6- في مدينة سنجاراجا
6- في مدينة سنجاراجا
جارودا والبعوض!
وكان وصولنا إلى سنجاراجا في الساعة الواحدة، ونزلنا في فندق "جارودا" وهو بناء شعبي عادي، يكثر به البعوض الذي أقلق راحتنا على الرغم من حاجتنا إليها.
على شاطئ البحر:
وبعد صلاة العصر جاء إلينا الأخ عبد الله باهرمز الذي أعطى فرصة لزيارة أهله لمدة ثلاث ساعات تقريباً، لأن هذه المدينة مسقط رأسه وبها منزله وأسرته، وخرجنا إلى شاطئ البحر وهو قريب جداً من الفندق، وأقرب إلى منزل عبد الله، فمكثنا هناك إلى غروب الشمس، ثم رجعنا لتناول طعام الإفطار في منزل عبد الله، وفي طريقنا إلى البحر رأينا الهندوكيين وهم يحملون قرابينهم على رؤوسهم إلى أحد أصنامهم يقدمونها له و يعبدونه من دون الله، وهذا ما دفعنا لمذاكرة أمر دعوتهم ثم زيارة زعيمهم في المدينة كما سيأتي إن شاء الله الحديث عنه.
الاجتماع ببعض الدعاة من طلابنا:
وبعد أن صلينا المغرب جاء إلينا في منزل الشيخ سعيد باهرمز بعض الطلبة الإندونيسيين الذين يقومون بالدعوة إلى الله تحت إشرافنا في هذه الجزيرة الوثنية بين إخوانهم الشباب من المسلمين، فتحدثنا معهم وشرحوا لنا ما قاموا به ولا زالوا مستمرين فيه، وإقبال أبناء المسلمين على الدعوة واستجابتهم لها وأن الجهل يسيطر عليهم ولكن عواطفهم تدفعهم للاستفادة العاجلة.
وأن من أساليب دعوتهم أنهم يجمعون الشباب في المساجد ويتحدثون معهم ويلقون فيهم محاضرات ويقرئونهم القرآن ويعلمونهم الصلاة وبعض الأذكار باللغة العربية، ويختارون من يرونه أسرع استيعاباً ويجتهدون في تعليمه أكثر من غيره، ليقوم هو بتعليم أهله وزملائه، وأنهم وزعوا بعض الكتب الإسلامية، وشكا الإخوة من عدم وجود ما يساعدون به أهل البلدان من شراء بعض الأخشاب وبناء مساجد صغيرة أو ترميم مساجد متهدمة، فقلنا لهم عليكم أن تجتهدوا في التعليم وإثارة الحماس في نفوس الناس لدينهم وسيوفقهم الله لمساعدتكم في البناء بأنفسهم، وكانت هذه تسلية للإخوة الذي يشاهدون آثار مساعدة المسيحيين لقومهم القلة في هذه البلدة.
وكان من الحاضرين معنا في هذه الجلسة المدعو عبد الله بن أحمد معاشر وهو حضرمي الأصل ـ وغيره من أهل المدينة الذين هم من أصل عربي ـ . [توفي رحمه الله].
وتذاكرنا موضوع الحفاظ على أبناء المسلمين من الذوبان في هذا المجتمع الوثني فذكر الأخ عبد الله معاشر ـ وهو على علم بمبادئ الدين ويرغب في المذاكرة ـ قال: إن المحاولة حاصلة، ولكنها ليست على المستوى المطلوب وأملنا ـ بعد الله ـ في خريجي الجامعة الإسلامية كبير بأن يقوموا بالدعوة والتعليم، ونحن نقوم ببعض الدروس في الأسبوع، وكذلك في الاحتفالات الدينية، كالإسراء والمعراج والمولد النبوي وغيرها، فقلنا لهم: إن من واجبكم الاستمرار في التعليم والدعوة، وينبغي أن تكون الدروس في المساجد مستمرة وأن تتعاونوا على إغراء أبنائكم بحضور هذه الدروس، وأن تعقدوا احتفالات عامة، على شبه ناد أو ندوات تدعون إلى حضورها أبناءكم والهندوكيين، ليسمعوا كلمة الإسلام وتقوم الحجة عليهم بشرح أركانه ومبادئه، لأن دعوتهم واجبة وهم يعبدون الأوثان، فذكروا لنا أن اجتماعات تعقد لأهل الأديان الأربعة هنا، وهي الإسلام والهندوكية والبوذية والنصرانية، وكل جماعة تشرح دينها. قلت لهم: ولكن عليكم أن تبينوا لهؤلاء الناس أن دينكم هو الدين الذي لا يقبل الله سواه من الأديان، لأنها كلها باطلة، وأن تقيموا الحجة على ذلك لتنقذوا هؤلاء الضالين من الشرك بالله.
ثم حضرنا المسجد المسمى بالتقوى فصلينا العشاء وألقيت محاضرة في الحاضرين تضمنت شرح كلمة التوحيد التي دعا إليها كل الرسل وأن علينا أن نفهمها ونعمل بمقتضاها وأن نمكن نفوس أبنائنا من فهمها والعمل بها وأن ندعو إليها الآخرين وأن على الآباء والعلماء أن يعلموا أبناءهم وعلى الأبناء أن يجتهدوا في تعلم الدين من آبائهم وأساتذتهم وكان الحاضرون في غاية الإنصات والتأثر.


ثم صلى بنا الشيخ عبد القوي التراويح وقرأ بعد ذلك ما تيسر من القرآن بطلب منهم، وقام إمام المسجد فأبدى سروره بهذه الزيارة وشرح مبدأ جماعة المسجد وهو التمسك بالإسلام الذي يبني على الكتاب والسنة ونبذ الخرافات، وقال أننا سنحاول تطبيق نصائحكم، وطلب منا إبلاغ المسؤولين في المملكة العربية السعودية أن أبناء هذه البلاد ينتظرون منهم المساعدة بالكتب والمدرسين والمساعدة في بناء المدارس ووضع المناهج.
أعيدوا النظر يا دعاة الإسلام!
إن الجهود المبذولة للدعوة إلى الله في أرض الله ـ وإن كانت قليلة ويجب بذل الوسع في المزيد منها ـ هذه الجهود ظهر لنا أنها تسير بدون تخطيط علمي دقيق، وبدون تنظيم مفيد وتنفيذها عشوائي في الغالب، وكذلك يجب على المؤسسات الإسلامية أن تعيد النظر في أساليبها المتخذة حالياً للدعوة إلى الله باتباع الأمور التالية:
1 ـ ينبغي أن تنسق المؤسسات الإسلامية فيما بينها في إطار مجلس واحد يسمى مجلس شؤون الدعوة الإسلامية ـ مثلاً ـ يمثل في هذا المجلس كل المؤسسات الإسلامية في داخل المملكة العربية السعودية، بداية لمجلس دعوة عالمي، هذه المؤسسات هي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ورابطة العالم الإسلامي، وجامعة أم القرى، وإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد [أصبحت الدعوة والإرشاد الآن تابعة لوزارة مستقلة باسم: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد]. ويكون لها مقر عام يختار له رجال أكفاء مهمتهم جمع المعلومات عن العالم الإسلامي، وتنسيقها وترتيبها في بحوث يرجع إليها عند الحاجة.
2 ـ يختار عدد من الأساتذة والطلبة يبعثون في الإجازات الصيفية إلى بلدان العالم الإسلامي، لجمع المعلومات ومعرفة أحوال المسلمين والجمعيات الإسلامية المتمسكة بالإسلام والجمعيات البعيدة عن التمسك بالإسلام، والمؤسسات الإسلامية التي تحتاج إلى مساعدة، والبلدان التي يوجد بها دعاة، والبلدان التي لا يوجد بها أحد منهم، ومعرفة المدن والقرى التي تحتاج إلى بناء مساجد أو ترميمها، والاطلاع على الجهات التي توجد بها جامعات ومعاهد ومدارس، وحاجة هذه الجامعات والمعاهد والمدارس إلى مدرسين أو كتب أو وضع مناهج أو منح دراسية، والجهات التي لا توجد بها مدارس ويمكن إنشاء مدارس فيها لأبناء المسلمين.
3 ـ التخطيط لبعث الدعاة والمدرسين المقيمين، والمساعدات المادية وغيرها، والبدء بالأهم، وبذلك يمكن إيصال الدعوة إلى أغلب البلدان الإسلامية وغير الإسلامية على خطط علمية مدروسة وتنظيم دقيق.
4 ـ ينبغي أن تعقد دورات في كل قطر للدعاة إلى الله الذين يبتعثون مِن المملكة على رأس كل سنتين على الأقل، يقوم بهذه الدورات علماء الدعوة الإسلامية من داخل المملكة وخارجها، ليطلعوا على ما يقوم به هؤلاء الدعاة في الأقطار ويوجهوهم ويحلوا لهم مشكلاتهم، وبذلك تكون المؤسسات على علم بما يقوم به الأفراد التابعون لها، وإذا لم يمكن إقامة دورات في تلك الأقطار فيمكن إقامتها في إحدى الجامعات بالمملكة.
5 ـ يجب أن لا يكدس الدعاة في بلد واحد وفي مؤسسة واحدة، مع وجود فراغ في بلدان أخرى أو مؤسسات، بل ينبغي توزيعهم لتقوم الحجة بهم في كل مكان قدر الاستطاعة.
في الجامع الذي سقطت منارته بسبب الزلزال:
الأحد: 16/9/1400هـ ـ 28/7/ 1980م
في الساعة الثالثة من صباح هذا اليوم جاء إلينا أبو عبد الله سعيد باهرمز يدعونا لتناول طعام السحور في منزله، وصلينا الفجر في المسجد الجامع الذي سقطت منارته بسبب الزلزال، وقرأ الشيخ عبد القوي ما تيسر من القرآن بعد الفجر، وأخبرَنا الإخوة الدعاة في هذه الجزيرة أنهم عندما وزعوا بعض المصاحف وبعض الكتب الإسلامية والمصحف المسجل وجدوا سروراً وإقبالاً عظيمين من المسلمين الذين بدأوا يذيعون القرآن الكريم في المسجد ويستمتعون به، وأنهم بدأوا يفكرون في إنشاء مكتبة للشباب في المسجد.
أين الإسعاف؟
والمسلمون في سنجاراجا بالذات تبلغ نسبتهم 40% من السكان، ولهم بعض المدارس الأهلية التي كان الطلبة المسلمون مقبلين إليها حتى فتحت المدارس الحكومية التي يوجد بها من النظام والإمكانات البشرية والمادية ما لا يوجد في الأولى، وعندئذٍ بدأوا يتركون المدارس الأهلية وينضمون إلى المدارس الحكومية، وإذا لم تسعف هذه المدارس الإسلامية بتحسين المباني ووضع المناهج الجيدة التي تجمع بين المواد الإسلامية والمواد الحكومية المفيدة، وكذلك بالأساتذة الذين يقومون بالتدريس متفرغين، فإنها يخشى عليها أن تتوقف، فأين الإسعاف؟
دعوة زعيم الهندوكيين في سنجاراجا:
أكد لنا الإخوة المسلمون في جزيرة بالي تسامح الهندوكيين معهم واحترامهم، ومساعدتهم مادياً في بعض شؤونهم، كبناء المساجد وترميمها والاحتفالات الدينية، قالوا: وكثير من عامتهم مقتنعون بالإسلام، ولكنهم يتمسكون بدينهم تقليداً لمتبوعيهم، ويصرح بعضهم بأنهم إذا دخل زعماؤهم في الإسلام فإنهم سيدخلون فيه أيضاً. وأثنوا على زعيمهم في هذه المدينة بأنه يتعاطف كثيراً مع المسلمين.


فطلبت منهم أن يضربوا لي معه موعداً في هذا اليوم، لنلتقي به ونشرح له الإسلام وندعوه إلى التوحيد، ونشكره على تعاطفه مع المسلمين.
فاتصلوا به ورحب بالزيارة عندما بلغوه رغبتنا في زيارته، وزرناه في الساعة التاسعة صباحاً في مكتبه، وشكرناه على حسن معاملته المسلمين، وأخبرناه بموقف النجاشي من المسلمين عندما هاجروا إلى بلاده من إيذاء قومهم إياهم في بدء الرسالة في مكة، وأن الرجل أسلم وحسن إسلامه وصلى الرسول صلى الله عليه وسلم عليه صلاة الغائب، وأن ذوي العقول النيرة إذا شرح لهم دين الإسلام تقر به عقولهم ويدخلون فيه، وقد كان هذا على مدار تاريخ الإسلام واقعاً، فقد أسلم كثير من أهل الكتابين في القديم والحديث، وكذلك الوثنيون في فارس والهند وغيرها.
وبينا له أننا إنما جئنا إليه طمعاً في أن ينقذه الله تعالى بالإسلام الذي لا يوجد في الأرض دين يرضى الله به غيره، وأن رسالة هذا الدين عالمية يجب على كل الناس الإيمان بها، وأن الحجج والبراهين المقنعة قد قامت على كون هذا الدين هو الحق وما سواه باطل، كما قامت على صحة رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم الأنبياء، وأن هذا القرآن حق منزل من عند الله تحدى الله به الإنس والجن أن يأتوا بمثله فلم يقدروا على ذلك منذ نزوله إلى يوم القيامة، وأن سبيل الجنة التي يطمع فيها أهل الأديان المقرون باليوم الآخر والجنة والنار، هو هذا الدين فقط، وأن النجاة من النار لا تكون إلا لأهله، وأن كل جزئية من جزئيات الإسلام تدل على أنه حق، ويكفي أن الأمم التي حاربته قد دخلت فيه، ولا يزال المنصفون من أعداء الإسلام ينطقهم الله بالحجة على أنفسهم.
ولذلك رغبنا في زيارتكم طمعاً في إنقاذكم من النار ودخولكم الجنة أنتم وأتباعكم، جئنا ندعوكم إلى الله ( والدخول في هذا الدين حتى يكون لكم أجركم وأجر أتباعكم، ولا تتحملوا وزركم ووزرهم بعدم الدخول في هذا الدين.
وقلت له: إن هذا الرجل ـ أعني الشيخ عبد القوي ـ يحفظ القرآن كله، وهناك آلاف من المسلمين يحفظونه كما أنزله الله وهو محفوظ من التحريف، ولا يقدر أحد على تحريفه، ولو تجرأ أحد على تحريف كلمة أو حرف منه، لوجد المسلمين في العالم كله يضجون من فعله ويعلنون للناس كذبه، ولو كنت تفهم اللغة العربية وسمعت منه وصف الجنة ونعيم أهلها ووصف النار وعذاب أهلها، لطرت شوقاً إلى الأولى بـ(لا إله إلا الله محمد رسول الله) ولهربت خوفاً من الثانية بترك عبادة غير الله تعالى، ونحن نرغب في أن تدخلوا في دين الله في أسرع وقت، لأن الإنسان لا يدري متى يقتاده الموت إلى قبره، والموت على غير الإسلام يورث الحسرة والألم والخلود في النار.
ونرغب أن نكون أمة واحدة ندعو إلى الخير ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وكان يظهر السرور بكل ما يسمع.
وأجاب: أنه قد قرأ ترجمة القرآن الكريم، ووجد أن ما نقوله له موجود في القرآن، وأنه يرى أنه حق وقال: إنني أتابع الأذان وتعجبني ألفاظه، وقال: إننا نأسف لقصر زيارتكم، وكنا نود لو تأخرتم عندنا أكثر.
فاعتذرنا بارتباطنا وأننا إذا جئنا مرة أخرى إلى إندونيسيا سنحاول زيارته، ووعدنا ببعث كتب إسلامية إليه مترجمة وغير مترجمة.
وكان المترجم بيننا هو الأخ عبد الله سعيد باهرمز.
وهنا يجب أن نقولها صريحة: إن المؤسسات الإسلامية ـ على الرغم مما تبذله من جهود في سبيل الدعوة إلى الله ـ مقصرة في التخطيط والتنظيم والتنفيذ لهذه الدعوة، وإن بعث دعاة حكماء مدربين ملمين بالأديان المقارنة مزودين بالحجج المقنعة مثقفين ثقافة عصرية مع الفقه في الدين، يلتقون بأمثال هذا الزعيم مع حمل الكتب المترجمة إلى اللغة المحلية لأي بلد، لجدير بفتح الباب أمامهم للدخول في دين الله تعالى، أو إقامة الحجة التي أوجبها الله على الأمة الإسلامية.
وإذا لم يدخلوا في أول الأمر فيمكن عقد صلات معهم تكون سبباً للدخول فيه مستقبلاً، وإن على الدعاة إلى الله أن يكونوا أعزة بدينهم يدعون إليه العظماء في قومهم كما يدعون السوقة، كما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وما الذي يمنع الداعية المسلم من دعوة رؤساء الأديان، بل وزعماء الحكومات ما داموا ضالين عن منهج الله، لعل الله يشرح صدورهم لهذا الدين.
وقد بعثنا لهذا الزعيم ترجمة معاني القرآن الكريم وتفسيره باللغة الإندونيسية، وسنوالي مراسلته لعل الله تعالى يهديه.
ثم ودعناه قائلين: السلام على من اتبع الهدى (لم تترجم له هذه) وكان وداعه لنا حاراً نسأل الله له الهداية والتوفيق.
وغادرنا مدينة سنجاراجا في الساعة العاشرة إلا عشرين دقيقة صباحاً، ووصلنا مدينة دنباسار في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الثلاثين، فصلينا الظهر والعصر قصراً وجمعاً في دكان عم عبد الله باهرمز أخي أبيه، ثم خرجنا إلى المطار في الساعة الواحدة والنصف، وفي الساعة الثانية والنصف صعدنا إلى الطائرة، للسفر إلى جاكرتا.
الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر:
اعتدنا أن نأخذ بطاقة الركوب بالأرقام، وكل واحد منا بجانب صاحبه أما هذه المرة فكانت بطاقاتنا بدون أرقام، وقال لنا عبد الله: إننا أحرار نختار المقاعد التي نريد، هكذا فهم، وعندما صعدنا إلى الطائرة وجدناها قد ملئت بالأوروبيين والأمريكيين والأستراليين، فأخذنا ننظر في الصفوف لعلنا نحصل على مقعدين متجاورين أنا والشيخ عبد القوي، فوجدنا مقعدين أحدهما أمام الآخر، فقال لي: أي المقعدين تريد قلت: هذا، ولم أدقق النظر في الجيران، إذ ظننت أنهم كلهم رجال، فلما قعدت بدت جارة على اليمين وليست جاراً، وبدأت الحمر يحتك بعضها ببعض مع سوء أدب، فكنا بينهم كأننا على شوك السعدان أو سجن ضاق بناؤه.
وجاء المضيفون بالطعام والشراب فأخذوا يأكلون ويشربون، ولما لم أتناول أنا شيئاً التفتت إليَّ الجارة قائلة: رَمَدَان ـ أي رمضان ـ؟
قلت: يس، وكانت تلعب مع جارها والله أعلم ما صلتها به بأوراق القمار.
وهنا ذكرت صورة مصغرة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)) وأنشأت هذه الأبيات:
* [أي كما اعتدت مع الكون الذي هو من نعم الله أنظر إليه متفكرا].
* [تعني هل أنت صائم رمضان؟ وهذا دليل على أنها تعرف شيئا-ولو إجمالا-عن عبادات المسلمين].
وكان إقلاع الطائرة من مطار دنباسار في الساعة الثالثة إلا ربعاً، وهبطت بنا في مطار جاكرتا في الساعة الرابعة والدقيقة الخامسة.
ونزلنا في فندق: (سبنج) الذي يوصف بالإسلامي، وكانت مظاهره الإسلامية وجود ترجمة معاني القرآن الكريم والسجادة والإشارة إلى جهة القبلة بسهم على الباب من الداخل، ولكنه مثل غيره في بيع الخمر، ولا أدري عن لحم الخنزير؟!
زيارة بالي في عام 1419 هـ ـ 1998م:
هذا وقد زرت جزيرة بالي مرة أخرى بعد تسعة عشر عاماً من الزيارة السابقة، وبقيت فيها ثلاثة أيام من 19/3/1419 هـ 13/7/1998م إلى 21/3/1414هـ 15/7/1998م. وأثبت ما سجلته في هذه الزيارة هنا.
السفر إلى مدينة دنباسار عاصمة بالي:
الاثنين: 19/3/1419 هـ ـ 13/7/1998م.
أقلعت بنا الطائرة من جاكرتا الساعة الثانية عشرة والثلث ظهراً، وهبطت في دنباسار في الساعة الثانية والدقيقة السادسة والخمسين.
عندما عدت من مدينة بالي إلى جاكرتا يوم الخميس: 22/3/1419هـ ـ 16/7/1998م، نزلت في فندق شيراتون ميديا. (SHERATON MEDIA) الذي كنت قد حجزت فيه قبل السفر إلى مدينة بالي.
وكانت أجرة الغرفة فيه أقل من أجرة الغرفة في فندق: جرين ميليا بأربعين دولاراً تقريباً، ومع ذلك أنزلوني في جناح كبير بنفس أجرة الغرفة العادية، لحملي بطاقة نادي شيراتون (SHERATON CLOP).
ولكن خدمات فندق: جرين ميليا تفوق خدمات جميع الفنادق التي نزلت بها هذه المرة. واستقبلني في مطار دنباسار الأخ عقيل بن محمد با إبراهيم بالبيد وولداه التوأم: محمد ومصطفى، الذين كنت إذا قلت لأحدهما: محمد؟ قال : مصطفى! وإذا قلت للآخر: مصطفى؟ قال: محمد! لشدة تشابههما.



جولة للتعرف على الفنادق في دنباسار!
عرف الأخ عقيل عن طريق الأخ عبد الله باهرمز، أن من أهم ما أريده في بالي هو الاستجمام والتمتع بالمناظر الجميلة، سواء في الفندق أو في خارجه، ومن تلك المناظر القرب من البحر.
وكان قد حجز لي حجزاً غير مؤكد في عدد من الفنادق، وقال لي: أريدك أن تطلع بنفسك على الفنادق ومواقعها، لتختار ما تراه مناسباً لك.
فمررنا على عدد من تلك الفنادق، وهي تقع في منطقة جديدة تسمى: (نوسادوا NUSA DUA) وهي تبعد عن مركز مدينة دنباسار: 30 كيلو متر، ولم يبدأ البناء فيها إلا في منصف الثمانينات، إذ لم يكن يوجد في دنباسار في سنة: 1980 إلا فندق واحد من فنادق الدرجة الأولى.
ومن الفنادق الموجودة في هذه المنطقة: فندق شيراتون وفندق حياة ريجنسي وفندق هلتون وفندق كْلِيْفْ وفندق: فوتي بالي وفندق نيكو بالي (HOTEL NIKKO BALI) الذي تم اختياري له، لأنه يطل على البحر مباشرة، ولغرفه شرفات واسعة يتمكن النازل فيها من التمتع بالنظر إلى البحر أكثر. وقد بقيت في هذا الفندق ليلتي الثلاثاء والأربعاء.
وانتقلت ليلة الخميس إلى فندق آخر سيأتي ذكره وسبب الانتقال إليه.
مطاعم السمك الشعبية:
بعد المغرب من هذا اليوم (الاثنين) أغراني الأخ عقيل بالسمك المشوي الطري الذي تختار منه ما تريد قبل طهيه، في مطاعم شعبية تقع على ساحل البحر في منطقة تسمى: (GEMBARAN) فذهبنا إلى المنطقة، وهي تبعد عن الفندق 25 كيلو متراً تقريباً.
وقبل أن نصل إلى تلك المطاعم وجدنا ازدحاماً شديداً في الطريق إليها، لكثرة المرتادين من السائحين.
وهذه المطاعم مبنية بالخشب والقش، يقف تحت كل مبنىً منها عدد من العاملين وعندهم أنواع السمك الذي يعرضونه على الناس ليختار كل منهم ما يريد، ثم يذهبون به إلى مطابخهم القريبة ليشوى.
وقد أعد كل أهل مطعم كراسي وطاولات خشبية على ساحل البحر، بحيث يرى الآكل أمواج البحر المتتابعة عن قرب، وقد يصل رشاشها إلى بعض الموائد التي يرغب أهلها الاقتراب من البحر.
ويتصاعد دخان الفحم الذي يشوى عليه السمك في سماء المنطقة، حتى يغطي مساحة واسعة منها، ولكثافة الدخان لا يكاد الإنسان يرى نجوم السماء مع صفائها، فضلاً عن روائحه التي يتلذذ بها السائحون، وبخاصة الأوربيين، الذين تسمع صياحهم وارتفاع ضحكاتهم رجالاً ونساء.
وقد ترددنا على هذه المطاعم ثلاث ليال متتابعة، أنا والأخ عقيل وولداه ـ التوأم ـ : محمد ومصطفى... اللذان كانا يعبران لي عن عواطفهما بكثرة النظر إلي وابتساماتهما، لعدم وجود اللغة المشتركة التي تربط بيني وبينهم، مع أنهما عربيا الأصل والخلقة الواضحة، كما توضح ذلك صورهما... ولكني كنت أحاول التحدث معهما عن طريق ترجمة والدهما المتعثرة.
الثلاثاء: 20/3/1419هـ ـ 14/7/1998م
لم أخرج هذا اليوم من الفندق، إلا للسباحة في الساعة السابعة صباحاً، تناولت بعدها طعام الإفطار، ثم بقيت في الغرفة أو في شرفتها، أتمتع بمنظر البحر.
الأربعاء:21/3/1419هـ ـ 15/7/1998م.
زارني اليوم في الفندق بعد الظهر الأخ سعيد باهرمز، والد الأخ الشيخ عبد الله باهرمز، ومعه الأخ عبد الله معاشري وبعض الشباب من مدينة: (سنجاراجا SANGARAGA).
والأخ سعيد يزيد عمره عن سبعين سنة، ولكن صحته جيدة، لا يرى عليه أثر الشيخوخة، بخلاف كثير ممن بلغوا هذا العمر، وهو يتحدث اللغة العربية كما يتحدث بها الحضارمة في حضرموت اليوم تقريباً... مع أنه ولد في إندونيسيا في جزيرة بالي هذه الوثنية ولا يزال يسكنها حتى توفي رحمه الله فيها يوم عيد الفطر من عام 1426هـ.
وقد سألت ابنه عبد الله عن سبب تحدثه باللغة العربية، فقال: إنه اجتهد بنفسه فتعلم قليلاً منها على يد بعض العلماء، وألزم نفسه بالتحدث بها مع كل من يجتمع به من المتحدثين بالعربية.
وقد فاق بهذا التصميم كثيراً من الطلبة الإندونيسيين الذين تخرجوا في جامعات عربية، حيث ينسون كثيراً منها بعد رجوعهم إلى بلدانهم بسبب إيثار لغات أمهاتهم على اللغة العربية، حتى إن كثيراً من معاني مفردات القرآن والحديث وغيرها من العلوم العربية لم يعودوا يعرفونها.
أما عبد الله معاشري فقد ظهرت عليه علامات الشيخوخة والضعف، مع أن عمره قد يكون أقل من عمر سعيد... ولله في خلقه شؤون!
الانتقال إلى فندق فوتي بالي (HOTEL PUTRI BALI):
قال لي الأخ عقيل: لقد وجدت صديقاً لي من المسلمين الإندونيسيين، وهو مدير فندق من فئة خمسة نجوم يسمى) :فوتي بالي FUTIBALI) وعرف أن لديَّ ضيفاً من المدينة المنورة، يسكن في فندق (نيكو بالي) مقابل: ثمانمائة وخمسين ألف روبية في اليوم (56 دولار تقريباً) فقال: لو جئت به في فندقنا فسأسكنه في جناح كبير بمبلغ ثلاثمائة ألف روبية فقط (20 دولار أمريكي) إكراماً لأهل المدينة، وقال لي الأخ عقيل: ما رأيك نذهب لترى الفندق، فإذا ناسبك انتقلت إليه، وعندما رأيت الفندق أعجبني بسعة جناحه، ونظافته جيدة، فانتقلت إليه، والفرق بينه وبين الفندق الأول: أن الأول يطل على البحر، وهذا بعيد عنه قليلاً، وإن كان المنظر جميلاً في الجملة.
وقد اجتمعت بصاحب الفندق، واسمه: إيكو إسرانتو: (EKOISRANTO) وقال لي: إنه قد وفقه الله لأداء فريضة الحج، وزيارة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم...وأنه بنى هذا الفندق في سنة: 1984م، وهو أول فندق يبنى في هذه المنطقة. أي إنه بني بعد زيارتي الأولى لإندونيسيا بأربع سنوات.
سرورُ غريبِ الدار بالوافد من داره:
علم بوجودي أحد تجار المدينة المنورة الموجود في بالي منذ أكثر من سنة تقريباً، وهو: الأخ محمد عبد الغني ـ وهو سعودي الجنسية تركي الأصل ـ يسكن في المدينة المنورة، يتجر في المكسرات، ولم يكن أحد منا يعرف الآخر، ولكن غربة الرجل جعلته يشتاق للقائي. التقينا في منزل الأخ عقيل بالبيد بعد صلاة الظهر.
وكنت أريد أن أذهب إلى الفندق لأرتاح، ولكنه أصر على أن أصحبه إما إلى منزله الذي يقع في منطقة جبلية بين مدينة دنباسار، ومدينة سنجاراجا، وإما إلى منطقة أخرى جبلية أخرى تسمى: (كينتاماني KENTAMANE).
قلت: أي المنطقتين أقرب؟ قال: كينتاماني. قلت: فلنذهب إليها.
وكنت أظن أنها قريبة جداً يمكننا أن نصل إليها ونعود بعد ساعة أو أكثر قليلاً، لأرتاح في الفندق.
ولكنا خرجنا من مدينة: دنباسار في الساعة الثانية والنصف، ولم نعد إليها إلا في الساعة السابعة والنصف مساء. أي أن رحلتنا إلى تلك المنطقة والعودة منها استغرقت خمس ساعات كاملة، ولم نقف إلا خمس دقائق لصلاة المغرب... ولا شك أن المناظر كانت جميلة جداً، إذ كانت الغابات الكثيفة تغطي الجبال الشاهقة والشعاب العميقة التي كنا نشرف عليها من الطريق المتعرجة يمنة ويسرة، والمتدرجة صعوداً وهبوطاً...
الوثنية تستنجد بعدوها:
عند رجوعنا إلى دنباسار سمعت صوتاً يشبه الأذان من جهة اليمين، بعيد الغروب، فسألت السائق المصاحب للأخ عبد الغني: هل يوجد مسلمون هنا؟ قال: قليل جداً. قلت: ولكني أسمع أذاناً. قال: هذا ليس بأذان، وإنما هو صوت أحد المتدينين الهندوس يدعو جماعته للاجتماع لعبادتهم.
قلت: وهل من عادتهم أن يدعوا بصوت مرتفع كما يفعل المؤذن عندنا؟
قال: لم يكونوا من قبل يفعلون ذلك، ولكنهم قلدوا الأذان عند المسلمين، والسبب في ذلك أنهم رأوا عدم إقبال أهل دينهم إلى عبادة الأوثان، والاجتماع في مناسباتهم الدينية وأعيادهم، ورأوا إقبال المسلمين إلى المساجد وزيادة إقبالهم على الاجتماع في أعيادهم ومناسباتهم، فقلدوا الأذان. قلت: وماذا يقول الداعي منهم؟ قال: نسمع أصواتاً لا نفهم معانيها.
وكثير من الهندوس غير مقتنعين بدينهم، ويصرحون بذلك، ويقولون: إن دينهم يكلفهم نفقات مالية يعتبرونها خسارة، دون أن تعود عليهم بفائدة!
وكان الأخ عبد الله بن سعيد باهرمز قد قال لي في جاكرتا: إن الهندوس شعروا بخطر ابتعاد أتباعهم عن أوثانهم وعباداتهم، فحاولوا أن يقلدوا المسلمين في أمور كثيرة، منها: الأذان، ومنها التزاور في أيام أعيادهم ومناسباتهم... ولم يكونوا من قبل يتزاورون، وإنما فعلوا ذلك عندما رأوا أتباعهم معجبين بتزاور المسلمين وتعاونهم، فخاف كبارهم من تأثر أتباعهم بالمسلمين ودخولهم في الإسلام.
المسلمون في بالي:
اجتمعت بالأخ فوزي بن عبد الحميد بن عوض باسلطانة ـ في منزل الأخ عقيل ـ وهو أحد الطلاب الإندونيسيين الذين تخرجوا في الجامعة بالمدينة المنورة، وقد أقام مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم وتدريس مبادئ الإسلام لأبناء المسلمين في منزله، وهو يتجر في الفضة.

وطلبت منه أن يكتب لي بعض المعلومات عن جزيرة بالي وعن المسلمين فيها، فكتب لي ما يأتي:
جزيرة بالي هي إحدى الأقاليم السبعة والعشرين من الأقاليم الإندونيسية، وفيها ثمان مناطق، ودائرة واحدة، وهي وسط المدينة.
وعدد سكانها: ثلاثة ملايين نسمة تقريباً.
ويعتمد أهلها في معيشتهم على الزراعة والصناعات اليدوية، ومن أهم ما تعتمد عليه بالي السياحة التي تهتم بها الدولة لاكتساب الأموال وتشغيل السكان.
ديانات أهل بالي: أغلب سكانها يدينون بالهندوسية: 95%.
وهناك أديان أخرى، أهلها أقليات: منها الإسلام والنصرانية والبوذية.
وكان للمسلمين علاقات قوية بملوك بالي منذ مئات السنين، وكان بعضهم جنوداً لأولئك الملوك... وكانت نسبة المسلمين: 5% ولكن نسبتهم زادت مع مرور الوقت، ويعود ذلك إلى سببين:
السبب الأول: نشاط الدعاة المسلمين.
والسبب الثاني: نزوح بعض المسلمين إلى بالي من مناطق إندونيسية أخرى، مثل: جاوة و كلمنتن و سومطرة وغيرها، طلباً للرزق، ويمكن أن تكون نسبة المسلمين الآن: 20% . ولهذا بنيت مساجد كثيرة منذ سنة: 1980م. إذ يوجد في داخل المدينة ـ دنباسار ـ : مسجد رايا الأخوة، ومسجد النور، ومسجد بيت الرحمة، ومسجد بيت المعمور، ومسجد التقوى، وهذه كلها مساجد كبيرة، وتوجد عشرات من المساجد الصغيرة.. انتهى ما كتبه الأخ فوزي...

وهنا تنبيهات:
التنبيه الأول: أن الأخ فوزي قد اختصر المعلومات المطلوبة اختصاراً شديداً، لأن بعض أهله كانوا في المستشفى، فلم يتمكن من كتابة معلومات أوفى عن بالي وعن المسلمين فيها، وقد اعتذر لي بذلك.
التنبيه الثاني: أن التاريخ الذي ذكر فيه نشاط الدعوة وبناء المساجد في بالي، وهو عام: 1980م هو التاريخ الذي بدأت أفواج الطلاب الإندونيسيين الذين كانوا يدرسون في الجامعة الإسلامية بالمدينة يقومون بالدعوة في الجزر الإندونيسية، ومنها جزيرة بالي، وكان أول فوج قام بالدعوة منهم في تلك السنة، وكنت مشرفاً عليهم بتكليف من فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية آنذاك الدكتور عبد الله بن عبدالله الزايد، وقد كتب الطلاب الذين أشرفت عليهم في تلك السنة تقريراً مفصلاً، قدمته لفضيلته، وكنت زرت جزيرة بالي، وبينت ذلك في هذا الكتاب.
التنبيه الثالث: أنه لم يكن يوجد في تلك السنة ـ حسب علمي ـ إلا مسجدان: أحدهما في مدينة: (دنباسار) وقد صلينا فيه العشاء والتراويح. والثاني في مدينة: (سنجاراجا) وقد صلينا فيه العشاء والتراويح وألقيت فيه محاضرة... ترجمها الأخ عبد الله باهرمز.
التنبيه الرابع: أن الدعوة تنتشر فعلاً في الجزيرة، ولكن الداخلين في الإسلام قليلون نسبياً، وكثير من أبناء المسلمين معرضون للخطر، لأنهم يعيشون في بحر متلاطم من الوثنية، وفي مجتمع منحل فاسد الأخلاق، اجتمعت فيه الإباحية المحلية والغربية، لكثرة السائحين الغربيين، الذين أفسدت نساؤهم رجال الجزيرة، وأفسد رجالهم نساءها... ولهذا يشكو المسلمون من مخالطة أبنائهم وبخاصة المراهقين، وبالأخص الشبان العرب الذين ترى الفتيات الباليات فيهم من الجمال مالا يوجد في أبناء وطنهم، فإنهن يحاولن اصطيادهم وإغراءهم في خارج منازلهم وفي داخلها، ولو عن طريق الهاتف.
ومن المخاطر التي يعاني المسلمون منها: كثرة المخدرات والمسكرات التي وقع فيها بعض أبنائهم.
التنبيه الخامس: أنه ينبغي للمؤسسات التعليمية الإسلامية، كالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وجامعة الأزهر، والجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، والجامعة الإسلامية العالمية في كوالالمبور، وغيرها أن تكثر من تخصيص المنح الطلابية لأبناء هذه الجزيرة، للإسهام في إنقاذ المسلمين بالدعاة المتخرجين من هذه الجامعات، ولدعوة غير المسلمين إلى الإسلام، تنفيذاً لأمر الله تعالى بالبلاغ المبين.... [إلى هنا انتهت رحلة 1419هـ المتعلقة ببالي].
زيارة المجلس الأعلى الإندونيسي للدعوة الإسلامية:
الاثنين: 17/9/1400هـ – 29/7/ 1980م
زرنا الدكتور محمد ناصر رئيس المجلس ومساعده الدكتور رشيدي، وقد كان الأول رئيس وزراء سابقاً، وكان الثاني وزيراً للشؤون الدينية سابقاً، وللرجلين جهود مشهورة مشكورة في محاولة ربط الشعب الإندونيسي في منطلقاته السياسية والاقتصادية بالإسلام، وشعبيتهما تبدو واضحة في الجمعيات الإسلامية والشباب.
وأهدى لنا الدكتور محمد ناصر سلسلة من الكتب الإسلامية التي وضعت لتربية الأطفال وربط العلوم الكونية بالآيات القرآنية موضحة بالصور، وهدفها تقوية الإيمان بالله وتثبيته في نفوس الشباب عن طريق العلوم الكونية التي يتلقونها في المدارس مجردة عن ذكر مصدرها الذي أوجدها بنظامها العجيب المدهش.
القلق من النشاط التنصيري:
وقد صرح المذكوران أن المسلمين في إندونيسيا في قلق من نشاط النصارى في كل المجالات، لأنهم يحاولون أن يستولوا على المراكز الحساسة في الأمن والتعليم والاقتصاد والطب وغيرها، يساعدهم في ذلك عملاء علمانيون من المسلمين الذين ابتعثوا للدراسة في الخارج ـ في أوروبا وأمريكا وفرنسا ـ فحملوا مؤهلات وأسندت إليهم وظائف حساسة في الدولة، وهم يحاربون الإسلام ـ علناً ـ أكثر من محاربة النصارى ـ وإن كان النصارى هم الموجهين والمحركين، ومن ذلك محاولة إلغاء المساجد في الجامعات وحرمان أبناء المدارس الحكومية من الإجازة في رمضان، وقد كانوا يستفيدون من هذه الإجازة بالتعليم في المدارس الإسلامية والمساجد، حيث يتعلمون أمور دينهم التي لا يجدونها في المدارس الحكومية.
وهكذا نجد الشكاوى من العلمانيين الذين رباهم أهل الغرب في أغلب الشعوب الإسلامية، حيث يكونون معاول هدم سافرة بأيدي أسيادهم الذين نصبوهم في شعوبهم لهدم أركان العقيدة ومقومات الأمة.
مع سفير المملكة العربية السعودية في جاكرتا:
في الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، كنا في سفارة المملكة العربية السعودية حيث كنا على موعد مع سعادة السفير الأستاذ بكر عباس خميس الذي استقبلنا ببشاشة، وكان الحديث معه ممتعاً، ورأينا في الرجل حماساً لنشر الدعوة الإسلامية وإيجاد وسائل ذلك، كترجمة الكتب الإسلامية وطبعها وطبع المصحف الشريف.
وأطلعناه على ما قمنا به في زياراتنا للمؤسسات الإسلامية في جاوة الشرقية وجزيرة بالي، ونقلنا إليه شكر بعض تلك المؤسسات التي تلقت إعانات عن طريقه من المملكة العربية السعودية.


كما نقلنا له رغبة مؤسسات أخرى في أن تحظى بمثل تلك المساعدات.
وطلب منا إبلاغ فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية رسالة شفوية تتضمن عرض التعاون في المجالات التي تحقق أهداف الجامعة الإسلامية في الدعوة إلى الله في إندونيسيا، وأبدى استعداده بالإشراف على ترجمة بعض الكتب الإسلامية المفيدة التي تختارها الجامعة وطبعها وتوزيعها في إندونيسيا، وذكرت له كتاب الدكتور محمد علي البار: خلق الإنسان بين الطب والقرآن وأنه مجهود علمي مفيد في بابه، ويمكن أن يستفيد منه المثقفون ويهديهم إلى الإسلام فطلب مني سعادته بعث الكتاب إليه ليتولى الإشراف على ترجمته وطبعه وتوزيعه في إندونيسيا وكانت معي نسخة فبعثتها له في اليوم الثاني.
ثم شكرناه على حسن استقباله وما يقوم به من أعمال طيبة وودعناه.
سراب بقيعة!
ذهبنا ـ بعد ذلك ـ إلى برج الاستقلال الذي يشرف على المدينة وهو قريب من مسجد الاستقلال، وكانت تذاكر الطلوع معنا من قبل إذ وجدناه مزحوماً، فأجلنا الصعود إليه إلى وقت آخر، وعندما اقتربنا من البرج رأينا الساحة المحيطة به فارغة وكذلك الأبواب والممرات المؤدية إليه، فسررنا بذلك وقلنا هذه فرصتنا حتى لا نجد أولئك الأجانب يزاحموننا، وكنا نظن أن الناس في هذا الوقت بعد الظهر في راحة، وعندما وصلنا إلى قرب المصعد وجدنا جندياً حارساً قال: إلى أين؟ قلنا: إلى المصعد للطلوع، فقال: إن المصعد تحت الإصلاح، ولا يمكن الصعود الآن، فعرفنا أن الفرصة التي ظنناها سنحت كانت سراباً خادعاً.
الجهد موجود والتخطيط مفقود:
زارنا بعد صلاة العشاء في الفندق فضيلة الشيخ محمد المجذوب وفضيلة الشيخ ناصر الطريفي، وهما مبعوثان من قبل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، للاطلاع على أحوال الدعاة الذين أوفدتهم الرئاسة للدعوة إلى الله، وهم من خريجي الجامعة الإسلامية وتقديم تقارير عنهم للاستفادة منها.
وجرى نقاش بيننا في أمور الدعوة واختلفت وجهات النظر في بعضها، والذي بقي عندي من تلك المناقشة هو أن المؤسسات الإسلامية تبذل جهوداً تحتاج إلى المضاعفة والتعاون فيما بينها والتنسيق، لأن الدعوة الإسلامية تواجه تيارات وأحزاباً ومؤسسات عقائدية ومخططات عظيمة، وذلك يقتضي التخطيط السليم والتنظيم والتنسيق والجهود المضاعفة، وما دامت المؤسسات الإسلامية لا تبذل جهوداً في التخطيط العلمي الدقيق والتنسيق فيما بينها، فإن الجهود القليلة ستبقى مبعثرة قليلة الجدوى بالنسبة لما ينبغي أن يكون.
وزارنا كذلك بعض طلبة الجامعة الإسلامية الإندونيسيين الذين تخرجوا فيها وتذاكرنا معهم ما بقي لنا من زيارات.
السفر إلى باندونغ:
الثلاثاء: 18/9/1400 هـ – 30/7/ 1980م
كنا قد طلبنا من الأخ حلمي أمين الدين ـ وهو من مبعوثي إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ويعمل في مكتب الملحق الديني، وقد تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ـ أن يحجز لنا على الخطوط الإندونيسية إلى باندونغ، فاتصل بالأخ عبد الله باهرمز وأخبره أن الطائرة تقلع من جاكرتا إلى باندونغ في الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً، وأن علينا أن نغادر الفندق إلى المطار في الساعة الحادية عشرة والنصف.
ولكن عبد الله خرج لحاجة وتأخر كثيراً فعاتبناه على ذلك واستأجر لنا سيارة، وعندما ركبنا قال للسائق: جَلَنْ جلن، يأمره بالسرعة وكان وصولنا إلى المطار ـ وهو داخلي ـ في الساعة الثانية عشرة ودقائق.
وأدركنا الطائرة التي أقلعت في الساعة الواحدة إلا عشرين دقيقة.