3- في مدينة سَبُّورُو
3- في مدينة سَبُّورُو
وفي الساعة الثالثة إلا ربعاً خرجنا من مدينة "توماكوماى" إلى مدينة "سبورو" والمطر منهمر، والمسافة بينهما سبعون كيلومتراً ـ كما بين جدة ومكة ـ ومدينة سبورو هذه مدينة سياحية، والفنادق السياحية فيها مزدحمة، ولم نجد فيها مكاناً، لذلك ذهبنا إلى بعض الفنادق الشعبية التي تشبه الموتيلات في الغرب، وغرفها واسعة نسبياً تُسكن جماعياً، لذلك سكنا نحن الأربعة في غرفة واحدة، وقد حاول الدكتور صالح السامرائي أن يأخذ فراشه ـ ولا توجد بالغرف سرر ـ وينام في إحدى زوايا الغرفة في مكان يتسع لطوله، لذلك نام الثلاثة باتجاه، ونام الدكتور صالح باتجاه آخر أعانه الله.
وقال الدكتور صالح: إن جامعة أوكايدو هي إحدى أكبر خمس جامعات في اليابان، وأول كلية أنشئت في سبورو أنشأها المبشر النصراني: كلارك سنة 1904م، وهى كلية زراعة، ولا يزال اليابانيون يحفظون له كلمة نصحهم بها ولقيت منهم آذاناً صاغية وقلوباً متفتحة مناسبة لطبيعتهم المتلهفة للعلم، فقد قال لهم: يا أبنائي كونوا طموحين. وتلك الكلية هي نواة جامعة أُوكايدو، ولا زال تمثاله موجوداً في الجامعة. وأغلب الزوار لمدينة سبورو يزورون هذه الجامعة ويأخذون صوراً مع تمثاله تكريماً منهم له.
وعندما جاء وقت النوم أخذ بعض الإخوة بدلات النوم التي تعدها فنادق اليابان للضيف، وهى (بيجامات) ولبس الدكتور صالح إحداها، فإذا هي تصل إلى نصف فخذه، وهكذا لا يجد الدكتور صالح ما هو على قدره إلا بالبحث والتنقيب أو التفصيل.
في الطريق إلى مطار سبورو:
الأحد 6/11/1406هـ
ذهبنا بعد صلاة الفجر أنا والدكتور صالح للتجول قليلاً في شوارع مدينة سبورو، وعندما خرجنا من باب الفندق وجدنا المطر نازلاً والجو مغيماً فرجعنا لنشارك زميلينا النائمين في نومهم.
وفي الساعة السادسة والربع خرجناً إلى محطة القطار، وهى قريبة من الفندق، فامتطينا القطار الأول الذي تحرك بنا في الساعة السابعة إلى محطة القطار الثاني، وفي الساعة السابعة والنصف بمجرد نزولنا في المحطة الثانية، امتطينا القطار الثاني فتحرك بنا إلى المطار.
قال الدكتور موسى: إن اليابان تصنع في السنة ثمانية ملايين سيارة وتستهلك منها محلياً أربعة ملايين ونصف المليون، والمواصلات عندهم أحسن مواصلات في العالم، لكثرتهم وضيق بلادهم، فلا يتركون أي قطعة مسكونة بدون مواصلات، ويقع المطار في الجنوب الشرقي لمدينة سبورو. وكنا ننظر إلى اليمين واليسار، فلا نرى إلا خضرة الغابات التي تكسو الجبال والمزارع، وبخاصة مزارع الأرز الذي لم تكن هذه المقاطعة صالحة لزراعته بسبب برودتها، ولكن اخترع لهذه الأرض سماد خاص أصبحت قابلة لزراعته.
وسألت الدكتور موسى عن لعبة القمار في اليابان، فقال: إن هذه اللعبة محظورة رسمياً، وأجهزة الأمن تتابع من يرتكب ذلك، ويسمح لسباق الخيل والدراجات في حدود النظام، وسألته عن صنو القمار، وهو الخمر فقال: الخمر هي الماء المقدس للإله عندهم، وأجهزة الإعلام تسرف في الإعلان عنها، وهم يسرفون في شربها، واليابان أكثر البلدان مراقبة للمخدرات، والغالب أن الفنانين أكثر تعاطياً لها من غيرهم، وإذا اكتشف من يجلس مع متعاطي المخدرات من الفنانين يسحب نشاطه كله من أجهزة الإعلام فيختفي في يوم واحد مع الجزاء.
وأولاد اليابانيين أكثر أطفال العالم تحصيلاً للمعلومات، حيث يلتحق الطفل إضافة إلى المدرسة النظامية، بمدرسة أخرى تفيده في أي جانب من جوانب الحياة التي يهتمون بها.
السفر إلى مدينة سنداي:
وفي الساعة العاشرة أقلعت بنا الطائرة من مطار سبورو إلى مطار مدينة سنداي، وهي تقع بين سبورو وطوكيو.
مع الدكتور موسى محمد عمر:

واخترت أن أجاور في الطائرة الأخ الكريم: الدكتور موسى محمد عمر السوداني وأخذت منه المعلومات الآتية:
ولد الدكتور موسى سنة 1942م، دراسته كانت في مدينة الخرطوم، من الابتدائي إلى الجامعة ـ جامعة الخرطوم ـ تخرج من الجامعة سنة 1966م ـ قسم العمارة.
ثم واصل دراسته العليا في اليابان، فحصل على الماجستير والدكتوراه من سنة 1970م إلى 1978م، ومكث في اليابان من سنة 1970م إلى سنة 1984م، شارك في العمل الإسلامي الذي كان من ضمنه: إحياء جمعية الطلبة المسلمين. كما شارك في إنشاء المركز الإسلامي ونشاطه.
تزوج في سنة 1971م وزوجه خريجة كلية الشريعة في جامعة أم درمان الإسلامية. ويقول الدكتور موسى: إنه عجل بالزواج منها لتستفيد منها النساء اليابانيات، وقد كانت الطالبات يزرنها في المنزل، المسلمات وغير المسلمات وتحصل مناقشات، هذا بالإضافة إلى تحصين نفسه وهو في سن الشباب في بلد مفتوح.
وسألت الدكتور موسى عن السبب الذي جعله يختار اليابان في وقت كان يندر وجود طلاب من البلدان العربية في جامعات هذا البلد، وبخاصة أن لغتهم صعبة؟ فقال: إن السبب في اختيار اليابان أنه زار كثيراً من بلاد أوروبا الشرقية والغربية، وسمع من الطلبة عن الحياة في بريطانيا، فلم تعجبه الحياة هناك لمنافاتها للآداب الإسلامية منافاة لا تطاق، فقد زار مدينة بودابست، عاصمة المجر في وقت الفجر، وسأل سبعة من الطلاب المسلمين عن القبلة؟ فلم يقدروا على تحديدها، وهم مقيمون هناك من مدة، وهذا دليل عن البعد عن الدين الإسلامي، وقال الدكتور موسى: إنه تعرف على طبيعة اليابانيين عندما درس الهندسة المعمارية في السودان، فأعجب ببعض عاداتهم وتقاليدهم ومن ذلك احترامهم للعائلة. وشجعه ذلك على الذهاب إلى اليابان. ولم يكن يتوقع وجود مسلمين أو ذكر للإسلام في اليابان. وكان انطباعه عن المبعوثين من الطلبة المسلمين هو ذلك النوع الذي وجده في أوروبا. وعندما وصل إلى اليابان وجد طالباً باكستانياً مسلماً، ولم يرغب الأخ موسى في التعرف عليه أول الأمر، خشية أن يكون من النوعية السابقة.
قال الأخ موسى: وشاء الله أن يزورني أحد الإخوة السودانيين الذين كانوا يدرسون في روسيا، وقد جاء من روسيا خاصة لزيارتي بعد أربعة أشهر من وصولي إلى اليابان، وهو من خيرة الطلبة المسلمين وقد كنت زاملته في الدراسة في الصغر في حيّنا الذي نسكن فيه وافترقنا في المرحلة الجامعية، حيث التحقت بجامعة الخرطوم، وهو ابتعث إلى روسيا، وكان من حسنات الحكومة العسكرية في السودان عدم ابتعاث أي طالب إلى روسيا إلا إذا كان متديناً ملتزماً بالإسلام. وعندما التقاني في طوكيو سألني هل يوجد مسجد في طوكيو؟ فقلت له: لا أظن، لأني لم أكن أظن أنه يوجد إسلام أو مسلمون في البلد، فأصر على أن نسأل الطالب الباكستاني، فتعرفنا عليه وأخبرنا أنه يوجد مسجد جامع في طوكيو، وكان هذا الجامع يبعد عن محل إقامتي بمقدار كيلو ونصف فقط، وكان ذلك بداية فتح طيب ومن ذلك اليوم إلى يومنا هذا كان الخير الكثير.
واسم زميله السوداني الدكتور مصطفى عبد الباقي أحمد، وتخصصه هندسة معمارية، ويعمل الآن في جامعة أم القرى، وكان قبل ذلك يعمل في مخطط مكة المكرمة.
وكان بعض السودانيين الذين ليسوا متدينين يبتعثون عن طريق الحزب الشيوعي والمنظمات اليسارية إلى الدول الشيوعية.
وكان الأخ مصطفى يشكو من شدة عداوة الشيوعيين السودانيين للإسلام أكثر من عداوة الشيوعيين الروس.
وقال: إن المتحمسين للشيوعية في روسيا هم أعضاء الحزب الشيوعي، وبعض الروس يسبون الشيوعية إذا وثقوا ممن يسمعهم، وقد زار الأخ مصطفى بعض مناطق المسلمين وخاصة في الجنوب تحت ستار زيارة الآثار والمناطق السياحية.
طريقة التوظيف في اليابان:
قال الدكتور موسى: إن الياباني إذا أراد الالتحاق بشركة، لا بد أن تجتمع عائلته لمناقشة الأمر، كما يجتمعون لمناقشة أمر زواجه، وذلك بسبب الارتباط القوى بالشركة التي يلتحق بها، لأن ارتباطه بها أَبَدي ـ أي مدة حياته، لأنه إذا ترك الشركة التي التحق بها، لا تقبله أي شركة أخرى، وهذا عرف جار بين الشركات في اليابان، فلسفتهم في ذلك أن الذي لا يثبت في وظيفة لا يتوقع منه النجاح في عمله.
ولهذا يحرصون على توظيف صغار السن من المتخرجين في الجامعات وتدريبهم على نظام الشركة، وتجد أكثر الناس عرضة للبطالة حملة الدكتوراه، فإن نسبتهم بين ذوى البطالة عالية جداً، والمشهور عن حملة الدكتوراه العمل في الحراسة الليلية.
وآخر إحصائية سمعتها أنه يوجد خمسة آلاف من حملة الدكتوراه عاطلون، ويوجد غيرهم من العاطلين ولكن قليل.
وبهذا الارتباط القوى بالشركة يصبح الموظف بها كأنه عبد لها، إذ يخرج من بيته الساعة السابعة صباحاً، فلا يعود إليه إلا قبل منتصف الليل بقليل، فتستهلكه الشركة، وهذا من أهم الأسباب التي يصعب معها الاتصال بالياباني، واليوم الوحيد الذي يمكن أن يتفرغ فيه لأسرته قد تشغله الشركة فيه، هو يوم الإجازة "الأحد" وساعات العمل الرسمية من الساعة التاسعة صباحاً إلى الساعة الخامسة مساء، وإذا تأخر دقيقة عن العمل يعتبر مقصراً، وإذا تقدم بساعة يعتبر واجباً، وكلما ترقى في الوظيفة ازداد ارتباطه بالشركة والعمل الجديد ليتعلم، ولا تطلب الشركات منهم الزيادة على الدوام الرسمي، ولكنهم هم يزيدون في أوقات دوامهم لإنجاز الأعمال.
ومن الأمثلة على ذلك أن أحد المصريين له مكتب معماري يعمل عنده فيه أحد اليابانيين، ويأتي صاحب المكتب يوم السبت ويوم الأحد ـ وهما يوما إجازة ـ فيجد الياباني يعمل فيهما كغيرهما من الأيام، فيقول له صاحب المكتب: أنت في يوم إجازة فلا حاجة إلى أن تعمل فيه، فيقول الياباني: لا بأس أود أن أكمل بعض الأعمال.
وقال الدكتور صالح: إن سبب تفضيل الشركات اليابانية صغار المتخرجين من الجامعات على حملة الدكتوراه، أنهم يعتبرون الشهادة تعبيراً عن استعداده لتلقى عمل ما والقيام به، ويبدؤون بتدريبه، لأن تدريب الموظفين على الشؤون الفنية والإدارية، يعد من أسرار نجاح اليابانيين في أعمالهم.
وقد سمعت من بعض اليابانيين أن زيادة الموظف في دوامه من عند نفسه، تحصل عندما تكون الشركة صغيرة تحتاج إلى مضاعفة الجهود لإنجاحها، أو في بعض الحالات الطارئة التي تضطر فيها الشركة إلى إنجاز عمل ضخم في فترة قصيرة.
أين المسلمون من هذا الجد الذي هو جزء من إيمانهم؟
قلت: أين هذا التفاني في العمل من الموظف نفسه، دون أن يطلب منه صاحب الشركة أن يزيد عن ما هو مقرر عليه رسمياً، من تلاعب كثير من الموظفين في البلدان الإسلامية، سواء كانوا موظفين مع الدولة أو مع الشركات؟ [وإن كانت الشركات تضغط على موظفيها وتعاقب من يقصر في عمله، أكثر من الدول، حرصاً على ربحها المادي]. إذ تجد الموظف يحاول بشتى الوسائل أن يقلص ساعات عمله، إما بالتأخر في أول الدوام أو الخروج قبل انتهاء الدوام، أو تضييع الوقت بدون عمل في الأوقات التي يكون موجوداً فيها.
ولهذا تجد أكثر الشعوب الإسلامية تحتاج إلى العامل من غير بلادها مع وجود أعداد في بلادها لو أخلصت في عملها وقامت به حق القيام، لما احتاجت بلادها إلى غيرها، وهذا من أهم أسباب الفشل في تنفيذ الخطط المسماة بخطط التنمية في البلاد الإسلامية، سواء كانت تتعلق هذه الخطط بإعداد الأكفاء من البشر أو غير ذلك، فإن الخطط توضع على الأوراق، والموظفون يرمونها بسوء تطبيقهم وعدم إخلاصهم في سلات المهملات، مع أن ديننا يأمرنا بالجد في العمل وإتقانه، ويعتبر ذلك جزء من الإيمان، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). [راجع كتابنا: الإيمان هو الأساس - تعريف الإيمان- ].
وإن الزائر في اليابان عندما يقف في مكتب من المكاتب في المطارات أو محطات القطار، أو محطات البواخر أو في البنوك، أو في الفنادق، لا يكاد يجد موظفاً قاعداً على مكتبه يتثاءب أو يتجاذب أطراف الحديث الفارغ مع زميله أو يبادله الضحكات، بل إن أحدهم إذا احتاج أن يتكلم مع زميله يكلمه وهو لا يكاد ينظر إليه، بل ينظر إلى الكمبيوتر ولا تجد موظفاً إلا والكمبيوتر أمامه، وعلى الرغم من سرعة معاملة الكمبيوتر فإن العمل مستمر دؤوب، فالموظف والكمبيوتر يسابقان الزمن في إنجاز الأعمال، وهذا هو سر النجاح، فإن الكسل لا يأتي إلا بالخسارة والوبال:
معلومات صحفية: تزايد الاعتقاد في الأديان:
كان الدكتور صالح يقرأ في جريدة تايمز اليابانية: (The Japan Times) عدد 13 يوليو ص3 فحكى لي ما يأتي: نقلت الأسوشيتد بريس عن أمستردام في هولندا: [اظهر الاستفتاء الذي قام به معهد فالوب بأمريكا أن الاعتقاد في الأديان يتزايد في العالم على نطاق واسع وفي مقدمة ذلك الإسلام، وأكثر الغربيين لم يعودوا يعتقدون بتجسد الإله].
ما العيب في العمل بجد؟
وفي نفس الجريدة ص6 نشر رد على تقرير أعد من قبل خبراء يابانيين مضمونه حث اليابانيين على إراحة أنفسهم وعدم إجهادها بالعمل، وأن الحكومة كانت وراء ذلك التقرير، والسبب أن أمريكا ودول الغرب أزعجتهم ثمرات عمل اليابانيين العالية، حيث ملأت صناعاتهم العالم، وترتب على ذلك وفرة المال عند الحكومة اليابانية، مع قلة الصرف منه، ولشدة اقتصاد اليابانيين وكثرة المال عندهم وظفوه فيما يعود عليهم بالأرباح الطائلة والقوة الاقتصادية. والكاتب يرد على هذه الفكرة ويقول: إن دعوة اليابانيين إلى الخمول فيها هلاك لشعب اليابان.
وهبطت بنا الطائرة في مطار مدينة سنداي في الساعة الحادية عشرة والنصف، فكانت مدة الطيران بين مدينة سبورو، ومدينة سنداي ساعة وثلاثين دقيقة.