4- في مدينة سنداي
4- في مدينة سنداي
مع الطلبة المسلمين في جامعة (توهوكو) (Tohoko):
انتقلنا من المطار إلى وسط مدينة سنداي، حيث كان بعض الطلبة المسلمين في هذه المدينة في استقبالنا في محطة القطار، ومنهم أحد الطلبة الإيرانيين، ونقلونا إلى مقرهم في القسم الداخلي بجامعة توهوكو، صلينا معهم الظهر وصلينا نحن العصر، وانتقلنا إلى منزل الأخ محمد عارف خان الباكستاني، حيث قد أعد لنا طعام الغداء، وهو يسكن مع زوجته في شقة صغيرة بمنافعها، وجلس معنا الطالب الإيراني محمد طاغي أحمد، الذي يدرس هندسة مدنية.
وأعطانا هو والأخ محمد عارف المعلومات الآتية: قبل أن يقدم الطعام على السفرة:
معلومات عن المسلمين في مدينة سنداي:
عدد الطلبة المسلمين مع عوائلهم خمسون، وهم من إندونيسيا، وماليزيا، وباكستان، وبنغلاديش، والهند، وأفغانستان، وإيران، والعراق، ومصر، وسوريا، وتونس، وغيرها.
ومقر نشاطهم الآن في سكن الطلبة الجامعي، لأن المقر الأول الذي كان يعد مركزاً إسلامياً صغيراً قد أغلق بسبب عدم وجود الإمكانات.. ولكن النشاط قائم باسمه ويعرف بـ"المركز الثقافي الإسلامي" ويشتركون في العمل مع بعض المسلمين اليابانيين.
ونشاطهم الآن يتضمن ما يأتي:
صلاة الجمعة في قاعة الجامعة وكذا صلاة العيد، وصلاة التراويح في رمضان، ويستغلون أي مناسبة لإقامة حفلة إسلامية، لإظهار الإسلام.
ويقوم بعضهم بتدريس اللغة العربية لبعض الطلبة والطالبات من اليابانيين والهدف إلقاء بعض المعاني الإسلامية.
ويعملون على اجتماع المسلمين في محافظة مصاغي التي عاصمتها سنداي.
وكان يوجد في المنطقة سبعة عشر مسلماً، وقد حاول الطلبة تتبعهم ليجدوهم، فلم يجدوا منهم إلا ثلاثة أشخاص فقط، والباقون إما انتقلوا إلى أماكن أخرى، وإما تغيرت عناوينهم.
وبدأوا يوزعون نشرات إسلامية عن طريق صناديق البريد إلى المنازل. ويأملون أن يفتحوا مكتباً ومكتبة وفيديو، وغير ذلك من وسائل الدعوة بعد شهرين من الآن.
ولا يوجد أحد من الطلبة متخصص في الشريعة، ولكن أحد الطلبة المصريين واسمه عباس طه معلوماته طيبة عن الإسلام والحديث واللغة العربية ولدى الطالب الإيراني معرفة قليلة.
كما يوجد الدكتور سراج الدين أحمد من الجماعة الإسلامية في الهند، عنده فكر إسلامي وتنظيم، وهو يدرس الزراعة (زمالة).
ويحاولون الاتصال باليابانيين غير المسلمين في الحفلات والمناسبات، ولهم معهم صلات صداقة، ويعتزمون في عيد الأضحى أن يقيموا حفلة كبيرة ويدعوهم إليها.
وتوجد عند اليابانيين رغبة في معرفة بعض الأمور عن الإسلام، وبخاصة الشبهات التي سمعوها من أعداء الإسلام الغربيين.
أما اللغة العربية فالإقبال على تعلمها كبير، وقد سجل ما يقارب ثلاثين طالباً وطالبة لتعلمها بعد الإعلان عن ذلك في إحدى الجرائد، وهذا أحد المنافذ للوصول إلى الياباني وإيصال بعض مبادئ الإسلام إليه.
وقاموا بتنظيم إعداد اللحم الحلال وتوزيعه على المسلمين.
وعندما يُدَرِّس الأخ طه اللغة العربية يستعمل أمثلة من القرآن ويحاول شرح بعض معانيها.
ومن شبهات اليابانيين أن الصلاة تأخذ وقتاً طويلاً، وكذلك يتعجبون من تعدد الزوجات، ومجاملة الياباني بمشاركته في شرب الخمر مهمة جداً عندهم، ويتساءلون لماذا لا يتناوله المسلمين، وكذلك يلقون أسئلة حول الصيام والحجاب والجهاد، هذه الموضوعات دائماً هي التي تدور المناقشات حولها.
قلت: هذه الموضوعات ليست خاصة بتساؤل الياباني، بل هي عامة في أغلب البلدان لذلك ينبغي للداعية أن يتسلح بالحجج والبيانات التي تدل على أن ما شرعه الله من هذه الأمور وغيرها، فيه مصالح عظيمة للعباد إضافة إلى تعليم الناس قبلها معاني الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر والوحي، بحجج مقنعة فإن ذلك يزيل كل شبهة بعد الإيمان به.
قال الإخوة: والحديث عن العقيدة يشوق اليابانيين ويصغون له [وقد لمسنا هذا عندما ألْقيْتُ محاضرة في عدد من غير المسلمين في المركز الإسلامي في توكيوشيما، كما سيأتي] وإذا وجد عربي يجيد اللغة العربية وقواعدها وعنده مقدرة على التحدث باليابانية، فإنه يفيد جداً إذا درس اليابانيين اللغة العربية.
ثبات المؤمن الحق على إيمانه:
ثم التفتُّ إلى الأخ محمد عارف خان وطلبت منه بعض المعلومات عن نفسه، قال الأخ محمد: إنه درس في روسيا ست سنوات في علوم المعادن في أوكرانيا، ورجع منها سنة 1974م فمكث في الباكستان سنة ونصف السنة، ثم انتقل إلى اليابان وقد حاول معه ـكغيره ـ الشيوعيون أن يعتنق الإلحاد، ولكنه قال: الذي يكون هناك يرى الشيوعية على حقيقتها، فلا يقدرون على إقناعه بها، وقال: إنهم يمتحنون الطالب في الماركسية كل سنة، وإحدى المواد في الإلحاد، وبعض الطلبة المسلمين رفضوا هذه المادة فأعفوهم من ذلك، ولكنهم يلحون على الطلبة أن يحضروا الامتحان ويجيبوا بما يريدون، وذهب عدد من الطلبة الباكستانيين إلى الجامعة ورفضوا هذه المادة، فسألوهم: هل تعتقدون بوجود إله؟ قالوا: نعم، فتركوهم والمجتمع الروسي مفتوح، ويقولون للناس كل شيء ملككم ويدرسون الأخلاق، كالصدق، ويستغلون بعض رجال الدين لخدمة مصالحهم. [هذا الاستغلال يوجد في كل البلدان، ومنها بلدان المسلمين].
ثم قربت المائدة الباكستانية المفلفلة ـ اللذيذة ـ فلم نغادرها إلا بعد الأخذ بثأرنا من الطعام الذي عانينا منه كثيراً من المشقات وإن كان حلالاً، لاختلاف الطبخات وتباين الرغبات.
الاجتماع بالطلبة المسلمين في إحدى قاعات الجامعة:
ثم ذهبنا من منزل الأخ محمد عارف إلى إحدى القاعات في السكن الجامعي، والتقينا بعض الإخوة الطلبة، ومنهم الأخ طه عباس طه الذي تخرج في كلية الهندسة في مصر، ونال درجة الماجستير، والآن يحضر الدكتوراه ـ هندسة المعادن ـ وقال الأخ طه: إنه مسرور بلقاء الإخوة المسلمين في هذا البلد والتعاون معهم في إقامة شعائر الإسلام، وهو يقوم بتدريس بعض الطلبة اليابانيين اللغة العربية، وقد حضرنا بعض الوقت في الفصل الذي يُدَرّس فيه، وقال: إنه يأمل أن يوجد بعد رجوعه إلى بلده من يقوم مقامه.
وقال: إن أخاه يسمى محمد صلاح الدين عباس يعمل في مطار المدينة المنورة.
الياباني المسلم محمد ساتو:
وممن اجتمعنا بهم: الأخ الياباني المسلم محمد ساتو، الذي أسلم عام 1976م وهو يعمل في شركة كوكاكولا، وهو أمين عام المركز الإسلامي في سنداي، وقد حاول أن يصادق كثيراً من اليابانيين، وقال الأخ محمد: إن نشاطنا محدود، والأمر الأساسي في نشاطنا هو إيجاد مناسبات نتمكن فيها من الاختلاط باليابانيين، وأهم ما يجذب الياباني الأمور الثقافية والتاريخ ومنه تاريخ الشعوب الإسلامية، كالمعارض ونحوها.
وعندما جاء إلى هنا أحد المجاهدين الأفغان دعونا الناس للحضور، فطلبوا إضافة إلى موضوع المجاهدين الحديث عن موضوعات ثقافية ومعلومات أخرى.
وإذا حصلت مناسبة واجتمعنا بالناس أخذنا عناوينهم وأسماءهم لاستغلال ذلك في المناسبات المقبلة، والإقبال يزيد.
ومن أسئلة اليابانيين التي يلقونها حول الإسلام مسألة تعدد الزوجات، لأنهم يسمعون ذلك من وسائل الإعلام بدون تفكير، ولكن ميزة الياباني أنه يصبر على النقاش ويصغي لشرح معاني الإسلام، وسياحة الياباني في البلدان الإسلامية مؤثرة جداً، حيث إنه يرى هناك بعض الأمور، فإذا رجعوا إلى بلادهم يبحثون عن بعض أهل تلك البلدان ويربطون معهم صداقات.
إلى هنا انتهى كلام الأخ محمد ساتو وقد تَعَرَّضَ لطبيعة الياباني والوسائل المؤثرة فيه، والداعية المسلم يستطيع أن يستغل أي ثغرة يتسلل منها إلى قلوب الناس بدعوته، وما أكثر الموضوعات التاريخية في القرآن والسنة والسيرة النبوية التي يستطيع أن يدخل في زوايا ما احتوت عليه من عقيدة وخلق وغيرهما!
بل ما أكثر المشكلات التي تقلق البشر اليوم، ولم يجدوا لها حلاً في أنظمتهم وقوانينهم وعاداتهم، وقد جاء الإسلام بحلها من يوم نزوله على سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام!
وسألت الأخ محمد عن عدد طلبة هذه الجامعة، فقال: إنهم أقل من خمسة عشر ألفاً، وعدد غير اليابانيين حوالي أربعمائة.
وممن التقينا بهم الأخ السوري جمال الدين هزبر، من معرة النعمان ـ بلد أبي العلا المعري ـ وللأخ جمال في اليابان سنتان ونصف وهو يدرس الطب ـ مرحلة الدكتوراه ـ وتخصصه عمليات جراحة المسالك البولية.
والأخ خالد معلا من تونس ـ سفاقس ـ له سنتان ونصف ـ مرحلة الدكتوراه، هندسة مدنية.
وقال الأخ خالد: إن من أسئلة اليابانيين حرب المسلمين بعضهم بعضاً. وللإعلام الإسرائيلي دور كبير من قبل السفارة الإسرائيلية. [قلت: مع غياب الإعلام العربي الإسلامي] وبعض اليابانيين يتعصبون لليهود.
وقال الدكتور السامرائي: إن الحاج عمر ميتا كان يوصي العرب أن يتحدوا ويتركوا الخلاف، حتى يقبل اليابانيون الإسلام.
هذا وقد اجتمعنا بالإخوة كلهم في قاعة من قاعات السكن الداخلي، وألْقيْتُ محاضرة تضمنت العناصر الآتية:
1 ـ العقيدة أساس الإسلام.
2 ـ لا بد من تزكية الدعاة أنفسهم أولاً، ثم المسلمين ثانياً.
3 ـ التعلم والتعليم لمبادئ الإسلام من الأمور الضرورية.
4 ـ التصدي للأفكار الأجنبية المعادية للإسلام، ودحضها بالأدلة والبراهين.
5 ـ وجوب الوقوف أمام العلمانية في البلاد الإسلامية، لأنهم هم الذين يمتلكون إمكانات الشعوب الإسلامية، ولا يسمحون باستغلالها في الدعوة إلى الله، بل يستعملونها ضد الدعوة.
6 ـ مشكلات المسلمين كثرة الأحزاب المتصارعة على السلطة في الشعوب الإسلامية، مما أحدث الخراب لكل مشروع بناء لتلك البلدان.
وكان من ضمن الحاضرين طلبة آخرون غير من ذكر قبل وهم من تركيا وبنغلاديش وإيران.
ثم حدثهم الدكتور صالح عن نشأة الإسلام في اليابان، وحثهم على الاجتهاد في الدعوة، لأنهم أصبحوا كثيرين بالنسبة للزمن الماضي، وودعنا الإخوة وواصلنا السير.
السفر من مدينة سنداي إلى مدينة طوكيو:
ثم ذهب بنا الأخ محمد ساتو بالسيارة إلى محطة القطار في سنداي، وكان راديو سيارته مفتوحاً على بعض الأغاني اليابانية، وعندما سمعت اللحن ظننت أن تلك الأغنية من المدائح السودانية، فقلت للأخ الدكتور موسى محمد عمر السوداني: هذا اللحن سوداني إلا أني لم أفهم كلماته. فقال: هكذا بعض الألحان اليابانية تشبه اللحن السوداني، قلت: الظاهر أن بين السودان واليابان صلة نسب موسيقية.
وقد بدأ بنا القطار سيره في الساعة السابعة والنصف مساء. وذكر الدكتور صالح أنه قرأ في إحدى الجرائد أن الشعب الياباني وفر الآن ما يعادل عشرة آلاف بليون ريال، أي إن نصيب الفرد الواحد منهم أربعة وثمانون ألف ريال.
ملأوا ظاهر الأرض وباطنها والجو والبحر:
عندما نزلنا في محطة القطار العامة في طوكيو، صعدنا إلى محطة قطار فرعية توصلنا إلى فندقنا، وأغلب الظن أن عدد الطوابق التي صعدناها خمسة، واليابانيون مثل النمل في واديه صاعدين هابطين، وهم لكثرتهم تجد طائراتهم وقطاراتهم وسياراتهم وبواخرهم وفنادقهم وأسواقهم ومكاتبهم ومصانعهم وطرقاتهم، كلها مملوءة، ولكن كالنمل لا تسمع لهم ضجيجاً، ولا ترى فوضى، وهم دائما يسعون سعياً حثيثاً يسابقون الزمن جرياً من محطة إلى أخرى، ومن قطار إلى آخر، ومن طائرة إلى أخرى ومن باخرة إلى أخرى، حرصاً على الوقت وعدم إضاعة أي دقيقة منه بدون فائدة..
في مدينة طوكيو مرة أخرى:
الاثنين: 7/11/1406هـ
جاءنا الأخ أصغر بن أطهر أحد العاملين في المركز الإسلامي، ليذهب معنا إلى مكتب الخطوط الجوية لنحجز إلى المدن الباقية في اليابان ـ في المنطقة الجنوبية، وكان خط السير قد تغير، حسب مشورة بعض المسؤولين في المركز الإسلامي.
وتغيير الخط يحدث مشكلة عند الخطوط في أغلب البلدان، لأن المبالغ المالية التي هي قيمة التذكرة تتغير، إما بارتفاع السعر وإما بنقصه، والتذاكر الحكومية تحتاج إلى استئذان من الخطوط السعودية، لتوافق على تغيير خط السير الجديد.
يِسْ مشَكَّل نو مُشْكِل!
كان الأخ أصغر ـ وهو باكستاني ـ عنده كلمات عربية ويتحدث الإنجليزية، ولغته الأردية، فكان يحاول أن يتفاهم معنا وهو يقود بنا السيارة، فكان يأتي في الجملة الواحدة بكلمة عربية وأخرى إنجليزية وتارة أردية، فقلت له: أنت تتكلم عربي وإنجليزي وأوردو؟ قال: يس ـ أي نعم ـ مُشكَّل ـ يعني أن كلامه مختلط من عدة لغات ـ ومن ضمن كلماته التي خاطبنا بها: جَنْجَلْ، يعنى أن الشوارع بها زحمة شديدة.
وعندما قلنا له: إننا نخشى من عدم موافقة الخطوط اليابانية على تعديل خط السير، قال: نو مشكل إن شاء الله، يعنى لا يوجد إشكال، ولكن عندما وصلنا إلى مكتب الخطوط وبدأ يتفاهم معهم تنهد وقال مُشكلْ، وتفادياً لذلك الإشكال قال لنا الأحسن أن نعود إلى المركز، وهم يدبرون الأمر وعُدنا في وسط جنجل بمُشَكَّل ومُشْكل مع أصغر بنى أطهر، والأمر إلى الله تعالى القادر على جعل الأعسر أيسر.
مع الأخ المسلم الياباني خالد كيبا:
وفي المركز الإسلامي التقينا الأخ الكريم الأستاذ: خالد كيبا وهو المسؤول عن المركز الإسلامي في مدينة توكوشيما، وعن العلاقة بين نفس المركز والمركز الإسلامي في طوكيو، ويحضر صلاة الجمعة كل أسبوع في طوكيو، لعدم وجود جماعة مسلمة تصلى الجمعة في توكوشيما، وليس حضوره واجباً عليه لبعد المسافة بين البلدين، ولكنه الحرص الذي يدفعه إليه قوة إيمانه ولا أزكي على الله أحداً.
ولد الأخ خالد سنة 1932م في جزيرة شيكوكو، درس المراحل كلها إلى الجامعة ـ كلية القانون الياباني ـ وأخذ الماجستير في طوكيو، جامعة شوو (Shuo) في قانون المعاملات في المجتمع الياباني.
سبب إسلام الأخ خالد:
قال: إنه كان يبحث في كتب الديانات البوذية والنصرانية واليهودية والإسلام، فاشتاق لزيارة المسلمين فزار بعض المسلمين في اليابان، وبعد الحرب وخسارة اليابان للمعركة عرف أن دياناتهم لا فائدة فيها ورأى بعض كتب الفقه الإسلامي، ولم يكن في باله أن يسلم، ثم ذهب إلى مسجد طوكيو، والتقى أخاً باكستانياً: عمر درز خان، فأخذه إلى حلقة إسلامية، وأستاذها يسمى أرشد، يتحدث باللغة الإنجليزية، وكان الأخ خالد يريد الرجوع إلى منزله بعد انتهاء الحلقة، فأخذه عمر إلى الأستاذ أرشد، وقال له: إذا كان عندك أي سؤال فاسأل الأستاذ، فسأله عدة أسئلة وأجاب عنها ولكنه لم يقتنع، فأقترح عليه الأستاذ أرشد أن يمكث معه في بيته لمدة ثلاثة أيام، فمكث معه يومين تعرف خلالهما على الإسلام فاقتنع وأسلم.
فتنة ووحدة وصبر!.
قال الأخ خالد: عندما علمت عني أسرتي أنني أسلمت، قالوا لي: نحن طلبنا منك دراسة القانون الأمريكي والقانون الإداري، فذهبت تدرس الإسلام، وعارضه والده وأهله جميعاً، وأنكروا طريقة عبادته، كالصلاة، وطرده أبوه من البيت، وتبرأ منه أهله، فمكث عشر سنين على ذلك ثم مات أبوه وأمه، ولم يكن يوجد مدرس يعلمه الإسلام، وكان مقتنعاً بالإسلام ولم يتراجع عنه على رغم عدم وجود من يشجعه على الاستمرار.
ثم التقى الإخوة الدعاة المبعوثين من المملكة العربية السعودية عن طريق الأخ عمر ميتا ومصطفى كمورا، واضطر أن يترك مدينة كوبي وينتقل إلى مدينة طوكيو من أجل البقاء مع المسلمين، وقد واجه صعوبة في تعلم اللغة العربية التي كان مشتاقاً لتعلمها، وفرح بوجود الإخوة العرب، والإخوة المذكورون هم: الدكتور صالح بن مهدي السامرائي والدكتور موسى محمد عمر والدكتور السباعي والصديقي وغيرهم.
قال الأخ خالد: كنا بعد ذلك من تلاميذ الأستاذ سايتو، نتبع توجيهاته ونجعله قدوتنا، ونعمل مع الإخوة ما نقدر عليه من أجل الإسلام والمسلمين. وسيأتي مزيد من الكلام عن الأخ خالد، فقد رافقنا في رحلتنا إلى الجنوب إلى قبيل آخر مدينة زرناها في اليابان...
مع الأخ الياباني المسلم يحيى إندرو:
وفي المركز الإسلامي أيضا التقينا بالأخ يحيى إندرو الياباني المسلم الذي درس في شعبة اللغة العربية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والسنة الأولى من كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة نفسها، وترك الجامعة في سنة 1973م والتحق بشركة يابانية في نفس السنة، ولا زال يعمل في نفس الشركة: " KOMATS. LTD". ووكيل هذه الشركة في المملكة العربية السعودية عبد الله بقشان وتقوم بتأمين المعدات الثقيلة لبناء الطرق.
والأخ يحيى ترجم بعض الكتب الإسلامية من اللغة العربية إلى اللغة اليابانية، وقد أتم ترجمة جواهر البخارى، وهو عضو في جمعية مسلمي اليابان، وقد كان من الطلبة الذين يشتركون في النشاط الطلابي في الجامعة الإسلامية عندما كنت مسؤولاً عن شؤون الطلاب فيها.
ولد الأخ يحيى في أُوكايدو، شمال اليابان وعاصمتها سبورو، وهو متزوج وله ولدان، وأغلب اليابانيين لا يزيدون في الإنجاب عن اثنين.
وسألته عن زيادة اليابانيين العمل في وظائفهم عن وقت الدوام الرسمي؟ فقال: لا يزيدون عن العمل الرسمي في الغالب إلا في الحالات الطارئة والشركات الصغيرة.
في مكتب الخطوط اليابانية:
ذهبنا إلى مكتب الخطوط اليابانية مع الإخوة: خالد كيبا ويحيى إندرو ومحمد يوسف علي السوداني، وبقينا معهم من قبل الظهر إلى الساعة السادسة مساء، ونحن نأخذ ونعطي مع الموظفين، والأخ خالد يفاوضهم في قبول التذاكر مع تغيير خط السير وهم لا يقولون، لا صراحة، حسب عاداتهم، ولكنهم يتصلون بمكاتب أخرى ويحاولون الاعتذار، وفي نهاية الأمر اشترى الأخ خالد لنا تذاكر سفر من طوكيو إلى توكوشيما، وهو ثالثنا، وأصر أن تكون هذه التذاكر على حساب المركز الإسلامي، باعتبارنا ضيوفاً عندهم، ولم تُجْدِ محاولاتنا لدفع قيمتها.
تفاوض سوداني ياباني في أحد المطاعم الراقية:
ثم ذهب بنا الأخ خالد كيبا إلى مطعم ياباني راق، وهناك صلينا الظهر والعصر جمع تأخير، وأخذ التفاوض الياباني السوداني يطول حول أنواع المأكولات التي تطلب من المطعم، وكان موظفو المطعم ينتظرون حتى يسمعوا الاتفاق على نوع من تلك الأنواع، فيقولون: هَيْ، هازين رؤوسهم.
معلومات موجزة عن اليابان:
وقبل تقديم الطعام أخذت من الأخ خالد المعلومات الآتية:
مساحة اليابان أقل من مائتي ألف ميل مربع.
سبعون في المائة من أرض اليابان جبال.
سبعون في المائة من المواد الخام في اليابان مستوردة، مثل الحديد والبترول.
أصل اليابانيين من منغوليا، وأكثرهم زحفوا من جنوب الصين، فطردوا الأصليين من السكان إلى شمال اليابان.
وشَكْل السكان الأصليين يشبه الأوربيين، أكثر بياضا من اليابانيين النازحين، ويختلف لون عيونهم وشعرهم، وعددهم قليل جداً لا يتجاوز ثلاثين ألفا.
لا فرق بينهم وبين اليابانيين في التعليم.
بدأ التعليم في عهد الإمبراطور "ميجي" سنة 1860م، ولم يكن قبله تعليم مفيد، وبخاصة في الشمال.
والفترة التي قبله كانت تسمى فترة: "إيدو" وكانت الحكومة عسكرية، و إيدو هو الاسم القديم لمدينة طوكيو، وبقية الشعب الياباني خليط من ماليزيا وإندونيسيا والصين وكوريا، ويسمى السكان الأصليون "آيتو" وقد قتل منهم عدد كبير، ولكن الحكومة الآن تحافظ عليهم، ولهم لغتهم الخاصة، وربما يكون لها علاقة باللغة اليابانية القديمة قبل ألفي سنة.
ولا تزال عندهم بعض العادات تختلف عن عادات بقية اليابانيين.
وانتقلنا إلى عادات الزواج في اليابان.
فذكر الإخوة أن الياباني لا يتزوج من قريبته، والسبب فيما يبدو أن الزواج من غير القريبات يكون له أثر على جودة نوعية الأطفال.
وغالب الزواج يتم عن طريق تعارف الزوجين في الجامعات، وتوجد شركات للتزويج، إذ يدفع الرجل والمرأة اللذين يريدان الزواج مائتي ألف ين للشركة المتوسطة بينهما، وهى تسجل صفات الخاطب أو الخاطبة في الكمبيوتر حتى يتعرف كل منهما على الآخر ويتم الزواج.
ويدفع المهر من قبل أبوي الولد والبنت. [هذا نوع ثالث من أنواع دفع المهر: فالزوج هو الذي يدفع المهر عند المسلمين، وولي المرأة هو الذي يدفع المهر في الهند، وكلاهما يدفعان المهر في اليابان].
ثم سألت الإخوة: هل عندكم تخطيط لنشر الإسلام في اليابان؟ فقال الأخ خالد: لدينا مشروع لكيفية نشر الإسلام في اليابان، وقد تحدثنا أنا ويحيى إندرو قبل سنة في هذا الموضوع، وبخاصة مع كثرة الطلبة المسلمين في اليابان الآن.
وقال الأخ يحيى إندرو: عندنا مثل ياباني معناه: أنك إذا جئت مرتين ولم تجد ما تحب فجيء مرة ثالثة لعلك تجده، وهذا المثل ينطبق عليك يا دكتور قادري، فقد جئت إلى اليابان مرتين، ولعلك تجد ما يسرك إذا جئت في المرة الثالثة.
ثم قدم الطعام فقطع الحديث والكتابة، وبعد ذلك ذهب الأخ خالد والأخ محمد يوسف إلى المركز وذهبنا نحن والأخ يحيى إندرو إلى الفندق "بلازا".
الأخ عبد الواسع كيمورا:
وجدنا الأخوين عبد الواسع كيمورا، والأخ نبيلاً السوري، في انتظارنا في الفندق، وقد درس الأخ عبد الواسع في شعبة اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ثم درس في كلية الدعوة وأصول الدين بها وتخرج في سنة 1984م، وقد كنت شجعته أنا على البقاء في الجامعة إلى أن تخرج، وقد كان كل سنة ينوي عدم العودة للدراسة في الجامعة.
وهو الآن يعمل في جمعية مسلمي اليابان بطوكيو متفرغاً، يدرس اللغة العربية والقرآن والحديث في الجمعية.
ولدى الجمعية في 26 يوليو من هذا العام رحلة تعليمية إسلامية تهدف إلى بيان الحياة الإسلامية، وهذه الرحلة ستكرر للتعرف على الإسلام.
الله يجعلها من نصيبنا!
أما الأخ عباس نبيل فقد ولدت له بنت في يوم الأربعاء عشرة من شهر يوليو، وقد سماها فوزية، وقد خطبتها منه بمناسبة زيارتي لليابان! وقال لي: لقد أبلغت والدي في المدينة المنورة بولادتها وبأنك خطبتها، فقال لي: وما يدريك، يمكن أن يأتي يوم من الأيام يتم هذا الأمر، وذكر له والده قصة في الهاتف مضمونها: أن رجلاً يدعى مجحم بن مهيد شيخ العنزة في سوريا، مر بجماعة من العنزة ولدت لهم بنت، فقال: الله يجعلها من نصيبنا، ثم ذهب وبعد خمس عشرة سنة مر بهم، فسألهم عن البنت فذكروا له أن عمرها خمس عشرة سنة فقال: أنا طلبتها منكم فهل تزوجونني قالوا: نعم فتزوجها.
وكانت نكتة فوزية بنت عباس نبيل هي آخر النكات في طوكيو. أنبتها الله نباتاً حسناً، وجعلها بارة بوالديها، ورزقها الله زوجاً شاباً صالحاً بعد خمسة عشرة عاماً. [وقد توفي الأخ عباس في اليابان، بعد أن حصلت بينه وبين امرأته اليابانية خلافات وطلاق فيما بلغني].
أما أنا فأقول كما قال الشاعر:
*أصل ما بين القوسين: يبتغى الشعراء، ولكنى غيرت ذلك للمناسبة.
شكر ووداع:
الثلاثاء: 8/11/1406هـ
في الساعة العاشرة صباحاً خرجنا من الفندق إلى محطة القطار المركزية في طوكيو، وتدعى: "شنجيكو" مع الأخ يحيى إندرو، لشراء خريطة اليابان.
ثم زرنا المركز الإسلامي في طوكيو، لشكر أعضائه على ما قدموا لنا من تسهيلات لزيارتنا، وتوديعهم بمناسبة سفرنا إلى جنوب اليابان دون رجعة في هذه الرحلة إلى طوكيو.
والأخ يحيى إندرو لديه استعداد للتفرغ للدعوة، إذا وجد مؤسسة إسلامية تتعاقد معه للدعوة، كالرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، أو رابطة العالم الإسلامي، مع أن ما يتقاضاه من الشركة من راتب وعلاوات وميزات، أفضل له مادياً بكثير من المبلغ الذي سيحصل عليه بالتعاقد للدعوة، حرصاً منه على محاولة نشر الدعوة بين اليابانيين، وهو ياباني يفهم لغة القوم مع اللغة العربية...
السفر إلى جنوب اليابان:
وبعد أن ودعنا الإخوة في المركز ـ وكان من الحاضرين الدكتور صالح بن مهدي السامرائي والأخ محمد يوسف علي، وكذلك حضر لوداعنا الأخ الدكتور عوض بن بكري السميري ـ ذهبنا إلى مطار طوكيو المحلى، مع الأخ الكريم الأستاذ خالد كيبا الذي رافقنا إلى جنوب اليابان، ابتداء ببلدته التي يقيم فيها: ناروتو ـ وهي مدينة صغيرة تابعة لـ(توكوشيما) ـ وهو رجل كريم الخلق، كان يحاول أن يكرمنا بكل ما يقدر عليه، والذي كان يحول بيننا وبينه هو التفاهم باللغة، فهو يجيد اللغة الإنجليزية، ولغته يابانية، ونحن لدينا كلمات قليلة إنجليزية، ولغتنا هي العربية، ولديه هو كلمات قليلة عربية، وقد كنا نشفق عليه وهو يحاول أن يفهمنا بعض الأشياء ونحن لا نفهمه.
التأمين على الحياة!
ومن الأشياء التي استعصى علينا فهمها أنه كان يشير لنا إلى آلة كمبيوتر يضع الناس فيها مبلغاً من النقود اليابانية فتناولهم هي بطاقات، وكان الأخ خالد يشير إلى هذه الآلة ويقول ما معناه: هل أشتري لكم منها بطاقات؟ ونحن لا ندري ما فائدتها؟ وهو يلح على شرائها. ولما يئس مني حاول أن يقنع الأخ محمد باكريم فاقتنع بالشراء دون فهم للفائدة، وذهب فاشترى ثلاث بطاقات: واحدة له واثنتان لنا، فحملناها دون أن ندرى ما معناها؟ وعندما التقينا أخاً شاباً عربياً في توكوشيما، سألناه عن البطاقات؟ فأخبرنا أنها تشترى للتأمين على الحياة، بحيث لو حصل للطائرة التي يركب فيها حامل هذه البطاقة حادث وتوفى الراكب، فان الشركة المؤمنة تدفع لأسرة الراكب مبلغاً معيناً محدداً فيها، أي أنها تأمين على الحياة في تلك الرحلة.
وقد عرفت بعد ذلك إشارات الأخ خالد، فقد كان يرفع يده إلى السماء ويذكر الطائرة ثم ينكسها إلى الأرض، يعنى أن الطائرة إذا سقطت تضمن الشركة دية الراكب...
وفي الساعة الثانية والنصف أقلعت بنا الطائرة من مطار طوكيو، وهبطت في مطار توكوشيما في الساعة الثالثة والنصف.
فكانت مدة الطيران ساعة واحدة.