معلومات عامة عن أندونيسيا
معلومات عامة عن أندونيسيا
تمهيد:
[سيجد القارئ بعض تواريخ إندونيسيا مختلفة أحياناً في الكتاب الواحد، يقدم فيها المتأخر ويؤخر المتقدم، مراعاة لضم بعض موضوعاتها إلى بعض، لتعدد تلك الرحلات وتكرر تلك الموضوعات، ولذا وجب التنبيه].
الموقع والتسمية:
1 ـ تقع الجزر الإندونيسية في جنوب شرق قارة آسيا يحيط بها المحيط الهادي من الشرق والمحيط الهندي من الغرب، ويفصل بينها وبين أستراليا في الجنوب بحر أرافورا وبحر تيمور، ويحدها من الشمال ماليزيا والفلبين، وقديماً أطلق على هذه الجزر نوسنتارا. [مراجع هذه المعلومات وغيرها مما هو من غير المقابلات الشخصية، هي: "التنصير في أندونيسيا"، رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى، كتبها مغفور عثمان في عام 1401هـ تقريباً. "العلمانية في أندونيسيا"، رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى، كتبها مسلم ناسوتيان، 1408هـ. "الدعوة في أندونيسيا" جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كتبها محمد إدريس عبد الصمد 1410هـ تقريباً].
وكانت الجزر الإندونيسية هذه وما يسمى الآن بماليزيا وبروناي وفطاني والفلبين، يجمعها اسم أرخبيل الملايو. وفي عهد الاستعمار الهولندي سميت إندونيسيا بجزر الهند الشرقية.
وأطلق عليها المسلمون جزر جاوة، وهو اسم لإحدى جزرها، وهي أكثر ازدحاماً بالسكان من غيرها، أما اسم إندونيسيا ـ ويعني الجزر الهندية ـ فقد أطلقه عليها عالمان أوربيان في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وهما (أيرل، ولوجان).
وقد اختارت الحركات القومية الإندونيسية هذا الاسم الذي لم تعترف به هولندا إلا بعد الاستقلال سنة 1965م. [راجع القاموس السياسي لأحمد عطية، ص: 134، الطبعة الثالثة، والقاموس السياسي الإسلامي له أيضاً (1/97) طبعة 1383هـ ـ وموسوعة الغد الجغرافية، مؤسسة الأهرام (1/146)].
مساحة إندونيسيا و عدد جزرها:
أما عدد جزرها فهو 1367 جزيرة، كما ذكر لي ذلك بعض الإخوة الإندونيسيين الذي لهم اطلاع على تاريخ بلدهم وإحصاءات الحكومة الإندونيسية.
وقد وقع بعض الكتاب في خطأ فاحش، حيث ذكروا أن عدد هذه الجزر ثلاثة آلاف جزيرة فقط!، [دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا حتى القرن السابع عشر الميلادي. ص:3]. وذكر الأستاذ محمود شاكر أن عددها 13667 [اندونيسيا، ص: 9، الطبعة الأولى]. فزاد على ما ذكره الإخوة الإندونيسيون في هذا الزمن عشر جزر وهو أمر سهل محتمل.
ونظراً لخبرة أهل البلاد ببلادهم ومعرفتهم لها عن طريق الإحصاءات الرسمية والكتب الجغرافية الصادرة عن علمائها، فقد نقلت هذه المعلومات عن بعض الإخوة الإندونيسيين العاملين في حقل الدعوة الإسلامية في بلادهم، وقد تخرجوا في بعض الجامعات العربية، منها الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. وهذه الخلاصة التي كتبوها لي:
تحتوي إندونيسيا على خمس جزر كبيرة، وثلاثين مجموعة متوسطة، ومجموع الجزر 13667 جزيرة، منها ستة آلاف جزيرة مسكونة وقيل ستة آلاف وأربع وأربعون. [بعض هذه الجزر لا يعرف أسماءها إلا السكان المجاورون لها، وراجع رسالة دكتوراه بعنوان: دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا حتى القرن السابع عشر الميلادي، ص:1، لم تطبع وقد أهداني المؤلف وهو عبد القادر محمد الحبشي صورة منها في جاكرتا، وحاضر العالم الإسلامي للدكتور جميل المصري، ص:455].
مساحة البلد (5.193.250) كيلو متر مربع.
مساحة الأرض البرية: (2.027.087) كيلو متر مربع.
ومساحة البحار: (3.166.163) كيلو متر مربع.
أعمق مكان في بحر الشمال: 6000قدم.
وأعمق مكان في البحار الشرقية: 15000قدم.
2 ـ مساحات الجزر الكبيرة:
مساحة سومطرة: (473.606) كليو متر مربع.
مساحة جاوة ومادورا: (132.107) كليو متر مربع.
مساحة سولاويسيي: (189.216) كيلو متر مربع.
مساحة إريان الغربية: (421.981) كيلو متر مربع.
مساحة كلمنتن: (539.460) كيلو متر مربع. وهي ثالث جزر العالم وهي تساوي ثلثي من مساحة بورنيو، وثلث ماليزيا وبروناي. [الجزيرة الأولى هي جزيرة: غرونلاند، وتقع في شمال المحيط الأطلسي، ويغطي الجليد معظمها وهي تابعة لدولة الدنمارك، والثانية جزيرة إيريان وتسمى غينيا الجديدة، أقصى جزيرة في أندونيسيا إلى الشرق، نصفها الغربي تابع لأندونيسيا والشرقي تابع لأستراليا ـ المرجع السابق].
وتبلغ مساحة البلاد الإندونيسية من طرف سومطرة في الشمال الغربي إلى إيريان الغربية في الشرق (6000 ستة آلاف كيلو متر بين خطي 95 ـ 150 شرقاً) [وهي قريبة من المسافة بين بغداد ولندن، وتحتاج الطائرة النفاثة لقطعها أكثر من ست ساعات بدون توقف]. ومساحتها من الشمال إلى الجنوب (2100 مائة وألفا كيلومتر بين خطي عرض 7 شمالاً وجنوباً.
تقسيم الجزر الإندونيسية:
ويقسم الجغرافيون الجزر الإندونيسية تقسيمات مختلفة وقد اختار الدكتور الْحِبْشِي التقسيم الآتي:
أولاً: المجموعة الغربية: وتشمل سومطرة و جاوة و كلمنتن وما حولها من الجزر الصغيرة، وتسمى السوندا الكبرى، أو السوندا الغربية.
ثانياً: المجموعة الشرقية: وتشمل جزر سولاويسيي ومالوكو وتمتد إلى جنوب الفلبين.
ثالثاً: السوندا الصغرى: وهي جزر صغيرة نسبياً، وتمتد من شرق جاوة نحو أستراليا، وأشهرها بالي ولومبوك وفلوريس وتيمور.
رابعاً: جزيرة إيريان: التي يتبع الجزء الغربي منها إندونيسيا، والجزء الشرقي يتبع أستراليا.
المناخ في إندونيسيا:
تبلغ درجة الحرارة في السواحل الإندونيسية 27 درجة مئوية، وفي المناطق الجبلية تكون ما بين 22 و25 درجة مئوية.
نزول الأمطار ـ غالباً يكون ـ من شهر ديسمبر إلى شهر مارس، والجفاف من شهر يونيو إلى سبتمبر.
وما عدا ذلك يتغير الجو ما بين ممطر وجاف.
البراكين في إندونيسيا:
عدد البراكين في إندونيسيا 400 بركان، مائة منها ما زالت نشيطة.
أعلى هذه البراكين في جزيرة سومطرة يبلغ ارتفاعه 9000قدم.
وأعلى جبال إندونيسيا هو جبل ماندالا (MANDALA) في إريان الغربية، ويبلغ ارتفاعه 15300قدم.
الأنهار في إندونيسيا:
وتوجد في إندونيسيا أنهار كبيرة وصغيرة، والأنهار الكبيرة تعتبر خطوط مواصلات في المناطق الداخلية، ومن هذه الأنهار:
في سومطرة: نهر موسي MUSI، ونهر باتانج هاري BATANG HARI، ونهر أندرا جيري ANDERAGIRI، ونهر كامبار KAMPAR.
وفي كلمنتن: نهر باريتو BARITO ، ونهر ماها كام MAHAKAM، ونهر ريجانج REJANG.
وفي إيريان: نهر مامبرامو MAMRAMO، ونهر ديجول DIGUL.
وفي جاوة: نهر بنجاوان صولو BEGAWAN SOLO، ونهر برانتاس BRUNETS، ونهر تشي تاروم CITARUM.
المحاصيل والثروات:
وفي إندونيسيا حيوانات وطيور وأسماك متنوعة، يقول الإخوة: إن بعضها نادر في العالم. وأرض الجزر الإندونيسية مغطاة بالغابات والأعشاب والزروع سهولاً وجبالاً ـ وإن كانت تختلف مناطق منها عن أخرى في ذلك ـ وتكثر بها أنواع الفواكه والخضروات المتنوعة والحبوب التي منَّ الله بها على السكان الذين يعيش غالبهم على تلك النعم النباتية، إضافة إلى الثروة السمكية البحرية والنهرية، ومزارع الأسماك المنتشرة في القرى والأرياف.
الصناعة والتجارة في إندونيسيا وسيطرة الصينيين عليها:
وإندونيسيا بلاد غنية بكثير من المعادن، وقد ظهر منها القصدير والحديد والمنجنيز والنيكل، والبترول، وهو أهم الثروات التي تعتمد عليها إندونيسيا في الحصول على العملة الصعبة.
وبها صناعات قديمة خفيفة منزلية يستفيد منها كثير من العمال ـ وإن كانت قليلة الدخل ـ .
كما قامت مصانع صغيرة في أول الأمر للبضائع الاستهلاكية كالملابس والأغذية والمشروبات والأدوات المنزلية، وقد اتجهت الدولة إلى الصناعات الثقيلة ـ نسبياً ـ فصنعت السيارات الصغيرة والكبيرة متعاونة مع بعض الشركات الأجنبية ـ يابانية وأوروبية وأمريكية ـ كما أنها تصنع سيارات صغيرة صناعة كاملة، بدون اشتراك مع شركات أجنبية، إضافة إلى صناعة الدراجات العادية والنارية.
وتقدمت في صناعة طائرات الهيلوكبتر وتصنع الأدوات الكهربائية وبعض الأجهزة اللاسلكية كالراديو. كما أن بها مصانع للإسمنت والنسيج وغير ذلك.
ويبدو أن البلاد تتجه نحو التصنيع، ولكن الذي يستغل أغلب تلك المصنوعات هم الصينيون في الدرجة الأولى، فهم الذين يسيطرون الآن على الاقتصاد الإندونيسي ويمتلكون البنوك والعقارات والفنادق والشركات والمدن السكنية، ويتوسعون في ذلك توسعاً رهيباً في كل شيء، ويعتبرون في منطقة جنوب شرق آسيا مثل اليهود في أمريكا والدول الغربية حتى يطلق عليهم يهود الشرق.
وقد أخبرني بعض الإخوة الإندونيسيين أنهم لشدة سيطرتهم على الاقتصاد مع قلتهم ـ يستطيعون أن يمنعوا السكان وبخاصة سكان المدن الكبرى، مثل جاكرتا ـ من الحصول على الضروريات بقفل الأسواق، لأن الأسواق أغلبها بأيديهم، وقد مكنتهم سيطرتهم الاقتصادية من تعاون بعض ذوي النفوذ في الدولة معهم والتمكين لهم. [حصل هذا عندما أسقطت المظاهرات الطلابية الرئيس (سوهارتو) في هذا العام: 1419هـ ـ 1998م حيث اضطر الصينيون إلى قفل حوانيتهم بسبب إحراقها ونهبها من قبل الطلبة، فحصلت أزمة شديدة في توزيع بعض الأغذية، وبخاصة بعض أنواع الزيوت، حيث كانت توزع مركزياً في مكان واحد، فيقف الناس صفوفاً طويلة، ليحصلوا على قدر معين بسعر مرتفع جداً، وهذا أحد ثمار كسل المسلمين الأندونيسيين الذين كانوا يعرفون أن الأمر سيقع، لو أضرب الصينيون أو حصل لهم ما يمنعهم من توزيع الأغذية ونحوها، ومع ذلك تكاسلوا عن السعي إلى العمل في مثل هذا المجال الذي لا يحتاج منهم إلى مال ولا جهد جيهد].
وسبب هذه السيطرة أنهم نشيطون عاملون لا يفترون عن العمل، ويغتنمون الفرص في شراء العقارات والأراضي التي يبيعها المسلمون، وهي في أماكن مهمة تدر أرباحاً هائلة عندما تقام عليها أسواق وشركات وفنادق ونواد وغيرها.
وهذا النشاط جعل كبار الموظفين في الدولة، ومنهم سوهارتو نفسه، يسهلون للصينيين سبل التجارة والصناعة، ويستفيدون منهم، ولكن المسلمين تنبهوا لذلك وحقدوا على الدولة والصينيين معاً، وصبروا على حقدهم فترة طويلة، ثم انتفضوا مثل البراكين، فخرجوا في مظاهرات عارمة أحرقوا في أثنائها بنوكاً وشركات وحارات للصينيين ولأسرة سوهارتو والمقربين إليه، ولا زالت المظاهرات مستمرة إلى الآن، يطالب المتظاهرون بإسقاط الرئيس حبيبي الذي خلف سوهارتو، وبمحاكمة سوهارتو وسحب الأموال التي اختلسها هو وأسرته والمقربون إليه. [هذه هي نهاية الطغاة الظلمة الذين يستولون على خيرات الشعوب بدون حق، ويحرمون منها تلك الشعوب، وعواقب الظلم وخيمة: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) كتبت هذه الفقرة بتاريخ: 2 من شهر شعبان، لعام: 1419هـ ـ 21 من شهر نوفمبر، لعام: 1998م].
أما السكان المسلمون وهم الأغلبية فإنه يغلب عليهم الكسل وعدم التعاون فيما بينهم ولذلك أصبحوا فقراء في بلادهم. [هكذا الحال في ماليزيا، إلا أن رئيس الوزراء الماليزي "محاضير محمد" وحكومته اهتموا بتنشيط المسلمين، فخطوا خطوات جيدة، جعلتهم ينافسون الصينيين منافسة جيدة في الجملة].
وكثير من الصينيين اعتنقوا النصرانية، والنصارى الإندونيسيون متمكنون في الدولة وخاصة الوزارات المهمة: عسكرية ومالية وغيرها، ولذلك يساعدون الصينيين في السيطرة على الاقتصاد ضد المسلمين ويستفيدون منهم.
لقد كنت أسير من وسط المدينة بالسيارة إلى خارج جاكرتا ـ جهة الجنوب ـ والعمارات الشاهقة تكتنف الشارع عن يمينه وعن يساره، فسألت: من يملك هذه العمارات وهي بنوك وشركات وفنادق وشقق سكن؟ فقال لي مرافقي: إن أغلب هذه العمارات التي تراها على مسافة واسعة يملكها رجل صيني واحد.
وعندما ذهبنا لزيارة مؤسسة إسلامية خارج جاكرتا، أشار مرافقي إلى أراضي زراعية واسعة جداً كان يملكها المسلمون وقال: هذه الأراضي اشتراها رجل صيني أغرى سكانها بالمال، ويريد إقامة مدينة سكنية عليها، لأن جاكرتا ازدحمت بالسكان، وتوجد خطة لإيجاد مساكن في خارج المدينة إضافة، إلى إغراء بعض السكان المسلمين في داخل المدينة لبيع منازلهم الموجودة في وسط المدينة، لتشيد في مكانها عمارات كبيرة: فنادق وشركات وبنوك وغيرها. [بل ذكر لي بعض المسلمين هذه السنة: 1419هـ ـ 1998م، أن كثيراً من المسلمين الضعفاء أجبروا إجباراً على بيع أراضيهم أو منازلهم التي يملكونها في وسط المدينة.].
وهؤلاء المسلمون الذين يبيعون بيوتهم الموجودة داخل المدينة سيضطرون إلى شراء بعض الشقق أو البيوت الصغيرة التي سيبنيها الصينيون في خارج المدينة بأسعار غالية جداً.
وبذلك تكون المكاسب للصينيين في داخل المدينة وخارجها، والمسلمون هم الخاسرون، وسألت الإخوة: ألا يوجد أغنياء من المسلمين؟ قالوا: بلى ولكن أقل من الصينيين.
قلت: فإذا تعاونوا وكونوا شركات كبيرة ألا يستطيعون أن ينافسوا الصينيين؟
قال: بلى ولكنهم لا يفعلون ذلك إما استئثاراً وإما عدم ثقة بعضهم في بعض.
إن الصينيين يسيطرون على الأسواق والشركات والمصانع والدكاكين الصغيرة والكبيرة والمطاعم والأراضي، والمسلمون يتناحرون فيما بينهم، بل إن ذوي النفوذ من المسلمين يتعاونون مع الصينيين ويمكنونهم من تلك السيطرة من أجل الاستفادة منهم.
والاستفادة الحقيقية تحصل للكنائس ونشاطها التنصيري بشتى أساليبه كما سيأتي.
والحقيقة أن إندونيسيا بمساحتها الواسعة براً وبحراً وجواً، وخيراتها الكثيرة الظاهرة والباطنة وأعداد سكانها الهائلة ـ وأغلبيتهم الساحقة من المسلمين ـ لو أنهم فكروا في أمرهم ملياً وخططوا لاستغلال طاقاتها البشرية والمادية، وتكاتفوا فيما بينهم وتعاونوا فأخذ القوي بيد الضعيف، والغني بيد الفقير، والعالم بيد الجاهل، واتخذوا الوسائل المتاحة لاستغلال تلك الطاقات، لكان لتلك الجزر شأن يقوى به أهلها وتقوى به الأمة الإسلامية جمعاء.
فأرض هذا البلد أوسع من أرض أي دولة من دول الشعوب الإسلامية، وسكانها أكثر من سكان أي دولة من تلك الدول.
ولا ينقصهم إلا التعاون والتخطيط والتنظيم والتنفيذ، مع الصبر والمثابرة، وتلك هي من أهم مقومات القوة إذا ما بنيت على الإيمان بالله واليوم الآخر والتعبد الصحيح.
سكان إندونيسيا:
يتضح من المراجع التي تعرضت لسكان الجزر الإندونيسية أن أول جنس بشري سكن في هذه الجزر قد مضى عليه خمسمائة ألف سنة، وأن هذا الجنس قد انقرض، واستدلوا عليه برفات عثر عليه سنة 1309هـ 1891م أطلق عليه اسم "إنسان جاوة".
ويلي هذا الجنس، الجنس الزنجي الذي سبقت هجرته إلى منطقة الجزر الإندونيسية وما جاورها هجرة الجنس الملايوي، ويعتبر الزنوج هم سكان البلاد الأصليين ويعيشون في الغابات والجبال عيشة بدائية، منعزلين عن السكان الآخرين، ويوجدون في سومطرة الوسطى ويسمون: "لوبو" وفي سومطرة الجنوبية ويسمون: "كوبو" وفي إيريان ويسمون: "بابو" وفي مناطق أخرى غيرها، وليس لهم دين معين بل هم وثنيون يعبدون الأشجار والأحجار وغير ذلك.
ثم يأتي الجنس الملايوي، وهم غالب سكان الجزر الإندونيسية وأصلهم من الهند الصينية، وهي البلاد الواقعة في جنوب غرب الصين، وقد وفد أجدادهم إلى هذه الجزر منذ أربعة آلاف سنة، عندما نزح إلى بلادهم الصينيون واستولوا عليها، واضطروهم إلى الهجرة الجماعية، واستوطنوا أرخبيل الملايو الذي يشمل كل الجزر الواقعة في المنطقة: وهي الجزر الإندونيسية المعروفة الآن وماليزيا وبروناي والفلبين.
ثم توافدت إلى الجزر الإندونيسية أجناس أخرى من بلاد العرب والصين واليابان وأوروبا والهند، من أجل التجارة فاستوطنوا البلاد ـ ولكنهم يعتبرون أقليات بالنسبة للجنس الملايوي ـ وتكوَّن السكان من هؤلاء جميعاً. [راجع كتاب دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا حتى القرن السابع عشر الميلادي ص:5 وما بعدها، ورسالة محمود شاكر "إندونيسيا" ص: 15، ط1، وحاضر العالم الإسلامي لجميل المصري، ص:457].
عدد السكان:
يزداد عدد السكان في إندونيسيا بصورة مذهلة، كما تدل على ذلك الإحصاءات الرسمية من العهد الاستعماري إلى الآن.
فقد كان عدد السكان في سنة 1915م 40 مليون نسمة.
نسبة النصارى 1.9% أي أن عددهم (750.000) سبعمائة وخمسون ألف نسمة.
وفي سنة 1953م كان عدد السكان 78.389.000 نسمة.
وعدد النصارى 2.500.000 بنسبة 3%.
وفي سنة 1957م كان عدد السكان 83.100.120 نسمة، وهم كما يأتي:
1 ـ 72.128.000 مسلمون أي بنسبة: 89%
2 ـ 921.933 كاثوليك.
3 ـ 3.286.263 بروتستانت أي أن نسبة النصارى:5%
4 ـ 1.387.789 هندوس بنسبة: 1.25%
5 ـ 729.400 بوذيون بنسبة: 0.75%
6 ـ 3.647.062 أديان أخرى بنسبة: 4%
وفي عام 1976م كان عدد سكان إندونيسيا 118.367.850 نسمة.
وهم كما يأتي:
1 ـ 103.599.496 مسلمون 89%
2 ـ 2.692.215 كاثوليك
3 ـ 5.151.974 بروتستانت أي بنسبة 6 %
4 ـ 2.296.314 هندوس 1.5%
5 ـ 1.092.314 بوذيون 0.9%
6 ـ 3.535.552 أديان أخرى 2.6%
والمراد بالأديان الأخرى الباطنيون والوثنيون والبدائيون.
وفي عام 1985م كان عدد السكان 164.047.000 نسمة.
وفي عام 1988م كان عدد السكان 175.000.000 نسمة تقريباً.
نسبة الزيادة 2.1%.
معدل عدد السكان في كل كيلو متر من سنة 1930م ـ 1980م
المنطقة1930م1961م1971م1980مجاوة ومادورا315476576690سومطرة17334459كلمنتن481012سولاويسي22384555الجزر الأخرى8121519ونسبة السكان من حيث الأعمار في سنة 1980م:
1 ـ الشبان: 42% أي ما دون 15 سنة.
2 ـ الشيوخ: 5% أي ما فوق 65 سنة.
وقد أخبرني الإخوة الإندونيسيين في جاكرتا في شهر صفر من عام 1412هـ أي في هذا العام الذي أعد فيه هذا الكتاب أن عدد السكان حسب إحصاء الحكومة الرسمي الذي نشرته الأمم المتحدة سنة 1990م (179.322.000) نسمة.
وأن نسبة المسلمين 86% وعددهم 156 مليوناً. [وفي زيارتي لأندونيسيا في هذا العام 1419هـ أخبرت أن عدد السكان حسب إحصاء 1997م بلغ أكثر من مائتي مليون نسمة].
اللغات الإندونيسية وجريمة إقصاء الحروف العربية:
واللغة الرسمية الجامعة هي اللغة الملايوية التي كانت تكتب بالحروف العربية إلى ما بعد الاستقلال من الاستعمار الأجنبي.
وفي عهد سوكارنو استبدلت الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وكذلك كان الأمر في ماليزيا استبدل تنكو عبد الرحمن الحروف الإنجليزية بالحروف العربية.
اقتدى العلمانيون في هذين البلدين بالطاغية كمال أتاتورك الذي حرم الكتابة بالحروف العربية في تركيا، بعد أن كانت الحروف العربية هي الحروف الرسمية.
وقد حقق هؤلاء الزعماء بعد جلاء المستعمرين، ما لم يكن المستعمرون يجرءون على الإقدام عليه، محاولة من أولئك الزعماء أن يقطعوا الصلة بين أجيال بلدانهم المسلمة وبين كل ما يمت للإسلام بصلة.
ولا زالت الحروف العربية هي الحروف التي تكتب بها اللغة الملايوية في سلطنة بروناي رسمياً.
ولا زال المسلمون في فطاني يحاولون المحافظة على الكتابة بها، مع شدة المحاولة لإلغائها من قبل الحكومة الوثنية البوذية، وكذلك ما زال بعض العلماء يكتبون بالحروف العربية في كل من إندونيسيا وماليزيا، ولكن الأجيال لا تفهم إلا الحروف اللاتينية التي كان يسميها بعض علماء المغرب: الحروف النصرانية. [هو الدكتور محمد تقي الدين هلالي. رحمه الله].
تأثير اللغة العربية في اللغة الإندونيسية:
ولا زالت كلمات كثيرة من اللغة العربية تتخلل اللغة الإندونيسية، وبخاصة المصطلحات الإسلامية، يتضح ذلك في نشرات الأخبار في الراديو والتلفزيون وفي الصحف والمخاطبات العادية المتداولة بين الناس.
وأخبرني بعض الإخوة أن بعض المتعصبين القوميين المنتسبين إلى الإسلام، كان يدعو إلى حذف كل الكلمات العربية أو التي لها أصل عربي في اللغة الإندونيسية، وأنه ألقى محاضرة بهذه المناسبة فكان ـ وهو يحاضر ـ يذكر أثناء المحاضرة كلمات عربية [وهو لا يدري أنها عربية] وكان الناس يضحكون ساخرين منه، كيف يدعو إلى نبذ الكلمات العربية ويذكر منها كثيراً في تلك المحاضرة الحاقدة؟!.
وهذا يدل على تأصل تلك الكلمات العربية في لغة الإندونيسيين ويذكر بعض الإخوة الإندونيسيين أن نسبة الكلمات العربية في اللغة الإندونيسية قد تصل إلى 30%. وهكذا ذكر بعض الإخوة الماليزيين أن نسبة الكلمات العربية في اللغة الماليزية 30%.
وكنت قد كتبت بعض الكلمات العربية الواضحة أو المحرفة التي سمعتها في ماليزيا في الجزء الخاص بماليزيا من رحلتي إلى جنوب شرق آسيا سنة 1409هـ المطبوع بالآلة الكاتبة. [وقد أدخلت في الكمبيوتر وأعدت للطبع، كباقي الرحلات في المجلد السادس عشر سلسلة "في المشارق والمغارب"].
وقد دعم الدكتور عبد القادر الْحِبْشِي انتشار اللغة العربية وكثرة كلماتها في اللغة الإندونيسية، في رسالته تحت عنوان: مكانة اللغة العربية في نشر الإسلام وتأثيرها على اللغة والثقافة الإندونيسية.
وذكر كذلك أمثلة من ثلاث مجموعات، وهي:
المفردات الدينية، والمفردات الفكرية والثقافية، والمفردات الاجتماعية، وذكر أن 25% من مفردات اللغة الإندونيسية مقتبسة من اللغة العربية.
وقد رأيت إثبات ذلك بنصه ليطلع القارئ المسلم ـ وغير المسلم ـ على قوة تأثير لغة الإسلام في اللغات التي وصل إلى أهلها المسلمون عن طريق التجارة والدعوة، وبدون غزو عسكري أو إكراه سياسي أو غيره.
وهذا أمر طبيعي عندما يهتم المسلمون بنشر دينهم في الأرض، فإن لغتهم تصبح لغة الشعوب، وليست مؤثرة في تلك اللغات فقط، وهذه مصادر ديننا مثل أمهات الحديث وبعض كتب التفسير والفقه والتاريخ والقواعد النحوية، كتبها لنا رجال ليسوا من أصل العرب، ولكنهم تفوقوا على كثير منهم وأصبحوا أساتذتهم، هذا عندما كانت الحضارة الإسلامية حضارة إسلامية حقاً، وليست مزيفة مدعاة، كما هو الحال في العصور المتأخرة، حيث أصبح كثير من أبناء المسلمين يفتخر بليّ ألسنتهم باللغات الأجنبية أكثر من الاعتزاز بلغة القرآن التي يجهل قواعدها العامة.
ولولا حفظ الله لكتاب هذه اللغة وحفظ هذا الكتاب لهذه اللغة، لما كان لها وجود على الأرض، ولولا ما أبقاه الله من التدين في نفوس المسلمين جعلهم يحرصون على تعلم القرآن والسنة ويتعلمون اللغة العربية حباً لدينهم، لما بقي لها أثر في الأرض، لما لقيت من حرب سافرة من الأعداء الأجانب وأذنابهم في كثير من البلدان الإسلامية. [راجع عن أسباب وعوامل مواجهة اللغة العربية وحروفها في تعليقات السيد محمد ضياء شهاب على كتاب السيد علوي الحداد: المدخل إلى تاريخ الإسلام في الشرق الأقصى. ص:144-146].
لقد كان المسلم الإندونيسي والماليزي والمسلم التركي يستطيع قراءة القرآن بسهولة، لأن الحروف العربية هي أداة كتابة لغته، ولكن هذه الحروف أصبحت الآن أجنبية في مدرسته وجامعته ومعهده وتجارته ومعاملاته الرسمية، فلا يتعلمها إلا بصعوبة بالغة تحتاج إلى صبر المؤمن المحب لدينه. [ما عدا المعاهد الإسلامية الأهلية وبعض أقسام اللغة العربية في بعض الجامعات الإسلامية الحكومية في أندونيسيا].
وهذا نص ما كتبه الدكتور عبد القادر عن اللغة العربية في رسالته: [دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا حتى القرن السابع عشر الميلادي].
مكانة اللغة العربية في نشر الإسلام وتأثيرها على اللغة والثقافة الإندونيسية:
يهمني في هذا المقام أن أؤكد أن اللغة العربية استخدمت أحياناً كأداة للاتصال في العمل التجاري بين العرب والمسلمين القادمين من الشرق الأوسط وبين الإندونيسيين، وذكر في تاريخ إندونيسيا أن وظيفة شاه بندر كانت عادة يتولاها الأجانب، وخاصة العرب، لأن من شرط هذه الوظيفة إجادة اللغتين الملايوية واللغة العربية التي كان يتحدث بها معظم التجار المسلمين الوافدين في ذلك الوقت. [شريكي: دراسات عن المجتمع الأندونيسي ـ باللغة الإنجليزية ـ مرجع سبق ذكره ـ ص:238].
ولكن دور اللغة العربية ومكانتها في المجتمع الإندونيسي الإسلامي الجديد أكبر من أن تكون مجرد وسيلة الاتصال في العمل التجاري، وفي العلاقة الملاحية العربية الإندونيسية.
وربما كان الأقرب إلى الواقع أن ننظر إلى مكانة اللغة العربية في المجتمع الإندونيسي الجديد، من خلال الربط بين انتشار الإسلام في الجزر الإندونيسية من ناحية وتأثير اللغة العربية على اللغة الملايوية والثقافة الإندونيسية من ناحية أخرى، ذلك أن الرباط بين العربية والإسلام أقوى من أن يحتاج إلى شرح أو دليل، فالإسلام ولد في حجر العروبة، ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم ينتمي إلى أصل عربي صريح، وينتسب إلى أشرف القبائل العربية، والقرآن الكريم وهو دستور الإسلام نزل بلسان عربي مبين.
هكذا كان لابد أن يأتي انتشار الإسلام في الجزر الإندونيسية مصحوبا بانتشار اللغة العربية، بمعنى أن الظاهرة الأخيرة تبعت الظاهرة الأولى وجاءت في أعقابها، فتأثير اللغة العربية في اللغة الملايوية أكبر مما يتصوره كثير من الباحثين، خاصة إذا نظرنا إلى هذا التأثير من زاوية بُعد إندونيسيا من بلاد العرب، وأن تعداد العرب الوافدين إلى إندونيسيا ضئيل جداً بالمقارنة لعدد الجزر الإندونيسية، وبالمقارنة لتعداد سكان إندونيسيا، ولكن لأن الإسلام أخذ ينتشر في إندونيسيا في نطاق واسع وسريع، أصبحت اللغة العربية أيضا تؤثر في اللغة الملايوية والثقافة الإندونيسية في نطاق واسع.
لذلك ذهب بعض الباحثين والمؤرخين مثل الدكتور "همكا" إلى أن اللغة العربية كانت تعتبر أيضاً لغة رسمية في بلاط سلطنة سامودرا باساي، إضافة إلى كونها لغة العلم والعلماء في الدولة نفسها. [همكا: قدوم الإسلام إلى أندونيسيا ـ رسالة المؤتمر ـ باللغة الأندونيسية ـ ص: 83].
وكان من بين الحجج التي أوردها همكا لبرهنة مكانة اللغة العربية في سلطنة سامودرا باساي وفي المجتمع الإندونيسي عامة في ذلك الوقت، هو ما كتبه الرحالة ابن بطوطة عن زيارته إلى سومطرة الشمالية وتحدثه إلى السلطان الملك الظاهر وكبار رجال دولته باللغة العربية، [ابن بطوطة، ص: 618-619]. مما يدل على أن اللغة العربية ليست مجرد لغة العلم والدراسة فقط، بل كانت أيضاً لغة التخاطب في بلاد سامودرا باساي وربما في خارجها أيضاً. [همكا: قدوم الإسلام إلى أندونيسيا، ص: 83].
وعلى هذا الأساس يمكن أن نعتبر أن اللغة العربية قد استخدمت أيضاً في ذلك الوقت كوسيلة لنشر الإسلام، وإن كانت في نطاق ضيق، ولذلك لا نستغرب إذا كانت اللغة الملايوية حتى القرن الماضي ما زالت تكتب بالحروف العربية، حتى أن اللغة الملايوية ـ الإندونيسية حالياً ـ التي تكتب بالأبجدية العربية كانت تعرف أيضاً لدى الإندونيسيين باسم "عرب ملايو" أي العربية الملايوية.. وفي ماليزيا حتى الآن يطلقونها باسم "ARAP JAWI" أي العربية الجاوية..
وأما اليوم ـ فللأسف الشديد ـ فتكتب اللغة الملايوية (الإندونيسية) بالحروف اللاتينية.. وقد نجح الاستعمار بالتعاون مع القوميين والمنافقين في تحويل استخدام الأبجدية العربية إلى استخدام الأبجدية اللاتينية في كتابة اللغة الملايوية (الإندونيسية).
إن الذي يطلع على اللغة الإندونيسية (الملايوية القديمة) المكتوبة والمنطوقة ليذهل من سعة وعمق تأثير العربية فيها، ولا بد أن نؤكد هنا أن آثار لغة ما في لغة ثانية، إنما يقوم دليلاً عملياً واضحاً على تفوق اللغة الأولى، بحيث تحتل مكانها في نسيج اللغة الأخرى وتصبح جزءاً لا يتجزأ منها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن وجود آثار للغة ما في لغة أخرى إنما يقوم أيضاً دليلاً على وجود تأثير ثقافي وحضاري [فيصل السامر "الإسلام في أندونيسيا"، ص: 491]. فالتأثير الثقافي والحضاري هنا يعود بالدرجة الأولى إلى دين الإسلام الحنيف، كما أنه يبرهن بشكل قاطع بدور العرب القيادي في دخول الإسلام وانتشاره في الجزر الإندونيسية. [انظر السيد علوي بن طاهر: المدخل إلى تاريخ الإسلام، ص: 100-101].
لا أغالي إذا قلت: إن الباحث في اللغة الإندونيسية يستطيع أن يتأكد أن 25% تقريباً من مفردات اللغة الإندونيسية مقتبسة من اللغة العربية.
إنني لا أريد هنا أن أورد قاموساً كاملاً لهذا الألفاظ العربية الأصل، لكني سأكتفي بإيراد طائفة فحسب من المفردات العربية التي احتلت مكانها في اللغة الإندونيسية العصرية.
أولاً: المفردات الدينية:
الكلمةمقابلتهاالكلمةمقابلتهاالكلمةمقابلتهاخشوعKhusukصدقةSadaqahخضوعKhuduنذرNazarتواضعTawadhukروحRuhاعتكافIktikafأبديAbadiمناجاةMunajatإبليسIblisدعاءDu`aبركةBerkatحلالHalalأذانAzanمباحMubahمؤذن(بلال)BilalحرامHaramغيبGhaibقدرة اللهKodratمكروهMakruhطاعةTaatمعصيةMaksiatدنياduniaالملائكةMalaikatآخرةAkhiratالمعجزاتMukjizatالقيامةKiamatالكرامةKramatآيةAyatالشيطانSuaithanالحجةHujjahالإخلاصIkhlasالحكمHukumالتكبرTakaubrالإجازةIjazahالرياءRiya`الشهادةSyahadatالاختيارIkhtiar
المفردات الفكرية والثقافية:
الكلمةمقابلتهاالكلمةمقابلتهاالكلمةمقابلتهاعلاماتAlamatالأبجديةAbjatإعلانIklanحكمةHikmatالحروفHurufحقHakعادلAdilباطلBatilظالمDhalimمقصودMaksudأدبAdabحكايةHikayatعقلAkalقصةKisahإذنIzinكلمةKalimatرسالةRisalatسورةSurat علم العالمIlmu AlamالخلاصةKhulasahعالمAlamهواءHawaعجائبAjaibأقربAkrabجزءDyuzعاقبةAkibatكلياتKuliyyahأهل AhliفكرPikirعمل AmalاصطلاحIstiahأمانAmanدليلDalilالأمانةAmanatبرهانBurhanالعزيمةAzimatسلطنةKesultanالعوامAwamفهمFahamالأصلAsalبابBabالأساسAsasالعارفArifالفلكFalakعاداتAdatمخلوقMahklukدفترDaftarلفظ afazLحالHalمقدمةMukaddimahدرجةDerajatمثالMisal
المفردات الاجتماعية:
الكلمةمقابلتهاالكلمةمقابلتهاالكلمةمقابلتهاقومKaumموافقةMufakatأمةUmmatمجلسMajlisرزقRizkiمنافقMunafikالغفلةGhaflatالمشاورةMusyawaratالأخلاقAkhlakالعقدAkadالمؤتمرMuktamarالطلاقTalakالنكاحNikahسلامSalamسلاماتSelamatاحتفالFestifalمبذرMubazzirخدامKhadamديوانDewanتهنئةTahnia`hخيانةKhianatإمامImamمناسبةMunasabatخيمةKemahبخيلBakhilصلة الرحمSelaturahmiقاضKadiطمعTamakمحكمةMahkamahرعيةRakyat هذه مجرد طائفة مختارة من مئات المفردات والمصطلحات العربية التي دخلت إلى اللغة الإندونيسية.
وأرى أن الأستاذ ديتس سميث غير محق حينما تحدث عن نمو اللغة الإندونيسية، حيث ركز فقط في تأثر اللغة الإندونيسية باللغات الأوروبية الحديثة وقال: إن نمو اللغة الإندونيسية في الثلاثين سنة الأخيرة جديرة بالذكر حقاً، [ديتس سميث: إندونيسيا ـ شعبها وأرضها، ص: 201]. ولم يشر إلى تأثر هذه اللغة باللغة العربية، لكونها صاحبة التأثير العظيم على اللغة الإندونيسية، بل على اللغات الإندونيسية الأخرى المحلية الإقليمية منذ مئات السنين. [فيصل سامر "الإسلام في أندونيسيا"، ص: 491].
إن تأثير اللغة العربية يمكن تتبعه في إندونيسيا منذ عصور مضت، فشواهد القبور الكثيرة المبثوثة في سومطرة وجاوة وغيرهما من الجزر الإندونيسية، تُحَدِّثنا عن ذلك التأثير العظيم.
وتمتاز شواهد القبور التي صنعت من الرخام أو الحجر بكتابات عربية بالخط الكوفي أو النسخ أو غيرهما، وبالزخارف والنقوش الإسلامية الجميلة على شكل نباتات وأزهار مكونة من تداخل الكلمات، وهي صنعة فنية برع فيها العرب والمسلمون وتعتبر من أبرز مقومات تراثهم الفني [المرجع السابق، ص: 494]. حيث نشاهد هذه الصورة الرائعة في قبر الملك الصالح سلطان سلطنة سامودرا باساي، وقد نقشت على شاهد قبره العبارة الآتية: "هذا قبر المرحوم المغفور له التقي الناصح الحبيب النسيب الكريم الحليم الفاتح الملقب بالسلطان الملك الصالح الفقيه الذي انتقل في رمضان سنة ستمائة وتسعين من الانتقال النبوي". [زين العابدين "تاريخ آتشيه ونوسنتارا"، ص: 51].
ومن الطريف أن أذكر هنا أن الإندونيسيين منذ مئات السنين، قد دونوا على بعض قبورهم أبياتا من الشعر العربي، ما يدل على قوة تأثير اللغة العربية وثبوتها في البلاد وفي لغات الإندونيسيين، ورغبتهم في تقليد مسلمي البلاد العربية في كل شيء، حتى في تزيين قبورهم بالأشعار التقليدية المعروفة، مثال ذلك ما كتب على قبر ابن عم الملك الكامل، والذي كان داعية أسلم على يده كثير من أهل سومطرة الغربية (توفي سنة 630هـ):
أو ما نقش على قبر الملك الصالح:
ربما هذا الشعر ليس في مستوى فني عال، ولكنه يمكن أن يكون برهاناً على عمق تأثير اللغة العربية في حياة المسلمين الإندونيسيين منذ مئات السنين، إن مثل هذا التأثير يمكن أن يكون دليلاً على أن العرب هم حملة الإسلام إلى تلك البلاد. [سعيد عاشور "الإسلام والتعريب"، ص: 475].
صورة شاهد لقبر مولانا ملك إبراهيم أحد كبار الدعاة إلى الإسلام في إندونيسيا، توفي في 12 ربيع الأول 822هـ والصورة توضح أثر الثقافة العربية الإسلامية في حياة المسلمين الإندونيسيين، الصورة مأخوذة من كتاب تأثير الأخلاق الإسلامية في المبادئ الجاوية القديمة تأليف المستشرق دريوس.
أما اللغات الأخرى واللهجات الموجودة في إندونيسيا فقد تبلغ 250 لغة ولهجة، ولا يفهم أهل لُغة لغة آخرين إلا بالتعلم والاختلاط". [انتهى كلام الأخ عبد القادر... وأنبه على أن استشهاده بالكتابات العربية على بعض القبور، إنما قصد به إثبات تأثير اللغة العربية في اللغة الإندونيسية، لا إقرار الكتابة على القبور، وقد نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم].
المحافظات الإندونيسية:
وعدد محافظات إندونيسيا سبع وعشرون محافظة وهي:
الرقماسم المحافظةالرقماسم المحافظة1آتشيه15كلمنتن الوسطى2سومطرة الشمالية16كلمنتن الجنوبية3سومطرة الغربية17كلمنتن الشرقية4رياو18سولاويسيي الشمالية5جامبي19سلاويسي الوسطى6سومطرة الجنوبية20سلاويسي الجنوبية7بانكولو21جنوب شرق سلاويسي8لامبونج22بالي9جاكرتا23نوساتنجارا الغربية10جاوة الغربية24نوساتنجارا الشرقية11جاوة الوسطى25تيمور الشرقية. "فصلت"12جوكجاكارتا26مالوكو13جاوة الشرقية27إيريان جايا14كلمنتن الغربية
الأديان في إندونيسيا:
كانت المعتقدات القديمة التي ذكرها المؤرخون في إندونيسيا، هي ما تسمى بالأنيسية الأرواحية ومعناها: اعتقاد أن كل شيء في الكون روحاً، أو الروح هي المبدأ الحيوي المنظم للكون.
فاعتقد الإندونيسيون ذلك، وكانوا يعبدون آباءهم وأجدادهم، اعتقاداً منهم بأن أرواحهم أقوى أثراً، ولهذا كانوا يقدسون المقابر ويُجِلُّونها، كما كانوا يعبدون الحيوانات المختلفة، وبخاصة التي يرهبونها كالتماسيح والضواري، ولا زالت الوثنية البدائية تنتشر في بعض المناطق إلى الآن كما سبق.
ثم كانت أول ديانة أجنبية دخلت إلى إندونيسيا، هي الديانة الوثنية الهندوكية، عندما بدأت العلاقة بين الهندوس والإندونيسيين في القرن الثالث الميلادي تقريباً، واختلف في غرس هذه الديانة في نفوس أهل البلاد.. أكان عن طريق رجال الدين من طبقة البراهماتيين، أم عن طريق طبقة الكسترية؟ أي العسكريين، وعلى أية حال فقد انتشرت الديانة الهندوسية في البلاد، وقامت عليها ممالك عظيمة.
ثم أخذت الديانة البوذية تنتشر ويعتنقها بعض الهندوكيين أنفسهم، ولا يوجد فرق كبير بين الديانتين من حيث المعتقدات والطقوس، ولذلك مزج بعض الملوك الإندونيسيين بين العبادتين ليضمن ولاء الناس كلهم وقامت لها كذلك ممالك قوية.
كما دخلت الكنفوشوسية عن طريق الصينيين المهاجرين، ولكن انتشارها بالنسبة للديانتين المذكورتين كان ضئيلاً. [دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا حتى القرن السابع عشر، ص: 6-7].
صلة العرب بأرخبيل الملايو ومنه إندونيسيا:
لقد حاول المستشرقون والمنصرون طمس معالم المسلمين في أرخبيل الملايو، كما سيأتي، وبرغم تلك المحاولة، فإن الله ينطق بعضهم بالاعتراف بالواقع بطريق غير مباشر وبطريق مباشر أحياناً.
قال سير توماس أرنولد وهو مستشرق إنجليزي في كتابه "الدعوة إلى الإسلام": [ترجمة الدكتور حسن إبراهيم والدكتور عبد المجيد عابدين، الناشر مكتبة النهضة المصرية، 1970م].
"ومن المحال أن نعرف على وجه التحقيق التاريخ الدقيق لأول دخول الإسلام في أرخبيل الملايو، وربما حمله هناك تجار العرب في القرون الأولى للهجرة، وذلك قبل أن تصل إلينا أية معلومات تاريخية عن حدوث أمثال هذه المؤثرات في تلك البلاد بزمن طويل. [ليس الهدف هنا معرفة متى دخل الإسلام وإنما قصدت ما ذكره بعد هذا من اتصال العرب بالمنطقة اتصالاً مبكراً].
ومما جعل هذا الغرض أكثر احتمالاً، ما نعرفه من أن العرب زاولوا مع بلاد الشرق تجارة واسعة النطاق منذ عصور مبكرة جداً، ففي القرن الثاني للهجرة كانت تجارتهم مع سيلان (سريلانكا الآن) كلها في أيديهم.
وفي مستهل القرن السابع الميلادي لقيت تجارتهم مع الصين عن طريق سيلان رواجاً عظيماً، حتى لقد وجدنا تجار العرب في أواسط القرن الثامن يقيمون في كانتون في جموع غفيرة. [مدينة في جنوب الصين، وكانت تسمى "خانقو" تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر لبدر الدين و.ل.جي. ص: 16-17].
وفي الفترة التي بين القرنين العاشر والخامس عشر، حتى قدوم البرتغاليين، كان العرب سادة التجارة مع الشرق دون منازع.
لذلك نستطيع أن نزعم في شيء من التأكيد المقبول أنهم لا بد أن يكونوا قد أسسوا مستعمراتهم التجارية في بعض جزائر أرخبيل الملايو كما فعلوا ذلك في الأماكن الأخرى في عصر مبكر جداً.
ومع أننا لا نجد ذكراً لهذه الجزائر في مؤلفات جغرافيي العرب قبل القرن التاسع، نجد في حوادث سنة 684م في الأخبار الصينية المدونة حسب السنين خبراً عن زعيم عربي يظن من التعليقات المتأخرة أنه كان زعيم مستعمرة عربية على ساحل سومطرة الغربي". [الدعوة إلى الإسلام، ص: 401-402].
وفي كتاب "الدعوة الإسلامية في ماليزيا: ظهورها وانتشارها": [للدكتور وان حسين عزمي، والدكتور هارون دين].
"كانت الصلات قد توطدت بين بلاد العرب والصين قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بزمن طويل، فكانت حاصلات الشرق تتلقاها بلاد الشام وموانئ البحر الأبيض المتوسط وتمر بنسبة هائلة عن طريق بلاد العرب، وأن جونج [المراكب الصينية الكبيرة] كما ذكر في السجلات الصينية، قد وصلت إلى الخليج الفارسي ونهر الفرات ونهر دجلة، وأن العرب أيضاً قد أبحروا إلى الصين...". [ص: 35].
قلت: وإذا كانت السفن الصينية وصلت إلى الخليج قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ـ أو بعد البعثة ـ وكان العرب قد وصلوا إلى الصين عن طريق البحر، ولا طريق لهم في البحر إلا عبر المحيط الهندي وبحر ملقا الذي يمر بين سومطرة وشبه جزيرة الملايو، فلا بد أن يكونوا اتصلوا بأرخبيل الملايو قبل البعثة النبوية واستمروا على ذلك حتى صاروا كما قال أرنولد: "سادة التجارة مع الشرق بلا منازع" كما مضى قريباً.
متى دخل الإسلام الجزر الإندونيسية؟
علم مما سبق أن صلة العرب بأرخبيل الملايو قديمة جداً، حتى قال بعض الكتاب معتمداً على مصادر موثوق بها: إن صلة العرب بهذه المنطقة كانت قد بدأت من القرن الثاني الميلادي، أي قبل البعثة النبوية بخمسة قرون تقريباً. [راجع المدخل إلى تاريخ الإسلام في الشرق الأقصى للسيد علوي بن طاهر الحداد، بتحقيق وتعليق محمد ضياء شهاب، ص: 91، الطبعة الأولى، عالم المعرفة جدة].
وقد استمرت هذه الصلة تتصاعد حتى أصبح العرب هم سادة التجارة في المنطقة، بلا منازع كما قال أرنولد. [سبق قريباً].
وإذا كانت صلة العرب قديمة بالمنطقة ومستمرة، فإنه يؤخذ من ذلك أن المسلمين العرب يمكن أن يصلوا إليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاراً كعادتهم، ولا دليل يدل على انقطاعهم عنها، ولا يلزم من وصول المسلمين مبكرين إلى المنطقة دخول أحد من السكان في الإسلام أو عدم دخوله، هذا من حيث الجملة.
أما إذا رجعنا إلى بعض ما كتب عن وصول المسلمين إلى هذه الجزر، فسنجد ما يؤكد دخول الإسلام في القرن الأول الهجري، من ذلك ما ذكره الدكتور يوسف شلبي الأستاذ بجامعة الأزهر بقوله:
"تؤكد الوثائق المكتوبة باللغة الصينية أن الإسلام دخل إلى جزر الأرخبيل في القرن الأول الهجري ـ السابع الميلادي ـ فقد عثر في هذه الوثائق على نص يفيد أنه في عام 675 ـ 674م وصل إلى جاوة رجال من العرب، وقد أقاموا قرية على شاطئ سومطرة الشمالية عام 684م، ويقابل هذا التاريخ بالهجرة عام 52 ،62 بمعنى أن هناك قافلتين وصلتا إلى هذه البلاد في القرن الأول الهجري، واستطاعت أن تؤسس لها مركزاً تستعين به على نشر مبادئ الإسلام". [ص: 49، من كتاب الإسلام في أرخبيل الملايو].
وقال الحاج عبد الله بن نوح في محاضرة ألقاها في الندوة التي عقدت في مدينة ميدان بسومطرة الشمالية من 17 ـ 20 من شهر مارس سنة 1963م وهي تتعلق بدخول الإسلام إلى إندونيسيا. [وقد توصل المشاركون في هذه الندوة أن الإسلام دخل إلى إندونيسيا في القرن الأول الهجري، ما بين القرن السابع والثامن الميلادي].
وقال: "وقد قرأنا أن التجارة غربي سيلان كانت منذ أقدم العصور بأيدي العرب والفرس، وأن جنوب جزيرة العرب قبل الإسلام، كان مهد حضارة ومركز تجارة، بل ورد أن تجارة البحر مع الشرق الأقصى كانت للعرب، فمن الطبيعي أن نبأ ظهور النبي العربي صلى الله عليه وسلم وصل إلى الشرق الأقصى من طريق العرب بقدر سرعة الرياح التي كانت تسير بها السفن التجارية، وبعد إسلامهم كانوا أيضاً بطبيعة الحال رسل الدعوة الإسلامية.
فلا بد أن الإسلام قد وصل إلى إندونيسيا في أول القرون الهجرية، بل قبل ذلك حصل في عهد خلافة عثمان رضي الله عنه، ذلك بأن اتصال العرب بإندونيسيا كان قد وجد من قديم بسبب الملاحتين العربية والإندونيسية...". [كتيب: "الإسلام في أندونيسيا، لمحمد ضياء شهاب، وعبد الله نوح، ص: 14، طبع الدار السعودية للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1397هـ ـ 1977م].
وقال محمد ضياء شهاب في محاضرته في نفس الندوة المذكورة:
"تقول الكتب العربية القديمة والآثار: إن العلاقات بين الشرق الأقصى عموماً قديمة جداً، كانت علاقات تجارية، ثم تلتها علاقات دينية.
وإذا كانت علاقات الصين بالمسلمين بدأت في القرن الأول الهجري، فمن المؤكد أن المسلمين قد وصلوا إلى جزائر إندونيسيا لأنها واقعة في خط الملاحة بين الشرق والغرب منذئذٍ.
قال الدمشقي في كتابه (نخبة الدهر) ص132،168، عند ذكر بلاد (الصنف): إن المسلمين وصلوا في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقال: إن العلويين الذين هربوا من ظلم بني أمية والحجاج بن يوسف جاءوا ودخلوا بحر (الزفتي) واستوطنوا جزيرة معروفة باسمهم إلى الآن. [أي إلى عهد الدمشقي].
وزفتي كما رأينا أنه في سومطرة، وقد فصلنا ذلك في كتابنا "تاريخ إندونيسيا بإسهاب، كما أننا نرى أن المراد بالعلويين هم أتباع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه". [المرجع السابق، ص: 15-16. وراجع: خلاصة ما خرج به أعضاء هذه الندوة وتعليقات السيد محمد ضياء شهاب على كتاب المدخل إلى تاريخ الإسلام في الشرق الأقصى، ص: 204].
وقال الدكتور قيصر أديب مخول:
"إلا أن التجار العرب وصلوا بتجارتهم ـ على ما يظهر ـ إلى الصين، فقد كشفت السجلات الصينية القديمة أنه كان للعرب ـ وربما الفرس أيضاً ـ في الصين سنة 300 ميلادية، أماكن استيطان ومراكز محاسبة في كانتون". [مدينة في جنوب الصين].
لذا يمكن القول بصورة عامة أن العرب في العصور القديمة والوسطى ملكوا زمام التجارة البحرية بين مصر وإيران والهند من جهة، وبين الهند وشرقي وجنوب شرقي آسيا من جهة أخرى.
وفي العقد الأول من القرن السابع [يقصد الميلادي] ازداد عدد التجار "العرب والفرس" ازدياداً كبيراً، وفي أواسط القرن الثامن 758م ارتفع عدد المسلمين في كانتون بالصين إلى درجة استطاعوا معها أن يغزوا البلد ويحرقوها ويأخذوا غنائمهم إلى مراكبهم ويبحروا بها.. [كتاب الإسلام في الشرق الأقصى، تعريب الدكتور نبيل صبحي، ص: 17، والدكتور قيصر ولد في الفلبين من أب سوري هاجر إلى الفلبين عام 1901م تقريباً، وأم فلبينية، وكان الدكتور قيصر عميد الكلية الجامعية وأستاذ الفلسفة في جامعة الفلبين، وكان مسيحياً ثم اعتنق الإسلام وعمره ثمانون سنة عندما كان يحضر لشهادة الدكتوراه في أمريكا، انظر مقدمة المعرب في نفس الكتاب].
ونقل الدكتور الْحِبْشِي عن دائرة المعارف الإندونيسية أن مستعمرة إسلامية ظهرت في ميناء صغير يقال له باروس (BAROS) بالساحل الغربي لجزيرة سومطرة عام 63هـ 684م وذلك في عهد يزيد ين معاوية بن أبي سفيان". [دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا حتى القرن السابع عشر، ص: 233].
كما ذكر الدكتور الْحِبْشِي التقرير الصيني عن بعث ملك عربي وفداً إلى مملكة هولنج، واختلف في موقع هذه المملكة، فقيل في جاوة الشرقية، وتسمى كالنج أو كولنج، وقيل في جاوة الوسطى، وقيل في "كده" [وتنطق "قدح"]. في شبه جزيرة الملايو، ورجح القول الأول الدكتور همكا، ورجح القول الثاني الدكتور الْحِبْشِي، ورجح القول الثالث بعض المستشرقين.
كما اختلف في الملك العربي، وتشير المراجع الصينية إلى أن مملكته تسمى: تاشي، ورجح الدكتور همكا أن هذا الملك هو معاوية بن أبي سفيان، بعث وفداً للاطلاع على أحوال هذه المملكة ـ هولنج ـ وما قيل من عدالة ملكتها المسماة سيمو (SIMO) ويقول الدكتور همكا: إن الصينيين يطلقون كلمة تاشي (TASHEH) على العرب، ويرجح بعض المستشرقين أن مملكة تاشي هذه مستعمرة عربية في ساحل سومطرة الغربي.
ويرجح الدكتور الْحِبْشِي أن هذه المملكة هي مملكة آتشي الواقعة في شمال سومطرة، وهي أول بقعة في الجزر الإندونيسية أقيمت فيها مستعمرة عربية وهذا التقرير الصيني حدث في عهد الأسرة الحاكمة الصينية التي يطلق عليها أسرة تانج (TANG).
ثم قال الدكتور الْحِبْشِي، بعد أن سرد مجمل التقرير وآراء المؤرخين فيه وعلق عليه بما يرى، قال: "كل هذا يؤكد وجود الإسلام والمسلمين في الجزر الإندونيسية مبكراً في القرن الأول الهجري، السابع الميلادي". [المرجع السابق، وقد ذكرت خلاصة ما ذكره الدكتور الحبشي بالمعنى، ص: 42-50. بل ذكر الطالب الأندونيسي محمد هداية نور وحيد في رسالة الماجستير سنة 1407هـ: الباطنية في أندونيسيا، التي نال شهادتها في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ـ نقلاً عن كتاب السنة والشيعة ـ لمؤلفه الأستاذ علي هاشمي رئيس مجلس العلماء في محافظة آتشيه وأستاذ الدراسات العليا في الجامعة الحكومية بها أن مملكة إسلامية قامت في منطقة فولاك بسومطرة الشمالية في شهر محرم من سنة 255هـ ـ الموافق لسنة 840م، راجع الرسالة المذكورة "الباطنية في أندونيسيا ص: 83، وراجع ص: 233، من كتاب دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا حتى القرن السابع عشر الميلادي].
طمس الحقائق والغرض منه:
وهنا يرد سؤال مهم جداً، وهو أن يقال: لماذا يتلمس كتاب التاريخ المسلمون من الإندونيسيين وغيرهم، ومن غير المسلمين أيضاً، إثبات دخول الإسلام إلى إندونيسيا من المؤلفات الصينية؟ ولماذا لم توجد كتب عربية تدون دخول المسلمين إلى إندونيسيا، والمسلمون معروفون بالكتابة والتدوين؟ وكذلك لماذا لم توجد مؤلفات إندونيسية تغني عن التماس ذلك من الكتب الصينية؟
والجواب أن المستعمرين الأوروبيين وأساطين المستشرقين والمنصرين الحاقدين على الإسلام والمسلمين، الذين لا ترضى نفوسهم بإثبات أي فضيلة للعرب المسلمين وسبقهم في ميدان الحضارة والتقدم اللذين لم تذقهما أوروبا إلا عن طريقهم، قد حاولوا جاهدين طمس تاريخ الإسلام والمسلمين في إندونيسيا، وإخفاء الحقائق الناصعة التي أبى الله إلا أن تبقى في المآذن والمساجد والمدارس والمعاهد والعلماء من أهل البلد ومن العرب، يرثها اللاحق عن السابق.
وقد نقل السيد علوي بن طاهر الحداد في كتابه: "المدخل إلى تاريخ الإسلام في الشرق الأقصى" ما يدل على سرقة المستعمرين واغتصابهم كل أثر يدل على تاريخ العرب وجهودهم في إيصال الإسلام إلى هذه الجزائر، بل وتحضير أهلها وتثقيفهم وجعلهم يرتقون سلم المجد بسبب دخولهم في الإسلام وأخذهم بمبادئه.
فقال تحت عنوان: "تواريخ جزائر إندونيسيا وما نزل بها من مصائب":
"قال الكاتب عبد الله منشي بن عبد القادر في حكايته عن ملك في القرن الثالث عشر الهجري، بما يتضمن ما يلي:
كان يوجد في بلاد الملايو لذلك العصر مجتمع مؤلف من الملايو، والكيلغ والعرب ولفيف مختلف من التجار من الصين وغيرهم، وفي ذلك العصر جمعت هولندا من رياو ولينغا وفاهانغ وترنغانو وكلانتن، كتباً ملايوية وحكايات، نحو سبعين مجلداً".
ثم تساءل السيد علوي قائلاً: "إذن فأين هذه المجلدات؟ وإذا كان قد اجتمع من هذا البلدان نحو سبعين مجلداً، فكم اجتمع لها من جاوة وسومطرة وجزائر سيلا وجزائر الملوك؟ إنه لا محالة يبلغ المئات أو الألوف، فأين هي؟
ولما وردتُ إلى جاوة سنة 1341هـ أخذت أبحث عن التواريخ الجاوية، فقيل لي: ينبغي أن لا تفتح فمك بهذا؟ فإن هنا قانونا قد شرعته الحكومة [أي الهولندية] "أنه يلزم من كان بيده تاريخ خطي أن يسلمه إلى لجنة أقامتها لاستلام ـ لتسلم ـ التواريخ الإسلامية الجاوية".
وبعد سنتين زادت في ذلك القانون مادة بأن من وجد عنده تاريخ لم يسلمه للجنة، يحكم عليه بالسجن أو حتى بالقتل.
ـ إلى أن قال ـ : فإذا نظرنا إلى ما جمعته هولندا من التواريخ وذهب ضياعاً، عرفنا السر الذي نبحث عنه، وهو أن التواريخ الصينية كلها تتحدث عن العرب وبلادهم وتجارتهم ومراكبهم، والكبار ممن ورد الصين منهم ووفود خلفاء الإسلام، ولا نرى لجزائر الشرق الأقصى تاريخاً يذكر ما كان، كأنها ليست على طريق النهضة التجارية أو مسكونة خاملة.
لكن مما ذكرنا وما لم نذكره نعرف أن تواريخ علمائها ومثقفيها، ذهبت إلى حيث لا رجعة، وأخذت من أيديهم على سياسة مبيتة، وهو إحداث تاريخ لهم ملفق، يصغر لهم دين الإسلام وحكومته وتجاره، ومن جاء به، ويقطع بينهم وبين أول أمة نشرته وهم العرب. [والمهمة هنا تقع على علماء أندونيسيا المسلمين وطلبة العلم وبخاصة الذين جمع الله لهم بين إتقان اللغة العربية مع الأندونيسية ليحاولوا التفتيش في مكتبات المستعمرين في الغرب لعلهم يجدون شيئاً حفظه الله من الإتلاف المتعمد فيضيء للمسلمين الدرب المظلم من تاريخهم المغتال].
وذكر عبد الله بن عبد القادر منشي في حكايته أن المستر "رافلس" جمع نحو ثلاثمائة مجلد، أما ما وجده البرتغال و الأسبان فأول ما يتبادر إلى الفهم أنه أحرق لوقته، لأن عند هؤلاء قاعدة معلومة أسسها لهم الكاردينال خمنيس. [الذي أمر بإحراق كتب المسلمين في الأندلس عندما غاب نجم الإسلام هناك، وكانت مئات الآلاف في كل منطقة. انظر: المدخل إلى تاريخ الإسلام في الشرق الأقصى، ص: 372-374].
وقال في موضوع سابق: "على أن بعض المستشرقين المتكلمين على تاريخ دخول الإسلام في الشرق الأقصى، يؤخرون تاريخ دخوله ما استطاعوا، وهذا صادر عن عاطفة تتعلق بفخر اكتشاف الشرق الذي أدركوه، أو راجع إلى عدم الاطلاع على الحقيقة، لأن كتب الإسلام النفيسة والتواريخ الثمينة كلها وقعت بأيديهم، وهم يجعلون أول دخول الإسلام كان إلى سومطرا سنة 694هـ ـ1292م وهي السنة التي جاء "ماركوبولو" ويلغون ما سوى ذلك من الدلائل على دخول الإسلام إليها من قبل، ويهملونها إهمالاً كلياً، ومع اكتساحهم تواريخ الشرق الأقصى في محو هذا التاريخ الإسلامي وتحريفه، بقيت بأيدي المسلمين بقية من التواريخ الوطنية والكتب العربية، فيها أخبار صريحة بدخول الإسلام قبل الزمن الذي عينوه تبعاً لـ(ماركوبولو). [المرجع السابق، ص: 204-210، هذا مع العلم أن الباحثة الغربية "فرانسيس وود" رئيسة القسم الصيني بمكتبة المتحف البريطاني، قد أنكرت في كتابها "هل ذهب ماركبولو إلى الصين؟" صحة رحلة هذا الرجل إلى الصين، بل قالت: إنه رحلته لم تتجاوز مدينة القسطنطينية والبحر الأسود، وأنه اعتمد في كتابه على المصادر العربية التي كتبها رشيد الدين وابن بطوطة عن تاريخ بلاد الصين وشرق آسيا، وبهذا يسقط الاحتجاج بما ذكره هذا الكاتب الإيطالي عن الإسلام في الشرق الأقصى بأكمله، مجلة المجلة عدد839، ص:68].
إذًا فالأوروبيين أرادوا من طمس الحقائق التاريخية للإسلام والمسلمين في الجزائر الإندونيسية [والشرق الأقصى عموماً] هدفان:
الهدف الأول: ـ وهو الأهم ـ التقليل من شأن الإسلام والمسلمين، وإقناع الناس بأن المسلمين ليسوا أهلَ سبقٍ في الدنيا والآفاق، وأن الإسلام ليس هو الذي ارتقى بأهل تلك المنطقة في سلم الحضارة والعلم والأخلاق الفاضلة.
الهدف الثاني: إيهام الناس أن الأوروبيين هم أهل السبق في الاكتشاف وارتياد أقاصي الأرض. [وإذا انطلى هذا التضليل على الجهلة من البشر فإنه لا ينطلي على من له أدنى اطلاع على فتوحات المسلمين ورحلاتهم وحضارتهم، ويكفي أن تراجع في هذا كتاب "حضارة العرب" لغوستاف لوبون الذي بين زيف بني جنسه المفترين على المسلمين].
الآثار التاريخية تكذب دعوى الأوروبيين:
يزعم الأوربيون بأن الإسلام دخل إلى الشرق الأقصى في القرن السابع الهجري والقرن الثالث عشر الميلادي.
ومما يدحض باطل هؤلاء الحاقدين ما اكتشف من مقابر إسلامية يعود تاريخها إلى القرن الخامس الهجري، والقرن الحادي عشر الميلادي. [راجع كتاب: دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا حتى القرن السابع عشر الميلادي. ص: 50 وما بعدها].
وإذا كان هذا هو موقف الأوروبيين من تحديد وقت دخول الإسلام وزحزحته إلى ما يقارب ستة قرون بدون دليل إلا مجرد الدعوى التي تخالف الحقيقة، فما موقفهم من الدعاة العرب الذين نشروا الإسلام في تلك الجزائر؟
من نشر الإسلام في الشرق الأقصى؟
بادئ ذي بدء لا يهمنا على يد من انتشر الإسلام في هذه الجزائر أو غيرها، فلصاحب الفضل فضله وأجره على الله تعالى، وهذا الدين هو دين الله وهو دين عالمي شرعه الله لجميع البشر، من وقت ما قام رسوله صلى الله عليه وسلم يبلغ به العالمين، ولا يقبل الله من أحد ديناً سواه.
ولكن الذي يهمنا هو الاعتراف لصاحب الفضل بفضله وإثبات الحقائق بدون تزوير ولا غمط أحد، وقد رأينا كيف زيف الغربيون الحقائق وطمسوها، متخذين في ذلك أحط الوسائل، وهي سرقة كتب تاريخ المسلمين وأخذها بالقوة وتغييبها عن الناس، ثم وضع تاريخ مزيف من عند أنفسهم، بل لا يبالي الكاتب منهم أن يتناقض كلامه من أجل وصوله إلى هذا التزييف.
ولنأخذ مثالاً على ذلك من كتاب: الدعوة إلى الإسلام لـ"آرنولد" الذي يقول في ص ـ 401: "ومن المحال أن نعرف على وجه التحقيق التاريخ الدقيق لأول دخول الإسلام في أرخبيل الملايو، وربما حمله هناك تجار العرب في القرون الأولى للهجرة، وذلك قبل أن تصل إلينا أية معلومات تاريخية عن حدوث أمثال هذه المؤثرات في تلك البلاد بزمن طويل، ومما جعل هذا الغرض أكثر احتمالاً، ما نعرفه من أن العرب زاولوا مع بلاد الشرق تجارة واسعة النطاق منذ عصور مبكرة جداً... ـ إلى أن قال ـ : وفي الفترة التي بين القرنين العاشر والخامس عشر حتى قدوم البرتغاليين كان العرب سادة التجارة مع الشرق دون منازع...".
يؤخذ من هذا المقطع أن العرب هم الذين أوصلوا الإسلام إلى الشرق الأقصى وأن هذا احتمال قوي جداً ـ إن لم يكن مقطوعاً به ـ .
ولكن هذا الاحتمال القوي يتبخر بعد صفحتين فقط، فينسى أرنولد أن (مما جعل هذا الفرض أكثر احتمالاً ما نعرفه من أن العرب زاولوا مع بلاد الشرق تجارة واسعة النطاق منذ عصور مبكرة جداً...) ويقول في ص ـ 404: (تصور لنا الروايات أن الإسلام دخل إلى سومطرة من بلاد العرب، على أنه ليس هناك أساس تاريخي صحيح لمثل هذا الاعتقاد) أي أن الفرض الذي هو أكثر احتمالاً لا يصح أساساً صحيحاً، ثم يتابع كلامه قائلاً: (ويظهر أن الشواهد كلها تشير إلى أن الهند هي المنبع الذي استقى منه أهالي سومطرة معرفتهم بالعقيدة الجديدة..) لماذا؟ يعلل ذلك بقوله: (كانت العلاقات التجارية الفعالة قد قامت منذ قرون بين الهند وأرخبيل الملايو).
وهل وجود هذه العلاقات بين الهند وأرخبيل الملايو تسقط العلاقات التجارية بين العرب والشرق ـ الذي منه أرخبيل الملايو؟!
ثم يقول: (ولا يبعد أن يكون أول دعاة سومطرة تجاراً من الهنود) فهل عند أرنولد ما يدعم هذا الاحتمال غير البعيد ويرجحه على ما هو أكثر احتمالاً؟ يجيب على ذلك بالنفي فيقول: (على أنه ليس لدينا أخبار تاريخية عن أعمالهم "يعني الهنود" وهل عندك أخبار تاريخية عن كون المسلمين هم أول من أوصل الإسلام إلى هذه المنطقة؟
يجيب بالإيجاب ويؤكد أن هذه الأخبار صادرة عن أهل البلد أنفسهم ـ وأهل مكة أدرى بشعابها ـ فيقول: (وتنسب أخبار الملايو شرف أول دعوة في مدينة "أتجيه" ATJEH شمال غرب سومطرة إلى عربي يدعى عبد الله عارف).
أليس الأولى القول بأن العرب المسلمين هم أول من جاء بالإسلام إلى هذا البلد، وهو أكثر احتمالاً عند أرنولد نفسه؟ وكذلك أليس الأولى الأخذ بروايات أخبار صادرة من أهل البلد بذلك من الأخذ بمجرد حدس ليس أكثر احتمالاً ولا توجد روايات إخبارية تقويه؟
إظهار الإسلام وجه النهار والكفر آخره تضليلاً!
وهكذا جزم المستشرق الذي اتخذ كل وسيلة استطاع اتخاذها لخدمة حكومته الهولندية المستعمرة وتثبيت أركانها في الجزر الإندونيسية، حتى وسيلة النفاق والتظاهر بالإسلام ومصاهرة المسلمين هناك بعد دخوله مكة واتصاله بالعلماء. وبخاصة الجاويين المهاجرين، هذا المستشرق هو "هرغرونيه سنوك" جزم كذلك بأن الإسلام لم يدخل الجزر الإندونيسية عن طريق التجار العرب، وإنما عن طريق التجار المسلمين الهنود.
وقد ناقش الدكتور عبد القادر الْحِبْشِي هذا الزعم وما استند عليه المستشرقون في ذلك وذكر المناطق الهندية التي زعموا أن الإسلام وفد منها إلى هذه الجزائر. [راجع: دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا حتى القرن السابع عشر الميلادي، ص: 58، 76، وسيأتي الحديث عن مكر سنوك وتخطيطه لمحاصرة الإسلام وجعله مجرد طقوس لا يحيي في أهله روح التضحية والاتحاد مع إخوانهم المسلمين في العالم الإسلامي].
كما أن بعض الباحثين يسندون فضل وصول الإسلام إلى إندونيسيا إلى المسلمين الفرس، ولهم على هذا الرأي ما يرون أنه يرجحه. [المرجع السابق: ص: 77، 81].
وقد سبق الكلام على أنه لا يجوز إنكار فضل أي مسلم أوصل الإسلام إلى أي بلد في العالم بما في ذلك الجزر الإندونيسية، وبمن في ذلك دعاة الإسلام من الهنود والفرس وغيرهم، لكن الذي ينكر هو الظلم السافر للعرب المسلمين الذين أوصلوا الإسلام إلى الهند والفرس وغيرهم، ودل الواقع التاريخي على اتصالهم المبكر بهذه الجزائر باعتراف الأوروبيين أنفسهم كما مضى، فما الذي يمنع أن يكون الإسلام وصل عن طريق العرب غير الحسد والجهل؟!.
وقد ذكر الدكتور عبد القادر الْحِبْشِي، أن بعض المستشرقين اعترفوا بدور العرب المسلمين الريادي، ومنهم: "فان لبر" في كتابه: التجارة والمجتمع الإندونيسي، قال: "إن هناك إشارات ضمنية إلى وجود مستعمرات أو جاليات عربية في وقت مبكر عام (55هـ) و(674م).
ولكن حقد بعض الأوروبيين جعلهم يتمحلون تمحلاً لا يستسيغه العقلاء، وهو أن هذه الإشارات التي ذكر "فان لبر" وردت في بعض التقارير الصينية، وأن الصينيين يحتمل أنهم أخطأوا، إذ ظنوا أن هذه الجالية في ساحل سومطرة الغربي، وهي في الواقع في الجزيرة العربية.
وهل يعقل أن يبلغ الخطأ بالصينيين هذا المبلغ، فلا يفرقون بين ساحل سومطرة الغربي وجزيرة العرب، وهم يتنقلون في البحار تجاراً وملاحين، والمسافة الفاصلة بين البلدين تبلغ عشرات الآلاف من الأميال؟؟!! وهل يحتاج الباحث أن يقول عن العرب في جزيرتهم: "إن هناك إشارات ضمنية إلى وجود مستعمرات أو جاليات عربية في وقت مبكر عام (55هـ) و(674م).؟؟
كما ذكر الدكتور الْحِبْشِي أن الباحث المستشرق "هيل" جزم بأن مستعمرات عربية قد شوهدت في المنطقة في القرون الأولى للهجرة، وأن أول تلك المستعمرات تأسست في القرن الأول الهجري، وأنه بفضل العرب ظهر الإسلام في القرن السابع الهجري كقوة سياسية قادرة على تغيير وجه جنوب شرق آسيا". [المرجع السابق: ص: 85، 88، 238].
وهذا أمر معقول جداً أن توجد مستعمرة أو مستعمرات صغيرة متفرقة في القرن الأول الهجري، ثم تكون في القرن السابع الهجري قوة سياسية قادرة على تغيير وجه جنوب شرق آسيا، تقضي بهذا سنة التدرج في انتشار المبادئ والعقائد والأخلاق، وبخاصة إذا كان انتشارها بالدعوة السلمية والقدوة الحسنة من أفراد وجماعات تجارية، وليس بالفتوحات العسكرية والجيوش الجرارة ذات المناهج المفصلة والكفاءات المعدة للتعليم والإعلام والاقتصاد والسياسة، فإن انتشار المبادئ بدون هذه القوة يكون بطيئاً، ولكنه في نفس الوقت يكون قوياً صلباً، فإذا انتشر ببطء، ثبت وانغرس في نفوس الناس، وهذا ما حصل في جنوب شرق آسيا، وكذلك في بلدان أخرى مثل إفريقيا ـ عدا الشمال العربي منها.
وإذا كانت علاقات العرب التجارية بالشرق الأقصى ـ بما فيه الجزائر الإندونيسية ـ قديمة جداً، وكان الملايويون يتعاملون معهم من قديم الزمان ـ والقرائن تدل على استمرار هذه العلاقة بعد الإسلام، بل هي بعد الإسلام أقوى مما كانت عليه قبل الإسلام، بدليل قيام ممالك إسلامية وسيطرة العرب على البحار في المنطقة ـ كما مضى ـ فإن نفي أن يكون العرب أوصلوا الإسلام إلى هذه الجزائر، ظلم تاريخي مبني على حقد دفين ليس له ما يسنده، ونحن لا ننفي أن يكون لتجار الهند المسلمين أو تجار فارس المسلمين دور في نشر الإسلام هناك مقارناً للدور العربي أو متأخراً عنه. [راجع تعليقات السيد محمد ضياء شهاب على كتاب: المدخل إلى تاريخ الإسلام في الشرق الأقصى: ص: 230، 288].
وإن المرء ليأخذه العجب من محاولة هؤلاء الأوروبيين نفي أن يكون الإسلام وصل إلى هذه الجزائر عن طريق العرب، وهم يعلمون أن العرب هم سادة البحار، وهم الذين فتحوا لهم باب الملاحة البحرية، وهم الذين قادوا ملاحيهم وبحارتهم إلى الطرق البحرية التي لم تكن تدور بخلدهم، كالطريق البحري الذي يصل أوروبا بالهند عن طريق جنوب إفريقيا "رأس الرجاء الصالح" الذي كان دليل قائد الأسطول البرتغالي "فاسكو دي جاما" فيه هو الربان العربي "أحمد بن ماجد المهري".
وما كان يمر هذا القائد بمنطقة في شواطئ البحار التي مر بها إلا وجد العرب قد استوطنوها. [المرجع السابق، ص: 338، 434].
دعاة عرب اشتهروا في المنطقة:
اشتهر عدد من الدعاة في إندونيسيا، وأشهرهم مجموعة من العلويين يلقبون عند الإندونيسيين بـ"شريف أولياء" ويطلق عليهم الجاويون: "سونن أولياء" جاءوا من بلاد العرب للدعوة إلى الله.
1 ـ ومنهم السيد جمال الدين الحسين الأكبر بن السيد أحمد العلوي، وكان وصوله ـ فيما يقال ـ في مطلع القرن الثامن الهجري، هاجر بأسرته، وترك ابنه الأكبر إبراهيم زين العابدين في آجيه (آتشيه) لينشر الإسلام فيها، واتجه هو إلى جاوة لينشر الإسلام فيها، وكان له أثر عظيم في الناس من حيث القدوة الحسنة والأسلوب الجذاب، وبعد أن دخل الناس في الإسلام انتقل إلى جزيرة سلاويسيي ونجحت دعوته كذلك هناك، وتوفي في جنوب هذه الجزيرة في إمارة: "واجو".
2 ـ ومنهم السيد إبراهيم زين العابدين الأكبر، وهو ابن السيد جمال الدين المذكور، الذي انتقل بعد نجاح الدعوة في آجيه إلى جزائر سولو، وهي الجزائر التي تقع في جنوب الفلبين الآن وشمال جزيرتي كلمنتن وسولاويسيي الإندونيسيتين، عند قيام أول دولة إسلامية في هذه المنطقة، وكان له أثر عظيم في الناس الذين اجتمعوا إليه لسماع دعوته والدخول في دين الإسلام.
ثم انتقل إلى جاوة الشرقية ـ سورابايا ـ واجتهد في نشر الإسلام حتى وافته المنية هناك في مدينة: "توبان"، ولقب بعد وفاته بـ"مولى أفناسيك توبان".
3 ـ ومنهم السيد الشريف الملك إبراهيم بن بركات زين العالم ابن جمال حسين الأكبر، قدم من حضرموت إلى جاوة الشرقية سنة 801 هـ/1398م.
وقد وفق كذلك لاجتذاب الناس إلى الإسلام بأخلاقه وأسلوبه الحسن، فدخل بدعوته عدد كثير من الناس في الإسلام، حتى اعتبره الجاويون الأول من الأولياء التسعة الكبار الذين نشروا الإسلام في جاوة.
وكانت وفاته في مدينة جرسيك الساحلية قبالة جزيرة مادورا الصغيرة المجاورة لجزيرة جاوة. وكان قد اتخذ هذه المدينة مركزاً لدعوته، وكانت وفاته سنة 822هـ/1419م ولا زال قبره موجوداً.
4 ـ ومنهم: "سلطان جرمين" [قيل: أن جرمين هذه تقع في بلاد الهند، وقيل: في شمال سومطرة، وقيل: إنها جزيرة تقع في شمال كلمنتن]. وهو ابن أخي الملك إبراهيم السابق الذكر، ونزل في مدينة: جرسيك أيضاً، وقد أقام بعض المساجد في القرى المجاورة، وحاول الاجتماع بملك ماجافاهيت الهندوكي ليرغبه في الإسلام، فلم يتمكن من ذلك ورجع قافلاً إلى بلاده بعد أن انتشر مرض خطير في جاوة مات منه بعض أتباعه وابنته.
5 ـ ومنهم: "رادن رحمت سنن عمفيل" وهو السيد عبد الرحمن بن إبراهيم زين العابدين الأكبر، وكان أبوه قد تزوج قبل قدومه إلى إندونيسيا بإحدى بنات ملك جمبا في الهند الصينية.
ولما بلغ العشرين من عمره بعثه جده لأمه إلى جاوة للدعوة إلى الله، حيث سبقه إليها جده وأبوه، وقد أسلم على يده وهو في طريقه إلى جاوة الشرقية والي مدينة: "والمبانج" ولم يشهر إسلامه خشية على ملكه، كما دخل في الإسلام على يديه عدد من الناس.
وصل السيد عبد الرحمن إلى مدينة جرسيك سنة 804هـ/1401م واجتمع بملك مجافاهيت الذي رحب به ومكنه من نشر الإسلام بين الجاويين برغم تخليه هو ـ الملك ـ عن ديانته الهندوسية. وقد نجح كذلك نجاحاً كبيراً واختلط بالجاويين في داره مستقبلاً لهم وفي ديارهم زائراً داعياً.
وقد تزوج إحدى الأميرات التي أسلمت هي وأبوها الذي كان حاكماً لولاية توبان، بعد إسلامه وأسلمت أسرته وخلق كثير، وأنجب ذرية صالحة من تلك الأميرة رباهم تربية إسلامية كان لها أثر كبير في نفع الناس بتلك الذرية المباركة.
وكانت وفاة السيد عبد الرحمن سنة 883هـ/1478م. قبل سقوط مملكة مجافاهيت الهندوكية وقيام أول سلطنة إسلامية في جاوة وعمره: (102 من السنين).
6 ـ ومنهم: السيد المخدوم إسحاق الملقب: علو الإسلام، وهو ابن السيد إبراهيم زين العابدين بن جمال الدين الحسين، وشقيق السيد عبد الرحمن المذكور قبله، جاء بعده بفترة قصيرة، وكان كثير الترحال في الجزر الإندونيسية على سفينة يملكها يقوم بالدعوة إلى الله في أي مكان نزل، ومن المدن التي استقر فترة فيها مدينة: "باساي" عاصمة سلطنة: "سامودرا باساي الإسلامية" في الساحل الشرقي لسومطرة الشمالية، ووصل إلى مدينة "جرسيك" وتعاون هو وأخوه على نشر الإسلام ودعوا ملك مجافاهيت إلى الإسلام وشرحا له مبادئه ورغباه فيه فأعجبه ما سمع، ولكنه لم يستجب للدخول في الإسلام وأذن لهما في دعوة الناس في مملكته إلى الإسلام.
وانتقل بالاتفاق مع أخيه إلى مملكة هندوكية صغيرة تسمى: "بلمباغن" في أقصى حدود جاوة الشرقية فدعا ملكها إلى الإسلام فأسلم هو وأسرته وغالب أهل مملكته.
وتذكر الروايات له قصة في سبب دخول الملك في الإسلام، وهي أن بنتاً له كانت مريضة مرضاً استعصى علاجه، فعالجها السيد إسحاق، فشفاها الله فأسلمت وزوجه إياها الملك ودخل في الإسلام والله أعلم.
ثم واصل تجواله يدعو إلى الله حتى وصل الفلبين، ماراً بكل الجزر التي في طريقه، وكما كانت مدينة باساي من أولى محطات دعوته، فقد كانت هي خاتمة تلك المحطات، إذ انتقل إلى رحمة الله فيها، رحمه الله.
7 ـ ومنهم السيد: محمد عبد اليقين، المعروف بسونن قيري وهو ولد السيد إسحاق علو الإسلام السابق الذكر، وأمه هي الأميرة بنت ملك بلمباغن، التي اهتمت بتربيته خارج قصر والدها الذي يقال: إنه لم يستمر على منهج الإسلام، فأرسلته أمه إلى صديقة مسلمة قامت بتربيته، فلما بلغ الثانية عشرة أرسلته إلى عمه عبد الرحمن الذي اهتم بتربيته.
ثم بعث به إلى الحرمين مع أبنائه فتفقه هناك، وبعد رجوعه بدأ بالدعوة في مدينة جرسيك بإشارة من عمه، وأقام جامعاً كبيراً في إحدى ضواحي المدينة ورباطاً لطلبة العلم الذين توافدوا إليه من كل جزر إندونيسيا، ليتفقهوا في الدين ويتزكوا على يديه، ثم يقوموا بنشر الإسلام وبلغ من نفوذه واحترام الناس له أن عينه ملك مجافاهيت حاكماً على "عمفيل وجرسيك" ووصلت دعوته إلى جزر مالوكو الشرقية وغيرها، وكان كثير التجوال وصل إلى أعماق جزيرة سولاويسيي وغابات كلمنتن.
8 ـ ومنهم: الشريف هداية الله، المعروف بسونن قونج جاتي، قال عنه الدكتور همكا [تاريخ الأمم الإسلامية، (4/141)، نقلاً عن الدكتور الحبشي]: سنن قونج جاتي، هو الشريف هداية الله داعية من دعاة الإسلام، من نسل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد نشأ في باساي، بسومطرة الشمالية، كان عالماً من علماء المسلمين، وفقيها من فقهائهم، فارس الفرسان، فاتح جاوة الغربية، والبطل المغوار الذي قهر مملكة فجاجاران الهندوكية ومؤسس سلطنتي: "بانتن وشربون" الإسلاميتين، وباني مدينة جاكرتا، كما كان سداً منيعاً أمام الاستعمار البرتغالي.
وهو ابن السيد عبد الله بن نور العالم بن جمال الدين الحسين ولد في باساي، وهاجر إلى الحرمين للتفقه في الدين بعد احتلال البرتغاليين سلطنة ملقا الإسلامية عام 917هـ/1151م.
وعاد إلى باساي سنة 928هـ/1521م فوجد البرتغاليين ما زالوا يسيطرون عليها، فتركها متوجهاً إلى مملكة دماك الإسلامية في جاوة، فحظي باحترام السلطان الذي عينه إماماً للمسلمين في منطقة السوندا: "جاوة الغربية" فأقام في المدينة الساحلية "تربون" التي كانت تضم جالية إسلامية محتاجة إلى عالم يفقهها في الدين، فكان الشريف هداية الله حظها السعيد.
وفي هذه الفترة تآمر البرتغاليون وملك فجاجارين الهندوكي بعقد معاهدة عسكرية في 3 شوال 928هـ/21 أغسطس 1522م، عَرَف الشريف هداية الله منها أنها ترمي إلى الحد من انتشار الإسلام، فطلب من حاكم "دماك" المسلم أن يمده بالمجاهدين، وفتح ميناء "بانتن" وميناء "سوندا كلابا" وهما المدينتان اللتان خطط لجعلهما مركزين تجاريين للبرتغاليين وسمى: سوندا كلابا "جايا كرتا" ومعناها قوة قاهرة آمنة، واختصرت إلى كلمة "جاكرتا" وهي عاصمة إندونيسيا الآن، وكان فتحها سنة 934هـ.
إخلاص الشريف هداية الله في دعوته إلى الإسلام وجهاده وزهده في الحكم:
حاول سكان المنطقتين: "بانتن" و"سوندا كلابا" أن يكون الشريف سلطاناً عليهم، فأبى وأمرهم بطاعة السلطان، وقال لهم: إنه لم يفتح المنطقتين إلا بأمره وبجنوده الذين يعتبر نفسه واحداً منهم، وعندما علم السلطان ذلك زاد احترامه له وتقديره، فعين ولد الشريف هداية الله وهو حسن الدين حاكماً لولاية "بانتن" وما حولها وزوجه ابنته، فقام بالولاية خير قيام.
ومع كون الشريف هداية الله كان بمنزلة الحاكم العام للمسلمين في جاوة الغربية، فإنه كان يصرح للمسلمين في عواصمها الثلاث: بانتن، وجاياكرتا، وشربون، والقرى والأرياف التابعة لها، بأن سلطان المسلمين هو سلطان دماك [دماك هي مقر إقامة السلطان، وهي في جاوة الوسطى]. الذي يهيمن على جاوة كلها.
واشترك الشريف هداية الله مع سلطان دماك في قتال إمارة هندوكية بجاوة الشرقية، في منطقة تسمى: باسروان، ولكن السلطان اغتيل واضطربت الأمور بعده بسبب مطامع بعض رجاله وفشل الغزو، فترك الشريف هداية الله مزاولة السياسة التي كانت تسير بجانب الدعوة والتعليم، وأسند كل مهام الدولة إلى ابنه حسن الدين، واستمر هو في وظيفته وأنشأ معهداً في هضبة جاتي حتى توفي بها سنة 978هـ/1570م، ولهذا لقب بعد وفاته بـ(سونن قونج جاتي آي) أي مولى هضبة جاتي. [ولتخليد ذكراه سميت الجامعة الإسلامية الحكومية في جاكرتا باسمه فيقال: "جامعة الشريف هداية الله"].
9 ـ ومنهم الشريف: حسن الدين بن الشريف هداية الله المذكور سابقاً، وكان الساعد الأيمن لوالده في الدعوة والجهاد والسياسة، وقد سبق أنه تولى إمارة: بانتن، ولكن والده تنازل عن الحكم في عام 960هـ/1552م، فأصبح الحاكم الأول في جاوة الغربية، وامتد نفوذه إلى مناطق أخرى منها ولاية: لامبونج في سومطرة الجنوبية التي زارها بنفسه. وتوفي بعد جهود عظيمة من الدعوة والتعليم والجهاد والحكم في عام 978هـ/1570م.
هؤلاء بعض رجال الدعوة الذين نشروا الإسلام في الجزائر الإندونيسية، وكل هؤلاء من ذرية رجل من أهل البيت يدعى المهاجر إلى الله أحمد بن عيسى العلوي، يتصل نسبه بالإمام جعفر الصادق، ولد سنة 273هـ ونشأ بالبصرة وهاجر إلى حضرموت بعد ما حصل من اضطرابات في العراق، ونشر هو وبنوه المذهب السني في حضر موت بعد أن كان المذهب الإباضي هو المسيطر بها.
وكان السيد جمال الدين الحسين الأكبر أول من هاجر من ذرية المهاجر إلى الله كما مضى. [كل هذه المعلومات المتعلقة بالدعاة التسعة المذكورين هنا أخذتها باختصار شديد من رسالة: دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا حتى القرن السابع عشر الميلادي، من ص: 339-393].
ومن الدعاة المشهورين في إندونيسيا رجل يدعى الشيخ إسماعيل الذي وفد إلى المنطقة رئيساً لوفد قادم من الحجاز بعثه شريف مكة، وكانت أول بلدة نزلوا بها "باسوري" في الساحل الغربي لجزيرة سومطرة، ثم رجعوا شمالاً مارين ببلدة "لمبري" وأبحروا إلى بلدة "آروه" على الساحل الشرقي من الجزيرة تقابل "ملقا" ثم رجعوا شمالاً إلى "سامودرا" بعد أن توقفوا في إمارة "فيرلاك" الإسلامية، وكان ملك "سامودرا" عندئذٍ "ماراسيلو" الذي قاد إمارته إلى المجد بعد أن وحدها مع إمارة: "باساي".
ويرى الدكتور الْحِبْشِي أن قدوم هذا الوفد كان من أجل تنصيب هذا الملك رسمياً على هذه السلطنة، لأن شريف مكة كان يعتبر الزعيم الروحي للعالم الإسلامي عند الإندونيسيين.
وقد رد الدكتور الْحِبْشِي على بعض المؤرخين الذين ذهبوا إلى أن إمارة "سامودرا باساي" لم تكن إسلامية في العقد التاسع من القرن السابع الهجري. ومعنى هذا أن هذا الوفد وصل إلى هذه المنطقة في آخر القرن السابع الهجري. [المرجع السابق، ص: 234-241].
عوامل انتشار الإسلام في الجزائر الإندونيسية:
ظاهرة انتشار الإسلام في جزائر الشرق الأقصى ووصوله إلى أعماق هذه الجزر وغاباتها وقمم جبالها ومدنها وأريافها، وقيام ممالك إسلامية فيها بدون غزو مسلح ولا قوة جبارة، هذه الظاهرة لفتت أنظار الباحثين وجعلتهم يتلمسون عوامل وأسبابا لتفسرها.
ومن هؤلاء الباحثين من ذكر أسباباً معتقداً صحتها، ومن هؤلاء من ذكر أسباباً ليحجب بها الأسباب الحقيقية لانتشار الإسلام.
فلنذكر هذه الأسباب باختصار، ثم نعقب بذكر السبب الأصيل لهذا الانتشار، وإن كان هذا السبب لا ينفي وجود أسباب مساعدة أو ثانوية.
العامل الأول: سياسي داخلي:
وهو يتلخص في الصراع الشديد الذي حصل بين الممالك الهندوكية والبوذية في جاوة وسومطرة، حيث أدى ذلك إلى نفوذ إمارات بينها وبين تجار المسلمين علاقات قوية، وبذلك تمكن المسلمون من الانطلاق بالدعوة الإسلامية ونشرها بتأييد من تلك الإمارات.
ويرى أنصار هذا السبب أن بعض أولئك الأمراء قبلوا الإسلام من التجار المسلمين ودخلوا فيه، ليتخذوه وسيلة إلى تحقيق طموحات سياسية يساعدهم على الوصول إليها المسلمون، وهذا الرأي يؤيده بعض المستشرقين، وهذه الصراعات حصلت في القرن السابع الهجري الموافق للقرن الثالث عشر الميلادي، وهو يوافق مزاعم المستشرقين الذين يرون أن الإسلام بدأ ينتشر في هذا التاريخ، وهو زعم باطل كما مضى، فإنه إذا كان الإسلام بدأ دخوله في القرن الأول الهجري فإن انتشاره ـ وإن كان بالتدريج ـ قد سبق هذا التاريخ بوقت طويل، والدليل على ذلك ما سبق من وجود ممالك إسلامية صغيرة في القرن الثالث الهجري.
أما كون الخلافات السياسية بين الممالك الهندوسية والممالك البوذية، من العوامل التي مكنت للإسلام وانتشاره فهذا لا ينكر، ولكن الذي ينكر جعله العامل الأهم في انتشار الإسلام وتمكنه في إندونيسيا.
قال الدكتور الْحِبْشِي [دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا حتى القرن السابع عشر الميلادي، ص: 174]. وهو يرد كون هذا العامل هو السبب الأهم في انتشار الإسلام: "وإن كنت موافقاً لما ذهب إليه المؤرخون الغربيون والإندونيسيون أن الصراع السياسي بين الأرستقراطيين الجاويين، وعلى رأسهم الأمراء الجاويون حكام المناطق الساحلية، وبين السلطة المركزية في مملكة: "مجافاهيت" قد حول الإسلام إلى قوة سياسية، [وفرق بين انتشار الإسلام وبين كونه أصبح قوة سياسية]. ذلك باعتناق هؤلاء الأمراء الجاويين، أمراء المناطق وبعض رعاياهم للإسلام، وأن عدد المسلمين كان يزداد في جاوة، كلما اضمحل دور مجافاهيت السياسي، وارتفع شأن حكام المناطق الساحلية سياسياً واقتصادياً منذ أن أسلموا، ولكن لا ينبغي لهؤلاء المستشرقين أن يبالغوا في تقييم [تقويم] دور هذا العامل السياسي، وأن يتناسوا أو يتجاهلوا "ذاتية الإسلام" كسر الحقيقي وراء سرعة انتشار الإسلام في جاوة وفي إندونيسيا عامة، بل وفي كل مكان) انتهى.
العامل الثاني: عامل سياسي خارجي:
وهو ذو شقين: الشق الأول: هجرة المسلمين من الصين إلى إندونيسيا، وكانت هذه الهجرة على مرحلتين:
المرحلة الأولى: كانت سنة 141 هـ/758م ويرجع المستشرقون ـ كعادتهم عندما يتحدثون عن المسلمين ـ السبب في هذه الهجرة إلى أن المسلمين ثاروا على الصينيين في مدينة: كانتون وكانت تسمى: "خانقو" في جنوب الصين، فأحرقوا البلد ودمروها ونهبوا كثيراً من الأموال وأبحروا فارين إلى سواحل إندونيسيا.
ويرى غير المستشرقين أن السبب في هذه الثورة، هو دفاع المسلمين عن أنفسهم وأموالهم، لأنهم كانوا أغنياء وحالتهم المادية تفوق حالة السكان، وأن هذا التفوق أثار حقد بعض الصينيين، فقاموا بأعمال عنف ضد المسلمين، فكانت ثورتهم دفاعاً عن أنفسهم وأموالهم.
وهذا هو المظنون بالمسلمين الذين ذهبوا إلى تلك البلاد للتجارة والدعوة، ولم يكونوا غزاة فاتحين بالسيف.
أما المرحلة الثانية: فكانت سنة 264هـ/877م، وكان عدد المهاجرين في هذه المرحلة عظيماً، وكانت هذه الهجرة أيضاً بسبب اضطرار المسلمين حيث تعرضوا لمضايقات المغوليين الذين كانوا حكاماً للصين آنذاك.
"ولا شك أن هذه الهجرات الإسلامية من الصين إلى الجزر الإندونيسية في القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي، كانت عوناً كبيراً لحركة انتشار الإسلام في إندونيسيا، فلا غرابة إذًا أن يصبح هذا القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي، بدء انطلاق الدعوة الإسلامية، الفترة التي اعتبرها كثير من المؤرخين خطوة البداية لظهور قوة الإسلام السياسية في إندونيسيا". [المرجع السابق، ص: 189].
الشق الثاني: قيام الإمبراطورية المغولية في الهند وسقوط مملكة "فسجايانا غر" الهندوسية:
فقد كانت الممالك الهندوكية والبوذية في إندونيسيا ذات علاقة وثيقة بالممالك الهندوكية والبوذية في الهند، وبخاصة في جنوب الهند، وكانت معنويات تلك الممالك في إندونيسيا مرتفعة بسبب قوة الممالك الهندوكية والبوذية في الهند، فلما سقطت آخر دولة هندوكية في جنوب الهند، وقامت الدولة المغولية الإسلامية على أنقاضها، انعكس الأمر فارتفعت معنويات المسلمين في إندونيسيا، وانخفضت معنويات غيرهم من الهندوك والبوذيين، وإن لم تكن الدولة المغولية مهتمة ببعث الدعاة أو الجيوش لمناصرة المسلمين في إندونيسيا.
وكان قيام الدولة المغولية في الهند سنة 973هـ/1565م.
ولكن هذا العامل كان فيه مجرد رفع معنويات المسلمين في إندونيسيا، ولم يكن عاملاً مباشراً في انتشار الإسلام، إلا أن رفع معنويات المسلمين عامل مهم يحفزهم على النشاط والعمل الدؤوب في نشر الإسلام. [المرجع السابق، ص: 190].
العامل الثالث: اقتصادي:
سبق أن اتصال العرب بالجزائر الإندونيسية كان مبكراً بفترة طويلة قبل الإسلام، وأن ذلك الاتصال استمر وقوي بعد الإسلام، والعلاقات التجارية والاقتصادية ـ لا شك ـ من الأسباب التي تنتقل عن طريقها الأفكار والدعوات، فكون العلاقة التجارية والاقتصادية سبباً من أسباب انتشار الإسلام أمر مُسَلَّم، لأنه يمكِّن التجار المسلمين من الاتصال بأهل البلد ودعوتهم إلى الإسلام بالقول أو القدوة الحسنة، فيدخل الناس في الإسلام متأثرين بهم صادقين في إسلامهم، وليس من أجل الأرباح المادية التي يمكنهم الحصول عليها مع بقائهم على ديانتهم، كما هو واقع في كل زمان، وزماننا هذا أوضح شاهد على هذا.
وقد اشتد حقد الصليبيين من البرتغاليين والهولنديين وغيرهم على نجاحات المسلمين التجارية والاقتصادية التي كانت من أسباب نشرهم الإسلام في هذه المناطق، فحاربوهم حرباً شعواء كما سيأتي ذلك في محله. [المرجع السابق، ص: 194].
العامل الرابع: عامل قومي:
والمراد بالعامل القومي ـ هنا ـ لجوء الإندونيسيين مسلمين وغير مسلمين، إلى الاحتماء بالإسلام الذي لا توجد قوة سواه تستطيع الوقوف ضد الاستعمار الأوروبي: البرتغالي ثم الهولندي… لطرد المستعمر وصده عن السيطرة على الجزر الإندونيسية، لاستغلال ثرواتها واستعباد أهلها، لأن الإسلام يحفظ للناس ـ مسلمين وغير مسلمين ـ أرواحهم وأموالهم وأعراضهم، بخلاف الاستعمار الأوروبي ـ وغيره ـ فإن من أهم أهدافه قهر الناس بالوسائل الممكنة على التخلي عن دينهم والدخول في دين المستعمر، واستغلال ثرواتهم وإذلالهم وإظهار سيادته عليهم. [كما نشاهده اليوم واقعاً من قادة الصليب الجدد في أمريكا واليهود في بلدان المسلمين وبخاصة في فلسطين والعراق وأفغانستان، ويعدون العدة لبقية الشعوب الإسلامية، وبخاصة الدول العربية].
لذلك انضم بعض أمراء الهندوك والبوذيين وغيرهم من الوثنيين، إلى صفوف المسلمين عندما جاء البرتغاليون واحتلوا مملكة "ملقا" الإسلامية في مطلع القرن العاشر الهجري القرن السادس عشر الميلادي، لمحاربة هذا المستعمر، وعندما تحالف بعض الأمراء من الهندوس والبوذيين وجدوا شعوبهم ضد ذلك التحالف.
ويزعم المستشرقون أن الإسلام مدين في انتشاره في الجزر الإندونيسية للاستعمار الأوروبي ـ البرتغالي أولاً ـ لأن ذلك الاستعمار أثار مشاعر المسلمين وجعلهم يجتهدون ويكافحون لنشر الإسلام لإيقاف الزحف النصراني وعدم تمكين النصرانية من السيطرة على المنطقة.
كما أن سقوط ملقا في أيدي البرتغاليين كان سبباً في انتشار المسلمين تجاراً ودعاة وتغلغلهم في الجزر الإندونيسية، ولم يكونوا قبل ذلك قد أحرزوا تقدماً يذكر في زعمهم.
وهذه هي عادة المستشرقين ينكرون جهود المسلمين في نشر الإسلام، وينسبون انتشاره ـ وهو يغيظهم ـ إلى استعمارهم الذي لولاه ـ في زعمهم ـ لما انتشر ذلك الانتشار.
وقد سبق أن الإسلام انتشر في مناطق كثيرة من الجزر الإندونيسية وقامت ممالك إسلامية قبل مجيء الاستعمار البرتغالي.
ومن تلك الممالك مملكة "دماك" التي قامت في القرن التاسع الهجري، القرن الخامس عشر الميلادي، وكان قيامها قبل سقوط "ملقا" بثلاث وثلاثين سنة. [المرجع السابق، ص: 212].
ولا شك أن الإندونيسيين قد رأوا في الإسلام سداً منيعاً يحميهم من سيطرة مستعمر ظالم غاشم، وقد ثبت لهم أن دين الإسلام جدير بأن يستظلوا في ظله الوارف، وأن يتمتعوا بعقيدته السهلة وعدله الثابت، قبل أن يأتي المستعمر الأوروبي، فإذا قارنوا بين هذا الدين وبين منهج المستعمر، بان لهم أنه لا خلاص لهم من المستعمر وظلمه وهيمنته إلا بمناصرة هذا الدين وتثبيت أركانه في المنطقة.
فحق لهذا الدين أن يزداد انتشاراً بوجود المستعمر الظالم، ولكن انتشار الإسلام ليس وقفاً على وجود الاستعمار، بل هو في حد ذاته يحمل أسباب انطلاقه وانتشاره وقد انتشر في مناطق كثيرة قبل الاستعمار كما مضى.
العامل الخامس: اجتماعي:
ويتلخص هذا العامل في أن الإسلام دين المساواة والإخاء والعدالة نظرياً وعملياً، فالناس في الإسلام سواسية، لا فضل لأحد فيه على أحد إلا بالتقوى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }. الحجرات: 13.
وقد سبق الإسلامَ الهندوكيةُ والبوذية، وهما وافدان من الهند، معدن التفرقة الطبقية التي يسمو بها قوم إلى مكان الألوهية وينخفض بها آخرون إلى مقام العبودية، وبينهما طبقات أخرى.
وقد كان الإندونيسيون قبل مجيء الإسلام يُعتَبَرون من الطبقات الدنيا بالنسبة لطبقة الهندوس العليا (البراهمة)، وإن كانت التفرقة الطبقية في إندونيسيا ليست كما هي في الهند، وكان الإندونيسيون صابرين على تلك التفرقة، لأنهم لم يروا ديناً آخر يمقت التفرقة ويساوي بين الناس.
فلما جاء المسلمون ونشروا مبادئ الإسلام، ومنها المساواة بين الناس واهتموا ـ أي المسلمون ـ بالفقراء والطبقات الدنيا في المجتمع كاهتمامهم بالأمراء والأغنياء، ورفعوا من شأن أولئك الفقراء فأصبحوا محترمين في المجتمع، فكان لذلك أثره في نفوس الناس فتسابقوا إلى الدخول في هذا الدين وانتشر الإسلام في ذلك المجتمع، كما أن الإسلام يضع الناس في مواضعهم فيحترم الحاكم العادل ويأمر بطاعته وعدم الخروج عليه، ويجعل طاعته من طاعة الله في غير معصية، فأقبل كذلك على الإسلام قادة الشعوب وأمراؤها فدخلوا في دين الله فانتشر الإسلام أفقياً ورأسياً.
ويدخل في العامل الاجتماعي الزواج والمصاهرة، حيث كان كثير من المسلمين القادمين من البلاد العربية وغير العربية يتزوجون من النساء الإندونيسيات، ليحصنوا أنفسهم بهذه السنة، ويوطدوا علاقاتهم بأهل البلاد من أجل نشر الإسلام، وبخاصة عندما تكون الفتاة التي يتزوجها المسلم من بنات الأمراء وكبار الأسر، حيث ينتشر الإسلام في أسرتها ويكون لذلك أثره في بقية المجتمع. [المرجع السابق، ص: 217-222].
الإسلام ذاته يحمل عوامل انتشاره في إندونيسيا وغيرها:
إن هذا الدين بعقيدته وعبادته وأخلاقه ومعاملاته وتشريعاته وكل موضوعاته: أصولها وفروعها، يفتح لنفسه القلوب الغلف، والأعين العمي، والآذان الصم، وهو نفسه يجعل من اطّلَع عليه من ذوي الفطر السليمة من التكبر على الحق ومحاربته يسرع إلى الدخول فيه؛ لأنه حق وكل ما خالفه باطل، والحق دليله فيه على كونه حقاً، كما أن الباطل يحمل الدليل على أنه باطل.
فإذا ما علم غير المسلم ـ من أهل الكتاب أو غيرهم من الوثنيين هندوكيين أو بوذيين أو غيرهم ـ العقيدة السهلة التي جاء بها هذا الدين ـ العقيدة في الله أو في وحيه وكتبه ورسله واليوم الآخر ـ العقيدة التي تسلم بها العقول وتقر بها الفطر وتدل عليها مخلوقات الله العلوية والسفلية، إذا علم الإنسان هذه العقيدة، وقارن بينها وبين العقائد المحرفة أو الوثنية، جزم وتيقن أن هذه العقيدة التي جاء بها هذا الدين، هي العقيدة الصحيحة وما عداها من العقائد باطل، وأن ديناً جاء بهذه العقيدة هو الدين الحق وما سواه باطل.
فإذا ما علم ـ بعد علمه هذه العقيدة ـ العبادة في الإسلام وبعدها عن الطقوس الوثنية الشركية التي ضل بها البشر في جميع العصور التي ابتعدوا فيها عن دين الله القويم، وعرف أثر العبادة في الإسلام في حياة الفرد والأسرة والمجتمع وما يترتب عليها في الدنيا والآخرة، تيقن ـ كذلك ـ أن هذه العبادة هي العبادة الصحيحة التي تسعد بها البشرية وتشقى بسواها من الطقوس الشركية والبدعية.
وكذلك إذا علم الإنسان الأخلاق الإسلامية، من الصدق والكرم والإحسان والإيثار ومحبة الخير للناس جميعاً كما يحب المسلم ذلك لنفسه، وكراهته الشر للناس جميعاً كما يكره ذلك لنفسه، والنصح لكل الناس بحسب ما يأمره به دينه، إذا علم الإنسان ذلك اطمأنت نفسه إلى هذه الأخلاق وإلى الدين الذي جاء بها وأثاب على التحلي بها وحاسب من خالفها.
وهكذا إذا علم الإنسان التشريعات الإسلامية للفرد والأسرة والمجتمع، والعلاقة بين المسلمين وغيرهم في حالتي السلم والحرب، وما يتبع ذلك من الصدق والوفاء بالعهد ومعاملة الأسرى والرفق بغير المقاتلين وعدم الاعتداء غير المشروع، وما يترتب على أحكام الأسرة من مودة واطمئنان ومحبة وائتلاف وأداء حقوق والقيام بواجبات.
وكذلك حقوق الجيران وحقوق الرعية على الحاكم، وحقوق الحاكم على الرعية، وصيانة الضرورات التي لا حياة كريمة بدون صيانتها، وهي الدين والنفس والعرض والعقل والمال، والوسائل التي شرعت لحفظها وحفظ ما يكملها من حاجيات وتحسينات، وحقوق الأجراء والعبيد، وغير ذلك مما تزخر به كتب الشريعة الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنة وما استنبطه علماء الإسلام المجتهدون منهما، إذا علم الإنسان ذلك يتيقن أن هذه الشريعة حق، وأن الدين الذي جاء بها هو الدين الحق الذي لم يبق في الأرض دين حق سواه... وهكذا...
وهذا هو السبب الرئيس بل الشامل لكل الأسباب المذكورة في انتشار الإسلام في الأرض، وبخاصة إذا علمنا أن جهود الدعوة الإسلامية كانت غالباً فردية، غير منظمة تنظيماً دقيقاً، كما هو الحال عند النصارى الذين أقاموا مؤسسات متنوعة بدعم من الدول الغربية المستعمرة، فقد كان الإسلام يسبق هذه المؤسسات المدعمة بالمال والرجال والتنظيم، ويقف في وجهها ويدخل فيه الناس ويحاربون المستعمر ومبشريه.
فالسبب الرئيس الشامل في انتشار الإسلام، هو الإسلام ذاته بما تضمنه من خير شامل لحياة البشر مع وضوح منهجه، وتسليم العقل بأنه الدين الحق الذي يستحق التضحية والفداء لأن فيه العزة في الدنيا والآخرة لأهله، والعدل والإنصاف لغيرهم.
وقد اعترف بهذا العامل ودوره الرئيس، أعداء الإسلام، [راجع "الدعوة إلى الإسلام"، لأرنولد، ص: 454 وما بعدها.]. قال الدكتور الْحِبْشِي: "ولعل من أشد الكُتَّاب تعصباً ضد الإسلام والمسلمين في القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر الميلادي، كان ألكسندر روس الذي رمى الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم، وقرآنه الكريم بأبشع التهم.
ولكن هذا الكاتب نفسه اضطر إلى الاعتراف بأن عظمة الإسلام وسر انتشاره السريع يكمن في روحه ومبادئه وشريعته وأسلوبه، فيقول:
"ومن الحق لو قرأ المسيحيون إلى أي حد يحرص هؤلاء المسلمون على عبادتهم ومدى تقواهم وصدقهم والى أي حد هم متفانون في إخلاصهم، قانتين في مساجدهم... ولو تأملنا عدالتهم ونزاهتهم وسائر فضائلهم الخلقية ـ وهي ثمرة تعاليم دينهم ـ لخجلنا من جمودنا سواء في عبادتنا أو في تراحمنا، ومن جورنا وإفراطنا وتعسفنا، فلا ريب أن هؤلاء القوم سيقيمون الحجة علينا، ولا شك أن عبادتهم وتقواهم وأعمال الرحمة فيهم، هي من الأسباب الرئيسية لنمو الدعوة المحمدية". [دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا حتى القرن السابع عشر الميلادي، ص: 227. قلت: وسبب هذا الثناء على المسلمين من هذا الحاقد هو محاولة استثارة قومه النصارى ليأخذوا بأسباب نمو تنصيرهم كما هو واضح].
تفاوت أوقات دخول الإسلام وانتشاره في الجزر الإندونيسية:
هذا، وليعلم أن دخول الإسلام وانتشاره تختلف أوقاته في الجزر الإندونيسية، بحسب سهولة وصول المسلمين إلى المناطق، فالمناطق القريبة من ممرات السفن التجارية والسواحل القريبة منها، كان وصول الإسلام إليها وانتشاره أسبق إليها من غيرها.
وقد اهتم الدكتور الْحِبْشِي في رسالته بذلك، فذكر المناطق التي انتشر فيها الإسلام في جزيرة سومطرة في سواحلها الشمالية والغربية الشمالية والشرقية الشمالية، ثم في عمق الجزيرة فيما بعد، وكذلك ذكر انتشار الإسلام في غرب جاوة ووسطها وشرقها، وذكر الأماكن والمدن والممالك الإسلامية، كما ذكر انتشار الإسلام في جزيرة كلمنتن في جنوبها وشمالها وشرقها وغربها.
وكذلك ذكر انتشار الإسلام في جزر إندونيسيا الشرقية: في جزر مولوكو، وذكر كذلك انتشار الإسلام في سولاويسيي والجزر المجاورة لها، وما حصل من المنافسة الصليبية للإسلام في هذه الجزر.
وكذلك ذكر انتشار الإسلام في جزر نوستنجارا وهي في جنوب شرق إندونيسيا.
وختم ذلك بذكر انتشار الإسلام في غينيا الجديدة "إيريان" مع ذكر المدن والسلطنات الإسلامية التي قوي انتشار الإسلام فيها.
ولا أرى داعياً للتفصيل في ذلك فالمقصود إعطاء القارئ نبذة عن دخول الإسلام وانتشاره في إندونيسيا، وكون ذلك الانتشار كان متدرجاً، ولكنه بحمد الله عمَّ الجزر كلها حتى أصبحت شعباً إسلامياً يفوق تعداده عدد سكان البلدان العربية مجتمعة، كما سيأتي. [راجع رسالة الدكتور الحبشي، وهي رسالة متخصصة في دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا من ص:231-334. عزمت على كتابة كتاب عن أندونيسيا استند فيه على المراجع المتيسرة غير ما كتبته في يومياتي من المعلومات والمقابلات في رحلاتي إلى أندونيسيا، ولكني وقفت هنا، لأكمل تبييض رحلتي الثانية ثم أستأنف إكمال هذا الكتاب إن شاء الله. 6/1/1413هـ].