7- في مدينة باندونغ
7- في مدينة باندونغ
مع الشيخ المكي وابنه المدني:
وكان في استقبالنا فضيلة الشيخ الحاج أنور مسدد وابنه عبد الحليم الذي تخرج هذا العام في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقد اصطحبانا إلى منزلهما في : غاروت، إحدى ضواحي باندونغ.
والشيخ أنور مسدد يبلغ من العمر اثنين وسبعين عاماً، قضى منها في مكة المكرمة أحد عشر عاماً، قال: وأنا مشهور في مكة بمسدد غاروت، درست في مدرسة الفلاح سنة: 1930م.

وكان يدير المدرسة السيد الطيب المراكشي، ثم السيد أبوبكر الجيشي، وكانت في القشاشية وتخرجت في هذه المدرسة عام: 1934م وعملت بها مدرساً إلى عام: 1941م حيث رجعت إلى بلدي إندونيسيا عند نشوب الحرب العالمية الثانية.
وأخذ الشيخ يسرد لنا شيئاً من تاريخ حياته والأحداث التي عايشها، فقال:
في سنة: 1942م جاء اليابانيون إلى إندونيسيا فاستعمروها مدة ثلاث سنوات، واستقلت سنة1945م، وكنت مع سوكارنو في وزارة الشؤون الدينية رئيساً لقسم شؤون المساجد، ثم عينت أستاذاً في الجامعة في جوك جاكرتا إلى سنة: 1967م، ثم مديراً للجامعة الإسلامية الحكومية في باندونغ وقمت أنا بإنشائها، إلى سنة: 1973م، ثم صرت مدرساً فيها، وفي عام: 1975م أحلت إلى التقاعد، وكنت عضواً في البرلمان لمدة عشرة أعوام عن حزب نهضة العلماء، وعينت وكيلاً للرئيس العام لنهضة العلماء، وبعد أن توفي الرئيس العام أصبحت أنا الآن رئيساً لنهضة العلماء، وكان الرئيس الذي قبلي هو الحاج نصري سنشوري.
وذكر لنا من أعماله: أنه أحد أعضاء اللجنة التي تولت ترجمة معاني القرآن الكريم التي طبعتها وزارة الشؤون الدينية، وأحد أعضاء اللجنة التي تولت تفسير القرآن الكريم باللغة الإندونيسية، وقد تم هذا التفسير الذي طبع منه أربعة مجلدات في كل مجلد ثلاثة أجزاء والباقي تحت الطبع.
وسألناه عن مراجع هذا التفسير؟ فقال: المراجع منها القديم مثل تفسير ابن كثير والقرطبي والبيضاوي وتفسير الزمخشري، ومنها الحديث كتفسير المراغي وتفسير القاسمي والتفسير الواضح، قال: وقد ترجمنا معاني القرآن أيضاً إلى لغة جاوة الغربية المعروفة بالسونداوية وقد طبع في أربعة مجلدات.
قلت له: ما دمتم قد وفقتم لترجمة معاني كتاب الله وتفسيره، فينبغي أن تجتهدوا في إدخال بعض أجزاء هذا التفسير في الجامعات، فقال: ادع الله لنا أن يعيننا، وأشار إلى أننا في حاجة إلى الإمكانات لطبع كمية كبيرة وتوزيعها على الجامعات والمكتبات، قال: وكنت في سنة: 1955م مطوفاً لسوكارنو.
وسألته هل ترددت على مكة كثيراً؟ قال: نعم وكان آخرها هذا العام المنصرم وكنت في اليوم الأول من شهر محرم في داخل الحرم، عندما قام الذين ادعوا أن المهدي قد ظهر بصحن الحرم، قلت له: كيف خرجت؟ وكيف كان شعورك في هذه الحادثة؟ قال: أما خروجي فقد كنت في الطابق العلوي ورأيت الباب مفتوحاً والناس يخرجون منه فخرجت، وأما الحالة التي حصلت فقد آلمتنا وأنزلت الحسرة في نفوسنا عندما كنا نرى الرصاص يطلق في داخل الحرم الذي جعله الله آمنا والحمد لله الذي قضى على أولئك المعتدين.
قلت له: ما الفرق بين مكة الآن وبينها في الأيام التي كنت فيها طالباً ومدرساً من عام: 1930م إلى عام: 1941م؟ فقال: الفرق كبير، أصبحت الآن متقدمة في كل شئ.
هل كانا من أولي الأحلام والنهى؟
قال الحاج أنور: وقد كنت مع سوكارنو في القاهرة عندما زارها في عهد عبدالناصر، وصليت إماماً في الجامع الأزهر وهما ورائي، قلت: وهل كانا من أولي الأحلام والنهى؟ قال: لا.
أساتذة الشيخ في مكة:
سألناه عن أساتذته في مكة؟ فقال: قرأت على السيد علوي مالكي رياض الصالحين وشمائل الترمذي وألفية ابن مالك، ومن أساتذتي الشيخ عمر حمدان التونسي والشيخ محمد العربي، وقرأت على الشيخ أمين الكتبي الجوهرة، وحفظت عليه القرآن الكريم. والمكنون في البلاغة وعلى الشيخ علي حسن السناري التوحيد.
إلام يعود الضمير؟
من نكات الشيخ المكي في المسجد الحرام أنه كان يقرأ مع زملائه على الشيخ علوي المالكي باب "كم" الخبرية في ألفية ابن مالك، وكانت تلك الليلة ليلة زفاف الشيخ علوي المالكي مدرس الألفية، فقال الشيخ علوي: إلام يعود الضمير في قول ابن مالك: "واستعملتها"؟ ونص البيت كما يلي:
فقال الطالب أنور: الضمير يا سيدي يعود إلى (مره) في آخر البيت هناك. قال: وكنت أقصد بالبيت بيت أستاذنا، لأنه في ليلة زفافه وهو يدرسنا، ونحن كنا نحب أن يتفرغ في هذه الليلة التي تعتبر ليلة سرور لعدة أسر ولزملاء الشيخ وتلاميذه، قال: ففهم الشيخ المقصود وضحك كثيراً وبعض الحاضرين لم يفهم. [[وذكرتني هذه النكتة بنكتة بعض علماء السودان مع الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في رحلته من موريتانيا إلى المملكة العربية السعودية عندما نظر إلى ثيابه المطوية فظن العالم السوداني أنه يريد أن يغير سراويله، فقال:
وكلا النكتتين كما ترى من ألفية ابن مالك]].
وذكر الشيخ المكي من زملائه في الدراسة في مكة السيد عبد الرحيم الأهدل الذي يعمل في الزراعة في المدينة المنورة، قال: كنت أنا وهو في فصل واحد، قلت له: أنا وعبد الرحيم من شجرة واحدة وهو صديقي.
السفر إلى جايمس:
وكلف الشيخ أنور سائق سيارته أن يوصلنا إلى بلدة جايمس التي تقع شرق باندونغ وتبعد عن باندونغ أكثر من مائتي كيلو متر.
وكان الطلبة الإندونيسيون قد طلبوا منا زيارة هذه البلدة التي يقع بها معهد دار السلام، وبه تقام دورة لمدرسي اللغة العربية والمواد الإسلامية، وعددهم يقارب الخمسين، ونفقات الدورة كانت إعانة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد التقينا بأحد طلبة جامعة الإمام في باندونغ وهو في طريقه لزيارة الدورة.
قل له: إننا نحب هذه المناظر ونريد التمتع بها!
كان السائق يسرع في قيادته و نحن نكره السرعة، فكان يحاول تجاوز أي سيارة تسير أمامه، وكان يخالف قواعد المرور، فتجاوز في المنحنى الذي لا يرى فيه السيارة المقابلة، وكان الشيخ عبد القوي ذو الخبرة بحوادث السيارات يئن كلما رأى مخالفة، ويطلب من عبد الله باهرمز أن يكلم السائق ليخفف السرعة ويلتزم بقواعد المرور، وفجأة وقفت السيارة في الطريق، فنزل السائق ونظر إلى آلة التحريك فوجد مكان الخلل فرجع إلى صندوق السيارة وأخذ ما يسمى: "بوجي" وركبه وواصل السير على عادته، وكان عبد الله باهرمز ـ هداه الله ـ لا يصارحه كما نريد، فقلت له: قل للسائق: إن هذه المناظر أعجبتنا ونحب أن نستمتع بها، فليخفف السرعة ففعل، وكان قصدي أننا نريد أن نحافظ على أرواحنا لأن التمتع بالمناظر لا يمكن إلا إذا بقيت أرواحنا في أجسادنا.
عظة وذكرى!
وبعد قليل مررنا بسيارة على يميننا في الشارع مقلوبة على ظهرها رافعة دواليبها إلى السماء كأنها تستغيث، وكنا نود أن نقف لنرى ماذا جرى؟ لأن الحادث جديد ولكن المكان لا يصلح للوقوف فكانت عظة وذكرى لسائقنا.
وجاء الليل عصراً!
كانت السحب السوداء المتراكمة قد غطت الأفق، وحالت بيننا وبين السماء، واجتمع ذلك مع ارتفاع الجبال وكثرة الغابات في القمم والوديان والسفوح، وبدأ المطر ينزل قليلاً قليلاً، ثم انهمر بغزارة حتى غشينا الليل ونحن في النهار وحتى نسيت أننا لا زلنا في وقت العصر، فقلت للإخوة: انظروا في هذه القرية لعلنا نجد ما نفطر به، فنظر الأخ عبد الله في ساعته وقال: بقي من الوقت إلى المغرب ساعتان ونحن سنصل إلى معهد دار السلام قبل ذلك إن شاء الله، وكان هذا ما حصل فعلاً، فقد وصلنا إلى مقر المعهد وبقينا ما يزيد على نصف ساعة ولما يؤذن أذان المغرب ـ ولكن الذي لا يدري عن الوقت عن طريق الساعة يظن أنه قد صلى الناس المغرب ودخل وقت العشاء.
إزالة غابات لزرع غابات:
وكنا نرى قبل هذه الظلمة قطعاً من الأرض قد أزيلت عنها الغابات في الوديان والجبال وبدأ الأهالي بزراعة بعض الأشجار المثمرة مكانها، وهكذا يفعلون في تلك البلدان يقدرون زمنا معينا تزال فيه غابات تدريجيا من الأشجار التي لا تثمر أو أن ثمرها غير مفيد كثيراً ويزرع مكانها غابات من الأشجار المثمرة فتصبح غابة مثمرة بدل غابة غير مثمرة.
فساعدني إذًا على بقاء سيارتي!
قال عبد البر سائلاً السائق: كم سنة لهذه السيارة معكم؟ فقال السائق: عن طريق الترجمة ـ هي عندنا من عام: 1962م فقال عبد البر ثماني عشرة سنة؟! وهل غيرتم مكينتها؟ قال: لا فتعجب من ذلك فقلت له: ما رأيك يا عبد البر في سيارتنا التي مضى عليها عندنا خمس سنوات فقط؟ قال: تعتبر من صنع عام: 1980م يعني كأنها صنعت في هذا العام وليس في عام 74م، قلت: الحمد لله فساعدني على بقاء سيارتي.
وكان هو وإخوانه يسمعون بعض زملائي ينكرون بقاء سيارتي هذه معي لمضي هذه المدة عليها، لأن التغيير أصبح عندنا مرضاً للسيارات والعمارات والأثاث والملابس، لأن المقياس الذي نسير عليه هو الهوى والتقليد الأعمى، ولو أن المقياس هو الإسلام لما جمع الغرب أموالنا فأوعي، وإخواننا في كثير من الشعوب الإسلامية يموتون جوعاً أو برداً أو حراً أو حرباً، فلا يجدون القوت، وكان وصولنا إلى بلدة جايمس في الساعة السادسة إلا ربعاً.
وأسالت نخيل المدينة المنورة اللعاب في جايمس!
عندما أذن المؤذن لصلاة المغرب أخرج أحد طلبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية [هو محمود مهدي السامرائي]. الذي كان يرافقنا في هذا السفر اليوم علبة تمر من حقيبته، وقال: هذا من تمر المدينة، فتسابقت الأيدي وسال اللعاب لتمر المدينة المنورة، فأفطرنا وصلينا المغرب ثم رجعنا إلى الغرفة التي أعدت لنا لنرتاح من التعب، وحدد لنا الإخوة الساعة التاسعة بعد صلاة العشاء، لنلتقي بأعضاء هذه الدورة لإلقاء كلمة فيهم.
وصلينا العشاء لنصلي معهم جماعة.
كيف نتعلم اللغة العربية؟
في الساعة التاسعة جاء الإخوة يطلبون منا أن نحضر إلى قاعة المحاضرات، فحضرنا وقرأ الشيخ عبد القوي بعض الآيات القرآنية، ثم طلب مني أن ألقي كلمة تتضمن رسم الطريق لتعلم اللغة العربية، فكانت كما يلي:
1 ـ بينت أن من أهم الأسباب التي تعين على أي أمر من الأمور ـ بعد الاستعانة بالله، هو قوة الإرادة.
2 ـ شدة الرغبة.
ويجب أن تكون الرغبة موجودة وشديدة كما يجب أن تكون إرادتكم قوية، لأن هذه اللغة بالنسبة لكم لغة دينكم وكتاب ربكم، فتعليمها يعتبر عبادة، وهذا ما يقوي الإرادة والرغبة في تعلمها.
3 ـ الإكثار من قراءة القرآن الكريم أو حفظ كثير منه، مع تعلم مفرداته من كتب المفردات القرآنية أو كتب التفسير أو القواميس العربية، وهكذا إذا قرأ الطالب في كتاب حديث أو فقه أو تاريخ أو أدب أو غيرها من العلوم العربية، فإن عليه ألا يمر بكلمة لا يعرفها دون أن يبحث في معناها ويفهمها، وهذا قد يكون صعباً وبطيئاً ولكنه مفيد جداً.
4 ـ حفظ نصوص كثيرة من النثر والشعر الجاهليين، مع فهم مفرداتها وتراكيبها والإكثار من قراءة كتب الأدب المفيدة كالعقد الفريد.
5 ـ حفظ متون في علوم اللغة العربية (النحو والصرف والبلاغة والعروض) وفهمها فهماً جيداً، لأن حفظ القواعد يذكر الإنسان ويعصمه من زلل اللحن.
6 ـ التطبيق العملي لما تعلمه الطالب، كرفع الفاعل ونصب المفعول وضبط الأوزان ومعرفة التشبيه وأنواعه.
معلومات عن معهد دار السلام:
وبعد إلقاء المحاضرة جاء الأخ وحي الدين ابن مدير المعهد الحالي الشيخ عرفان حلمي يعتذر لأبيه الذي كان على موعد مهم مع العلماء ـ كما قال ـ قلت له: لا بأس ولكن يجب أن تعطينا نيابة عن أبيك معلومات عن المعهد، فأعطانا المعلومات الآتية: وكانت إجابة عن أسئلتي له:
ـ في معهد دار السلام توجد المراحل الخمس التالية: روضة الأطفال، ابتدائي، ثانوي، العالية، كلية الشريعة، وعدد طلاب المعهد كلهم سبعمائة.
ـ الساكنون في المعهد أربعمائة، والباقون يسكنون في منازل أسرهم.
ـ أسس هذا المعهد عام: 1935م أسسه الشيخ أحمد فاضل، وقد توفي رحمه الله، وخلفه في إدارته الشيخ عرفان حلمي، قال: وسنقدم للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة منهج المعهد لمعادلته لإعانته بمنح دراسية وغيرها.
ـ وعدد الأساتذة في الروضة اثنان ـ وفي الابتدائي عشرة، وفي الثانوي سبعة عشر، وفي العالية خمسة وعشرون، وفي الشريعة عشرون، والجملة أربعة وخمسون مدرساً.
ـ ويدرس في المعهد أيضاً طالبات من الثانوية إلى كلية الشريعة، وعددهن يزيد على مائة طالبة.
ـ وقد ساعدت الحكومة الإندونيسية في بناء المعهد.
ـ ويقوم المعهد بنشاطات اجتماعية وثقافية، منها: الكشافة، والتدريب المهني كالخياطة والزراعة والنجارة والتطريز والصحف الحائطية، والمحاضرات التي تقام كل يوم سبت.
ويحضر المجتمع ـ يعني أهل البلدة ـ من أولياء أمور الطلبة وغيرهم، كل يوم جمعة إلى المعهد من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الحادية عشرة، للاستماع إلى محاضرة عامة في المسجد.
وينتشر الطلاب في أيام الإجازات للدعوة بتخطيط من المعهد، ويدير هذه النشاطات كلها هيئة من الطلاب تحت إشراف المدير.
محاضرة الصباح:
الأربعاء: 19/9/1400 هـ ـ 31/7/ 1980م
وبعد أن صلينا الفجر التقينا مرة أخرى في قاعة المحاضرات، وكانت المحاضرة بعنوان "صفة أولياء الله مع الله" وكان محور المحاضرة قوله سبحانه وتعالى : { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }. [التوبة: 111].
إلى معهد ماننجاية:
طلب منا أن نزور معهد ماننجاية، وهو يبعد عن معهد دار السلام مسافة مقدارها اثنا عشر كيلومتراً تقريباً، وهكذا تجد في إندونيسيا كثرة المعاهد والمدارس، وبعضها بجوار بعض، ومع ذلك لا تستوعب الدارسين لكثرتهم، وصلنا إلى مقر المعهد في الساعة السادسة والنصف صباحاً، وكنا نظن أن المسؤولين في المعهد قد بلغوا بزيارتنا، ولكنا عندما وصلنا لم نجد إلا ثلاثة أو أربعة من الطلبة قاعدين قرب باب المعهد بملابس نومهم، وكنا نسير على أقدامنا عند دخولنا المعهد، لأن السيارة لا تصل إلى مقر المعهد بسبب المزارع.
فلما رأونا بلباس عربي اضطربوا وأسرعوا لإخبار بعض المسؤولين، فخرج وكيل المعهد ـ بعد أن أيقظوه من نومه ـ فلما رآنا رحب بنا وذهب هو أيضاً ليوقظ مدير المعهد على رغم محاولتنا صده عن ذلك، وطلبنا منه أن سيجلس معنا قليلاً دون حاجة إلى إزعاج المدير أو غيره، لأنا على سفر، فلم يجبه المدير في أول الأمر، لأنه كان مستغرقاً في نومه، فرجع إلينا وكنا نؤكد عليه عدم إيقاظ أحد وهو لا يزيد على الابتسامة.
وسمعنا مكبر الصوت ينادي من المسجد ويذكر المملكة العربية السعودية والمدينة المنورة، وأصبح المعهد في حالة طوارئ، فأنكرنا ما حصل، وصاحبنا لا يزيد على الابتسامة شيئاً، وهذه عادة الإندونيسيين إذا أرادوا شيئاً نفذوه وهم يبتسمون أردته أم لم ترده، دون أن يجادلوك أو يثيروا ضجيجاً أو أيماناً، وعليك أن تتحمل نتائج ابتسامتهم أنت كذلك دون جدال لأنه لا ينفع كثيراً.
ولم يقدر على بقاء المدير نائماً فذهب يطرق عليه الباب مرة أخرى، حتى جاء به من نومه مبتسماً مثله، خرج المدير لابساً ثوباً وعمامة ملونة (شال) ملتحفا بأخرى على كتفه، على هيئة لباس علماء الحضارمة، وهو ملتح يميل لونه إلى السمرة يتهادى في مشيته مع وقار واعتزاز بنفسه، فسلم علينا ورحب بنا وأخذ يشرح لنا حالتهم وحالة هذا المعهد، فقال: أسسنا هذا المعهد سنة: 1967م وكنا قبل ذلك مع قومنا في الجبال والغابات نجاهد الشيوعيين والجمهورية ـ كما قال ـ .
وعندما أسسنا هذا المعهد أقبل عليه الطلاب إقبالاً شديداً، وبلغ عددهم ألفاً ومائتي طالب وطالبة، والمباني الموجودة لا تتحمل في الأصل إلا خمسمائة، ولكن لشدة الحاجة سكن في هذه المباني هذا العدد الكبير.
الأمير السعودي!
وقال: إن الأمير السعودي ـ هكذا كانت عبارته ـ وهو يقصد الملك ـ رجل كريم يساعد كل المؤسسات الإسلامية، وأنا كتبت له عن طريق البريد، ثم كتبت له عن طريق السفير في جاكرتا [وأعطانا صورة الخطاب] ولكني لم أتلق منه شيئاً منذ ست سنوات وطلب منا إبلاغ الأمير السعودي رغبته في المساعدة.
والدراسة في المعهد ست سنوات على طريقة حلقات المساجد، وطلب منا أن نجتمع بالطلبة الموجودين الذين يبلغ عددهم ثلاثمائة، وهم الذين بقوا ولم يذهبوا في الإجازة إلى أسرهم، فذهبنا إلى المسجد ووجدناهم قد اجتمعوا مبتسمين مسرورين على الرغم من أنهم قاموا لتوهم من النوم، ولم يناموا طول الليل، كما جرت العادة في رمضان، فقرأ الشيخ عبد القوي ما تيسر من القرآن، وهم يرددون عند مقاطع الآيات: الله.. الله.. بعاطفة يبدو عليها الصدق.
وقد ينوب عنه ما عليه دل:
وطلب مني أن ألقي خطاباً ـ كما قال ـ فاعتذرت لأني كنت متعباً، فقال الشيخ عبد القوي جزاه الله خيراً وكانت أول مبادرة منه: أنا أنوب عنك قلت: افعل مطبقاً قول ابن مالك في باب المصدر:
فقال للطلبة: يجب عليكم أن تؤدوا واجبكم لأنكم جيل المستقبل ودعا لهم وهم يؤمنون ثم خرجنا وهم ملتفون حولنا يودعوننا، وكان المطر نازلاً ـ خفيفاً ـ فقال: لا تذهبوا حتى نعطيكم ستائر من المطر فقلنا لا حاجة لأنه خفيف، والسيارة قريبة، فأصروا على عدم خروجنا لأن المطر يورث المرض ـ أي الزكام ـ لا سيما عندما يكون موسم الأمطار في أوله، ثم واصلنا السير إلى باندونغ، وكنت مع شدة التعب وقلة النوم أحاول أن أغمض عيني لأنعس، ولكن مفاجآت وقوف السيارة عدة مرات كانت تطرد النوم عني، كان خروجنا من المعهد في الساعة الثامنة والنصف تقريباً، ووصولنا إلى باندونغ في الساعة الثانية عشرة. وعندما وصلنا إلى باندونغ كنا نرغب في مواصلة السفر إلى جاكرتا إذا وجدنا طائرة، ولكن لم نجد فحجزنا لنسافر غداً، ونزلنا في فندق "هومان" وهو من الفنادق الممتازة، وحجره واسعة ويلحق بكل حجرة قاعة واسعة وشرفة واسعة، وأثاث الفندق فاخر وهو في غاية النظافة ويمتاز بالهدوء التام والخدمة السريعة.
وهو يقع بجانب المبنى الذي عقد فيه مؤتمر باندونغ الشهير وهو المؤتمر الآسيوي الأفريقي الذي عقد عام: 1955م وحضر عن المملكة الأمير فيصل رحمه الله. وبجواره مبنى الاستقلال.
قيل في القاموس السياسي: واشتركت فيه 27 دولة مستقلة هي: جمهوريات الهند وسيلان وإندونيسيا ومصر والصين الشعبية وكمبوديا ولبنان ولاوس والفلبين وسوريا وتايلاند وتركيا وفيتنام الجنوبية والسودان وساحل الذهب (غانا) والدول الملكية الآتية: أفغانستان وأثيوبيا وإيران والعراق والأردن وليبيا ونيبال والمملكة العربية السعودية واليمن... [القاموس السياسي أحمد عطية الله ص180، وقد أصبحت هذه الدول كلها جمهوريات ما عدا المملكة العربية السعودية ومملكة نيبال].
وفي المساء تجولنا في بعض الأسواق في باندونغ لشراء بعض الأغراض.
ممن تُطلب العزة؟
الخميس: 20/9/1400 هـ ـ 1/8/ 1980م
دعانا الشيخ أنور مسدد لتناول طعام السحور عنده وطلب مني أن ألقي محاضرة الصباح في المسجد الجامع الذي يصلي بالناس فيه، وهو من مؤسسات نهضة العلماء وقال: إن هذا الجامع يجتمع فيه خمسة آلاف فلبيت رغبته.
وذهبنا إلى المسجد قبل أذان الفجر مع الشيخ أنور، وكان أبناء المدارس من بنين وبنات في أعمار متفاوتة ينتظرونه قرب المحراب وعددهم كبير، وعندما وصل أخذ يكتب لهم دروساً في اللوح المسند إلى جدار المسجد باللغة العربية في الأعلى وباللغة الإندونيسية في الأسفل، وهم يتزاحمون ليكتبوا الدرس، وذكر لنا أن هؤلاء الأولاد يكتبون الدرس ويحفظونه ويشرح لهم في وقت آخر.
وبعد صلاة الفجر قرأ الشيخ عبد القوي ما تيسر له من القرآن، ثم أعلن الشيخ المكي أن فلاناً سيلقي محاضرة، فتقدمت وكان الشيخ هو المترجم وكان عنوان المحاضرة "ممن تطلب العزة" وعناصرها كما يلي:
1 ـ ما من أمة إلا وهي تدعي أنها تريد العزة والمجد.
2 ـ مالك العزة هو الله { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً } [فاطر: 10]. فمن طلبها من مالكها أعطيها: {قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. [آل عمران: 26].
3 ـ قد يغتر بعض الأغبياء بملك أو مال، فيظن أنه يستطيع أن يعز غيره أو يذله، وهو غرور خادع جعل رئيس الطغاة المنافقين يهدد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالإذلال والإفقار {هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ}. [المنافقون: 7-8].
4 ـ وسيلة العزة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعناهما العام الشامل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110]. وكذلك الوفاء بصفقة البيع والشراء التي تضمنتها الآية الكريمة: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ } إلى قوله: { وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}. [التوبة: 111].
5 ـ فقدنا العزة عندما طلبناها من غير الله، من اليهود والنصارى في الغرب أو الشرق: { أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً }. [النساء: 139].
والذين طلبنا منهم العزة يتعاونون علينا اليهود والنصارى والشيوعيون، كما هو الحال في إيران ولبنان وقبرص وتشاد وأوغندا وأثيوبيا والصومال وأفغانستان والفلبين وقبل ذلك فلسطين.
6 ـ وهذه القدس يعلن رسميا أنها عاصمة إسرائيل الخالدة بين المسلمين الذين يبلغ عددهم ألف مليون تقريباً [وكان هذا بعد يوم أو يومين من إعلان اليهود ذلك].
ومن المصادر المذلة التي يطلب المسلمون الآن فيها العزة هيئة الأمم ومجلس الأمن.
ذكرت الخميني لأنه انتصر على الطاغوت!
وقد سمعت في ترجمة الشيخ ذكر الخميني ـ عندما ترجم بعض عناصر المحاضرة ـ فقلت له: لماذا ذكرتَ الخميني ؟
قال: لأن الخميني من أهل العزة، ألم يخرج الطاغوت [يعني الشاه] من إيران ويصبح الآمر الناهي في إيران؟
قلت: ولكني لم أذكره، وأنت تترجم معاني محاضرتي، والمفروض أنك لا تزيد ولا تنقص!
قال: ولكن هذا مثال عملي معاصر يجعل السامعين يفهمون أن الله يمنح العزة كل من طلبها منه بصدق، في أي وقت.
وبعد أن انتهت المحاضرة التي استغرقت أكثر من ساعة طلب الشيخ المكي من الناس الذين ينتظرون لمصافحتنا أن ينظموا أنفسهم صفوفاً، ففعلوا ذلك ووقفنا نصافحهم حتى تعبنا من الوقوف.
أنا قلت: كأنه:
وقال الشيخ المكي والناس يصافحوننا: من صافح أحداً من أهل المدينة فكأنه صافح الرسول صلى الله عليه وسلم، قلت له: استغفر الله، فقال: أنا قلت: كأنه، قلت: ولولا تجوز هذه المبالغات، ثم ودعناه وودعنا وذهبنا نحن إلى الفندق، للاستعداد للسفر.
زيارتان أخريان:
هذا وقد زرت باندونغ مرتين بعد هذه الزيارة:
المرة الأولى: كانت بمناسبة انعقاد مؤتمر الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وهو المؤتمر الذي استضافته وزارة التكنولوجيا الإندونيسية التي كان وزيرها الدكتور بحر الدين يوسف حبيبي، الذي خلف سوهارتو بعد سقوطه، في عام:1419هـ 1998م ـ في 22 من شهر ربيع الأول من عام: 1415هـ وكانت مدته أربعة أيام في هذه المدينة، وقضينا أياماً أخرى في غيرها من المدن، ومنها جاكرتا.
المرة الثانية: كانت زيارة خاصة قمت بها لإندونيسيا، وقد بقيت في باندونغ خمسة أيام من 9/3/ 1419 هـ ـ 3/7/1998م إلى 14/3/1419هـ ـ 9/7/1998م.
وقد سجلت خلاصة هذه الرحلة، وأثبت هنا ما سجلته في تلك الزيارة.