقيت، وكل أمة تتهاون بأمر تعليم ناشئتها فمصيرها إلى سجون الذل والصغار، ووادي الخسف والدمار، تلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
إن من أصول الدسائس التي بها سقط المسلمون من منصة المجد، وبها استولى عليهم الجهل استيلاء النار على الحطب، احتقار المعلمين ورخص قيمتهم، فبسبب ذلك هربت النفوس الكبيرة من مباشرة التعليم، واستنكف أهل الهمم العالية عن النظر في تربية الناشئة وإصلاحها.
فشب الشبان في حضانة الجهل وكفالة الغباوة، وشابوا في دائرة محيط الغرور، فأصبحوا بذلك أعداء العلم وأنصار الجهالة، فرانت القلوب واستعدَّت لقبول الأباطيل والخرافات، فاغتنمت الفرصة جمعيات الفرس واليهود والرومان السرية، لبثِّ أنواع الدسائس المفسدة للوحدة الإسلامية القاتلة لروح الإسلام في قلوب المسلمين.
وقد أصابوا المقتل ـ لا رحمهم الله ـ حيث تمكنوا من زرع هذا السم في قلوب من بيدهم قيادة الأمة من الفقهاء، وأهالي البيوت الكبيرة من أهل الأحساب والأنساب المحترمين، وأهل المناصب المعتقدين، لتعميم هذا الداء، حتى جعلوا المسلمين كالمجانين يلعبون بقطع الأخشاب، ويلتمسون الأرزاق والوظائف من سكان القبور، ويستنجدون في مهمات أمورهم أقطاب الأوهام، وينسبون كل داهية تنزل بهم إلى أغواث الخرافات، حتى وصلوا إلى دركة يتفاخرون فيها بالخمول ويتسابقون في التكاسل والتماوت، حتى صاروا يرون العلم نقصاً والعمل عبثاً، واستلذوا بالذل والمسكنة، واستأنسوا بالهمجية.
فانحطوا بذلك إلى أسفل السافلين، فسبقتهم الأمم بصنائعها وعلومها وسادتهم بفضائلها وعقولها، وتركتهم في ظلمات الجهل مُبْلِسين، وفي سلاسل الخرافات يسحبون، ونسوا ما ذكروا به من الكتاب وما هذبوا به من السُنَّة، وما رفعوا به من قبل من الأصول الشريفة، وما أمروا باتباعه من الحِكَم والأحكام الجامعة لأنواع السعادة، أفنمتد في هذا الضلال مع علمنا به ونترك كتاب الله وراء ظهورنا؟! أفبالباطل نؤمن، وبنعمة الله نكفر؟ أو ترضون أن نبيع ديننا بثناء الناس وإرضاء المغفلين من الأمة؟! أو ترضون أن تموت الأمة بين أيدينا ونحن نضحك ونلعب ونتعطر ونتبختر؟! ما هذا إلا خسف وخذلان، نعوذ بالله من شرور الأنفس ونزغات الأهواء، ونسأله اللطف فيما قدَّر والصبر على ما ابتلانا به بعدله، والثبات والتأييد على ما وفق إليه بفضله، إنه قريب مجيب.
كاتبه
أحمد محمد سوركتي
قلت: هذه هي الفتاوى المتعلقة بحكم زواج العلوية بغير العلوي.
والذي يتأملها يتضح له أن فتوى كل من السيد رشيد رضا وفتوى الشيخ السوركتي هي الحق الذي لا يجوز العدول عنه، لأنهما جمعا من الأدلة ما دلالته عامة على المساواة بين الناس، وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ـ والنصوص في هذا من القرآن والسنة واضحة صريحة وكثيرة، وما دلالته خاصة في نفس الموضوع، وذلك في وقائع متعددة حصلت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبطل دعوى اشتراط كون المتزوج من علوية لا بد أن يكون علوياً.
والأدلة التي استدل بها الشيخ عمر العطاس أدلة عامة في فضل الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، واستنباط هذا الشرط منها فيه تمحل وتكلف، تقابل أدلته الأدلة العامة التي استدل بها السيد رشيد رضا والشيخ أحمد السوركتي التي تتضمن المساواة بين البشر، وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وتبقى أدلتهما الخاصة في نفس الموضوع تبطل أوجه استدلال الشيخ العطاس وتدحضها.
ولسنا في حاجة إلى تكرارها وقد أثبتناها كاملة، ليطلع عليها من يريد الحق والصواب في هذا الأمر.
السبب الرئيس في الخلاف هو اختلاف المنهجين:
ولكن هل هذه المسألة هي السبب الرئيس ـ لما حصل من الخلاف بين الشيخ أحمد السوركتي والعلويين؟
الذي يبدو أن هناك سبباً جوهرياً أهمَّ من هذه المسألة التي بدا الراجح فيها مع الشيخ أحمد السوركتي لقوة أدلته، وهي من الأحكام الفرعية الفقهية التي اختلف فيها العلماء. [راجع أقوال العلماء في هذه المسألة، في كتاب المغني لابن قدامة الحنبلي، (9/391-393) تحقيق الدكتور عبد الله التركي والدكتور عبد الفتاح الحلو، الطبعة الأولى، سنة 1409هـ ـ 1989م]. ولا يجوز للمختلفين فيها أن يصل بهم الاختلاف إلى الشقاق والتدابر والتنابز بالألقاب وسخرية بعضهم من بعض، وهذه كلها قد حصلت بين الفريقين، وكان للجهال والمتسرعين من الطائفتين دور في إيقاد نار الفتنة بينهما، ولِوَساوس الشيطان وأهواء النفوس كذلك.
هذا السبب الجوهري هو اختلاف المنهجين: (منهج الشيخ أحمد السوركتي، ومنهج السادة العلويين).
فالشيخ أحمد يتمسك بالنصوص وينهج نهج شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب، ويبدو أنه تلقى ذلك على أيدي بعض أتباع هذا المنهج في الحرمين الشريفين، فلا يرى التوسل بذوات الصالحين، ويمقت البدع والخرافات والغلو في من يسمون بالأولياء من الاستغاثة بهم ودعائهم وطلب الشفاعة منهم، وغير ذلك من الأمور التي يخالفه فيها غالب السادة العلويين، وبخاصة جهلتهم الذين قد يبالغون ويغلون في التبرك بقبور الصالحين والتوسل بهم، بل والاستغاثة بهم ودعائهم.
والظاهر أن الشيخ أحمد السوركتي جاملهم وتلطف معهم في أول الأمر، نظراً لكونهم هم الذين دعوه وأنفقوا عليه وأكرموه، وكان يطمح في إصلاح ما يراه يحتاج إلى الإصلاح بالتدريج فلم يفلح في ذلك.
فلما حصلت قضية الكفاءة العلوية في النكاح، انفجر البركان الذي كان ساكناً واستعر واشتد الخلاف ـ بعد ذلك ـ عندما أسست جمعية الإصلاح والإرشاد الإسلامية، وأصبحت تنافس العلويين والإرشاديين في استقطاب العرب الحضارمة لينضموا إليهم ويساعدوهم بالأموال، لإنشاء فروع لهم وفتح مدارس في مناطق أخرى في إندونيسيا وبخاصة في جاوة، أصبح هذا التنافس يوقد بين الفريقين نار العداوة والخصام.
وعند التنافس بين خصمين يقدح كل منهما في الآخر ـ وقد يكون القدح بالحق وبالباطل ـ ويدعي كل منهما أنه المصيب وغيره المخطئ.
يضاف إلى ذلك أن السادة العلويين كانوا هم رواد العرب والمسيطرين روحياً، والعلماء فيهم أكثر من غيرهم، والحضارمة يقدرونهم ويكرمونهم ويترسمون خطاهم، ليس في إندونيسيا فحسب بل في بلادهم اليمن وحضرموت وبلدان أخرى عربية وأفريقية أيضاً.
وعندما حصل الانقسام نتج عنه أمران:
الأمر الأول: شعور العلويين أن أعضاء جمعية الإصلاح والإرشاد الإسلامية خرجوا عن النهج الحضرمي المألوف، وأصبحوا بدلاً من كونهم أتباعاً لهم، ينافسونهم ويأبون الخضوع لأوامرهم.
الأمر الثاني: أن هذه الفئة من الحضارمة شعرت بوجود ذاتها وعزتها باستقلالها عن التبعية للعلويين، فتمسكت بذلك ووقفت أمامهم موقف الند لنده، وكان وجود الشيخ أحمد السوركتي سبباً في حصولهم على هذا الاستقلال، لأن الرجل عالم قادر على إنشاء مؤسسة لهم لها إدارتها ومناهجها ومدرسوها فعضوا عليه بالنواجذ، ولم يكن للإرشاديين قبل انضمامه إليهم من يمكنهم من هذا الاستقلال بالعلم والشهرة فيه، وساء ذلك العلويين الذين كانوا سبباً في استقدامه إلى إندونيسيا.
ومما يدل على أن السبب الجوهري ما ذكرت أن الشيخ أحمد السوركتي عندما سُئِل عن الوهابية أثنى على زعيمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب حيث أجاب في الجزء السابع من مجلته (الذخيرة) المجلد الأول ص ـ 368 ـ 369، بما يدل على موافقته إياه ومحبته له وثناءه عليه، مع خوفه الشديد من أن يتهمه خصومه بالوهابية لينفروا عامة الناس عنه ويسلطوا غوغاءهم عليه.
فقال ما نصه: (وأما الوهابيون، فهم أتباع محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي المتوفى سنة ست بعد الألف والمائتين من الهجرة النبوية، وهو على ما ذكرت التواريخ من سلالة قوم صالحين علماء، وطلب العلم بالمدينة المنورة، وقام بدعوة دينية في نجد وما حولها سنة ألف ومائة وثلاث وأربعين، وقد ملك أتباعه اليمن والحجاز وحاربوا قبائلها، وحاربهم الأتراك والمصريون والحجازيون، وقد قام ضده لذلك ساسة العرب والأتراك، خوفاً على الملك، وأوعزوا إلى كثير من العلماء والكتاب فألفوا ضده الرسائل، ونسبوا إليه كثيراً من الأقاويل لتنفير الناس عنه، شأن المتحاربين في كل وقت وعصر.
مع أنه في الحقيقة كان من خيرة علماء المسلمين، وليس في شيء من الرسائل التي وقفنا نحن عليها من مؤلفاته ما يعارض شيئاً من أقوال الأئمة المجتهدين، ولا ما يناقض أصول الدين الإسلامي وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.
ومن علم شيئاً غير الذي علمناه فله ما يقتضيه علمه وعلى الله حسابه.
ولكون تلك الرسائل المحتوية على مثالب محمد بن عبد الوهاب وأتباعه منتشرة بين الناس بفضل سعي أعدائهم صار الناس يشمئزون من الانتساب إليهم، وينفرون ممن وُصِم بلقب وهابي، فلذلك يتخذها بعض الناس آلة ينفرون بها الناس من كل من يدعوهم إلى شيء من حقائق الدين، وبالأخص في باب التوحيد.
حتى إني مع ما أشعر به في نفسي من الشجاعة الأدبية والقوة الإيمانية، والحرص على قول الحق، ترتعد أناملي حين ما أكتب هذه الأسطر، خوفاً من أن يتهمني الناس بالوهابية ويعدونني مدافعاً عنهم، ويثيروا عليّ الغوغاء من كل جانب، على أنني لم أجتمع بأحد من الوهابيين قط في عمري، وإنما الجامع بيني وبينهم هو ذلك الكتاب العزيز الذي جمع بين جميع المسلمين.
وقد ظفرت برسالتين من الرسائل الصغيرة:
إحداهما لمحمد بن عبد الوهاب نفسه، والأخرى لابنه، وقد نشر هاته الأخيرة صاحب مجلة المنار، وسأنشرهما في أعداد الذخيرة الآتية إن شاء الله تعالى، ليفحصها القراء ويميزوا غثها من سمينها...) أ هـ.
ومن المعروف أن كثيراً من العلماء في العالم الإسلامي شرقيه وغربيه يقفون ضد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولا يستثنى منهم غالب علماء العلويين.
ولهذا ترى الشيخ أحمد السوركتي يشير إلى أنه قد يُتهم من قبل بعض الناس بأنه وهابي، والغالب أنه يشير إلى العلويين في طليعة من يخاف منهم التأليب عليه.
وعندما سُئل في الجزء العاشر المجلد الأول ص522 من الذخيرة ـ أيضاً ـ : هل للدين وجود في الأرض وهل يوجد اليوم من يمثله؟
أجاب بما يدل على غربة الدين آنذاك، فتحدث عن طوائف المسلمين جهالهم وعلمائهم وأهل بيت نبيهم ـ الذين قال عنهم ص527 ـ :
"اتْرك هؤلاء، وعرج على أهل البيت الطاهر والعترة المنزهين الذين هبط الوحي في بيتهم وجاء الدين من ساحتهم، تجد إمامهم قد نفش لحيته وكبر عمامته وعطر ظهر يده وحرّك مسواكه في فمه، ثم أقبل عليك قائلاً: مرحباً بمحب أهل البيت، أو بسلمان أهل البيت، أبشر فإن مشرفنا صلوات الله وسلامه عليه قال: ((أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى)). [الترمذي (5/662-663)، صحيح الترمذي (3/226-227)].
وقال: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإن العليم الخبير أنبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض)) وطوَّل في هذه الأكاذيب وعرّض، ثم أخذ يروي خوارق الأجداد وخرافات الأسلاف مؤكداً كل جملة منها بقوله: { لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الزمر: 34]. صدق الله العظيم، وخاتماً لها بقوله: الشيء من معدنه لا ينكر، وهكذا.. كأنه لا يعرف من الدين إلا هذه الأكاذيب التي هي في الحقيقة دينه...".
فهو كما ترى يتهكم بمن يقول هذا الكلام ويعد ما ذكر من الأحاديث أكاذيب، مع أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما)). [حديثان قال الترمذي في كل منهما: هذا حديث حسن غريب، وأوردهما شيخنا محمد ناصر الألباني في صحيح الترمذي. وأصل الحديث في صحيح مسلم، [[مسلم (2/890)]. ولكن بلفظ: ((وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به: كتاب الله وأنتم تسألون عني. فما أنتم قائلون؟)) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس ((اللهم ! اشهد اللهم ! اشهد" ثلاث مرات)). لم يذكر فيه: ((وعترتي أهل بيتي)) ولكنها إذا صحت من وجه آخر تكون زيادة مقبولة، ولكن يجب حمل عترته أهل بيته على من اتخذه صلى الله عليه وسلم قدوة منهم في هديه ولم يخالفوا ما جاء به، هؤلاء وصى بهم أمته بأن يحترموهم لاحترامه، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ((فانظروا كيف تخلفوني فيهما)). ولا يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم من التمسك بعترته أتباعهم في الحق وفي الباطل، فهذا ما لم يجز أن يدور بخلد مسلم، لأن آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تنفي ذلك وتناقضه، ولهذا دفع العلماء هذا الفهم الخاطئ، بقولهم: إذا لم يكن مخالفاً للدين. وقال المبارك فوري في كتابه تحفة الأحوذي: "قال النور بشتي: عترة الرجل أهل بيته ورهطه الأدنون، ولاستعمالهم العترة على أنحاء كثيرة، بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (أهل بيتي) ليعلم أنه أراد بذلك نسله وعصابته الأدنين وأزواجه. أ هـ. قال القاري والمراد بالأخذ بهم التمسك بمحجتهم ومحافظة حرمتهم والعمل بروايتهم والاعتماد على مقالتهم، وهو لا ينافي أخذ السنة من غيرهم...". [تحفة الأحوذي (0/228). المطبعة السلفية]. وبهذا يعلم أن أهل بيته أعم من ذرية الإمام علي وزوجه فاطمة الزهراء رضي الله عنهم وإن كانوا في رأس قائمة أهل البيت، وأن تخصيص الرسول صلى الله عليه وسلم لهم من باب الوصية بهم والإشفاق عليهم واحترامهم، ولعل في ذلك إشارة إلى ما لاقوه من أذى بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ابتداء بمقتل الحسين رضي الله عنه وما حصل لهم على مر الدهور. ثم إنه يجب أن يعلم أن أهل البيت الذين لا يفترقون عن كتاب الله حتى يردا عليه الحوض، هم المتمسكون بهذا الكتاب العاملون به، وأما من ترك العمل به منهم فخالفه، فقد فارق الكتاب فيما خالفه فيه. ولا خلاف بين أهل السنة في محبة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واحترامهم على هذا الأساس]].
خطبة زعيم الرابطة العلوية السيد علوي بن طاهر الحداد:
وهو من كبار علماء العلويين، وهو في هذه الخطبة (مع ثنائه على الرسوم الصوفية) يحث العلويين على التمسك باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ويوضح بأن شرف أهل بيته إنما يكون بذلك، وليس بمجرد الانتساب إليه، بدون عمل صالح واقتداء صادق.
وهي الخطبة التي ألقاها في حفلة افتتاح المؤتمر الأول للرابطة العلوية، قال:
الحمد لله.. إن اجتماع الأمم والشعوب والعشائر أمر طبيعي في البشر معهود في الوجود بما أن شؤونهم لا تصلح إلا عليه ولا تقوم إلا به، وهو أمر قد أيدته الشرائع السماوية ودعت إليه.
وما جاء كل كتاب سماوي بالحث على الاجتماع والنهي عن التفرق والاختلاف، بمثل ما جاء به القرآن كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حميد، فقد حث المؤمنين أتم الحث على الاجتماع معتصمين بحبل الله الذي هو كتابه وهو المثل الأعلى الذي جعلته الأمة المحمدية قديماً مطمح أبصارها ومرمى أفكارها، حتى نشرت حكم الله بكتابه في بلاده وبين عباده، وقد شرع لهم فيه من أسباب الاجتماع والتكافل ما لو أخذوا به، لكانوا أشد الأمم تلاحماً والتئاماً.
فدعاهم إلى المحبة والإحسان وأوجب عليهم العدل والإنصاف، وقرن بعبادته الإحسان إلى الوالدين وذوي القربى والجار والصاحب والمسكين وابن السبيل وحث على إكرام اليتيم وإطعام المسكين ومن هؤلاء تتألف الأمة، والإحسان باب المحبة والألفة، وشرع لهم من الجماعة والجمعات وتوحيد الحركات في الصلاة والتضام فيها ما يؤيد ذلك ويكفله، وأقام لهم من الحقوق المتبادلة فيما بينهم ما يسقي غرس المودة ويقوي شجرة التآلف.
ودل على المعاشرة الحسنة والتباذل في المعروف والتراحم والبر كل البيوت والأسر والعشائر، وأثبت أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وحكمه، وقد نهاهم أشد النهي عن التفرق ودواعيه، حتى لقد حرم عليهم من أسبابه أموراً دقيقة، لا يتفطن لها إلا أكابر الحكماء والأذكياء يطول القول في تعديدها، وإذ كان حال الاجتماع والتكافل كما ذكرناه معروفاً في الدين الإسلامي لا يجهله أحد عرفه، فلا حاجة للإطالة فيما عرفه الناس، وفي ذلك الحجة الكبرى على أن الرابطة العلوية إنما تسعى في أمر تشمله أوامر الدين الشريف.
وقد انتشرت فكرة الاجتماع والتعاضد في العالم لهذا العهد انتشاراً عظيماً، ونتج عن ذلك أيضاً تعدد الجمعيات الخاصة، فلا تحصى كثرة على اختلاف منازعها ومشاربها.
فلا عجب إذا نهض العلويون ومن كان على مشربهم من العرب الحضرميين في إقامة هذه الرابطة التي تجمعهم على أمر نافع لهم، وما أحد بأحوج منهم إلى مثلها، فالدواعي ماثلة أمام أعينهم، ودينهم يندبهم إلى ذلك، والحاجة تدعُّهم إليها دعاً، ولو لم يكن منها إلا المحافظة على مالهم من الهدي المعروف والسمت الخاص والسيرة المشهورة، ونعني بذلك ما يسمونه أهل العصر بالثقافة، فإن لهم بحكم الدين والتاريخ والتوارث نفساً وجسماً وخلقاً ومعاملة، طابعاً خاصاً لازمهم في جميع أدوار تاريخهم، ولهم مع ذلك من دواعي الاجتماع ومؤكداته ما ليس لأحد مثله من خلوص نسبهم وتعارفهم به، فكل واحد منهم يعرف ما هو من رفيقه، فهم كأفنان الشجرة وأغصانها لا يخفى على عارفيها فنن منها ولا غصن، فمن أحق بالتعارف والتآلف منهم؟.
ثم إنهم في محافظتهم على هديهم يحافظون على أثمن كنز وأقدمه، تدوالته الطبقات منهم من لدن إبراهيم وإسماعيل ومحمد، أنبياء الله وأصفياؤه عليهم أفضل الصلاة والسلام الذين ابتعثهم الله لهداية البشر وحملهم راية الرحمة والعدل، وقد عهد الله إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أن يجعل من أعقابه أئمة للناس كما قصه الله علينا في كتابه المجيد، وقد صدقه وعده فلا يوجد في العالم شرقيه ولا غربيه أمة تأخذ بكتاب سماوي ودين إلهي إلا وقد أخذته عن أعقابه عليه الصلاة والسلام.
فما لنا لا نحافظ على ما نحن أخص به على حين نرى غيرنا يهتم به ويحافظ عليه أو على ما يماثله، أفيسعد غيرنا به ونشقى؟ أيأتِي الناس يوم الجمع الأكبر إلى الديان الأعلى بالأعمال ونأتي بالأوزار نحملها على ظهورنا؟
أيجمل بنا أن تتزاحم الأمم على مواريث أسلافنا ونتركه؟ وتحافظ هي عليه ثم نحن نهمله؟ لا لعمري بل نحن الذين ينبغي لنا أن نكون أول مزاحم عليه، وأقومهم بحفظه والعمل به.
لقد أرسل الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، بشريعة هي كالفلك الأعلى رفعة ونظاماً واتساقاً، وكالشمس المنيرة بهجةً وإضاءةً وإشراقاً، داعيةً إلى الحياة الطيبة في الروح والجسم، موفيةً لحقوق كل منهما داعيةً إلى الإحسان والفضل، موجبةً للإنصاف والعدل، الدين فيها مماشياً للدنيا، هي معينة عليه وهو يقوم بتنظيمها وحراستها، والقرآن محالفاً للسلطان، والقرآن يدعو إلى الحق ويبينه، والسلطان يحرس دعوة القرآن أن تخنق أو تكاد.
ولقد كانت القوة المؤيدة بالأمة قائمة بكفالة الهدي الديني في الأفراد والجماعات من جميع نواحيه، واستمر الأمر على ذلك برهة حتى جاء ما كان منتظراً موعوداً به من افتراق القرآن والسلطان كما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((ألا إن رحا الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا أن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب)) فوقع ذلك كما وعد به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
ونتج عن ذلك أن ذوي السلطة عادوا لا يهتمون من كفالة الدين إلا بما يقوم به النظام وتُثبِّت معه ركني السمع والطاعة لهم، وأهملوا كفالة ما يرجع منه إلى تهذيب النفوس وتربية الأخلاق إلا قليلاً، فتلافى هذا النقص الأئمة من علماء الأمة ونصبوا أنفسهم قدوةً للناس يأتسون بهم ويقتفون خطاهم، وأكملوا ذلك بوسائل التعليم والوعظ والدعوة إلى الخير.
وكان كلما امتد الزمان وبعد العهد بعصر النبوة ازدادت مسافة الانفراج بين السلطة والدين، حتى عادت دنيوية محضة، فاستقل أئمة الدين من العلماء العاملين والعارفين الصالحين بالجانب الروحي الأدبي من الدين، ينشرونه للأمة في كل عصر غضاً طرياً، ويجددون لهم ما اندرس من معالمه، وقد كان للصوفية منهم في ذلك يد بيضاء لا ينكرها من عرف تاريخ الإسلام، وإن كانوا قد جعلوا لهم رسوماً، فإنما أسسوها لتضمن لهم القدرة على كفالة أخلاق مريديهم، حتى لقد ألزموا المريد بالسمع والطاعة المطلقة في شؤون التربية، كما كان ذلك لأولي الأمر منهم علماً منهم بأن كفالة ذلك الهدي الثمين لا تتم بدون ذلك.
لم يكن أسلافنا العلويون أول من وضع السلاح ولا آخر من وضعه، ولكنهم قد أعذروا، ولقد أبلوا في حفظ الهدى الإسلامي بلاءً حسناً من قبل ومن بعد ـ فالحمد لله على ذلك فهو ولي النعم وموليها ـ ولقد كانت طريقتهم التي سلكوها إلى هذا المقصد الأسمى أمثل الطرق وأقربها إلى هدي الصدر الأول من السلف الصالح وأبعدها عن الصور والرسوم المستحدثة.
إنا لنحرص أشد الحرص أن يبقى لنا ميسمنا الخاص، فإنه النسب المعنوي الذي يصل آخر الأمة بأولها ولسنا ـ والحمد لله ـ لقطاء لا أول لنا، ولا مغفلين نجهل ما بأيدينا ونطيع عن غرارة من مارانا في حسنه.
ولقد كانت القوة الروحية والأدبية التي كفلها سلف العلويين وغرسوها في خلفهم ومن كان معهم غرساً، هي السبب الأولي في بقاء العلويين ظاهرة شخصيتهم محفوظة ذاتيتهم محروسين عن الذوبان والانمحاق منذ أحد عشر قرناً في وطنهم، على تعدد السلطات القوية التي تداولته وكلها ذهب واضمحل، ولكن العلوي ـ وأشياعه معه ـ بقي ثابتاً راسخاً شاهداً حاله على أن القوى المعنوية، أشد ثباتاً على نوائب الدهر من كل قوة مادية مهما عظمت وامتدت، فكم سمع السامعون عن أمم نشرها الله في الأرض ومكن لها في البلاد وآتاها أسباب القوة، ثم طواها كما تطوى الصحيفة فعادت خبراً يروى، إن الروح المعنوية الأدبية هي السند المتين لكل ضعيف غشيته أمواج القوة أو حملته الضرورة على الغربة والهجرة، فهي وحدها التي تحرسه أن يذهب وينمحق.
إن الإسلام الذي هو عماد روحنا المعنوية وأساسها أحكام ظاهرة، تحيفها الدهر واستنقصها وبقي منها ظاهراً على الأيام ما يتعلق بالبيوت والأسر من أحكام النكاح والمواريث ونحوها، فعز بقاء ذلك على الملاحدة والزنادقة الذين خرجوا عن حظيرة الإسلام، فهبوا إلى هدمها بوسائل مختلفة تحت ستائر وحجب من الألفاظ المزوقة، وهم يسمون هذا الهدم والتخريب تجديداً ومرادهم من ذلك هدم البيوت الإسلامية لينمحي ما بقي بأيديها من أخلاق الدين.
فإن روح المجون والخلاعة التي عصفت بالعالم اليوم، ستدكّ صروحاً من الأخلاق كانت عالية، وتسقط معها بيوتات كان يشار إليها بالأصابع ويذكر تاريخها بغاية التمجيد.
إن عندنا علماً بأن ذلك سيكون عن نبينا الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، حتى يبلغ فساد الأخلاق وانحلال النظام المتعلق بالجنسين، إلى أن تفعل الفاحشة جهاراً نهاراً على قارعة الطريق كما تفعل البهائم لا ينكر ذلك أحد ولا يغيره، ولكن ليس معنى هذا أنه يعم العالم كلهم أو الطوائف كلها، لأن الخير باق في هذه الأمة إلى أن تقوم الساعة ولا تزال طائفة منها قائمة على الحق ظاهرة عليه حتى يأتي أمر الله، ومن منا لا يتمنى أن يكون من هذه الطائفة؟ وإنما يصدق في هذا التمني من عمل واحترس.
لقد كان الأحرى والأولى بالعلويين ومن معهم أن يتفطنوا لوجوب المحافظة على هديهم وسمتهم وروحهم المعنوية من قبل اليوم. ولكن بطأ بهم أنهم لم تقم فيهم دعوة عامة إلى ذلك منذ سنين. ولعلهم كانوا عن ذلك غافلين، وجاءت أمور عرضية إنما يقصد بها تحقيرهم في أنفسهم والكذب على تاريخهم وقتل هممهم في أجسادهم، فكانت من أعظم المنبهات لهم، وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه، ورب ضارة نافعة.
إن أقوى روابط العلويين التي تربطهم بعضهم ببعض والتي تربطهم ببقية إخوانهم من سائر المسلمين، والتي تحل من قلوبهم محلاً مكيناً، لهي رابطة الدين التي ثبتت بها بين أهله الأخوة الإيمانية، وصار المؤمنون بها إخوة.
ثم رابطة اللغة لغة الدين، لغة القرآن، لغة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لغة شريعته ودعوته، لغة الصلاة والصيام والحج والذكر والدعاء، اللغة الدينية لسائر الأمم الإسلامية.
ثم رابطة الأخلاق وما يتصل بها من الآداب والعادات، وهذه هي مقوماتهم بل مقومات الأمة الإسلامية كلها، ولن يتم تكافلهم وتضامنهم إلا بتقويتها كلها فالرابطة العلوية ستهتم بهذه الناحية التي هي بالنسبة إليها بمثابة الروح للبدن والأساس للبناء.
ثم رابطة النسب وهي ملحقة بنظام البيوت والأسر الذي هو أعظم كافل للأخلاق والعادات الإسلامية وأقوى ضامن لها، وهذه وإن كانت رابطة خاصة فإن الرعاية لها من جملة ما يعود نفعه عاماً، لأن المحافظة على البيوت الإسلامية مما يقوي هدى الدين ومعناه، وإنما الأمة ببيوتاتها.
تحيى الأمة أو القبيلة من أمة بروح معنوية تنفخ فيها، فيتصل أفرادها بعضهم ببعض فيعود أفرادها أعضاء لجسم واحد تديره روح واحدة هي تلك الروح المعنوية التي أحيتهم، فمهما طرق واحدهم طارق تألم له سائرهم ونهضوا إلى مدافعته، وتموت ـ والعياذ بالله ـ فيتمزق أفرادها متفرقين كما تتمزق أعضاء الجسد الميت، فلا يهتم أحد منهم بعشيرته الأقربين فضلاً عن الأبعدين فضلاً عن سائر المسلمين.
كل من يعلم أن للعلويين بهذه الجزائر إخواناً شملهم الجهل وغشيتهم ظلماته واكتسحتهم تيارات مختلفة من النزعات المنتشرة لهذا العصر، فبعدوا عن دينهم ولغتهم وقومهم وتقطعت روابطهم، وترك يتيمهم لا راحم له وأرملتهم لا كافل لها، يحكم حكماً باتاً بوجوب نهوضهم والتفاتهم إلى نفوسهم ومسارعتهم إلى مواصلة الرحم المقطوعة والقيام بحقها الذي أوجبه الله، كما أن على أغنيائهم خاصة أن يلتفتوا إلى هذا المشروع الحقيق بالالتفات والعناية، وأن يتحولوا عن العهد الذي كانت الأموال تتسرب فيه إلى المراحيض لتعود نتناً كلها، إلى العهد الذي فتحت فيه باب مشاريع ينتشر للمشارك فيها من الثناء الحسن الخالد والذكر الجميل الباقي ما تتعطر به مشام الأرواح الذكية.
ليس للرابطة العلوية أدنى تعلق بالسياسة، وليس لها من الوسائل في القيام بأعمالها وآمالها إلا الوسائل الأدبية المشروعة، كما هو مبين في مقاصدها وقانونها الأساسي.
أما التهم والأكاذيب التي وجهها إلى الرابطة العلوية بعض من لا يتحرج عن ذلك، فيكفي في دحضها ما تقدم من شرح خطتنا الواضحة الصريحة، وهناك من تنحصر اعتراضاته في سبيل اقتراحات تخطر بباله أو أعمال يلوح له وجوبها، فيقول:لم لا تفعل الرابطة كذا وكذا، ولم لم تفعل كذا وكذا؟
ولو فحصت اقتراحاته لوجدت مزيجاً منوعاً ملتقطاً من كل صحيفة، ولو قررت لوازم تنفيذها لناءت بها ميزانية حكومة، وليت هؤلاء المقترحين يقدمون مع كل اقتراح وسائله، وهؤلاء تشفع لهم حسن النية، ويعذرون بغفلتهم عن الفرق البعيد بين سهولة القول وصعوبة العمل.
إنما مثل ما نحن فيه كمثل من غرس شجرة يرجو ثمرها، فلا بد لها من السقي والعناية حتى تؤتي أكلها في حينه، وكلما امتد زمنها، وتكاثفت أغصانها، كانت الثمرة أكثر وأطيب، ولكن الإنسان خلق من عجل، فلا بد من التأني في الأمور والتثبت في الأعمال، وإعداد الوسائل قبل المقاصد، وانتظار الوقت المناسب لكل عمل، ونسأل الله أن يتم علينا كلمته الحسنى، ويسبغ علينا نعمته العظمى، ويكون لنا في الآخرة والأولى، ويجمع لنا بين قوة اليقين وعزيمة الصبر وحسن التوفيق إنه ولي كل خير والقادر عليه آمين. انتهى.
قلت: وليس في تحمسه لقومه الذين يعتبر من رعاتهم وإشفاقه عليهم والذب عنهم بالحق ما يعيبه، فلا يوجد في الأرض عضو في جماعة أو حزب إلا وهو يحب جماعته ويتحمس لهم ويدافع عنهم، فإذا كان دفاعه عنهم حقاً فهو مصيب مأجور، وإن كان خطأ بدون تعمد فهو مخطئ مأجور أيضاً، إلا أن للمصيب أجرين وللمخطئ أجر واحد.
هذا، وقد تصفحت مجلة الرابطة بمجلداتها الأربعة الموجودة عندي، فلم أجد فيها ذكراً للوهابية التي ذكر الشيخ أحمد السوركتي أنه يخاف من أن يتهم بالدفاع عنها، لا سلباً ولا إيجاباً، مع اعترافي أنني لم أستوعب قراءتها.
ولكن بها موضوعات كثيرة ترد على من ينتقد الرابطة ويهاجمها ـ مع مبالغات بعضهم في الرد..
ومن ذلك قصيدة (أيها العلويون) لأحمد السقاف التي يحث فيها العلويين على العمل والجد وعدم المبالاة بمن يخالفهم، وإني أنقلها كاملة كما نقلت قصيدة الشيخ السوركتي، لتتضح صورة النزاع بين الفريقين، وتتم المقارنة بين الأسلوبين.
قصيدة أيها العلويون:
أحمد السقاف
تعليق: فكلا الرجلين: السوركتي والسقاف، كال للآخر وأتباعه بمكيال الخصم لخصمه، إلا أن قصيدة السوركتي من الناحية الشعرية، لا تسمو إلى قصيدة السقاف في الجودة والأسلوب، كما هو واضح للقارئ العربي.
ملحوظة جديرة بالاهتمام:
وهنا ملحوظة جديرة بالتنويه، وهي أن العلويين يكثر فيهم العلماء والشعراء والأدباء كما يتضح ذلك من مجلتهم (الرابطة) وكتبهم، بخلاف جمعية الإصلاح والإرشاد الإسلامية فإن العلماء فيهم قليل جداً.
ولهذا تجد الكتابات البارزة في مجلة الذخيرة ومجلة الإرشاد، هي للشيخ أحمد السوركتي وغالب كتابات مَن سواه ـ في تلك الفترة ـ ليست كتابة علماء كما هو ظاهر.
ولست أريد الخوض في هذا الأمر هنا، فإن المجال هنا مجال ذكر معلومات عن إندونيسيا وجمعياتها ومؤسساتها الإسلامية، تسجيلاً لتاريخ فترة من فترات الصراعات التي وقعت بين بعض الجماعات الإسلامية.
ولو أذنت لليراع أن يسجل رأي كاتبه في اختلاف الفريقين، لخرج عن الموضوع وأصبح على كرسي المحكمة بينهم، وليس له ذلك هنا، وإن كان لا يبالي من رضي ومن سخط غير المعبود.
ويستطيع من يريد معرفة رأيي فيما اختلف فيه الفريقان، من كتبي المنشورة، نظماً ونثراً، مثل كتاب "الإيمان هو الأساس" و كتاب "الإيمان اصطلاحاً وأثره سلوكاً" ومنظومة "جوهرة الإسلام" وقبلها منظومة "بهجة القلوب بتوحيد في توحيد علام الغيوب" مع تعليقاتها، مع ما أبديته من ملحوظات على أسلوبها في الشدة وأسباب تلك الشدة.
حزب الإرشاد والعلويون بجاوا:
هذا، وإنك لتجد الشيخ أحمد السوركتي يحاول دعوة العلويين إلى أن يتدبروا الأمر ويتركوا التنازع والتدابر، وأن ذلك حاصل من جهال كلا الحزبين: الرابطة والإرشاد، ويعترف للعلويين بفضلهم عليه، وأنه لا يُكنُّ لهم العداوة ويدعوهم إلى العدل والإنصاف ويذكرهم بالله في ذلك كله.
وهذا نص كلامه المأخوذ من مجلته: الذخيرة: الجزء الثاني من المجلد الأول لشهر صفر عام 1342هـ، تحت عنوان: حزب الإرشاد والعلويين بجاوا.
هذان الحزبان هما رِجلا النهضة العربية بجاوى، وهما عمودا الارتقاء والتقدم في المستقبل إذا ثبتا في ميدان العمل، ووجدا من الحزبين من يحسن إدارتهما على الوجه المطلوب، مع توحيد المقصد والوجهة وحفظ التوازن، واستعمال قوة كهرباء التنافس بينهم على وجه لا يؤدي إلى الشقاق والتنازع الذي يورث العداوة وينتج الفشل، ويذهب بروح العمل.
إن الله أمرنا بالتسابق في الخير والتنافس فيما يؤدي إلى رضوان الله من صالح الأعمال بقوله: { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]. وبقوله تعالى: { وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26]. ونهانا عن الشقاق والتنازع المؤدي إلى العداوة والفشل بقوله تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46]. ولقد كان من تنافس هذين الحزبين خير كثير للعرب ولسائر المسلمين بجزيرة جاوا، من حيث تنوير الأفكار وتربية الناشئة وانتشار المدارس والكتب المفيدة وكثرة المطالعين. وكان المأمول أكثر من هذا.
غير أنه مع الأسف قد رفع بعض المديرين لهذه النهضة قوة حرارة هذا الكهرباء التنافسي إلى ما فوق الحد المطلوب، حتى أدى الأمر إلى التنازع والتدابر من بعض جُهَّال الحزبين، حتى وصل الأمر من بعضهم إلى حد لا ينبغي أن يصل إليه من الالتجاء إلى الأجانب واستعمال وسائل الإيذاء الموجبة لفشل الفريقين مما نتحاشى أن نذكره هنا.
ونرجو أن لا يكون له أثر في القلوب، كما نرجو أن لا يرتكبوا مثل ذلك بعد اليوم فإننا جميعاً إخوة مسلمون نعمل لمصلحة الدين والأمة، فلا ينبغي لأحد منا أن ينسى هذا الأساس ويرتكب ما يناقضه.
وإني مع كوني أنا ذلك المنوه باسمه في ألسن خطباء الحزب المنافس لحزبنا، فإني مع ذلك أعتقد أن جميع رجال العلويين ومديري حزبهم لا يعتقدون فيَّ شيئاً مما ينسبونه إليَّ، وإنهم يقولون ما توبخهم عليه ضمائرهم بعد القول، وإنهم جميعاً يعترفون في ضمائرهم وفي مجالسهم الخصوصية بفضلي ونزاهتي عن كل ما يقولونه وينسبونه إلي من هجر القول ومنكره، ولذلك فإني لا أجد في نفسي عليهم مثقال ذرة من الحقد والبغض، غير أني أعتبر اضطراباتهم وحركاتهم هزيمة منهم في ميدان العمل وغيرة منهم على سبقي لهم في هذه الدعوة، وثباتي دونهم في هذا المضمار باعتقادهم أني لست من حزبهم وفي خيالهم، ولو تأملوا لما غاروا ولا حسدوا، لأني اليوم أعتبر زيارتي لهذا البلد حسنة من حسناتهم، لأنهم هم الذين دعوني إليها باسم الدين وبذلوا المبالغ الجسيمة.
فلا شك أن لهم نصيباً عظيماً من ثواب أعمالي، وأني أَهَبُ ذمهم المتأخر لمدحهم المتقدم وإدبارهم اللاحق لإقبالهم السابق، وسيئاتهم الأخيرة التي كانت من آثار التنافس لصالحاتهم التي بنيت من قبل على أساس المودة والإخلاص، تالياً قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود:114]. وأذكرهم بالله وما يجدونه في قلوبهم من الحقيقة وأسألهم أن يعتدلوا في خطتهم وينصحوا من يلونهم عن ارتكاب ما يشين تاريخهم ويهدم بنيان مجدهم وسعادتهم، كما أني أنصح غيرهم بذلك إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً. انتهى.
رابعاً: ما حصل من محاولة الصلح بين الفريقين من عقلائهما:
أما النصوص المتعلقة بالصلح بين الطائفتين، فقد رأيت أن أثبتها من وثائق الفئتين، ليرى القارئ وجهة نظر كل منهما في موقف الآخر، وذلك من خلال المقدمات والتعليقات التي يسجلها كل طرف قبل النصوص أو بعدها.
وإنك لتشعر أن العقلاء وذوي العلم من الطرفين يحاولون تلطيف العبارات في الغالب، ويظهرون أن النزاع والشقاق الموجودين بينهما، لا يعودان على الإسلام والمسلمين إلا بالضرر والضعف، وأن اجتماعهما وصلحهما هو الخير.
ولكنك ترى من أساليب بعض الأعضاء من الفئتين الشك في نوايا الآخرين وعدم الثقة فيهم، وعدم المبالاة بما حصل من الخلاف والنزاع.
ولنبدأ بالنصوص التي تضمنها كتاب الشيخ صلاح البكري ـ وهو إرشادي ـ والنصوص التي ذكرت في مجلة الذخيرة للشيخ السوركتي أو في مجلة الإرشاد.
فأسلوب الكاتب في مجلة الإرشاد، وهو ـ الأستاذ عمر هبيص ـ بعنوان: "الصلح خير" أسلوب منفر، لا يتناسب مع العنوان.
النصوص المتعلقة بالصلح من كتاب تاريخ حضرموت السياسي:
أخذ مبدأ المساواة الشرعية ينمو ويترعرع، وأخذت الفكرة الحرة تتمدد وتندفع إلى الأمام، وتسري تياراتها بسرعة عظيمة، فاتجه الناس إلى جمعية الإرشاد أفراداً وجماعات محطمين تلك الأغلال التي طوقتهم قروناً، ناقمين على تلك الحقب التي قضوها في العبودية، على أن حزب المحافظين وهم العلويون وأتباعهم هو الحزب الأكبر عدداً وأكثر أنصاراً، وبالرغم من أن مقاومتهم كانت عنيفة شديدة، فإنهم لم يستطيعوا خنق حركة جمعية الإرشاد ويعرقلوا سيرها.
فقد انتشرت فكرة المساواة، ليس فقط في بتافيا (جاكرتا) بل في غيرها من بلاد جاوى، وأخذ الناس يؤسسون فروعاً للجمعية، وينشئون المدارس تحت اسم الإرشاد، ولكن الخلاف ازداد واتسع نطاق الشقاق والعراك، وصارت جريدة الإقبال، وهي لسان حال العلويين تدافع عن مركز هؤلاء، وتحمل حملات شديدة على الإرشاديين، كما أخذت جريدة الإرشاد، وهي لسان حال الحزب الآخر تبذل كل مجهود في الدفاع عن الإرشاديين، وتسعى بكل مستطاع في تبيان حقيقة مبدأ جمعية الإرشاد للناس.
السعي لتوحيد صفوف العرب:
على أنه ظهر من بين الحزبين المتنازعين أفراد آلمهم افتراق الحضارم أشد الألم، وسعوا لجمع شملهم ولم شعثهم، واتحاد كلمتهم وتوحيد صفوفهم، ليستطيعوا القيام بالعمل للمصلحة العامة، وللدفاع عن كيانهم بين الجاليات المحيطة بهم، ولمطالبة بحقوقهم من الحكومة الهولندية، وقد تألفت لجنة لذلك الغرض في ربيع الثاني سنة 1337هـ يناير سنة 1919م تحت رئاسة الشاب المثقف السيد إسماعيل العطاس، وأذاعت منشوراً عاماً لكافة العرب بجاوى تدعوهم فيه إلى التكاتف والتناصر والاتحاد والوئام.
وهذا نص المنشور:
لائحة لجنة الإصلاح ببتاوى.
"من لجنة الإصلاح ببتاوى إلى رؤساء العرب والى رؤساء الجمعيات العربية وأعضائها وإلى عموم إخواننا العرب بالبلاد الجاوية:
حضرات الأفاضل المحترمين! مع هذا تتشرف لجنة الإصلاح ببتاوى بإرسال قانونها إليكم، وكما ترون فيه أن الغرض الذي ترمي إليه لجنتنا المؤقتة، هو بحث الطرق القانونية التي تؤدي بأسرع ما يمكن.
أولاً: إلى عقد مؤتمر عربي يحضره نواب العرب في جاوى [أي نواب الجمعيات العربية الموجودة، ونواب القبائل، ونواب العرب الآخرين غير الداخلين في الجمعيات] وكل من يهتم بهذه المسألة من العرب.
ثانياً: إلى إنشاء وحدة عربية في جاوى ـ كما هي مبينة في قانون اللجنة ـ والاتحاد التام بين العرب في كل البلاد الجاوية، وفيما بعد لجميع الجزائر الهندية الشرقية الهولندية، للعمل معاً لما فيه مصلحة الجميع، وللدفاع عن حقوق العرب، ولطلب الإصلاحات.
وبما أن مجلس الأمة ـ أي مجلس فولسكراد ـ سيجتمع على الأغلب في 15 فبراير الآتي.
وحيث إن هنالك مسائل مهمة جداً تخص عموم العرب على السواء، وبما أن إحدى تلك المسائل هي المسألة العسكرية أو التجنيد العام الذي سيبحث فيه مجلس الأمة، فاللجنة رأت ضرورة سرعة العمل ولزوم إتمامه قبل انعقاد مجلس الأمة.
لذلك تتشرف لجنة الإصلاح بدعوتكم لإرسال نوابكم إلى المؤتمر العربي الذي سينعقد في بيت مدرسة جمعية خير الكائن بحارة طانابغ ببتاوى، وذلك في يوم الأحد 8 شهر جمادى الأولى 1337هـ الموافق 9 فبراير 1919م الساعة الثامنة صباحاً للمشاورة والتباحث، وأخذ القرارات في المسائل الآتية:
أولاً: إنشاء الوحدة العربية الكبرى، للدفاع عن مصالح عموم العرب وانتخاب أعضاء لجنتها.
ثانياً: مسألة العرب المهاجرين إلى هذه البلاد، ورفض قبول كثير منهم وإخراج كثير من الذين سكنوا هذه الديار والصعوبات التي يلاقونها.
ثالثاً: مسألة العسكرية أو التجنيد العام، لأن الحكومة عملت ابتداء قانوناً للعسكرية، وبموجبه يلزم على العرب أن يصيروا عساكر، فنحن نريد أن نعرف فكر العرب المجتمعين عليه إذا كانوا راضين بالعسكرية أم لا؟
رابعاً: مسألة إنشاء جريدة بالملايو، لتكون لسان حال العرب للدفاع عن مصالحهم، ولإظهار ما يرغبون وما لا يرغبون.
هذه هي المواضيع التي سيتكلم عليها نواب العرب في المؤتمر، وهي كما ترونها من الأهمية بمكان، وتخص العرب جميعاً على السواء، واللجنة قررت باجتماع الأصوات سفر الأعضاء الآتية أسماؤهم، وهم:
السيد محمد بن عبد الرحمن بن شهاب، والشيخ أحمد محمد سوركتي الأنصاري، والشيخ غالب بن سعيد بن تبيع تحت رئاسة رئيس اللجنة السيد إسماعيل بن عبدالله العطاس، لبيان المواضيع السابق ذكرها ولدعوتكم إلى المؤتمر العربي، وإنشاء الوحدة العربية الكبرى التي نرجو الله منها الخير العميم للعرب، والرئيس والأعضاء المنتخبون للسفر المذكورة أسماؤهم أعلاه قبلوا طلب اللجنة.
فنحن أعضاء لجنة الإصلاح ببتاوى الواضعين أسماءنا أدناه، والواضعين إمضاءاتنا في دفتر التقرير في الصحيفة السابعة المثبت فيه قرار اللجنة بسفرهم لذلك الذي سيأخذونه معهم، نقدم لكم رئيس اللجنة والأعضاء المسافرين الذين أعطيناهم الحق للتكلم باسمنا جميعاً، ونرجوكم أن تعاونوهم قلباً وقولاً وعملاً.
وقد تقرر أن يكون سفرهم من بتاوى يوم السبت 22 ربيع الثاني سنة 1337هـ الموافق 25 يناير سنة 1919م، ويكون مجيئهم إلى البلدان الآتية أسماؤها في الأيام الآتية بالتقريب:
في سورابايا يوم الأحد 23 ربيع الثاني ـ 26 يناير.
وفي الصولو يوم الثلاثاء 25 ربيع الثاني الموافق 28 يناير.
وفي سمارانغ يوم الأربعاء 26 ربيع الثاني ـ 29 يناير.
وفي فكالوغان يوم الجمعة 28 ربيع الثاني 31 يناير.
وفي تغال يوم الأحد 1 جمادى الأولى ـ 2 فبراير.
وفي شربون يوم الاثنين 2 جمادى الأولى ـ 3 فبراير.
وأما وقت وصولهم المضبوط فسيخبر رئيس اللجنة أحدكم بذلك تلغرافيا.
وللتسهيل والسرعة قررت اللجنة أن يكون لكل جمعية عربية من كل بلدة الحق في إرسال ثلاثة من نوابها مع حق التكلم باسمها.
وأما البلدان التي ليس بها جمعية عربية فلعرب كل بلدة من هذه البلاد الحق في إرسال ثلاثة نواب كذلك ينوبون عنهم للتكلم باسمهم.
ولتسهيل العمل أيضاً نرجوكم ـ إذا أمكنكم ـ انتخاب نوابكم من الآن قبل مجيئنا إلى البلدان المذكورة.
وأما البلدان الأخرى التي نتأسف لعدم إمكاننا زيارة أعرابها لضيق الوقت، فنرجو من رجالها العاملين تفهيم الآخرين هذه المسائل، ونرجوهم أن يرسلوا نوابهم إلى المؤتمر العربي في اليوم الموعود.
ونرجو أيضاً من الجمعيات العربية ومن إخواننا العرب الساكنين في البلدان التي ليس بها جمعية عربية، أن يخبروا رئيس اللجنة السيد إسماعيل بن عبد الله العطاس بجواب عن أسماء نوابهم، قبل يوم المؤتمر بعنوانه في جاتي نمرة 2 ولتفريدن، ونرجوكم أن تفرقوا هذه الأوراق لإخواننا العرب العاملين، وتنشروا فيهم هذه الفكرة والسلام.
من الرئيس: السيد إسماعيل بن عبد الله بن علوي العطاس، والكاتب: الشيخ عبدالرحمن بن عمر حواس، ومن الأعضاء الشيخ: عمر بن يوسف منقوش، والسيد أبوبكر بن عبد الله العطاس، والشيخ سالم بن عوض بالوعل، والسيد أبو بكر بن علي بن شهاب، والشيخ سعيد سالم مشعبي، والسيد محمد بن عبد الرحمن بن شهاب، والشيخ عوض بن عبد الله باسلامة، والسيد عبد الله بن علي العيدروس، والشيخ غالب بن سعيد بن تبيع، والسيد محمد بن عبد الله بن علوي العطاس، والشيخ محمد بن علي باجنيد، والسيد محمد بن عبد الله الشاطري، والشيخ محمد ابن عبيد عبود، والسيد محضار بن حسين العيدروس، والشيخ أحمد محمد سوركتي الأنصاري، والشيخ سعيد بن عبد الله باسلامة، والشيخ محمد بن سالم عسكر، والشيخ عوض بن سالم بن عيلي بن سعيد) انتهى...
ولكن أكثر العلويين عارضوا ذلك ونفروا من لجنة الإصلاح كل النفور، لأن الشيخ أحمد السوركتي زعيم الإرشاديين عضو في اللجنة، واجتمع أعضاء إدارة جمعيتهم في (سورابايا) يوم 25 ربيع الثاني سنة 1337هـ وقرروا في جلستهم ما يأتي:
(سورابايا في يوم الثلاثاء 25 ربيع الثاني 1337هـ.
"اجتمعت هيئة رئاسة الجمعية الخيرية العربية في سورابايا للمفاوضة والمداولة، بشأن ما دعاها إليه رئيس لجنة الإصلاح ببتاوى، السيد الغيور إسماعيل بن عبد الله العطاس من الاشتراك في عقد مؤتمر لإقامة لجنة الوحدة العربية الكبرى، وبعث مندوبين لحضور عقد هذا المؤتمر، وبعد المناقشة و المباحثة تقرر لديهم أنهم لا يتداخلون باليد في هذه اللجنة ما دام أحمد السوركتي السوداني عضوا فيها".
كاتب الجمعية الخيرية: محمد بن حسن بن محمد بارجا
نشر ذلك في "الإقبال 20".
وكتب محرر هذه الجريدة لتنفير الناس من مشروع الإصلاح ما يأتي:
(... وقد قابلنا جملة من رؤساء وأعضاء جمعية مراعاة الإخوان وجمعية اتحاد الإخوان بسورابايا ومكارم الأخلاق بغرسي، وأظهروا لنا مزيد ارتياحهم من قرار الجمعية الخيرية العربية وكونهم مستعدين لعقد اجتماع وتقديم قرار على شاكلة أهل سورابايا متى اقتضى الحال، ولولا إدخال السوركتي في اللجنة وقدومه مع الوفد لاستقبلتهم كل الجمعيات بأحسن الاستقبال، ولرجعوا ظافرين بما يؤملون.
وقد استاء كل أهل الجمعيات الشهيرة، وشاركهم في ذلك السواد الأعظم من أهل سورابايا ونواحيها، من إصغاء السيد إسماعيل العطاس لأتباع السوركتي وتخلفه لعقد اجتماع في فرع الإرشاد الذي لم يكن موجوداً حتى يوم الأربعاء الذي أخبر السيد إسماعيل أنه متوجه فيه إلى الصولو.
ومع تخلفه وإلجام السوركتي عن الخطابة بأنه لم يحضر تلك الجلسة التي عقدت في فرع الإرشاد الحادث في تلك الليلة (أي الخميس) سوى مائة شخص تقريباً، ولم يصوت على انتخاب المندوبين سوى بعض الذين حضروا، لأنه حينما تم (أتم) السيد إسماعيل خطابته التي شرح لهم في المواد التي سيعقد المؤتمر من أجلها، قام على إثره إبراهيم الملا حيث إن هذه الجلسة الافتتاحية لفرع الإرشاد كانت في بيته، وقال ما قال، وحيثما أتم الملا خطابه، نهض السيد إسماعيل للخروج، وخرج معه كثير من الذين حضروا حيث كانت الدعوة عمومية، ولم يبق إلا البعض وهم الذين أعطيت لهم الحرية في انتخاب مندوبين من قبلهم لحضور المؤتمر ببتاوى.
ومما تقدم يظهر للقارئ أن تأخر كل الجمعيات الشهيرة قاطبة وسائر السواد الأعظم من أهل سورابايا ونواحيها، سببه إدخال السوركتي في هذا العمل، وهو جرثومة الخلاف وأصل الافتراق، وقد أخطأت لجنة الإصلاح ببتاوى في إدخالها هذا الرجل في اللجنة وإرساله مع الوفد.
وإن ما لدينا من البراهين والإيضاحات يدل على أن الاستياء من تدخل السوركتي ليس في سورابايا ونواحيها فقط، بل هو عام في جميع هنديا نيدر لاند، بل في بتاوى نفسها بل وعند أعضاء اللجنة.
وما نشر بهذا العدد عن استقالة السيد عبد الله بن علي العيدروس وما بلغنا عن الكثير من أعضاء اللجنة أنهم سيقدمون استقالاتهم في هذه الأيام، دليل واضح وبرهان ساطع على أن إدخال السوركتي أفسد أعمال اللجنة بالكلية، وأساء سمعتها، وصير أتعابها هباءً منثوراً.." انتهى.
وجاء الشيخ عبد الله العيدروس، وزاد الطين بلة والخرق اتساعاً، فقد نشر كتاباً مفتوحاً موجهاً لأعضاء لجنة الإصلاح، وهذا نصه:
كتاب مفتوح ـ كيف يتم الاتفاق؟؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، وعلى آله وصحبه وسلم.
إلى جناب رئيس لجنة الإصلاح العربية وأعضائها الكرام، وفقني الله وإياهم إلى الحق والصواب.
بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أفيدكم أني أعد نفسي منفصلاً عن عضوية اللجنة السابق ذكرها التي انتخبت في إدارتها بالمجلس الأساسي الأول، وإن لم أكن قد حضرت جلسة من جلساتها.
أما الأسباب التي ألزمتني الانفصال فلا بد أنكم تعقلونها كما يعقلها العاقلون.
وما الفائدة من قولنا للأجانب: إن لنا لجنة وأننا اصطلحنا، ما دمنا نعلم والأجانب يعلمون أن هذا القول منمق بعبارات مزوقة، كيف الاتفاق والله يعلم والناس أجمعون أن الفصل السابع من قانون جمعية مدرسة الإرشاد العربية يقول بما معناه: لا يجوز للأعضاء تولية أحد من السادة في إدارة الجمعية.
يعني يحرم في قانون هذه الجمعية العربية بل الحضرمية، تولية فرد من الأفراد يكون من آل فاطمة الزهراء في إدارتها، ومن أغرب الغرائب أن هذه الجمعية أقيمت بأموال آل كثير الحضرميين ورئيسها كثيري حضرمي الميلاد، غير أن معلم المدرسة كما تعلمون سوداني.
ولا يخفاكم (لا يخفى عليكم) أن الإصلاح الذي ننشده لا بد له من أسباب مهيئة وأسباب متممة.
فالأسباب المهيئة للإصلاح والاتفاق: إلغاء الفصل المذكور أعلاه من القانون الأساسي لجمعية مدرسة الإرشاد الحضرمية، ونزع كلمة جمعية السادة وجمعية المشائخ من أفكارنا، وعدم اعتبارها بل عدم ذكرها وكتابتها.
والأسباب المتممة للاتفاق بل والاتحاد معاً، فرارنا من الدجالين الذين هم رأس التحزب والانشقاق والفتنة بما يبثونه في أفكار البسطاء من إخواننا الحضارم، ليعيشوا في الماء العكر { لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }. [التوبة:47].
ونقف في وجه كل من يحاول أو يسعى للتفريق وإلقاء الشقاق بيننا، لأننا من وطن واحد، ودين واحد، ومذهب واحد، وعقيدة وطريقة واحدة، وحث الخطباء ورجال العلم الصحيح وكتبة الجرائد على تناول هذا الموضوع، ونزع التعصب من أدمغة الجهلاء و البسطاء و تفهيمهم أن ذلك يضرهم في دينهم ودنياهم ويجعلهم لقمة سائغة للدخلاء والدجالين.
بهذه الوسائط يمكن نيل المطلوب من أقرب الطرق، بينما ننشر العلم بين طبقات الأمة ويضمحل الجهل، ومتى جعلنا الإخلاص رائدنا في كل الأحوال ولا نخاف لومة لائم، فبشرنا بالإصلاح المطلوب، والعاقبة للمتقين.
تحريراً في بتاوى 23 جنواري سنة 1919م.
كاتبه: الفقير إلى ربه: عبد الله بن علي بن شيخ العيدروس
أما الإرشاديون فقد قابلوا اللجنة بكل احتفاء وإجلال، ولم يخرج عن الجماعة واحد منهم ورحبت جريدتهم (الإرشاد) باللجنة، وأبدت كل ارتياح نحو أعضائها، بل حثت الناس على مناصرة اللجنة في مشروعها، ودعتهم إلى الانضمام تحت لواء الوحدة العربية، فقد جاء فيها ما يأتي:
"وليسمح لي كل حضرمي غيور على حضرميته أن ألاحظ، أن رجال الحركة اليوم على اختلاف أحزابهم يجب أن يكونوا كأفراد جيش واحد في ساحة هذا المعترك، ولينتبهوا إلى حياتهم الاجتماعية، ولا ينبغي لهم إن كانوا عقلاء أن يقع بينهم أي نزاع أو تخاذل، ومن يسبب ذلك النزاع أو يشترك فيه، فهو خائن لأمته ووطنه يجب نبذه وإبعاده، إذا صح بالقرينة أنه سيئ القصد، شعر أو لم يشعر، وإن تظاهر بالإخلاص.
فالمودة والتعاضد اليوم أمر محتم على كل من يسمى نفسه حضرمياً، وبدون ذلك لا بد أن تدور الدائرة عليهم بشؤم المشاحنات التي ستزلزل أقدام العاملين ولم تثبت بعد على الوضع النظامي، سوى الذهاب في حب الجعجعة الفارغة كل مذهب، والله الهادي إلى سواء السبيل". ـ الإرشاد 43 ـ .
وقالت: "يرحب الإرشاد والإرشاديون بهذا المؤتمر، ويودون من صميم أفئدتهم لو يحقق، فوالله إنه لمما يحببنا ويرغبنا في أن نضع أيدينا في أيدي إخواننا، فمن لنا بمن يمد يده فنصافحه على هذا.
هلموا يا كرام، واجمعوا كلمتكم، ولموا شعثكم، ووحدوا آراءكم، واعملوا لأمتكم كي ينقشع عنها جهام الجهل والغباوة، وليضع كل منكم يده في يد أخيه ويعاونه ويساعده ويشاركه في العمل للصالح العام". ـ الإرشاد 39 ـ .
اتسع نطاق معارضة كثير من العلويين لدعاة الوحدة، وانتشرت من سورابايا وغرسي، وفكلوغن وبتافيا وغيرها، واستطاعوا أن يقضوا على تلك الحركة وهي في مهدها، فعاد أعضاء لجنة الإصلاح من سورابايا خائبين، وازداد النزاع والخصام بين الفريقين.
محاولة ابن عابدين الصلح بين الإرشاديين والعلويين:
وحاول السيد حسين بن عابدين من سنغافورة الصلح بين الحزبين، فبعث كتاباً لجمعية الإصلاح والإرشاد، وهذا نصه:
سنغافورة في 5 فبراير سنة 1921م.
"حضرات الكرام مديرو ومستشارو جمعية الإصلاح والإرشاد العربية بجاوى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صباح يوم تاريخه قابلت أحد كبار رجال الحكومة هنا، وكان معي حضرة الشيخ سليمان بن مرعي، وتحادثنا بخصوص الإصلاح ما بين السادة والمشايخ بجاوى، وتصريح حكومة مستعمرات البواغير "حكومة سنغافورة" للإرشاديين بالدخول إلى بلادها وبلاد الملايو أسوة كغيرهم.
وقد وافقت الحكومة على عدم لزوم تقبيل يد السيد "الشمة" وعدم لزوم احترام من لا يستحق الاحترام، سواء كان علوياً أو شيخاً، وعدم التعصب في مسألة الزواج، فلكل الحرية في تزويج بنته أو أخته أو غيرهما لمن يريد، لا فرق في ذلك بين السيد والشيخ.
وطلبت الحكومة الإنجليزية أن يبدي لها الإرشاديون الصداقة، وطلبت أيضاً أن جميع المدارس العربية بجاوى تقبل جميع الطلبة على حد سواء، أولاد سادة كانوا أو أولاد مشايخ، وأن لا يسعى المعلمون في تعليم الأولاد التفرقة ما بين الأمة العربية وغيرها ولا بين أفرادها، بل يعلمونهم الاتحاد والمساواة وحب العلم، وأن لا تكتب جريدة الإرشاد شيئاً ضد المشايخ ولا ضد السادة، بل تكون موادها كمواد جميع الجرائد الأخرى.
فإن رضيتم بذلك أرجوكم إفادتي تلغرافياً لأحضر لطرفكم وأجمع بينكم، وأعرض شروط الحكومة المذكورة أعلاه عليكم، وسيحضر جلسة الوفاق والصلح جناب قنصل بريطانيا، ليكون شاهداً على الطرفين، ومتى حضرت لطرفكم سنتفق على جميع الأمور، ولا بد من علمكم أن حضوري سيكون رسمياً بمعنى الكلمة، وقد حاولت أن أحضر معي الشيخ سليمان بن مرعي، لكنه أبى، مع أن الحكومة تعهدت بإعطائه ضمانة في رجوعه ثانياً لسنغافورة، ومتى عزمت على السفر سأخبركم تلغرافيا، ولي أمل في أن تقبلوا، والسلام".
المخلص
حسين عابدين
وبعثت الجمعية إليه رداً، هذا نصه:
بتاريخ 1 من شهر مارس سنة 1921م.
إلى جناب المكرم السيد الماجد حسين أفندي عابدين دامت معاليه آمين:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعد تقديم ما يليق بمقامكم السامي وأياديكم العميمة من الشكر والإجلال، ننهي إلى مسامعكم الكريمة أن كتابكم العزيز رقم 5 فبراير سنة 1921م قد وصل ووقع منا موقع القبول والانشراح، وبناء على ما تضمنه كتابكم المذكور من المطالب والشروط الإصلاحية التي هي عين مطالب كل مصلح منصف، نجيبكم بما يأتي موافقين على ما قدمتموه من الشروط.
فنقول ونحن الواضعون أسماءنا أدناه، من مديري جمعية الإصلاح والإرشاد العربية ومستشاريها:
إنا موافقون على عدم لزومية تقبيل أيدي العلويين أي الشمة، وعلى عدم لزومية احترام من لا يستحق الاحترام سواء كان علوياً أو غيره، وعلى عدم التعصب في مسألة الزواج، فلكل أحد الحرية في تزويج بنته أو أخته أو غيرهما لمن يريد، كما أن له أن يتزوج من أي جنس كان، لا فرق في ذلك بين العلوي والشيخ وغيره إذا رضوا به.
وعلى أن تكون جميع المدارس العربية بجاوى حرة، تقبل جميع الطلبة على حد سواء، سواء كانوا أولاد علويين أو أولاد مشايخ أو غيرهم، وأن لا يسعى المعلمون في تعليم الأولاد التفرقة بين الأمة العربية وغيرها ولا بين أفرادها، بل يعلمونهم الاتحاد والمساواة وحب العلم، كما كانت جارية عليه خطة جمعيتنا الإرشادية منذ أن أسست، وكما هو صريح قانونها.
ونبدي للحكومة البريطانية استمرار صداقتنا بكل إخلاص واحترام، وأما جريدة إرشاد فهي شركة تجارية مستقلة، ولا تعلق لها بجمعية الإصلاح والإرشاد العربية.
هذا، وفي الختام تقبلوا فائق احترامنا، ونسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه صلاح الدنيا والدين، والسلام.
فرصيدنت سكتاريس أمين صندوق مستشار
غالب بن تبيع محمد عبود عبد الله بن هرهرة عوض بن سالم بن سنكر
ولما رأى ابن عابدين رغبة الإرشاديين في الصلح وإقبالهم على السلم جاء (إلى) جاوة وبذل كل مجهود لدعوة العلويين للصلح، فلم يصغوا إليه ولم يعيروه التفاتاً، فعاد إلى سنغافورة خائباً.
الصلح خير:
بقلم الأستاذ السيد عمر هبيص.
نقدم هنا مقدمة صغيرة في أسباب النزاع الواقع بين الحضارمة، ليكون الساعي في الصلح على بصيرة من أمره، وليعلم أسباب النزاع، حتى يتمكن من تنظيم أسباب الصلح بعد درس ماهية النزاع وكمه وكيفه، يقول علماء الاجتماع: إن النزاع سنة الله في خلقه، وهو ضرب من ضروب الحركة، وحيث لا حركة فهناك سكون أي موت.
وأهم ما يرتطم عنده النزاع ما كان من قبيل مغالبة تقاليد قديمة لتقاليد جديدة، مثل ما يحصل عند ظهور الأديان وبُدُوِّ شتى الإصلاحات الاجتماعية.
والسبب الذي يستند إليه النزاع قد يكون طفيفاً صغيراً وشخصياً هيناً، لا يقيم له من لا ينظر بمنظار العلم قيمةً ولا وزناً، بل قد يكون السبب الأول غير مقصود وإنما هو كالقنبلة يأتي ليصخ في آذان الناس، وذلك كاضطهاد الملوك أو الحكام، أو ضغط العوائد الذي لا يطاق، فيحصل عنه الانفجار فالانقلاب المريع.
والنواة الأولى التي كانت علة هذا النزاع الحاضر بين الشعب الحضرمي الذي، يسمى بحق صراع الجديد، والقديم ـ والذي يسمى تجوزاً ـ نزاع الإرشاديين وآل با علوي، هي فتوى الشيخ عمر بن سالم العطاس في سنغافورة، بعدم صحة زواج غير الباعلوي من الباعلويات، وإمعانه في احتقار المسلمين ـ لا الحضارمة وحدهم ـ لتبرير فتواه الخاطئة، فجعلهم موالي ـ عبيداً ـ والباعلويات سيدات، فلا يجوز للعبد أن يتزوج من سيدته لاختلاف السلطتين، مستدلاً بالحديث غير الصحيح ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) [الحديث أورده كثير من أهل الحديث عن زيد بن أرقم، وقال فيه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج3/ص118: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه " وقال فيه الترمذي: ج5/ص633 قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح].
(والفتوى نشرتها مجلة المنار الغراء في عددها 8 من المجلد 15 صحيفة 582 مع تفنيد أباطيلها فلتراجع).
بعد هذه القنبلة الأولى التي كان أثرها سيئاً في نفوس من عرفوا قيمتهم، أو على الأقل من عرفوا براءة الدين الحنيف من دعواه، أتت قنبلة المنار التي ردت ذلك الصدى، وتولت زعامة تلك النفوس الثائرة والقلوب الحانقة، فكانت تلك الأرواح المتهدجة يقودها روح غيبية هي روح صاحب المنار.
ومثل هذا في التأثير والذي زاد هذا التهيج اشتعالاً، والحنق اضطراماً هو حادثة شخصية صغيرة أيضاً أي حادثة العطاس المذكور مع نقيب العرب الأبي السيد عمر منقوش لما طالبه بتقبيل يده فرفضه وأباه.
إذا كان رد المنار الأغر قد ألف جيوشاً من الأرواح الشريفة، فصورة الجواب التي كتبها فضيلة الأستاذ العلامة أحمد محمد سوركتي الأنصاري في الموضوع نفسه، ورسالة القنديل في حكم التقبيل التي كتبها المرحوم السيد عثمان بن يحيى الباعلوي رداً على عسف العطاس قد نظما جيوشاً جرارة للانتقاض على العوائد القديمة.
لم تكن كلتا الحادثتين كاملة للإنهاض حتى جاءها ثالثة الحوادث، هي حادثة الجليل الهمام السيد محمد بن طالب ورجل اسمه علي بن حسين العيدروس الباعلوي، فإن الأخير أنكر على كتاب أتى من مصر أيام حرب طرابلس عام 1911م وفيه كلمة (سيد) أمام اسم ذلك الشريف الكريم كما جاء بعده كلمة (بيك) كثناء على المبالغ العظيمة التي يبعثها للجنة الهلال الأحمر.
أنكر الباعلوي على كاتب الكتاب لا لشيء إلا لأن السيد الجليل محمد بن طالب كثيري ـ وليس بباعلوي ـ هذه الحوادث الثلاث الجزئية هي البواعث الحقيقية لهذا النزاع بين الجديد والقديم وكلها حدثت قبل وجود جمعية الإصلاح والإرشاد.
وغير خافٍ أن لهذه الحوادث مساساً بتقاليد قديمة متبعة مرعية، يطالب أصحابها إجراءها من أناس قد خرجوا من دائرة حياتهم الضيقة بحضرموت، إن رضوا بها قديماً فلا يرضون بها حاضراً، سيما وقد اختلطوا بأنواع من البشر مختلفة الثقافة والعادة، ولكنها كلها تؤيد مبادئ الإخاء والمساواة.
وقال صاحب المنار الأغر في أثناء نصيحته ما يأتي:
وإنما يدعون إلى الغلو في تعظيم العلويين والخرافات، بما أدى إلى النفور منهم ومقاومة الجماهير لهم، ولا سيما جمعية الإرشاد، ونحن إنما انتقدناهم غيرة عليهم وعلى الدين الصحيح (فتأمل).
وقال في موضع آخر: فما دام علماء هؤلاء الحضارمة وسادتهم ينشرون فيهم هذه الدعوة ويحاولون تفضيلهم على الناس بهذا التبجح الباطل المنكر، فلا يزيدهم العالم الإسلامي إلا تحقيرا وازدراء، بل ذلك مما يأتي بضد ما يريدون منه بحسب سنة الله تعالى في الخلق المعبر عنها في عصرنا بناموس رد الفعل.
نقلنا عن صاحب المنار الأغر ما نقلناه، لأنه كان أعلم بحقيقة تطورات الحركة في جاوى، ولأن المنار كان ينشر مقالات بعض المحركين الأولين قبل ظهور النهضة الإرشادية، حتى يتحقق القارئ أن استياء الشعب الحضرمي إنما هو من غلو بعض آل باعلوي في تعظيم أنفسهم.
لسنا الآن بصدد بيان كل ما أحدثته تلك الحوادث، وما تبعها من الانقلابات، وكيف نشأت الإرشاد أثناءها، وإنما نحن الآن بصدد ما هو موقف الإرشاد أمام (الصلح) وأتينا بما أتينا به للإدلال كما قلنا على أن النزاع لم تولده الإرشاد ـ كما يزعم بعض المغفلين ـ ولكن مجيء البينة، وبلوج الحق هو الذي قسم الحضارمة قسمين، وكذلك شأن الأمم من قبلنا قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}. [البقرة: 213].
وأن تهدئة الخواطر لا يملكها الإرشاد، ولكن يملكها من يستطيع أن يعطي الناس حقوقهم ولا يبخسهم فيها، والإرشاد دليلة أمينة للدلالة إلى ما يهدئ تلك النفوس إن كان ثم من يريد ويقصد التوفيق والإصلاح.
سعى لتقريب الحزبين رجال لا يسعنا إلا شكرهم، مهما كان حظ تلك المساعي من الفوز، كما أن للإرشاد الفخر دائماً في مد يدها لمن يدعو إلى الصلح والإصلاح.
إننا كنا قديماً نعذر الجهة الثانية الآبية قبول المصالحة، بعذر أنها مساع مستعجلة تقدم بها أفراد لا يمثلون جماعات، ولكن بماذا نعذرهم يا ترى في نقض الصلح الذي وضعه فضيلة الأستاذ أحمد محمد سوركتي ـ والأستاذ إبراهيم السقاف بعد الإمضاء عليها من الطرفين؟
نقضت الرابطة الصلح بحجة وجوب تفسير المادة التي تنص على المساواة، والحقيقة أنه ليس تفسيراً بل زيادة مادة جديدة تنص على اختصاصهم بكلمة (السيد) وعملوا لتأييدها في الخفاء أيضاً لدى الحكومات كما قد علمه الخاص والعام.
فإنه لما نشر مفوضهم شروط الصلح المتفق عليها ونشرها الإرشاديون أيضاً، نشرت الرابطة براءتها وجهلها بكل ذلك ـ وبعد لأي من الزمن أنكرت ما أنكرته أولاً، واعترفت بوجود مسعى للصلح أمضى عنها مفوضها أوَّلِياًّ لا نِهائياً.
وعند ذكر هذا يحق لنا أن نظهر أسفنا الشديد من الأستاذ إبراهيم السقاف إزاء كل سكوته على هذا التصرف، بل مشايعته له مع علمه بخطئه على ما نعتقد، ولو قام قومة من يغضب للحق، لرجع المبطل عن باطله وتم الصلح على يديه، أو على الأقل لفاز بمنزلة رفيعة عند الله وعند الناس وعند ضميره.
وأما الإرشاديون فبقوا ويبقون على ما عاهدوا الله عليه، ولا يزالون مستعدين لتكرير الإمضاء عليها، وغير هذا فليس مع الإرشاديين من الوقت ما يساعدهم على تنظيم شروط أخرى، لأن لديهم من الأعمال ما يشغلهم عن ذلك، فما على السعاة إلا أن يقنعوا الجهة الثانية بتلك الشروط التي وضعت بعد مراجعات ومفاوضات في شهور بل في سنين، وفي غاية من العدل ـ ويجدها القارئ أسفل هذا.
وإن كلمة (السيد) تكون الرابطة في نقضها الصلح قد خرجت عن موضع النزاع، ولا حاجة لإدخالها مرة أخرى، سيما وقد أشبع الفصل فيها فخر الإسلام والمسلمين أمير البيان شكيب أرسلان الذي لا يخاف في الحق لومة لائم، في مقاله المنشور في جريدة الفتح الغراء ومثله كثير من أهل العدل والإنصاف الذين نحوا منحاه، وسلكوا مسلكه فجزاهم الله خيراً.
وزد على ذلك أن الحكومتين الفخيمتين الإنجليزية والهولندية قد فصلتا بعدم تداخلهما في هذه القضية، وقد انتشر أيضاً استعمالها بين الصغير والكبير والعربي والعجمي في هذه البلاد حتى صار لا مطمع في حصرها.
وليعلم السعاة جميعاً أن كل صلح لا ينص على المساواة والإخاء التام، لا تستطيع جمعية الإصلاح والإرشاد أن تقبله، مهما كان الساعي فيه، لأن قبولهما فوق ما فيه من الإجحاف بالحقوق، عبث يذهب بدون جدوى.
شروط الصلح:
شروط الصلح التي اتفق عليها الوسيطان الشيخ أحمد بن محمد السوركتي، والسيد إبراهيم بن عمر السقاف، ثم الوكيلان السيد إبراهيم بن عمر السقاف عن العلويين والسيد عبد الله بن عقيل باجري عن الإرشاديين طبقاً لما تقرر وأمضى من الوسيطين ومفوض العلويين بتاريخ 29 جمادى الأولى 1350هـ ثم أمضى من مفوض الإرشاديين بتاريخ 4 جمادى الثانية سنة 1350هـ.
(1) أن يسرى بين الفريقين معنى الإخاء والمساواة في جميع الحقوق الأدبية والدينية والاجتماعية، وعدم صدور أي قول أو عمل يشعر باحتقار من فريق لآخر أو انتقاصه، لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]. ولقوله تعالى: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }. [الحجرات: 13].
(2) تكون الحقوق الإسلامية مبذولة بين الفريقين، مثل تبادل السلام وتشييع الجنائز وعيادة المريض وتهنئة المسافر بالنسبة للمتجاورين، وأن تزول كل دعاية تصريحاً أو تلميحاً ضد بعضهم سواء في الصحف أو المدارس أو خلافها ودفن ماضي الخصومة المؤسف...
(3) ترك السباب والتنابز بالألقاب وعدم الطعن في الأنساب، وعلى الفريقين كف سفهائهم عن ذلك، وأن ينبذوا في مجتمعاتهم ومدارسهم ما لا يوافق الشرع ويجرح الخاطر ويوجد سبباً للخلاف لقوله تعالى: {وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ} [الحجرات:11]. وقوله تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى}. [النجم:32].
(4) بسبب تعذر الاتفاق على التحكيم في الخلاف بين الفريقين في الأمور الدينية، يبقى كل منهما على رأيه ما دام غير خارج عن أقوال الأئمة الأربعة، والمسائل التي قد عرف رأي الفريقين بالنسبة إليها يجب عدم إثارة الجدل غير الودي فيها، إلا إن كانت خارجة عن أقوال الأئمة الأربعة، لئلا يتخذ المغرضون الحمقى ذلك فرصةً وسبباً لتعكير الجو وإيقاظ الفتنة من جديد.
(5) تتألف لجنة من الفريقين لمراقبة تنفيذ شروط الصلح هذه، فإن تظاهر أحد من الفريقين بالخروج عنها سواء في الصحف أو غيرها، يجب أن تلفت اللجنة نظر الهيئة العليا للفريق المنتسب إليه ذلك الخارج إلى ما حصل، لتوقفه عند حده وتعلن في الوقت ذاته أن لا دخل لها في ذلك مطلقاً، فإن لم تتمكن بعد ذلك من إيقافه عند حده، يجب أن تعلن براءتها منه...
(6) كل من يطعن على العلويين أو الإرشاديين يتعين على جمعية الرابطة العلوية وجمعية الإرشاد أن تستنكره إلا إذا كان سبب الطعن خروج أحد منهما عن أقوال الأئمة الأربعة.
مشروع جديد:
مجلة الإرشاد: العدد الأول ربيع الأول 1352هـ يوليو 1933م.
اطلعنا على خطاب أرسله الأخ الفاضل إبراهيم السقاف، إلى إدارة جمعية الإصلاح والإرشاد الإسلامية العربية ببتافيا كما سيأتي نصه، يقترح فيه مشروعاً جديداً للصلح بمناسبة ورود رسائل جلالة الملك عبد العزيز بن سعود إليه، وحيث إن الأمور الاجتماعية والمصالح العامة ينبغي أن تكون مكشوفة للرأي العام بعيدة عن المواربة والتمويه، استحسنا نشر كتاب الأخ السقاف وجواب الجمعية عليه، ليطلع عليه العام والخاص، وفي ذلك من الفائدة ما لا يخفى على أحد.
أوجد السيد السقاف لنفسه ذكراً عاطراً، بقيامه بمشروع الإصلاح الذي كلفته الرابطة الشرقية بمصر مع فضيلة الأستاذ الشيخ السوركتي، حتى أصبح من آمال العالم الخارجي يكاتبه الملوك والأمراء بشأن الصلح، وقد أصبح بحكم هذا الظهور يتلمس طرق الإصلاح ويعاود الكرة، ولو أن قومه قد رفضوا ما اقترحه عليهم بعد التصديق عليه، ولكن يصعب عليه أن يظهر العجز ويترك الميدان بعد استحثاث رجال العالم الإسلامي له وتوجه أنظارهم إليه، وقد قال الحكيم إن الظهور يقصم الظهور. [هذا الأسلوب لا يناسب مقام الاستجابة للمساعي الإصلاحية، ومقاصد الناس الخفية لا يعلمها إلا الله].
فإننا نهنئ السيد السقاف على هذه الثقة التي نالها في الخارج التي بها أصبح مسؤولاً في الدرجة الأولى عن الإصلاح، فما عليه إلا أن يشكر الله ويحقق آمال الناس فيه بالتقدم بإخلاص وإرادة قوية ونزاهة موقف وصراحة في القول، لا يخاف في الحق لومة لائم.
المحرر.
ورقة السيد السقاف طبق الأصل بما فيه:
الحمد لله.
من سنغافورة إلى بتاوى 28 ربيع الأول سنة 1352هـ21 يونيو سنة 1923م.
إلى الهيئة المركزية العليا لجمعية الإرشاد والإصلاح وفقها الله وإيانا لما فيه الخير والفلاح، بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
أتقدم لحضرتكم بما يأتي لقد تشرفت باستلام ثلاثة كتب من جلالة الملك المعظم عبد العزيز بن سعود وفقه الله كلها استحثاثاً وتحريضاً على السعي في إزالة الخلاف بين العلويين والإرشاديين، أيضاً كتب لي سمو السلطان الغيور على قومه على بن منصور الكثيري مراراً في هذا الصدد وناشدني الله في ذلك، وقد علمت أيضاً أن جلالة الملك المعظم عبد العزيز بن سعود كتب لبعض زعماء الفريقين بالنصح بتسوية الخلاف والاتفاق، ولما بلغني أن هناك مساع لذلك عندئذٍ سررت وبقيت منتظراً نتيجة مثمرة لها، لأن القصد الوصول إلى تسوية الخلاف والصلح بأي واسطة كانت، ومع أني علمت مع الأسف عدم ثمرة تلك المساعي رأيت التريث وقلت عسى أن يوصل ما انقطع من مراسلات أو تجد مفاوضات.
ولما لم يظهر شيء إلى اليوم تقدمت إليكم بما أنتظر منه نتيجة عملية إن كانت هي دون المراد وهو الصلح التام، إلا أنها ستكون إذا أثمرت بحسن النية خير ممهد له إن شاء الله، وهو عقد هدنة بين العلويين والإرشاديين بموجب الشروط المذكورة أدناه، وسيكون لقبولكم ذلك صدى حسناً لدعوة جلالة الملك المعظم عبد العزيز الذي سيرى أننا لم نصم آذاننا عن ندائه الأبوي الكريم الذي ما أراد به إلا خيراً كبيراً للفريقين، وقد كتبت بمثل هذا للرابطة العلوية الجليلة، وفي انتظار جوابكم وجوابها أرجو الله أن يوفقكم جميعاً لما يحبه و يرضاه ويرعاكم...
تعقد هدنة لمدة سنتين بين العلويين والإرشاديين على الشروط الخمسة الآتية:
1 ـ كف الفريقين عن المنابذة في الجرائد والمجتمعات.
2 ـ مقاطعة كل من يلجأ إلى ذلك.
3 ـ يجب أن تكون المناقشة إذا وجد ما يستدعيها بين الطرفين سيما في الصحف، باللطف والأدب، سيما نحو الزعماء.
4 ـ ما وقع من أمور وصلت إلى المحاكم أو الحكومات، ينبغي أن لا يزيد التشويش بشأنها، ويترك لتلك المحاكم أو الحكومات معالجتها والتصرف فيها.
5 ـ في أثناء هذه الهدنة يعمل الفريقان على الوصول إلى الصلح بينهما أو التحكيم في الخلاف إن لم يتوصلا إلى اتفاق.
المخلص إبراهيم السقاف.
نص جواب إدارة الإرشاد المركزية الموقرة:
حضرة الفاضل السيد إبراهيم السقاف المحترم دام عزه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتابكم المؤرخ 28 ربيع الأول سنة 1352هـ وصل وقرأناه بتأمل.
قد وصل كما سمعتم من جلالة الملك عبد العزيز بن سعود كتب لزعماء الفريقين، وقد اجتمع الإرشاديون وعينوا للمفاوضة في الصلح نقيب العرب ببتاوى السيد حسن بن صالح عرقبي، وبالفعل فاوض المذكور كبار رجال الرابطة، فرفضوا تدخله في الأمر بحجة أنكم أنتم والسيد محمد رشيد رضا في المفاوضة في ذلك، فسكتنا لعلمنا بما تحت ذلك الرفض من الغرض الأساسي.
فيا حضرة السيد إذا كان المقصود حقيقة هو الصلح، فتلك الشروط التي صرفتم في تحريرها سنتين كاملتين أنتم والأستاذ أحمد السوركتي مع المفوضين من الجهتين، هي الشروط العادلة التي لا يتم الصلح على أقل منها، وهي الشروط التي رضي بها الفريقان وأمضوا عليها ثم مزقتموها بابتدائية وانتهائية ومفسرة ومجملة وغير ذلك من الألفاظ التي لا قيمة لها عند الحقيقة، وهي تتضمن ما اقترحتموه في ذيل كتابكم هذا.
فإن كان لك نفوذ في قومك فما عليك إلا أن تقنعهم لتنفيذها في الأصلح لهم، وينتهي الأمر بسلام، وبدون حاجة إلى ضجيج جديد، وإن كان المقصود هو المخادعة والتظاهر عند أحزاب المسلمين الذين لا يعرفون حقائق أمورنا في الخارج بأنكم تدعون الصلح دون الإرشاديين وأنكم تحبون الإصلاح وأنكم.. وأنكم.. فهذا الأساس أحقر من أن نضيع أوقاتنا في الأخذ والرد عليه، وأسخف من أن يجعل مطية للانتصار على قوم يمشون على مبادئ راسخة وأقدام ثابتة لا يهمهم سوى إرضاء الله ثم إرضاء ضمائرهم بأداء ما يرونه واجباً عليهم.
وأما جمعية الإصلاح والإرشاد فهي لا تزال مهادنة من يوم إمضائها على شروط الصلح، ولم تسحب إمضاءها إلى الآن، وهي مستعدة على المصافحة على الصلح على أساس تلك الشروط مرة أخرى، هذا جواب ما فهمنا من كتابكم. انتهى [تعقيب من الكاتب: إن هذه بعض النصوص المتعلقة بالصلح من مجلة الرابطة ـ وهي الجهاز الإعلامي للعلويين ـ وهي كما يظهر من تواريخها متقدمة على نصوص الإرشاديين السابقة. وإن الأسلوب الذي نادى به السيد إبراهيم بن عمر السقاف الحضارم عموماً ـ والْمَعْنِيُّ الأول به الحزبان المتخاصمان، أسلوب حكيم لطيف ـ كما يدل ظاهره ـ ولا حق لنا في البحث عن نية الرجل، فالله هو عالم السرائر والظواهر، فقد حض على التقارب والمصالحة ووحدة الصف، وليس فيه هجوم ولا سوء ظن بالآخرين، بخلاف تعليقات الإرشاديين عليه كما مضى. ثم إن نصوص العلويين تلفت الأنظار إلى بشائر الصلح وتعلن لأعضائها عن قرب التوصل إلى صلح كما ستجد ذلك كله في الصفحات الآتية من مجلة الرابطة].
بشائر الصلح بين العلويين والإرشاديين:
إن مجلة الرابطة هي أولى وأحق من كل صحيفة غيرها في تقديم هذه البشائر لقرائها، فإن مساعي الصلح بين العلويين والإرشاديين يوشك أن تتكلل بالنجاح، بواسطة رجال الرابطة العاملين، ومعاونيهم من محبي الإصلاح.
وخلاصة ما قد جرى في هذا الموضوع الذي تتمناه القلوب، وتبتهج بذكره النفوس، أن سعى فيه أولاً السيد عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف، كما علم ذلك الجمهور في حينه.
وقد قامت بينه وبين رجال الرابطة في تلك الآونة عقدة لم يتيسر حلها إذ ذاك، وهي أن رجال الرابطة اقترحوا أن يكون الصلح صلحاً بكل معنى الكلمة، يتقدمه التوكيل الصحيح من الجمعيات لمفوضيها فيه، ويتوسطه كتابة شروط الصلح، ويعقبه الإمضاء عليه من الفريقين، ويتممه التنفيذ والمراقبة الصارمة، حتى لا ينتقض الحبل، ولا ينتكث الفتل.
ولكن أبى الإرشاديون ذلك، ورغبوا في أن يكون صلحاً مجرداً كلاماً بكلام، يقتصر فيه على ما تنفثه الأفواه، وتتحرك به الشفاه، ولم يتحصل السيد عبد الرحمن ابن عبيد الله منهم على شيء مكتوب يمكن لرجال الرابطة اعتماده، حتى إذا وصل السيد عبد الرحمن إلى سنغافورة وبها وفد الرابطة العلوية، توسط في الأمر رئيسا فرع الرابطة العلوية رجلا الإصلاح السيد عبد الرحمن بن الشيخ الكاف، والسيد إبراهيم بن عمر السقاف، وتم الأمر على يديهما.
أن توكل كتابة الشروط التي أعلنها السيد عبد الرحمن بن عبيد الله إلى السيد إبراهيم فقام بمهمته أتم قيام، وكتبها كتابة عادلة منقحة هي خير ما كتبه كاتب في هذا المعنى.
فلما عرضت على الوفد لم ير بها بأساً، ولكن خاف السيد عبد الرحمن أن لا يقبلها الإرشاديون وهي بتلك الصراحة والوضاحة، فأنعم له الوفد أن يكتبها هو بأي عبارة شاء فكتبها هو وأرسلها للإرشاديين ليمضوا عليها، وكان يظن بل يتيقن ويجزم أنهم يمضون عليها حالاً، وقد علمنا الآن أنهم امتنعوا عن قبولها والإمضاء عليها، واقترحوا لِصلحٍ له معنى الصلح وكتابته وإمضاءاته وتنفيذه، شروطاً أخرى غير الشروط التي أعلنها السيد بن عبيد الله.
وقد علمنا أيضا أنه تقدم للسعي ثانياً بعد فشل السعي الأول رجل هو من خيرة رجال العرب هنا، وهو الشيخ علي بن محمد الشبلي، والشائع في دوائر الرابطة العلوية أن الصلح قريب وأن رجال العلويين وكبراءهم يظهرون تساهلاً عظيماً وتقريباً للنافرين، وأن الشيخ ربيع بن طالب والشيخ عثمان بن محمد العمودي، والشيخ محمد بن محمد العمودي الذين هم رؤساء الإرشاديين وكبراؤهم بل أعظم رؤسائهم وكبرائهم، مجتهدون في هذا السبيل وهم على اتصال بالساعين للصلح منا.
وفق الله الجميع لما فيه الخير وحقق الآمال في عافية... آمين.
حقائق آن أوان نشرها:
تقلبت مسألة الصلح بين العلويين والإرشاديين في أدوار عرفها الكل، ونشرت تفاصيلها في جريدة حضرموت، فلا حاجة لنا بإعادتها، وقد عرف كل القراء أن السيد عبد الرحمن بن عبيد الله سعى في مسألة الصلح بسورابايا، وأنه كتب للهيئة المركزية للرابطة العلوية ببتاوى كتاباً شرح لها فيه ما دار بينه وبين العلويين والإرشاديين بسورابايا، وفوض إليها الأمر ووعدها بانتظار جوابها بما تقرره، وعرف الكل أنه قام في مسجد الصرنج بسورابايا ونادى بالصلح قبل أن يأتيه جواب الرابطة كما صرح بذلك هو بنفسه.
وصرح أيضاً أن جواب الهيئة وصل بعد ذلك.
وكان جواب رجال الهيئة المركزية عليه يتضمن سرورهم بما سعى فيه من أمر الصلح، لأن ذلك من جملة ما تسعى فيه الرابطة، وتضمن بيان الخطة التي يجب أن ينبني عليها الصلح ليكون صلحاً حقيقياً كما أشرنا إلى ذلك في الجزء الخامس.
وكتابه للرابطة محرر 7 رمضان وجواب الهيئة عليه محرر 17 رمضان، فإذا لاحظنا أن الكتاب يستغرق يومين ذهاباً ومثلها إياباً، وأن الهيئة يلزم أن تعقد اجتماعاً لتقرير الجواب تتقدمه الدعوة، مع ملاحظة تراكم الأعمال، وكون ذلك في شهر الصيام، يجد المنصف أن ستة أيام ليست بالمدة الطويلة التي تجعل السيد عبد الرحمن يقول: إن جواب الرابطة أبطأ أو تلبث.
ذهبت الليالي والأيام ولم يأت المذكور بشيء مما طالبته به الرابطة، وجاء إلى بتاوى وخطب خطبته في الجامع، وأبرق إليه وفد الرابطة من سنغافورة يطلب منه انتظار عودتهم ليتمموا ما سعى فيه فلم يرقه ذلك، بل سار إلى سنغافورة وفاوض السيد عبد الرحمن بن شيخ الكاف والسيد إبراهيم بن عمر السقاف في الصلح، فلم ير منهما إلا كل تشجيع وكتب السيد إبراهيم شروطاً للصلح جامعة مانعة، هي خير ما كتبه كاتب في هذا الموضوع، وهي في غاية الإنصاف والعدل، وعرضها السيد إبراهيم على وفد الرابطة فقبلها، ولما عرضها على السيد عبد الرحمن قال: أرى أن الإرشاديين لا يقبلون هذا، فطلب من السيد عبد الرحمن أن يكتب هو شروط الصلح كما يحب وعلى الكيفية التي يرى أن الإرشاديين يقبلونها فكتب ذلك، وهذا ما كتبه وأمضاه بنفسه وأرسل من قبله وقبل السيدين المصلحين عبد الرحمن بن شيخ الكاف وإبراهيم بن عمر السقاف، إلى زعماء الإرشاديين بسورابايا بعد أن أمضى وفد الرابطة على نسخة منه لترسل إلى الإرشاديين عند وصول النسخة التي أرسلت إليهم بعد إمضائهم وموافقتهم عليها.
وهذا نص الشروط بالحرف:
"أما بعد فهذه شروط الصلح التي حصل الاتفاق عليها مبدئياً بين العلويين والإرشاديين:
أولها: ترك السباب ويدخل فيه عدم الطعن في أنساب العلويين لصحتها، وعلى الفريقين مجانبة كل ما يجرح العواطف.
الثاني: مذهب الحضرميين جميعاً هو المذهب الشافعي، فمرجعهم عند الاختلاف إلى المعتمد منه.
الثالث: مبادلة حقوق الإسلام من الآن وما مضى موضوع كله تحت الرجل.
ولوضع التفاصيل اللازمة لتثبيت دعائم الصلح والسهر على تنفيذ شروطه، تؤلف لجنة من ستة أعضاء من الفريقين: ثلاثة من هؤلاء وثلاثة من هؤلاء، وبذلك إن شاء الله تمحص الصدور وتدفع الشرور والله ولي الهداية والتوفيق".
وقد جاء في جريدة حضرموت عدد 158 أن الشيخ عوض بن شحبل نقيب العرب بالصولو، قال في اجتماع عقده فرع الرابطة للعموم: إن السيد عبد الرحمن ابن عبيد الله الذي نشكره على سعيه أرسل ورقة شروط الصلح من سنغافورة إلى الإرشاديين بسورابايا ليمضوا عليها، ولا يخفاكم أنه يوجد في الجمعيات المتطرفون والمعتدلون، فعقدت الاجتماعات وطال الأخذ والرد، ولكن بحمد الله تغلب المعتدلون على المتطرفين وقبل الجميع هذه الشروط المرسلة، وبعد أن أمضوا عليها أرسلوها إلى سنغافورة، ولكن مع الأسف أنها وصلت بعد سفر السيد عبد الرحمن، هذه هي الحقيقة، مع أن جريدة حضرموت ومجلة الرابطة قد تعجلتا وأخطأتا في النشر. [الرابطة: ستبدي لك الأيام من هو المخطيء؟].
فقال حضرة رئيس الوفد للجمع الحاضر: إني قلت لكم في خطبتي أننا علمنا أن الإرشاديين لم يوافقوا السيد عبد الرحمن على طلبه، ولم يمضوا الشروط التي كتبها، وأرسلها وأمضينا نحن على نسخة منها، ولكن الشيخ عوض يقول: إنهم قد أمضوا عليها ووافقوا، ومن المعلوم أنه أخبر بما هنالك، وأعلم منا، فإذاً قد وجدنا الأمر قريباً والمطلوب حاضراً، ولم يبق إلا أن ننتظر أياماً قلائل، فإن النسخة التي أمضى عليها الإرشاديون سترسل إلينا لا محالة عندما تصل إليه، كما أن النسخة التي أمضينا عليها سترسل إلى الإرشاديين، فلننتظر وينتظروا فإن غداً لناظره قريب.
وهذا ما جاء في العدد 158 من حضرموت بخصوص ما ذكر وقد جاء في العدد 161 من تلك الجريدة في مقدمة نشرها لشروط الصلح ما نصه: إن السيد عبدالرحمن بن عبيد الله حريص على تمام الصلح، فلا يلبث إذا وصلته ورقة الإرشاديين الموافقة لما يأتي حرفاً بحرف أن يوصلها إلى يد السادة، كما أن النسخة التي أمضى عليها الوفد ستوصل إلى يد الإرشاديين، وقد مضى لسفر السيد عبدالرحمن فوق ثلاثة أشهر وهي أطول من المدة التي تكفي لرجوع جوابه، وعلى كل تقدير فإذا كان الإرشاديون صادقين في محبة الصلح والموافقة عليه، فلا يعجزهم أن يمضوا على نسخة أخرى نظير ما قد أرسل إليهم، فإن السيد عبدالرحمن قد كتب من ذلك عدة نسخ بلفظ واحد ثم ذكر صاحب حضرموت شروط الصلح كما ذكرناها آنفاً.
فتبين مما تقدم: أن شروط الصلح التي ذكرنا نصها آنفاً كتبها السيد عبد الرحمن وأمضاها بنفسه، وأنها أرسلت إلى الإرشاديين بسورابايا، وأنها وصلتهم وعقدوا من أجلها الاجتماعات، وأن وفد الرابطة عندما كان بسنغافورة وافق عليها وأمضى على نسخة منها.
أما كون الإرشاديين وافقوا عليها فهذا أمر سوف تكشف حقيقته الليالي والأيام.
الرابطة: الجزء 7 المجلد 3 ويلتفريدن (جاوة) رجب 1349هـ.
نداء لجميع الحضرميين الكرام:
إنه نداء من أحد أفرادكم المتألمين لفرقتكم، خالياً فيما ينادي عن كل غاية إلا ما فيه الخير لجميعكم.
كان لكم في هذه البلاد شأن عظيم ومنزلة سامية، نزلتم مع الأسف عن كثير من درجاتها، كنتم ولا همَّ لكم إلا العمل على ما يرفع مقام العربي ديناً ودنيا، فأصبحتم همكم الأكبر التنافس والتنازع والنيل من بعضكم بعضاً، وفات عنكم، أو تغافلتم عن أن محاولة أي فريق منكم هدم الفريق الآخر، إنما هو في الجملة هدم لجانب من المجموع العربي الإسلامي الذي لم يأت هذا الدين إلا بدعمه وتقويته.
ألم تلاحظوا إلى اليوم نتيجة نزاعكم في أنفسكم وعند الغير؟ ألم تشعروا جماعات وأفراداً بما فقدتموه من الاحترام العظيم في هذه البلاد التي كان فيها للعربي مقام ممتاز؟ ألم تروا أنكم أمسيتم بتنازعكم أضحوكة بين الأجناس والملل الأخرى التي ترى اتصالكم بها ومقاطعتكم لبني وطنكم وجلدتكم؟ الحق أن حالتكم أشبه بلغز يحار العقل في تعليله! فبينما قد جمع الله فيكم كل أسباب التواد والاتفاق، وإذا بكم وكأنه ابتلاكم بما يوجب التباعد والافتراق! لم تقتصروا على الاختلاف الذي لا تخلو منه أمة بل اتبعتموه بالتنافر فالتقاطع، وهل ثمت ما يوجب ذلك؟.
لا، والذي جعلكم جماعة واحدة في الدين واللغة والوطن والعادات والحياة الاجتماعية، والميول الطبيعية، والمشارب والأذواق حتى في الطعام والشراب، الأمر الذي يدل على امتزاجٍ ما بعده امتزاج، ولكنكم اليوم بكل أسف أبعد ما يكون عن بعض ممن اختلفوا في جميع الأشياء.
أمر مدهش نبحث فلا نكاد نجد ما يصح أن يكون سبباً لهذا التقاطع بل الاختلاف.
وإذا تجاوزنا عن ذلك وقلنا: إن بينكم ما يجوز أن يسمى خلافاً، فهل هو أعظم من الخلاف بين مقتفي دين وأصحاب دين آخر، ومع ذلك لم يتنازعوا مثلكم، خذوا مثلاً في أقرب الناس إليكم وهم عرب سوريا وفلسطين مسلمون ومسيحيون، ومسلمو مصر وأقباطها لم يسد الوئام والاتفاق بينهم فحسب، بل التوادد والتعاضد إلى أقصى درجاته وهو التضحية بالأنفس والأرواح، ولو أرادوا أن ينظروا إلى خلافهم التام في الدين بالعين التي تنظرون بها إلى خلافكم الموهوم، لما لبثوا إلى اليوم في هذه الدنيا، بل لانقطع دابرهم، وذهبت ريحهم، ولكن الله عافاهم مما ابتلانا به، وعالج حكماؤهم وعقلاؤهم ذلك الفارق العظيم الذي لا يمكن أن يزول إلا بدواء الحكمة والعقل اللذين لا يعييهما شيء.
ذلك أنهم وجدوا بجانب ذلك الفارق العظيم أنهم متفقون في جوانب أخرى، كوحدة الوطن واللغة والعادات الاجتماعية، والمصلحة العمومية، فاستثمروا هذه الجوانب وأحكموا برباط هذا الاستثمار أمتن العلاقات الحسنة بينهم، وفي مقدمة من ضرب لهم مثلاً عالياً في ذلك بعض كبار العلماء، بتأسيسه تلك القاعدة الذهبية وهي: أن نتعاون ونتعاضد فيما نحن متفقون فيه ويعذر بعضنا بعضاً فيما لا يمكننا الاتفاق عليه.
وفضيلته يشير بذلك إلى اختلاف الدين، فكيف بنا نحن المتفقون في كل شيء؟ وكل ما بيننا من خلاف لا يزيد عن كونه مثل الاختلاف بين الحنفي والشافعي والحنبلي والمالكي.
فإذا كان يستلزم التقاطع لما بقي الإسلام والمسلمون إلى اليوم، وإن سلمنا بقول قائل متشدد: بأن بيننا خلافاً أكثر من ذلك، فهل نتجاهل ألف أمر رئيسي نحن متفقون عليه من أجل مسألة أو اثنتين اختلفنا عليها، ونأخذ سبيل التنافر تاركين وراء ظهرنا مئات من طرق الوفاق؟ اللهم لا الدين ولا العقل يرضيان بهذا بل كلاهما يسخط منه.
وحيث إن مباحثات الصلح وشيكة الوقوع ـ إن شاء الله ـ فإني أترك إليهم تفنيد وتفصيل الكلام على هذا الخلاف البسيط في نظري.
أيها الحضرميون، هل فرغتم من العمل بجميع أوامر الدين ونواهيه، وتعميم تعليمها ونشرها بين جميع أفرادكم، هنا وفي بلادكم؟ هل قد عرفتم الوسائل اللازمة للحياة بين الأمم في هذا العصر؟
هل فكرتم وعملتم لما يعود عليكم وعلى وطنكم بالخير والصلاح؟
هل لم يبق شيء آخر تفكرون فيه غير الخصام والشقاق؟
مواطني الأعزاء إنكم كغيركم من الناس، فيكم أو في كل فريق منكم أقليات وأفراد لا تتفق بعض أفكارهم وآرائهم مع الأغلبيات، فيجب على أغلبية كل فريق أن لا تؤاخذ الفريق الآخر بما تأتيه أقليته أو بعض أفراده، كما يجب على كل منكم مراعاة شعور الأغلبية في مجموعها، على أن هذا لا يمنع من النقد النزيه الخالص من شوائب الأغراض، السليم من العبارات الجارحة للشعور، المؤذية للكرامة.
خصوصاً وأن الحضارمة هنا يظهر من حالتهم أنهم أسرع في توتر الأعصاب من غيرهم من عبارات النقد، فيجب مراعاة هذه الحالة بصفة خاصة والتدرج بالنقد، فلا نقلد غيرنا في شدته، حتى تصبح صدورنا أكثر اتساعاً له، كالسوريين والمصريين الذين بينما هم يتبادلون النقد الشديد تراهم في المجالس يتسامرون بلطف ووداد.
على أننا والحق يقال في حاجة شديدة إلى النقد، ولكن من النوع الذي يراد به تقويم المعوج وإصلاح الحال بمنطق يتجلى فيه حسن النية، وعبارات قوامها الرفق واللين، حتى لا يتصور من يقرؤه إلا أنه صادر من مشفق مخلص.
وإذا لم يتمتع الكتاب منا بحسن ظن القوم، فقل على نتيجة نقدهم السلام، بل ربما أضر أكثر مما نفع، سيما إذا كانت عباراته شديدة جارحة، فتثير حفائظ القلوب على الفئة التي يظن أن الكاتب ينتمي إليها ومدفوعاً منها، وقد لا يكون لها يد في ذلك مطلقاً، وتذكروا دائما قوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. [النحل:125].
مواطنينا الأكارم! أجيبوا داعي الدين والوطنية والمصلحة، وقدروا دعوة جمعية الرابطة الشرقية الجليلة إلى الصلح بما تستحقه من احترام واعتبار، فان هذه الجمعية التي ضمت فئة من أفذاذ الرجال وصفوة الشرقيين،لم ترد بهذا التوسط إلا خيركم والتوفيق بينكم، لأنها وهي التي أوقفت نفسها على العمل لصلح الشرقيين أولت الأمم العربية قسطاً وافراً من عنايتها.
وشيء من التفكير في الاعتبارات الجمة التي ذكرت طرفاً منها، يكفي لأن تساعدونا بكل ما يمكنكم على تهيئة الجو الصالح للوفاق، والعودة إلى ما كنتم عليه من مصافاة وتوادد.
ولا يظنن أحد منكم أن في إصلاح خطئه إذا تبينه أو تساهله أو تسامحه ما يغض من كرامته، بل الأمر بالعكس، ومع أن الاعتراف بالخطأ صواب فإني أرى تجنبه والاكتفاء في إصلاحه بنبذه وتركه.
وأما وأنتم عرب ومسلمون وأهل وطن واحد، فالتسامح والتساهل نحو بعضكم من أشرف الواجبات التي تعلي القدر، حقق الله الآمال، وأعز باتحادكم وتعاونكم هنا العرب والإسلام.
إبراهيم بن عمر السقاف العلوي.
تذكرة.
بسم الله الرحمن الرحيم
{ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ }. [الذاريات:55].
نقدم تذكرتنا لجميع إخواننا الحضارمة المحترمين.
قد مضى زمن غير قليل وإخواننا الحضارمة يتنافسون في نشر العلم والدين ويتسابقون في ميدان الشرف.
وقد نتج من تنافسهم هذا خير كثير من فتح المدارس للنشء، وتأسيس الجمعيات، وتسجيل أوقاف، وإنشاء مجلات وجرائد وغيرها من مبادئ التقدم وأساس الرقي.
وقصد الجميع فيما يتسابقون فيه أمران: وهما نشر الدين واللغة والتهيؤ لنيل الحياة السعيدة بين الأمم.
وقد خطوا في ذلك خطوات يشكرون عليها، ولا يزالون مجدين دائبين في ذلك، إلا أننا مع حسن ظننا بالجميع نرى أن هذا التنافس قد ارتفعت حرارته في بعض النقاط إلى حد التنازع المذموم الذي قد ينتج عكس المطلوب، فأنتج نوعاً من التدابر والتقاطع من بعض من غفلوا عن المقصد المطلوب الذي يجب أن يكون نصب عين الجميع، والذي يؤخر عن إدراكه مثل هذا التقاطع والتنازع وتشاغل كل فئة بالفئة الأخرى دون السير وراء الضالة المنشودة، ومن المعلوم أن من يشتغل بتخذيل جمعية أو فئة أو حزب من شأنه نشر اللغة العربية والدين، يكون عاملاً في تخذيل نفسه وهادماً لعين الأساس الذي يبنى عليه نجاحه.
فلهذا نذكرهم بالله ونطلب من جميع الإخوان ألا يجعلوا بأسهم بينهم، وأن يتركوا التقاطع والتدابر، وأن يكونوا إخوة بمعنى الكلمة كما وصفهم الله ورسوله، وأن يعملوا جميعاً يداً واحدة فيما يرفع شأنهم ويعلي قدرهم ويبلغهم ذروة الكمال تحت لواء الإسلام المقدس والله ولي التوفيق.
(الرابطة)
لقد تلقينا هذين المنشورين من السيد الجليل الهمام إبراهيم بن عمر السقاف العلوي. فالأول منهما نداء أصدره هو ممضي باسمه الكريم. وأما الثاني فهو تذكرة من الشيخ أحمد بن محمد السوركتي أرسلها إليه مُعَدةً لنشرها، ولكنها غير ممضاة باسمه ولا معنونة فجعلنا لها عنواناً أخذناه من أول جملة منها (نقدم تذكرتنا).
وقد نشرناهما تنفيذاً لرغبة السيد إبراهيم في ذلك، تمهيداً للصلح بين الفئتين العلوية والإرشادية من العرب الحضارم، وهما يسعيان في ذلك منتدبين عن جمعية الرابطة الشرقية الكائنة بالبلاد المصرية، وهي جمعية عظيمة تألفت من كبار المصريين، ولها أعضاء من أفاضل أهل الشرق في سائر الأقطار.
وقد تقدم إلى مجلسها اقتراح من حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ علي سرور الزنكلوني أحد كبار علماء الأزهر الشريف وعضو مجلس إدارتها، طلب فيه من الجمعية المذكورة أن تسعى في إطفاء الفتنة القائمة بين الطائفتين العلوية والإرشادية بجاوى وسنغافورة، فوافق مجلسها على ذلك الاقتراح وقبل الطلب، ورغب إلى السيد إبراهيم بن عمر السقاف والشيخ أحمد السوركتي، بالسعي في ذلك بمكتوبين كتبهما إليهما باعتبار أنهما عضوان من أعضاء جمعية الرابطة الشرقية، وأن يساعداها على تحقيق أمنيتها في القضاء على هذه الفتنة، بأن يجتمعا على البحث في الوسائل الْحِبِّيَّة الموصلة لاستفادة السلام والوئام.
وقد مهدا فيما بينهما الطريق التي رغبا في سلوكها إلى تحقيق هذا المطلب الجليل، وابتدآ عملها بنشر هذين الندائين. بعد أن تحققا رغبة الفئتين في الصلح، فنشكرهما بلسان هذه المجلة على عملهما، ونسأل الله لهما التوفيق والسداد فيما انتدبا إليه، ونلتمس من كلا الطائفتين المتنازعتين أن يذكرا الله ويراقباه في أنفسهما وما بينهما، ويعلما أن استمرارهما على هذا التقاطع والتنازع أمر لا يرضاه الله، وقد نتج عن ذلك من الضرر في الدين والعرض والمال والصيت ما يعرفه كل أحد، وما يضمره المستقبل أدهى وأمر.
ولسنا نريد أن نومئ إلى أسباب الفتنة ولا إلى تحقيق التبعة في ذلك ومن تقع عليه منهما، فإنا في سبيل دفن الماضي بما فيه، واستقبال زمن إخاء ووفاء وصفاء واجتماع على ما يرضى الله ويعلي الإسلام، وعلى سد كل باب يفتح التنازع والخصام، كلل الله أعمال المصلحين بالنجاح.
حول الصلح: حقائق ينبغي أن تعرف:
إن الواجب يقضي بأن نبين لإخواننا من عموم العرب بهذه الجهات، أن دعاة التفريق وموقدي نار الفتن وحاملي معاول الهدم، باسم التجديد والإصلاح والمجدين في تكييف حالتهم الاجتماعية بكيفيات يظنونها من مستلزمات العصر ومن أسلحة المزاحمة على المنافع.
كثيراً ما يكونون هم البلاء الأكبر وهم سبب انخداع العامة بما لا يفيد وإبعادهم عن كل نافع ثم دهورة الشعب بأجمعه في مهاوي من الانحطاط الخلقي يقبر فيها وجوده الاجتماعي.
وأن كثيراً من أولئك الذين لا تتجاوز مداركهم حدود الظواهر المحيطة بهم، قد يكونون آلات في أيدي الغير للقضاء على شعوبهم من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون.
إن الوسائل التي يتخذها من أشرنا إليهم لتحقيق ما يسعون إليه كثيرة، ولكن أهمها وأنكاها وسيلة التفرقة والتجزئة وإيجاد الأحزاب المتضادة، وهذه القضية معلومة عند الناس ولم يبق من لم يفهم إلى اليوم أن سلاح المتغلب (فرق تسد).
غير أن الطرق التي يسلكونها في إيجاد التفريق ثم في إبعاد كل فريق من الآخر، هي طرق شيطانية خفية وخطرة جداً، فمنها قلب الحقائق والسعاية وتبليغ كل فريق عن الآخر ما يوغر صدره ويزيد الحقد عليه والكراهية، له حتى يتسع الخرق على الراقع ويستعصي الداء، ويصبح الشعب مقسوماً على نفسه، حتى يعتقد كل حزب أن حياته ومنافعه منوطة بقوة حزبه وضعف الآخر وتضعضعه.
ويجد الإنسان صورة مصغرة لما ذكرناه إذا استعرض حالة الجالية العربية في جاوى ونواحيها، وإذا نظرنا نظرة اعتبار إلى ماضيهم البعيد والقريب وإلى حاضرهم.
كان مهاجرو العرب في هذه البلاد قبل الاختلاف الذي وقع بينهم، على غاية من الصفاء والعطف على بعضهم وحب التعاون على الخير، وكانت جهودهم جميعاً موجهة إلى غاية واحدة، هي النفع العام، ولما تحركت هممهم لفتح المدارس العربية الإسلامية التي أسسوها لتثقيف أبنائهم بثقافة الإسلام، كانت الأيدي متضافرة على إتقان تلك المدارس وجلب الأساتذة لها مجدين في إبلاغها الغاية النهائية من الإحسان والترتيب بحيث لو استمروا على تلك الحالة عشر أو 15 سنة، لكنا جنينا ثمار تلك المساعي يانعة.
ولكن حدث ما صدع تلك الوحدة، فتفرقت الجهود وأخذت مبادئ النفرة والتحزب تزداد فتبعد كل فريق عن الآخر، إلى أن وصلنا إلى الحالة التي نحن عليها اليوم، وحيث إن مساعي المصلحين تكاد تكلل بالنجاح على ما يحفظ لكل من الفريقين حقوقه، فنرجو من عموم إخواننا الحضارمة أن يفهم كل منهم واجبه نحو المجموع الحضرمي، وأن لا يلتفت إلى ما يوعز به إليه من لا يفهم الأمور من محبي الشقاق ومروجي الفتنة، فقد أخذ هؤلاء يفسرون لكل من الفريقين شروط الصلح بما ينفرهم منه ويحبب إليهم البقاء فيما كانوا فيه من النزاع والشقاق، يجب أن يفهم الفريقان أن الواضعين لشروط الصلح يعرف كل منهما المسؤولية الملقاة على عاتقه عارفاً منطوق تلك الشروط ومفهومها، وأنه ليس هناك مخادعة ولا مصانعة فليتق الله الذين لا يريدون إلا الفتنة ولا يرغبون إلا في الشقاق.
ناصح: طلب نرجو أن يقابل بالقبول.
ينبغي أن يقابل كل من الفريقين عهد الصلح بما يثبت دعائم الألفة ويذهب آثار الوحشة، وقد اشتملت شروط الصلح على تجنب ما يجرح الخواطر، ولا يشك أحد أن كلمة (السيد) من أعظم أسباب التنافر والوحشة، وقد خرج بعضهم الآن في استعمالها حتى عن معناها المبتكر (توان) فصار البعض يصدر بها اسمه حتى على رؤوس الأبواب والدكاكين.
وأكثر آخرون من ذلك بعد اطلاعهم شروط الصلح، فهل يريد هؤلاء أن يكونوا أول جاهد في نقض الصلح قبل تمامه؟ إن لنا في بعد نظر الزعماء وحسن نيتهم في الصلح أملاً كبيراً أن يعيروا كلمتنا هذه حقها، حتى لا يعيدوها جذعة على حين شارفنا عهد الاتفاق والوئام فعسى أن لا يذهب تنبيهنا هذا صرخة في واد، أو نفخ في رماد.
من قلم تحرير المجلة.
الصلح بين العلويين والإرشاديين:
انتهت في شهر جمادى الأولى سنة 1350هـ المفاوضات بين مندوبي الرابطة الشرقية وهما السيد إبراهيم بن عمر السقاف والشيخ أحمد بن محمد السوركتي في أمر الصلح، واتفقا على الشروط التي يبنى عليها الصلح وأمضياها وأعلنا ذلك في الجرائد الملايوية والعربية ووعدا بنشر تلك الشروط للعموم بعد الموافقة عليها من الفريقين المتصالحين نهائياً، وسيتم ذلك في الأيام القريبة، وقد ورد إلينا نداء عام لعموم إخواننا الحضرميين من السيد إبراهيم بن عمر السقاف لينشر على صفحات المجلة، فنرجو من كافة الإخوان أن يعتبروه نصيحة خالصة يجب أن يخاطب بها كل فرد منهم نفسه قبل غيره وهذا نص النداء:
(نداء إلى الحضرميين الكرام)
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }. [الممتحنة:7].
لقد عرفتم أيها الإخوان حصول الاتفاق على شروط الصلح بين العلويين والإرشاديين الذي نرجو الله دوامه وتطوره إلى تعاون وتوادد وتعاضد في كل شيء، كما يأمرنا به ديننا وتوجبه علينا جنسيتنا ومصالحنا، ولكن كيف يدوم هذا الصلح ويصل إلى هذه الدرجات؟ الجواب على ذلك هو:
متى سرت بيننا روحه قبل ألفاظ شروطه، وقارنا بين فضيلة الاتفاق وشقاء الافتراق، ونسينا ماضي الخصومة كل النسيان وحرمنا على أنفسنا ذكره والتفكير في أدواره، ومحونا أثره وما نتج منه وفيه، واعتبرنا تاريخه صفحة سوداء في حياتنا الماضية اعتزمنا على طيها إلى الأبد، عندئذٍ، وعندئذٍ فقط يتوطد الصلح ونجني ثمرات فوائده الجمة، وأول هذه الثمار أننا اتقينا به مضار الشقاق والفرقة والعياذ بالله، ومع مضي الوقت يتوطد هذا الصلح ويستقر كل يوم بزيادة.
أيها الإخوان مما رأيتموه من سيئات ذلك الخلاف الطويل نسيانكم كل شيء إلا مؤاده ونتائجه، وتوتر أعصابكم وتهيج مشاعركم وثوران عواطفكم بعضكم على بعض. لذلك فلا محل لليأس إن لم تروا حلول الصفاء بينكم في يوم أو أسبوع، ولا موضع للقنوط إذا بدر من البعض ما لا يتفق مع روح الصلح وألفاظ شروطه، بل راجعوه بالحسنى وأقنعوه بضرر عمله باللطف والحكمة، فقد لا يزول من بعض النفوس أثر الخصومة حالاً.
ابتغوا لهذا النوع الذين تمكن منهم التأثر شيئاً من العذر، بأن البرء من المرض الطويل لا يأتي في طرفة عين، فالخلاف كان مرضنا وقد عثرنا على الدواء الشافي منه وهو شروط الصلح فالشفاء مضمون بحوله تعالى، إذا تعاطينا الدواء حتى آخره، وحرصنا على الحمية من كل ما لا يلائمه (وكثير ما هو).
الأيام الأول من الصلح هي أشبه ما يكون بطور النقاهة، فإذا لم نعتن بها جداً، قد نتعرض لا سمح الله للانتكاس، ولذلك يجب على جميع الزعماء بل والأفراد، بث روح الصلح وإظهار فضيلة التسامح والتساهل بين الفريقين، حتى نجتاز هذا الدور وندخل في دور تقوية هذا الصلح بوشائج التوادد والتعاون وتوحيد الفوائد والمنافع إن شاء الله، وما ذلك عليه بعزيز.
إبراهيم بن عمر السقاف.
تعليق الكاتب:
أقول: هذا، ومع كل المحاولات التي بذلت من عقلاء الجمعيتين وعلمائهم، والجهود التي بذلت من خارج الطائفتين، ومع الاتفاقات المبدئية على شروط الصلح، بل والتوقيع على بعض الصيغ منها، فإن الصراع اشتد بين القوم وتفاقم، ومع اجتهاد كل طائفة في تحقيق أهدافها من التعليم والدعوة والنشاط الموسع، فإن بعضهم قد شغل نفسه بالبعض الآخر مدة طويلة من الزمن.
ولكن مع طول المدة خف الخلاف العلني والصراع المعلن، وهبت كل جمعية لتقوية صفها وإنشاء مؤسساتها كما مضى في هذا الملف عند الكلام على كلتا المؤسستين.
وإنا لنرجو الله أن يلهم كل الجمعيات الإسلامية في إندونيسيا ـ وغيرها ـ رشدها ويوفقها للعمل الجاد بكتاب الله وسنة رسوله، وشغل أعضائها بالعلم النافع من فروض العين أو فروض الكفاية، وتعليم الناس أمور دينهم ودنياهم التي تعود عليهم بالنفع العام، وأن يزيل من أنفسهم الأحقاد والضغائن، ويصفي صدورهم وقلوبهم من كل غل وحسد، وأن يسدد خطاهم للتعاون على البر والتقوى، ونشر الدعوة الإسلامية بين المسلمين وغير المسلمين، وأن يقفوا صفاً واحداً ضد مكائد أعداء الله الموجهة ضد الإسلام والمسلمين، وإذا لم يتمكنوا من توحيد أنفسهم في طريق الدعوة إلى الله، فلا أقل من أن ينسقوا فيما بينهم تنسيقاً يحقق أدنى مستوى من المصالح العامة، وإلا فليدع كل فريق صاحبه وسبيله، فلا يشغلوا أنفسهم في صراع بعضهم مع بعض {وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}. [التوبة:105].
هذا، وليعذرني القارئ في الإطالة في موضوع العلويين والإرشاديين، فقد تمكنت من مقابلة الفريقين وأخذت منهما كل ما أمكنني من معلومات شفوية أو وثائق، وأردت أن يعلم القارئ العربي ما حصل لكليهما من نشاط وعمل دؤوب ومنافسة في الدعوة والتعليم وإنشاء المؤسسات المفيدة، وما عكر صفو ذلك النشاط من خلاف تشعبت طرقه واستغرق كثيراً من الأوقات والجهود التي لو صرفت في مجالات الخير للمسلمين لآتت ثماراً كثيرة يانعة.
وأردت كذلك أن يأخذ دعاة الإسلام من العلماء والجمعيات الإسلامية درساً من هذا الموضوع، يجعلهم يتحاشون سلبياته ويتمسكون بإيجابياته، كما أردت أن أبين أن عقلاء الفريقين وعلماءهم كانوا جادين في رأب الصدع وغلق باب النزاع، ولكن أهواء النفوس وجهال كل طائفة أوقعا الجميع في هذا المأزق الحرج.
وهذا الأمر يتكرر على الجماعات الإسلامية في كل زمان، فتنبت في كل جماعة نابتة من أعضائها تفتح باب الشقاق وتواصل اتخاذ الأسباب التي توسع ذلك الباب وتمنع غلقه، ويستفيد من ذلك كله أعداء الإسلام والمسلمين، حيث يدب في المسلمين الضعف وتذهب القوة، فيتمكن أعداؤهم بعد صدعهم من الهجوم عليهم والقضاء على مقوماتهم وأخذ زمام المبادرة في قيادة الأمم، بدلاً من أن يكون قادتها هم المسلمين، فاللهم اجمع كلمتنا على الحق. [إلى هنا انتهى الكلام عن المعلومات المتعلقة بأندونيسيا، مما سجلته من مراجع أو مقابلات، وكتبت عليه بعض التعليقات، وكنت عازماً على تأليف كتاب كبير يضم معلومات أوسع من هذه المعلومات، ولكن كثرة المشاغل ومشروعات الكتب الأخرى التي تجاذبتني حالت بيني وبين ما عزمت عليه، ولعل فيما تم ما يفيد القارئ، العربي الذي لم يتمكن من الحصول على أوسع منه، هذا مع العلم أن غالب المعلومات السابقة المذكورة هي غير المعلومات الميدانية التي سجلتها في الرحلات عن طريق المقابلات أو الخواطر أو الذكريات، ويتبع هذه المعلومات مباشرة ما سجلته في رحلتي الثانية لأندونيسيا، أو أضفته إليها من رحلات أخرى.].
مع رئيس الجمعية المحمدية في جوك جاكرتا:
السبت: 22/7/1410هـ ـ 17/2/1990م.
هذا، وقد التقينا فيما بعد رئيس الجمعية المحمدية وبعض أعضائها في مدينة جوك جاكرتا.
رئيس الجمعية في هذه الفترة هو: الشيخ عبد الرزاق بن فخر الدين.
ولد في: 16 فبراير سنة:1916م (أي أن عمره الآن 74 عاماً).


كانت دراسته في مدارس داخلية ودرس في مدرسة المبلغين، عمل في وزارة الشؤون الدينية في شؤون الإعلام الإسلامي من سنة:1947م إلى سنة:1972م.
وقام برئاسة الجمعية المركزية من سنة 1968م إلى الآن.
سافر إلى مكة المكرمة سنة:1981م لأداء مناسك العمرة عن طريق بغداد، حيث سافروا إليها، وفي سنة 1983م قام بأداء فريضة الحج.
ومن أعضاء الجمعية الذين حضروا هذا اللقاء: الشيخ أحمد أزهر بشير المولود في:21/11/1928م. [وهو الذي خلف الشيخ عبد الرزاق في رئاسة الجمعية المركزية بعد وفاته، وقد توفي الشيخ أحمد أيضاً رحمه الله].
المؤهل العلمي: ماجستير في العلوم الإسلامية شعبة الشريعة، في كلية دار العلوم جامعة القاهرة، وهو أستاذ مساعد في الشريعة الإسلامية والفلسفة الإسلامية بجامعة غاجه ماده، والجامعة الإندونيسية الإسلامية والجامعة المحمدية، ورئيس الهيئة المركزية للترجيح في الجمعية المحمدية، وعضو في المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ويبدو لي أن هذا الرجل من ذوي الكفاءات العلمية النادرة في إندونيسيا، وعنده اطلاع جيد على العلوم الإسلامية والمشكلات المعاصرة، وعنده مقدرة على البحث والعطاء العلمي والفكري، ولعله كذلك في التربية. [وقد أصبح هو رئيس الجمعية المحمدية بعد الشيخ عبد الرزاق بن فخر الدين].
ومنهم الحاج محمد أمين رئيس الجمعية المحمدية في آتشيه، ومحمد جزمان الكندي مدير الجامعة المحمدية في مدينة سوراكارتا، ورئيس مجلس التعليم العالي والبحث للجمعية المحمدية، وأرجاني أسنن نارجو الأمين العام المساعد للجمعية المحمدية المركزية. وأبو صيري، أستاذ في الجامعة الإسلامية الحكومية في جوك جاكرتا، ورئيس مجلس شؤون المكتبات في الجمعية المحمدية. وزياد مشكور سكرتير رئيس مجلس شؤون المكتبات. وأحمد واحد حمدي أمين صندوق المكتبات. وجلدان بداوي، رئيس مكتب الجمعية المحمدية. والسيدة ألفية مهادي، مسؤولة قسم التبليغ في العائشية. والسيدة مرفوعة جمال، مدرسة في مدرسة المعلمات في الجمعية المحمدية وعضو في مجلس النواب في جوك جاكرتا. والأستاذ جندار التميمي نائب رئيس الهيئة المركزية، وعبد الملك حسان مدرس في الجامعة الإسلامية الحكومية كلية أصول الدين، قسم الفلسفة.
هل يوجد علماء مجتهدون يُؤَدَّى بهم فرض الكفاية في إندونيسيا؟
وقد غلب على هذا الاجتماع موضوع إيجاد علماء أكفياء يقوم بهم فرض الكفاية في كل منطقة في إندونيسيا، وكان ذلك بسبب سؤال وجهته إليهم وهو: إن من مبادئ الجمعية المحمدية اتباع الكتاب والسنة وعدم التقيد بمذهب معين، وهذا يقتضي وجود علماء مجتهدين يعلمون أعضاء الجمعية تعليماً راقياً ويعدونهم ليكونوا علماء، ويكونون قادرين على الإفتاء فيما يجد من أحكام، وقادرين على الدعوة والتبليغ بحيث يوصلون إلى عامة المسلمين وغيرهم في إندونيسيا الدعوة إلى الله. فهل يوجد هذا الصنف من العلماء في الجمعية المحمدية؟ أو في غيرها وجوداً كافياً؟.
فكان الجواب أنه يوجد علماء ولكن ليس على هذا المستوى، لا في الكيف ولا في الكم.
فقلت لهم: ومن المسؤول عن إيجاد هؤلاء العلماء؟
ودار نقاش طويل في هذا الأمر.
ما السبيل إلى وجود العلماء المجتهدين؟
وكانت النتيجة أن هذه الجمعية مسؤولة مسؤولية أولية، فسأل رئيس الجمعية آنذاك: وما السبيل إلى إيجاد مثل هذا الصنف من العلماء؟
فقلت: السبل كثيرة، ولخصت ذلك فيما يأتي:
السبيل الأولى: إحياء الحلقات العلمية.
وهي الحلقات التي كان السلف الصالح يعقدونها في المساجد، والوسيلة إلى ذلك أن نختار من الطلبة من تتوافر فيهم الرغبة الشديدة لطلب العلم وحفظه والمثابرة على تحصيله، ونهيئ لهم طريق التحصيل، وذلك بإيجاد منح دراسية لهم في الجامعات الإسلامية في البلدان العربية، ليدرسوا العلوم الإسلامية أصولاً وفروعاً ولغةً وتاريخاً وتفسيراً وحديثاً ومصطلحاً وغير ذلك.
ونتابعهم في دراستهم حتى يتمكنوا من ضبط العلوم، ثم نوفر لهم المراجع اللازمة ونلزم كل واحد منهم بعقد حلقة علمية يدرس فيها الطلاب الراغبين تدريساً علمياً، يقرؤون عليه الكتب العلمية في كل علم، وهو يشرح لهم ما يشكل عليهم ويلزمهم حفظ القواعد والمتون، ويوسع مداركهم بالتدريج حتى يتقنوا تلك العلوم، كما كان يفعل علماء السلف.
وكلما نبغ طالب في علم أو أكثر وأصبح قادراً على تعليم غيره، أمر بالقيام بالتدريس في حلقة أخرى في نفس المسجد أو في غيره، حتى تنتشر هذه الحلقات ويتقن المتعلمون العلوم المدروسة في الكتب المعتمدة، ويهتم بصفوة الطلاب النابغين اهتماماً خاصاً يمكنهم من التضلع في العلوم والتبحر فيها أكثر، ليكونوا هم العمدة في التعليم والإفتاء والدعوة والتأليف.
ويجب أن يُستَغل كل قادر على التعليم في هذه الحلقات في العلم الذي يتقنه، ويوضع في المرتبة التي يستحقها، فكبار العلماء يدرسون كبار الطلاب ـ أعني أكثرهم اجتهاداً في طلب العلم وتحصيلاً وفهماً.
وكبار الطلاب يدرسون من دونهم.. وهكذا..
السبيل الثانية: عقد دورات متتالية ومستمرة للمدرسين.
أعني المدرسين الذين يقومون بتدريس العلوم الإسلامية والعربية، يأخذون فيها العلم على أهله، حتى يرتقوا في معلوماتهم ويفيدوا الطلاب الذين يدرسونهم في المدارس الأهلية أو الحكومية.
السبيل الثالثة: ترغيب الطلاب في حضور الحلقات العلمية.
بحيث يتلقون العلم بصفة مستمرة موسعة، لأن ذلك يمكنهم من إتقان العلوم الإسلامية، ويمنحهم ملكة الاطلاع والفهم الذاتيين اللذين يجعلانهم يواصلون القراءة والبحث بجد وعن رغبة ذاتية.
السبيل الرابعة: العناية بطلاب المدارس الأهلية والحكومية.
وذلك بتفريغ بعض العلماء النابغين للقيام بالتدريس في تلك المدارس، لا فرق بين الجامعية وما قبل الجامعية، ليسدوا النقص الذي يوجد عند المدرسين في تلك المدارس.
فإذا ما انتشرت الحلقات العلمية على الصفة المذكورة ووجد الطلاب الراغبون في التحصيل والاجتهاد وهيئت لهم الإمكانات، فإن العلماء الأكفاء سيتوافرون ويوجد في كل منطقة عالم أو أكثر يلتف الناس حوله ويستفيدون منه، وسيكون للشباب الإندونيسي شأن آخر، يجعله يحمل راية هذا الدين ويرفعها ويحميها ويدحض كل باطل ويزيف كل مبدأ من المبادئ الهدامة.
ولقد كان لهذه الاقتراحات أثر بالغ عند الإخوة الحاضرين الذين سجلوها بأقلامهم، وبخاصة الشيخ أزهر بشير الذي أصبح بعد وفاة الرئيس السابق، رئيساً للجمعية نسأل الله له العون والسداد.
كل ما سبق فيما يتعلق بالجمعية المحمدية وبعض العاملين فيها، كان حصيلة المقابلات التي جرت مع بعض زعمائها وأعضائها، وينبغي أن نعود إلى القانون الأساسي للجمعية لنتعرف منه على الغرض من إنشائها، وهيكلها الإداري، وكذلك نعود إلى النشرات التي تعرف بها أو الكتب التي كتبت عنها، ليطلع القارئ على نبذة صالحة من نشاط هذه الجمعية المباركة.
تعريف موجز بمؤسس الجمعية المحمدية:
المؤسس هو: الحاج أحمد دحلان.
ولد سنة 1285هـ 1868م في جوك جاكرتا.
درس على أيدي كبار العلماء الجاويين. ثم سافر إلى مكة المكرمة للحج والدراسة سنة:1321هـ 1890م، [هكذا هو في المرجع الذي سأذكره بعد قليل والصواب أن يكون التاريخ الهجري سنة1980م 1308هـ ويدل على ذلك ما سيذكر من تاريخ رجوعه إلى مكة المكرمة مرة أخرى]. وأقام بمكة عاماً، ثم عاد إلى بلده، ثم سافر إلى مكة مرة أخرى سنة: 1334هـ ـ 1903م، [وهذا هو الدليل على التصويب السابق]. وكان قبل ذلك عضواً في بودي أوتومو (BUDIUTOMO) وصارت بعده الجمعية المحمدية من أهم الجمعيات الإسلامية في إندونيسيا. [التبشير وآثاره في أندونيسيا في القرن الرابع عشر الهجري].
سبب تفكير الشيخ في تأسيس هذه الجمعية:
في إحدى منشورات الجمعية المطبوعة باللغة العربية، بعنوان "لمحة سريعة عن الجمعية المحمدية بإندونيسيا" ما يلي:
[قد أغير بعض العبارات أو الكلمات ليستقيم الأسلوب.. وهذا المنشور لم يذكر تاريخ كتابته، ولكنه يفهم من إحدى فقراته أنه كتب بعد المؤتمر الأربعين وقبل المؤتمر الحادي والأربعين وهذا حدد عقد سنة1985م، وحيث أن المؤتمر يعقد بعد كل ثلاث سنوات فإن المؤتمر الأربعين يكون قد عقد في سنة 1982م، والمنشور كتب بعدها والمعلومات الموجودة فيه سجلت قبل عام1985م].
وقد قام بتأسيسها العالم الكبير أحمد دحلان، الذي قلق منذ فترة طويلة من انتشار الجهل وعدم الوعي بالإسلام عند المسلمين، وبعدهم عن الفهم الصحيح لهذا الدين الحنيف كما جاء في القرآن والسنة.
"كان الشعب الإندونيسي بصفة عامة، والمسلمون بصفة خاصة يتعرضون لبعض المعتقدات الباطلة من تعظيم الأوثان، وتقديس المقابر، وهذا إلى جانب انتشار الخرافات والعادات الباطلة وغيرها من التقاليد غير المعقولة، وكلها تؤدي إلى التخلف الحضاري والضعف في شتى مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهي الأوضاع التي أسهم الاستعمار بجانب كبير في إطارها.
لم تكن للمدارس الإسلامية الموجودة في ذلك الوقت قوة ولا قدرة، لسد احتياجات الأمة في مجال التنمية والسير قدماً من أجل التقدم والرقي، وذلك لضيق فهم من قاموا وراءها، والسبب في ذلك التزامهم بطرق التدريس القديمة.
وقد نجحت سياسة المستعمرين في هذه الناحية، ورموا الإسلام والمسلمين بأنواع الفتن، من حيث أفتى بعض العلماء بأن التدريس الذي يستعمل الكراسي والآلات الحديثة في الفصول الدراسية، مخالف للشريعة الإسلامية.
أخذاً لهذه الأوضاع في الاعتبار، يرى الشيخ أحمد دحلان بأنه لا بد من توعية المسلمين بالإسلام، وإظهار المفاهيم والأحكام التي من أجلها جاءت الشريعة الإسلامية".
قلت: وبهذا يُظهر المنشور بعض الأسباب التي جعلت الشيخ رحمه الله يشمر عن ساعد الجد ويمهد لإقامة هذه الجمعية.
1 ـ فقد نظر إلى أوضاع البلاد من حيث المعتقدات والخرافات والبدع، فرآها تخالف الإسلام الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وتضمنه كتاب الله وسنة رسوله.
2 ـ تبين له ـ وهو يتأمل هذه الأوضاع ـ أن التخلف الحضاري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، سببه غياب الوعي بالإسلام الصافي وحضور تلك المعتقدات الفاسدة.
3 ـ أن الاستعمار قد سرَّته تلك الأوضاع، فساعد على تثبيتها حتى يبقى الشعب متخلفاً لا يلتمس العزة والكرامة والحرية التي تساعده على مقاومة الاستعمار وطرده من هذا البلد العظيم.
4 ـ رأى أن المدارس الإسلامية الموجودة عندئذٍ ومناهجها وكتبها ومديريها ومدرسيها، والأساليب التدريسية التي تسير عليها المدارس، لا تُخرِّج أمةً عزيزة كريمة قادرة على التصدي للعقبات التي تقف أمام المد الإسلامي وسيطرته على البلاد، بل وجد الشيخ من زعماء المسلمين الذين يسيطرون على النواحي التعليمية، من يحرم على المسلمين الأخذ بوسائل النهوض والرقي بالأمة، ويفتي بتحريم الوسائل النافعة المفيدة للمسلمين، ظناً منهم أنها تخالف الإسلام، وهذا الجمود لو بقي في الأمة لظلت في سبات عميق تحت وطأة الاستعمار والجهل!
والمؤسف أن هذا النموذج من المنتسبين للعلم يوجد في أغلب بلدان المسلمين، بل قلما تخلو منهم بلد، يقلون في بلد ويكثرون في آخر، ويشتد جمود بعضهم ويخف جمود بعضهم الآخر، تراهم يقفون ضد أمور لا يوجد نص في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم يحرمها أو يكرهها، بل قد تجد عمومات الكتاب والسنة تشملها وتدل على مشروعية الأخذ بها، ولا دليل يستند إليه المعارضون لها إلا ما جرت به العادة عندهم.
وفي هذا ثلاثة محاذير رئيسة:
المحذور الأول: تحريم ما لم يحرم الله ورسوله.
المحذور الثاني: التسبب في تأخر المسلمين، وبقائهم في ذيل قافلة الإنسانية التي تأخذ بأسباب الرقي المادي والتقدم.
المحذور الثالث: نفور الناس من هذا الدين الذي ينسب إليه أولئك العلماء تحريم الأخذ بتلك الأسباب.
وكم يعاني العالِم المسلم الواعي المستبصر من أولئك الجامدين من مشقات، عندما يحاول الخروج على مألوفهم الذي ينسبونه إلى الله زوراً وبهتاناً، ويقفون ضده ويؤلبون عليه أتباعهم من الجهلة المقلدين، بل قد يؤلبون عليه طغاة الحكم الذين يحاربون الإسلام وتلتقي مصالحهم مع مصالح أولئك الجامدين، فيصدون الناس عن الدعوات الصادقة التي تقتضي النهوض بهم إلى قيادة أمتهم وقيادة البشرية بدين الله.
والتاريخ حافل بالأمثلة والنماذج، ويمكن الرجوع إلى سيرة الإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية والعز بن عبد السلام، ومحمد بن عبد الوهاب، والشوكاني، وابن الأمير الصنعاني، وحسن البنا، والمودودي، وغيرهم من العلماء والمفكرين ودعاة الإصلاح، لأخذ العبرة في هذا المجال.
أهداف الجمعية المحمدية:
هذا، وقد حدد المنشور أهداف الجمعية، والوسائل التي تتخذها لتحقيق تلك الأهداف:
الأهداف:
1 ـ (الجمعية) المحمدية هي الحركة التي تقوم على أساس الإسلام والتي تهدف وتجتهد لتحقيق المجتمع الإسلامي الأصيل، وتنشيط وظيفة الإنسان ودوره.. عبدالله وخليفته في الأرض.
2 ـ تؤمن الجمعية المحمدية بأن الإسلام هو دين الله الذي أوحاه إلى أنبيائه ورسله، منذ آدم عليه السلام، حتى محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والرسل، ليكون هداية ورحمة للبشر، حتى تتحقق سعادتهم المادية والروحية في الحياة الدنيا والآخرة.
3 ـ لتطبيق الشريعة الإسلامية تقوم الجمعية المحمدية على أساس:
( أ ) القرآن الكريم، وهو كتاب الله الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
(ب) سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي المصدر الثاني بعد القرآن، وتبيَّنه.
4 ـ تعمل المحمدية لتنفيذ الإسلام بكامله، حيث يشمل العقيدة والأخلاق والعبادات والمعاملات والجهاد:
( أ ) تقوم الجمعية المحمدية بحماية العقيدة الإسلامية وتصفيتها من الشرك والبدع والخرافات، وذلك برعاية مبادئ الإسلام ومناهجه.
(ب) تعمل المحمدية بتربية الأمة تربية الأخلاق الكريمة التي تتفق مع القرآن والسنة.
(ج ) تعمل المحمدية لإقامة العبادات باتباع سنة الرسول، والابتعاد عن البدعة.
( د ) تعمل المحمدية لإقامة الإسلام في المعاملات الدنيوية، كتشجيع الأمة في المشاركة في مجال التكنولوجيا الحديثة من أجل المجتمع السعيد، وذلك باستعمال الطرق الحديثة والوسائل التعليمية في جميع مراحلها وأطوارها، وتعتبر ذلك عبادة لله تعالى في مفهومها الأوسع.
5 ـ تقوم المحمدية بدعوة الشعب الإندونيسي الذين تمتعوا من الله بنعم الوطن الغني بالثروة الطبيعية وبنعم استقلاله، ليعملوا سوياً إلى جعل هذا الوطن وطناً يسود فيه العدل والرفاهية ويناله الرضا من الله، بلدة طيبة ورب غفور.
وسائل الجمعية المحمدية لتحقيق أهدافها:
وحدد المنشور بعض وسائل الجمعية لتحقيق تلك الأهداف:
1 ـ تقوية الإيمان في أوساط الأمة وترشيدهم إلى تنشيط العبادة وتزكية الأخلاق.
2 ـ مضاعفة الجهود للتعمق في دراسة العلوم الإسلامية، للحصول على فهم الإسلام الصحيح.
3 ـ تجديد طرق التربية والتعليم ونشر الثقافة وتوسيع العلوم والمعارف المتمشية مع تعاليم الإسلام.
4 ـ مضاعفة الجهود في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبشير الأمة بالإسلام.
5 ـ بناء المساجد وتعميرها، وبناء منشآت الأوقاف والمحافظة عليها.
6 ـ تربية المرأة تربية إسلامية وتوجيهها، لكي تمارس النشاطات التي تليق بـ"طبيعة تكوينها في الجمعية".
7 ـ تربية الشبان تربية صحيحة وتوجيههم للتمسك بالدين الإسلامي، لكي يكونوا مواطنين صالحين ومجاهدين نافعين.
8 ـ توجيه حياة الأمة وترقية معيشتهم طبقاً لتوجيه الإسلام.
9 ـ حثَّ الأمة على التعاون على البر والتقوى.
10 ـ إحياء الوعي الديني في أوساط الأمة، ليسود الإسلام في المجتمع.
11 ـ إيجاد المشاريع وغيرها من المساعي المتمشية مع هدف الجمعية.
قلت: وبقراءة ما ذكر من أهداف الجمعية ووسائلها، يتضح للقارئ أن قادة الجمعية يفهمون الإسلام فهماً شاملاً، وأنه منهج كامل لحياة البشر في العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة، وذلك موافق لما فهمه السلف من معنى شمول الإسلام والعبادة.
كما يتضح أن الجمعية ملتزمة بالكتاب والسنة، وأنهما أساس منهجها في تربية أعضائها وغيرهم، وأنها تحارب البدعة وتتمسك بالسنة.
وإن اتجاه هذا المؤسس إلى محاربة البدع والخرافات والالتزام بالعقيدة الصافية مما يشوبها مما اعتاد عليه كثير من المنتسبين للعلم، وما أصبح عند أتباعهم من الجهلة بحقيقة الإسلام، إن اتجاهه إلى ذلك لتوفيق رباني يهدي الله تعالى له بعض عباده لهذا الاتجاه ليخرج بهم من شاء من ظلمات الضلال إلى نور الهداية.
ومن أهم الأسباب اتصال أمثال مؤسس هذه الجمعية بعلماء نهجوا هذا النهج، وبخاصة في بلاد الحجاز حيث يوجد كثير منهم في الحرمين الشريفين.
وهناك علماء آخرون يفدون إلى الحرمين ولكنهم لم يوفقوا لطلب العلم على أيدي العلماء الذين يسيرون على ذلك النهج القويم، وإنما يكون نصيبهم تلقي علمهم على أيدي علماء اصطبغ علمهم بخرافات وبدع ألصقت بالإسلام وليست منه، فعادوا إلى بلدانهم بما تلقوه وطبقوه وربما زادوا عليه عادات نشأت في نفس بلدانهم من غير المسلمين، وأصبحت معتقداتهم وأعمالهم خليطاً من الإسلام وغيره.
ولهذا عندما تقارن بين أتباع أكبر جمعيتين عظيمتين في إندونيسيا، هما الجمعية المحمدية هذه، وجمعية نهضة العلماء تجد بينهما بوناً شاسعاً في صفاء العقيدة والأعمال التعبدية والبدع والخرافات، وقد سبق شيء مما يمارسه أتباع جمعية نهضة العلماء.
وحرصت الجمعية فيما وضعت من وسائل للوصول إلى تلك الأهداف على أن تكون تلك الوسائل شاملة للنشاطات المهمة المتنوعة: من تربية وتعليم وثقافة ودعوة وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإحياء رسالة المسجد، والأوقاف التي تساعد على تنفيذ المشاريع الإسلامية، وجعلت مجال نشاطها شاملاً للأمة كلها من رجال ونساء وشبان وشابات.
ولو أن الجمعية تمكنت من تحقيق تلك الأهداف بتلك الوسائل كما ينبغي، لكان لها شأن عظيم في هذا البلد، ولكن يبدو أن العقبات التي اعترضتها ليست بالسهلة كما أن الكفاءات الحركية والعملية في الجمعية ليست على المستوى المطلوب.
الهيكل الإداري للجمعية:
وللجمعية ـ كما في المنشور المذكور ـ هيكل إداري يتكون من خمسة مستويات:
المستوى الأول: القيادة المركزية.
وهي الإدارة العليا، وتتكون من تسعة أشخاص ـ على الأقل ـ وأعضاء هذه القيادة يرشحون من قبل مجلس التنوير، وينتخبهم مؤتمر الجمعية الذي ينعقد كل ثلاث سنوات. [يتكون مجلس التنوير من أعضاء الرئاسة العامة (الإدارة العليا) ونوابها في المحافظات والمديريات، ويقوم مقام المؤتمر العام عند عدم انعقاده (الفصل التاسع من النظام الأساس)].
المستوى الثاني: القيادة الإقليمية.
ومهمتها إدارة شؤون الجمعية في الإقليم، وعدد أعضائها تسعة. ويرشح أعضاء هذه القيادة مؤتمر الإقليم، وتعينهم القيادة المركزية، وتعين رئيس هذه القيادة من بين ثلاثة يرشحهم المؤتمر الإقليمي، ويكون الرئيس المعين مندوب القيادة المركزية في إقليمه.
المستوى الثالث: قيادة المديرية.
وعددهم تسعة يرشحهم مؤتمر المديرية، وتعينهم القيادة المركزية، كما يرشح مؤتمر المديرية ثلاثة أشخاص لرئاسة قيادة المديرية، وتعين قيادة المديرية أحدهم رئيساً ـ بعد تزكية القيادة الإقليمية.
المستوى الرابع: القيادة الفرعية.
وهي التي تتولى إدارة أعمال الجمعية في أحد فروعها، وعددهم تسعة أشخاص يرشحهم المؤتمر الفرعي، وتعينهم القيادة الإقليمية لفترة معينة، وتعين القيادة الإقليمية لهم رئيساً من بين ثلاثة مرشحين من قبل المؤتمر الفرعي ـ بعد تزكية القيادة في المديرية ـ .
المستوى الخامس: القيادة القسيمية.
وهي تكون في بعض الأحياء في المدن أو في قرية من القرى. وعدد أعضاء هذه القيادة خمسة أشخاص ـ على الأقل ـ ويكون ترشيحهم من قبل الاجتماع القسيمي، وتعينهم قيادة المديرية، كما تعين رئيس القيادة القسيمية من بين ثلاثة أشخاص بعد النظر في تزكية القيادة الفرعية.
الهيئات المساعدة للجمعية:
وتساعد الجمعية هيئات ومجالس أخرى، وهي:
1 ـ مجلس التبليغ، مهمته الدعوة والإرشاد.
2 ـ مجلس الترجيح، ومهمته النظر في الفتاوى وغيرها مما يحتاج إلى اجتهاد وترجيح.
3 ـ مجلس التربية والتعليم والثقافة.
4 ـ مجلس تحسين أحوال الأمة.
5 ـ مجلس الأوقاف والأملاك.
6 ـ مجلس تحسين أحوال الموظفين والعمال.
7 ـ مجلس التنمية الاقتصادية.
8 ـ مجلس المكتبات والنشرات.
هيئات أخرى تقوم بأعمال متخصصة:
1 ـ مجمع البحوث الدينية للتنمية.
2 ـ مجمع البحوث لدراسة المذاهب المنحرفة كالباطنية والصوفية.
3 ـ مجمع الحقوق والقانون.
4 ـ مكتب التنظيم والكوادر.
5 ـ مكتب الحكمة والسياسة.
6 ـ مكتب العلاقات الخارجية.
هيئات مستقلة ولها صلة قوية بالجمعية.
وهناك هيئات أسست بقرار من الجمعية، ولكنها مستقلة من الناحية الإدارية، ولها حرية التصرف في تدبير شأنها، وهي:
1 ـ العائشية، وهي قسمان:
قسم خاص بالنساء الكبيرات.
قسم خاص بالبنات.
2 ـ اتحاد الطلبة الجامعيين التابعين للمحمدية.
3 ـ اتحاد الطلبة التابعين لمدارس المحمدية.
4 ـ اتحاد خبراء المحمدية وعلمائه.
5 ـ اتحاد رجال أعمال المحمدية.
6 ـ اتحاد عمال المحمدية وموظفيها.
7 ـ اتحاد مزارعي مسلمي إندونيسيا.
8 ـ اتحاد بحاري المحمدية وصياديها.
9 ـ جمعية الدفاع عن النفس.
10 ـ شبان المحمدية.
وذكر المنشور أن الجمعية قد قامت بدور كبير في الكفاح ضد الاستعمار، لتحرير إندونيسيا من الاستعمار حتى تم لها الاستقلال، وأن الحكومة الإندونيسية اعترفت لها بذلك في قرار جمهوري صدر يتضمن ذلك.
وهكذا قامت المؤسسات الإسلامية في كل البلدان الإسلامية التي استعمرها أعداء الإسلام، بالمقاومة والجهاد والتوعية والحث على طرد المستعمر، ويعترف الساسة والحكام الذين تولوا أمور البلاد الإسلامية المستقلة بذلك، ولكن دعاة الإسلام ومجاهديه طردوا من المشاركة في قيادة الأمة في تلك البلدان وحَكَم البلدان الإسلامية غيرُهم ممن حلوا محل المستعمر في محاربة هذا الدين وأنصاره، والأمثلة على ذلك هي عامة البلدان التي استعمرت ثم استقلت، ولا داعي لتسمية بلد دون بلد فالمصيبة عامة.
وذكر المنشور أن عدد المؤسسات التعليمية التابعة للجمعية في جميع المراحل الدراسية من الروضة إلى الجامعة والمعاهد العليا قد وصل إلى 12.400 مؤسسة، منها مدارس خاصة بالعلوم الإسلامية، ومنها مدارس عامة للدروس الإسلامية والعلوم الأخرى.
وأن نشاط الجمعية الصحي انتشر في أنحاء الجزر الإندونيسية، وقد بلغت المستشفيات تسعة، والمستوصفات 88 والعيادات الصحية: 665، ومستشفيات الولادة 115، ومدارس التمريض 6، والصيدليات 6، وملاجئ الأيتام 119، ومراكز خدمة تحسين أوضاع المجتمع 35، ومراكز رعاية الأسر 23، والمساجد والمصليات 2229. [يلاحظ أن هذا كله كان قبل سنة 1985م، وتبييضي لهذا الكتاب في سنة 1413هـ ـ 1992م، أي بعد سبع سنين ومراجعتي الأخيرة للكتاب سنة 2005م ولا زالت تتوسع في مشاريعها].
النشاط السياسي للجمعية:
مع فهم الجمعية لشمول الإسلام وأنه منهج لحياة البشر كلها، فإنها في أول أمرها كانت أميل إلى النواحي التعليمية والاجتماعية، وينطوي منهجها على المفهوم السياسي الإسلامي، ولكنها عندما رأت الحاجة إلى خوض غمار السياسة لرفع راية الإسلام والتعاون مع الأحزاب السياسية الأخرى على إقامة حكم الله في إندونيسيا، أقامت هي وغيرها من الجمعيات كجمعية نهضة العلماء حزب ماشومي وأكدت في هدفها العام على "إقامة الشريعة الإسلامية" حتى يقوم المجتمع الإسلامي الحقيقي.
وأصبحت الجمعية منذ انضمامها إلى هذا الحزب الإسلامي من سنة 1365هـ 1945م والجمعيات الإسلامية الأخرى تعتبر هذا الحزب وسيلة لتوحيد المسلمين، وكان الحزب ـ لو بقيت الجمعيات الإسلامية تدعمه ـ سينال من الأصوات في الانتخابات ما يمكنه من إقامة حكومة إسلامية تحكم شريعة الله.
ولكن انقساماً قد حدث في صيغته فأضعفه، وبخاصة عندما خرجت منه جمعية نهضة العلماء مكونة لنفسها حزباً مستقلاً، وأدى هذا الضعف في النهاية إلى أن حله الرئيس سوكارنو.
وانسحبت الجمعية المحمدية من الساحة السياسية تدريجياً، لكنها سمحت لأعضائها ـ إذا شاءوا ـ أن يخوضوا غمار السياسة بالانضمام إلى أحد الأحزاب السياسية المسموح لها بالعمل السياسي.
والسبب في هذا الانسحاب أن الجمعية التزمت في نظامها الأساسي ولوائحها بالقرآن والسنة وإقامة الشريعة الإسلامية، ووجودها في أي حزب من الأحزاب لا يمكنها من ذلك.
أما أعضاؤها إذا أرادوا الدخول في أي حزب بصفتهم الشخصية، فهم مسؤولون عن أنفسهم ولا يؤثر ذلك على منهج الجمعية، ومع ذلك فإن نشاطها يتضمن الدعوة إلى تطبيق شرع الله الذي جاء في الكتاب والسنة، وسيأتي تكوين أمين رئيس ـ وهو أحد رؤساء الجمعية في الوقت القريب، حزباً سياسياً، ولا زال، ولكن الحزب انتخب غير أمين رئيس بعد أن فشل في الفوز بما كان يطمح إليه وهو رئاسة الدولة.
عدد أعضاء الجمعية:
ذكر المنشور أن عدد أعضاء الجمعية يقدر بحوالي ثمانية ملايين عضو، وأن الأعضاء البارزين منهم، وهم المسجلون في القيادة المركزية 7.50000، والباقون أعضاء عاديون. [راجع أيضاً عن الجمعية المحمدية كتاب: العلمانية في أندونيسيا، وموقف الأندونيسيين منها، ص:411-420].
النظام الأساسي للجمعية:
هذا، ويحسن أن أثبت هنا النظام الأساس للجمعية لإتمام الفائدة للقارئ العربي. [كانت أول طبعة له بالعربية سنة 1377هـ ـ 1958م، وقد تأتي معلومات أخرى عن الجمعية في المقابلات التي أجريتها مع بعض المنتسبين إليها.].
القانون الأساسي للجمعية المحمدية.
الرئاسة العامة للجمعية المحمدية في جوك جاكرتا "إندونيسيا"
الطبعة الأولى بالعربية
1477هـ ـ1958م
أصدره "أوسها فائدة"
شارع كياهي الحاج أحمد دحلان نمرة:99
جوك جاكرتا
بسم الله الرحمن الرحيم
القانون الأساسي للجمعية المحمدية.
مقدمة:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} آمين.
رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً رسولا.
أما بعد:
فإنه مما لا ريب فيه أن الألوهية الحقة هي حق الله المحض لا يشاركه فيها أحد قط من الخلق أجمع، وأن الإقرار بألوهية الله تعالى وأداء العبادة والخضوع والطاعة له جل وعلا، فريضة من الفرائض المحتمة على الخلق جميعاً، وبالأخص على بني الإنسان أجمعين.
والحياة الاجتماعية ضرورة طبيعية لا بد منها للبشرية عامة، وسنة من سنن الله أن تجري على حياتهم في هذه الدنيا جرياً لازماً، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
والمجتمع الأمين السعيد والعادل الطيب، لا يتحقق كاملاً إلا إذا قام على أسس العدالة والاستقامة والتعاون والأخوة المبنية على أحكام الله الصحيحة، مجردة عن الأغراض الخبيثة والأهواء الشيطانية.
وشريعة الله التي أتى بها الأنبياء والرسل أولو العزم والحكمة وذوو النفس الطاهرة، هي مبادئ الأحكام الصالحة لخير المجتمع وأفضله، وأن الأخذ بأحكام الله والتمسك بها مع إعلاء منزلتها فوق كل حكم ورفعها على أي قانون من القوانين الأخرى، واجب حتمي على كل من يعترف بالعبودية الخالصة لله الواحد القهار، { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ }. [المائدة:45].
والدين الإسلامي شريعة الله التي أوحى بها إلى جميع الأنبياء والرسل، من لدن آدم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ}. [آل عمران: 19]. {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]. وهو الدين الذي علمه الله بإرسال أنبيائه ورسله إلى جميع الأمم الماضية عامة، والأمة الإسلامية المحمدية خاصة، وعلمهم كيف يجب أن ينشدوا الحياة ومُثُلها العالية ويبتغوا السعادة الأبدية في الدارين.
واعلم أنه لا سبيل للوصول إلى المجتمع المثالي من حياة البشر كافة، ولا طريق لنا نحن الأمة الإسلامية بوجه خاص إلى تحقيق هذه الأمنية الغالية إلا إذا اتخذنا ـ ونحن أولئك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ـ من رسول الله أسوة حسنة وقدوة صالحة في حياته وجهاده، من العبادة لله وحده والقيام بالأعمال النافعة والمجاهدة الكافية، وجميع الوسائل المشروعة، وإعداد القوى المستطاعة، لاستخدامها خير استخدام لإقامة دين الله، وإيجاد المجتمع المثالي المرضي عند الله بنيات خالصة وعلوم نافعة وأعمال دائمة، لابتغاء مرضاته ورجاء رحمته، مع الشعور التام بالمسؤولية الكاملة أمام الله وحده، في كل ما نقوم به من تفكير وقول وعمل وكفاح، ثم بعد ذلك علينا أن نتوكل على الله وهو نعم المولى ونعم الوكيل ونصبر ونصابر، ونواصل ونرابط بنفوس قوية وهمم ماضية، غير آبهين بالصعاب المواجهة والعقبات العارضة دائبين ومجاهدين راجين من الله رحمته ومعونته.
ورغبة في أن يتحقق للمسلمين في إندونيسيا ذلك المجتمع المثالي السعيد وفي نيل بركة الله ورحمته، عملاً بقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ }. [آل عمران:104].
فقد وفق فقيدنا الأستاذ الشيخ أحمد دحلان بن أبي بكر بفضل الله وعونه، في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة لسنة: 1320 الهجرية، والموافق لليوم الثامن عشر من شهر نوفمبر لسنة: 1912 الميلادية، إلى تأسيس جماعة إسلامية سماها الجمعية المحمدية، في هيئة منظمة بنظام حديث متمش مع مطالب العصر مكملة بأقسام لازمة ومصالح مطلوبة، والجمعية تتخذ مبدأ الشورى أساساً قائماً لأعمالها وخطواتها، تستعين بالأخوة الإسلامية والتعاون الجماعي على مشروعاتها، وتتوخى السداد والحكمة التي تنشدها في أعمالها بمؤتمراتها الدورية التي يعقدها الأعضاء في الأوقات المعينة.
ولم تكن النية من إنشاء الجمعية إلا حباً في العمل بأوامر الله، وتأسياً بسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، رجاء رحمته تعالى في الدنيا والآخرة، وليتحقق لنا ما تصبو إليه نفوسنا من الحياة السعيدة العزيزة الكريمة موفورة بنعم الله وآلائه، كما وعد الله لنا في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في قوله عز من قائل: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ }. [سبأ:15].
وفي الختام نتضرع إلى الله أن يمنح لنا وللمسلمين في إندونيسيا بهذه الجمعية المحمدية حياة عزيزة قوية طيبة، ينعمون بها في حياتهم ويبشرون في آخرتهم بجنات النعيم ممتعين بمرضاة الرحمن الرحيم.
الفصل الأول: اسم الجمعية ومركزها:
تسمى هذه الجمعية "الجمعية المحمدية" وتأسست في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف الهجرية، الموافق لليوم الثامن عشر من شهر نوفمبر سنة اثنتي عشر وتسعمائة وألف ميلادية، وللجمعية مركز حيث مقر الرئاسة.
الفصل الثاني: غرض الجمعية وغايتها:
غرض الجمعية وغايتها إقامة الدين الإسلامي ورفع مستواه، لإيجاد وتحقيق المجتمع الإسلامي الحنيف.
الفصل الثالث: أعمال الجمعية ومساعيها.
وتتوسل الجمعية لتحقيق غايتها وتنفيذ أغراضها بالوسائل الآتية:
أولاً: تتميم مكارم الأخلاق والقيام بالدعوة الإسلامية.
ثانياً: الاهتمام بشؤون التربية التعليم.
ثالثاً: إحياء المجتمع وتنمية روحه على أسس التعاون والتضامن.
رابعاً: القيام بإعداد أماكن العبادة والأوقاف مع العناية بسلامتها.
خامساً: القيام بتربية النساء وتهذيبهن على أساس الوعي الديني وحب النظام.
سادساً: تربية الأبناء وشبابهم ليكونوا في المستقبل رجال الإسلام المأمولين.
سابعاً: السعي لإصلاح الحياة ووسائلها لتحقيق التعاليم الإسلامية.
ثامناً: بذل الجهود الجادة للوصول بكل الوسائل الحكيمة إلى تنفيذ أوامر الله وأحكامه في المجتمع.
الفصل الرابع: إدارة الجمعية وأقسامها:
ورغبة في تنفيذ وسائل الأعمال المذكورة في الفصل الثالث، تنشئ الجمعية مجالس الإدارة لها وأقساماً، على حسب مصالحها مرتبة في لائحة خاصة.
الفصل الخامس: أعضاء الجمعية:
أعضاء هذه الجمعية كل مسلم ومسلمة، وشروط العضوية مقررة في لائحة داخلية للجمعية.
الفصل السادس: الرئاسة العامة:
1 ـ ترأس هذه الجمعية رئاسة عامة، مؤلفة من تسعة أعضاء على الأقل، ينتخبهم أعضاء الجمعية من بينهم بأغلبية الأصوات، ويقر المؤتمر انتخابهم لمدة ثلاث سنوات.
2 ـ رئيس الرئاسة العامة ينتخبه مجلس التنوير، وفي ظروف استثنائية يجوز انتخابه من شخص آخر غير أعضاء الرئاسة العامة المنتخبين.
3 ـ وللرئاسة العامة أن تزيد عدد أعضائها إن احتيج إلى ذلك، بمصادقة مجلس التنوير ثم يعلن ذلك لجميع الأعضاء.
4 ـ والرئاسة العامة تنوب عن الجمعية في جميع أمورها أمام القضاء وغيره.
5 ـ إذا لم يكن مقر الرئاسة العامة في عاصمة الدولة، فالرئاسة العامة تنشيء مجلساً خاصاً نائباً عنها وواجبات المجلس وحقوقه مفصلة في لائحة خاصة.
الفصل السابع: مجالس الإدارة النائبة عن الرئاسة العامة:
1 ـ في كل محافظة أو مديرية تنشئ الرئاسة العامة مجلس إدارة نائباً عنها، يرأسه رئيس هو نائب عن الرئاسة العامة.
2 ـ والنائب عن الرئاسة تصادق عليه الرئاسة العامة، بعد ترشيحه من قبل المحافظات والمديريات.
3 ـ وأعضاء مجلس الإدارة النائب عن الرئاسة العامة، يعينهم النائب، وتصادق على تعيينه المحافظات والمديريات.
الفصل الثامن: فروع الجمعية وشعبها:
للجمعية المحمدية فروع وشعب، والشروط التي تجب أن تتوفر لإنشاء الفروع والشعب مذكورة في اللائحة الداخلية.
الفصل التاسع: مؤتمر الجمعية ومجلس التنوير:
1 ـ قرارات مؤتمر الجمعية لها أعلى الصفات والاعتبارات، وتعقد الجمعية مؤتمرها مرة في كل ثلاث سنوات، وللرئاسة العامة أن تدعوا مؤتمراً فوق العادة، إذا تطلبت الظروف على ذلك.
2 ـ وتعقد الجمعية على الأقل مرة في كل سنة اجتماع مجلس التنوير، وهو اجتماع يحضره أعضاء الرئاسة العامة ونوابها في المحافظات والمديريات، ويقوم مجلس التنوير مقام المؤتمر عند عدم انعقاده.
الفصل العاشر: موارد الجمعية وماليتها:
تحصل الجمعية على ميزانيتها من الموارد الآتية:
أولاً: من رسوم الانتساب إلى الجمعية واشتراكات الأعضاء.
ثانياً: من مصارف الزكاة والتبرعات.
ثالثاً: من التركات والوصيات.
رابعاً: من ريع أملاك الجمعية المستغلة و أوقافها.
خامساً: غير ذلك من الموارد المشروعة.
الفصل الحادي عشر: اللائحة الداخلية للجمعية:
1 ـ الأمور الغير المذكورة في القانون الأساسي للجمعية مفصلة في لائحتها الداخلية.
2 ـ والرئاسة العامة تسن اللائحة الداخلية، على ألا تخالف القانون الأساسي.
الفصل الثاني عشر: تعديلات القانون الأساسي:
ولا يمكن أن يحدث أي تعديل على القانون الأساسي إلا بقرار المؤتمر، ويعتبر التعديل قانونياً إذا أقر عليه ما لا يقل عن ثلثي الأعضاء للمؤتمر الحاضرين في ذلك الوقت، وكان حضورهم في المؤتمر عن دعوة للبحث والمشاورة حول تعديل ذلك القانون الأساسي.
الفصل الثالث عشر: حل الجمعية:
1 ـ ولن تحل الجمعية إلا إذا كان بقرار من مؤتمر خصص انعقاده للبحث والمشاورة في أمر حلها، على أن يشهد المؤتمر ما لا يقل عن ثلثي جميع أعضاء المؤتمر، ولا يعتبر القرار الخاص بحل الجمعية قانونياً إلا إذا أقر عليه ثلاثة أرباع الحاضرين في المؤتمر.
2 ـ وفي حين حل الجمعية ينتقل جميع أملاكها إلى مصالح الإسلام العامة التي يعينها ذلك المؤتمر الذي أقر حلها.
الفصل الرابع عشر: بدء تنفيذ هذا القانون:
وينسخ هذا القانون قانون الجمعية قبله، وقد أقر هذا القانون الأساسي مؤتمر الجمعية الثاني والثلاثون المنعقد في مدينة فرووكرتو (بايومس) في اليوم الثامن عشر من شهر شوال الرابع من شهر ذي الحجة سنة اثنين وسبعين وثلاثمائة بعد ألف هجرية، الموافق للتاسع إلى الرابع عشر من شهر يوليو سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة بعد ألف ميلادية، ويعتبر هذا القانون نافذاً بعد صدور ذلك من قرار المؤتمر.
تنويه:
فرغت من مراجعة هذا الكتاب من سلسلة "في المشارق والمغارب"
في الساعة الرابعة إلا ربعاً بعد ظهر يوم الجمعة
18 من شهر جمادى الأولى لعام 1424هـ 18 من شهر يوليو لعام 2003م
في منزلي بالمدينة النبوية...
وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
وقد راجعته مرة أخرى إعداداً لطبعه
وفرغت من مراجعته بعد مغرب يوم السبت
25/شوال عام 1426هـ ـ 26/11/2005م
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه