رحلات إندونيسيا - الجزء الأول (1400هـ - 1980م)

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 10 صفحة
صفحة 4 من 10 2- في مدينة جوك جاكرتا

2- في مدينة جوك جاكرتا

2- في مدينة جوك جاكرتا

فندق سري مان جان تي وصورة السيد الشهيد (SERI MAN GAN TE):

وكان الإخوة قد حجزوا لنا غرفتين في فندق (سري مان جان تي) وهو يتكون من طابقين و سقفه مسنم مثل المنازل السكنية، ويغلب عليه الطابع المحلي في أثاثه، وفي قاعة الاستقبال صوره منحوتة من الحجارة: رجل عليه عمة وبيديه مضرباً دف وأمامه الدف، قال لنا الإخوة: هذه صورة السيد الشهيد، وهو أول من دخل هذه المنطقة ودعا إلى الإسلام عام: 1300م وكانوا يحكون ذلك بعاطفة تدل على حجم حبهم للرجل، قالوا: وكان أول ما جمع الإندونيسيين بالضرب على الدف وعندما اجتمعوا دعاهم إلى الإسلام.
قلت للإخوة: الصور المجسمة محرمة باتفاق العلماء، ولا سيما صور الصالحين وما عبد قوم نوح الأديان إلا عن طريق الصور.
وكثير من مساجدهم القديمة إذا جاء وقت الأذان بدأوا بضرب الدف ثم يؤذن المؤذن، وطبيعة الإندونيسيين طبيعة طرب، والذي يريد أن يدعوهم إلى الله ينبغي أن تكون عنده بعض النكات المباحة يدغدغهم بها عندما يخاطبهم وهذا ما يجري عليه علماؤهم معهم.
أطلعنا الإخوة على منهاج الزيارة الذي أعدوه لنا، وكان مستغرقاً لأوقاتنا كلها ما عدا وقت الراحة وتركونا لنرتاح بعد أن وافقناهم على ذلك المنهاج.

في مؤسسة تثقيف المكفوفين الإسلامية:

هذه المؤسسة أنشئت في عام: 1384هـ بعد أن رأى المسلمون بعض أبنائهم من المكفوفين وغيرهم من ذوي العاهات تتلقفهم أيدي التنصير، ومنهم من يتنصر إظهاراً للاعتراف بالجميل لأهله، وهذه المؤسسة تقوم بتثقيف المكفوفين وخدمتهم وتدريبهم على مستوى الابتدائي والثانوي، وتتبع المؤسسة مكتبة وبها قاعة اجتماعات ضيقة للمدرسين والمدرسات.
كان أول لقاء في هذه القاعة بعد صلاة العشاء، حيث ألقى مديرها كلمة باللغة العربية شرح فيها ما تقوم به الجمعية من أعمال البر، وذكر أن الحاضرين مدرسون ومدرسات يقومون بالتدريس في داخل الجمعية وفي الأسر.
ثم قرأ الشيخ عبد القوي ما تيسر من القرآن، وألقيتُ كلمة في العقيدة وطرحت بعض الأسئلة وبعد المناقشة عدنا إلى الفندق.

محاضرة في مسجد الشهداء:

الخميس: 5/9/1400هـ ـ 17/7/ 1980م
صلينا الفجر في مسجد الشهداء الذي غص بالمصلين وألقيت محاضرة بعنوان الغاية من خلق الإنسان.

محاضرة في مسجد الشهداء ـ إندونيسيا ـ يوك جاكرتا 5/9/1400هـ ـ 17/7/1980م
محاضرة في مسجد الشهداء ـ إندونيسيا ـ يوك جاكرتا 5/9/1400هـ ـ 17/7/1980م
جانب من الحضور "محاضرة مسجد الشهداء" يوك جاكرتا 5/9/1400هـ ـ 17/7/1980م
جانب من الحضور "محاضرة مسجد الشهداء" يوك جاكرتا 5/9/1400هـ ـ 17/7/1980م
الشيخ/ باي عارفين يحاضر في مسجد الشهداء يوك جاكرتا 5/9/1400هـ ـ 17/7/1980م
الشيخ/ باي عارفين يحاضر في مسجد الشهداء يوك جاكرتا 5/9/1400هـ ـ 17/7/1980م

وفي صباح هذا اليوم زرنا هذه المكتبة وهي عامرة بالكتب، إلا أن الكتب الإسلامية لا تتجاوز الثلاثين في المائة من الكتب الموجودة بها، لأن أغلب الكتب الموجودة فيها جاءت هدايا من النصارى، وهدايا المؤسسات الإسلامية قليلة، وذكر المسؤولون أن المعجم المفهرس لألفاظ الحديث أُهدِي لهم من قبل النصارى، وكذلك دائرة المعارف الإسلامية، وهم يتعجبون من عدم اجتهاد المسلمين في نشر كتبهم للمؤسسات الإسلامية واجتهاد النصارى في نشر كتبهم بين المسلمين، وسلينا الإخوة بأننا سننقل هذه المشاعر ورغبتهم في الحصول على مراجع إسلامية للمكتبة فسروا بذلك.

قرود حلوة!

ذهبنا بعد زيارة المكتبة إلى حديقة الحيوان، فلم نر فيها جديداً، إذ توجد بها الحمر الأهلية والوحشية والثعابين وبعض الطيور والقرود، وكان الابن عبد البر، وعبد الله بن سعيد باهرمز تأخرا عنا عندما قفلنا راجعين إلى بوابة الخروج، فانتظرناهما وعندما جاءا، قال عبد البر: والله يا أبوية (يا أبتي) وجدنا هناك قروداً حلوة فكانت نكتة اليوم، وله نكتة أخرى مع القرود ستأتي في مكان آخر إن شاء الله.

مناظر من جوك جاكرتا ـ إندونيسيا ـ عبد البر 7/9/1400هـ ـ 19/7/1980م
مناظر من جوك جاكرتا ـ إندونيسيا ـ عبد البر 7/9/1400هـ ـ 19/7/1980م

جوامع في المنازل:

رجعنا من الحديقة ذات القرود الحلوة إلى الفندق فاسترحنا إلى الساعة الخامسة (قبل أذان المغرب بساعة) وانتقلنا إلى منزل عمري يحيى الذي طلب من اللجنة المنظمة لزيارتنا أن نتناول طعام الإفطار والعشاء عنده، وعندما وصلنا استقبلنا هو وبعض أصدقائه وعرفنا بنفسه وأنه رئيس منظمة الرسامين الإندونيسيين التي أغلبها مسلمون (90%) وفي داخل منزله قاعة كبيرة قدمت فيها سفرة الطعام، وصلينا المغرب وطلب منا أن نبقى لنصلي العشاء عندهم وكذلك التراويح، وكانت مناسبة للتحدث معهم بين المغرب والعشاء، لا سيما ما يتعلق بمهنة الرجل، فقد نصحناه أن يلتزم في رسمه برسم المباحات التي تذكر الناظر بالله تعالى كالغابات والأشجار والفواكه والبحار والأنهار، وكذلك المساجد وبيت الله الحرام وغيرها مما تكون فيها معان طيبة تدعو إلى العاطفة الإسلامية فأظهر الرجل الاستجابة.
وعندما اقترب وقت صلاة العشاء رأينا الناس ـ وأكثرهم من الشباب بنين وبنات يفدون إلى هذا المنزل، فسألنا ماذا يريد هؤلاء؟ قالوا هؤلاء هم أهل الحارة يصلون العشاء والتراويح في هذه القاعة بداخل المنزل طيلة ليالي شهر رمضان، وتوجد قاعات في كثير من الأحياء في منازل بعض كبار السكان، لأن المساجد لا تتسع لجميع المصلين، وعندما أذن المؤذن كانت القاعة قد غصت بالمصلين وامتدت الصفوف خارجها في حوش المنزل إلى الشارع، فصلى إمامهم بنا العشاء، وصلى الشيخ عبد القوي التراويح، وطُلِب مني إلقاء حديث في الحاضرين فألقيت كلمة مختصرة شرحت فيها معنى الصراط المستقيم، وأن سلوكه يتضمن العلم به والعمل، ونصحت الآباء والأمهات والمصلين أن يجتهدوا في تعليم الأبناء والتلاميذ مضمونَ هذا الصراط، ويحثوهم على العمل بما علموا، وأن يكونوا لهم قدوة، كما نصحت الأبناء والتلاميذ أن يجتهدوا في التعلم من آبائهم وأمهاتهم وأساتذتهم، وأن يسألوهم عن أمور دينهم ويعملوا بما يعلمون، لينالوا ثواب الله وينجوا من عقابه يوم الصراط الذي ينصب في الآخرة.

الإيمان بالوحي:

ثم ذهبنا إلى مركز تثقيف المكفوفين لإلقاء محاضرة أخرى للمعلمين والمعلمات، وكانت بعنوان الإيمان بالوحي، استغرق إلقاؤها ساعة ونصف الساعة تقريباً، ثم أجيب عن بعض الأسئلة التي ألقاها الحاضرون وانتهينا في الساعة الحادية عشرة.

كأننا في المشعر الحرام!

الجمعة: 6/9/1400 هـ ـ 18/7/ 1980م
في الساعة السادسة صباحاً كنا على موعد مع جمعية الحجاج التي يرأسها الحاج مطري وهم أكثر من أربعة آلاف من الرجال والنساء، وأغلبهم من كبار السن وممن وفقهم الله لحج بيت الله الحرام، وكنا نظن أننا سنجد أمامنا عدداً لا يتجاوز خمسمائة شخص، ولكن عندما أقبلنا إلى المكان ذكرنا مظهر هذا الحشد الضخم ـ وهم أعضاء هذه الجمعية كلهم ـ بحشود الحجاج الذين يتجمعون في المشعر الحرام يوم الوقوف ويوم النحر، والذي كنا نخشاه أن يصر هذا العدد كله على مصافحتنا بعد الفراغ من إلقاء المحاضرة، كما هي عادة الناس هناك معنا، ومع كل مسلم يأتي من البلاد العربية، وكان هذا اليوم هو يوم الجمعة، وهو موعد اجتماعهم كلهم في هذا المكان يتذاكرون أمورهم ويتبرعون كل بما يقدر عليه للجمعية، رحب الحاج مطري بالضيوف، ثم قرأ الشيخ عبد القوي بعض الآيات القرآنية، ثم ألقيت كلمة موضوعها إنما الأعمال بالخواتيم، وتضمنت ـ مع الحث على التوبة والاستغفار ـ الحث على تربية الأولاد.

في معهد المكفوفين:

في الساعة السابعة والنصف قمنا بزيارة معهد المكفوفين، التقينا فيه الطلبة والطالبات والمدرسين والموظفين ورئيس المعهد وأمينه، وقدم بعض الطلبة فقرأ آيات الصوم من سورة البقرة، عن طريق اللمس، و ألقى رئيس المعهد كلمة رحب فيها بالضيوف، وطلب من المؤسسات الإسلامية مساعدة هذا المعهد، لأنه يحتضن فئة لو تركت بدون عناية من المسلمين لكانت هدفاً للنصارى، وقال إن هؤلاء المكفوفين يتمنون أن يدرسوا في مدارس المملكة العربية السعودية و يؤدوا فريضة الحج.
ثم تقدم أمين المعهد فشرح ما يقوم به المعهد لهذه الفئة، ثم قرأ الشيخ عبد القوي بعض الآيات القرآنية، وألقيت بعده كلمة تضمنت تهنئة المسؤولين في المعهد بهذا العمل الاجتماعي الجليل ووصيت الطلبة والطالبات بأن يصبروا على فقد هذين العضوين الحبيبين، وأن في ذلك الصبر نيل ثواب الله، وأن لا ينظروا إلى أنفسهم نظرة احتقار أو ازدراء، بل عليهم أن يتطلعوا إلى أن يكونوا قادة علم وهدى، وضربت لهم أمثلة ببعض من فقدوا بصرهم من المسلمين، ولكنهم كانوا أئمة خير في الماضي والحاضر، ثم ألقى بعضهم أسئلة أجيب عليها، وبعد ذلك غادرنا المعهد إلى الفندق.

ألا إن العبد نام!

كان مقرراً لنا أن نصلي الجمعة في مسجد الجهاد وكان المصلون على علم بذلك، ولكن النوم غلبنا مع التعب والسهر في الليل، وتأخر الإخوة الذين كانوا يرافقوننا، وعندما جاءوا ونحن نائمون علموا أننا لو قمنا نتوضأ لا ندرك الصلاة، فذهبوا إلى المسجد وكان الناس ينتظرون بعد الصلاة فأعلن لهم تأخرنا فانصرفوا نادمين.

حرارة عواطف المسلمين بلقائنا:

وبهذه المناسبة فإنني أسجل اعترافنا بان عواطف المسلمين في هذا الشعب جياشة وقلوبهم عامرة بحب إخوانهم المسلمين في الشعوب الأخرى، ولا سيما العربية منها وبخاصة بلاد الحرمين الشريفين، تظهر تلك العواطف في حرارة الاستقبال من جموع كثيرة في كل مؤسسة زرناها تضيق بها الأماكن والساحات، كما تظهر في حرص جميع الحاضرين من الرجال على مصافحة الزائر حيث يقفون صفوفاً يتلو بعضهم بعضاً في زحام شديد، فيضطرون هم ويضطر الزائر للوقوف مدة طويلة حتى يفرغ الجميع من المصافحة، وهم من الشيوخ والشباب والأطفال، ويحرص أطفالهم مع ذلك الزحام أن يأخذوا توقيع الزائر في كراساتهم للذكرى ويفرحون فرحاً شديداً عندما يأخذون توقيع زائر قدم من مكة أو المدينة.
وكنا في كثير من المعاهد والمساجد نسمع الأطفال وهم ينشدون عند قدومنا أناشيد ترحيب، وعند مغادرتنا ينشدون أناشيد وداع، بعضها باللغة العربية وبعضها بلغتهم، وإذا قام أحدنا لإلقاء كلمته في تلك الجموع فقال: السلام عليكم اهتز المكان بصوت مرتفع فيه تظهر العاطفة الجياشة (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته).
ولكن هذه العاطفة قد لا يصحبها فقه في الدين، ولذلك ترى بعض المظاهر في السلوك أو الصور المجسمة في المنازل، والرسومات التي لا تليق بهذه العاطفة، والسبب هو الجهل وعدم التربية السليمة أو قلتها.

في مسجد جامعة غاجه ماده:

وفي الساعة السابعة مساء ذهبنا إلى مسجد جامعة غاجه ماده، وهي إحدى الجامعات الحكومية الكبيرة في هذه المدينة، ويمتلئ المسجد بطلبة الجامعة بنين وبنات.
صلى العشاء بالناس أحد طلبة الجامعة، ثم تقدم مدير الجمعية المحمدية، فألقى كلمة عن صيام رمضان وقيامه باللغة الإندونيسية ـ وكنت أفهم مضمون كلامه بالنصوص التي يستدل بها من القرآن والسنة ـ وكان الطلبة منسجمين معه غاية الانسجام، وترتفع صيحاتهم بالضحك في بعض الأوقات، فسألت عن السبب؟ فقيل لي: إنه يأتي ببعض النكات المضحكة أثناء حديثه لاجتذاب انتباههم له، وهذه عادة علمائهم معهم، عرفوا نفسياتهم فأتوهم من الباب الذي عرفوا أنهم يستطيعون الولوج إليهم منه.
وقد سمى الشيخ محمد المجذوب عندما التقيناه ـ كما سيأتي ـ سمى الإندونيسيين "الشعب الضاحك" وقلت أنا مرة: الذي لا يستطيع أن يُضحك الإندونيسيين لا يستطيع أن يبكيهم، أي إن تأثير الواعظ في نفوسهم يتوقف على دخوله إلى تلك الأنفس من باب الدعابة، ولكني في نفس الوقت أنصح الوعاظ الإندونيسيين وغيرهم بعدم الإكثار من النكات المضحكة، لأن ذلك سيحول بين الواعظ وبين التأثير المطلوب الذي تضمنه قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }. [الأنفال:2].
ثم صلى بنا الشيخ عبد القوي صلاة التراويح فأعجبتهم قراءته، فطلبوا منه أن يقرأ بعد ذلك على المنبر ففعل وكانوا جداً متأثرين بقراءته، ثم طلب مني إلقاء كلمة.

رأينا عن حالة المسلمين في إندونيسيا:

وهمس لي الأخ عبد الله باهرمز أنهم يرغبون أن يسمعوا مني رأيي في حالة المسلمين في إندونيسيا.
فقلت ما مضمونه:
1 ـ إن الوقت الذي قضيناه في بلدكم قصير واختلاطنا بفئات الشعب غير متيسر حتى نستطيع الحكم عليه.
2 ـ لقد سررنا بإقبال الشباب على المساجد لأداء الصلاة وسماع المواعظ والدروس، ولكن لا أدري أهذا الإقبال مستمر في غير رمضان كرمضان أم لا؟ فإن كان مستمراً فأنتم على خير وإلا فعليكم أن تداوموا على هذا الخير، لأن أحب العمل عند الله أدومه وإن قل.
3 ـ أرى الشباب يقفون في صفوف طويلة على أبواب السينما، فهل هذا الشباب هو الشباب الذي تغص به المساجد في أوقات الصلاة أو غيره؟ فإن كان هو هُو فإن هذا لا يسرني، ولا يليق بشباب المساجد الذي وفد إليها ليتزود بالتقوى أن يفد إلى قاعات السينما ليمحوا إيمانه وعاطفته الإسلامية، وإن كان غيره فإن على شباب المساجد أن يضاعفوا جهودهم لاجتذاب شباب السينما إلى المساجد.
4 ـ هل يُقبل هذا الشباب الذي يملأ المساجد إلى تعلم دينه والتفقه فيه، أو أنه يعبد الله على جهل ولا يعلم حلالاً ولا حراماً، فإن كانت الأولى فالشباب الإندونيسي على خير، وإن كانت الثانية فعليكم أن تبدءوا حياة جديدة هي حياة تعلم الدين والتفقه فيه والعمل به.
5 ـ ثم وجهت نصيحة للفتاة المسلمة فقلت: هل هذا اللباس الذي أراه في المسجد بالنسبة للمرأة ـ وهو لباس حشمة ووقار ـ هو لباسها في الجامعة والشارع؟ إن كان كذلك فهذا ما يسرنا وهو دليل على الالتزام بالإسلام، وإن كان لباسها خارج المسجد مشابهاً للباس غير المسلمة لا حشمة فيه ولا وقار، فإنها يجب عليها أن تتوب إلى الله وأن تقتدي بنساء الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يليق بالفتاة المسلمة أن تلتزم بالإسلام في المسجد وتتحلل من أوامره خارج المسجد، بل يجب أن تكون مسلمة في المسجد والجامعة والبيت والشارع، وهنا أخذ الشباب من الفتيان في التصفيق حتى ارتج المسجد إعجاباً بهذه النصيحة على الرغم من إنا كنا نوصيهم بعدم التصفيق.
وبعد الفراغ أخذ المصلون يتزاحمون علينا لمصافحتنا، وكان عددهم كثيراً، فصبرنا حتى أعاننا الله على الفراغ من استقبال ذلك العدد.

ندوة المجادلة والمناظرة!

كان هذا العنوان ضمن منهاج زيارتنا لمدينة جوك جاكرتا، وهو الذي سيتم اللقاء من أجله مع بعض أعضاء هيئة التدريس وعمداء الكليات في الجامعة الإسلامية الحكومية.
وكان هذا العنوان مخيفاً، كنت أقول في نفسي: في أي شيء يريد هؤلاء أن يجادلونا ويناظرونا، وهم في بلادهم وفي جامعتهم وعندهم مراجعهم، ونحن ضيوف بعيدون عن المراجع والوقت ضيق؟ وكنت سألت الأخ عبد الله باهرمز عن هذا المعنى فلم يشف لي غليلاً، لأنه كان مثلي يجهل ما وراء الأكمة.
وعندما وصلنا إلى مقر الجامعة استقبلنا العمداء والأساتذة استقبالاً حاراً وأدخلونا إلى قاعة: "المجادلة والمناظرة" وأقعدونا في على منصة الحلقة، وبعد قليل جاء شيخ أظهر الجميع احترامه فرحب بنا وقعد بجانبنا ـ وكان هو مدير المجادلة والمناظرة.
تقدم أحد الأساتذة إلى المنصة وألقى كلمة ترحيب، وعرفنا بهذه الجامعة فقال: إنها أسست سنة: 1950م وبها خمس كليات وهي: التربية، الشريعة، الدعوة، أصول الدين والآداب، وإن عدد طلابها بلغ أربعة آلاف طالب، نسبة الطالبات ثلاثون في كل مائة. وتخرج في الجامعة سبعة آلاف طالب، منهم ثلاثة آلاف دكاترة وأربعة آلاف حملة بكالوريوس.
ثم أحال إلي الأستاذ عبد المعطي علي ـ الشيخ الذي سبق ذكره ـ إدارة الندوة، والشيخ عبد المعطي علي كان وزيراً للشؤون الدينية سابقاً، وكرر معالي الوزير الترحيب وشرح لنا ما تقوم به هذه الندوة فقال: إن هذه الندوة تقام كل ليلة سبت، يقدم بها بعض الأساتذة بحوثاً في موضوعات معينة وتناقش مناقشة تظهر أثرها نتائج طيبة، وإن هذه البحوث يمكن أن تطبع قريباً، فعرفنا بذلك معنى المجادلة والمناظرة وهدأت النفوس وسكنت القلوب! [وقد كنت أقمت مثلها لأساتذة كلية اللغة العربية في الجمعة كل أسبوع يقدم فيها أحد الأساتذة بحثاً ويناقش من قبل زملائه مناقشة مستفيضة، قد تصل المناقشة أحياناً إلى الجدل الشديد والمغاضبة بسبب إصرار كل واحد أو فئة على رأيه الذي يراه هو الصواب، وكانت هي الكلية الوحيدة التي تقام فيها هذه الندوة].
ثم طلب مني معاليه أن أعطي الحاضرين معلومات عن الجامعة الإسلامية، فتحدثت عن الجامعة: نشأتها وسبب إقامتها، وأهدافها، وأقسامها التعليمية، وثمارها التي ظهرت في العالم الإسلامي، ومناهجها، وعدد طلبتها، وعدد الشعوب الممثلة فيها، وما يناله الطلبة فيها من مساعدات مالية ومادية ومعنوية.
ثم فتح الباب فتقدم الكثير من الحاضرين بأسئلة في مجالات متعددة، ودار النقاش حولها، وفي الختام طلب العمداء والأساتذة أن نحاول ربط الجامعتين وتهيئة الجو للزيارات المتبادلة، وكذلك تبادل المناهج للاستفادة منها، وألحوا علينا في أن تزودهم الجامعة الإسلامية بالمراجع الإسلامية والكتب العربية، وقال أحدهم: لقد أكثرتم في محاضراتكم من دعوتنا إلى القراءة في الكتاب والسنة، والتمسك بهما، وهذا حق، ولكنا نود أن تعلموا أنا فقراء من مراجع كتب التفسير والحديث والتاريخ الإسلامي فعليكم أن تساعدونا بذلك.
واستمر النقاش والمذاكرة بلا جدال ولا مناظرة إلى الساعة العاشرة والنصف تقريباً، ثم طلبوا من الشيخ عبد القوي أن يختم الندوة بتلاوة القرآن الكريم ففعل.
ولقد كانت هذه الندوة بحق من أمتع اللقاءات وأكثرها فائدة، لأنها كانت على مستوى عال من الثقافة والفكر وكان لمدير الندوة أثره في إنجاحها.

على ساحل المحيط الهندي:

السبت: 7/9/1400هـ ـ 19/7/ 1980م
في الساعة السادسة صباحاً ذهبنا إلى ساحل المحيط الهندي (ويصر الإندونيسيون على تسميته بالمحيط الإندونيسي) وهو الذي يفصل بين الجزر الإندونيسية وقارة أستراليا من الجنوب، وكان معنا الأستاذ سلامة سيف المسلمين أحد أعضاء اللجنة المنظمة لزيارتنا، وهو أحد مدرسي المدرسة الثانوية، وكان سيرنا وسط أرض مزروعة بالأرز والموز وقصب السكر وأشجار النارجيل و البامبو، وغيرها من الأشجار والغابات، وتتخلل تلك الغابات قرى الفلاحين ومنازلهم التي بني بعضها مسلحا، وبعضها أساسه مسلح وسقوفه وجدرانه من شرائط قصب البامبو القوي والموجود بكثرة ويستعمل في منافع كثيرة، وكان الشارع غاصاً بالطلبة والطالبات الذاهبين إلى مدارسهم، وبالفلاحين الذاهبين إلى مزارعهم، هذا راكب وهذا ماش، وكأنهم في مظاهرة في كل اتجاه لكثرتهم.
وعندما اقتربنا من البحر الذي رأيناه من بعد وأمواجه ترتفع ارتفاعاً هائلاً، حتى كنا نظن في أول الأمر رشاش الموج المتصاعد في الجو سحاباً، وصلنا إلى الشاطئ الذي تقع على جانبه دكاكين صغيرة شعبية يبيع أهلها بعض المأكولات الخفيفة وشراب البيبسي وغيره، تركنا السيارة وذهبنا إلى قرب تلك الأمواج فوقفنا نشاهد عجباً من المباريات والمناورات بينها، فكانت الموجة ترتفع ارتفاعاً مذهلاً، ثم تنقسم وتكر راجعة فتأتي أختها في حالة هياج فتصطدم بها فيدفع الله بالسابقة اللاحقة.

على شاطئ البحر ـ من اليمين با هرمز والكاتب والشيخ عبد القوي ـ يوك جاكرتا ـ 7/9/1400هـ ـ 19/7/1980م
على شاطئ البحر ـ من اليمين با هرمز والكاتب والشيخ عبد القوي ـ يوك جاكرتا ـ 7/9/1400هـ ـ 19/7/1980م

وأخذت أفكر قائلاً في نفسي لو كانت هذه الأمواج مستمرة في هياجها وقوتها ماشية إلى الأمام، الأولى تسير والثانية تتبع وتدفع، هل تستطيع الجبال الشاهقة أن تصد قوافلها عن إغراق اليابسة بأكملها؟! [ولقد وقعت أحداث في البحار دلت على شيء من هذا التصور، بعد ربع قرن من الزمن، منها أمواج تسونامي التي دمرت آلاف القرى وقتلت ملايين البشر في لحظات من الوقت، فسبحان الذي يقول للشيء: كن فيكون].
صورة لأمواج تسونامي
وكانت السحب تتكون فوق البحر، وكأن تلك الأمواج تتسابق لإمدادها، وأخذ رذاذ المطر يتساقط علينا من تلك السحب وكأنها تكرمنا برش شيء من الطيب علينا.
ولقد وقفت في هذا المكان أمام هذه المناظر متأملاً هذا الهياج من البحر وتلك الأمواج التي تصطرع بقرب الجبل الذي اشتقت للاقتراب منه، لأرى الأمواج وهي تنطحه الواحدة تلو الأخرى، وصخوره تصمد مدة من الزمن ثم تضعف فتصرع متكسرة، ورأينا آثاراً تدل على أن البحر قد أكل كثيراً من هذا الجبل موسعاً أمام أمواجه المساحة، ليجول ويصول أكثر.

فراق مكروه لأمر مشروع!:

[الكراهية هنا كراهة طبيعية].
وكنت أود أن أقف كثيراً أمام البحر الهائج، بل كنت أحب ألا أدعه ـ وهذه عادتي مع البحر ـ ولولا خوفي من هياجه وعدم رحمة أمواجه لتربعت أمام ذلك الموج أصعد بصعوده وأهبط بهبوطه، ولكني لم أتدرب على الغوص وتزلج الأمواج.
وكان موعد لقائنا مع الجمعية المحمدية قد اقترب فقررنا العودة وكنت أتقدم نحو السيارة خطوتين ثم التفت لأملأ عيني بالنظر إلى تلك الصورة العجيبة التي لا أظن أنها تمحى من ذاكرتي.

ولات ساعة مندم:

عندما كنا واقفين على شاطئ البحر، وكنا لابسين اللباس العربي وهو غريب على كثير من الناس، وكان المكان فارغاً إلا من أشخاص قليلين هنا وهناك، وشاهدنا شخصين بعيدين عنا في جهة الشمال على يميننا وأخذا يسرعان الخطى إلينا، وعندما اقتربا منا عرفنا أنهما رجل وامرأة، وكان لباس المرأة غير لائق، وحاولا أن يقتربا منا مظهرين لنا البشاشة، إلا أنهما قوبلا منا بالصد والابتعاد، فاقتربا من الأخ سلامة، لأنه يلبس بنطلوناً وقميصاً، والظاهر أنهما سألاه عنا وهو سألهما من أين؟ فأخبراه أنهما من أستراليا وعندما رأيا ابتعادنا عنهما ذهبا بعيداً عنا.
وبعد أن ركبنا السيارة وقفلنا راجعين، أخذت أفكر في تقصيرنا نحو هذين الشخصين الذين أقبلا إلينا بتلك البشاشة، أليس الأجدر بنا أن نشرح لهما مبادئ الإسلام ونرغبهما في الدخول فيه؟ فندمت ندماً شديداً على ذلك التقصير، ولكن وقت الندم قد فات، والسبب الذي جعلنا نصد عنهما هو مظهر المرأة بذلك اللباس الذي يخشى الإنسان على نفسه من الإثم من النظر إليها، إضافة إلى وجود بعض الشباب معنا، والله المستعان.

الرصد الرسمي:

وعندما كنا راجعين ـ بعد مسافة قصيرة من الساحل ـ وجدنا شابين بجانب الطريق وبيد أحدهما مكبر صوت وهو يتحدث مشيراً إلى قائدي السيارات الذاهبين والعائدين بالوقوف، قلت: ماذا يريد هذان؟ قال الأخ سلامة: هؤلاء موظفون من قبل الحكومة يأخذون ضريبة السير في هذا الطريق، لأنه سياحي وكان الطريق تحت الإصلاح.. فأخذ المبلغ المقرر، وأظنه آلاف الروبيات الإندونيسية، وإن كانت آلافها غير مخيفة [يغلب على ظني أن الدولار في ذلك التاريخ يساوي 3000 روبية، وقد بلغ في هذا العام بعد سقوط من يسميه الإندونيسيين بـ(الطاغية) سوهارتو(15 عشر ألف روبية)]. بعد معرفة قيمتها وسلم القائد بطاقة تثبت أنه تسلم المبلغ.

والرصد الشعبي:

وبعد أن قطعنا ما يزيد عن خمسة كيلومترات، ترك قائد السيارة الطريق الذي كنا جئنا منه ومال إلى اليسار مفضلاً أن يكون الرجوع في طريق آخر من أجل أن نرى مناظر جديدة، وهذا الطريق أفضل من الأول أيضاً، ويجب أن يمر على جسر فوق النهر مصنوع من قصب البامبو، فإذا شابٌّ واقف يطلب من السائق الوقوف وأخذ كل منهما يرطن للآخر، وفهمت أن نزاعاً حصل بينهما، لأن طبيعة الإندونيسيين هادئة لا يرفع أحد صوته على الآخر في المخاطبات العادية، فسألت: ماذا حصل؟ فقيل لي: إن هذا الجسر صنعه أهل هذه القرية، ولذلك عينوا لهم مندوباً هنا يأخذ من المارة ضريبة، فسألت: كم روبية يأخذون منا الآن؟ قالوا: خمسمائة روبية، أي ما يعادل ريالين بالعملة السعودية، قلت: أعطوهم فأعطوهم ومررنا، وهذا الجسر يبقى في الفترة التي يكون فيها ماء النهر قليلاً، أما إذا جاءت الأمطار وفاض النهر فإنه يحمل الجسر مع أول قافلة من قوافله القوية.

حركة دائبة:

وكنا ـ ونحن نسير في الطريق ـ نرى كثرة الناس: فلاحين يحملون على ظهورهم قصب البامبو أو أنواعاً أخرى من الفواكه والثمار، ومنهم من يحمل على دراجة عادية، ومنهم من يحمل على العربة التي تجرها الخيول أو البقر، وقد يحملون الدراجة العادية بحمل ثقيل ثم يتعاون اثنان أو ثلاثة في دفع هذه الدراجة.
ورأينا عجائز من النساء طعن في السن وهن يقدن الدراجات العادية لمسافات طويلة، أما الفتيات فالأمر طبيعي بالنسبة لهن، وقد لا يفرق الإنسان بين الفتاة والعجوز إلا إذا اقترب منه الشخص، لأن الأحجام متقاربة وكذلك الألبسة، وعندما دخلنا المدينة مررنا بالفندق لاصطحاب الابن عبد البر معنا، لأنه فضل النوم ولم يرافقنا إلى البحر وقد ندم على ذلك.

يا لله للمسلمين!

وفي طريقنا في وسط المدينة كان الأخ الأستاذ سلامة يلفت نظرنا إلى مؤسسات النصارى ونشاطهم، فكلما مررنا بمبنى كبير جميل، قال: هذا مركز ثقافي، هذه كنيسة، هذا مستشفى، هذا ملجأ، وأغلب هذه المرافق على الشوارع العامة، فأزعجني ذلك إذ يوجد في شعب هو أكثر الشعوب الإسلامية عدداً.
فسألته: هل يوجد أثر لهذا النشاط في شباب المسلمين؟ قال: نعم، لأنهم يتعلمون في مدارسهم وجامعاتهم ويدخلون مستشفياتهم للعلاج، ويربون في ملاجئهم وهم صغار وأيتام ومعوقون، ويساعدونهم إذا كانوا فقراء، ويعلمونهم ما تميل إليه نفوسهم من الفنون كالموسيقى والرقص وما أشبه ذلك.
قلت: وهل يدخل أحد من شباب المسلمين في النصرانية ويترك دينه؟
قال: نعم، قلت: ما نسبة من يتنصر ممن يدرسون في مدارسهم؟ قال: قد يصل إلى عشرة في كل مائة، قلت: ماذا يكون موقف أسرة المسلم الذي يتنصر؟ قال: يطردونه ويعادونه ولكنه لا يبالي لأنه يجد رعاية كاملة من النصارى، لا يجد جزءً يسيراً منها عند المسلمين.
وأخذ الأخ سلامة يشرح هذا الخطر في هذه المنطقة بالذات، فرسم لي مثلثاً على ورقة في كل زاوية منه تقع مدينة، قرر النصارى أن يسيطروا على المثلث على الرغم من قلتهم وكثرة المسلمين خلال مدة قصيرة.
قال: ومن أهم خططهم لهذه السيطرة أنهم يقيمون على الشوارع العامة التي تربط بين هذه المدن الثلاث مؤسسات ومرافق تنصيرية تشمل المدارس والجامعات والكنائس والنوادي ودور السينما وقاعات المحاضرات والملاجئ وغيرها، من الشؤون الاجتماعية التي يغزون بها الأسر الفقيرة والشباب الضائع أو المحتاج، ويقصدون الأسر في منازلهم، ويقدمون لها العون والمساعدات.

زيارة بعض مرافق الجمعية المحمدية:

وفي الساعة العاشرة مساء كنا في مستشفى الجمعية المحمدية حيث كان في استقبالنا: رئيس الجمعية الحاج عبد الرزاق محمد فخر الدين، والأمين العام للجمعية جرتاوي وبعض الأعضاء.

من اليسار رئيس الجمعية المحمدية وبعض معاونيه يوك جاكرتا 7/9/1400هـ ـ 19/7/1980م
من اليسار رئيس الجمعية المحمدية وبعض معاونيه يوك جاكرتا 7/9/1400هـ ـ 19/7/1980م

اجتمعنا في قاعة في المستشفى وشرح لنا أمين عام الجمعية نشاطات الجمعية ومؤسساتها التي أقامتها وفروعها.
فذكر أن عدد مستشفياتهم في أنحاء إندونيسيا عشرة مستشفيات، وأن مدارسهم ـ ابتدائية وثانوية ـ اثنا عشر ألف مدرسة، وأن الملاجئ التي تم إنشاؤها للأيتام والمعوقين وغيرهم بلغت سبعين ملجأ وذكر فروعاً كثيرة للجمعية.
ثم أطلعونا على أقسام المستشفى الذي أسس عام: 1923م وهو ثلاث درجات حسب أحوال المرضى، الدرجة الأولى للموسرين من المسلمين، والثانية للمتوسطين، والثالثة للفقراء، وفي كل الأحوال فيه تيسير وإعانة.
وأبدوا رغبتهم في معادلة شهاداتهم في الجامعة الإسلامية، وتخصيص منح دراسية لطلبتهم، ومساعدتهم بمدرسين للغة العربية ومراجع علمية لمجلس الترجيح الذي يبحث في بعض المسائل العلمية في الشريعة الإسلامية.

زيارة معهد بندارانغ:

ثم ذهبنا لزيارة المعهد الإسلامي لتحفيظ القرآن الكريم ويسمى بندارانغ، ويدرس فيه بنين وبنات ويتبع نهضة العلماء، ويشرف عليه الأستاذ مفيد مسعود، وعدد الطلبة والطالبات فيه ثلاثمائة، وقد تخرج فيه في السنوات الماضية عدد من الطلاب بمعدل خمسة عشر طالباً كل سنة حافظين القرآن الكريم حفظاً كاملاً مجوداً، وطلب المسؤولون منا إبلاغ الحكومة السعودية رغبتهم في مد يد العون لهم، لبناء ما بقي من أرضه فصولاً دراسية ومساكن للطلبة وشكوا من إحاطة مؤسسات التنصير بالمعهد من كل جهة بإمكاناتها الضخمة ودعاياتها الشديدة، وقد رأينا الأرض الفضاء التابعة للمعهد والتي يريدون بناءها.

وفي ذلك فليتنافس المتنافسون:

وكنا قبل أن نصل إلى هذا المعهد المذكور زرنا المسجد المسمى بمسجد الجهاد، وهو على الشارع العام وبجانبه مركز تنصير على مساحات واسعة من الأرض أمام المسجد، وخلفه وعن يمينه وعن يساره، وقد كان هذا المسجد متهدماً والمسيحيون يحاولون من الأهالي شراء أرضه ليلحقوها بمركزهم ويرتاحوا من رفع كلمة الله بجانبهم، ومركزهم يحيط بها من كل الجوانب، وكان المسلمون يصلون فيه مفترشين التراب (وليس في هذا منقصة فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسجد في مسجده بجبهته الشريفة على الماء والطين، ولكن وجود مركز تنصيري ـ بمباني براقة ومرافق ودعايات لجلب شباب المسلمين إلى ذلك المركز بجانب مسجد هذه صفاته ـ ليس لائقاً).
وعندما زار المسجد فضيلة الشيخ عبد الله النوري من الكويت ورآه بهذه الهيئة بجانب هذا المركز التنصيري، وسمع أن النصارى يساومون على شراء أرضه بأغلى ثمن تبرع ـ جزاه الله خيراً ـ ببنائه بناءاً ممتازاً، وقد كان قريب التمام عندما زرناه، جزى الله النوري خيراً { وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ }. [المطففين: 26].
وبعد الفراغ من المعهد المذكور رجعنا إلى الفندق لأخذ الراحة...

وكلوا واشربوا!

بقينا في الفندق إلى الساعة الخامسة، جاءنا بعدها الإخوة قائد السيارة وسلامة ومحمد حافظ لنذهب إلى الأخ الأستاذ محمد صالح هارون الذي كنا على موعد معه لتناول طعام الإفطار والعشاء عنده، وهو رئيس قسم التربية الدينية في وزارة التربية، فقدم لنا طعام الإفطار والعشاء، وهو عبارة عن الأرز الأبيض الصافي الذي لم يختلط بغير الماء، والدجاج المقلي والسلطة والشاي والقهوة، ونحن قد ألفنا أن يكون أول ما نتناول للإفطار هو التمر أو الماء حسب السنة، فطلبنا الماء البارد فلم نجد، وعندما علم مضيفنا بأنا نطلب الماء، جاء إلينا قائلاً: الله تعالى يقول: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا }فبدأ بالأكل، قلت مختصراً النقاش: السنة أن يبدأ بالتمر أو الماء للإفطار، فذهب، وبعد أن انتصف السير في الأكل رزقنا الله بقليل من الماء فشربنا وحمدنا الله.
الشيء العجيب في إندونيسيا أن الشاي يقدم بارداً مثل شراب الليمون والمانجو والبيبسي عندنا، في قوارير، أما الماء فيتعذر وجوده بارداً في غير الفنادق، بل إذا قُدِّم يقدم حاراً، وتكرر هذا كثيراً، وكنا في أول الأمر نلح في طلب الماء البارد، فلما تأكد لنا الحال صبرنا محمّرين ـ أي مطبقين المثل اليمني القديم "من دخل بلادنا حمّر" وبعد الفراغ من تناول الطعام صلينا المغرب..

في معهد مفتاح الصالحين:

هذا المعهد يقع في قرية تسمى: وونوتساري، وراء جبل مشهور عندهم يسمى: كيدول، ويقع هذا الجبل جنوب شرق جوك جاكرتا، وهو ذو طريق متعرج شبيه بطريق الهدى الواصل بين مكة والطائف عندنا، إلا أنه أشد خطراً لأمرين:
الأول: أن الطريق في هذا الجبل ضيق جداً تكاد السيارات يلتقي بعضها مع بعض بسبب ضيقه.
الثاني: أن الصعود فيه يغلب عليه أنه في خط مستقيم، بخلاف الهدى.
وهو ـ كغيره ـ مكسو بالغابات التي كنا طول الوقت نسير في وسطها وتكتنفنا أشجار الجاتي، وهو شجر ذو أخشاب قوية جداً، وأشجار التمر الهندي التي زينت أصولها بطلاء أبيض تتبين بها حدود الشارع، بدلاً من المعالم المصطلحة.
وكان المقرر أن ندرك صلاة العشاء في مسجد المعهد وأن يؤم المصلين الشيخ عبدالقوي في صلاة التراويح، ولكن تأخرنا فوصلنا وهم في آخر صلاة التراويح، وبعد أن أتم الإمام الصلاة أخذ يرفع الذكر بلا إله إلا الله بصوت مرتفع والناس يتابعونه كلهم وصدى أصواتهم يتردد في تلك الجبال، والكون ينصت لما ينطق به حاله في كل وقت من الأوقات.
والذكر الجماعي بصوت مرتفع كرهه بعض العلماء، لعدم وروده بهذه الهيئة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ورأى آخرون أنه يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) قيل: وما رياض الجنة؟ قال: (مجالس الذكر) والذي يظهر أن كون المساجد مجلس ذكر لا يدل على الذكر الجماعي بهذه الصفة، وإنما يشمل الذكر في الجملة وحلقات العلم وما أشبه ذلك بدون التزام هيئة معينة.
ولكني أرى أنه لا ينبغي إثارة مثل هذه الأمور بين قوم يجهلون كثيراً من أصول دينهم في العقيدة والعبادة والشريعة، أو يعتقدون أن ذلك مشروع متأولين بعض النصوص مثل الحديث السابق، وحديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: ((لا يقعد قوم يذكرون الله ( إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)) وللحديث ألفاظ أخرى ساقها كلها الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، ولا بأس بالحوار الهادئ في ذلك وما أشبهه من الأمور الاجتهادية بدون إنكار.
ويجب أن يهتم الداعية أولاً بغرس الإيمان في نفوس الناس وأركان الإسلام وصفات العبادات، لأن الدخول في هذه الجزئيات التي لو صح أن بعضها بدعة لكانت بدعة إضافية، يمكن أن يهتم بها بعد تهيئة النفوس بالتسليم لله ورسوله. والاحتكام إلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهؤلاء الناس عندما نناقشهم في هذه الأمور قبل ربطهم ربطاً كاملاً بالمعنى السابق، ينفرون، وقد ينقسمون على أنفسهم، فيكون في ذلك ما فيه من الفرقة والنزاع الذين لا يرضى بهما الله ورسوله.
نعم عندما يكون الأمر يتعلق بالعقيدة كالشرك أو تحريم حلال أو تحليل حرام، لا بد من الاهتمام به ولكن يبدأ أيضاً بالأهم فالمهم وهكذا..
قعدنا في قاعة الاجتماعات، وبعد أن فرغ المصلون من الصلاة والذكر جاءوا إلينا مستبشرين فرحبوا بنا، وبدأت فقرات الحفل فطلبوا من الشيخ عبد القوي أن يقرأ، وكاد يعتذر لأنه كان متعباً، وكنت أخشى أن يكون أصيب بفقر الدم لعدم تناول الغذاء الكافي لأن الطعام ما كان مناسباً حسب العادة، ولكني شجعته فقرأ قراءة قصيرة على غير عادته في الانطلاق والانسجام مع آي القرآن الكريم حتى كأنه ينسى أنه يقرأ.
ثم تقدم رئيس المعهد ويدعى محمد صالح أيضاً، فشرح ما يقوم به المعهد، وأنه في هذه الليلة يبدأ فيه معهد رمضان لتدريس الطلبة الذين يدرسون في المدارس الحكومية أمور دينهم، وسيبدءون بالطالبات وكن حاضرات، صلين معهم العشاء والتراويح، ثم قام الأخ محمد صالح هارون فرحب بنا وافتتح معهد رمضان، وطلب مني أن ألقي كلمة وتساءل عن إمكان إعطائهم منهجاً لتدريس اللغة العربية لغير العرب؟ وقال: إننا في شوق أن نسمع منك يا ابن العرب التحدث باللغة العربية.
وكانت الكلمة متضمنة واجبنا في التعليم والتعلم والدعوة، وفهم العقيدة الإسلامية على وجهها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المبنية على القاعدة الأولى: قاعدة الألوهية المطلقة لله، والقاعدة الثانية وهي قاعدة الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم وهما مضمون الشهادتين (لا اله إلا الله محمد رسول الله).
وأشرت لهم أن تعلم اللغة العربية يحتاج إلى إرادة قوية من المعلمين والمتعلمين، مع معرفة أن تعلمها ليس كتعلم غيرها، لأنها لغة ديننا وكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.
وذكرت لهم أن منهج معهد كونتور يناسب الاستعانة به في المعاهد الأخرى، كما أن المعهد العربي السعودي لتعليم اللغة العربية في جاكرتا، يمكن أن يستفاد، منه ووعدناهم أن نبعث لهم بمنهج شعبة اللغة العربية بالجامعة وبعض كتبها، وحملت طلبة الجامعة الإسلامية من الإندونيسيين مسؤولية قيامهم بتعليم إخوانهم في بلادهم.

صرخة هل تسمع؟

والحقيقة أن من أفضل الوسائل لنشر اللغة العربية هو تدريس أبناء العالم الإسلامي كما هو الحال في الجامعة الإسلامية وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إلا أن تدريسهم ينبغي أن تطور وسائله وأن تؤلف كتب خاصة بتعليم اللغة العربية لغير العرب، وأن تنشر هذه الكتب بطرق مختلفة: عن طريق النشر والتوزيع لهذه الكتب، وعن طريق تسجيلها في أشرطة كاسيت وأشرطة فيديو وأشرطة C.D.، وعن طريق الإذاعة والتلفزيون.
وحبذا لو أن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سعت في إيجاد برامج لذلك في الإذاعة توجه إلى جميع أنحاء العالم، وفي التلفزيون بالنسبة للملكة ويمكن تسجيلها في أشرطة فيديو وتوزيعها في العالم، تُرَى هل يأتي اليوم الذي تكون الجامعة قد خطت هذه الخطوة ونحن أحياء؟ ألا أنها إن فعلت ذلك في الوقت القريب أو البعيد، فإنها تكون قد سطرت في صحف التاريخ مأثرة من مآثر الخير لها وللملكة العربية السعودية رائدة التضامن الإسلامي الذي من أهم وسائله انتشار اللغة العربية التي يتوقف عليها فهم الإسلام فهماً سليماً في أنحاء العالم الإسلامي.
وينبغي أن تسعى الجامعة الإسلامية وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سعياً حثيثاً في توزيع المنح الدراسية على مؤسسات المسلمين في البلدان، بحيث لا تكون بعض المؤسسات متخمة بالمنح وبعض المؤسسات لا يوجد لها في الجامعة طالب واحد، صحيح أن المؤسسات التي تهتم وتلح لها الحق في ذلك، ولكن الدعوة الإسلامية يجب أن تعم وينبغي أن تحصر الجامعات الإسلامية المؤسسات الإسلامية كلها وكثير منها مجهول، وفي الزوايا خبايا، ومبادرة هذه الجامعات لدراسة مناهج تلك المؤسسات ومعادلتها ورصد منح دراسية لها، كما أنه ينبغي أن تمنح المؤسسات التي لا يوجد بها أحد من المتخرجين في الجامعة الإسلامية وأمثالها بعض المدرسين، حتى يساعدوا على الربط بينها وبين هذه الجامعات وقد تكون بعض المؤسسات أو الجمعيات عندها تقصير في مناهجها أو عندها بعض الخرافات، وهذا لا ينبغي أن يمنع من منحها مقاعد لبعض طلابها أو منحها بعض المدرسين، لأن الهدف هو تعليم الجاهل وتصحيح الأفكار وهذا لا يحصل إلا بالاتصال بتلك المؤسسات.

أنا ما فهمت لماذا تسبح؟!

رجعنا من معهد مفتاح الصالحين إلى جوك جاكرتا، وعندما وصلنا إلى الفندق توضأنا لنصلي، وكنت نسيت أننا قد صلينا المغرب فصلى بنا الشيخ عبد القوي ـ ناوياً العشاء ـ وصليت معه أنا ناوياً المغرب وعندما سلم من الركعتين، قلت: سبحان الله! وكررتها، وأخذ هو يفكر ملياً في هذا التسبيح وسببه، ثم قال: أنا ما فهمت لماذا تسبح؟ فسلمت وقلت له: المغرب ثلاث ركعات، وأنت صليت ركعتين، فأخذ يضحك ففهمت أني أخطأت ـ بل نسيت فقمت وصليت العشاء ـ لأني لم أنوه بتلك الصلاة وإنما الأعمال بالنيات.
وهذه إحدى النكات التي كانت كثيرة مع الشيخ عبد القوي.

في معهد بابيلان الإسلامي:

الأحد: 8/9/1400هـ ـ 20/7/ 1980م
في الساعة التاسعة صباحاً ذهبنا إلى معهد بابيلان الإسلامي وهو يقع شمال غرب مدينة جوك جاكرتا على بعد خمسة وثلاثين كيلومتراً، وهو فرع لمعهد كونتور ليس رسمياً وإنما أسلوبه نفس الأسلوب، ومؤسس هذا المعهد شاب نشيط متحمس لنشر الدين الإسلامي وتعليم اللغة العربية، يساعده مدرسون من زملائه وتلامذته متحمسون مثله يشعرون جميعاً بخطر التنصير المسيحي الجاد في إخراج شباب المسلمين من دينهم في إندونيسيا بأكملها.
أسس المعهد في: 1965م ومساحته خمسة هكتارات عدد طلبته:971 منهم:402 من الطالبات والباقون طلاب، عدد مدرسيه من الرجال: 48 مدرساً ومن النساء: 12 مدرسة وهو يشتمل على فصول دراسية ومساكن للطلبة ومسجد ومرافق عامة كثيرة، وهي كلها موقوفة على المعهد، كما قال مديره (فهو ليس لنا وإنما هو للمسلمين).
ولهم برنامج يومي مستمر وهو كما يلي:
1 ـ في الساعة الرابعة صباحاً القيام من النوم والاستعداد لصلاة الفجر.
2 ـ بعد صلاة الفجر الرياضة البدنية.
3 ـ قراءة القرآن الكريم في حلقات على أيدي المدرسين.
4 ـ تناول طعام الإفطار.
5 ـ بدء الدراسة من الساعة السابعة، وانتهاؤها في الثانية بعد الظهر.
6 ـ دروس إضافية في اللغة العربية واللغة الإنجليزية.
7 ـ رياضة بدنية من الساعة الرابعة إلى الساعة الخامسة.
8 ـ صلاة المغرب.
9 ـ قراءة القرآن في المساكن.
10 ـ صلاة العشاء.
11 ـ مطالعة الدروس من الساعة الثامنة إلى الساعة التاسعة والنصف، ثم النوم إلى الساعة الرابعة.
وتقام محاضرات وندوات ثقافية في كل ليلة اثنين وليلة جمعة.
وفي كل يوم خميس تنظيف عام يقوم به الجميع من الساعة الحادية عشرة صباحاً إلى الساعة الواحدة بعد الظهر، ومن الساعة الثانية بعد الظهر تدريب كشفي إلى الساعة الرابعة.
مررنا قبل الوصول إلى هذا المعهد بقرية مونتيلان وكانت هذه القرية أول مركز للتنصير في إندونيسيا ودفن بها أول بابا اختير للتنصير وهو إندونيسي، وهذه القرية مزدحمة بمؤسسات المنصرين من كنائس ومدارس وملاجئ وغيرها، ويقع المعهد شمال غرب هذه القرية على بعد ثلاث كيلومترات، ومدير المعهد اسمه همام، قال لنا: إن بناء هذا المعهد كان في القرن السادس عشر الميلادي، والذي بناه أحد أجدادي وقد أغلق واندثر خلال الحروب مع الهولنديين، ونحن الآن جددناه وسيستمر بإذن الله شوكة في حلوق الأعداء.
وكان على يميننا ونحن نسير إلى المعهد قبل القرية "مونتيلان" جبل عال يرى من بعد، يقال إن ارتفاعه يبلغ كيلو مترين وبه بركان ميرامي الذي وصلت قذائفه من الصخور إلى جنوب قرية مونتيلان على مسافة بعيدة جداً.
وأقيم احتفال كالعادة تبودلت فيه الكلمات، وبعد انتهاء الحفل مررنا بمرافق المعهد، ثم اصطحبونا إلى معبد بوذا الذي يقع شمال غرب المعهد على هضبة مرتفعة وهو أكبر معابد البوذيين في العالم.

معبد بورو بودور:

يحج إليه البوذيون من كل مكان في كل سنة مرة في شهر مايو واسم هذا المعبد (بوروبودور) وأسس في القرن السابع الميلادي وعندما سقطت بعض حجارته تبرعت هيئة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة وأهل الغرب بمليارات الروبيات الإندونيسية لتجديده، وكنت أظن أن فيه كهنة مقيمين يمكن أن ندعوهم إلى التوحيد والدخول في الإسلام، لكن تبين عند وصولنا إلى السوق المجاور له أنه لا يوجد به إلا السائحون فقلت للإخوة: لا يليق بنا أن ننزل ونصعد إلى هذا المعبد فيرانا الناس نزوره ونحن مسلمون فيظنون أننا نعترف بهذه الأوثان.
ووجدنا في السوق المجاور له بعض المصنوعات الجلدية وغيرها من الصناعات المحلية، تجولنا قليلاً في هذا السوق الذي أصبح السائحون فيه يتمتعون بهيئتنا العربية التي قد لا يكون كثير منهم رآها إلا في التلفزيون أو في غيره مما يماثله.
وفي طريقنا إلى مدينة جوك جاكرتا، قبل الوصول إلى قرية مونتيلان مررنا بمعبدين بوذيين آخرين أحدهما يسمى مندود، والآخر يسمى باون، والأول أكبر من الثاني.
ورافقنا الأخ همام مدير المعهد وبعض الأساتذة إلى قرية مونتيلان، وعرفونا بمؤسسات المسيحيين من الكنائس والمدارس والجامعات، وهم يتحرقون من الإمكانات الضخمة الموجودة مع هؤلاء النصارى والتي تمكنوا بها من إغراء الشباب المسلم بترك دينه، وأشاروا إلى مباني قريبة من مؤسسات النصارى كانت للنصارى أنفسهم، ولكن رئيس البلدة اضطرهم عندما عزم على الحج أن يبيعوها للمسلمين، واشتراها هو من ماله ووقفها وهي تستعمل مسجداً الآن، وقد بذل النصارى محاولات شديدة لاسترداد هذه الأرض وهذه المباني فلم يقدروا على ذلك.
وفي وسط هذه المؤسسات النصرانية الكثيرة توجد مدرسة صغيرة للجمعية المحمدية تؤدي واجبها على قلة إمكاناتها، وترفع كلمة لا اله إلا الله محمد رسول الله ليؤمها الشباب المسلم على رغم أنف أعداء الله.
ولقد رأينا روحاً عالية عند الأخ همام وعند زملائه وأملاً كبيراً في انتصارهم على أعداء الإسلام وقد عرض علينا خريطة الجزر الإندونيسية محددة بها المناطق التي وفد الطلبة منها إلى هذا المعهد المبارك، فإذا أغلب المناطق يوجد منها من يدرس في المعهد، وهؤلاء عندما يتخرجون سيقومون بالدعوة في بلدانهم وسيكون أثر دعوتهم مقلصاً لنشاط المنصرين.
وقال الأخ همام: إن بعض أبناء النصارى كتبوا إلينا عارضين رغبتهم في الدخول في الإسلام والالتحاق بالمعهد وإنهم سيصلون قريباً.
والجدير بالذكر أن مباني المعهد كلها من صنع الطلبة، وكذلك خزانات المياه والمرافق الأخرى والمزارع التابعة للمعهد.
ولأساتذة المعهد مزارع قريبة منه ينفقون على أنفسهم منها، أما ما يحصل للمعهد من أموال من أوقافه أو من تبرعات أهل الخير أو من الطلبة فإنه يدخل في ميزانية المعهد ولا يأخذ الأساتذة ولا المدير شيئاً منها، وقدوتهم في ذلك معهد كونتور الذي كان هو الذي بدأ بهذا الأسلوب الناجح، وسيأتي الحديث عنه في هذا الكتاب.
وهذا يدل على نفوس كبيرة وهمم عالية وعلى تضحية وإخلاص ـ إن شاء الله ـ في هؤلاء الأساتذة جزاهم الله خيراً.
ومن الأعضاء البارزين ذوي الحماس الدافع والفكر الجيد الأستاذ محمد حبيب أحد مدرسي المعهد.
وفي هذا اليوم أخبرنا أن المؤتمر المسيحي البروتستانتي الدولي بدأ في بلدة منادو بجزيرة سولاويسي في الشمال الشرقي، وأن رئيس الجمهورية سوهارتو وزوجته افتتحا هذا المؤتمر رسمياً، وأن الرئيس قال في كلمته:
إن مسابقة القرآن الكريم انعقدت هنا، وهذا المؤتمر ينعقد هنا، وهذا دليل على التسامح الديني بين المسلمين وبين المسيحيين في إندونيسيا، وأن أهل الأديان أحرار في الدعوة إلى أديانهم كل صاحب دين له الحق في الدعوة إلى دينه، وعلق بعض الغيورين على هذا الكلام فقال:
لقد أعطى المسيحيين بهذا التصريح قانوناً صادراً من أعلى مستوى في الدولة، بأن يدعو المسلمين إلى الدين المسيحي، وهذا يخالف ما أصدره وزير الشؤون الدينية سابقاً، من أنه لا يسمح لأي صاحب دين أن يدعو الآخرين للدخول في دينه، وإن كان فيه إجحاف بالإسلام الذي لا دين سواه، فإلى الله المشتكى وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ودعنا الإخوة مدير المعهد والمدرسين ورجعنا إلى جوك جاكرتا.

في مسجد العمود الواحد:

تربية الأطفال: وفي الساعة السابعة مساء زرنا مسجدا تابعا للجمعية المحمدية، وهو مركز لمؤسسة تربية الأطفال في هذه المدينة ويعنى بتربية الأطفال.
ولهذه المؤسسة ثلاثمائة وخمسون فرعاً في نواحي جوك جاكرتا، ويشرف على هذه المؤسسة الدكتور محمد ناصر، ويسمى هذا المسجد مسجد العمود الواحد، لأنه لا يوجد به إلا عمود واحد في وسطه، والمسجد ليس كبيراً.
وصلنا إلى المسجد وقد صلى الناس العشاء، فصلينا نحن العشاء، ثم صلى بنا الشيخ عبد القوي التراويح بعد أن ألقيت كلمة في تربية الأطفال، ثم اجتمعنا بأعضاء هذا المركز وتذاكرنا بعض شؤون الدعوة الإسلامية ورجعنا إلى الفندق.

زيارة مؤسسة العائشية:

الاثنين: 9/9/1400هـ ـ21/7/ 1980م
في الساعة التاسعة صباحاً زرنا ملجأ الأيتام التابع للجمعية المحمدية، وهو خاص بالبنات اليتيمات ويسمى "العائشية" نسبة إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهـا زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتشرف عليه امرأة كبيرة السن وتساعدها أخرى مثلها، شرحت لنا المشرفة ما يقوم به هذا الملجأ فذكرت أنه أسس سنة: 1930م ونقل إلى المبنى الذي هو فيه الآن سنة: 1956م وأن الموجودات فيه الآن خمسون فتاة، وأنهن يتلقين تدريبات مهنية مختلفة حسب هواياتهن، ويدرسن في المدارس، ويقمن بعد ذلك بالتدريس أو التمريض أو الخياطة أو غيرها، وأن المصروفات التي يحتاج إليها المركز شهرياً ثلاثمائة وخمسون ألف روبية (350.000) وهو يعادل أربعة آلاف ريال (4.000) ريال سعودي.
وإن هذا الملجأ وأمثاله وإن كان لا يقوم بالتربية الإسلامية كما يجب أن تكون، فإنه يعتبر من الحصون المنيعة التي تحول بين أعداء الله وبين أبناء المسلمين، ويجب على أغنياء المسلمين في الشعوب الإسلامية أن يمدوا هذه المؤسسات بما يمكنها من القيام بواجبها نحو أبناء هذه الشعوب.
وهذا المبلغ أربعة آلاف ريال سعودي يستطيع أن يقوم به بعض التجار الصغار في بعض البلدان العربية.

بين الشكر والغرور:

في الساعة السابعة مساء زرنا مسجد جامعة التربية والتعليم، وهي تقع في حارة كارانج مالانج، وكان المسجد غاصاً بالشباب، فصلينا العشاء وراء إمام المسجد، ثم صلى الشيخ عبد القوي التراويح، ألقيت بعد ذلك محاضرة موضوعها.. غرور الأوروبيين بالعلم وإلحادهم.. وأن سبب ذلك ما جرته الكنيسة على أهل أوربا من محن ووقوفها ضد العلوم التجريبية والعقلية، وأن العلوم الأوروبية الحضارية الحالية مبنية على أصول الحضارة الإسلامية. وأن المسلمين عندما يتقدمون في هذه العلوم يعتبرونها منحة من الله تعالى، لأنه لا يوجد في دينهم ما يصادم هذه العلوم الصحيحة، بل إن الإسلام يحثهم عليها، وأنه يجب على المسلمين أن يستعيدوا مجدهم بالتمسك بالدين وبالتقدم في العلوم الذي يعتبر جزء من الدين وعبادة يثابون عليها، وكان تأثر الشباب بهذه المحاضرة عالياً جداً دل عليه كثرة تكبيرهم الذي كان يرتج به المسجد.

مع زعماء الجمعيات الإسلامية في جوك جاكرتا:

بعد الفراغ من مسجد جامعة التربية والتعليم ذهبنا إلى مؤسسة تونس ملاتي وهي تُعنى بالمعوقين والمكفوفين، وكان مقرها مجالاً لكثير من اللقاءات، منها هذا اللقاء الذي تم فيه الاجتماع مع المدرسين وزعماء الجمعيات الإسلامية في هذه المدينة، وقد تضمن البرنامج أمرين:
الأمر الأول: إلقاء محاضرة اشتملت على موضوعين:
الموضوع الأول: الحث على اجتماع الكلمة والبعد عن التفرق وما يترتب على الأول من مصالح وما يترتب على التفرق من مفاسد، مع ذكر عوامل الائتلاف وأسباب التفرق.

جمعية تونس ملاتي ـ إندونيسيا يوك جاكرتا ـ 9/9/1400هـ ـ 21/7/1980م
جمعية تونس ملاتي ـ إندونيسيا يوك جاكرتا ـ 9/9/1400هـ ـ 21/7/1980م
الكاتب يتلقى هدية من جمعية تونس ملاتي ـ أندونيسا يوك جاكرتا ـ 9/9/1400هـ ـ 21/7/1980م
الكاتب يتلقى هدية من جمعية تونس ملاتي ـ أندونيسا يوك جاكرتا ـ 9/9/1400هـ ـ 21/7/1980م

الموضوع الثاني: وجوب الخروج على أي تقليد أو عادة تخالف الإسلام، لأن العادات المخالفة للإسلام إذا استمر عليها جيل من الناس ورثتها الأجيال مستقبلاً وأصبحت كأنها من الدين، ويتحمل إثمها من سَنَّها ـ وكان هذا الموضوع الأخير ناتجاً عن رؤيا منامية في نفس هذا اليوم طلب مني بعض مشايخي الصالحين [وهو سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد]. أن أتحدث عنه ـ وكان في مكانه، لأن كثيراً من العادات التي شاهدناها تخالف الإسلام، ولكن كثيراً من المسلمين لا يعلمون ذلك.
الأمر الثاني: فتح باب الأسئلة والمناقشة، وكان من أهم الأسئلة:
دهشة المسلمين في إندونيسيا من كون المسلمين العرب الذين يدعون للإسلام والتمسك بالكتاب والسنة، لا يدعمون المؤسسات الإسلامية المحتاجة للدعم الكافي، مع أن النصارى لهم مؤسسات مدعومة من المسيحيين في كل أنحاء العالم، ولذلك يوجد من أبناء المسلمين من يدخل في الدين المسيحي أو يترك دينه ـ وإن لم يدخل في الدين النصراني ـ لعدم ثقته في المسلمين حيث لا يرى منهم اهتماماً بإخوانهم.
وذكرنا لهم أن هناك في المملكة العربية السعودية اهتماماً من الدولة ومن الشعب والمؤسسات الإسلامية، ويشاهد هذا الدعم في كل البلدان الإسلامية ومنها إندونيسيا، وغير الإسلامية، ولكنه يحتاج إلى المزيد، وأنه لو اهتمت كل دولة إسلامية عندها إمكانات لحصل الخير الكثير.
وطلب منا الإخوة إبلاغ الحكومة السعودية والمؤسسات الإسلامية كالجامعة الإسلامية وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ورابطة العالم الإسلامي وإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، أن تتحمل مسؤولياتها وتقوم بواجبها نحو أبناء المسلمين في إندونيسيا.
وألحوا في طلب إنشاء مركز للطلبة المسلمين في هذه المدينة التي تسمى مدينة طلابية لكثرة الجامعات والمعاهد والمدارس فيه، ومن ثم كثرة الطلاب، وهذا المركز يشمل قاعة محاضرات ومسجداً ومكتبة ومرافق أخرى مفيدة.
وأرى أن إنشاء قاعة محاضرات عامة واسعة تتسع لكثير من الأعداد الطلابية الهائلة من المسلمين في هذه المدينة ومسجد جامع كبير ومكتبة مركزية تزود بالمراجع الإسلامية وغيرها من المرافق التي تعين المسلمين المهتمين بالدعوة الإسلامية وتربية الشباب وتحصينه من الوقوع في أحضان المنصرين، أرى أن ذلك أمر واجب على المؤسسات الإسلامية القادرة، لأنه من الجهاد في سبيل الله وأخص بالذكر الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، والأمانة العامة للدعوة الإسلامية التي يرأسها الأمير سلطان بن عبد العزيز، والرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد [أصبحت الدعوة والإرشاد من اختصاص وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف] التي حظيت بسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الذي عرفه القاصي والداني داعياً إلى الله بالقول والعمل وإعانة كل من تصدر للدعوة إلى الله سبحانه، والجمعية الخيرية التي يرأسها الأمير سلمان بن عبد العزيز، ورابطة العالم الإسلامي التي يلهج المسلمون بها آملين منها المساعدة في كل مكان.
ثم أهيب بتجار المسلمين في كل مكان لإقامة مثل هذا المشروع الضروري، ولا أنسى أن أنبه وزارة الأوقاف الكويتية التي لها جهود لمسناها في كثير من الأماكن التي زرناها ومؤسسة الملك فيصل الإسلامية.
أما كيف يتم ذلك؟ ومن يتولاه؟ فجواب هذا عند الجامعة الإسلامية التي كانت السبب في معرفتنا هذه الحقائق، وعندها طلب خاص يتعلق بهذا الموضوع، وأنا أدعو الجميع أن يطبقوا قول الله سبحانه وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}. [المائدة، من الآية: 2]. وهذا من أعظم البر والتقوى.

في معهد المنور الإسلامي:

الثلاثاء: 10/9/1400هـ ـ22/7/ 1980م
كان المقرر لنا في هذا اليوم مغادرة جوك جاكرتا دون زيارة أي مؤسسة أخرى، ولكن بعض طلبة الجامعة الإسلامية ألحوا علينا طالبين زيارة معهدهم الذي تخرجوا فيه والتحقوا بعد تخرجهم بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فلم نجد وقتاً نحقق فيه رغبتهم إلا بعد صلاة الفجر من هذا اليوم، واتفقنا على أن نضع حقائبنا في صندوق السيارة التي استأجرناها من نفس الفندق الذي كنا نازلين فيه، ونحاسب مدير الفندق ونزور هذا المعهد ثم ننطلق منه إلى معهد كونتور في طريقنا إلى سورابايا وكان ذلك.
وعندما وصلنا إلى مقر المعهد وجدنا حشداً كبيراً من الطلبة والأساتذة في استقبالنا يتقدمهم فضيلة مدير المعهد وكان ذلك في الساعة السادسة والنصف صباحاً.
ومدير المعهد حالياً هو الحاج علي معصوم، ومؤسسه الأول هو الحاج منور في سنة: 1911م وهو يشتمل على المتوسطة والعالية، وعدد طلابه ألف تقريباً، وفيه قسم لتحفيظ القرآن الكريم وتدرس فيه مع العلوم الشرعية العلوم الكونية.

الشيخ علي معصوم رحمة الله مدير معهد المنور يوك جاكرتا 10/9/1400هـ ـ 22/7/1980م
الشيخ علي معصوم رحمة الله مدير معهد المنور يوك جاكرتا 10/9/1400هـ ـ 22/7/1980م
معهد منور ـ أندونيسيا ـ يوك جاكرتا 10/9/1400هـ ـ 22/7/1980م
معهد منور ـ أندونيسيا ـ يوك جاكرتا 10/9/1400هـ ـ 22/7/1980م

تقدم مدير المعهد بكلمة الترحيب وبين أسباب إنشاء هذا المعهد التي منها كثرة أبناء المسلمين الذين يلتحقون بالمدارس الكاثوليكية و الأحمدية (القاديانية) وغيرها من مدارس أعداء الإسلام، ثم شيوع المذاهب الباطنية والخرافات، ثم مناهج التربية والتعليم الحكومية البعيدة عن الصبغة الإسلامية.
طلب مني فضيلته إلقاء كلمة قبلت الطلب وكانت تتضمن بيان أهداف التربية والتعليم.

إلى لقاء آخر يا مدينة الطلاب!

كان معهد منور الإسلامي هو آخر المؤسسات التي التقينا فيها أبناء مدينة الطلاب: جوك جاكرتا، وبوداعه ووداع مديره وأساتذته وطلابه الذين احتشدوا في صفوف طويلة لوداعنا، وصغارهم الذين أنشدوا أناشيد الوداع الحزينة، بهذا الوداع ودعنا مدينة جوك جاكرتا ونحن نشعر بأنها كانت أكثر فائدة من غيرها، ولذلك نقول لأبنائها إلى اللقاء يا أبناء جوك جاكرتا وعسى أن يكون لقاءنا في وقت حقق الله لكم فيه مطالبكم العالية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.