رحلات إندونيسيا - الجزء الأول (1400هـ - 1980م)

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 10 صفحة
صفحة 10 من 10 زيارة باندونغ في عام: 1419 هـ 1998م

زيارة باندونغ في عام: 1419 هـ 1998م

زيارة باندونغ في عام: 1419 هـ 1998م

وكان وصولنا مدينة باندونغ في الساعة الثامنة مساء.
نزلنا في فندق بابا نديان: ( PAPANDAYAN HOTEL ).
وهو من فئة أربعة نجوم. وكان نزولي في سويت كبير، أجرته: 450 ألف روبية. وهي تساوي هذه الأيام: 30 دولاراً فقط، لأن سعر الدور الواحد 15 ألف روبية.

بركان: تانكوبان بيراهو:

السبت 10/3/1419 هـ ـ 4/7/1998م
كان الحجز في الفندق لليلة واحدة فقط، لأنه محجوز بعدها لآخرين، وقد امتلأت فنادق باندونغ بالصينيين الذين وفدوا إليها من جاكرتا، وقالوا لنا: اتصلوا بنا بعد الظهر، ووعدونا أنهم سيحاولون أن يوفروا لي غرفة.
ومررنا بفندق حياة ريجنسي وسألناهم عن وجود غرفة اليوم فيه، وكنا قد حجزنا فيه ليوم غد؟ قالوا: إن الفندق مزحوم جداً، فأكدنا فيه الحجز ليوم غد وما بعده.
الذهاب إلى بركان: ( تانكوبان بيراهو TAKGKUBAK PERAHU ) في منطقة جبلية تسمى: جِيْبَانَاسْ (CIPANAS).

جانب من بركان تانكوبان بيراهو باندونغ ـ 10/3/1419هـ
جانب من بركان تانكوبان بيراهو باندونغ ـ 10/3/1419هـ
فوهة بركان تانكوبان بيراهو باندونغ ـ 10/3/1419هـ
فوهة بركان تانكوبان بيراهو باندونغ ـ 10/3/1419هـ
الكاتب ومرافقه أحمد ثروت على فوهة بركان تانكوبان بيراهو باندونغ ـ 10/3/1419هـ
الكاتب ومرافقه أحمد ثروت على فوهة بركان تانكوبان بيراهو باندونغ ـ 10/3/1419هـ
الكاتب وسيف الله على فوهة البركان
الكاتب وسيف الله على فوهة البركان

ولا زال الدخان يتصاعد من هذا البركان، وقد أحدث فجوة عميقة جداً في الجبل، بحيث لو رمى رجل قوي حجراً من حافته إلى أسفله لا يصل الحجر إلا إلى مسافة قريبة جداً من تلك الحافة، والدخان يتصاعد من أسفل البركان ومن بعض الجوانب المرتفعة في الجبل.
وذكر الإخوان أن آخر انفجار كبير لهذا البركان كان في عام 1830م. وقد التقطت له بعض الصور الفوتغرافية، وكان يرافقني الأخ أحمد ثروت، والأخ سيف الله، وهو أخ الأستاذ حلمي أمين الدين، يسكن في باندونغ.
والمسافة بين البركان وبين المدينة تقارب خمسين كيلو متراً.
تناولنا طعام الغداء في الطريق عند رجوعنا إلى باندونغ.

حوار ساخن مع موظفي الفنادق من السيارة:

اتصلنا بفندق بابايان (PAPYAN HOTEL) للسؤال عن وجود غرفة، فقالوا اتصلوا بنا بعد ربع ساعة، فاتصلنا بعد ربع ساعة، فقالوا: أعطونا رقم هاتفكم الجوال ونحن نتصل بكم بعد نصف ساعة.
قلت للأخ أحمد ثروت: اتصل بفندق حياة، وقل لهم: يجب أن يوفروا لي غرفة، لأني أحمل بطاقة العضوية: ( جولد باسبورت) فاتصل بهم واعتذروا بعدم وجود أي غرفة فارغة.
قلت له: أخبرهم بأنه حسب النظام إذا لم توجد غرفة عادية يجب أن ينزلوني في سويت بقيمة الغرفة العادية، وكانوا يطلبون مهلة ليتصلوا بالمدير العام، ثم يعودون للاعتذار، فقلت للأخ أحمد: أخبرهم أني سأحضر إليهم وسوف لا أغادر الفندق حتى يوفروا لي غرفة، لأني لم أجد مكاناً في الفنادق الأخرى.
وبعد أخذ ورد طويلين قالت له الموظفة: الآن اتصل بنا شخص قد حجز غرفة من قبل وذكر لنا أنه سيتأخر، لذلك أسرعوا لتسلم الغرفة. [والغالب أن أهل الفنادق يعتذرون إذا حصلت زحمة بعدم وجود غرف، والواقع أنهم يحتفظون بغرف احتياطية فارغة للطوارئ، ولا يعرف حيلهم إلا من خبرهم].
والفندق من فئة خمسة نجوم، وهو جديد فخم، وقد نزلت في إحدى غرف الدرجة الأولى في الدور الخامس عشر، بسعر رخيص جداً، إذ تبلغ أجرة الغرفة في الليلة 550 ألف روبية، وهي تعادل: 37 دولار أمريكي، مع الفطور الكامل لي وللمرافق، والوجبات الخفيفة في المساء، وتناول ما يحتاج إليه من الفواكه والعصير والشاي والقهوة، في كل الأوقات.
يضاف إلى ذلك أن الذي يسكن في الدور الخامس عشر يتمتع بمناظر باندونغ الجميلة التي يسميها السائحون: سويسرا الشرق، وهو على سريره، لعلو الفندق… وقد التقطت صوراً للمدينة من نفس الغرفة…

صورة لجانب من مدينة باندونغ التقط من شرفة أحد أجنحة فندق حياة ريجنسي، الكاتب وأحد مديري الفندق
صورة لجانب من مدينة باندونغ التقط من شرفة أحد أجنحة فندق حياة ريجنسي، الكاتب وأحد مديري الفندق

في منتزه جاروت: GARUT:

الأحد: 11/3/1419 هـ ــ 5/7/1998م.

الكاتب والصيدلي (عطاء) على جسر خشبي فوق الشلال في المنتزه الجبلي ـ باندونغ ـ 13/3/1419هـ
الكاتب والصيدلي (عطاء) على جسر خشبي فوق الشلال في المنتزه الجبلي ـ باندونغ ـ 13/3/1419هـ
الكاتب يقعد على صخرة لإلقاء نظرة على الطبيعة الخلابة قرب الشلال في المنتزه الجبلي ـ باندونغ ـ 13/3/1419هـ
الكاتب يقعد على صخرة لإلقاء نظرة على الطبيعة الخلابة قرب الشلال في المنتزه الجبلي ـ باندونغ ـ 13/3/1419هـ

كنا بالأمس ذهبنا إلى بعض المنتزهات التي توجد بها المياه الكبريتية الساخنة، فلم نجد أي مكان يمكننا استئجاره لكثرة الزوار الصينيين الذين جاءوا من جاكرتا وملأوا السهل والجبل.
واليوم ذهبنا إلى منطقة أخرى، تسمى: (سياتر) وبها منتزه يسمى منتزه: (جاروت) ومعنا الأخ سيف الله وأخ آخر متخرج من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهو شاب نشيط يقوم بالدعوة إلى الله في المحاضرات العامة، وفي الإذاعة والتلفاز، كما يشرف على معهد في منطقة جاروت في ضواحي باندونغ، بَنَتْه أمه، وهي من آل دحلان الذين يسكنون في مكة المكرمة.
ووجدنا المنتزه مليئاً بالناس كذلك.
ولكنا وجدنا لدى بعض الفنادق حمامات خاصة، بها أحواض نظيفة معدة لاستقبال المياه المعدنية الحارة على طبيعتها، إلا أنها أكثر صفاء، والماء في الأحواض الممتلئة جار باستمرار، ويؤجر الحمام لكل شخص حسب المدة التي يستطيع البقاء فيها.
ساعة كاملة في الحمام، وأخرى استراحة لتزول آثاره.
وقال لي للإخوان: إن المدة التي يقضيها الناس عادة، عشرون دقيقة.
قلت: وهل يحصل ضرر لمن قضى أكثر من ذلك؟
قالوا: لا.
فدخلت وأغلقت على نفسي الباب، وبدأت أرش بيدي على جسمي من ماء الحوض الشديد الحرارة، لجعله يتدرج في استقبال حرارة الماء.
ثم بدأت أنزل في الحوض بالتدريج حتى تمكنت من إدخال جسمي كله، وما كنت أظن أنني أستطيع البقاء في الحوض أكثر من ربع ساعة، فقد بدأ العرق يتصبب بعد خمس دقائق من دخولي في الحمام، ولكني صبَّرت نفسي، ومن يتصبر يصبره الله، حتى قضيت ساعة كاملة فيه.
وعندما حاولت الخروج منه لم أستطع الوقوف، لأن رأسي كان يدور من الدوخة، فجلست قيلاً، ثم استندت على الجدار، ولبست ثيابي بمشقة، وخرجت إلى الإخوة الذين تعجبوا من طول بقائي في الحمام، وكانت ثيابي مبللة من شدة العرق الذي يتصبب من جسمي، وقعدت على كرسي، ومددت رجليّ على كرسي آخر، وأخذت أستنشق الهواء لشدة حاجتي إليه.
وبقيت ساعة كاملة أحاول أن أرتاح من التعب والدوخة اللذين أصبت بهما.

نسيان السراويل الثاني!:

[[سراويل مفرد شبيه بصيغة منتهى الجموع، ولهذا منع من الصرف:

ولسراويل بهذا الجمعشبه اقتضى عموم المنع

كما قال ابن مالك]].
كان معي سروال خاص بالسباحة، إذ كنت أظن أننا سنجد بِرَكًا للسباحة من الماء الحار، وليست تلك الأحواض الصغير، لذلك لبست سراويل السباحة بعد الفراغ من الاستحمام تحت البنطلون قبل أن أخرج من الحمام، ونسيت علاَّقته في الحمام، فدخل أحد الخدم الحمام وأخرج العلاقة، ولما كانت مدة الجلوس بعد الاستحمام طويلة، رأيت العلاقة ونسيت أنني لبست السراويل، فقلت للإخوة: اسألوا الخادم عن السراويل، وكنت حريصاً عليه، لأنه من أنواع القماش الجيد وهو ساتر للعورة، وأحتاج إليه في موضع آخر، فلما سألوه قال لهم: لم أجد إلا العلاقة، فأصررت أن السراويل معه، وحاول الإخوة مع الرجل أن يعترف به، وهو يؤكد لهم أنه ليس معه.
وعندما فتحت باب السيارة لأركب تذكرت أنني قد لبست سراويل السباحة تحت البنطلون، فندمت ندماً شديداً على اتهام ذلك الإندونيسي، وقلت للإخوة: أرجو أن تذهبوا إليه وتعتذروا لي منه، ففعلوا!
هذه القصة ذكرتني بسراويل آخر كان قد نسي صاحبه أنه معه، وأتعب نفسه مع بعض رفقائه في البحث عنه، والفرق بين نسياني ونسيانه أنه كان قد وضع في سراويله بعض الأغراض في سفر الحج، وكان يحمله على كتفه، وأما أنا فكنت ألبسه.
ذكر لي قصة السراويل الأول الشيخ عمر محمد فلاته رحمه الله وكان مرافقاً لصديقه الذي نسي أن سرواله على كتفه، ولم يتنبه له هو ولا رفقاؤه، وهذه القصة قد دونتها في الكتاب الخاص برحلة استراليا من سلسلة في المشارق والمغارب، في المجلد السابع، وكانت يوم الخميس: 13/10/1404هـ.
لذلك جعلت عنوان نسياني: نسيان السروال الثاني… وهو من نكات الرحلات!

لماذا يتفرق المسلمون ودينهم واحد؟!

لقد عرف بعض الناس من غير المسلمين، أن عيب التنازع والتفرق اللذين أورثا المسلمين الفشل ليس صادرا عن الإسلام، وإنما هو صادر من المسلمين، مخالفين بذلك دينهم!
أقول: هذا، وقد أخبرني الأخ أحمد ثروت أنه قعد بجانبه اليوم في وقت تناول الإفطار رجل صيني جاء من جاكرتا في هذه الإجازة، وحصل بينهما تعارف، فقال الصيني للأخ أحمد: إن تفرق المسلمين سيئ جداً، لا يليق بهم كيف يتفرقون هذا التفرق ودينهم واحد؟!

مسيرة الدعوة الإسلامية عبر التاريخ:

الاثنين: 12/3/1419هـ ــ 6/7/1998م.
كان هذا عنوان محاضرة طلب مني الإخوة الطلاب في مدينة باندونغ إلقاءها اليوم في إحدى القاعات.
وقد استغرقت المحاضرة مع الترجمة والحوار أربع ساعات، إذ بدأت في الساعة الثانية ظهراً، وانتهت في الساعة السادسة.

الكاتب يلقي محاضرة على بعض الشباب في مدينة باندونغ 12/3/1419هـ
الكاتب يلقي محاضرة على بعض الشباب في مدينة باندونغ 12/3/1419هـ

جولة في منتزهات جبلية في شمال شرق باندونغ:

الثلاثاء: 13/3/1419 هـ ـ 7 /7/1998م
كان الإخوة قد عرفوا أنني أحب التجول في المناطق الجميلة، والمشي على الأقدام فيها، فأخبروني بوجود منتزه جبلي فيه طريق طويل للمشاة يؤدي إلى شلالات من مياه الأنهار، وأن المناظر في هذا المنتزه جميلة جداً، فطلبت منهم أن نذهب لنأخذ جولة في هذا المنتزه.
وفي الساعة الثامنة صباحاً جاءني الإخوة، أحمد ثروت، وعطاء ـ وهو صيدلي ـ وعبيد الله ـ وهو تاجر ـ وذهبنا إلى أحد المنتزهات الجبلية الواقعة في شمال شرق مدينة باندونغ.

الخنادق الحربية التي بناها الهولنديون:

بعد خروجنا من المدينة دخلنا في أحد الشعاب وسرنا مسافة ثلاثين كيلو متر تقريباً، حيث انتهت الطريق التي تعبرها السيارات، فإذا بنا أمام بوابة في الجبل، حولها موقف للسيارات، قال الإخوة: الآن لا بد أن نسير على الأقدام.
قلت: وما هذه البوابة؟ قالوا هذه بوابة تؤدي إلى الخنادق الحربية التي صنعها الجيش الهولندي في أيام الحرب، وكان حفره لها في سنة: 1819م.
وعندما دخلنا وجدنا الخنادق شبيهة بمدينة في داخل الجبل، ولكنا لم نتمكن من المرور عليها جميعاً، لأن العمال كانوا ينظفونها، وكانت الأنوار غير كافية للرؤية.
ومن أحد أنفاقها عبرنا إلى طريق المشاة، وهو طريق ممهد بالآجر لا يزيد عرضه عن متر ونصف، لا يعبره إلا المشاة والدراجات.

الكاتب وعلى يمينه عطاء الصيدلي وعبيد الله التاجر على بوابة خنادق الهولنديين الحربية في أسفل المنتزه الجبلي 13/3/1419هـ
الكاتب وعلى يمينه عطاء الصيدلي وعبيد الله التاجر على بوابة خنادق الهولنديين الحربية في أسفل المنتزه الجبلي 13/3/1419هـ
الكاتب وعلى يساره عطاء الصيدلي وأحمد ثروت في طريق المنتزه الجبلي ـ باندونغ 13/3/1419هـ
الكاتب وعلى يساره عطاء الصيدلي وأحمد ثروت في طريق المنتزه الجبلي ـ باندونغ 13/3/1419هـ

أما طول الطريق من مقر الخنادق إلى الشلالات فهو أربعة كيلو متر… وهو يصعد إلى مرتفع ويهبط إلى منخفض، إلا أن غالبه في الذهاب صعود، وفي الإياب هبوط. ويمر على ضفة النهر الجاري بين جبلين، والغابات الكثيفة تغطي الأرض كلها ما عدا ذلك الممر الصناعي.
وكان العرق يتصبب من أجسامنا في الذهاب والإياب معاً.
وعندما وصلنا إلى الشلال عبرنا على جسر وضع عليه من شجر البامبو، من الضفة التي كنا نسير فيها إلى الضفة الأخرى، وكان التعب قد أخذ منا مأخذه، لأنا كنا نسير سيراً سريعاً، بدون توقف، ولهذا قعدنا أكثر من ساعة تقريباً، نتمتع بتلك المناظر الخلابة: خضرة الغابات، والسحب التي كانت تصعد إلينا من أسفل الجبل، وأحيانا تنسخها الشمس عندما تظهر، وأصوات الطيور وخرير الشلالات، التي كانت تطرب الآذان بالموسيقى الطبيعة المنعشة المتفق على مشروعيتها!
ثم قفلنا بعد ذلك راجعين إلى حيث تركنا سيارتنا آمنة بجانب الخنادق الحربية!

زيارة متحف الاستقلال، وفندق: هومان:

الأربعاء: 14/3/1419هـ ـ 8/7/1998م.
كنت قد نزلت في سنة: 1400هـ ـ 1980م في فندق بمدينة باندونغ، ذكر لي أن رؤساء مؤتمر دول عدم الانحياز الآسيويين والأفارقة، وعددهم: 29 نزلوا فيه، ولم أسجل اسم الفندق حينئذ، فسألت الإخوة عن هذا الفندق؟ فقالوا: الفندق ما مزال موجوداً، ويسمى) فندق هومان ـ HOTEL HOMAN ) وبجانبه المتحف الوطني الذي عقد فيه أولئك الزعماء مؤتمرهم، ويسمى: متحف الاستقلال.
وطلبت من الأخ أحمد ثروت زيارة المتحف، فذهبنا إليه في الساعة التاسعة صباحاً، فاستقبلتنا إحدى الموظفات، ومرت بنا على أقسام المتحف وشرحت لنا كل قسم.
وكان مما مررنا به: صورة مصغرة للقاعة التي تم فيها عقد المؤتمر، وافتتحه الرئيس: سوكارنو.
وبعض الوثائق التي تبين أصل فكرة المؤتمر، والمؤسسين له، وكيف تطور حتى وصل إلى مؤتمر باندونغ.
وصور المندوبين الذين حضروا المؤتمر من رؤساء وغيرهم…
والنتائج التي توصل إليها المؤتمرون، وقراراته…
ثم أخذنا مدير المتحف إلى قاعة العرض، وعرض لنا صورة مختصرة للمؤتمر في الفيديو، مدتها ربع ساعة تقريباً.
ثم ذهبنا إلى القاعة الكبرى التي عقد فيها المؤتمر، وكانت مليئة ببعض طلاب المرحلة الثانوية بنين وبنات، من الإندونيسيين الذين يرافقهم بعض مدرسيهم، ويشرح لهم بعض موظفي المتحف إنشاء هذا المبنى، وتطوراته، والمؤتمر الذي انعقد فيه واشتهر به.

مع موظف آخر من موظفي المتحف:

وتسلمنا موظف آخر في القاعة الكبرى وشرح لنا تطورات هذا المبنى، فقال: لقد أنشأ هذا المبنى الهولنديون لجيشهم، وكانت هذه القاعة مخصصة للترفيه والرقص وشرب الخمر.
ثم جاء اليابانيون، وجعلوها مركزاً للفنون.
ثم جعلت الحكومة الإندونيسية المبنى كله مركزاً للجيش بعد الاستقلال.
وقال: إن كل ما ترونه في القاعة من بلاط وكراسي وطاولات، هو ما كان موجوداً في أيام المؤتمر.
وتوجد على المنصة صور مجسمة للزعماء الخمسة المؤسسين، وهم: رؤساء وزراء دول إندونيسيا، وبورما، والهند، وسيلان، وباكستان.

الكاتب وعلى يساره أحمد موظفي متحف الاستقلال في قاعة الاحتفالات الكبرى التي عقد فيها مؤتمر دول عدم الانحياز في باندونغ
الكاتب وعلى يساره أحمد موظفي متحف الاستقلال في قاعة الاحتفالات الكبرى التي عقد فيها مؤتمر دول عدم الانحياز في باندونغ
الكاتب في متحف الاستقلال وفيه صور زعماء بلدان عدم الانحياز في باندونغ ـ وعلى يساره صورة الأمير الحسن بن يحيى بن حميد الدين 14/3/1419هـ
الكاتب في متحف الاستقلال وفيه صور زعماء بلدان عدم الانحياز في باندونغ ـ وعلى يساره صورة الأمير الحسن بن يحيى بن حميد الدين 14/3/1419هـ
صورة للأمير فيصل بن عبد العزيز في متحف الاستقلال الأندونيسي ـ باندونغ
صورة للأمير فيصل بن عبد العزيز في متحف الاستقلال الأندونيسي ـ باندونغ

وصورة أخرى للرئيس سوكارنو، وهو يخطب على المنصة.
وانعقد المؤتمر رسمياً في: 18 من شهر أبريل من عام: 1955م.
وكان المبنى الذي انعقد في المؤتمر يسمى: مبنى: كونكورد، وقبل انعقاد المؤتمر أطلق عليه: اسم: (مبنى الاستقلال).
ثم أعلنه الرئيس سوهارتو فيما بعد متحفاً وطنياً.
وبعد أن خرجنا من المتحف، وقفنا على الرصيف، وأخذنا صورة للفندق: (هومان) الذي يفصل بينه وبين المتحف الشارع.

الكاتب أمام فندق هومان الذي نزل به عام 1400هـ في باندونغ
الكاتب أمام فندق هومان الذي نزل به عام 1400هـ في باندونغ

معلومات مختصرة عن مدينة: باندونغ:

باندونغ عاصمة: جاوة الغربية، مشهورة بـ(باريس جاوة) أو(باريس الشرق) أو (مدينة الزهور).

مناظر من مدينة باندونغ (سويسرا الشرق) أندونيسيا
مناظر من مدينة باندونغ (سويسرا الشرق) أندونيسيا
مناظر ـ باندونغ ـ 14/2/1419هـ
مناظر ـ باندونغ ـ 14/2/1419هـ

واشتهرت بـ(عاصمة المؤتمر الآسيوي الأفريقي ـ مؤتمر دول عدم الانحياز) الذي انعقد في شهر إبريل من عام: 1955م. وذكرها في التاريخ يعود ما قبل خمسة عشر قرناً، إذ كانت جزءً من مملكة (باجاجاران PAJAJARAN) وعاصمتها: (بوغور BOGOR).
ويقال: إن هولندياً وصل إلى هذه المنطقة في بداية القرن السابع الميلادي، واكتشف فيها 25 كوخاً.
واشتهر سكانها باسم: الـ(سوندا). ولهم لغتهم الخاصة بهم، تناقلها الأحفاد عن الآباء والأجداد. وليس للمنطقة ولا لأهلها تاريخ مدون موثق متصل من قديم الزمان، وإنما توجد نتف من تاريخها متفرقة في كتب التاريخ، حتى قيل: إن تاريخها شبيه بالألغاز‍ وفي تاريخها حكايات خرافية لا داعي لذكرها.
وكانت مقاومة سكان باندونغ للاستعمار الهولندي في وقت مبكر، حيث أمر سلطانها العظيم: (UKUR DIPATI) بمهاجمة الهولنديين سنة: 1628م في مدينة: (باتيفيا ـ وهي التي تسمى الآن ـ : جاكرتا) .
وكان مدير الشرطة في عهد الهولنديين: )دينديلس DENDELS).
وهو الذي بنى أول شارع في جزيرة جاوة يمر من الطرف الغربي للجزيرة إلى حدودها الشرقية، ويمر بمدينة باندونغ، وطوله: (ألف كيلو متر) واشتهر هذا الشارع بشارع البريد.
وعدد سكان باندونغ: أربعة ملايين نسمة، 90 % منهم مسلمون، ولا زالوا في ازدياد، ولذا تتسع مساحتها باستمرار.
المساجد في باندونغ: وبها مساجد كثيرة، أكبرها المساجد الآتية:
1 ـ مسجد الاستقامة.
2 ـ مسجد سلمان الفارسي.
3 ـ مسجد أجونج العظيم.
4 ـ مسجد المركز الإسلامي.
أشهر الجامعات في باندونغ: فيها جامعات وكليات ومعاهد كثيرة، وأشهر الجامعات بها هي:
1 ـ جامعة التكنولوجيا (ITB) وهي التي تخرج فيها الرئيس الأول: سوكارنو. وبها الآن نحو 7000 طالب وطالبة.
2 ـ جامعة: (باجاجاران GAGARAN PA) وبها نحو:20000 طالب وطالبة.
3 ـ جامعة: باندونغ الإسلامية (UNISBA).
4 ـ جامعة: نوسانتارا (UNINU S).
5 ـ جامعة المدرسين (IKIP ).

معالم أخرى:

وبها أهم المصانع في إندونيسيا، وهو: مصنع الطائرات الذي أسسه بحر الدين حبيبي رئيس جمهورية إندونيسيا الحالي، في عام )1972م).
وبها المكتب المركزي لجمعية الاتحاد الإسلامي (PERSIS) وهي من أكبر الجمعيات الإسلامية في إندونيسيا، تعد الثالثة بعد جمعية نهضة العلماء والجمعية المحمدية.
وبها متحف (آسيا ـ إفريقيا) الذي يقع في وسط المدينة.
وبها مكتب البريد... [إلى هنا انتهى ما يتعلق بـ(باندونغ) من رحلة 1419هـ، 1998م].

السفر إلى جاكرتا:

وجاءنا في الساعة الثامنة والنصف الأخ عبد الحليم ولد الشيخ المكي ـ وهو أحد الطلبة الإندونيسيين الذين تخرجوا هذا العام 1400هـ في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهو شاب صالح يرجى له الخير إن شاء الله (ولا أزكي على الله أحداً) [ذكر لي بعض زملائه أنه مال إلى الصوفيين والشيعة، بعد أن كان في ظاهره على خلاف ذلك]. فنقلنا إلى مطار باندونغ، للسفر إلى جاكرتا، وأقلعت الطائرة في الساعة التاسعة والنصف صباحاً، وهبطت في مطار جاكرتا في الساعة التاسعة والدقيقة الخمسين.
ويشكو المثقفون من وجود الفساد الإداري على مستويات عليا، وهم لذلك يخشون من كوارث تهدد البلاد [لقد حصل تلك الكوارث بعد تسعة عشر عاماً، فقد سقط سوهارتو سقوطاً مهيناً، بعد أن اشتعلت المظاهرات في كل أنحاء الجزر الإندونيسية، وسقط عدد كثير من القتلى، وتخريب للمرافق وتحطيم وحرق ونهب، ولا زالت إندونيسيا تتعرض إلى وقت كتابة هذه السطور(12/7/1419 هـ –10/11/1998م) للمظاهرات والتخريب والقتل]. غادرنا المطار إلى فندق "سبنج" الذي كنا فيه قبل السفر إلى باندونغ. [إلى هنا انتهى ما يتعلق بمعلومات باندونغ في رحلة عام 1419 هـ ].

إلى الفضاء:

[هذا العنوان تابع لسنة: 1400هـ].
في الساعة السابعة والنصف مساء ذهبنا إلى القبة السماوية، لمشاهدة فيلم عن بعض الكواكب المشهورة، وبدأ العرض في الساعة الثامنة وكان غالبه في حركة الشمس والكواكب حولها، واستغرق العرض ساعة كاملة، وكان المتحدث إذا وجد فرصة ألقى نكتة يضحك بها الحاضرين الذين اشتدت أبصارهم إلى السماء المصورة وطال إنصاتهم للشرح في الظلمة التي لا تخففها إلا أنوار الكواكب المصورة.
فعندما عرض حركة القمر وهو يسير إلى الغرب، قال المتحدث: نحن الآن في الساعة الرابعة ـ أي صباحاً ـ مع أنا كنا في الساعة الثامنة والنصف مساء ـ وهذا هو وقت السحر فمن شاء منكم أن يدرك السحور فليتسحر.
وكذلك عندما عرض نزول الشهب قال: إن بعض الناس يعتقدون أن الدعاء يستجاب عند نزولها، فادعوا (وهذه النكتة ما كان ينبغي أن تقال ولكن الأستاذ جاهل بمعاني الدعاء المستجاب، ولا أدري أهو مسلم أم لا؟ وكان ينبغي تنبيهه، ولكن عند الانتهاء يشعل الأنوار ويبدأ الناس في الخروج ولا يعرف المتحدث من غيره.

محطة الهبوط:

وكان هبوطنا من الفضاء إلى فندق يقيم فيه فضيلة الشيخ محمد المجذوب المدرس بالجامعة الإسلامية والشيخ ناصر الطريفي المدرس بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهما منتدبان من قبل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، للاتصال بمبعوثي الرئاسة للدعوة في إندونيسيا، ووجدنا عندهما بعض هؤلاء المبتعثين ممن تخرجوا في الجامعة الإسلامية، كما التقينا عندهما الأخ الشيخ عبد العزيز العمار مدير المركز العربي السعودي لتدريس اللغة العربية في جاكرتا.

مدير معهد العلوم الإسلامية والعربية عبد العزيز العمار إندونيسيا جاكرتا: 21/9/1400هـ ـ 2/8/1980م
مدير معهد العلوم الإسلامية والعربية عبد العزيز العمار إندونيسيا جاكرتا: 21/9/1400هـ ـ 2/8/1980م

ودارت مناقشات في شؤون الدعوة الإسلامية، اجتمعت الآراء بعدها في أنه يجب التنسيق بين المؤسسات الإسلامية والتعاون في هذا الصدد حتى لا تبعثر الجهود، وحتى يمكن الوقوف ضد مخططات أعداء الإسلام من الشيوعيين واليهود والنصارى بأساليب علمية قوية، وطلب منا الأخ عبد العزيز العمار زيارة المركز فوعدناه بالزيارة مساء غد ثم عدنا إلى الفندق.

عبث وتواضع:

الجمعة: 21/9/1400 هـ ـ 2/8/ 1980م
في الساعة العاشرة تجولنا في بعض أسواق جاكرتا ثم ذهبنا إلى برج الاستقلال الذي يرتفع ـ كما قال لنا باهرمز ـ مائة وخمسة وأربعين متراً، وقد توج أعلاه بما يشبه الشعلة قال عبد الله وغيره من الطلبة الإندونيسيين: إنها من الذهب، قلت: وفي أمثال هذا البرج الذي تنفق أموال المسلمين في كثير من الشعوب الإسلامية ـ مع شدة حاجة المسلمين إلى الأموال التي تنفق في ذلك ـ أشار الباري سبحانه بقوله: { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 128-130]. فكم من آياتِ عبثٍ شيدت في الشعوب الإسلامية ولم يكتف في تشييدها بمواد البناء العادية، بل أضيف الذهب الذي يكون وبالاً على كانزه فكيف بالعابث به؟!
ويحيط بالبرج في أسفله بهو واسع وحجرات فيها صور مجسمة تمثل تاريخ إندونيسيا القديم والحديث: صور مجسمة للناس: الشعب والزعماء والرؤساء وأعضاء البرلمان والوقت الذي يستغرقه المسافر في هذا المصعد من أسفل البرج إلى أعلاه دقيقة ونصف الدقيقة.
والقينا نظرات على مساكن الإندونيسيين في العاصمة (جاكرتا) التي تشبه ظهور الجمال ـ لكن بدون أسنمة ـ مغطاة بالأجر الأحمر الداكن الهادئ ـ مثل هدوء ساكنيها ـ قصيرة غير مرتفعة ـ كذلك ـ إلا بعض العمارات التابعة لبعض الشركات كالفنادق ونحوها تنتشر هنا وهناك شبيهة بالأشباح التي يقيمها الزارع في مزارعهم لتخويف الحيوانات التي تعبث بالمزارع لإيهامها بأنها حراس. [لقد أصبحت عامة تلك المناطق ذات العمارات شاهقة، ولم يبق إلا النزر اليسير من المساكن القديمة].

فلفل الهندي وفنجان النجدي!

اتصل بنا الأخ الشيخ عبد العزيز العمار وأصر على أن يضيفنا على طعام العشاء وجاءنا في الساعة السابعة والنصف مساء، وذهب بنا إلى مطعم هندي يديره مسلمون ويسمى: مطعم عمر الخيام، فتناولنا طعام العشاء بفلافله، وذهبنا بعد ذلك إلى مكتب الأخ عبد العزيز فقدم لنا الشاي الذي كن نتمنى أن نذوقه في رحلتنا هذه، فلم نذقه إلا عنده وعند الشيخ ناصر الطريفي في الليلة الماضية، وزادنا الشيخ العمار القهوة العربية التي صنعها الشيخ [أحد أساتذة المركز]. القصيمي البُرَيدي [نسبة إلى مدينة بريد عاصمة القصيم، ويؤسفني أني نسيت اسمه]. بعد أن كفكف كميه عن ذراعيه وأزال طاقيته عن رأسه، وأخذ يصب واقفاً تلك الوقفة النجدية الكريمة، وبعد أن شربت حتى رويت حاولت إقناعه بالكف عن الصب، فقال: فنجان واحد بس! وخرج النجدي هنا عن عادته فصب حتى امتلأ الفنجان بدلاً من صب القليل في أسفله فشربت ودعوت له.
ثم تجولنا في المعهد الذي نظم تنظيماً جيداً ولا زال إعداده مستمراً. [أصبح المعهد فيما بعد كلية].
والشيخ العمار متفائل كثيراً بهذا المركز بعد تجربة المدة الماضية التي لا تزيد عن سنة دراسية، حقق الله له تفاؤله وبارك في جهوده وجهود كل العاملين لنشر الدعوة الإسلامية ووسائله.
وقد طلب منا الأخ العمار تزويد مكتبة المعهد بمجلة الجامعة وما يستجد من الكتب النافعة.

التنصير بالإنجيل وسنة المعوقين:

في هذا اليوم نشرت جريدة "كومباس" الصادرة في جاكرتا عدد: 36 في:2 أغسطس السنة: 16 نشرة مقتضبة عن نتائج المؤتمر الدولي لمجلس الكنائس البروتستانتية تتضمن أربع مسائل:
المسألة الأولى: التضامن مع الشعب الإندونيسي.
والمعروف أن (أغلبية الشعب الساحقة مسلمة) والمؤتمر مسيحي دولي، وحقد المسيحيين وسعيهم الحثيث في القضاء على الإسلام والمسلمين معروفان، فما معنى التضامن مع الشعب الإندونيسي وهل المقصود به ـ هنا الشعب الذي يخططون له ليكون في المستقبل نصرانياً أو أغلبية مسيحية؟ هذا فقط هو المقصود.
المسألة الثانية: التبشير(التنصير) بالإنجيل.
والتبشير حاصل من قبل ولكن الظاهر أن المقصود مضاعفة الجهد في ذلك حسب الخطط المرسومة والتوسع في توزيع الإنجيل.
المسالة الثالثة: تجديد الكنائس وتعميرها وتوحيدها.
المسألة الرابعة: مسائل عامة، ومنها إقرار البانتشاسيلا التي حلت مبادئها محل مبادئ الإسلام.
والشعار الذي تضمن المبادئ الخمسة، سيأتي قريباً إن شاء الله شرحه من منشورات الحكومة الإندونيسية التي توزع في طائراتها، وما يتيسر من التعليق عليه لبيان هدفه وموقف العلماء هناك منه وفهمهم له.
والهدف من إقرار هذا الشعار، هو الاحتفاظ به أساساً للحكم في إندونيسيا، بدلاً مما ينادي به كثير من علماء الأغلبية المسلمة من جعل أساس الحكم هو الإسلام.
ومن الأمور التي أقرها المؤتمرون أن السنة المقبلة: 1981م هي سنة المعوقين.
ويرى القارئ من هذه الأمور المقتضبة جداً ـ ولا بد أن تكون مفصلة بأهدافها ووسائلها في وثائق المؤتمرين وقراراتهم وتوصياتهم السرية ـ أن التبشير بالإنجيل مقترن بمغريات من المادة: تعمير الكنائس وتجديدها، وسنة المعوقين، والمعوقون كثيرون في كل شعب من شعوب العالم، والمعوق يضيق من بقائه في الأرض عندما يكون فقيراً وأسرته فقيرة وتضيق منه أسرته ومجتمعه ويتمنى لو نزل به الموت وتتمنى أسرته ذلك.
والصابرون على البلاء هم المؤمنون حقاً وأين هم هؤلاء المؤمنون حقاً؟ لذلك يشعر المعوق: الأعمى والمشلول والمقعد.. بأن الذي يهتم به وينفق عليه ويكسوه ويعلمه ويؤنسه يشعر بأن له عليه فضلاً كبيراً، وأنه يجب أن يكافئه.
والنصراني يبني الملاجئ لهؤلاء المعوقين والمستشفيات والمدارس، وما الذي يمكن أن يقدمه هذا المعوق من مكافأة لهذا المتفضل عليه المحسن الكريم؟ وما الذي يريد هذا المحسن من هذا المعوق من مكافأة؟!
إن المكافأة التي يريدها هذا النصراني هي أن يتنازل هذا المعوق (المسلم) عن إسلامه أولاً، وأن يكون بعد ذلك نصرانياً، وهذا المعوق الذي كشرت الدنيا في وجهه ونال هذه العناية من هذا النصراني، جاهل بدينه لا يعرف قيمة عقيدته ويسهل عليه أن يلبي رغبة من أحسن إليه فيتنازل عن عقيدته في سبيل أنه ينال عاطفة كانت مفقودة.
ثم سيرى أن الشهوات في الدين الجديد مباحة له، لا قيد ولا عيب.
نعم: الإنجيل وسنة المعوقين! وهذا يعني أن الدعوة إلى النصرانية يرافقها خدمات اجتماعية مغرية، فأين هذا الذي يصدر من أعداء الدين مما يقدمه دعاة الإسلام والمؤسسات الإسلامية؟
أين مدارسهم؟ أين مستشفياتهم؟ أين ملاجئهم؟ أين مساجدهم؟ أين مؤسساتهم الثقافية؟ أين.. أين.. أين..؟؟؟ قد يجيب مجيب ذاكراً بعض المراكز الإسلامية القليلة أو بعض المساجد أو بعض المساعدات الخفيفة.
ولكن الذي يجب أن يعلم أن ذلك شئ لا يذكر بجانب ما يبذله أعداء الحق وأنصار الباطل، فليتق اللهَ المسلمُ الذي عنده ما يقدر على الإسهام به في أبواب الخير التي تحصن المسلمين من دعوات أعداء الله الهدامة، وليقدم في سبيل الله ما استطاع بما منحه الله ليبتليه فيه ويجازيه عليه...

لعل جنياً أدخل السحور!

السبت: 22/9/1400هـ ـ 4/8/ 1980م
نام عبيد الله الأربعة كلهم، ولعلي كنت آخرهم نوماً في هذه الليلة، وكان من عادة الأخ عبد الله باهرمز أن يطلب من مديري الفندق أن يبعثوا لنا بطعام السحور في الساعة الثالثة صباحاً، وما فاتنا السحور طيلة أيام رمضان إلا هذه الليلة، قام الشيخ عبد القوي قبل أذان الفجر بثلاث دقائق تقريباً فأيقظني قائلاً: ذهب الوقت فقمت مسرعاً إلى الماء فشربت وشرب هو، وقلت له: اتصل بصاحبنا ـ باهرمز ـ فاتصل هاتفياً ونادى المؤذن بالصلاة، فقال عبد الله: السحور موجود عندنا هنا في الحجرة لا أدري من أدخله ومن فتح الباب؟ ثم أخذ عبد الله وعبد البر كل منهما ينسب إلى الآخر فتح الباب للخادم الذي أدخل السحور، فقال عبد الله أنت فتحت الباب له ثم نمت ولم توقظنا، وقال عبد البر: بل أنت أنا ما قمت من نومي ـ وكان الباب مقفلاً ـ فقلت: لعل جنياً غير مسلم أدخل السحور وأراد الإضرار بنا فلم يوقظنا من النوم، وقد فات السحور فلا داعي للنزاع، ثم قلت للأخ عبد الله: الاحتمال القوي أنك أنت كنت مستغرقاً في النوم وفتحت الباب ورجعت لتنام (شوية) حسب اصطلاح الشيخ عبد القوي، فلم تفق إلا بإيقاظنا، أما عبد البر فإن نومه ثقيل يستبعد قيامه قبلك والله أعلم بالصواب قال عبد الله: كأن الله أراد لكم أن يكون آخر ما تذوقون في إندونيسيا الشاي السعودي والقهوة السعودية، قلت: والماء الإندونيسي.

السفر إلى هونغ كونغ:

وفي الساعة السابعة إلا ربعاً ذهبنا إلى مطار جاكرتا، وبعد الفراغ من الجمرك والجوازات ودعنا الأخ عبد الله، فدخلنا إلى قاعة الانتظار ثم صعدنا إلى الطائرة التي أقلعت في الساعة الثامنة والدقيقة الخمسين، وجالت بنا فوق مدينة جاكرتا، ذات المنازل القصيرة المسنمة، وتُرى العمارات الكبيرة المتناثرة هنا وهناك.

ملحوظات ينبغي تسجيلها:

وحيث إن هذه النظرة من نافذة الطائرة إلى مدينة جاكرتا عاصمة الشعب الإندونيسي هي النظرة الأخيرة في هذه الرحلة، فإنه لا بد من إبداء بعض الملحوظات التي خطرت لي لأهديها لهذا الشعب المسلم، ولكل قادر على مساعدة المسلمين فيه على حفظ دينهم والسعي في تمسكهم به.

الملحوظة الأولى: الولاء: لـ(البانتشاسيلا).

1 ـ إن هذا الشعب هو أكثر الشعوب الإسلامية عدداً، ومنظمات هذا الشعب الإسلامية ـ على قلة إمكاناتها ـ تكافح وتناضل من أجل نشر مبادئ الإسلام وتثبيت قواعده لالتفاف هذا الشعب حوله، والولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، الولاء الذي يجب أن يتميز به المسلم عن غيره، وإلا لما كان هنالك فرق بينه وبين غيره ممن تتعدد ولاءاتهم، قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55-56]. وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. [المائدة: 51].
وهذا الولاء يجمع المسلمين في كل أقطار الأرض، فالمؤمن في الفلبين ولي المؤمن في أمريكا، و المؤمن في مكة ولي المؤمن في باريس ولندن، والشعوب الإسلامية بعضها أولياء بعض، لا فرق بين شرقي وغربي ولا بين عربي وعجمي.
وعندما كان هذا الولاء متحققاً في المسلمين، كانوا كلهم أعداء لأعداء الله يدعونهم إلى الله، ويجاهدون من كفر بالله حتى كان الابن يقتتل هو وأبوه في معركة واحدة، وكذلك الأخ وأخوه، والقريب مع قريبه مهما كانت القرابة، حتى جعل الله كل علاقات الإنسان من مال وقرابة وغيرهما في كفة، وجعل تعالى طاعته والجهاد في سبيله ومحبته في كفة أخرى، من رجح الكفة الأولى على الثانية كان فاسقاً بعيداً عن هدى الله مستحقاً لوعيده في الدنيا والآخرة، ومن رجح كفة الله على علائقه كلها كان ولياً لله مهتدياً مستحقاً نصره ورضوانه، كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}. [التوبة: 24].
وعندما كان الولاء متحققاً في الأمة الإسلامية، حقق الله للمسلمين العزة والنصر والغلبة على أعدائهم، على الرغم من كثرتهم وكثرة عددهم، وعندما ضاع هذا الولاء وحلت محله ولاءات أخرى لشعارات جاهلية باسم الأرض، أو باسم الجنس أو باسم أي مبدأ آخر تفرقت كملة المسلمين فصارت كل طائفة توالي هذه الأرض أو هذا الجنس أو هذا المبدأ، أذلهم الله وأذهب شوكتهم وأنزل الرعب في قلوبهم بدلاً من إنزاله في قلوب أعدائهم.
وقد أدرك أعداء الله الكافرون أن ولاء المسلمين بعضهم لبعض، إذا تحقق أخضع الله به لهم راية الكفر ورفع لهم راية الإسلام، وإذا تشتت هذا الولاء دب فيهم الضعف والوهن وكانوا أذناباً لغيرهم من أمم الكفر، فوضعوا خطتهم لإيجاد شعارات كثيرة تتعدد لها ولاءات الشعوب، كما وضعوا شعارات كثيرة في داخل الشعوب، تتعدد لها ولاءات الأحزاب، وقد نجحوا في ذلك أيما نجاح عندما جعلوا العرب وهم حملة رسالة وأهل الولاء الأصيل لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين، يتركون الدعوة إلى الولاء لكلمة التوحيد وينادون بالولاء للجنس أو القوم ورفعت راية القومية العربية بدلاً من الجامعة الإسلامية، وهكذا أصبح لكل شعب من شعوب المسلمين راية قومية يدعون لها ويلتفون في الظاهر حولها، هذا تركي وهذا هندي، وهذا إفريقي وهذا إندونيسي حتى أصبح بعض المنتسبين للإسلام لو رأى كتاب الله يداس بالأقدام أو كلمة لا إله إلا الله يستهان بها لم يتحرك قلبه ولم يتغير وجهه غضباً لذلك، ولكنه لو رأى علم بلاده وقد رسم فيه حيوان أو غيره ينزل من مكانه ضاق بذلك ذرعاً وغضب وعمل كل ما يقدر عليه للانتقام ممن فاعل ذلك بعلم بلاده.
والحكام الذين لا يريدون الإسلام أو يخافون من انتشاره وسيطرة أحكامه على نفوس شعوبهم، يحاولون إيجاد كل الوسائل لإحداث شعارات ومبادئ وطقوس يحلونها محل لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويدعون طوائف شعوبهم على اختلاف أديانهم لموالاة بعضهم بعضاً على أساس تلك الشعارات أو المبادئ، ويوهمونهم أن في ذلك عزتهم وقوتهم وأن ولاءات الدين تغرق الشعوب وتضعفها.
وهذا المعنى هو الذي يظهر من المراد بأول مبدأ من المبادئ الخمسة التي تضمنها شعار: "البانتشاسيلا" على الرغم من التحفظ الذي يبدو في أسلوب الشارح باللغة العربية.

المبدأ الأول: الربانية المتفردة.

قال المعلق: "ولقد وضع الشعب (مبدأ الإيمان بالربانية المتفردة) في المقام الأول من فلسفة حياته ويعتنق الشعب طائفة من الأديان، فهناك من يدينون بالإسلام، وهناك من يدينون بالنصرانية، ومن يدينون بالهندوكية، أو البوذية أو غير ذلك من المعتقدات.

المبدأ الثاني: الإنسانية العادلة المهذبة..

والمقصود بها ولاء الإنسان لأخيه الإنسان، بصرف النظر عن الدين والعقيدة والخلق. وهي دعوى نظرية يصعب تطبيقها على الرغم من اصطدامها بأصل من أصول الإسلام وهو موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، وأول ما تصطدم به هو:

المبدأ الثالث: الوحدة القومية الإندونيسية..

فالوحدة ليست إنسانية وإنما هي إندونيسية وكم من الأقوام يدعون وحدة منسوبة إلى أرضهم أو جنسهم كالوحدة القومية العربية؟ ثم الوحدة المدعاة بين شعبين، ثم الوحدة المدعاة لشعب بعينه، ومع تلك الدعاوى تجدهم متنازعين متحاربين، كل طائفة تبيت الشر للأخرى.

المبدأ الرابع: سلطة الشعب الموجهة بالحكمة والحصافة في الشورى النيابية.

وهذا المبدأ يصطدم اصطداماً مباشراً مع مبدأ الطاعة المطلقة لله وحده، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فالسلطة في الدين الإسلامي، هي سلطة من يستمد حكمه من اختيار أهل الحل والعقد لتلك السلطة، على أساس إقامة شرع الله الصادر عن كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن كان أولو الأمر يجتهدون في تطبيق النصوص الإسلامية إذا لم يرد بصفة معينة، كما أنهم يجتهدون في قياس ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}. [النساء: 59].
وفي نص هذا المبدأ خداع للشعب، حيث أسندت السلطة إليه، ولكن سلطته موجهة بالحكمة والحصافة، فمن صاحب الحكمة والحصافة الذي يوجه بهما سلطة الشعب؟!
إنه في الحقيقة الحاكم الفرد المستبد الذي يخادع الشعب بالحكم النيابي الصوري الذي لا يخرج عن طاعته.
ولو فرضنا أنهم خالفوه في بعض أمره، فإنما يخالفونه بحسب رغباتهم وأهوائهم، فيكون هوىً مخالفاً لهوى.
وإن القانون الذي يحكم به الشعب هو قانون يصادم عقيدة الشعب ودينه الذي كلفه الله العمل به وتطبيقه وتحكيم شرعه.

المبدأ الخامس: العدالة الاجتماعية لكافة الشعب الإندونيسي...

وهذا المبدأ مبني على المبادئ الأولى التي منها المبدأ الرابع الذي يجعل السلطة للشعب والمقصود أفراد من الشعب يغلبهم الهوى والجهل فيظلمون الشعب ويسمون ظلمهم عدالة.
وبعد أن أشار الشارح إلى هذه المبادئ صرح بأنها هي الأساس والمنطلق في السياسة والاقتصاد والثقافة والتربية والتعليم ومختلف النشاطات الاجتماعية الأخرى.
فالشعار بهذا المفهوم هو مصدر النشاط الإندونيسي، وكأنه يقول إذا كان المسلم مأمورا أن يقول: { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [الأنعام: 162-163]. فإن الإندونيسي مسلماً وغير مسلم يجب أن يقول: إن نشاطي كله لـ(البانتشاسيلا).
وقد رحب بهذا الشعار غير المسلمين، كما نص أن المؤتمرين النصارى أيدوا البانتشاسيلا في مؤتمرهم.
أما المسلمون فمنهم الجاهل الذي لا يفرق بين الجمرة والتمرة، إلا بعد الندم ولات ساعة مندم. ومنهم الذي ضعف إيمانه فيحاول التوفيق بين هذه المبادئ وبين الإسلام بطرق معوجة وتحريف الكلم عن مواضعه، على حد من وصفهم الله في كتابه، وهو علام الغيوب:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً (62) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً}. [النساء: 62-63].
ومنهم من ينكر ويبصر ولو أحاطت به الأخطار ويقول: {حسبنا الله ونعم الوكيل} كما قال إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
ومن الأدلة الواضحة أن هذا الشعار قصد به صرف المسلمين عن ولاء الله ورسوله والمؤمنين أن رئيس الجمهورية (سوهارتو) يصرح في كل مناسبة أن إندونيسيا لا دينية ومن ذلك تصريحه في مؤتمر الإعلام الإسلامي الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي في جاكرتا.
فقد قال: إننا نرحب بكم في إندونيسيا وإن كانت دولتنا لا دينية والشعار يمثل ذلك ويدل عليه.
وهذا يوجب على علماء الإسلام أن تكون تربيتهم لأبناء المسلمين مبنية على أصل العبودية لله تعالى الذي له وحده الألوهية المطلقة، وأن يؤصلوا هذا في نفوسهم معنى الموالاة والمعاداة في الله التي اهتم بها علماء السلف وألفوا فيها المؤلفات لعلمهم بما يترتب على ذلك من ترابط المسلمين وقوتهم.
ولقد أثبت تطبيق هذه المبادئ فشل صحة جعلها أساساً لحكم الشعب الإندونيسي المسلم، بدليل الأزمة الأخيرة التي فضحت الحاكم وحاشيته وملأه وأساس حكمه، فسقط مكرها بضغط الشعب الذي حكمه بغير دينه وعقيدته. [كان سقوط الرئيس سوهارتو من منصبه يوم الخميس: 21 مايو 1998م].

الملحوظة الثانية: إن الجمعيات والمنظمات الإسلامية تبذل جهوداً قوية:

وذلك لتحصين أبناء المسلمين من الكفر بأنواعه النصراني والشيوعي والباطني الخرافي على الرغم من قلة الإمكانات المادية، والذي يؤخذ على كثير من علماء هذه الجمعيات السكوت عن كثير من المنكرات التي حرمها الإسلام، إذ يكتفي الكثير منهم بالمواعظ العامة ولا يمسون الجوانب السلوكية كالسفور بالنسبة للمرأة، والاختلاط (اختلاط الرجال بالنساء) في المدارس والجامعات والمجامع العامة مع وجود الإغراء ووسائل الفتنة وغير ذلك فيما لا يجوز السكوت عليه، [كان هذا السكوت في ذلك التاريخ 1380 هـ حيث كانت السلطة تخيف من يأمر وينهى من المسلمين، أما الآن ونحن في سنة 1426هـ فقد اختلف الأمر وانتشر الإسلام وتمسك كثير من الناس رجالا ونساء، وأصبح الأمر بالمعروف وانهي عن المنكر قائماً، وإن كان المزيد منه مطلوباً] كما أن بعض المؤسسات ـ على الرغم من قيامها على أساس الإسلام ـ يوجد هذا الاختلاط فيها وكذلك اللباس غير الساتر، وهذا ما رأيته في كثير من المقاطعات التي زرتها ووجدنا بعض الشباب المتحمس يشكو من سكوت كبار علمائهم عن هذه الأمور وينتقدونهم.

الملحوظة الثالثة: ثقة المسلمين في إندونيسيا بالمسلمين العرب:

وهذه الثقة جعلتهم ينظرون إلى العرب الذين يزورونهم نظرة احترام ومحبة، وقد يدعوهم ذلك إلى الاقتداء بهم، وكثير من العرب الذين يزورون تلك البلدان، لا يلتزمون بأمور الإسلام ولا يجتبون نواهيه، وقد يظن الجهال في الشعوب الإسلامية أن تصرفات هؤلاء العصاة من الإسلام.
ومما ذكره لي بعض الشباب ـ منكراً له ـ أن بعض كبار الموظفين من بعض البلدان العربية المهمة كان يصطحب معه قرينته التي ما كان لباسها يختلف عن لباس المرأة النصرانية أو غير الملتزمة بالدين والخلق، وكان هؤلاء الشباب مستائين جداً من هذا التصرف الذي كانوا يودون أن يحصل عكسه وهو الالتزام بالإسلام، وآدابه ليكون ذلك حافزاً للفتيات الإندونيسيات على الاقتداء به.
ومما يدل على ثقة المسلمين بالشعوب العربية أن الطلبة الذين يجيدون اللغة العربية يجتمعون أمام الجدران التي تعلق عليها الصحف العربية لقراءتها بشغف، مع أن تلك الصحف يصدر أكثرها من دول عربية معادية للإسلام وصحفها تحمل أفكار زعمائها.
لهذا كله فإنه ينبغي أن تهتم الدول التي تدين بالإسلام ببعث الكتب الإسلامية والجرائد والمجلات الإسلامية، لتملأ الفراغ الذي جعل لصحف أعداء الإسلام رواجاً هناك.
ويجب كذلك أن يتقي الله زوار تلك البلدان من الشعوب العربية، ولا سيما الشعوب التي ينظر إليها المسلمون في العالم أنها القدوة، فيلتزموا بالإسلام ولا يكونوا دعاة شر وفساد بأعمالهم السيئة.

الملحوظة الرابعة: مسؤولية الجامعات الإسلامية عن هذا الشعب:

ينبغي للجامعات الإسلامية والمؤسسات الإسلامية في الشعوب العربية أن تقوي صلاتها بالجامعات والمؤسسات الإسلامية في إندونيسيا، بتبادل الزيارات والإكثار من المنح الدراسية الشاملة بمعنى أن يكون الطلاب من جميع مناطق الجزر الإندونيسية لا من منطقة دون أخرى، وإن كان لا يمنع ذلك أن تكون الكثرة من بعض المناطق لاعتبارات راجحة.
وكذلك ينبغي أن تخصص إعانات مالية لمساعدة تلك الجامعات والمؤسسات وكتب علمية مفيدة، وغير ذلك مما يرفع معنويات المسلمين هناك الذين يواجهون تيارات مدعومة من دول ومؤسسات ضد مبادئ الإسلام.

الملحوظة الخامسة: ترجمة كتب إسلامية مفيدة.

ينبغي أن تختار كتب ورسائل إسلامية مفيدة وتترجم إلى اللغة الإندونيسية، وتطبع في داخل إندونيسيا لتوزع إلى الجمعيات والمؤسسات الإسلامية هناك، بدون مقابل أو تباع في الأسواق بأثمان رخيصة.
واقترح مبدئياً الكتب الآتية:
1 ـ كتاب العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
2 ـ السياسة الشرعية له.
3 ـ الحسبة في الإسلام له.
4 ـ اقتضاء الصراط المستقيم له.
5 ـ كتاب الصلاة لابن القيم.
6 ـ مفتاح السعادة له.
7 ـ زاد المعاد له.
8 ـ تحفة الودود في أحكام المولود له.
9 ـ جامع العلوم والحكم لابن رجب.
10 ـ الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب (وقد ترجم كتاب التوحيد الشيخُ باي عارفين أحد علماء سورابايا ويمكن النظر في هذه الترجمة فإذا كانت صحيحة طبعت وهو كتاب مطبوع أخذنا منه نسخة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة).
11 ـ مبادئ الإسلام للأستاذ المودودي.
12 ـ تذكرة دعاة الإسلام له.
13 ـ ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للأستاذ أبي الحسن الندوي.
14 ـ رسالة التعاليم للأستاذ حسن البنا.
15 ـ رسالة إلى أي شئ ندعو الناس له.
16 ـ خصائص التصور الإسلامي لسيد قطب.
17 ـ معالم في الطريق له.
18 ـ منهاج التربية الإسلامية (بقسميه) لمحمد قطب.
19 ـ كتاب التوحيد (بجزئيه) له.
20 ـ كتاب توحيد الخالق بأجزائه الستة للشيخ عبد المجيد الزنداني.
وبتوحيد الخالق سبحانه ـ استودعك الله يا إندونيسيا، راجياً أن تهيمن كلمة الله على كل جزء من أجزائك، وأن يحملها كل قلب من قلوب أبنائك مجاهداً في سبيلها موالياً من والاها معادياً من عاداها ـ { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }. [سورة التوبة: 33].
كتبت هذه الأفكار بعد أن أقلعت بنا الطائرة من مطار جاكرتا إلى هونغ كونغ يوم السبت 22/9/1400هـ ـ 4/8/1980م، والحمد لله رب العالمين.

عروس تهديها عرائس!

وأخذت الطائرة تنهب الجو نهبا، فوق المحيط الهادي، الذي كانت قوافل السحاب تتناثر بيننا وبينه، فظهر بها كبساط أزرق مائل إلى الخضرة، وشيه أبيض، وكنا نشاهد قوافل الأمواج الهائجة صفوفاً يتبع بعضها بعضاً، كما كانت السحب الخفيفةُ الحملِ طائرة فوق الطائرة سائرة إلى حيث أمرها الله، وبدا القمر على يسارنا على شكل نصف دائرة، والسحب العالية تحجبه عنا تارة وتنكشف عن وجهه تارة أخرى.
حقاً لقد كانت مناظر عجيبة، ولقد شبهت طائرتنا، وهي تسير في هذا الجو بالعروس التي تهديها عرائس، وهي جميلة، وكل واحدة منهن أجمل، وزاد جمالها على جمالهن بسبب وقوعها في وسطهن مثل البدر الذي أحاطت به هالته.
وكنت لا أدري إلى أين التفت لأتمتع بتلك المناظر التي قد لا تحصل لمسافر ـ هكذا مجتمعه ـ شمس ساطعة، وسحب جميلة متفرقة، على بحر أمواجه هائجة ترى من بعد كصفوف المصلين ذوي اللباس الأبيض، وقمر يداعبه السحاب فيحجبه تارة ويكشف عنه أخرى! الله أكبر ما أعظم خالق هذا الكون الجميل المنسق الذي يتعاون تناسقه على جماله! ولو أن بني البشر تعاونوا فيما بينهم على حياة سعيدة في هذه الدنيا، فآثر بعضهم بعضاً، وكف بعضهم ظلمه عن بعض، وبذل كل واحد وسعه في إيجاد الأمن والاستقرار، واجتهد أولياء الله في نشر دينه وإعلاء كلمته، فأمن الناس على دمائهم وأعراضهم وأموالهم لاكتمل الجمال جمال الحياة البشرية وجمال الكون العظيم: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ}. [سورة النمل، الآية: 60].
وبدأت تظهر بعض الجزر المستديرة التي تشبه قصعات الطعام الموضوعة على طاولة مكسوة بالجوخ الأخضر، وصغارها تبدو كعيون البقر، والمحيط الهادي يحتضنها من جميع جوانبها ولم يغمرها.. يا الله.. ما الذي يمنعه عنها غير خالقها وخالقه.
وظهرت جزر مكسوة بالغابات: جبالها وسهولها، وهي تفاخر البحر المحيط بها بملابسها الموشاة بالزهور المختلفة، وكأنها تقول له: إذا كنت تجود للناس بأسماكك ولآلئك بعد أن يقتحموا الصعاب ويتجشموا الأخطار، ومنهم من لا ينجو من قسوتك وعنفوانك على الرغم من إتعاب أنفسهم في اتخاذ وسائل الوصول إليك، فإني أمد يدي بالخير لكل الناس قويهم و ضعيفهم بثمر النارجيل، والموز والبرتقال والباباي والتفاح والأناناس وغيرها، بدون مشقة ولا خطر، ثم جاء قوس قزح ليشارك بألوانه الجميلة فأضاف إلى الجمال جمالاً...

الحمد لله!

وفي هذا الجو الممتع المريح الذي يربط المخلوق بالخالق ذكرنا المضيفون بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)) فقد كنا فعلاً ـ ولكن القليل منا ـ نتمتع بالفطرة ونشعر بالغبطة والسرور، ولكن المضيفين بدأوا يغلقون النوافذ من أجل عرض فيلم الرحلة الثقيل [وأفلام الرحلات كلها ثقيلة علينا] ولعل القارئ يدرك من عاطفتي مع الكون ورغبتي في صحبته باستمرار أن غلق النافذة بالنسبة لي يعتبر يعد شبيها بالسجن.
وأخذت أقرأ بعض الجرائد السعودية التي حصلت عليها من مكتب الأخ الشيخ عبد العزيز العمار في جاكرتا، وكان الفيلم قذراً في ميزان ذوي العقول ولا سيما عند المسلم، ولذلك قال الشيخ عبد القوي: يعملون هذا وهم في الجو ما يخافون من ربهم، قلت: إن الله يمهلهم ولا يهملهم وهو من ورائهم محيط. [وقد يعذر هؤلاء الناس الذين لا يدينون بدين الإسلام، ولكن الأخطر من ذلك ما يعرضه المسلمون في الطائرات من الأفلام السيئة، وهم -كما قال الشيخ -: يعملون هذا وهم في الجو! ].
وبعد أن قرأت بعض أخبار الجرائد ومقالاتها أخذتني غفوة سمعت على أثرها الشيخ عبد القوي وهو يقول: الحمد لله، فنظرت إلى الفيلم فوجدت أنه انتهى فقلت مثل الشيخ: الحمد لله، وفتحت النافذة ورجعت إلى كتاب الله المنظور.
وعلى الرغم من بعد المسافة بيننا وبين البحر فإن أثر هياجه كان واضحاً في بياض الماء الذي كان كل صف منه يتبع الآخر على أثر ارتطام أمواجه بعضها ببعض.

ويخلق ما لا تعلمون!

رأيت باخرة كبيرة، وهي تمخر عباب المحيط، وقد امتد وراءها انخفاض واضح كأنه واد بين جبلين ـ وهو الأثر الذي حدث من شقها طريقها في البحر ـ فأحسست بطارق ينبهني إلى آيات الله القرآنية الواردة في تسخير الله تعالى لهذا الإنسان السماء والأرض والبحر وغيرها.
كقوله تعالى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }. [سورة إبراهيم، الآيات: 32-34].
وقوله تعالى: { وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ }. [سورة النحل، الآيات: 5-8].
إلى قوله تعالى:{ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }. [سورة النحل، الآيات: 13-14].
إن من حكمة الله في هذا التسخير لهذه النعم لهذا الإنسان، هي أن تعم رحمته خلقه وأن يشكر هذا الإنسان الخالق المنعم، {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
ولكن هذا الإنسان ـ إلا من شاء الله ـ كلما زاده الله من نعمه زاد طغيانه وتمرده، { وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }. [سورة إبراهيم، الآية: 34].
ويرى العاقل هذا الظلم وهذا الكفران في هذا الإنسان في سفره في الجو وفي البحر وفي البر، وفي الحضر وفي كل مكان، قد غفل ـ أو مات قلبه ـ عن التفكير في نعم الله التي يجب أن تطرق قلبه في كل وقت ليعود إلى المنعم فيعبده ويشكره.
وعدد البواخر التي شاهدتها في المحيط في هذه الرحلة أكثر من عشر كانت الأولى أكبرها.

مظاهرة ربانية مؤثرة!

وكان منظر السحاب في هذا اليوم ـ يأخذ بالألباب ـ وقد شبهته بعدة تشبيهات حسب الحالة التي رأيته عليها:
فشبهته مرة بصفوف المصلين الذين اجتمعت حشودهم في مصلى العيد في الصحراء ـ كما هي السنة ـ كل إنسان بجنب صاحب، وكل صف وراء أخيه وهكذا كان السحاب: كل سحابة بجانب أختها، وكل صف من السحاب وراء الصف الذي قبله.
ورأيته تارة على هيئة مخيم الحجيج في منى، وقد ربطت كل خيمة في وتد أختها وبين كل جملة من الخيام وأخرى ممر.
ثم بدا لي ـ تارة أخرى ـ كأنه مدينة واسعة، ذات قصور عالية متناسقة خططت شوارعها بحكمة وإتقان، إلا أنه لا يوجد في تلك الشوارع الزرقاء إلا تتابع الأمواج الهادرة، ومساحة هذه المدينة لا تقاربها مساحة أي مدينة من مدن العالم البشرية.
وآخر قافلة رأيتها كانت تشبه أسراباً من الطائرات الحربية تحلق فوق هذه الأجواء الواسعة، إلا أنها لا تلقي قنابل النابالم المحرقة، ولا تقذف الصواريخ المدمرة وإنما كانت ـ تقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وكأنها في مظاهرات عارمة ضد الملحدين.
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. [سورة البقرة، الآية: 105].
وشاهدت جزيرة صغيرة من اليابس تحيط ببحيرة صغيرة من الماء وأمواج المحيط الهادي تتلاطم حولها، وهما على هيئة قذيفة صاروخية، ورأيت خضرة على اليابسة تشبه العشب لم أتبين ما هي لبعدها.
والظاهر أن البحر يغمر هذه الجزيرة عندما يشتد هياجه، فتغدو كلها تحت أمواجه، ويولي عنها عند جزره وهدوئه ـ النسبي ـ فتنكشف مرتفعاتها ويبقى البحر الصغير ـ البحيرة ـ في وسطها.
ثم أخذت الطائرة في الهبوط رويداً رُويدا فرأينا الجبال القريبة من هونغ كونغ في وسط البحر، ورأينا القوارب الصغيرة وهي تتحرك في البحر في كل اتجاه مثل الأسماك، وهبطت الطائرة في مطار هونغ كونغ في الساعة الواحدة إلا عشر دقائق بتوقيت جاكرتا الثانية إلا ربعاً بتوقيت هونغ كونغ، فكانت مدة الطيران أربع ساعات كاملة.
وبهذا انتهت الرحلة الأولى لإندونيسيا، وما كتبته عن هونغ كونغ مدون في الكتاب الخاص برحلاتها.
ويجب التنبيه أن القارئ سيجد في بعض كتب الرحلات التي تكررت زياراتي لبلدانها، تشابكاً في التواريخ والمعلومات، لأني أحاول أن أجمع المعلومات المتناسبة في مكان واحد تقديماً أو تأخيراً، وإن اختلفت تواريخها. فليعلم ذلك.

وقد انتهيت من آخر ترتيب وإعداد لهذا الجزء من أجزاء رحلات إندونيسيا
في تمام الساعة الثالثة من صباح يوم الثلاثاء 20 من شهر شوال لعام 1426 هـ
22 من شهر نوفمبر لعام 2005م.
وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
??

= ــــــــــــــــ

=

??

??

110