رحلات اليابان وكوريا وهونغ كونغ

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 27 صفحة
صفحة 6 من 27 1- في مدينة طوكيو

1- في مدينة طوكيو

1- في مدينة طوكيو

السودانيون واختيار الفنادق:

كان الأخ محمد نور السوداني قد اختار لنا في مدينة شيكاغو قبل ثمان سنوات فندقاً يسمى: فندق روزفلت، وقد كان فندقاً متعباً تحدثت عنه في الرحلة الأولى إلى أمريكا من سلسة في المشارق والمغارب.
وفي هذا العام اختار لنا الأخ محمد يوسف السوداني فندقاً في مدينة: طوكيو، ويسمى فندق واشنطن، وكلا الفندقين يشتركان في أنهما متعبان، ولكن أسباب الإتعاب تختلف، ففندق روزفلت متعب بقذارته ونوعية رواده، أما فندق واشنطن في طوكيو فإتعابه بسبب ضيق غرفه وحمامه، فقد سَميتُ غرفه: بمقابر الأحياء.
وقد سبقني الأخ محمد باكريم بدخوله الحمام ليتوضأ، فسمعته وهو يناطح الباب، فقلت له: ما شأنك هل افتح لك الباب؟ قال: لا، فلما خرج قلت له: ماذا جرى لك في الحمام؟ فقال: كنت كلما أردت أن أتحرك وأنا أتوضأ لا بد أن يرتطم جسمي بالباب، إما يدي، وإما رجلي، وإما ظهري لضيق الحمام، ولم نجد مكاناً نضع فيه حقائبنا الكبيرة في الغرفة، ولا مكاناً للصلاة إلا بين باب الغرفة وباب الحمام.
ولا أدرى لماذا اختار أحد السودانيين فندقاً باسم رئيس أمريكا ولآخر باسم عاصمتها وأحد رؤسائها أيضا؟!

افعل ما بدا لك!

عندما خرجنا من المطار إلى طوكيو كنا نظن أنا سندرك صلاة العصر والظهر جمع تأخير بالراحة كما يقال، ولكنا ما إن وصلنا إلى فندق واشنطن إلا وقد غابت الشمس، فأسرعنا إلى الوضوء ثم وقفنا لنصلي فقلت لصاحبي: سنبدأ بالظهر والعصر ثم المغرب والعشاء، فقال: افعل ما بدا لك! يعنى قد حصل ما حصل مما يقتضي أداء أربع صلوات في وقت واحد.

الكمبيوتر يرفض العمل بخيار الغبن وخيار المجلس!

فتح أخونا باكريم ثلاجة فندق واشنطن، واخرج زجاجة ليرى ما فيها من عصير، فإن كان صالحاً لنا شربنا، وإلا أعاد الزجاجة إلى مكانها، فلما رآها اشتبه في أمرها وخاف أن تكون من أنواع ما يوقع بين الناس العداوة والبغضاء "الخمر" فأراد ردها، فكان هو يدفعها لتبقى في مكانها والثلاجة تدفعها إليه، وكلما دفعها بقوة رجعت إليه بنفس القوة، فتركها وأقفل عليها باب الثلاجة، وهى في غير مكانها. وعندما خرجنا صباح غد من الفندق وجدنا أن الكمبيوتر المتصل بالثلاجة قد أكد عليه اليابانيون أن لا يقبل عودة ما يخرج منها.
ويبدو أن اليابانيين لا يرون خيار الغبن الذي فصل في كتب الفقه الإسلامي، حتى ولو لم يحصل إيجاب ولا قبول، أو أن مجرد مس السلعة يعتبر عندهم قبولاً وإيجاباً، ولا يرون خيار المجلس أيضاً موافقةً لبعض فقهاء المسلمين، ولهذا فقد حسب علينا الكومبيوتر تلك الزجاجة، وهى لا تزال في الثلاجة إلا أنها لم تعد في مكانها الذي وضعت فيه، وكانت فعلاً من المشروبات الكحولية..!
وكان قد زارنا في الفندق هذه الليلة الأخ الدكتور: عوض بن بكرى السميري، وذكر لنا بعض المعلومات الإجمالية عن المعهد وعن بعض الجمعيات في اليابان.
وهى:
1 ـ جمعية مسلمي اليابان.
2 ـ جمعية المسجد.
3 ـ جمعية الثقافة الإسلامية.
4 ـ الجمعية العمومية التركية.
5 ـ جماعة التبليغ.
الأربعاء 2/11/1406هـ
في الساعة الحادية عشرة صباحاً خرجنا من فندق واشنطن لزيارة المعهد العربي الإسلامي الذي يقوم بإدارته الآن الأخ: عوض السميري، ونقلنا حقائبنا إلى فندق: كيوبلازا، وهو قريب من فندق واشنطن، وفندق كيوبلازا هو الذي كنا نزلنا فيه قبل ثمان سنوات عندما مررنا باليابان عن طريق أمريكا.

معلومات عن المعهد العربي الإسلامي في مدينة طوكيو:

ـ أنشئ المعهد في سنة 1403هـ.
ـ أنشأته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهى المشرفة على تمويله ومناهجه ونظمه وإدارته وكل نشاطه.
وقد بينت نشرة عَرَّفت بالمعهد أهدافه فيما يأتي:
(1) توثيق روابط الصداقة بين الشعب الياباني والشعوب العربية، وتوطيد العلاقات بين اليابان والمملكة العربية السعودية خاصة والعالم العربي الإسلامي عامة.
(2) نشر اللغة العربية وتعليمها لغير الناطقين بها.
(3) التعريف بالإسلام ومساعدة الراغبين في الاطلاع على الثقافة العربية الإسلامية.
(4) مساعدة المسلمين اليابانيين وغيرهم بالتعرف على أمور دينهم.
(5) ترجمة الأبحاث الإسلامية والعربية المناسبة من اللغة اليابانية وإليها.
(6) العناية بأبناء العاملين في السلك الدبلوماسي العربي والإسلامي والجاليات الإسلامية، وذلك بتعليم اللغة العربية ومبادئ الدين الإسلامي، وربطهم بهويتهم الثقافية.
كما بينت النشرة أقسام المعهد فيما يأتي:
(1) قسم الإعداد اللغوي.
(2) قسم تعليم أبناء الجاليات الإسلامية.
(3) مركز البحوث والترجمة والعلاقات الثقافية.

ويضم القسم الأول ثلاث شعب:

1ـ شعبة تعليم اللغة العربية والدراسات الإسلامية، ومهمتها: تأهيل الدارسين من أبناء اليابان تأهيلاً يمكنهم من الالتحاق بالمعاهد والكليات العربية والإسلامية، ومدة الدراسة فيها سنتان دراسيتان، وعدد المستويات أربعة، و عدد ساعات الدراسة خمس وعشرون ساعة أسبوعياً، ويدرس فيها الطالب علوم اللغة والدين، ويمنح بعد نجاحه شهادة دبلوم الإعداد اللغوي في اللغة العربية والدراسات الإسلامية.
2ـ شعبة تعليم اللغة العربية: وتقوم بتأهيل الدارسين المسلمين وغير المسلمين من أبناء اليابان وغيرهم، تأهيلاً يمكنهم من ممارسة أعمالهم مع العرب والتعرف على آدابهم وحضارتهم، ومدة الدراسة بها سنتان دراسيتان، وعدد المستويات أربعة، وعدد ساعات الدراسة عشرون ساعة أسبوعياً، يدرس الطالب فيها اللغة العربية ويزود بقدر من الثقافة الإسلامية، ويمنح بعد نجاحه شهادة النجاح في قسم الإعداد اللغوي ـ شعبة اللغة العربية.
3ـ شعبة الدراسات المسائية الإضافية: وهى دورة دراسية في تعليم اللغة العربية، ومدتها أربعة أشهر، وتهدف إلى تزويد الملتحق بقدر من اللغة العربية يمكنه من التعامل مع أهلها.
وهذا القسم بشعبه الثلاث مزود بمعمل تعليمي حديث.

القسم الثاني: قسم تعليم أبناء الجالية الإسلامية ويضم شعبتين:

1 ـ شعبة تعليم الناطقين بالعربية: ومهمتها تعليم هؤلاء الأبناء تعليماً عاماً، يعطيهم قدراً من الثقافة العربية الإسلامية، ويمكنهم من متابعة دراستهم عند عودتهم إلى بلادهم.
2 ـ شعبة تعليم غير الناطقين بالعربية: ومهمتها تعليم أبناء الجاليات الإسلامية غير الناطقين بالعربية مبادئ اللغة العربية والدين الإسلامي.

القسم الثالث: مركز البحوث والترجمة والعلاقات الثقافية:

يضم هذا القسم مكتبة متخصصة في العلوم العربية والإسلامية، تحتوى على أمهات الكتب والمصادر في هذا المجال، وذلك لخدمة الباحثين وطلاب العلم وتزويدهم بالثقافة العربية والإسلامية.
ويهدف هذا القسم إلى:
1ـ إجراء البحوث والدراسات اللغوية والتربوية الخاصة بتعليم اللغة العربية لغير العرب والإشراف على التخطيط لها.
2ـ بحث المشكلات اللغوية والتربوية والتعليمية التي تعاني منها المدارس العربية الإسلامية في اليابان.
3ـ المشاركة في وضع أسس علمية لتأليف الكتب الدراسية وإعداد الوسائل المعينة المناسبة.
4ـ إصدار النشرات ونشر البحوث الخاصة في هذا الميدان.
5ـ تنظيم الدورات والحلقات الخاصة في المجالات السابقة.
6ـ إجراء البحوث التي تساعد على التعريف بالإسلام ومساعدة الراغبين في الاطلاع على الثقافة الإسلامية.
7ـ ترجمة الأبحاث العربية والإسلامية المناسبة من اللغة اليابانية وإليها.
8ـ تقوية العلاقات الثقافية بين المعهد والمؤسسات التربوية المماثلة داخل وخارج اليابان، وكذلك تبادل الخبرات في مجال تعليم اللغة العربية لغير العرب، وفي مجال الدراسات الإسلامية.
9ـ تنظيم المحاضرات والندوات والأمسيات الثقافية.
10ـ إصدار مجلة دورية خاصة بالمعهد تعمل على تحقيق أهدافه.
11ـ تقديم الثقافة العربية الإسلامية بمختلف صورها بالطرق المسموعة والمرئية والمكتوبة لأبناء اليابان بكل الوسائل الممكنة.
12ـ تكوين جمعية صداقة يابانية عربية يرعاها المعهد تضم بعض رجال الجالية العربية باليابان ويكون لها أعضاء ورؤساء شرف من الأشخاص البارزين.
وذكر الأخ عوض قسماً آخر للمعهد لم أجده في النشرة والظاهر أنه أنشئ مؤخراً، كما ذكر أنه يوجد قسم ابتدائي على منهج وزارة المعارف السعودية، والظاهر أنه يعنى شعبة تعليم الناطقين بالعربية في القسم الثاني.
وذكر الأخ عوض أن عدد طلبة المعهد في هذه الدورة الحالية أربعمائة، وأنه قد تخرج من المعهد ألف ومائتا طالب وطالبة من وقت تأسيسه.
ويشارك المعهد في مهرجانات ثقافية تقام في اليابان، ويتعاون مع بعض الجامعات اليابانية.
ويشغل المعهد خمسة طوابق في إحدى العمارات، وطوابقه متفرقة: الدور الأرضي والأول خصصا للمسجد، والدور الخامس للمكتبة، والدور السادس فصول دراسية، والدور السابع فيه المكاتب الإدارية وقاعة المحاضرات.
وعدد المدرسين في الوقت الحاضر سبعة، والإداريون ثلاثة، وقال الأخ عوض: إن المعهد سيقوم بدور إيجابي أكثر إذا هيئت له الإمكانات، وبخاصة الكتاب، لأن الياباني مشغول بعمله، والكتاب يمكن صاحبه من قراءته في أي وقت من أوقاته المناسبة.
وقال: إن علاقة المعهد بالمنظمات والجمعيات علاقة طيبة، والمسجد الوحيد في طوكيو الآن هو مسجد المعهد، الذي لا تقام صلاة الجمعة إلا فيه، ويتم فيه تحفيظ القرآن الكريم خلال الأسبوع للصغار والكبار، ويوزع المطبوعات والكتب الإسلامية التي ترد إليه من الجامعة على الجامعات اليابانية والمراكز الثقافية، كما يتم توزيع المطبوعات والمنشورات عن طريق طلاب المعهد، والمعهد في حاجة إلى مكان مناسب واسع يمكنه من القيام بأداء نشاطه التعليمي والثقافي والدعوة على الوجه الأكمل.
ولد الأخ عوض بن بكرى السميري في سنة 1373هـ في المدينة المنورة، وأخذ الثانوية من المعهد العلمي في نجران، والليسانس من كلية العلوم الاجتماعية بالرياض في التاريخ، وكذلك الماجستير وموضوع رسالته: محمد بن القاسم الثقفي والفتح الإسلامي في بلاد السند، والدكتوراه، تحقيق كتاب المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، العصر العباسي الأول، وقد عين مديراً للمعهد العربي الإسلامي في رجب سنة 1405هـ ويحاول دراسة اللغة اليابانية.
وقد سبقه في إدارة المعهد الأخ محمد بن سعد الغامدي وتلاه الأخ عبد العزيز التركستاني، وقد أثنى عليهما الأخ عوض كما أثنى عليهما أعضاء المركز الإسلامي وبعض مسلمي اليابان.
وهكذا يجد من يقدم الخير للناس ويقصد وجه الله الجزاء عند ربه في الآخرة وينال الثناء الحسن عند خلقه في الدنيا.

اقتراحات للمعهد العربي الإسلامي في طوكيو:

إن وجود مثل هذا المعهد في اليابان يعد خطوة مباركة لنشر لغة القرآن الكريم، والتعريف بمبادئ هذا الدين والدعوة إليه وأهداف المعهد وأقسامه تعد في غاية الأهمية لتحقيق هذين الأمرين، وهو يسير إن شاء الله سيراً حسناً، يرجى له التوفيق والسداد.
وأنا أعلم أن المسؤولين في المعهد في طوكيو والمسؤولين عنه في جامعة الإمام، يودون له النجاح الكامل في أداء مهمته وبخاصة فيما يتعلق بأمور الدعوة إلى الله التي هي أساس إنشائه إن شاء الله.
والمقترحات التي أقدمها أنا وغيري بهدف ترقية العمل لهذا المعهد، قد يكون بعضها أو كلها منفذاً، وقد تكون معدة للتنفيذ، وكل ذلك لا يمنع من تقديم ما يراه المقترح، فما كان منها موجودا فذِكْره تأكيد عليه وتأييد له، وما كان منها غير موجود فذكره للتنبيه عليه، وما الغرض إلا الخير للمعهد ودوره العظيم، في مثل هذا البلد الذي يصعب العمل فيه للإسلام بدون وسائل ناجحة تتحقق بها الأهداف التي من أجلها أنشئ المعهد.
الاقتراح الأول: أن يبحث عن أرض واسعة في مكان بارز مناسب في العاصمة طوكيو، ويطلب من الحكومة اليابانية أن تمنحها للمعهد، تعاوناً في أداء مهمته التي تعود بالفائدة على اليابانيين قبل غيرهم، من حيث تعليمهم اللغة العربية والثقافة العربية التي هم في حاجة إلى الحصول عليها، ليتم التعامل بينهم وبين الدول العربية التي تعتبر سوقاً تجارية رابحة لليابان، ولو فرضنا أن الحكومة اليابانية لم تسهم بنفسها في ذلك، فإن المملكة العربية السعودية وقد تحملت على عاتقها إنشاء هذا المعهد ينبغي أن تواصل المسيرة في ذلك بالوسائل التي تراها مالية أو غيرها.
والهدف من الحصول على هذه الأرض منحة من الحكومة اليابانية أو شراء من المملكة العربية السعودية، هو إنشاء المعهد بمرافق تلائم أهدافه ووسائله من فصول دراسية، ومكتبة، ومسجد، وقاعة محاضرات، ومكاتب إدارية، وملاعب رياضية وغيرها من احتياجات المعهد، لأن تصميم مباني أي مؤسسة ابتداء يؤدي الغرض الذي تصبو إليه تلك المؤسسة، بخلاف استئجار مباني جاهزة لم تصمم له خاصة، فإنها في الغالب لا تؤدي الغرض كاملاً، وهذه حال المعهد الآن، إذ أخذ طوابق في عمارة مشتركة له ولغيره، وهذه الطوابق مفرقة وليست متصلة، يضاف إلى ذلك أن المعهد لا يستطيع أن يمارس نشاطاً في الليل بعد الدوام، لأن المبنى كله يقفل.
وإذا علمنا ضعف العمل الإسلامي في اليابان وقلة الإمكانات التي يستعين بها الدعاة على تحقيق نشاطهم، ظهر لنا أهمية مثل هذا الاقتراح، فالعاصمة طوكيو، لا يوجد بها مسجد الآن يؤدون فيه صلاة الجمعة والجماعة والعيدين إلا مسجد المعهد المؤقت، وعندما أقيمت صلاة العيد أقيمت في فندق كيوبلازا، والمسلمون في أمس الحاجة إلى مسجد جامع كبير يكون منارة يهتدي إليها المسلمون ومن يريد الاطلاع على الإسلام ومبادئه، كما أن وجود مرافق ثابتة معدة للتعليم، كالمدرسة الابتدائية الخاصة بأبناء المسلمين، والفصول الدراسية للشُّعب الأخرى وقاعة المحاضرات العامة وغيرها من المرافق المطلوبة، كل ذلك سيكون مفيداً في أداء مهمة المعهد وإفادة المسلمين اليابانيين وغيرهم.
الاقتراح الثاني: الإكثار من المنح الدراسية لطلاب المعهد اليابانيين المسلمين في الجامعات والمعاهد الإسلامية، وتتولى هذه المنح المؤسسات في المملكة العربية السعودية وفي غيرها، كالكويت وقطر ومصر وغيرها، وتأخذ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في معاهدها العلمية وكلياتها أكبر عدد ممكن، وكذلك الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، والذين يتخرجون من الكليات الإسلامية من هؤلاء ومن الدراسات العليا تتعاقد معهم رابطة العالم الإسلامي في مكة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، للتدريس في المعهد والقيام بالدعوة إلى الله بين طلابه وغيرهم، كما يستفاد منهم في ترجمة بعض الكتب الإسلامية العربية، إلى اللغة اليابانية وسيفيد هؤلاء قومهم بلغتهم أكثر من غيرهم.
الاقتراح الثالث: أن تختار جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عدداً من طلابها الأذكياء الصالحين الذين عندهم رغبة في الدعوة إلى الله، بعد أن يتخرجوا من الكليات و تبعثهم إلى اليابان باسم مدرسين في المعهد وطلاب في جامعات اليابان، ليدرسوا هناك الدراسات العليا. الماجستير والدكتوراه، والغرض الأساسي من ذلك هو تعلم اللغة اليابانية وإتقانها، للقيام بالدعوة إلى الله في صفوف طلبة المعهد وفي صفوف زملائهم وأساتذتهم في الجامعات اليابانية، بالطرق المناسبة وهؤلاء الطلاب سيكون لهم أثر فعَّال في مستقبل الدعوة إلى الإسلام في اليابان، للصلات التي تحصل بينهم وبين اليابانيين، ولإجادتهم لغتهم ومخاطبتهم بها عندما يشرحون لهم مبادئ الإسلام، ولأنهم سيصبحون قادرين على ترجمة الكتب الإسلامية إلى اللغة اليابانية، وترجمتهم ستكون أسلم من ترجمة غيرهم، وسيتعاونون في هذه الترجمة مع زملائهم المؤهلين في اللغة العربية من اليابانيين، وبذلك ستوجد حركة علمية ثقافية إسلامية عظيمة، كما أن هؤلاء الطلاب سيستفاد منهم في ترجمة الأبحاث والكتب التي يحتاج إليها العرب من اللغة اليابانية إلى اللغة العربية، وفي هذا فوائد عظيمة على المدى البعيد.
الاقتراح الرابع: اختيار عدد من طلبة المعهد المسلمين النشطين، وعدد من غير المسلمين كذلك في أثناء العام الدراسي، لزيارة المملكة العربية السعودية، يرتب لزيارتهم منهج يزورون جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في فروعها المختلفة، وكذلك الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وبعض الآثار الإسلامية، ويخص المسلمون منهم بالعمرة وزيارة المدينة، لما في هذه الزيارة من تقوية المسلمين واطلاع غيرهم على الإسلام في بيئته.
الاقتراح الخامس: اختيار عدد من طلبة الجامعات السعودية لزيارة المعهد في طوكيو، للاختلاط بطلابه هناك، لأجل الغرض المذكور في الاقتراح الرابع.
الاقتراح السادس: انتداب بعض أساتذة اللغة العربية، المتمكنين من اللغة العربية واللغة الإنجليزية ومن الثقافة الإسلامية، للتدريس في المعهد لمدد قصيرة لتجديد نشاط الطلاب والمدرسين في المعهد والتأثير على الطلبة اليابانيين.
إن هذه الاقتراحات وغيرها مما يقوم به المعهد وما يمكن أن يستجد جديرة بالاهتمام، وأرجو الله أن نرى قريبا كثيراً منهاً قد نفذ وأن نرى ثمارها اليانعة قد تحققت والله ولى التوفيق.

زيارة المركز الإسلامي في طوكيو:

[راجع ما كتبته عن هذا المركز في رحلتي الأولى إلى اليابان 1398هـ في هذا الكتاب ص:15].
وبعد أن زرنا المعهد العربي الإسلامي في طوكيو، قمنا بزيارة المركز الإسلامي في اليابان، ومقره طوكيو.
وقد أسس المركز الإسلامي في اليابان عام 1965م وتم الاعتراف به رسمياً عام 1975م أي بعد عشر سنوات من تأسيسه، وهو هيئة دينية لا ترمى للربح، أي ليس تجارياً، ولا يتدخل في الشؤون السياسية للبلاد، ويمثل المسلمين في اليابان، وتقوم الجمعية العمومية بانتخاب مديري المركز، ويعتمد المركز في تمويله إلى الآن على التبرعات والمساعدات والهبات، إضافة إلى رسوم العضوية من القادرين من الأعضاء، وعلى بيع بعض مطبوعاته، و بعض الأعمال الفنية الإسلامية من الصناعات التقليدية.
ويدور نشاط المركز حول نشر تعاليم القرآن والسنة والاهتمام بهما ويشمل ما يأتي:
1ـ تعليم الصلاة وقراءة القرآن.
2ـ الدعوة عن طريق المحاضرات والمناقشات، والاجتماعات وإرسال مطبوعات المركز إلى من يطلبها، وإلى المؤسسات التعليمية.
3ـ ترجمة وطباعة كتب وكتيبات عن الإسلام توزع مجاناً ويوجد منها الآن ثلاثون مطبوعاً باللغة اليابانية.
4ـ تعليم اللغة العربية.
5ـ إدارة روضة الأطفال الإسلامية العالمية.
6ـ فتح المكتبة للمطالعة من الساعة التاسعة صباحاً إلى صلاة العشاء.
7ـ مساعدة الجالية الإسلامية بالنصح وعمل عقود النكاح.
8ـ دعم وتزويد المنظمات الإسلامية الأخرى بالمطبوعات الإسلامية.
9ـ طباعة جدول أوقات الصلاة والتقويم الهجري كل سنة.
10ـ متابعة ما ينشر عن الإسلام في الصحف والمجلات والإذاعة وغير ذلك، وكذلك تقديم النصح والتوجيه للشركات المتعاملة مع البلدان الإسلامية متى ما طلبت ذلك.
ويشارك المركز في عضوية عدة منظمات إسلامية عالمية ومحلية، ومنها اتحاد المساجد العالمي في مكة المكرمة، والاتحاد الإسلامي لجنوب شرق آسيا والمحيط الهادي في كوالالمبور، والاتحاد الإسلامي للمنظمات الإسلامية في اليابان ـ طوكيو. [التقرير السنوي العام للمركز 1985م].

مع الأخ محمد يوسف علي السوداني ومعلومات عن المركز:

في المركز الإسلامي في طوكيو من اليمين: عبد العزيز التركستاني، محمد يوسف السوداني، الكاتب، محمد باكريم، عوض السميري. 2/11/1406? ـ 9/7/1986م
في المركز الإسلامي في طوكيو من اليمين: عبد العزيز التركستاني، محمد يوسف السوداني، الكاتب، محمد باكريم، عوض السميري. 2/11/1406? ـ 9/7/1986م

وقد التقينا في المركز الأخ الكريم محمد يوسف علي السوداني، وهو من منطقة الجزيرة بوادمدني في السودان، درس الابتدائية والإعدادية في الجزيرة، والثانوية والجامعة في الخرطوم، كلية الاقتصاد، قسم إدارة الأعمال، عمل سنتين في قطاع شركة التأمين الإسلامي في السودان، وانتقل إلى اليابان سنة 1982م ليواصل الدراسات العليا في جامعة يوكوهاما، نال منها الماجستير في الإدارة اليابانية وهو الآن في مرحلة الدكتوراه في جامعة كيُّو يحضر في سنته الثانية عن الفكر الإداري في الإسلام.
وعندما حضر إلى اليابان قام ببعض النشاط الطلابي مع الطلبة المسلمين تجميعاً وتنشيطاً، وكلف أن يؤم المسلمين في صلاة الجماعة في المسجد الجامع في طوكيو عند غياب الإمام.
والتحق بالمركز الإسلامي عضواً، وهو مسؤول عن الجانب الإداري في المركز، وله سنتان في هذه الوظيفة، وهو سكرتير عام مؤقت لاتحاد الطلاب المسلمين في اليابان، الذي بدأ نشاطه في طوكيو وسينتخب لجنة دائمة له قريباً، كما قال الأخ محمد يوسف.
وقد كان النشاط الطلابي هو البداية لتنظيم العمل الإسلامي في اليابان [هذا فيما يبدو يتعلق بعمل المسلمين من الطلاب غير اليابانيين لأن جمعية مسلمي اليابان نشأت في سنة 1935م]. في سنة 1960م، وكان يضم مجموعة من الطلاب اليابانيين وغيرهم، ونتيجة لذلك أنشئ المركز الإسلامي.
والصلة بين اتحاد الطلاب المسلمين هنا واتحاد الطلاب المسلمين في أمريكا وأوروبا ضعيفة، ولكن الصلة قوية بين اتحاد الطلبة المسلمين في اليابان واتحادات الطلاب المسلمين في جنوب شرق آسيا والدول العربية، كالكويت.
والمركز يقوم بنشاطات إسلامية، كالنشر والإعلام وترجمة الكتب وتوزيعها، وإقامة الندوات والمحاضرات الدورية والمناسبات، وله نشاط تعليمي في فصول دراسية صغيرة لتعليم اللغة العربية، للمسلمين وغيرهم من اليابانيين، وقد دخل بعض اليابانيين في الإسلام وبعضهم لا زال يتعرف عليه.
وللمركز مجلس إدارة يتكون من أحد عشر شخصاً: اثنان يواظبان على العمل يومياً، وثلاثة موظفون إداريون، والمركز يحتاج إلى ما لا يقل عن خمسة عشر شخصاً يعملون بصفة دائمة، ولكن قلة الإمكانيات تحول دون ذلك، وينشر المركز مجلة فصلية باللغة اليابانية، اسمها: "الإسلام" وقد يتأخر صدورها بسبب عدم وجود متفرغ للإشراف عليها.
وبعض الجامعات والمدارس تطلب من المركز من يلقي محاضرات فيها، لتعريف طلابها بالإسلام، ولا يوجد عندنا من عنده مقدرة على ذلك، وحاجة المركز ماسة إلى دعاة يفقهون الإسلام، وعندهم وعي لطبيعة اليابانيين.
ويعتبر المركز الإسلامي كالأب للجمعيات الإسلامية، وهو الذي يعطيها التسهيلات عندما ترجع إليه، ويمول المركز ثلاثة فروع له في خارج طوكيو، وهو الجهة القانونية المعترف بها.
وعدد أعضاء الجمعية العمومية للمركز تسعة وثلاثون منهم اثنان من أصل ياباني، وهما رئيس مجلس الإدارة ومدير الاستثمارات، وثلاثة مستوطنون في اليابان، وقال الأخ محمد يوسف: إن اليابانيين فيهم سمات القبيلة الواحدة، يحاولون أن يؤقلموا كل شيء يدخل عليهم من الديانات، كالبوذية والكنفوشيسية، و يحاولون ذلك بالنسبة للإسلام، وقد ترى بعض الأشخاص يتدين بأربعة أديان في وقت واحد، ويعود ذلك إلى عدم فهم الياباني للإسلام فهماً جيداً بسبب ضعف فهم الدعاة إلى الإسلام للإسلام، والياباني في حاجة إلى من يخاطبه بلغته مع معرفة دين الإسلام.
والكتب التي ترجمها المركز أغلبها أوليات وليست كافية للإجابة على أسئلة اليابانيين التي تدور في أذهانهم عن الإسلام، لأن ثقافة اليابانيين عالية أغلبهم يتجاوز المرحلة الثانوية وأقلهم ثقافته ثانوية.
وإذا وجد من يفهم الإسلام فهماً جيداً وهو لا يفهم اللغة اليابانية، لا يستفيد منه اليابانيون، وقد يدخل بعض اليابانيون الإسلام لأغراض دنيوية ومحبة للسمعة، فيحصل بينهم شيء من الصراع، ويعتبر بعض اليابانيين المركز أجنبياً عنهم، ولذلك لا يتعاونون مع المركز تعاوناً مثمراً.
وبعض اليابانيين درسوا في الخارج ورجعوا بأفكار تخالف أفكار زملائهم الذين كانوا يعملون معهم في جمعية واحدة، فانفصل كبارهم عن الجمعية بسبب ذلك، والأستاذ عبد الكريم سايتو هو عضو في المركز عندنا ورئيس فخري لجمعية مسلمي اليابان، وتوجد محاولة للتقارب بين المركز والجمعية، ولم تنجح إلى الآن.
وقد كلفت أرض المركز التي بُني عليها أكثر من خمسمائة مليون ين ياباني، وكلف البناء أكثر من بليون ين، ومقر المركز السابق مستعمل الآن لروضة الأطفال، وفيه مدرِّسة تقوم بالعمل. ولدى المركز مشروع مدرسة كاملة، ولكن تكاليفها كبيرة.
انتهى ما أدلى به الأخ محمد يوسف من المعلومات عن المركز الإسلامي في طوكيو.

هذه هي الحديقة!

وفي الساعة الثالثة والربع جاء إلينا الأخ الدكتور عوض السميري في المركز، وطلب منا أن نذهب معه، فسألناه إلى أين؟ فقال: إلى الحديقة، وكنا قد أبدينا رغبتنا في زيارة بعض الأماكن في طوكيو، ومنها الحديقة، وظننا أنه أراد الحديقة المعهودة في أذهاننا، ولكنه وقف السيارة في شارع ضيق، وقال: تفضلوا، وقلنا: أين؟ قال: إلى الحديقة، وقد عنى منزله، وهو في شقة بعمارة لها حوش صغير، وفيه بعض النباتات ومنها النعناع، وأشار إلى النعناع وقال: هذه هي الحديقة. قلت: لا بأس فقد عَرَّيْتَ بعد أن وَرَّيْتَ، وقد استفدت أنا من تلك الحديقة إذ شربت كوباً من النعناع عندما شرب باكريم الشاي، وقد كان يشرب الشاي أمامي وأنا لا أشربه.
وكان غرض الأخ عوض أن نتناول في منزله طعام الغداء وقد دعا بعض الإخوة، ومنهم الأخ الكريم: الطالب السعودي عبد العزيز التركستاني.
وهذه بعض المعلومات عنه: عبد العزيز عبد الستار التركستاني ولد في سنة 1377هـ بمدينة الطائف، وكانت دراسته في جدة إلى أن تخرج في جامعة الملك عبد العزيز، كلية الآداب قسم الإعلان، وكان ضمن الدفعة الأولى في هذا القسم.
أخذ الماجستير في اليابان في الإعلان بعنوان: الوضع الإعلاني في المملكة العربية السعودية وسبل تطويره.
جاء إلى اليابان في سنة 1400هـ وفي مدة تسعة أشهر تحدث اللغة اليابانية، وهو الآن يحضر الدكتوراه في الإعلان، وقد كان طالباً تابعاً لجامعة الملك عبد العزيز، ثم عينته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في كلية الدعوة والإعلام مؤقتاً، وأسندت إليه إدارة المعهد العربي الإسلامي في طوكيو لمدة سنة تقريباً، ثم تفرغ لإكمال دراسته من إدارة المعهد، ويُدَرِّس في معهد الثقافة الإسلامية باللغة اليابانية في الصباح، وفي المساء يدرس القراءة والمحادثة و أهله معه وعنده ثلاثة أولاد كلهم ذكور، أكبرهم يسمى بشار.
وقال الأخ عبد العزيز: إن المشكلة التي واجهته أنه لم يجد في الدراسات العليا في اليابان زملاء سعوديين سبقوه حتى يستفيد منهم، ولهذا بدأ بنفسه اختيار سبيله في الدراسة، كما أن من المشكلات التي واجهته اللغة، إذ كان يدرس اللغة اليابانية عن طريق اللغة الإنجليزية، فكان يقرأ الصفحة التي تستغرق ساعة ـ لو قرئت مباشرة ـ في مدة ثلاث ساعات، وكان لوجود اللغة الإنجليزية عنده فائدة كبيرة، وكانت الاختبارات صعبة، حيث مر باختبار القسم ثم اختبار الكلية، ثم اختبار الياباني ـ أي اللغة اليابانية ـ ثم دخل مقابلة شخصية، وبعدها سجل في الماجستير، وكان زملاؤه الذين دخلوا الاختبار تسعة وأربعين شخصاً، لم يقبل منهم إلا اثنان هو وزميل له ياباني، وهو يدرس في أكبر جامعة يابانية وتسمى: واسيدا (WASIDA) وكذلك الدكتوراه يمر فيها بنفس مقابلة الماجستير واختباراتها، إضافة إلى بحث خاص يقدم يبين مدى قدرة الطالب وهل يمكنه أن يقدم شيئاً جديداً، وبعد ثلاث سنوات يكون مرشحاً ليكون دكتوراً، فإن كان يابانياً بقى خمسة عشر سنة يقدم فيها أبحاثاً، ثم قد يعطى دكتوراه وقد لا يعطى.
أما غير الياباني، فإنه بعد ثلاث سنوات يقابل في مشروع موضوع معين، فإذا سمحوا له بعد المقابلة يقدم الدكتوراه ويناقش ويمنح درجة الدكتوراه، ولكن لا يسمح له أن يُدَرس في جامعات اليابان.
وقال الأخ عبد العزيز: لقد استفدنا من اليابانيين أنهم يعلمون الإنسان أن يعرف قدر نفسه ويجعلونه يتواضع.
قلت: هذا المعنى الذي حرص اليابانيون عليه هو إتقان العمل، بحيث لا يوضع الإنسان في مكان ما إلا وهو أهل لذلك المكان، وإذا كان المرشح لأن يكون دكتوراً منهم يبقى خمسة عشر عاماً يقدم فيها أبحاثاً، وتختبر قدراته طيلة هذه المدة، ثم بعد خمسة عشر عاماً قد يرون أنه يصلح لتقديم أطروحته للدكتوراه، وإذا منحوه هذه الدرجة أصبح أهلاً لأن يقف أمام طلاب اليابان في الجامعة، ليعطيهم علماً قد محص صاحبه حتى أصبح يوثق في علمه، فإن ذلك من أهم أسباب إتقان اليابانيين أعمالهم وبناء بلادهم، لأنهم لا يسمحون لأحد أن يقفز من مكانه إلى مكان أعلى منه بدون كفاءة، ولفقد هذا المعنى في الشعوب المتأخرة المسماة بالنامية لم تزدد تلك البلدان إلا تأخراً، لأن كثيراً من الذين يتولون توجيه تلك الشعوب الثقافي والاجتماعي وغيرهما، يصلون إلى مراكز التوجيه تلك وهم ليسوا أهلاً لها، فيخرجون أجيالاً مثلهم ليسوا مؤهلين، فتصاب الشعوب بنكبات الجهل والخيانة والضعف في كل مرافق حياتها.
وما الخير الذي يرجى من دكتور نال درجة الدكتوراه بالزور والبهتان، وهو لا يعرف شيئاً من تخصصه، ولا يوجد لديه عمل يدل على صدقه في الدراسة والتحصيل.
ولقد كان سلفنا الصالح من علماء الإسلام، لا يسمحون لطلابهم بأن يتولوا منصب التدريس إلا بعد أن يتقنوا العلوم على أيديهم، وبعد أن يجربوهم فترة طويلة من الزمن، فإذا رأوهم جديرين بذلك أذنوا لهم في أن يتولوا تدريس غيرهم، وهذا المعنى هو الذي يطبقه الآن اليابانيون.

مع الدكتور صالح بن مهدي السامرائي:

وقد التقينا الدكتور صالح مهدي السامرائي الذي أعطانا بعض المعلومات المتفرقة في أوقات مختلفة، عن الإسلام في اليابان، وكذلك التقينا بعض المسلمين القدامى في اليابان، والدكتور السامرائي يترجم لنا ذلك، ولهذا سأكتب تلك المعلومات حسب ورودها الزمني وان كانت مزقاً متفرقة.
فقد قال الدكتور صالح السامرائي: إن أحمد أريجا كان نصرانياً وزار بومباي سنة 1900م ولفت نظره أحد المساجد، فدخله وسأل عن الإسلام فأسلم.
وفي آخر القرن الماضي أقام ياباني في استنبول وهو خليل يمادا، وأسلم، ولم يترك أثراً معيناً، ولكن ابنه، وهو رئيس مدرسة تعليم إعداد الشاي على الطريقة اليابانية، اتصل به بعض المسلمين وظهر لهم من كلامه أن والده كان مسلماً، واستعد هو نفسه لتفهم الإسلام، وقد وجد الدكتور السامرائي مع زوجة يمادا أوسمة عثمانية.
وقال الدكتور صالح: إن علي أحمد الجرجاوي زار اليابان سنة 1907هـ، وهو صاحب مجلة الإرشاد، وألف كتاباً، وفي تلك الفترة عقد مؤتمر للأديان في اليابان، وقد يفهم من كتابه أنه حضر المؤتمر، والذي يبدو أنه لم يحضره.
وحضر أحد الأتراك اليابان عام 1909م واسمه عبد الرشيد إبراهيم وهو من أكابر علماء قازان، وكتب عن اليابان، وكتابه علمي دقيق، وحج معه أول مسلم ياباني واسمه عمر ياماوكا، وكان عبد الرشيد يلبس لباسه الأزهري ويدور في قرى وأرياف اليابان للدعوة إلى الإسلام، والتقى بالأمراء والوزراء والأساتذة والصحفيين وضباط الجيش، وكتب أربعمائة صفحة عن اليابان، واهتدى على يده بعضهم، ويبدو أنه حاول أن يوجد مقراً للمسلمين، وذهب إلى سنغافورة وإلى بومباي، والتقى به عمر ياماوكا في استنبول، ثم رجع إلى اليابان.
وذكر عبد الرشيد أن هندياً سأله سؤالاً بحضور عمر ياماوكا فقال له عبد الرشيد: هذا السؤال ليس وقته الآن، وكان السؤال عن ختان عمر ياماوكا، ولما علم عمر ياماوكا بذلك غضب بسبب أن عبد الرشيد لم يخبره بأن عليه أن يختتن لأنه يريد تنفيذ ما يأمر به الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الدكتور السامرائي قصة لياباني أسلم حديثاً، وذكر له أنه يسن للمسلم أن يختتن، فقال: إنه مستعد، فقيل له على سبيل المزاح: يقطع ثلث الذكر فأصر على استعداده، ثم انه اختتن حسب السنة، ومعنى هذا أن المسلم عندما يقتنع بالإسلام يستسلم لأمر الله مهما كان.
وقال الدكتور السامرائي: إن عبد الرشيد إبراهيم ألقى محاضرة في جمعية الشبان المسلمين، وقال: إن إمبراطور اليابان قبل مائة سنة ـ فترة ميجي، مؤسس نهضة اليابان ـ كتب إلى السلطان عبد الحميد يطلب منه أن يبعث إلى الشعب الياباني من يشرح له الإسلام، وكان الإمبراطور الياباني يرغب في اتصال شعب اليابان بالشعب المسلم، ليتعاونا ضد ضغوط الدول الكبرى عليهما، فاستشار السلطان التركي جمال الدين الأفغاني فقال له: إذا أردت أن تبعث إلى اليابانيين من يشرح لهم الإسلام، فعليك أن تدرب علماء وتعدهم إعداداً خاصاً، يمكنهم من إعطاء صورة طيبة عن الإسلام، بحيث يؤثرون في الناس، أما الموجودون فقد ينفرون الناس عن الإسلام.
وقد وجدت الأخ الدكتور حامد تْشُوىْ يونغ كيل الكوري قد نقل هذه القصة عن الدكتور صالح السامرائي، عن طريق الدكتور السيد غلاب والدكتور حسن عبد القادر صالح، ومحمود شاكر في كتاب البلدان الإسلامية و الأقليات المسلمة ـ طبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، في كتابه الدعوة الإسلامية في كوريا، وهو ـ أي كتاب الدكتور حامد ـ رسالة دكتوراه حصل عليها من جامعة أم درمان الإسلامية في السودان ص66 ـ 68 ثم قال: "وتؤكد مجلة الأقليات الإسلامية: "زينول" على قول الدكتور صالح مهدي السامرائي: إن السيد عبد الرشيد إبراهيم التركي الجنسية والمولود في روسيا، قد جاء إلى اليابان عام 1909م وأنه كان واعظاً مسلماً مخلصاً إلى اليابان، ومات عام 1944م، وأسلم عدد من اليابانيين على يده، وأسلم أول رجل ياباني على يده اسمه كوتا رو ياماوكا (KOTAR YAMAOKA).

الإغراءات للياباني المسلم:

الخميس: 3/11/1406 هـ
والتقينا الأخ موسى محمد السوداني [سيأتي لقاء آخر موسع معه]. رئيس قسم العمارة في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وهو زميل الدكتور صالح في العمل الإسلامي في اليابان، ولعله يأتي تعريف بهما جميعاً عندما تحين الفرصة معهما في الأيام القادمة.
قال الأخ الدكتور موسى: إن الإغراءات التي يحصل عليها الياباني المسلم ـ وغيره ـ من الشركات اليابانية التي يتم توظيفه فيها، تجعله يفضل ذلك على التعاقد مع بعض المؤسسات الإسلامية ليتفرغ للدعوة، لأن الراتب الذي يعطاه من هذه المؤسسات لا يكفيه لسد حاجته، ولا يفيده لمستقبل أولاده، والحياة في اليابان تحتاج إلى نفقات عالية، فالشركة تمنح الموظف الياباني راتبه العادي وتعطيه في السنة راتب ستة أشهر، وتمنحه سكناً بإيجار مخفض، وتمنحه أرباحاً من رأس المال، وقد تُخَصَّصُ له أسهم في الشركة، وأين هذا من الراتب المقطوع الذي يأخذه من بعض المؤسسات الإسلامية؟

مع عبد الكريم سايتو وجمعية مسلمي اليابان:

في الساعة الثالثة من مساء هذا اليوم كنا في مقر جمعية مسلمي اليابان في طوكيو، وقد اجتمعنا بأعضاء الجمعية، ورئيس الشرف لها هو الأستاذ عبد الكريم سايتو وهو مسلم ياباني مشهور، توفى ابنه ويسمى: سعيداً، في العمارة التي سقطت في المدينة المنورة قبل ما يزيد على عشرين سنة، [كان هذا عندما كتبت هذه المعلومات سنة 1406هـ أما الآن وأنا أراجع هذه الرحلة وأرتبها سنة 1426هـ فقد مضى على ذلك 40 سنة] وكان طالباً في الجامعة الإسلامية، وهو يشبهه شبهاً واضحاً، ومن الأعضاء الذين كانوا موجودين: الأخ يوسف كاشهيرا، تخرج في كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى في مكة المكرمة سنة 1980م، والأخ نور الدين نوبو مورا، كان زميلاً للأخ يوسف وتخرج معه في نفس السنة من نفس الكلية.
وكان الأستاذ عبد الكريم سايتو يُدَرِّس في جامعة تاكو شوكو لمدة ستة عشر سنة، وأسلم بعض طلابها الذين تخرجوا منها، وهو عضو المجلس الأعلى للمساجد في رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وكان يرأس جمعية مسلمي اليابان هذه مدة طويلة، وهو ثالث رئيس لها ورئيس شرفها الآن، وهو عضو في المركز الإسلامي ومراقب مالي وإداري فيه.
أسلم سنة 1956م مع أول مجموعة دخلت اليابان من جماعة التبليغ، والسبب في إسلامه أنه كان قبل إسلامه يفكر في أنه لا بد للإنسان من دين وإيمان يعتقده، فوجد ذلك في الإسلام.
وهذه الجمعية هي أقدم الجمعيات الإسلامية في اليابان، نشأت سنة 1953م وهى معترف بها من قبل الحكومة اليابانية.
وقد أسلم بعض اليابانيين في الخارج: في الصين وماليزيا، وأسلم بعضهم داخل اليابان وبعضهم في روسيا، وعندما اجتمعوا في اليابان أنشأوا هذه الجمعية.
وللأتراك جمعية موجودة إلى الآن، ولكن جمعيتهم غير معترف بها. [لم أتمكن من الاجتماع بأعضاء هذه الجمعية].
والمشكلة التي تقف أمام العمل الإسلامي في جمعية مسلمي اليابان عدم وجود الدعم المادي، وأما الفكر والوعي في الأعضاء، فالحمد لله موجودان بصفة جيدة جداً.
وقال الإخوة: نحن نخجل من أن نطلب مساعدات مادية كغيرنا.
ويوجد في هذه الجمعية أعضاء من غير اليابانيين، إلا أن الأساس فيها أن تكون لليابانيين، وقد كان عدد المسلمين قليلاً جداً، أما الآن فعدد المسلمين حسب إحصاء الدولة خمسة وعشرون ألفاً، ونحن نعتقد أنهم من عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألفاً. [الكلام لبعض أعضاء الجمعية بحضور بقيتهم].
الجهاز الإداري للجمعية:
1ـ رئيس الجمعية واسمه زبير سوزوكي.
2ـ نائبه خالد هيجوتشي.
3ـ نائبه أيضا رمضان آي سوزاكى.
4ـ عبد الكريم سايتو.
5ـ عبد السلام أريمى.
6ـ يوسف كاشيهرا.
7ـ نور الدين موري.
8ـ قاسم نوهارا.
9ـ عزيز ساتو.
نشاط الجمعية:
ـ طباعة القرآن الكريم ـ وقد رأينا طبعتهم وهى باليابانية.
ـ تدريس اللغة العربية كل ليلة.
ـ ثلاث محاضرات شهرية.
ـ وترجموا كتاب جواهر البخارى، وروجعت الترجمة وهو جاهز للطبع. [ليت بعض المؤسسات الإسلامية أو بعض المحسنين يقوم بطبعه].
ـ جلسة أسبوعية للإجابة على أسئلة المسلمين من الأعضاء وغيرهم.
ـ ترجمة مبادئ الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
ـ ترجمة كتاب التوحيد للشيخ محمد بن صالح العثيمين.
ـ رعاية شؤون الموتى.
ويوجد في جامعة تاكوشونا ناد يسمى النادي العربي، وفيه مدرس للغة العربية، ويأتي طلاب النادي لدينا للدراسة والذي فتح المجال هو الأستاذ سايتو.
وذكر الإخوة أن الجمعيات الإسلامية الكبيرة الموجودة في اليابان سبع، أما الكبيرة والصغيرة فعددها اثنتان وعشرون جمعية.
ويوجد عدد من النواب دخلوا في الإسلام، وكونوا جمعية باسم جمعية النواب المسلمين، ومنهم: عبد العظيم أيناجاكى، ومحمد كومياما، وسيد تاكاجى، وعددهم كلهم سبعة فقط، والتعاون بين هذه الجمعيات قائم في النشاطات المختلفة كالمخيمات والمناسبات والمحاضرات.
أما النشاط الخاص فلكل جمعية استقلالها الإداري، ويوجد مجلس للتنسيق بين الجمعيات الإسلامية ولا زال، ولكنه ضعيف وأمينه الأستاذ سايتو.
وهذه الجمعية ـ أي جمعية مسلمي اليابان ـ في حاجة لإقامة مسجد ومدرسة ومقر للعمل الإسلامي.
وذكروا أن الأمير أحمد بن عبد العزيز عندما جاء قبل فترة إلى اليابان وعدهم بالمساعدة.
هذه المعلومات أخذناها من أعضاء الجمعية مباشرة في مقرهم.

جمعية جديرة بالاهتمام والدعم:

إن هذه الجمعية هي أقدم جمعية يابانية إسلامية، وأعضاؤها مثقفون ثقافة إسلامية جيدة ـ أعنى الإداريين منهم ـ والياباني أقدر على دعوة الياباني، لمعرفته بالأساليب المناسبة لدعوته ولقدرته على مخاطبته بلغته. وإن هذه الجمعية لجديرة بالمساعدة المادية، وما دامت جمعية إسلامية يابانية معترفاً بها، فإن مساعدتها بالمال الذي يمكنها من إيجاد مقر تنطلق منه الدعوة ويُعلَّم فيه المسلمون صغاراً وكباراً اللغة العربية والدين الإسلامي، ومسجد جامع يقومون فيه بشعائر الدين ويفد إليه المسلمون، إن ذلك سينفع الإسلام والمسلمين في اليابان.
ولقد كان مقرهم الذي يجتمعون فيه عندما زرتهم في المرة الأولى قبل ثمان سنوات أوسع من مقرهم الموجود الآن، فإن مقرهم الآن لا يتسع لأعضاء إدارتهم يجتمعون فيه، فضلاً عن أن يتسع لمن يقصدهم من المسلمين.
ولو كانوا يفعلون كما يفعل غيرهم يلحون في طلب المساعدات ويتوسطون في ذلك بذوي الجاه، لنالوا بعض المساعدات التي يبنون لهم بها مقراً لنشر الإسلام، ولكنهم لا يفعلون ذلك، و ها أنا أدعو كما دعوت قبل ثمان سنوات أهل الخير، من الحكومات والجمعيات الخيرية وأغنياء المسلمين، أن يساعدوا هذه الجمعية لتقف على أقدامها مُحافِظَة على أعضائها وأبنائها، وناشِرة لدعوة الإسلام بين اليابانيين. [راجع ما كتبته عن الجمعية في الجزء الأول من المشارق والمغارب ص170 مخطوطة].
كما أدعو المؤسسات الإسلامية المسؤولة عن الدعوة الإسلامية، أن تتعاقد مع أي عضو من أعضاء الجمعية، عنده مقدرة على الدعوة إلى الإسلام ليتفرغ لذلك وتدعمه بما يكفيه ويغنيه عن العمل لاكتساب لقمة العيش، فإن العمل للإسلام في اليابان قليل وضعيف، بسبب عدم وجود متفرغين كافين من أهل البلد الذين يقدرون على مخاطبة بني قومهم بلغتهم.
وإني أنصح أعضاء الجمعية أن يتصلوا بإخوانهم المسلمين في العالم الإسلامي، كما يتصل غيرهم من أعضاء الجمعيات في العالم لطلب المساعدة، فإنهم لا يطلبون لأنفسهم وإنما يطلبون لرفع راية الإسلام ونشر مبادئه والدعوة إليه، وأهل الخير الذين رزقهم الله مالاً وجاهاً يساعدون هذه الجمعية بهما، يؤدون واجباً عليهم لا منه لهم فيه.

مع الحاج أبي بكر موري موتو:

الاجتماع مع الحاج أبي بكر موري موتو
الاجتماع مع الحاج أبي بكر موري موتو

في الساعة الخامسة كنا في منزل الحاج أبي بكر موري موتو وقد رافقنا للدلالة عليه وللترجمة بيننا وبينه الدكتور صالح مهدي السامرائي ومعنا أيضا الأخ عبد العزيز التركستاني، رحب بنا الحاج أبو بكر وجلسنا معه وأخذنا منه ـ بعد أن عرفناه على أنفسنا ـ المعلومات الآتية:
ولد الحاج أبو بكر سنة 1905م أي إن عمره الآن وأحد وثمانون عاماً، ولا يزال نشيطاً.
تخرج في قسم الطباعة والفنون في الكلية التكنولوجية في طوكيو، في الجامعة الوطنية في تشيبا سنة 1925م وتخرج في أكاديمية الخطوط والفنون والطباعة في لايبزق في ألمانيا سنة 1928م، وتدرج في مهنة الطباعة والاستشارات.
وعمل في فيتنام في عام 63 ـ 1964م، وفي باكستان الشرقية ـ بنغلاديش ـ سنة 64 ـ 1965م، وهناك تعرف على الإسلام.
وفي سنة 1968م عمل في سيول، وعمل في سيلان سنة 1970م وزار كوريا والهند، وسريلانكا، وليبيا، والسعودية، ومصر، وماليزيا، وهونغ كونغ، ووسط آسيا، وإندونيسيا، والمالديف، وحج سنة 1978م، كما زار تايلاند، وإيران وتركيا، وبعضها عدة مرات وأسلم سنة 1965.
كان رئيساً لجمعية مسلمي اليابان من سنة 71 ـ 1974م وأنشأ الجمعية الثقافية وهو رئيسها من سنة 74 ـ 1982م وأنشأ مجلة ميدان الثقافة الإسلامية، وأسلم على يديه في هذه الفترة خمسون شخصاً.
وأسس معهد الدراسات الإسلامية من سنة 1983م ولا زال بالتعاون مع الدكتور هشام كردا، وتقوم حلقة هذا المعهد لدراسة الإسلام، بعقد محاضرات ودروس في اللغة العربية، على نطاق منتظم، ويساعده الأستاذ شودري وهو من بنغلاديش، وله هنا واحد وعشرون سنة، وهو يذيع من محطة إذاعة اليابان باللغة البنغالية ـ وكان الأستاذ شودري قد حضر جلستنا هذه ـ وقال الحاج أبو بكر عن سبب إسلامه: إنه في سنة 1964م ذهب إلى بنغلاديش فلفت نظره أعمال المسلمين، وقرأ عن الإسلام وعندما رجع سنة 1965م أسلم على يد داعية باكستاني اسمه السيد جميل.
وقال الحاج أبو بكر: إن أول حاج ياباني هو عمر ياماوكا، وكان حجه سنة 1909م. ولا يعرف بالضبط أول من أسلم، ولكن أول مسلم ذكر هو شوتا روودا، وأسلم في استنبول في سنة 1889م، ودرس الإسلام وتسمى عبد الخليل [هكذا ولعله عبد الجليل وإن كان الحاج أبوبكر قد أصر على عبد الخليل] وعندما عاد إلى اليابان توفى من فوره، ولم تتح له الفرصة للقيام بعمل إسلامي أو أن يعيش حياة إسلامية.
وسألته عن مصدر هذه المعلومات فقال: إنه أخذها من كتاب التقاء حضارة الشرق والغرب، لبروفيسور مايتو وأُلف الكتاب سنة 1942م. أما يمادا فذهب إلى تركيا سنة 1892م، وبقى سنتين هناك ولا يعرف بالضبط أكان مسلماً أم لا، ولكن الحاج أبو بكر قال: إن ابنه قد اعترف أنه كان يرسل لهم رسائل فيها اسم غير اسمه الذي عرف به قبل سفره، ولما كان الابن لا يعرف الإسلام فقد يكون هذا الاسم إسلامياً وهو لا يدري عنه، وأما أحمد أريجا فقد ذهب إلى بومباي سنة 1924م ولا يُدرى هل أسلم في بومباي أو بعد رجوعه منها إلى اليابان، وقد ذهب إلى الحج أبي تاناكا سنة 1924م.
وأول كتاب ظهر في اليابان عن الإسلام كتاب حياة محمد، وهو مترجم عن اللغة الإنجليزية سنة 1696م ـ 1697م وظهرت ترجمته اليابانية سنة 1876م، وأول ترجمة للقرآن الكريم باللغة اليابانية، ظهرت سنة 1920م، والمترجم هو الأستاذ ساكاموتو من جامعة طوكيو قسم الآداب، ولم يكن مسلماً، ولا ماهراً في اللغة العربية، واستعان بترجمات إنجليزية.
وقد ترجم أحمد أريجا معاني القرآن سنة 1938م، ويرى الحاج أن من أهم ما يجب القيام به من الوسائل للدعوة إلى الإسلام إنشاء خدمات اجتماعية، كالمساجد، والمدارس. والأديان كلها جديدة في اليابان وتعتمد على خدمات مادية والكلام وحده لا يكفى، ولابد من القدوة الحسنة.
كما أن المستوى الثقافي في اليابان عال، فلا بد من تقديم الإسلام في اليابان بحسب مستوى اليابانيين الثقافي، ومن نشاط الحاج أبي بكر أنه يقوم بمحاضرات عن الإسلام شهرياً، ويتصل بمختلف الطبقات والشخصيات وتدعوه الجمعيات لتقديم معلومات عن الإسلام، ويعتبر عند المسلمين من المشايخ، ويذهب إلى المعوقين وغيرهم.
واجتمع بأخي الإمبراطور في بعض الاجتماعات العامة وقال: إن الأمير يدرس الإسلام ويقرأ عن القرآن وهو يتصل به.
ويحضر حركة الرياضيين الصينيين، وقد حج هو وصديقه اسكندر المذيع سنة 1978م، وأكد على ضرورة إيجاد جامع في طوكيو يجتمع به المسلمون في اليابان، لأن الجامع الكبير قد هدم بسبب أنه كان آيلا للسقوط، ولم يبن إلى الآن مع أن أرضه موجودة. [حاول المسلمون بناء هذا المسجد، واستعدت المملكة العربية السعودية بدفع نفقات بنائه، ولكن الحكومة التركية، وهي التي تملك الأرض، رفضت تسليم الأرض للمسلمين، مع العلم أن وفودا من المؤسسات الإسلامية زارت تركيا للحصول على الموافقة على بناء المسجد، وإلى الآن - حسب علمي - لم تستجب الحكومة التركية لمناشدة المسلمين من داخل اليابان ومن خارجها، والسبب معروف، وهو محاربة المؤسسات الإسلامية في داخل تركيا، لأن الإسلام الصادق عدو لها، والعدو عدو سواء كان في الداخل أم الخارج!].

المشكلات التي تعترض الدعوة في اليابان:

ثم ذهبنا إلى منزل الأخ عبد العزيز التركستاني بدعوة منه، لتناول طعام العشاء، ودار النقاش حول الدعوة في اليابان والعقبات التي تواجه الداعية، والسبل الكافية لتذليل تلك العقبات، وحضر اللقاء الزملاء: الدكتور صالح السامرائي والدكتور موسى السوداني، والدكتور عوض السميري.
وقال الدكتور موسى: إن هناك مشاكل كثيرة، ومن أهمها ما يأتي:
المشكلة الأولى: هي عدم وجود الرجل المتفقه في الدين مع إجادة اللغة اليابانية، والثقافة الواسعة، بحيث يكون ملماً بالعلوم العصرية.
المشكلة الثانية: عدم إعداد المادة المقروءة، والتوسع في إعداد الكتاب الإسلامي باللغة اليابانية، لأن الياباني يقرأ كثيراً. وقد أوضحتْ إحصائية أن نصيب الفرد الياباني قراءة مائة وثلاثة وعشرين كتاباً في السنة، وأكبر جريدة يابانية تطبع في اليوم ما بين عشرة ملايين وثلاثة عشر مليون نسخة.
المشكلة الثالثة: صعوبة أداء المعاني الإسلامية باللغة اليابانية وضرب على ذلك مثالاً، فقال: إن الإله عندهم يطلق على الإمبراطور، ورئيس الإدارة، والشجرة، وإذا أريد توضيح معنى الإله في الإسلام فلا بد من كلمات تؤدى ذلك المعنى، ولا تكفى الترجمة الحرفية.
المشكلة الرابعة: اشتغال الياباني وعدم القدرة على متابعته ليشترك في الحياة الإسلامية.
ولو وجد عدد قليل يفهم مصطلحات اللغة اليابانية والمصطلحات التي يجب أن تكتب بها ونشر الكتاب الإسلامي باللغة اليابانية، لأفاد ذلك كثيراً.
وقد حاولنا أن نصدر مجلة تطرق عدة موضوعات وهى "السلام" ولكن مشكلتها عدم وجود متفرغ لتحريرها وكاتب مادة لها ومترجم ومشرف وغير ذلك.
وحاولنا أن نبث في التلفزيون والراديو، فظهر أن إذاعة المادة تكلف ميزانية المركز سنة، هذا غير التكاليف الأخرى، ووجدنا أن أرخص الأوقات في الراديو هو الساعة الثالثة صباحا وهذا الوقت لا يسمع فيه أحد، وكنا نتمنى أن توجد لدينا مدرسة أو جامعة تجمع الناس وكانت هذه هي فكرة المعهد العربي الإسلامي.
وبعد المناقشات وتبادل الأفكار تناولنا طعام العشاء الكبسة السعودية وملحقاتها في منزل الأخ عبد العزيز التركستاني، ثم ذهبنا إلى الفندق لنأخذ الراحة بعد هذا اليوم الطويل الذي لم نرتح فيه إلا بهذه المعلومات المفيدة.

محاضرة بعد صلاة الجمعة:

الجمعة 4/11/1406هـ
اتصل بنا الأخ عوض السميري مدير المعهد، الذي يصلي المسلمون الجمعة في مسجده، وطلب منى إلقاء محاضرة بعد صلاة الجمعة، فحاولت الاعتذار، نظراً لضيق وقت الناس ولضرورة الترجمة، وهى تطيل الوقت، ولكنه أصر فلبيت رغبته وحصرت الكلام في أن أساس الأعمال هو الإيمان، وأن الإيمان يثمر الأعمال الصالحة والطاعة، ومن ثمار الإيمان خشية الله، وأن الإيمان والعمل الصالح لا بد لهما من الفقه، وأن الداعي لا بد أن يكون قدوة حسنة، ولم تزد الكلمة عن خمسة عشر دقيقة، وألقى بعض الحاضرين بعض الأسئلة وأجيب عنها.
وكانت خطبة الجمعة تدور حول الصلاة وأهميتها وفضل الصف الأول، بدأ الخطيب باللغة العربية، ثم اتبعها اليابانية ثم الإنجليزية.

الصديق يجر الصديق!

عرف الأخ عوض رغبتنا في أخذ جولة على بعض معالم مدينة طوكيو، نريد أن نرى البحر، وبرج طوكيو، وحديقتها، ولما كان الأخ عوض لا معرفة له بالشوارع التي لا يتردد عليها، فإنه لا يستطيع أن يكون دليلنا في هذه الأماكن، ومن جانب آخر فإنه مشغول بالمعهد في الفترة المسائية كالصباحية، لذلك اختار لنا طالبين مسلمين، أحدهما يسمى عبد الله، والأخر يسمى زكريا، ليرافقانا في هذه الجولة، وعندما أردنا الخروج جاء أحد الشابين يذكر للأخ عوض أنه وزميله يرغبان أن تصحبهما طالبتان من زميلاتهما، لأنهما تعرفان الأماكن أكثر، فاستشارنا الأخ عوض، فقلنا لعلهما ـ يعنى عبد الله و زكريا ـ يكفيان فسأل الطالب هل عندكما مانع من مرافقة النساء فقلت للأخ باكريم ـ وقد رأينا المطر ينهمر ـ : لقد جعل الله لنا مخرجاً، فلنعتذر عن الذهاب اليوم لأن زيارة هذه الأماكن مع المطر غير ممكنة، فاعتذرنا للأصدقاء الذين جر بعضهم بعضاً.
كما قال بن مالك رحمه الله في الخلاصة:

وجُرَّ مَا يَتْبَعُ مَا جُرَّ وَمَنْرَاعَى فِي الاتْبَاعِ الْمَحَلَّ فَحَسْن

اصطفاء الله خير:

قال لنا الأخ قتيبة بن الدكتور صالح السامرائي: ما رأيكما أن تذهبا إلى مطعم قريب فيه أطعمة لذيذة جداً من الأسماك؟ قلنا: لا بأس إذا كنت تذهب معنا، فقال: لا بأس فذهبنا وهناك التقينا بالدكتور صالح ومعه الحاج مصطفى كمورا وهو من المسلمين اليابانيين المسنين، وكان قد ذكره لي الدكتور السامرائي، وعنده وثائق وصور عن الإسلام والمسلمين في اليابان كالحاج أبي بكر، وكانا يمشيان في الشارع قرب المطعم، فلما رأيانا رجعا فدخلنا المطعم جميعاً وطلبنا الغداء.
وقد كان الخير فيما اصطفاه الله تعالى، فقد اصطفينا حديقة طوكيو وبرجها وبحرها، واصطفى الله لنا أن نلتقي بالحاج مصطفى كمورا، لنأخذ منه المعلومات الآتية واصطفاء الله خير من اصطفائنا.

مع الحاج مصطفى كمورا:

حوار مع الحاج مصطفى كمورا من اليمين: د. صالح السامرائي، الكاتب، محمد باكريم، مصطفى كمورا، عبد العزيز التركستاني 4/11/1406? ـ 11/7/1986م
حوار مع الحاج مصطفى كمورا من اليمين: د. صالح السامرائي، الكاتب، محمد باكريم، مصطفى كمورا، عبد العزيز التركستاني 4/11/1406? ـ 11/7/1986م

وهو من تلاميذ أحمد أريجا، وأسلم على يديه، ولد الحاج مصطفى سنة 1912م في كويوتو التي كانت عاصمة اليابان القديمة لمدة ألف سنة تقريباً إلى ما قبل مائة سنة، كان مع أبيه في كوريا عندما كان عمره خمس سنين، كان في المدرسة الابتدائية في سيول، ودرس المرحلة المتوسطة في كويوتو، ودرس المرحلة الثانوية في مدينة نارا باللغة الصينية.
قابل في هذا الوقت أحمد أريجا ـ ويرى انه أول مسلم ياباني ـ وتعرف منه على الإسلام كما تعرف والد الحاج مصطفى على أحمد أريجا وفهم الإسلام وأسلم وتسمى عمر.
وذهب الحاج مصطفى إلى منشوريا (شمال شرق الصين) قبل خمسين سنة وكانت المساجد في الصين كثيرة، وزار بعض أئمتها وسلم عليهم واستمع إليهم، مكث في منشوريا ثلاث سنين، ثم ذهب إلى منغوليا الداخلية (الصين) ليساعد حركة استقلال تركستان الشرقية، وكان الشيوعيون من الروس والصينيين لهم نشاط، وكان لليابانيين مصالح في هذه المنطقة الحساسة، وكان المسلمون الأتراك "الويغور" يحاربون الروس والصين فانكسروا وعبروا جبال الهيملايا إلى الهند، ووصلوا إلى كلكتا وشنغهاي وتلقفهم اليابانيون، فدربوهم وكونوا منهم مقاومة، وكانت اليابان ترفع شعار آسيا الكبرى لعمل اتحاد آسيوي كبير، وكان الحاج مصطفى ضمن من استقبل هؤلاء المسلمين، وكانت اليابان ذات قوة عسكرية عظمى، فالتقوا بهؤلاء وذهبوا إلى غرب الصين لمحاربة الصينيين ولكن المؤسف أن هذا التخطيط فشل بعد قنبلة هيروشيما، فاندحرت اليابان ولم تحقق الآمال.
وقال الحاج مصطفى: وقبض الشيوعيون على بعض المسلمين وعددهم ستة وعشرون وقتلوهم. ونحن انسحبنا من منغوليا الداخلية، أنا وعمر ميتا، وسودا، ورجعنا إلى اليابان، هذه مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية 1945م وفي العشر السنين التي تلت احترقت طوكيو، ولم يكن يوجد قوت، أكل الناس أوراق الشجر وغيرها، ولم توجد ملابس ولا غيرها من الحاجات الضرورية، وبذلك لم توجد دعوة إلى الإسلام، لأن الناس مهتمون بالطعام وغيره مما يحتاجون.
وبعد عشر سنين أخرى بدأ الناس يتنفسون، وأسست أول جمعية إسلامية سنة 1953م، وبدأنا نفكر في الإسلام والدعوة إليه.
ومنطقتي "كويوتو" في غرب اليابان عزمت على فعل شيء للإسلام فيها، فكونت جمعية سميت بجمعية الصداقة الإسلامية اليابانية، لجمع الناس، وبدأت بذلك صحوة، وكان جماعة التبليغ يعملون في اليابان، ولكنهم في سنة 1960م [قال الدكتور صالح السامرائي: وهي السنة التي جئت فيها] رجعوا إلى باكستان، وذهبت معهم إلى لاهور، وملتان وبشاور (قال الدكتور صالح: كأني أراه الآن وهو يحمل حقيبته ويخرج من اليابان إلى باكستان مع جماعة التبليغ).
قال الحاج مصطفى: وبعد أن رجعت من باكستان ذهبت إلى السعودية مع عمر ميتا سنة 1964م 1965م، وفي مكة المكرمة ترجم عمر ميتا معاني القرآن الكريم بإشراف رابطة العالم الإسلامي، وكنت معه أساعده في ذلك، وكان الشيخ محمد سرور الصبان والشيخ القزاز في الرابطة [كان الأول هو رئيس الرابطة والثاني مساعداً له، فلما توفي الصبان خلفه القزاز] والذي كان يحركهم هو المهندس عبد الرشيد أرشد من كبار جماعة التبليغ، وقد جاء إلى اليابان سنة 1959م، واهتدى على يده خيرة الناس في اليابان، فلما سمع أن عمر ميتا بدأ في ترجمة معاني القرآن الكريم للغة اليابانية، أراد أن تتم الترجمة تحت إشرافه وبمساعدته، وكان يحفظ القرآن الكريم، فتكلم مع الشيخ الصبان واستدعت الرابطة عمر ميتا، لعمل ذلك في سنة 1962م، وبعد أن قضى عمر ميتا مدة في مكة استدعاني عن طريق الرابطة لمساعدته. [وقال الدكتور صالح السامرائي: في سنة 1964م ذهب عمر ميتا وأرشد ومصطفى إلى المدينة وعند رجوعهم منها إلى مكة أحرموا بالعمرة ورأوا رجلين باكستانيين في الطريق، وكان يسوق السيارة أرشد، فأراد أحد الباكستانيين أن يساعده في القيادة، وحصل حادث انقلاب ومات عبد الرشيد، وانكسرت ترقوة عمر ميتا وتجرح مصطفى، وادخلوا المستشفى في مكة، وقد تعرفت عليه عن طريق الشيخ أبي الحسن الندوي].
قال الحاج مصطفى: ورجعنا من مكة بعد أن انتهت مسودة الترجمة، وفي اليابان تم ترتيبها وتنقيحها، وطبعت أول طبعة لها في سنة 1972م وساعد الملك فيصل رحمه الله بمبالغ ما زالت إلى الآن تنفق على طباعة الترجمة كلما نفذت طبعتها.
ثم بدأت مرحلة النشاط، فاتصلنا أنا وعمر ميتا بالدكتور صالح سنة 1966م، وبدأت الدعوة في اليابان، وكنا نقضي الليالي والأيام في جنوب اليابان نحاول نشر الإسلام بين الناس، وهم يطردوننا مثل الكلاب، وصبرنا حتى استطعنا أن نتغلغل في جامعات اليابان بسبب النظام العلماني. وبدأ العمل باسم التبليغ، ولا يوجد مركز ولا مساعدات، وكان كل واحد ينفق على نفسه من كيسه.
وبعد حرب البترول بدأ الناس يتساءلون عن الإسلام، وتذاكرنا مع السامرائي، واتفقنا على إنشاء قاعدة تدعم العمل للإسلام، وكان ذلك فكرة إنشاء المركز الإسلامي، فكانت أولاً اجتماعات وتخطيط في سنة 1974م، وفي أول سنة 1975م فتح مقر المركز في غرفتين متجاورتين، ودعونا إلى المركز عمر ميتا وخالد كيبا، وأنشأ الحاج مصطفى ـ يتحدث هو عن هذا كله ـ مسجداً صغيراً في أوساكا مع مشاركته في العمل في طوكيو.
وحضر الإمام الجندول، وإمام الحرم المكي عبد العزيز آل الشيخ إلى مسجد أوساكا ومعهم أحمد توتونجي وأقيم احتفال جيد بهذه المناسبة وتوليت رئاسة المركز في الفترة الثانية، وكنت بعدها مستشاراً، وذهبت مرتين إلى السعودية، وإلى ليبيا، وزرت منطقة الشرق الأوسط كانت المرة الأولى من زيارة السعودية لطلب مساعدة المركز، والمرة الثانية لمساعدة المسجد في أوساكا.
ومكثت ثمان سنوات أكتب عن تاريخ اليابان فيما يتعلق بالإسلام، وكان معي اثنان يساعدانني، انتهيت من الكتاب وهو جاهز للطبع، وهذا أول كتاب يكتب عن تاريخ الإسلام في اليابان من مسلم ياباني، ولم يكتب أحد مثله، ولا يستطيع أحد أن يكتب مثله. [هكذا قال ثم ابتسم، والكتاب باللغة اليابانية، ويتكون من ستة أجزاء].
وقال الدكتور صالح: إن هذه ابتسامة أسف، لتعبه وعدم مساعدته في الطبع، والياباني يبتسم في أحرج الظروف على حد قول الشاعر:

لا تحسبن رقصي في الهوا طرباًفالطير يرقص مذبوحاً من الألم

وقال الدكتور صالح: لقد فتشت عن وثائق في جامعة واسيدا ووجدت أربعة صناديق مملوءة بوثائق باللغة اليابانية عن المسلمين في اليابان وقد اختار الحاج مصطفى منها ما يخصه في كتابه.
وقال الحاج مصطفى: إن كيا شي ـ أحد المسلمين اليابانيين ـ ذهب إلى الأزهر قبل خمسين سنة ودرس هناك وذهب إلى إندونيسيا عندما استعمرها الأوربيون فأصيب بضربة طائرة هناك واستشهد.
ويحمل الحاج مصطفى معه في حقيبته التي ينتقل بها أينما ذهب، خرائط وصورا لشخصيات إسلامية يابانية وغير يابانية، والخرائط للأماكن التي زارها أو لها صلة بالمسلمين، وهى تنبئ عن جهود بذلها هو وزملاؤه لنشر الإسلام.
وقال الحاج مصطفى: إنه يشعر بالألم، لأن المسلمين اليابانيين الآن أسماؤهم إسلامية، ولكن بعضهم لا يحمل غير الاسم بخلاف جيلنا قبل الحرب العالمية الثانية، كان عددنا قليلاً ولكن كان عند هذا الجيل همة ونشاط، وكان هدفنا الإسلام لا الماديات، وإن من المؤسف أن الشباب المسلمين اليابانيين الذين يذهبون إلى بلدان المسلمين لدراسة اللغة العربية والدين الإسلامي، كثير منهم يحمل العربية كتابةً وتحدثاً، ولكنه يستخدمها لحسابه الخاص، ولا نرى منهم من يضحي في سبيل الإسلام، كما كنا نضحي، إنهم يجرون وراء الفلوس وليس وراء العمل الصالح، وأعتقد أن الإخلاص في العمل ومراقبة الله هي أهم الصفات للداعية في اليابان، ولا بأس أن يتعلم الياباني اللغة العربية ويعمل في شركة، ولكن لا بد أن يخصص شيئاً من وقته للدعوة إلى الإسلام.
أين الإخلاص الموجود في الشباب الآن من الإخلاص الذي كان يحمله الجيل السابق، الذي ذهب للحج على حساب نفسه وتعرض للمخاطر خلال ستة أشهر ذهاباً وإياباً، أين هذا الإخلاص؟
إن على المسلم أول ما يأتي من الخارج أن يتصل بالمسلمين الأوائل في اليابان ليأخذ منهم الحقائق عن الإسلام والمسلمين في اليابان، وأنا واحد من هؤلاء وسأعطي ما عندي من معلومات.
انتهى ما أدلى به الحاج مصطفى كمورا من معلومات في أحد المطاعم اليابانية في طوكيو، وكان المترجم الدكتور صالح السامرائي، وقد يترجم بعض الجمل الأخ عبد العزيز التركستاني الذي جاء أثناء الحديث وبقى معنا.
وبعد أن فرغ الحاج مصطفى من الإدلاء بهذه المعلومات وختمها بإظهار أسفه الشديد على انقراض جيله المخلص ووجود شباب ذي عدد أكثر من ذلك الجيل القليل، وقد تعلم بعض هذا الشباب اللغة العربية والدين الإسلامي في بعض بلدان المسلمين ولكنهم لم يخططوا كالأوائل، ولم يضحوا مثلهم، وإنما غلب على أكثرهم حب الدنيا، بعد هذا حمل حقيبته وودعنا وذهب، ولم تظهر منه أي قرينة أنه يريد مساعدة مالية، لا تصريحاً ولا تلويحاً، على الرغم مما هو فيه من الفقر والعوز، وعدم وجود مصدر مادي لرزقه، كما ذكر لنا الإخوة الدكتور صالح وغيره، بل ذكروا لنا أنه لا يجد المأوى الذي يسكن فيه.
وقد سمعنا أن الأمير أحمد بن عبد العزيز نائب وزير الداخلية في المملكة العربية السعودية، جاء إلى اليابان قريباً وعلم بحالة الحاج مصطفى، وكذلك شخص مثله، ووعد بتخصيص مبالغ للنفقة عليهما على حسابه، وقد حضنا بعض الإخوة الذين سمعوا هذا من الأمير أحمد أن نذكره بذلك، فإن خير البر عاجله والله المستعان.
وذكر لنا الدكتور صالح أن الحاج مصطفى لم يتزوج من أجل التفرغ للعمل الإسلامي، ولقد تابعَنا الحاج مصطفى في بعض الأماكن التي زرناها في جنوب اليابان حرصاً على اللقاء بنا وعلى إعطائنا بعض المعلومات التي يتذكرها أو نسأله عنها جزاه الله خيراً.

السفر إلى مدينة سبُّورو:

السبت 5/11/1406هـ
في الساعة السادسة من صباح هذا اليوم خرجنا من الفندق ـ كيوبلازا ـ وهو من العمارات الشاهقة في وسط مدينة طوكيو إلى المطار المحلى الذي يبعد عن مكان الفندق بأربعين دقيقة تقريباً، في الوقت الذي لا توجد فيه زحمة، حيث رافقنا الدكتور صالح وزميله في اليابان عندما كانا طالبين، ويعملان في الدعوة، والآن أيضاً كلاهما أستاذ في جامعة الملك عبد العزيز بجدة وإن كان الأول زراعياً والثاني معمارياً، رافقانا إلى مدينة سبُّورو الواقعة في شمال الجزر اليابانية، وقد تناولنا طعام الإفطار في المطار، وقد جرت أحاديث متنوعة...

الحرية تُؤدّب وتَحترم!

لا أريد بالحرية هنا الحرية المفهومة في الإسلام، فهي الحرية الحقة التي لا توجد حرية في العالم شرقه وغربه تشابهها، لأن الحرية في الإسلام معناها: العبودية المطلقة لله الواحد الذي، تقتضي عبوديته التحرر من عبودية كل من سواه من مال أو جاه أو منصب أو هوى أو نفس أو شيطان أو حاكم أو كبير أو صغير، فلست أتحدث عنها هنا، وإنما أتحدث عن الحرية المعهودة عند الناس في هذا العصر في الغرب، وفي بعض البلاد المتأثرة به في الشرق، كاليابان، والمراد بها إعطاء الشعب حريته في أن يختار من يريد من نوابه وزعمائه في الحكم، وإن كانت تلك الحريات المدعاة قد تحيط بها ضغوط خفية داخلية وخارجية، فإن خفاء تلك الضغوط على عامة الناس يجعلها تظهر فعلاً حرية براقة تأخذ بالألباب، ولا أريد أن أُعلق الآن على تلك الضغوط، فإن الكلام سيطول ويخرج بي عن هذه اليوميات في المشارق والمغارب.
أعود إلى موضوع العنوان: أشار لي الدكتور صالح إلى إحدى الطائرات اليابانية الجاثمة في المطار، وهى من نوع ترايستار الأمريكية وقال: إن رئيس الوزراء الياباني الحالي (ناكاسونى NAKASUNI) سجن بسبب هذه الطائرة، لأنه حث الشركة اليابانية على شرائها وأخذ مقابل ذلك رشوة، وحكمت المحكمة بسجنه، وعندما اعتقلوه ربطوا يديه بالحديد وأدخلوه السجن، وكان كغيره ينام على حصير ويصرف له ما يساوى مائتين وخمسين ينا للوجبة الواحدة ـ أي ما يعادل أربعة ريالات سعودية ـ ولكنه دافع عن نفسه بأنه أخذ المال للحزب وليس لنفسه.
وعندما جرت الانتخابات في اليابان فاز ناكاسونى فوزاً ساحقاً، وقد حصل بعد المحاكمة مباشرة على مائتي ألف صوت، والذي يليه حصل على عشر هذا العدد، وزاد عدد مؤيدي ناكاسونى في البرلمان.
أما في الانتخابات الجديدة فقد بلغ عدد مؤيديه مائة وسبعة وثلاثين شخصاً من جملة ثلاثمائة وأربعة نصيب الحزب الحاكم الذي كان يرأسه، وأقرب جناح إليه حصل على سبعين نائباً، والمعارضة مجتمعه حصلت على مائتين وأحد عشر نائباً، والحزب الرئيسي في المعارضة حصل على ستة وخمسين نائباً.
قلت: إن الحرية الديمقراطية على الرغم من العيوب التي تتضمنها هي خير من الاستبداد والدكتاتورية، لأن الحرية الديمقراطية تؤدب من يستحق عند أهلها التأديب مهما كان منصبه، وتحترم ما وضعته لنفسها من أنظمة، فلا تحول بين الشخص وما يستحقه من إكرام من قبَل الشعب، فقد دخل الزعيم الياباني السجن محكوماً عليه بجريمته، وخرج من السجن زعيماً لاقتناع الشعب ببراءته.
هل يوجد مثل هذا في كثير من بلدان ما تسمى بالعالم الثالث بما فيه الشعوب الإسلامية التي يكرم فيها المجرم ويهان فيها الشريف النزيه؟!

ما رأيت في أوروبا إلا العَلَم!

عندما مررنا بإحدى قاعات مبنى المطار رأينا مجموعة من اليابانيين متجمعين حول رجل يحمل عَلَماً ملونا، فأشار لنا الدكتور موسى إلى العلم وقال: إن اليابانيين يحترمون العلم الذي يحمله المسؤول عنهم أيما احترام، وهذا أحد مظاهر التزامهم بالنظام الذي أثمر هذه الثمار التي تشهدها اليابان.
ثم ذكر الدكتور قصة يقال: إنها حصلت لأحد اليابانيين، وهي تتعلق بالعَلَم، وذلك أن مجموعة من اليابانيين ذهبت في رحلة إلى أوروبا، وأُكد عليهم بأن يحرصوا على متابعة حامل العَلَم ولا يفرطوا فيه، حرصاً على انضباطهم وعدم تفرقهم، فلما رجعوا من هذه الرحلة سئل أحدهم: ماذا رأيت في أوروبا؟ قال: ما رأيت في أوروبا إلا العَلَم! أي إنه لم يكن يلتفت إلى شيء غير العَلَم.. مع أنه ذهب للسياحة والنزهة. قلت ولعل في القصة مبالغة.

وهل يفصلون لك مقعداً خاصاً في الطائرة؟!

أقلعت بنا الطائرة وهى بوينغ 747 في الساعة الثامنة والدقيقة الثالثة والأربعين صباحاً بتوقيت اليابان، أي الساعة الثانية والدقيقة الثالثة والأربعون بتوقيت المملكة (مساء) وكانت مشكلة الدكتور صالح السامرائي صغر الكراسي في الطائرة لطول قامة الرجل، فقد كانت قدماه في أرض الطائرة وركبتاه تكادان تصلان إلى صدره، ورأسه يكاد يلامس سقف الطائرة وكان متضايقا من ذلك.
وبهذه المناسبة ذكر لنا أنه أول ما جاء إلى اليابان لم يكن يجد له ملابس تناسبه ولا نعلين، وقد كان اليابانيون يفصلون له الملابس والنعال، ولكن بعد ذلك كثر روادهم من الخارج، ومنهم من هو في مستوى الدكتور صالح، لذلك أصبح الآن يجد الملابس والنعال بدون تفصيل خاص.
قلت: ترى لو عرف اليابانيون صغر مقاعد طائراتهم بالنسبة لك أيفصلون لك مقعداً خاصاً؟ فضحك وقال: لعلهم يفعلون كما فعلوا في الملابس والنعال لعامة الناس.

معلومات متفرقة:

وقال الدكتور صالح: إن أقوى شعب في القدرة على الاقتصاد والتوفير هو اليابان، ففي خلال 1985م تفوق توفيره على صرفه بثلاثة تربيون ين ـ وهى تعادل سبعمائة وأربعة عشر بليون ريال، وأصبح اليابان أكبر بلد دائن في العالم.
وقال الدكتور صالح: إن أولاد أحمد أريجا أول مسلم ياباني كانوا نصارى وهم أساتذة جامعات، اصطادهم النصارى لأن والدهم كان مشغولاً عنهم، وهذه أساليب أهل الشر يغتنمون اشتغال المشايخ عن أبنائهم ويخطفونهم، وقال: إن اليابانيين يهتمون أولا بالطفل، ثم الشيخ المسن ثم الرجل العادي، ثم المرأة.
ولد الدكتور السامرائي سنة 1932م في سامراء من العرب السُنَةّ، درس في العراق إلى المرحلة الثانوية، والبكالوريوس في باكستان في الزراعة، والماجستير والدكتوراه في اليابان في الزراعة أيضا، وهو الآن رئيس قسم الزراعة في جامعة الملك عبد العزيز في كلية الاقتصاد في جدة، وشارك في كلية الزراعة في جامعة الملك سعود بالرياض سنة 1386هـ وأنشأ قسم الزراعة للمناطق الجافة في جامعة الملك عبد العزيز. مكث في اليابان إحدى عشر سنة وعلاقاته باليابان لها مدة ستة وعشرين عاماً.