1- في مدينة جاكرتا
1- في مدينة جاكرتا
في مطار جاكرتا:
وبعد ساعة وثماني دقائق أعلن المضيف دخولنا الأراضي الإندونيسية وهي كذلك مكسوة بالخضرة إلا أنها أقل كثافة ـ فيما بدا لي في تلك المنطقة ـ من ماليزيا وسنغافورة، كما ظهرت بعض الأنهار المتعرجة التي تكتنفها الأراضي الزراعية وتنتشر القرى التي تستظل بيوتها بالأشجار، وفي الساعة الثانية عشرة والدقيقة الثالثة والعشرين هبطت بنا الطائرة في مطار جاكرتا. [ويسمى: مطار سوكارنو].
مررنا بموظف الجمرك وكان التفتيش دقيقاً إلا أنه عندما رآنا بلباسنا العربي قابلنا بالترحيب ولم يمس حقائبنا، فغادرنا المطار وأخذنا سيارة أجرة صغيرة لم يتسع مخزنها لحقائبنا، فرص ما بقي في المقعد الأمامي بجانبه، و رَصَّنَا الأربعة في المقعد الأخير، قلت للإخوة: أترون لو كان هذا في إحدى المدن العربية يرضى قائد سيارة أن يفعل هذا مع المبالغة في أخذ المزيد من المال، وهذا القائد لا يأخذ إلا ما حكم له به عداد السيارة.
ونزلنا في فندق "كرتيكا بلازا" وكان مزدحماً بالنزلاء وفيه عدد من الضيوف ينتظرون فراغ بعض الغرف، ولم يحصلوا على مكان، ولكن صاحب الفندق عندما رآنا سألنا باللغة العربية كم غرفة تريدون؟ ـ وكان عبد الله باهرمز يحاور الموظفين في الاستقبال وهم يقولون له: لا توجد عندنا غرف فارغة ـ قلنا للسائل: نريد غرفتين. فقال: تفضلوا وأمر الموظفين أن يهيئوا لنا حجرتين فهيئوها بسرعة ونزلنا مطمئنين والحمد لله.
وهذا الذي حصل في الفندق، وما حصل من موظف الجمرك في المطار يدل على أن عواطف المسلمين في الشعوب الإسلامية مؤتلفة ملتحمة غالباً، ولم يفرق بينها إلا أعداء الله الذين نفثوا في أبناء الشعوب الإسلامية روح التعصب والعنصرية حتى أصبح كل شعب معزولاً عن الآخر، وأصبح الفرد المسلم من شعب مسلم يشعر بالغربة، وبأنه أجنبي في شعب مسلم آخر، ولكن فطرة الإخاء الإسلامي لا زالت موجودة إذا هبت ريح الإيمان على رماد الأعداء الذين دفنوا تلك الفطرة به، ذهب هباءً وبرزت فطرة الأخوة الإسلامية على رغم أنف أعداء المسلمين حية جياشة.
وفي المساء زارنا بعض طلبة الجامعة الإسلامية من الإندونيسيين، ومنهم الأستاذ حلمي أمين الدين، وتذاكرنا معهم منهاج زيارتنا وضربنا بعض المواعيد مع بعض علماء إندونيسيا لزيارتهم والتشاور معهم في منهاج الزيارة.
زيارة المجلس الأعلى الإندونيسي للدعوة الإسلامية:
الأربعاء: 27/8/1400هـ ـ 9/7/1980م
في الساعة الحادية عشرة صباحاً قمنا بزيارة المجلس الأعلى الإندونيسي للدعوة الإسلامية، فوجدنا فيه بعض الذين تخرجوا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
ورئيس هذا المجلس هو الدكتور محمد ناصر رئيس الوزراء الأسبق ورئيس حزب ماشومي سابقاً "وقد حل هذا الحزب".
ولم يكن الدكتور موجوداً في هذا الوقت، وعندما علم عنا أبلغنا عن طريق موظفي مكتبه أن الموعد معه بعد العصر.
وجدنا في المكتب الدكتور محمد رشيدي عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي وعضو المجلس الفقهي في الرابطة ومساعد مدير مكتب الرابطة في جاكرتا ومدير المكتب هو الدكتور محمد ناصر.

تذاكرنا نحن والدكتور رشيدي ـ وهو يتكلم اللغة العربية باللهجة المصرية ـ أحوال المسلمين في إندونيسيا والجهود التي يقوم بها دعاة الإسلام هناك والجهود المضادة من أعداء الإسلام، والمحاولات الجادة لتحريف معاني الإسلام وتقوية المعاني الخرافية وإيجاد طائفة باطنية، وغير ذلك من الانحرافات العقدية، وخطر المدارس النصرانية على أبناء المسلمين الذين يضطرون للدخول فيها لعدم وجود مؤسسات إسلامية تستوعبهم لقلة الإمكانات.
أظهرت أم الخبائث حقده!
وعندما رجعنا إلى الفندق (بلازا) قابلنا عند المصعد رجل أوروبي كبير الجثة طويل القامة متجهم الوجه، وأخذ يتكلم كلاماً يظهر منه أنه غاضب، وما كنت أفهم منه إلا كلمة عرب، وهيد، وبيج (أي رأس كبير) وكان يوجه خطابه إليَّ ويمس رأس الابن عبد البر، فعرفت بسرعة أنه قد خلط كمية من الخمر بمخ رأسه حتى أصبح يهذي بما لا يدري، فقلت للإخوة: إنه سكران فأشاروا إلي بالسكوت، وصعد معنا إلى الطابق الذي نحن فيه وهو يرغي ويزبد، وخرجنا من المصعد فخرج معنا وهو على حالته ومشى معنا حتى قارب باب حجرتنا، ثم رجع إلى المصعد يردد كلمة (آم سوري) أي آسف، ويذكر هوتيل أي فندق، فسألت الإخوة عن كلامه؟ فقالوا كان يقول: إن العرب قوم متكبرون رؤوسهم كبار، وعند رجوعه كان يقول أنا آسف وأنا سكنت معكم في فندق واحد، وسأطلب من صاحب الفندق أن يخرجكم منه، وظهر أنه كان يسكن في غير الطابق الذي نسكن نحن فيه وصعوده معنا كان بدون شعور.
قلت: إن الرجل في الغالب يهودي أظهرت الخمرة التي أفقدته عقله حقده علينا.
الخميس: 28/8/1400هـ ـ 10/7/1980م
في الساعة السادسة إلا عشر دقائق صباحاً طُرق باب الحجرة، فقام الشيخ عبد القوي ليفتح فقلت له محذراً: لا تفتح حتى تعرف من بالباب، لأن الوقت مبكر، وكنت أخشى أن يكون الأوروبي الذي شبهته بالثور الهولندي هو الذي طرق الباب في حالة تشبه حالته في الليلة الماضية، وتحفزت في نفس الوقت وراء الشيخ عبد القوي استعداداً لأي طارئ، فقال الشيخ: هو؟ أي من؟ فإذا هو أحد الخدم يحمل إلينا طعام الإفطار فقال له الشيخ: نحن لم نطلب طعاماً في هذا الوقت فأراه الورقة وفيها رقم غرفتنا، فعرفنا أن الأخ عبد الله باهرمز هو الذي طلب ذلك من الليل ليجمع بين أمرين:
الأول: إحضار طعام الإفطار.
الثاني: إيقاظنا مبكرين على موعد مع المسؤولين عن المدرسة الشافعية لزيارتها في الساعة الثامنة صباحاً. نقلنا حقائبنا إلى فندق برزنت بعد أن تناولنا طعام الإفطار.
إلى المدرسة الشافعية:
وفي طريقنا إلى المدرسة الشافعية مررنا بالأسواق الشعبية في جاكرتا على شاطئ البحر، وبدت شوارعها غير نظيفة ولا منظمة، بخلاف الحال في الشوارع العامة والأسواق الحديثة، ومررنا بأحد الأحياء فقال عبد الله باهرمز: هنا بيت عمتي وكان مصوباً نظره إلى جهة البيت حتى ابتعدت السيارة عن المكان، وكأنه بذلك يستعطفنا لإعطائه فرصة زيارتها وقد أعطيها فعلاً بعد ذلك.
ثم قال عبد الله: أرى أن تروا ميدان الجنرالات السبعة، قلنا: وما معنى الجنرالات السبعة هؤلاء؟ قال: عندما قام الشيوعيون بالمحاولة الانقلابية قتلوا بعض العلماء وبعض الضباط، وكان منهم سبعة جنرالات أخذوهم وقتلوهم ورموهم في بئر هذا الميدان.
فدخلنا إلى الميدان الذي تحيط به الأشجار والبساتين من كل جهة فرأينا البئر وقد بني حولها دكة ليست مرتفعة، وإذا أراد أحد أن يصعد إلى الدكة ليرى البئر، فعليه أن يخلع نعليه مبالغة في تقديس هذا المكان، فرفضت أن أخلع نعلي ولم أصعد واكتفيت بمعرفة أنها بئر وهكذا فعل الشيخ عبد القوي، وأخونا عبد الله والابن عبدالبر.
وبجانب البئر بني جدار عال وأقيمت عليه صور الجنرالات السبعة مجسمة وهم يمدون أيديهم مشيرين بأصابعهم إلى البئر، لبيان أن أعداءهم وضعوهم في هذه البئر بعد أن قتلوهم، ورفع على نفس الجدار الذي أقيم عليه السبعة الشعار الذي يحمل المبادئ الخمسة: "بنتشا سيلا" وسيأتي إن شاء الله شرح هذا الشعار وبيان الهدف منه.
والصور المجسمة في إندونيسيا أمر طبيعي توجد في كل مكان وهي من آثار الوثنية التي لم تمح إلى الآن.
في المدرسة الشافعية:
هكذا تسمى هذه المؤسسة، إذ أطلق اسم الشافعية في إندونيسيا فهي المقصودة وهي منسوبة إلى مؤسسها الشيخ عبد الله الشافعي، وهي تشمل الإعدادية والثانوية والعالية والجامعة، وبها معهد للأيتام لا يقل عددهم عن أربعمائة يتيم ويتيمة، وعدد طلبة المؤسسة كلها لا يقلون عن خمسة آلاف طالب وطالبة، وكثير منهم يسكنون في القسم الداخلي، ولها فروع في مدن أخرى، ومع الدراسة المنهجية توجد تدريبات مهنية: خياطة، تطريز، وطباعة وصياغة وغيرها، وكان المؤسس قد ورث أرضاً واسعة من والده، فوقف هذه الأرض لهذه المؤسسة، وبني عليها المرافق اللازمة تدريجياً، ولا زال الشيخ عبد الله الشافعي يسعى للتوسع في الأرض والبناء واستيعاب أعداد كثيرة من أبناء المسلمين الذين هم في أمس الحاجة إلى الرعاية والتعليم، ولا يعرف قدر جهوده وجهود أمثاله من المهتمين بإقامة المدارس والملاجئ لأبناء المسلمين، إلا من رأى الجهود القوية التي يبذلها أعداء الله لإبعاد شباب المسلمين عن دينهم من المنصرين وغيرهم من داخل البلاد ومن خارجها.
عندما وصلنا إلى مقر هذه المؤسسة واستقبلنا المسؤولون الموجودون بها ـ وكانوا في أيام إجازة ـ وكان الاجتماع في قاعة المحاضرات بمعهد اليتامى، واليتامى موجودون كلهم في القسم الداخلي للمعهد، لأنهم مضطرون للبقاء لعدم وجود من يعيلهم وكان هؤلاء اليتامى قد اجتمعوا في القاعة بنين وبنات، وغالبهم من سن السادسة عشرة فأقل، البنون في جهة، والبنات في الجهة الأخرى، ويلبس البنات لباساً ساتراً عدا الوجه والكفين، وهذا لا يوجد في المدارس الحكومية تلك الأيام، وكانوا عند قدومنا ينشدون بعض الأناشيد الإسلامية، وهي تتضمن ترحيباً بالقادمين والظاهر أنها معدة لكل ضيف يستحق أن يحتفى به عندهم وكان الشيخ عبد الله الشافعي غائباً في مهمة، وحضر نائبه واعتذر له.
وعندما دخلنا القاعة طلبوا من الأخ عبد الله باهرمز أن يعرف الحاضرين بنا وبمهمتنا ففعل، ثم قرأ أحد الطلبة من اليتامى ما تيسر من القرآن، وهو بالإضافة إلى كونه يتيماً مقعد وكانت قراءته مجودة جيدة، وقام أحد الطلبة بكلمة ترحيب وأشاد بما يقوم به المؤسس من مساعدة الأيتام، وتلته إحدى الطالبات كذلك، ثم قرأت إحدى الطالبات سورة الصف من حفظها.
كلمة توجيه وشكر:
ثم طلب مني أن ألقي كلمة فألقيت كلمة تضمنت تهنئة المؤسس بهذا الفضل العظيم المبارك والدعاء له بالتوفيق للمزيد من الخير والإخلاص في العمل، ودعوة أغنياء المسلمين للاقتداء به في أعمال الخير.
وتهنئة طلبة هذه المؤسسة بما يسر الله لهم من العناية ولا سيما هؤلاء اليتامى، وأن عليهم أن يشكروا الله ويدعوا للمؤسس ليكافئوه على عمله، وأن على الجميع شكر الله الذي لولاه ما تيسر مثل هذا العمل المبارك.
وذكرت هؤلاء اليتامى بحالة غيرهم ممن يقعون في أيدي الكفار كالنصارى وغيرهم، فإنهم ينفقون عليهم ليخرجوهم من دينهم ويجعلوهم أعداء له مع ضرب بعض الأمثلة لذلك.
قام بعد ذلك نائب رئيس المؤسسة فألقى كلمة ترحيب وشكر على الزيارة وأشار إلى حاجة هذه المؤسسة إلى الدعم والمساعدة لا سيما المدرسين للغة العربية والمنح الدراسية، وأشار إلى أنهم سيبعثون للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بالمنهج لمعادلته.
ثم تجولنا بعد ذلك للاطلاع على التدريبات المهنية للبنين والبنات من خياطة وتطريز وطباعة وغيرها.
المدرسة الطاهرية:
وللشيخ عبد الله الشافعي أخ يدعى: الشيخ طاهر رحيلي:
أسس مثله المدرسة الطاهرية وهي شبيهة بالشافعية، ولم يتيسر لنا زيارة هذه، ولكننا دعونا الله للجميع بالإعانة والتوفيق ورجونا للأخوين أن يحقق الله فيهما لأبويهما: علماً ينتفعان به وولداً صالحاً يدعو لهما، وأن يحقق لهما كذلك من بعدهما هذا المعنى.
في الجامع الأزهر:
الجمعة: 29/8/1400هـ ـ11/7/1980م
في الساعة العاشرة صباحاً ذهبنا إلى الأزهر وهو جامع كبير سمي بالأزهر طمعاً في أن يكون له ما للأزهر في مصر من أثر في العالم الإسلامي.
استقبلنا الشيخ عبد الله سالم وهو أمين عام جامعة المعهد الإسلامي، وهي مؤسسة جامعية على الطراز الإسلامي ـ كما يقول الشيخ عبد الله سالم ـ ويرأس المؤسسة الدكتور همكا [وهو من العلماء المشهورين في إندونيسيا] وتتكون من أقسام منها:
قسم التعليم من روضة الأطفال إلى العليا التي يدخل المتخرج فيها الجامعة.
وقسم الصحة ويتولى معالجة الموظفين والطلاب مجانا، ويعالج غيرهم من خارج المؤسسة بأجر رمزي.
وقسم الشباب ويقوم بنشاطات رياضية وثقافية واجتماعية، وبعض نشاط الفتوة، مثل الدفاع عن النفس ونحوه..
ومن النشاطات الثقافية إلقاء محاضرة أسبوعية لطلبة الجامعات والمدارس في جاكرتا، حيث يحضرها منهم ما لا يقل عن ألف طالب، يلقي هذه المحاضرات بعض كبار العلماء هناك مثل الدكتور محمد ناصر والدكتور رشيدي.
ومن نشاطاتهم تعليم الموسيقى الحربية وضرب الدفوف، والإندونيسيون مغرمون بالموسيقى والأغاني والدفوف والرقص، وقد ينسبون بعض هذه الأنشطة إلى الدين، فيقولون الموسيقى الدينية، ولذلك قال الشيخ عبد القوي: يخشى أن يصبح كل شئ دينياً، فيقال: أغنية دينية وموسيقى دينية ورقص ديني وطبل ديني وهكذا.
وقسم المكتبات ويوجد في مكتبة المؤسسة خمسة آلاف كتاب باللغة العربية واللغة الإنجليزية واللغة الإندونيسية، ولكن رواد المكتبة قليلون.
ويتبع التعليم شعبة تعليم اللغة العربية وقد تخرج فيها اثنان وأربعون شخصاً، وتدرس القراءة والكتابة صباحاً ومساء للرجال والنساء.
وقسم الدعوة وتصدر عنه مجلة وهي نصف شهرية يوزع منها أكثر من خمسين ألف نسخة وغير ذلك من الأقسام التي لا تخرج عن النشاط الثقافي والاجتماعي والرياضي والفتوة.
وقال الشيخ عبد الله سالم: إن أول ما زار المملكة العربية السعودية (سنة 1959م) وأنه قد زار المملكة سبع مرات.
دخلنا بعد هذه المذاكرة إلى المسجد الذي قام بخطبة الجمعة والصلاة بالناس الدكتور همكا وكان الخطبة ـ كما فهمت من النصوص العربية التي كان يستشهد بها في صيام رمضان وفوائده وآدابه.
الدين أمانة سلمها الآباء للأبناء:
وبعد صلاة الجمعة ألقيت كلمة كانت تعبيراً عن شعورنا بالغبطة والسرور بهذه الجموع والعواطف الإسلامية، وتذكير للمسلمين بأن هذا الدين أمانة عندنا سلمنا إياه الآباء والأجداد، وأن علينا أن نؤدي هذه الأمانة ونحفظها، وأنه لا عزة لنا إلا بهذا الدين، وأن كل من يحاول أن يصرفنا عنه فإنه خائن ظالم، علينا أن نحذره، وأن كل مبدأ غير الدين الإسلامي قد جرب فكان خسارة علينا ووبالاً.
أعفونا من هذه التحية!
ثم ذهبنا بعد ذلك إلى أحد المطاعم ـ يسمى مطعم الشرق الأوسط ـ وأصل أهله حضارمة، وعندما رأونا بملابسنا العربية قدموا لنا تحية غير مرغوبة عندنا، وما كانوا على علم بذلك، وهي أغنية عربية ـ قال بعضنا إنها سعودية ـ فطلبنا منهم أن يعفونا من هذه التحية بوقفها فوقفوها فوراً، وكان هذا الوقف دليلاً على أنهم ما أرادوا إلا احترامنا، ويؤسفنا أن هذا الطلب قد لا يلبى في كثير من مطاعمنا في البلاد العربية إصراراً على المعصية وعناداً للطالب.
وكانت وجوه أصحاب المطعم وجوهاً عربية واضحة، وإن كانت ألسنتهم إندونيسية وكانوا مسرورين جداً بوجودنا، ظهر ذلك في عنايتهم بنا أكثر من غيرنا وبطلاقة وجوههم معنا.
في منزل الدكتور محمد ناصر:
[تكررت زيارتي للدكتور محمد ناصر رحمه الله بتكرر زيارتي لإندونيسيا، وأخذت منه معلومات مباشرة عن الإسلام والمسلمين في إندونيسيا، وعن حياته كذلك كما سيأتي ذلك مفصلاً عنه في مواضع من هذا الجزء وما يتبعه من الأجزاء الخاصة برحلات إندونيسيا].
زرنا في الساعة الرابعة والنصف مساء الدكتور محمد ناصر في منزله حيث كنا على موعد معه، وكنا نتذاكر شؤون الدعوة الإسلامية ووسائلها ومعوقاتها، وكيف يمكن التغلب عليها، ومما ذكره في هذا المجال ربط العلوم الكونية بالعقيدة الإسلامية في الجامعات والمعاهد المعنية بهذه العلوم، لأن هذا الربط يؤثر في نفوس الطلبة ويجعلهم أكثر إيماناً وحماساً للإسلام، ثم إنهم هم الذين يتقلدون مناصب الشعوب الإسلامية، وهم الذين سيكونون خنجراً في نحور أعداء الإسلام الذين يحاولون تثبيت العلمانية في الشعوب الإسلامية عن طريق الأفكار والنظريات وعن طريق التطبيق العملي بالقوة التي مكنوا منها، ولذلك لا بد من وضع مناهج تقطع الطريق على هؤلاء الأعداء.
وذكر الدكتور محمد ناصر أن محاولة ربط العلوم بالعقيدة قد بدأت فعلاً من سنة: 1972م على هيئة دورات تدريبية حيث تخصص ثلاثة أيام في الأسبوع ويستغل اليوم بأكمله من صلاة الفجر إلى الليل، ثم بعد كل ستة أشهر ثلاثة أيام، ثم انتشرت الفكرة وأصبح كثير من المثقفين يطلبون المزيد فأثمر ذلك.
وممن لهم اهتمام بهذا الأمر من العلماء:
1 ـ الأستاذ يوسف فيصل ـ متخصص في العلوم الاجتماعية.
2 ـ الأستاذ شاذلي ـ تكنولوجيا.
3 ـ دار ودي شريف ـ طب.
4 ـ د. فريد مفتاح ـ تكنولوجيا.
5 ـ د. عبد الرحمن ـ اقتصاد.
6 ـ د. رودي ـ طب.
وقد حرصت على كتابة أسماء هؤلاء العلماء المهتمين بهذا السبيل، ليتعرف عليهم أمثالهم من زملائهم في العالم الإسلامي ويستفيد بعضهم من بعض، لعلمي بأن أمثالهم موجودون وقد كتبوا وحاضروا ولهم أثر ملموس، وعن طريق المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية في إندونيسيا الذي يرأسه الدكتور محمد ناصر ونائبه الدكتور رشيدي يستطيع من أراد الاتصال بهؤلاء العلماء أن يتصل بهم.
وقد حملت سلسلة من الكتيبات التي أعدت لطلاب المدارس حسب منهج كتبهم التي ألفت في العلوم وربطت فيها تلك العلوم بالعقيدة الإسلامية، وهي من إعداد الدكتور محمد ناصر حملتها إلى الجامعة الإسلامية لدراستها وطبعها وتوزيعها في إندونيسيا إن أمكن.
محاربة أعداء الإسلام لوسائل تثبيته!
وقال الدكتور محمد ناصر: إن محاولات جادة قد بذلت لإنشاء مساجد في الجامعات لإقامة الصلاة فيها وربط الطلاب والأساتذة بها، وإن تلك المحاولة لقيت استجابة شعبية وقد أقر بند في ميزانية الجامعات يدعم هذا النشاط، إلا أن ذلك أغاظ من تربوا في أحضان الغرب ممن لهم صلاحيات في هذه الجامعات وهزهم هذا النشاط الإسلامي، فألغوا البند الخاص بذلك، وكان طلبة المدارس الحكومية ـ كالأهلية ـ يمنحون إجازة في شهر رمضان، ويستغل ذلك علماء إندونيسيا والدعاة إلى الله فيقومون بتدريس طلبة المدارس الحكومية والجامعات في المدارس والجامعات الإسلامية طيلة شهر رمضان، ويفد أبناء المسلمين لتلقي العلم والدعوة من كل مكان وتمتلئ بهم تلك المؤسسات، ولكن الحاقدين على الإسلام ألغوا إجازة شهر رمضان، ليحرموا طلبة هذه المدارس من تلقي العلوم الإسلامية التي لا يجدونها في مدارسهم.. وعلى الرغم من ذلك فإن هؤلاء الطلبة يفدون إلى المساجد والمدارس في المساء الذي هو وقت راحتهم، وبعد صلاة الفجر [بل وقبل صلاة الفجر كما شاهدت ذلك بنفسي في الجامع الكبير في باندونغ وسيأتي ذكره إن شاء الله] وقد كان رد فعل أولياء أمور الطلبة عنيفاً ضد هذا القرار الذي اعتبروه ظالماً، لأنه يحول بينهم وبين تعلم أبنائهم أمور دينهم التي لا ينالونها في المدارس الحكومية.
أربعة أخطار كبيرة تهدد الإسلام في إندونيسيا:
الخطر الأول: محاولة إقناع الجيش بموالاة بعض الأحزاب التي تقف ضد الإسلام، والأصل في الجيش حسب العرف السياسي العام أن يكون محايداً يحافظ على أمن البلاد في الداخل ويرد عنها الأخطار من الخارج، كما أن الأصل في الجيش حسب العرف الإسلامي أن يعد نفسه لرفع راية الإسلام ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)).
الخطر الثاني: أن هنالك محاولة جادة لدعم جماعات التخريف وتعميق العقيدة الباطنية في نفوس هذه الجماعات، وجعل هذه الجماعات حزباً باطنياً معترفاً به، ليقوى به ذوو الاتجاه العلماني في البلاد، وقد شعر العلماء بهذين الخطرين، ولهم مواقف يشكرون عليها أعانهم الله وهدى بهم عباده.
الخطر الثالث: وهو الإبقاء على الصفة الوثنية بين الوثنيين وتشجيع ذلك بشتى الوسائل والحول بين هؤلاء الوثنيين وبين الدخول في الإسلام بأساليب شتى.
الخطر الرابع: التنصير: وسيأتي الحديث عن هذا الخطر مفصلاً .
نجاح ربط الشباب بالمساجد:
ومن الأمور التي تبشر بخير نجاح محاولة ربط الشباب بالمساجد، وقد رأينا هذا عندما كنا نصلي في أي مسجد العشاء والفجر وكذلك التراويح، فإن المساجد والأماكن التي تحيط بها تمتلئ بالشباب من بنين وبنات من طلبة الجامعات والمدارس، وإن الشوارع المؤدية إلى المساجد لتقف فيها حركة السير لكثرة الوافدين إلى المساجد أو الخارجين منها بعد انتهاء الصلاة وكأن المدينة ـ جاكرتا أو غيرها ـ قد أعدت مظاهرة عامة خرجت من كل بيت ينادي الجميع فيها ـ بلسان حالهم ـ بسقوط الكفر.
رأينا هذا في شهر رمضان، أما في غيره فالظاهر أن قُصَّاد المساجد أقل وهذا مع جهل كثير من الناس بدينهم وسيأتي تعليقي على هذا فيما بعد إن شاء الله.
زيارة الشيخ عبد الله الشافعي:
السبت: 30/8/1400هـ ـ 12/7/1980م
في صباح هذا اليوم زارنا في الفندق الشيخ عبد الله الشافعي مؤسس المدرسة الشافعية، وشرح لنا ما تقوم به مدارسه المتعددة، واعتذر لنا عن عدم حضوره أمس عندما زرنا مقر المدرسة وألح علينا في نقل رغبته بأن تساعد الجامعات مدارس الشافعية بتخصيص منح دراسية ومدرسين للغة العربية فوعدناه أننا سنبلغ المسؤولين في الجامعة وطلبنا منه أن يبعث للجامعة الإسلامية منهج المدرسة ويطلب معادلته لأن المنح إنما تخصص بناء على المعادلة.
يوم إجازة النصارى هو يوم إجازة المسلمين!
الأحد: 1/9/1400 هـ ـ 13/7/1980م
كان هذا اليوم هو يوم الأحد، وهو أول أيام شهر رمضان المبارك لهذا العام، وهو يوم إجازة في إندونيسيا، على عادة النصارى، مع أن الشعب شعب مسلم ينبغي أن يأخذ يوم راحته يوم الجمعة الذي يحتاج فيه إلى الاستعداد لصلاة الجمعة.
ونحن وإن كنا لا نرى تعطيل العمل لا في يوم الجمعة ولا في غيره، لأن الإسلام يحث المسلم على العمل في كل وقت وعمل المسلم عبادة لله سواء كان من الشعائر التعبدية أو من الأمور المباحة، ما دام يقصد به وجه ربه تعالى أو لا يخالف شرعه، والآيات القرآنية تدل على عدم تخصيص يوم الجمعة بالتعطيل ـ وإن كان يوم عيد أسبوع المسلمين، يجتمعون فيه في كل أنحاء الأرض للصلاة وسماع الخطبة ـ قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ.. } وقال: { فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. [سورة الجمعة، الآيات: 9-10]. وكان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يعملون يوم الجمعة في مزارعهم إلى أن يقرب وقت الصلاة، كما في حديث عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالْعَوَالِيِّ فَيَأْتُونَ فِي الْغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ وَالْعَرَقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ الْعَرَقُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا)) [البخاري: رقم: 851 ومسلم رقم: 1398]. فالآيات القرآنية دلت على جواز البيع والشراء إلى وقت النداء، ودلت على مشروعية الابتغاء من فضل الله بعد الصلاة، وهذا الحديث دل على أن الصحابة منهم من يأتي من منزله ومنهم من يأتي من العوالي والظاهر أن المقصود من بساتينهم التي يذهبون إليها يوم الجمعة وما ذلك إلا للعمل والله أعلم.
ولكن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتبكير والاغتسال والتطيب يؤخذ منه إعطاء فرصة لمن أراد ذلك مبكراً، والمسلمون ـ إذا كان لا بد لهم من يوم تعطيل ـ أحق بيوم الجمعة وكونهم يعطلون في يوم تعطيل النصارى، دليل على انحرافهم وتقليدهم لأعداء الله في أعيادهم وهذه الموافقة فيها شيء من الموالاة التي حذر منها القرآن الكريم: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ }. [سورة المائدة، من الآية: 51].
لهذا تجد المسلمين يضيقون ذرعاً في بلادهم عندما يعطي حكامهم عيداً للنصارى وهم قلة تعطل فيه جميع الدوائر الحكومية والمحلات التجارية كل أسبوع، وهم لا تؤدي في هذا إلا قلة قليلة منهم لحظات معدودة في الكنيسة طقوسها، وهم كفار وعباداتهم كفرية وبقية الوقت يقضونه في لهو ولعب.
أما المسلمون وهم الأغلبية فيومهم يوم عيد مشروع ويؤدون عبادة مشروعة تحتاج إلى وقت للاستعداد قبل الصلاة، ثم يحال بينهم وبين هذا العيد المشروع، يضيق المسلمون ذرعاً بهذا الوضع وبعض البلدان قد لا يعطى المسلم فيها فرصة للصلاة، إذا فاتت بعض مصالحهم كأن يكون طالباً في كلية علمية كالطب والهندسة والدراسة مستمرة وقت الصلاة.. فأين إسلام هؤلاء الذين يضايقون المسلمين في أوقات عباداتهم ويحققون للكافرين مآربهم.
كلمة حق لا بد منها:
وهنا لا بد من كلمة حق أقولها للمسلمين وأعدائهم على السواء: الأصل في يوم الجمعة أن يكون يوم عمل ـ غير إجباري ـ لأن عمل الصحابة جرى على ذلك ـ كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وقد سبق بعضها، ولزيادة الإيضاح أسوق هذه الأحاديث الصريحة في العمل يوم الجمعة:
عن عائشة رضي الله عنهـا، قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم من العوالي فيأتون في العباء ويصيبهم الغبار والعرق فيخرج منهم الريح، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنسان منهم، وهو عندي، فقال: ((لو أنكم تطهرتم يومكم هذا)). وفي رواية عَنْهَا: كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الْجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ: ((لَوِ اغْتَسَلْتُمْ)). [سبق تخريج الحديث، والرواية الأخيرة في صحيح البخاري، برقم: 852].
وفي رواية كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كُفاه فكانوا يكون لهم تفل فقيل لهم: ((لو اغتسلتم يوم الجمعة)) أخرجه البخاري ومسلم، وللبخاري قالت: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمال أنفسهم فكان يكون لهم أرواح فقيل لهم: ((لو اغتسلتم)) وفي رواية أبي داود قالت: كان الناس مهان أنفسهم فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم فقيل لهم: ((لو اغتسلتم)). [جامع الأصول (7/327/328) وراجع مجمع الزوائد (2/172)].
هذه الأحاديث مع قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ.. } وقوله: { فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. [سورة الجمعة، الآيات: 9-10]. تدل دلالة واضحة على أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهده كانوا يعملون يوم الجمعة.
وعلى هذا لا ينبغي أن يشدد على تعطيل يوم الجمعة، لإمكان الجمع بين قضاء المصالح العامة، وهي من رضا الله، وبين الاستعداد للصلاة وهذا هو ما جرى عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واضح من النصوص السابقة.
وينبغي أن يعطى المسلم الحريص على التفرغ للعبادة هذا اليوم فرصة للتنظيف والتطيب والتبكير إلى المسجد، وأن توقف الوظائف العملية التي تحول بين هذا المسلم وبين هذا الحق مثل الدراسة والتدريس والعمل في المصانع، وما أشبه ذلك مما يجبر المسلم على التأخر عن التبكير وما يلزمه، وإذا كان لا بد من التعطيل فينبغي أن يكون يوم الجمعة لا يوم السبت ولا الأحد اللذين هما من أعياد الكافرين.
هذا استطراد رأيت أن إيضاح هذا المعنى فيه مفيد، فأرجو من القارئ المعذرة.
في برج الاستقلال:
في هذا اليوم ـ يوم الأحد الذي هو إجازة في إندونيسيا مجاراة لأعياد النصارى ـ ذهبنا في الساعة العاشرة والنصف للصعود في برج الاستقلال في جاكرتا والذي يمكن منه رؤية المدينة لارتفاعه، وبعد أخذ بطاقات الصعود وجدنا صف الانتظار للصعود طويلاً والمصعد واحد، وليس واسعاً مثل مصعد عمارة نيويورك وشيكاغو في أمريكا، فقررنا الانسحاب من هذا الصف لنرجع في وقت أقل ازدحاماً، ومررنا على الحجرات المحيطة بالبرج في داخل مبناه في الدور الأرضي منه، وفيها الآثار التاريخية الإندونيسية التي تحكي تاريخ إندونيسيا من عصورها القديمة إلى عصر الاستقلال بالصور المجسمة.
ثم ذهبنا إلى شاطئ البحر، وفي طريقنا رأينا أنهاراً في وسط المدينة قذرة، وروائحها كريهة فسألنا: ما هذه الأنهار القذرة التي تخترق جاكرتا العاصمة فقيل هذه هي المجاري يشق لها هذا المجرى الواسع ليصب في البحر!.
لكل ساقطة لاقطة!
ومن المناظر الغريبة وجود بعض الأشخاص يستحمون في مثل هذا المجرى، رأى الشيخ عبد القوي رجلاً وهو يستحم في هذا النهر، فعجب لذلك! فقال بعض الإخوة الإندونيسيين: ما أظنه يستحم ولكن يمكن أن يكون عاملاً يحفر في بعض المجاري الفرعية وكان ذلك فيه شئ من الاحتمال عندي، ولكن بعد قليل رأينا آخر وهو في وسط هذا البحر يغتسل بالماء القذر ويدلك به جسمه، عند ذلك قلت للإخوة لا تتعجبوا، فلكل ساقطة لاقطة كما قال الإمام الشافعي رحمه الله.
وعندما وصلنا إلى ساحل البحر وجدنا المكان أشد ازدحاماً من برج جاكرتا، مع سعة الساحل، وكان أهل جاكرتا قد اجتمعوا في هذا المكان، فلم نطق النزول به لما فيه من المنكر والصخب.
الخبيثون للخبيثات!
فطلبنا من السائق أن يعود بنا إلى الفندق، وفي الطريق مررنا بأحد الجوالة وهو ينظم السير ويشرب الدخان ولون جسمه يشبه الرماد، فقال الشيخ عبد القوي: لونه لون الضفدع ويشرب الدخان؟ قلت: الخبيثون للخبيثات، وحاول الأخ عبدالله بن سعيد باهرمز أن نبين له معنى وجه الشبه، ليطبق قواعد البلاغة التي يتعلمها، فطلبنا منه أن يصرف النظر عن ذلك لأن الجو العام للتشبيه متعب: الدخان والمدخن وبجواره نهر من المجاري.
ركشة الإندونيسيين!
ومرت بنا قاطرة من العربات عددها عشر محملة بالمتنزهين وماكينتها شبيهة بماكينة الدراجة النارية، إلا أنها أقوى منها قليلا قلت: هذه ركشة الإندونيسيين لأن الركشة الباكستانية أو البنغالية لا تتسع لعالم الذر ولا تتسع شوارع إندونيسيا لها مع أهلها.
ثم تشاور عبد الله باهرمز مع قائد السيارة بلغتيهما، وكر السائق راجعاً إلى البحر من جهة أخرى بعد أن قال له عبد الله: ترى مقاسي، قلنا: خير إن شاء الله إلى أين؟ فقال عبد الله باهرمز: ذكر السائق أن هذه الجهة التي نسير إليها الآن لا يوجد بها مرتادون لعدم وجود ظلال بها.
هذا هو البحر الذي تريده!
واصلنا السير إلى ذلك الشاطئ ودخلنا في سبخة فنصحت السائق ألا يدخل بالسيارة في هذا المكان، لأني رأيت آثار النذير في أماكن منه، فاغتر بمكان ظاهره فيه الرحمة جاف أبيض، وباطنه فيه قبور لعجلات السيارة وشد بقوة على مدعس البترول فهوت عجلات السيارة بالأرض حتى التصق أسفل السيارة بالأرض، وأصبحت العجلات في مأمن من دفع طاقة البنزين، فنزلنا وأخذنا نجمع بعض الحشائش ولففنا ثيابنا وحاولنا دفع السيارة إلى الأمام أو إلى الوراء، وما زادها ذلك إلا تمكنا في الأرض.

فاتجه إليَّ الشيخ عبد القوي قائلاً: هذا هو البحر الذي تريده؟ ـ لأني كنت ألح في كل مدينة تقع بجانب البحر أن نذهب إلى الساحل لنتمتع بجمال البحر ـ قلت: الحمد لله نحن الآن في البر، والبحر كان قريباً منا فذهبنا إلى الشاطئ حيث وجدنا بعض الفقراء يصطادون بطريقة بدائية ولا يحصل الواحد منهم على سمكة صغيرة إلا بعد جهد، وبقينا هناك حتى تعبنا ننتظر الإسعاف ـ سيارة بديلة ـ الذي كان السائق قد طلبه من الفندق فتأخر فذهبنا إلى بعض الأشجار ذات الظلال القليلة فانتظرنا حتى جاء الفرج ورجعنا إلى الفندق وكان عبد البر يرى أن نذهب إلى حديقة الحيوان وعبد الله باهرمز يرى أن نذهب إلى المتحف فغلبناهما، لأن كل واحد منهما صوت ضد الآخر وكان اختيارنا موحداً.
وفي طريقنا إلى الفندق شرى عبد الله لنا فواكه متنوعة، نعرف منها النارجيل الذي يضمن لصاحبه الطعام والشراب معا حيث توجد بداخل ثمرته بحيرة من الشراب الصافي الذي لا يحتاج إلا إلى صبه في الإناء ليشرب [سميت ثمر النارجيل فيما بعد بـ(الآبار المعلقة) كما في رحلة سريلانكا]. وكذلك فاكهة الباباي وهي فاكهة قشرتها قد تكون حمراء مشوبة بخضرة، وقد تكون خضراء لينة، وفي داخل القشرة لب أحمر يوجد بداخله حبوب صغيرة شبيهة ببعر الغزال..! وهذه الثمرة قد تكون طويلة وقد تكون كروية وتصغر وتكبر على اختلاف شجرها، وتسمى في بعض مناطق اليمن بـ(العمبرود). وكانت فاكهتي المفضلة في صغري، ووجودها في أرض الحجاز نادر، ولذلك كنت في هذه الرحلة من حزبها، وكان الشيخ عبدالقوي من حزب الموز وكنت أفوز عليه في الانتخابات، وكان الشعب الذي له حق الانتخاب عبد الله باهرمز والابن عبد البر، فإذا لم يوجد إلا الموز كنا جميعاً من حزب عبد القوي وإن لم يوجد إلا الباباي كان عبد القوي معنا، وهذا دليل على التسامح والتعاون والديمقراطية النظيفة وقد قلت مسجلاً المعنى العام لهذا التعاون:
وفواكه أخرى أنعم الله بها على أهل تلك البلدان يصعب علينا حصرها وحفظ أسمائها، وفي الفندق عوضنا أجسامنا ما فقدته من الطاقة في هذه الرحلة على ساحل مدينة جاكرتا من تلك الفواكه الطيبة وأسلمنا أنفسنا لربنا حتى أرسلها وله الحمد والشكر.
في مسجد سوندا غلابة:
في الساعة السابعة والنصف مساء ذهبنا إلى مسجد (سوندا غلابة) لصلاة العشاء والتراويح، وعندما اقتربنا من المسجد رأينا الشوارع المؤدية إليه غاصة بالمشاة إليه قد وقفوا السير لكثرتهم، وأغلبهم من الشباب طلبة الجامعات والمدارس من سن العشرين فأقل إلى سن السابعة، بل وأقل أيضاً وبأيديهم السجادات، وهم من الجنسين الذكور والإناث.
وعندما دخلنا إلى الساحة المحيطة بالمسجد ـ وهي واسعة مزروعة بالعشب وعلى يسار المسجد ساحة واسعة مخصوصة بالنساء ويحيط بها حاجز من القماش، والمسجد يتكون من طابقين ـ وقد امتلأ المسجد بطابقيه وازدحمت الساحة، وأخذنا نبحث عن مكان في الساحة الخارجية، فلما رآنا بعض الشباب بلباسنا العربي، تعاونوا فيما بينهم وتفسحوا حتى أفرغوا لنا مكاناً يتسع لنا الأربعة، وأعطونا سجاداتهم بإلحاح شديد منهم على قبولنا لها.
وبعد أن صلينا ركعتين أقيمت الصلاة، وصلى الإمام صلاة تميل إلى التخفيف المجزي، وقراءته جيدة.
وبعد صلاة الفريضة ألقى موعظة بلغته استغرقت نصف ساعة تقريباً، ثم صلى التراويح والوتر بثلاث تسليمات: أربع ركعات وسلم، ثم أربعا وسلم، وكان يقرأ في كل ركعة مع فاتحة الكتاب بآيتين من سورة يوسف، ثم الوتر ثلاثاً بتسليمة واحدة، ثم أخذ يدعو والناس يؤمنون تأميناً ترتج معه الحارة التي بها المسجد.
نفع التحريك فأين التفقيه؟
كنا قد سمعنا قبل زيارة هذا المسجد أن هناك عناية خاصة بالشباب، وأن جمعية قد أنشئت لربط النشء بالمسجد، وعندما حضرنا هذا المسجد رأينا أثر ذلك التحريك واضحاً فقد تحرك الشباب واستجاب لنداء الله وغصت به المساجد، ولكن تلك العواطف الجياشة والفطرة المستجيبة ينقصها التفقيه في دين الله ((ومن يرد الله به خير يفقهه في الدين)).
والذي دلنا على نقص الفقه في الدين.. أن الفتاة تأتي إلى المسجد وهي لابسة اللباس غير الإسلامي لا فرق بين لباسها ولباس الفتاة غير المسلمة، ولكن هذه الفتاة التي تأتي لأداء الصلاة تكون حاملة كيساً فيه فوطة (إزار) وخمار، وسجادة، فإذا دخلت المسجد وأخذت مكانها للصلاة لبست الفوطة على أسفل جسمها، وألقت خمارها على رأسها، وبسطت سجادتها وصلت، فإذا انتهت من الصلاة خلعت الفوطة والخمار وطوتها مع السجادة ووضعتهما في الكيس، وخرجت في الشارع بلباسها غير الإسلامي وهكذا تكون في المنزل والمدرسة.
وهكذا تجد بعض الفتيان لابساً سراويل قصيرة وفوطته بيده، فإذا أراد الصلاة لبس الفوطة وإذا فرغ منها خلعها ومشى مكشوف الفخذين.
لقد عرفت الفتاة ـ وعرف الفتى كذلك ـ أن ستر العورة في الصلاة واجب فعلاً، هذا الواجب عرفاه وجهلا ـ في أغلب الظن ـ وجوب ستر العورة ـ أو جهلا العورة ـ خارج الصلاة فلم يسترها.
وهكذا تجد كثيراً من المسلمين عندهم عواطف إسلامية طيبة، ولكنهم يجهلون كثيراً من أمور دينهم فيرتكبون المحرمات ويتركون الواجبات، ولو فقهوا دينهم لكان لهم شأن غير هذا.
الجيش الشعبي أو النفير العام:
عندما خرجنا من المسجد رأينا السيارات في الشوارع واقفة، والخارجون من الصلاة قد ملئوا الشوارع كلها، فلم يقدر أهلها على تحريكها من أماكنها، وابتعدنا مسافة عن المسجد فاستأجرنا سيارة وحاول قائدها السير فلم يقدر، لأن الناس انتشروا في الشوارع كلها، فوقفنا مدة ننظر إلى هذه الأعداد الهائلة، والظاهر أن مسجداً آخر في حارة أخرى خرج المصلون منه، فالتقت الجموع وزاد الزحام، والهدوء يخيم على الإندونيسيين، والسير بنظام، ولو كانت هذه الجموع من بعض الشعوب الأخرى لكان الصخب والضجيج والتدافع مسيطرة على الشوارع.
عندئذٍ قلت للأخ عبد الله باهرمز: هكذا مساجد إندونيسيا كلها، قال: نعم، وهذا المسجد من المساجد المتوسطة وليس من الكبيرة، قلت: لو رُبِّيَ هذا الشباب تربية إسلامية سليمة كما أراد الله في منهجه: الكتاب والسنة، لكانت هذه الأعداد كلها نفيراً عاماً أو جيشاً شعبياً يرهب أعداء الله، وأعداء الله يَرْهبون هذا المظهر على الرغم من ضعف التربية.
وهنا تذكرت المسجد النبوي الذي كان المصلون فيه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كلهم جنود دعوة وجهاد.
اجمع بينهما على سنة الله ورسوله!
عندما رجعنا إلى الفندق كنت مشغولاً بالكتابة فنبهني الشيخ عبد القوي إلى التلفزيون، فالتفت فإذا تلك الفتاة الإندونيسية ترتل كتاب الله بصوتها، وهي محتجبة ما عدا وجهها وكفيها، وتقرأ في المصحف لم ترفع عينها عنه.
قلت لعبد الله باهرمز: هذه قارئة وهذا قارئ، فاجمع بينهما على سنة الله ورسوله ليتعاونا معاً على حفظ كتاب الله وتلاوته وتعليمه، فهش الشيخ وبش، ولكنه أحجم خوفاً من جو الزوجتين وقد رآه من بعد فأخافه.
مع الشيخ رشيدي:
الاثنين: 2/9/1400هـ ـ 14/7/ 1980م
اتصل الدكتور رشيدي هاتفياً يطلب مقابلتنا في منزله، لمناقشة منهاج زيارتنا لمدينة جاكرتا فزرناه في الساعة الحادية عشرة صباحاً.
وبعد أن فرغنا من مناقشة ما دعينا من أجله زرنا السفارة السعودية حيث التقينا القائم بالأعمال الأستاذ أمين مدني الذي قابلنا ببشاشة، وعرض علينا استعداده لتسهيل أي أمر نحتاج إليه مما يقدر عليه، وكان السفير غير موجود آنئذٍ في جاكرتا.
الاجتماع بشباب يميلون إلى جماعة التكفير:
وفي الساعة الثانية بعد الظهر طلب مني بعض الطلبة زيارتهم لمذاكرة بعض شؤون الدعوة وأخذ التوجيهات في ذلك، وبقي الشيخ عبد القوي في الفندق يراجع القرآن الكريم فذهبت، واجتمعت بهم.
وهؤلاء الإخوة يميلون في أفكارهم إلى جماعة التكفير في مصر، لأن زعيمهم "الشيخ بَكِير بن سعيد عبده" درس هناك فترة ورجع متأثراً بهم، إضافة إلى ما كان يراه في بلاده من اضطهاد للمسلمين ومضايقة للدعاة، وإبعاد لمبادئ الدين الإسلامي وشريعته عن حياة المسلمين، وتمكين للنصارى والوثنيين والباطنيين وغيرهم.
ولكن تكفير المجتمعات المسلمة ذو خطر عظيم لا يجوز الإقدام عليه، ولهذا طلب مني بعض الطلاب المتخرجين من الجامعة الإسلامية ـ ومنهم الأخ حلمي أمين الدين، وهو من الدعاة النشطين [سيأتي أنه سجن وعذب بعد أن غادرت إندونيسيا]. ومنهم من كان لا يزال طالباً في الجامعة ـ طلبوا مني أن أجتمع بهذه الجماعة ورئيسها، لأقنعهم بالرجوع عن تكفير المجتمعات المسلمة.
الآن استماع وبعده حوار:
بدأنا الاجتماع معهم بعد صلاة العصر، تم في بدايته التعارف بيننا، ثم قلت لزعيمهم: الوقت ضيق لا يتسع لحوار طويل، وأرى أن أستمع الآن لأفكاركم وأدلتكم، وإذا كان عندكم فرصة لتمديد وقت الاجتماع للحوار في ذلك فلا مانع عندي.
فقال لي: لا باس.
أدلة التكفير:
وبدأ يسرد لي أدلة الوعيد والنصوص التي يطلق فيها الكفر على بعض المعاصي، من القرآن والسنة، وجزم بان كل كبيرة تعتبر كفراً مخرجاً لصاحبها من الإسلام،كما أخذ في سرد جرائم الحكام ومحاربتهم للإسلام والمسلمين، وإقرار المجتمع لأعمالهم، وأن من يقر الكفر كافر.
وبعد أن أتم ما عنده فيما يزيد عن ساعة، قلت له: بعد صلاة المغرب أرجو أن تستمعوا لما أقول لكم كما استمعت لما قلتم، بدون مقاطعة، ويمكنكم أن تسجلوا ملحوظاتكم في أوراق، فإذا فرغت نبدأ الحوار، قالوا: لك ذلك.
توطئة وتطمين:
استأنفنا الاجتماع بعد أن صلينا المغرب، وقلت لهم: لا شك إن شاء الله في أن كلاً منا يريد أن يرضي ربه بما يعتقد ويعلم ويعمل، والواجب علينا جميعاً أن نتذكر أن فوق كل ذي علم عليم، وأن الواجب على طلبة العلم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يجمعوا بين النصوص الواردة في الباب الواحد ولا يضربوا بعضها ببعض، وأن يعودوا إلى أقوال علماء المسلمين الذين فقههم الله في الدين فخدموه بذلك الفقه، وأن يكون الهدف من الجدال والحوار هو الوصول إلى الحق، وإن خالف رأيهم، وأعدكم أنني ـ بمشيئة الله تعالى ـ سألتزم برأيكم إذا بدا لي أنه الحق، وأتنازل عن رأيي.
وقلت لهم: إن مسألة التكفير مسألة شائكة وخطيرة، وليس عندي هنا مراجع أرجع إليها في هذا الباب، ولكني سأذكر لكم ما يوفقني الله لاستحضاره من الأدلة وأقوال العلماء.
فتح أبواب النار وتَذَكُّر نصوص الوعيد مزلة:
وقلت لهم ينبغي أن نتذكر ـ هنا ـ قواعد مهمة يوقع نسيانها في الزلل:
القاعدة الأولى: أن فتح أبواب النار وحدها وقفل أبواب الجنة، ظلم للنصوص الواردة في البابين.
القاعدة الثانية: أن الأصل في العقيدة الإسلامية أن رحمة الله سبقت غضبه، وقلب هذه القاعدة غير لائق بطالب العلم.
القاعدة الثالثة: أن الأصل في أهل القبلة ألاّ يكفروا بذنب غير الشرك بالله، ما لم يستحلوا ما حرم الله أو يحرموا ما أحل الله بدون تأويل سائغ.
القاعدة الرابعة: أن كلاً من الكفر والظلم والفسق، قد يطلق على ما هو كفر وظلم وفسق أكبر، يخرج صاحبه من ملة الإسلام، وقد يطلق على ما هو كفر وظلم وفسق أصغر، لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام.
القاعدة الخامسة: أن النفاق قسمان: قسم اعتقادي يخرج صاحبه من الإسلام، وقسم عملي لا يخرج صاحبه من الإسلام.
والذي يخرج عن هذه القواعد معرض للشطط والإفراط أو التفريط.
ثم ذكرت لهم بعض النصوص في هذا الباب من القرآن والسنة، مثل قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ }. [النساء: 48].
ومثل حديث أبي ذَرٍّ رضي الله عنه ـ ذكرت لهم معناه ـ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: ((ما مِنْ عَبْدٍ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ثُمَّ ماتَ عَلَى ذَلِكَ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ)) قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)) قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)) قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ)). [البخاري رقم: 5379 , ومسلم رقم: 137].
وأحلتهم على بعض الكتب التي يمكنهم الاستفادة منها في هذا الباب، كتفسير ابن جرير وتفسير ابن كثير وغيرهما، في تفسير الآيات المتعلقة بهذا الموضوع، وكذا كتب الحديث وشروحها ـ كصحيح البخاري وفتح الباري لابن حجر، وصحيح مسلم وشرحه للنووي ـ وبخاصة كتب الإيمان والتوحيد… ومنها كتب العقيدة، كشرح العقيدة الطحاوية وغيرها.
هل لدى أحد منكم استفسار أو حوار؟
وقد استغرق الحديث أكثر من ساعة، بعد ذلك قال رئيس القوم ـ موجها سؤاله إلى جماعته ـ : هل لدى أحد منكم استفسار أو حوار؟
فكان جوابهم جميعا: ليس عندنا شيء.
فقال لي: يا شيخ إننا جميعا نشكرك، وأود أن أطمئنك أن كل ما ذكرته من القواعد والنصوص قد اطلعنا عليها، ولكن عرضك لها في هذه الجلسة جعلها تبدو عندي كأنها جديدة، فجزاك الله خيراً، وقد سجلت خلاصة كلامك في هذه الورقة، وسأعود إلى المراجع والكتب التي ذكرتها لنقرأها أنا وإخواني، وسأبين لكل من اتصل بي وفهم مني غير ما ذكرته الآن بطلان ذلك، أسأل الله أن يغفر لنا ما سبق.
هذا وقد اجتمعت ببعض طلابه بعد ذلك مراراً في جاكرتا، فوجدتهم متمسكين بمذهب أهل السنة في هذا الباب، والحمد لله رب العالمين.
أحرام على بلابله الدوح؟!
وعندما رجعت بعد صلاة العشاء أخبرني الشيخ عبد القوي أن ضابطاً زاره في الفندق وسأله بعض الأسئلة التي تنبئ عن المضايقة: متى جئتم؟ وما مهمتكم؟ وكم تبقون؟ وإلى أين تسافرون من جاكرتا؟ ومن تعرفون؟
وتعجبنا من هذه الأسئلة، توجه لاثنين جاءا من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، لا هدف لهم سوى التعرف على إخوانهم في شعب مسلم، هو أكثر الشعوب الإسلامية عدداً، وفي نفس الوقت يجتمع في هذا الشعب المسلم ستة آلاف وفد من نصارى العالم (البروتستانت) في مدينة "تومو هونغ" للتخطيط لتنصير أبناء المسلمين في هذا الشعب أو إخراجهم من إسلامهم ويحتفى بهؤلاء الوفود على أعلى مستوى في الدولة.
قلت للشيخ عبد القوي: لقد انطبق علينا وعلى أعدائنا النصارى في شعبنا المسلم "إندونيسيا" بيت الشاعر:
وقلت: لقد نجح أعداء الإسلام من الغربيين في أمريكا وأوروبا في إشعارنا بالراحة وعدم المضايقة في بلدانهم عندما نزورها، وبالقلق والمضايقة في كثير من بلداننا، ولعل هذا الضابط نصراني أو عميل للنصارى.
وكل ذلك لا يهمنا لأننا ما جئنا إلا لهدف واضح، وعليهم أن يتحركوا معنا في كل الجهات التي سنزورها ليروا أنه لا خطر عليهم من زيارتنا.
وقد اتصلنا هاتفياً بسعادة السفير السعودي وأخبرناه بما جرى ليكون على علم بذلك، لأنا سنتحرك إلى مدن أخرى غير جاكرتا، ونخشى أن يضايقنا ضباط آخرون فيها، فقال لنا سعادته: اذهبوا ولا تخافوا، لأنكم ليس عندكم ما يضرهم، وإذا طرأ لكم شيء اتصلوا بي من أي مدينة تزورونها.
زيارة أسرة الشيخ بكير في منزلهم بـ(جاكرتا):
لم آخذ عن الشيخ بكير بن سعيد عبده رحمه الله معلومات عندما زرته في سنة: 1400هـ ، وقد تمت بعد مغرب يوم (يوم الجمعة 19/4/1418هـ 22/8/1997م) زيارة أسرته في جاكرتا، في منزلهم، لأخذ معلومات مختصرة عنه رحمه الله.
وقد أدلت بالمعلومات الآتية أرملته (فتحية):
ولد في جاكرتا بحارة: (بلوج BLUG )عام 1942م. [وقد حصلت على صورة شمسية له قبل أن يسافر إلى مصر، وقد قالت أرملته: إنه لم يكن يحب الصور].

دَرَسَ في الابتدائية والثانوية الحكوميتين.
ثم أكمل دراسته الدينية في المدرسة الشافعية في جاكرتا.
ثم واصل دراسته في معهد (كونتور ) ـ وستأتي معلومات عن هذا المعهد الذي زرته مراراً.
ثم أكمل دراسته في الجامعة الإسلامية الحكومية في جاكرتا المسماة: (جامعة شريف هداية الله) ونال منها الشهادة المتعارف عليه في إندونيسيا بـ(دكتورا نْدُسْ)وهي مرحلة بين الليسانس والماجستير.
ثم سافر إلى سنغافورة وماليزيا للقيام بالدعوة.
ثم رغب في السفر إلى مصر ليتزود بالعلوم الشرعية، وحصل على مساعدة لسفره من امرأة ماليزية غنية، والتحق بقسم التفسير في كلية أصول الدين في الجامعة الأزهرية سنة 1974م ولم يستطع إكمال الدراسة بها لصعوبة الحفظ عليه.
التحق بمعهد الدراسات الإسلامية في القاهرة، ولم يكمل دراسته فيه أيضاً، وهناك في القاهرة تزوج بأم ولديه هذه، وتسمى "فتحية" وكانت تدرس بكلية الدراسات الإسلامية في الجامعة الأزهرية.
في سنة 1980م ـ وهي السنة التي قابلته فيها ـ رجع إلى جاكرتا وأنشأ مدرسة التحق بها بعض الشباب الذين أشرف على تدريسهم (وتبعوه في فكرة التكفير).
وله ولدان: أحدهما يسمى: لطف الرحمن، وعمره: 18 سنة، والثاني يسمى: عبادة عبد القدوس، وعمره: 16 سنة.
أين من يغار على حمل الأمانة؟
الثلاثاء: 3/9/1400هـ ـ 15/7/ 1980م
أخبرنا الطالب الإندونيسي (سالم سقاف جفري) ـ وهو من طلبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ومن أصل عربي [تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حاملاً شهادة الدكتوراه في أصول الفقه، وهو من الدعاة العاملين في إندونيسيا، ومن كبار مؤسسي حزب العدالة الذي أعلن عنه هذا العام: 1419هـ -1998م بعد سقوط سوهارتو، وفي عام 1426هـ ـ 2005م زرت إندونيسيا والتقيته في الفندق ودعاني لزيارته في منزله، ، وقد عينته الحكومة الإندونيسية سفيراً لبلادها في المملكة العربية السعودية]. ـ أن جده أسس خمسمائة وخمسين مدرسة في شرق إندونيسيا وأنه وقفها كلها على بعض المؤسسات الإسلامية التي كانت قائمة آنذاك، حرصاً على استمرارها وحمايتها وأنه عندما حضرته الوفاة أوصى أن يصلي عليه إمام المدرسة القريبة من منزله إشعاراً للمسلمين بأن هذه المدرسة هي مدرستهم، وليست مدرسته وأن عليهم أن يتحملوا هم مسئوليتها بعد أن يلقى ربه.
واسم هذا الرجل عيدروس بن سالم الجفري، وكان قد طرده الإنجليز من حضرموت، فقام بهذا العمل الجليل، فأين من يغارون على حمل أمانة هؤلاء العظماء الذين سجلوا في التاريخ هذه الصفحات المشرقة بجهود شخصية مخلصة، زكاها الله وجعلها تؤتي أكلها بإذنه؟ ليت المسلمين حافظوا على هذه الأمانة ـ ولو لم يزيدوا عليها لا بل ليت الحكام تركوها للشعوب تحافظ عليها ولم يهدموها.
السفر إلى مدينة جوك جاكرتا:
الأربعاء: 4/9/1400هـ ـ 16/7/ 1980م
غادرنا الفندق إلى المطار استعداد للسفر إلى مدينة جوك جاكرتا عاصمة إندونيسيا الأولى ومدينة الطلاب التي تضم خمساً وثلاثين جامعة، عدا المدارس والمعاهد الحكومية والأهلية، ومدينة المنافسة الشديدة بين المسلمين والنصارى.
ورأينا لطف المعاملة في المطار من الموظفين المسلمين الذين كانوا يظهرون لنا البشاشة والسرور ويعفوننا من التفتيش الدقيق الذي يفعلونه مع غيرنا والشعوب شبيهة ـ في فطرتها ـ بالمواليد "وكل مولود يولد على الفطرة".
وأقلعت بنا الطائرة في الساعة العاشرة والدقيقة الأربعين صباحاً، وأخذت أنظر إلى منازل جاكرتا من الجو وهي تقع في داخل غابات، وأحجامها صغيرة وهي في أشكالها شبيهة بالْعُرُش التي تبنى في الجزيرة من الخشب والقشاش، إلا أن منازل الإندونيسيين تبنى بالحديد والأسمنت والآجر "مسلح" وإن كانت منازلهم في الأرياف تبنى بنفس الشكل، ولكن من الخشب والقصب القوي، والأرض كلها خضراء إلا أنها أقل من ماليزيا وسنغافورة.
وهبطت بنا الطائرة في مطار جوك جاكرتا في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الثلاثين، وكان بعض الأساتذة والطلاب في انتظارنا، وعندما دخلنا قاعة القادمين رأينا صوراً مجسمة مصنوعة من الخشب وهي ترمز إلى ما قبل الإسلام، وهذه المناظر يراها المسافر أمامه في كل مكان، والقصد منها ربط الإندونيسيين بالعصور الجاهلية، كالحال في بعض الشعوب العربية التي يحاول زعماؤها ربط أهلها بالجاهلية القديمة كالفرعونية والآشورية والكلدانية وغيرها.