رحلات إندونيسيا - الجزء الأول (1400هـ - 1980م)

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 10 صفحة
صفحة 7 من 10 5- في مدينة دنباسار

5- في مدينة دنباسار

5- في مدينة دنباسار

واستقبلنا في مطار دمباسار أبو عبد الله: سعيد بن عبد الرحمن باهرمز، [توفي الأخ سعيد بن عبد الرحمن باهرمز صباح عيد الفطر من عام 1426هـ ـ 2005م وقد بلغ من العمر أربعاً وثمانين سنة، كما أخبرني بذلك ابنه عبد الله في رسالة عن طريق الجوال في نفس اليوم، وقد كنت في الإجازة الصيفية هذا العام في جاكرتا وهو يعاني من المرض رحمه الله]. وهو حضرمي الأصل من مواليد إندونيسيا، ذكر لنا أن أباه هاجر إلى هذه البلاد ثم ذهب إلى بلاده "حضرموت" وتوفي هناك، والشيخ سعيد يتكلم اللغة العربية بطلاقة، قال: كان أبي عالماً وداعية وقال: إني قليل العلم ولي أمل في أن يخلف عبدالله جده وأشكركم على العناية به وبتعليمه وتربيته، وإني سأبعث إليكم أخاه ليتلقى العلم والتربية في المدينة المنورة كأخيه.

كثرة الأصنام في بالي:

ولما كنا في طريقنا إلى الفندق كان هو وابنه عبد الله يشيران لنا إلى معابد الهندوك حيث يوجد في كل بيت صنم معبود ـ صغير للأسرة ـ وفي كل مجموعة من المنازل آخر على الشارع العام، وسألناه عن حالة هؤلاء الوثنيين؟ فقال: إنهم متعصبون لدينهم ولكنهم يظهرون تسامحاً مع المسلمين ويأخذون ببعض العادات الإسلامية، وإنهم نشطون جداً في العمل، فهم يزرعون السهول والجبال وإن مثقفيهم بدأوا يشكون في صحة دينهم، ولو وُجد الدعاة المسلمون الأكفاء لدخل كثير منهم في دين الإسلام، وقال: إن المحافظ أصبح الآن منهم، (أي من الهندوك) بعد أن كان من قبل مسلماً، ويبلغ عدد المسلمين في هذه الجزيرة ستة في المائة (6%) فقط والنصارى (1%) واحد في المائة والأكثرية هم الهندوك [زرت جزيرة بالي مرة أخرى بعد أن مضى على هذه الزيارة 19 عاماً ومكثت في مدينة دنباسار وضواحيها ثلاثة أيام من 19/3/1419هـ ـ 13/9/1998م إلى 22/3/1419هـ ـ 16/9/1998م فظهر لي أن نشاط المسلمين قد زاد، وأن نسبتهم قد ارتفعت، إما بدخول بعض الهندوس في الإسلام ـ وهم قلة جداً ـ وإما بهجرة بعض المسلمين من مناطق أخرى إلى هذه الجزيرة، وسيأتي ما سجلته في هذه الرحلة في نهاية هذه المعلومات المتعلقة بها]. ورأينا في شوارع المدينة السائحين الأجانب [وهم من أوروبا وأمريكا وأستراليا واليابان والصين وغيرها] بكثرة رجالاً ونساء ويمشون شبه عرايا لا يلبسون إلا السراويل القصيرة.
وكانت الفنادق كذلك مزحومة، فقد اختير لنا النزول بأحد الفنادق، فلم نجد فيه مكاناً واتصل الأخ عبد الله بعدد من الفنادق فلم نجد إلا في فندق القصر فنزلنا فيه.
وكنا نرى الصور المجسمة تنتشر في كل مكان: على الشوارع العامة والشوارع الفرعية، وأمام المنازل والفنادق وفي داخل القاعات بأشكال مختلفة، وبعض الأوثان المعبودة يلبسونها بالأقمشة بإزار وخمار.
واتصل الأخ عبد الله باهرمز ببعض المسلمين وأخبرهم أنا موجودون وأننا نحب زيارتهم، فاتصل أحد الأشخاص هاتفياً فأجابه الشيخ عبد القوي فقال له: إن خطاب عبد الله قادري سيكون الليلة في مسجد النور.
وبعد أن أفطرنا زكَّى عبد الله باهرمز أحد المطاعم وقال: إنه مطعم إسلامي وزكاه كذلك بأن طعامه لا يكثر فيه الفلفل.
فذهبنا إلى هذا المطعم فوجدنا التزكية الأولى صحيحة، بدليل أن المطعم لا يرتاده إلا عدد قليل جداً، أما التزكية الثانية فقد استعجل عبد الله باهرمز هداه الله، وبعد تناول طعام العشاء في هذا المطعم رجعنا إلى الفندق، فجاءنا بعض الشباب من المسلمين بسيارتهم لنقلنا إلى مسجد النور وكان قائد السيارة وصاحبها هو الشاب موسى حسين سرو، يعمل في تجارة النظارات، وكنا متفقين مع الإخوة أن فضيلة الشيخ عبد القوي يصلي التراويح (وكان هدفنا من صلاة الشيخ بالناس هو تعليمهم كيفية الصلاة والقراءة، لأن كثيراً من الناس يسرعون في صلاتهم ويقرءون سوراً قصيرة) وكان أئمة المساجد التي نزورها يقدمونه بأنفسهم عندما يعلمون أنه حافظ لكتاب الله ويجوده ويفرحون بذلك، ولكن إمام هذا المسجد رفض التنازل للشيخ عبد القوي ـ وله الحق في ذلك لأنه إمام المسجد ونحن ما كنا نطلب من الناس التنازل، ولكنهم كانوا هم يرغبون، وقد ينبه بعض الناس الإمام فيلبي ـ ولكن عندما تقدم الإمام يصلي بالناس التراويح بدا لي سبب رفضه، فقد كان سريعاً في صلاته يتكلف أن يقرأ قراءة جيدة وأخطاؤه كثيرة، وكان يقرأ بعد الفاتحة سورة قصيرة في الركعة الأولى وكذلك في الثانية، إلا أنها غير مرتبة فيقرأ مثلا سورة الماعون في الركعة الأولى وفي الثانية سورة النصر وفي الثالثة سورة الهمزة وفي الرابعة سورة الكوثر وهكذا.

دعوة الرسل ومسؤولية المسلمين عنها:

وبعد أن صلى الإمام بالناس أخذ الميكرفون وجعل يتحدث مرحباً بالضيوف مرة باللغة العربية وأخرى بالإندونيسية، ويكرر نفس الكلام لمدة لا تقل عن نصف ساعة، ثم طلب مني أن أتقدم لإلقاء الخطاب كما قال، وأراد أن يترجم ولكني رفضت لأن لغته العربية ركيكة جداً وأسلوبه ثقيل على النفس، فقلت له: إن الأخ عبد الله باهرمز هو المترجم فوافق وكنت محرجاً في إلقاء هذه الكلمة لأنه قد أطال على الناس، وهم ينتظرون بعد إلقاء كلمتي صلاة التراويح.
وكان الحديث متضمناً بيان دعوة الرسل وأنها لتثبت عقيدة التوحيد وعبادة الله وحده ونفي الشرك عنه، وأن الذي منحه الله هذه العقيدة عليه مسؤولية عظيمة في إنقاذ غيره من ظلمات الكفر، اقتداء بالرسل عليهم السلام، الذين كان الصراع بينهم وبين أممهم سببه هذه الدعوة، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم كان خاتمهم، ولذلك فقد أصبحنا نحن المسؤولين عن البشرية كلها لإخراجها من الظلمات إلى النور، وأن على المسلمين في هذه البلاد أن يقووا إيمانهم وإيمان أبنائهم بالله وبرسوله، وأن يحصنوهم من الشرك بالله والمعاصي وأن يقوموا بواجب الدعوة إلى الله ويبينوا للوثنيين فساد الأديان الأخرى غير دين الإسلام.
وبعد صلاة التراويح قال الإمام: الآن يتقدم عبد القوي ليقرأ آيتين ـ وسكت قليلاً ثم قال ـ فأكثر، فهمنا أن الرجل ما كان يريد أن يسمع الناس غير قراءته، لأنه يخشى أن تقل مرتبته عندهم وكان هذا فهما خاطئاً منه هداه الله.

مذهب الشيخ عبد القوي في التبرك بآثار الصالحين!

أخذ الناس يتزاحمون علينا لمصافحتنا، وأراد أحدهم أن يتبرك ببعض آثار الشيخ عبد القوي [وهي الحقيبة التي في يده وكان بها الجوازات والتذاكر وجميع شيكاتنا ونقود نفقاتنا] فأخذ هذا الرجل يجر الحقيبة، وأخذ الشيخ جزاه الله خيراً يتمسك بهذه الحقيبة، فلم ينجح ذلك المخرف في تخريفه ولو نجح في تبركه لعطل حركتنا كلها، فالحمد لله رب العالمين.

من أساليب الدعوة:

ثم خرجنا مع الإخوة نتجول في السوق بالسيارة وما كان عندهم شئ يشيرون إليه إلا معابد الهندوك فسألناهم هل عندكم خطة لدعوة هؤلاء إلى الإسلام؟ فقالوا نعمل جهدنا ومن خططنا أن نزوج بعض شبابنا من بناتهم بعد دخولهن في الإسلام، فإذا أسلمت الفتاة وتزوجها الشاب المسلم أثر ذلك على أقاربها فيسلم بعضهم.
وكذلك نذهب إلى القرى فندعوهم إلى الإسلام، فيدخل بعضهم في الإسلام، ولكن ذلك قليل والجهود غير كافية.
وسألناهم كيف يكون حال من دخل في الإسلام؟ قالوا: إن كثيراً منهم يكونون أكثر تعصباً للإسلام بعد إسلامه من بعض المسلمين.
وكنت قلت للشيخ عبد القوي: إن هذه البلاد في حاجة إلى وقت أطول، ولو كان عندنا فسحة من الوقت لكان البقاء فيها أفضل، فقال: نعم ولكن مهما كان هذا الوقت الذي نقضيه لا يؤدي واجب الدعوة إلا إذا كان لمدة سنتين فأكثر يعلم فيها الشباب الإسلام ويدرب على كيفية الدعوة حتى تطمئن على تمسكهم ونجاحهم في ذلك ثم يتركون وينتقل الداعية إلى مكان آخر وهكذا.
وهذا ما يفعله المسيحيون إذ يصل القسيس إلى المنطقة التي يكون أهلها شبه عراياً متوحشين كما في جنوب السودان، فيلبس مثلهم ويشاركهم في عاداتهم ثم يأخذ في بث أفكاره فيهم بالتدريج حتى يقنعهم بها شيئاً فشيئاً، ولا يخرج حتى يفتح مدرسة لأبنائهم ويستمر تعليمهم فيها ثم ينتقل إلى مكان آخر فيعمل فيه ما عمله في المكان الأول وهكذا.
أما نحن وأمثالنا ممن يكون نزولهم في الفنادق وزياراتهم عابرة، فإن فائدتهم في الدعوة قليلة جداً، وهذا الذي قاله الشيخ عبد القوي حق وهذا يحمل المؤسسات الإسلامية مسئوليتها تجاه تدريب الدعاة وإعدادهم لتحمل المتاعب والمصاعب في سبيل الله، وفي الجامعة الإسلامية وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عدد كبير من أبناء العالم الإسلامي والبلدان كلها، يمكن أن يقوموا بهذه المهمة في بلدانهم وبلغات قومهم، إذا أعدوا إعداداً صالحاً وربوا تربيةً صحيحة.

من أحق بذلك نحن أم هم؟

وذكر لنا الإخوة أن الزلازل تكثر في هذه البلاد وأنها تحدث خسائر في الأرواح والممتلكات وتهدم البيوت، وقد تذهب بعض القرى، وإذا حدث شئ من ذلك يأتي المسيحيون من أستراليا وأمريكا وأوروبا فيقدمون المساعدات لإخوانهم المسيحيين، وقد يساعدون أيضاً بعض المسلمين، ولكن المسلمين لا يرون أحداً لمواساتهم ومساعدتهم، قال بعض الإخوة: إلا أن المملكة العربية السعودية عندما حدث زلزال 1976م في بالي ساعدت كل مسجد من المساجد المتضررة بألفي ريال تقريباً.
قلت: من أحق بالبر والبذل والمواساة؟ نحن المسلمين أم أولئك الكفار الذين يمدون يد العون حتى لإخواننا المسلمين؟!
ومن أجدر بالدعوة العملية في المواساة؟ أهل الدين الحق أم أهل الأديان المحرفة؟

السفر إلى سنجاراجا:

الأحد: 15/9/1400هـ ـ27/7/ 1980م
في الساعة العاشرة من صباح اليوم غادرنا مدينة دنباسار في جنوب جزيرة بالي إلى مدينة سنجاراجا في شمال الجزيرة على سيارة يقودها شاب كان شيعياً ولكنه تاب من مذهب الشيعة وانضم إلى السنة واسمه محمد، وكنا نرى في شوارع مدينة دنباسار قبل خروجنا منها الأوثان التي يأتي إليها الهندوك بالفواكه والزهور، ويضعونها على رفوف قريبة من الوثن تقرباً إليه، ويومئون برؤوسهم وأيديهم.
وبعد الخروج من المدينة دخلنا في المزارع التي لا يرى الرائي الشمس خلالها إلا نادراً لكثرة الأشجار [وأغلبها مثمر] على جانبي الطريق، وينتشر باعة الفواكه بجانبي الطريق وهي أنواع كثيرة لا نعرف إلا القليل منها.
فوقفنا عند أحد الباعة وقد مد طاولته الخشبية بجانب الطريق أمام منزله، ووضع على الطاولة عينات من الفواكه الموجودة عنده، والأشجار المثمرة بجانبه تتدلى بها الفواكه، ويخير المشتري إن أراد أن يأخذ من الفواكه المقطوعة التي على الطاولة، وإن شاء أن يختار من الفواكه التي لا زالت معلقة في أشجارها، وكان من الفواكه الموجودة شجر الباباي ذي الفاكهة اللذيذة المفضلة عندي وكانت إحدى شجراته تحمل ما يزيد عن خمس وعشرين حبة، وسألت: كم تحمل الشجرة من هذه الحبات؟ فقالوا منها ما يحمل عشرين ومنها ما يحمل ثلاثين وبعضها قد تحمل خمسين حبة، والحبة تختلف في الصغر والكبر قد تزن الحبة الواحدة عشرة كيلو جرام، وأخذنا منه ما نريد ثم واصلنا السير.
ثم دخلنا بعد ذلك في غابات كثيفة وجبال شاهقة تكسوها تلك الغابات، وكانت السحب تغازل تلك الغابات وتعانقها في قمم الجبال، وتلتف حولها في الأسفل وكأنها تُطمئِن تلك الغابات وتبشرها بالخير والمطر المدرار في وقته الذي يأذن الله به، وكان قائد السيارة يشير إلى بعض الأشجار التي يعرف أسماءها، ونحن نعرف قليلاً، وأكثرها لا نعرفه، ومما عرفناه البن والقرنفل.
ثم مر بنا السائق في طريق جانبي على اليمين إلى ساحة كبيرة بين الجبال مملوءة بالماء فقلنا ما هذا قالوا: هذا حوض، قلت: هل تتجمع هذه المياه من سيول هذه الجبال قالوا بل ينبع الماء من القعر ويبقى هكذا طول الوقت، وفيه قوارب صغيرة يستعملها السائحون، ورغب الابن عبد البر في الركوب، ولكني قلت له: إني أكره الوقوف في هذا المكان، لأن الأجانب يرتادونه بكثرة وبملابس غير لائقة، وقال عبدالله في داخل هذا الماء أشجار شبيهة بالحيوان إذا لمست جسم أحد انطوت عليه وأنزلته إلى القعر فيكون قبره، وكنت أظن ذلك خرافة ولكنهم أيدوا ذلك كلهم.
وكانت الطريق تتلوى بنا مثل الثعبان حتى كنا في دقائق نسير إلى الجهات الأربع حيث نمشي إلى الجهة ثم نكر راجعين إلى الجهة المقابلة وهكذا كانت الطريق:
نمشي حتى نكاد نلتقي بالنقطة التي كنا فيها، ثم نرجع حتى نكاد نلتقي بالنقطة الأخيرة، وهكذا، وكانت خطيرة بسبب ذلك وبسبب ضيق الطريق، إلا أن السيارات كانت قليلة فيها وليست مزدحمة كما هي العادة في مناطق أخرى من إندونيسيا.
وفي رأس الجبل وجدنا سوقاً تباع فيه الفواكه والزهور المختلفة بأسعار رخيصة جداً وقفنا قليلاً ثم واصلنا السير وكان الطقس بارداً كأنه مكيف.

ألا تصدقونني؟!

مررنا بمكان تنتشر فيه القردة بجانبي الطريق كباراً وصغاراً، ولا تفر من السيارات ولا من الناس، بل تبقى في مكانها تأكل من الثمار، والناس يتفرجون عليها، فقال الابن عبد البر: أبوية ـ أي يا أبي ـ أريد أن آخذ قرداً، فقلت: ماذا تريد به؟ قال: آخذه إلى المملكة أربيه هناك، فقلت لا داعي لذلك فقال: عبد الله باهرمز: لا تأخذ فإنها ستتبعنا إلى سنجاراجا، قلت له: كيف ونحن في السيارة وهي تسير بسرعة يصعب على القرود متابعتها؟ وكنا في منتصف الطريق تقريباً، بيننا وبين سنجاراجا ما يقارب أربعين كيلومتراً، قال: تجري حتى تلحق بنا، فقلت: ما أظن. فقال: منفعلاً منكراً: ألا تصدقوني؟ قلنا: صدقناك!

لا أبالي لأني لا أعتقد أنهم على حق:

كان قائد السيارة يتحدث تارة باللغة العربية، قلت له: أين تعلمت اللغة العربية.؟ قال في معهد كونتور، ولكن لم أكمل الدراسة، قلت له من أي طوائف الشيعة أنت؟. قال: من (بهرة) ولكني لا أتبع مذهبهم، بل ارتضيت مذهب أهل السنة، قلت: وأهلك، قال: لا يرغبون مني ذلك، ولكن بعضهم أيضاً ارتضى مذهب أهل السنة وترك مذهب الشيعة، وأنا لا أبالي لأني لا أعتقد أنهم على حق.
ثم أخذنا في الانحدار من الجبل إلى الأسفل، وبدأت الحرارة ترتفع.