رحلات اليابان وكوريا وهونغ كونغ

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 27 صفحة
صفحة 25 من 27 الرحلة الرئيسة إلى هونغ كونغ 1410هـ ـ 1989م

الرحلة الرئيسة إلى هونغ كونغ 1410هـ ـ 1989م

الرحلة الرئيسة إلى هونغ كونغ 1410هـ ـ 1989م

كانت هونغ كونغ هي الدولة التاسعة في رحلتي هذا العام، سبقتها باكستان والهند وتايلاند وماليزيا وسنغافورة وبروناي والفلبين وتايوان.
هبطت بنا الطائرة التي أقلعت من مطار تايبيه عاصمة تايوان [يوم السبت: 16/2/1410هـ ـ 16/9/1989م] في مطار هونغ كونغ في الساعة الثالثة إلا عشر دقائق بعد الظهر، فكانت مدة الطيران من تايبيه إلى هونغ كونغ ساعة وعشرين دقيقة.

لا يوسف ولا قميصه!

كان قد أُبلِغ أخونا الشاب المسلم يوسف يو بوصولي، بلغه الأخ يونس بن عبد الحي من تايبيه وأكد عليه أن يقابلني في المطار، وعندما نزلت من الطائرة تلفت لأرى الأخ يوسف الذي قد قابلته مرتين في هونغ كونغ [اللقاء الأول كان سنة 1398هـ في شهر شعبان عند عودتي من أمريكا عن طريق اليابان، واللقاء الثاني كان في رمضان سنة 1400هـ عند عودتي من إندونيسيا]. فلم أر الأخ يوسف، وحاولت أن أبقى فترة لعله كان في طريقه إلى المطار، أو يكون قد بعث غيره لشغل طرأ له، والذي بعثه لا أعرفه ولا يعرفني فإذا رآني أجول بحقائبي في المطار سيسألني أو يكون قد كتب اسمي في لافتة، حاولت أن أرى أحداً يلتمسني كما أنا ألتمسه، فلم أجد أحداً (لا يوسف ولا قميصه).
ومعلوم ما يلاقيه المسافر الذي لا يجيد إلا لغة أمِّه في الأسفار، وبخاصة في المطارات الدولية التي تعج بالمسافرين، وطال بي الوقت بدون فائدة، فذهبت التمس سيارات فندق شيراتون الذي قال لي الأخ محمد جمال خليفة في مانيلا: إنه حجز لي فيه في هونغ كونغ، وأوصلني أحد السائقين إلى الفندق.

يهود الشرق في هونغ كونغ:

وعندما طلبت من موظفي الاستقبال البحث عن اسمي في الكمبيوتر حسب الحجز، بحثت الموظفة الصينية وأشارت بأن الحجز قد ألغي، ثم قالت لي: إن أجرة الغرفة في الليلة الواحدة مائتان وستون دولاراً أمريكياً، فعجبت لذلك وحاولت أن أتفاهم معهم بأن هذا السعر غال، فلم أجد أي تجاوب وبخاصة أنني لا أفهم كلامهم السريع باللغة الإنجليزية، وأحتاج إلى وقت حتى استدعي بعض الكلمات الإنجليزية وأركبها تركيباً يحتاج إلى صبر طويل واستنباط حتى يفهموا ما أريد.
وفضلت أن أنزل لأرتاح من التعب ثم أحاول التفاهم معهم بعد ذلك عن طريق الأخ يوسف أو "علي تنغ".
واتصلت بالأخ يوسف فوجدت امرأته قالت لي: إنه ذهب إلى المطار، فأخبرتها برقم الغرفة في الفندق وطلبت منها إخباره إذا عاد ليتصل بي.
وجاءني الأخوان فأخبرتهما بما جرى، وكان الأخ علي تنغ عنده بعض الكلمات العربية المحرفة وكذلك بعض الكلمات الإنجليزية المحرفة - وعندي مثله في الجملة - فحاورته حتى فهم مني المراد واتصل بالموظفين في الفندق، وأفهمهم أنه قد حُجِزَ لي من قبل بسعر مخفض وأن هذا السعر مرتفع جداً [لم أجد مثله في كل رحلاتي السابقة] وعندما أحرجهم وقال لهم: ليس لكم حق في استغلال شخص لا يستطيع التفاهم معكم، قالوا: نحن نعطيه غرفة أخرى غير هذه بمائة وستين دولاراً، ولا فرق بين الغرفتين إلا أن الأولى في أعلى أدوار الفندق، ويمكن الساكن فيها أن يرى البحر من نافذتها، والأخرى في طابق أدنى ولا تطل على البحر، ولا غرابة فيما جرى، فإن المسلمين في منطقة شرق آسيا وجنوب شرقها يسمون الصينيين يهود الشرق؟ وإذا اجتمع في العمل أهداف اليهود الاقتصادية وإدارتهم الجشعة وتنفيذ الموظفين الصينيين، كما في الفندق فالويل للمضطر إلى التعامل معهم، وبخاصة من يصعب عليه التفاهم معهم بسبب اللغة مثلي.
وفي المساء - بعد أن انتقلت إلى الحجرة الأخرى - جاءني الأخوان يوسف يو البالغ من العمر 38سنة وهو متخرج في جامعة هونغ كونغ في العلوم والرياضيات، كما نال شهادة البكالوريوس في العلوم من جامعة الصين في هونغ كونغ.
وهو نائب مدير الكلية الإسلامية [سيأتي التعريف به]. ومندوب الندوة العالمية للشباب الإسلامي.
والأخ علي تينغ البالغ من العمر 59سنة، وهو نشيط في خدمة المسلمين والدعوة إلى الله في حدود ثقافته الإسلامية المحدودة، لأنه لا يحمل مؤهلاً، ولكنه يستفيد من المذاكرة والقراءة، وإذا وجد غير المسلم لاطفه، وإذا رآه يحتاج إلى إرشاد إلى طريق أو سوق أرشده، والغالب أنه لا يدعه حتى يذكر له شيئاً عن الإسلام، وله نشاط في دعوة غير المسلمين في الصين الشعبية عندما يذهب إليها.

وأنجد الأهْدلُ الأَهدلَ:

وجاء معهما رجل تاجر يسكن في تنزانيا يتحدث اللغة العربية، فسألته. من أين؟ فقال: يمني، من مواليد الصومال، وأقيم في تنزانيا، وما اسمك؟ قال: عمر بن أنور عبد الرحمن الأهدل.

وأنجد الأهدلُ الأهدلَ، من اليمين يوسف يو، علي تنغ، عمر الأهدل، 16/2/1410?ـ
وأنجد الأهدلُ الأهدلَ، من اليمين يوسف يو، علي تنغ، عمر الأهدل، 16/2/1410?ـ

قلت: كلانا أهدلي، وعمره (35 سنة).
وقد كان وجوده مفيداً للترجمة بيني وبين الأخ يوسف وإخوانه لأنه يجيد اللغة الإنجليزية والعربية، وإن كانت ثقافته محدودة، فقد أنجدني واستفدت منه في مقابلة طويلة مع الأخ يوسف يو، وإخوانه.

مقابلة مع الأخ يوسف يو:

الأخ يوسف مهتم بتوعية الشباب الصينيين في هونغ كونغ، وفي داخل الصين الشعبية، واهتمامه بالمسلمين في داخل الصين أشد، نظراً لطول الوقت الذي حورب فيه الإسلام وحيل بين المسلمين والتدين إلا في حالة تكتم شديد، ونشأ جيل من الشباب لا يعرف الإسلام إلا ما ندر منه يعرف قليلاً جداً من مبادئه، وعندما مات ماو تسي تونغ وحصل شيء من الانفراج المحدود، هب المسلمون لتعليم أبنائهم وإظهار شعائر دينهم.
وكان الأخ يوسف من أوائل الشباب المهتمين بالدعوة في أوساط الشباب الصيني في داخل الصين الشعبية.

أوضاع المسلمين في الصين:

وقد تحدث هذه المرة أول ما تحدث عن أوضاع المسلمين في الصين، فقال:
في عاصمة منغوليا "هوهوت" مليون نسمة من السكان منهم 130 ألف نسمة مسلمون في حارة واحدة، وبها مدرسة فيها مائة طالب، سبعون من البنين، وثلاثون من البنات والدراسة في المسجد، والذين يدرسون فيه هم الطلاب الذين يتخرجون من الثانوية العامة، والحكومة الصينية لا تأذن بفتح مدارس أهلية للمسلمين، إلا بترخيص من وزارة التعليم، لكن الدراسة في المساجد ميسرة.
والمساجد المسجلة عند الحكومة المأذون بالدراسة فيها في المنطقة المذكورة ستة أو سبعة مساجد فقط، وما عداها من المساجد لا تعترف الحكومة بالدراسة فيها، ولكنها تتغافل عن نشاطهم المحدود فيها وتسكت.
وكل منطقة في الصين لها أنظمتها الخاصة، بعضها تتشدد ضد المسلمين وبعضها تعاملهم معاملة حسنة، والمدارس المعترف بها في المساجد تعطيها الحكومة مساعدات، وأما المدارس التي لم تعترف بها، فمساعداتها تأتي من الخارج أو من الأهالي، وبعض المسلمين ضعفاء جداً لا يتجاوز دخل الفرد منهم عشرة دولارات أمريكية في الشهر.
وبعض المدرسين المسلمين لا يأخذ شيئاً من أولياء أمور الطلاب من النفقات، بسبب فقرهم، وإنما يقوم المدرس بالتدريس في المساء ويزرع بنفسه الأرض في الصباح، لينفق على نفسه منها.
ويتلقى بعضهم خمسة دولارات أمريكية في الشهر مساعدة عن طريق الدكتور أحمد توتونجي، ويفرحون بها كثيراً.
وبعض المدرسين لهم أقارب في هونغ كونغ، يساعدونهم، مثل علي تينج أقام ملجأ للأيتام في الصين.
وتوجد في مدينة "هوهُوت" ستة مساجد، ولا توجد حركة التدريس إلا في مسجد واحد يدرس فيه كما سبق، والباقي من المساجد شبه مهجورة، كأنها أماكن سياحية لا يصلي فيها إلا بعض كبار السن، ما عدا واحداً منها يوجد فيه مصلى للنساء يُعَلَّمن فيه الشهادتين وبعض مبادئ الإسلام، وقد يوجد طالب أو طالبان يتعلمون عند بعض الأئمة.
ويوجد مسجد آخر فيه مائة طالب في قسم خاص بالبنات يتبع المسجد، ولكن لعدم وجود إمكانات يجتمع البنون والبنات في فصول الدراسة، وقد بدئ التدريس في هذا المسجد قبل أربع سنوات [سيأتي التعريف به]. وفي الإجازات الطويلة [كعيد الفطر وغيره] يبعث الطلاب للقيام بالدعوة في صفوف المسلمين.
وتوجد بقرب مدينة "هوهوت" منطقة بها سبعون مسلماً تقريباً، وعندهم مسجد ولكنهم لا يفهمون شيئاً عن الإسلام لعدم وجود من يعلمهم.
وقَد تعلمت بنت واحدة منهم ثلاث سنوات أو أربعاً، ورجعت إلى القرية في شهر فبراير هذا العام، وذهب معها الأخ يوسف وافتتحوا المسجد وبدأت البنت تعلم في المسجد، وقد فرح أهل القرية بذلك فرحاً عظيماً، وكان مع البنت بعض التلاميذ عندما افتتح المسجد فأصر أهل القرية على بقاء واحد منهم على الأقل يعلمهم، وعند هذا التلميذ الآن خمسة عشر طالباً يعلمهم، وهو أحسن الموجودين.
وعندما ذهب الأخ يوسف إلى هذه القرية عيَّن الطالب والبنت ليكونا مدرسين رسميين.
وقد بعث المسلمون في مدينة "هوهوت" مجموعة منهم إلى القرية ليؤيدوا ويشجعوا البنت والطالب في حفلة تعيينهما رسمياً.
والمسجد ضيق ولذلك جلس كثير من الناس في خارجه عندما امتلأ.
وقد تخرج من المدرسة في مدينة "هوهوت" واحد وعشرون وبعثوا كلهم إلى القرى، ليعلموا المسلمين فيها في منطقة منغوليا وخارجها، ويتصلون بالمسلمين في غير المدارس للدعوة، ويوجد من يساعدهم في داخل الصين بطباعة الكتب وهم يقومون بتوزيعها.
والمسلمون في هونغ كونغ بدأوا يوزعون الكتب في داخل الصين قبل خمس سنوات، وبدأ المسلمون الذين هم في داخل الصين يوزعون الكتب أيضاً في هونغ كونغ، وبعض الولايات في الصين كان يصعب توزيع الكتب الإسلامية عليهم فيها، ولكن المسلمين الآن يوزعونها فيما بينهم في الداخل.
والشيء الجيد هو سهولة الطباعة في الصين، حيث تبلغ تكلفة الطباعة 10% من تكلفتها في هونغ كونغ، تكلفة الكتاب الصغير 70 هللة.
ولكن الطباعة في الصين سرية لا تسمح بها الحكومة، كما أن المسلمين يسجلون ما يريدون نشره عن الإسلام في أشرطة كاسيت ويوزعونها، وقد اختاروا ستة أشرطة قيمة الشريط ستون سنتاً أمريكياً، والناس يستفيدون من الشريط أكثر من الكتاب، لأن كثيراً منهم لا يقرءون.
وكان المفروض أن توجد إذاعة تبث المعاني الإسلامية، ولكن لعدم وجودها استعمل الشريط لسد النقص.
قال الأخ يوسف: إنه زار مناطق أخرى ومدارس كثيرة، ولكن هذه المدارس التي ذكرها هي أحسن المدارس التي زارها.
وقال: إن مستواهم في اللغة العربية جيد.
وفي الإجازة الصيفية يسافر أكثر الطلاب، وينظمون للصغار دروساً في المدرسة يقوم بها من لم يسافر من الطلاب.

حاجة المسلمين إلى منح دراسية لأبنائهم:

وهم يطمعون أن يجدوا منحاً دراسية لطلابهم، ليتزودوا بالعلم في الجامعات الإسلامية، ثم يعودوا لتعليم المسلمين في الصين.
وقد علم من الندوة العالمية للشباب الإسلامي أنه توجد خمس وثلاثون منحة طلابية أغلبها في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكذلك وافقت وزارة الأوقاف الكويتية على منحتين من السنة الماضية.
والجامعة الإسلامية اشترطت تأشيرة من سفارة المملكة في تايوان [أصبح للمملكة الآن سفارة في بكين، ولبكين سفارة في الرياض ولم تعد للمملكة سفارة في تايبيه]. وهذا مستحيل لما بين الصين الشعبية وحكومة تايوان من مشكلات، والمفروض أن تكون التأشيرة من قبل البعثة التجارية السعودية في بكين أو عن طريق باكستان. [وقد حصل ذلك، وكان هذا قبل التمثيل الدبلوماسي بين المملكة والصين الشعبية الذي تم في هذا العام1990م].
والأولى أن يقبل الطلاب الصينيون في أي وقت من السنة اغتناماً للفرصة.
وإذا لم يجد طلاب المدارس الإسلامية الخاصة منحاً دراسية في الخارج، فإن الحكومة تعينهم في بعض الأعمال ولا يستطيعون بعد ذلك السفر، وسياسة حكومة الصين تتغير بسرعة، ولذلك يجب أن تغتنم الفرصة المتاحة الآن قبل فواتها، وينبغي أن تكون الأولوية للصين في المنح الدراسية وهم لم يجدوا أي مركز يهتم بهم بصفة خاصة. [خصصت منح مناسبة للطلاب الصينيين في الجامعة الإسلامية بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد تخرج كثر منهم ولا زال كثير منهم يواصلون الدراسة في الجامعة، وقد نفع الله المسلمين في الصين بكثير منهم].
وقال الأخ يوسف: إنه زار مناطق كثيرة في منغوليا حتى في الصحراء ووجد حالتهم صعبة، وأكثرهم لا يعرفون الإسلام ولهم لغتهم الخاصة.
وعدد المسلمين الرسمي في الصين [أي المعترف به من قبل الدولة] عشرون مليون نسمة. [الكلام عن المسلمين في داخل الصين مفصل في المجلد الخاص بزيارة الصين].

المساجد وعدد المسلمين في الصين:

والثورة الشيوعية حولت المساجد إلى مصانع، والآن ردت الحكومة المساجد إلى المسلمين وعددها 23 ألف مسجد، وفي هونغ كونغ أربعون ألف مسلم والجوامع التي يصلون فيها الجمعة في هونغ كونغ ثلاثة.
وفي تايوان خمسون ألف مسلم، وعندهم أربعة مساجد تقام فيها صلاة الجمعة فيكون لكل ثلاثة عشر ألف شخص تقريباً مسجد جامع.
ونتنازل فنقول لكل مسجد في الصين الشعبية خمسة آلاف شخص، فيكون عددهم 115مليون نسمة.
ويمكن أن يقال: إن عدد المسلمين في الصين ثمانون مليوناً، وهذه المساجد [23 ألف مسجد] هي التي تعترف بها الحكومة.
وهناك مساجد أخرى كانت سرية غير تلك المساجد الرسمية، ولكن الحكومة تريد أن تُظهر أن عدد المسلمين قليل، حتى لا يكون لهم شأن ولا يرتفع صوتهم بالمطالبة بحقوقهم.
ثم قال الأخ يوسف: إن هذا العدد الكبير يحتاج إلى جهد كبير، وبخاصة أن الاتصال الخارجي بهم من المسلمين قد انقطع منذ خمسين سنة وقد ضحى كثير منهم بنفسه وماله في سبيل الإسلام، وقتل عدد كبير منهم في يونان، ولم يدر عنهم أحد إلا في الأيام الأخيرة.
وقد دفعت الحكومة الجديدة تعويضات عن بعض القتلى، ولكن ما قيمة ذلك التعويض عما حصل.
وقد أحرق الجيش عدداً من المسلمين بالنار.
ويحاول المسلمون العمل بكل ما يقدرون عليه للمحافظة على إسلامهم، فما موقفنا أمام الله إذا لم نساعدهم.

أحداث الطلاب في ميدان تيان إن من:

ثم تحدث الأخ يوسف عن أحداث الطلاب الأخيرة في الصين فقال: خلال عشر سنوات حصلت تغييرات في السياسة الحكومية كثيرة:
منها: تشجيع العاملين بحسب عملهم من قبل مديري المصانع، ولم يكن يوجد فرق في السابق بين العمال، كما لم يكن يوجد تقدم في الصناعة والإنتاج، لعدم تشجيع العاملين.
وفي السنوات الأخيرة حصل تقدم بسبب التشجيع والتنافس.

رجال الدولة والفساد الإداري والمالي:

وحصل في الفترة الأخيرة فساد اقتصادي وإداري، بسبب قبول مديري المصانع الرشوات من التجار والعمال لقلة الرواتب، ولم تكن الرشوة قبل ذلك موجودة.
ورئيس الحزب فتح الباب لأسرته وأبنائه للاستفادة من مصالح الدولة.
وأحد زعماء الحزب عين ولده حاكماً على منطقة كوانغونغ، لأنها منطقة متقدمة وتجارية، وفيها كسب، وكل زعيم من زعماء الحزب مكن ابنه الأكبر من حكم منطقة، وزاد الدخل ولكن المعيشة ارتفعت مما جعل ذلك يؤثر على عامة الناس ـ غير زعماء الحزب وأقاربهم.

الانفتاح على الغرب والتطلع إلى التحرر من الاستبداد "الدكتاتورية":

وفي الماضي لم يتمكن الناس من تعلم أي ثقافة أو دين أو سياسة ما عدا الشيوعية، وعندما سنحت الفرصة أخذ الشعب يفكر في تقدم الدول الغربية وغيرها في الخارج، مثل هونغ كونغ، وأحبوا أن يكون لهم نصيب من هذا التقدم.
وكانوا في وقت ماو تسي تونغ يُحكمون حكماً دكتاتورياً مطلقاً، ولما حصل انفتاح في السياسة بعد موته استطاع الناس الاطلاع على السياسات والأفكار الأخرى المعاصرة خارج الصين.
وفي السنوات العشر الماضية رأى الطلاب في الصين أن الماركسية التي جمد عليها الناس ويمكن تفسيرها تفسيراً آخر يخالف تفسيرات ما يجعلها تسمح بالتقدم.
وقامت مجموعة ماو تخطط لبناء الصين الأحمر في أول الأمر، ولكنهم ضعفوا فضعفت سياستهم.
ويوجد بعض الأعضاء في الحزب يريدون تطبيق الشيوعية تطبيقاً كاملاً، لإيمانهم بالشيوعية من جهة ولتحقيق مصالحهم الخاصة من جهة أخرى.
ورئيس الحزب "تانج" كبير في السن، وقد اختار هوياوبانج، ليكون رئيساً للحزب بدله، وهذا متفتح يريد الانفتاح وتطوير السياسة وتغيير الأوضاع الاقتصادية، ومن ذلك حرية الأسعار وعدم تدخل الحكومة في ذلك، وهو نوع من الرأسمالية.
وحصلت من جراء ذلك مشكلات، لأن حكام المقاطعات قاموا بشراء الأرزاق برخص وبيعها بغلاء، وفي ذلك إرهاق للشعب، فحصلت انتقادات من بعض أعضاء الحزب، واتهموا الرئيس الجديد بأنه هو الذي تسبب في وجود هذه المشكلات فأسقطوه من الرئاسة.
وتطلع الطلاب إلى الحصول على الحرية في الدراسة والبحث والسياسة والاقتصاد والرأي.

مطالب الطلاب واحتجاجهم:

وتوفي هويا في شهر مايو من هذه السنة، وطالب الطلاب برد اعتباره وإقامة نصب تذكاري له لأنه ساعدهم، وقاموا بمظاهرات احتجاج سلمية، وطلبوا من الحكومة أن تقوم بإصلاحات اقتصادية وسياسية والقضاء على الرشوة والفساد.
وأخذوا ينشدون الأناشيد ولم يحصل منهم تخريب أو أضرار، ومكثوا أياماً على ذلك الحال، ولم يرد عليهم أحد، فأضربوا عن الطعام والشراب، وظنوا أن المسؤولين سيتفاهمون معهم، فلم يحصل شيء من ذلك، فأكسبهم ذلك شعبية وتعاطفاً من قبل عامة الشعب.
وكانت البداية في جامعة بكين، وبعد ذلك جاء الطلاب من كل الجامعات لمساندة بعضهم بعضاً، وقدم لهم الشعب الطعام والشراب في الميدان.
ونتج عن إضرابهم أنهم تعبوا فأسعفوا إلى المستشفيات ورجعوا إلى الميدان.
وبرغم سيطرة الحكومة السياسية، فإن الجرائد كتبت عن الطلاب ومطالبهم وإضرابهم وتعاطف الشعب معهم، وزادت المظاهرات في مناطق متعددة من بكين حتى زاد عدد المتظاهرين عن مليون.
وحاولت الحكومة التفاوض مع الطلاب، ولكن بدون جدية أو أي وعد بتحقيق شيء من مطالبهم.
وكان ينبغي أن تتدارس الحكومة المشكلة وتوجد لها حلولاً، ولكن الشيوعيين يريدون معرفة من تسبب في قيام المظاهرات للانتقام منهم.
وكان الرئيس الثاني: تشو يتفاهم مع الطلاب أيضاً ولكن المتشددين لا يريدون ذلك.
وعندما أخذوا يبحثون عن القائمين بالمظاهرات أحضر كل حاكم في مقاطعته جيشها، وكان حاكم بكين يتعاطف مع الطلبة مثل تشو ولذلك لم يتدخل في الموضوع إلا القليل من جيش بكين.

تعتيم الحكومة على مطالب الطلاب وتعاطف الشعب معهم:

وفرض المتشددون الحكم العسكري وأمروا بالسيطرة على الأمور وتفريق الطلاب، وطلبوا من الطلاب التفرق فرفض الطلاب ذلك ونزل الجيش لتفريقهم بالقوة، ولكن الشعب ساعد الطلاب فحال بين الجيش والطلاب، حيث أحاط الشعب بالجيش وسياراته، فلم يستطع التقدم أو التأخر، ولم يكن عند الجيش علم بمطالب الطلاب وما يدور بينهم وبين الحكومة، لأن أجهزة الإعلام لم تبين شيئاً من ذلك.

الشعب يشرح للجيش عدالة قضية الطلاب:

ولكن الشعب شرح للجيش ذلك، وكان كثير من الجيش جيء بهم على أساس أن عندهم تدريباً وبعضهم قيل لهم: أنه توجد مصادمات في بكين وبقي الجيش واقفاً لمدة أسبوع، وكان الشعب يقدم للجيش الطعام والشراب واضطر الجيش لتناول ذلك الطعام والشراب، برغم أن الحكومة حذرت الجيش من أخذ الطعام والشراب الذي يقدمه الشعب، وفقد الحكام السيطرة على الجيش والشعب.

الدولة تحضر قوة جديدة وتأمر بضرب الطلاب فجأة:

وبعد أسبوع أمرت الحكومة الجيش باستعمال السلاح بدون سابق إنذار، حيث جاءت الحكومة بجيش آخر غير الجيش الذي كان واقفاً وكان الجيش الآخر معه دبابات وأسلحة.
وفي الساعة الرابعة صباحاً - بعد أن أطفئت الأنوار في كثير من الشوارع - دخل الجيش ثم أضيئت الأنوار، وأخذ الجيش يقصف بشدة ويتقدم بالدبابات، واصطدم بعض الجيش ببعض، وبعض الجيش بدا أنه مخدر ويبدو أن الحكومة طعمتهم ببعض المخدرات قبل بعثهم - ولكن هذا غير مؤكد - .
وفي اليوم الثاني نشر في التلفزيون الأجنبي أن بعض النساء ذهبن بأولادهن إلى المدارس، فأصابهن مع أولادهن الرصاص، لأنهن لم يكن يعلمن عن القصف بسبب مجيء الجيش في آخر الليل فجأة.
وفي المساء ذكر أن عدد القتلى فوق خمسة آلاف وبعضهم قال: إنهم أكثر من عشرة آلاف.
وأرادت الإسعافات مساعدة الجرحى ونقل الموتى، فقتل كثير من العاملين في الإسعاف وجرح كثير منهم.
وكان الجيش يأخذ القتلى والجرحى ويحرقهم ويضع عليهم ستائر من الخيام لإخفاء ذلك عن المصورين وكانت الطائرات الهليكوبتر تذهب وتجئ، ويقال: إنها كانت تنقل رماد أجسام المحروقين.
وأمروا الأطباء بعدم مساعدة الجرحى، كل ذلك من أجل سيطرة الحكومة، ولم يكن عند الطلاب سلاح ولا أرادوا مباشرة القتال مع الجيش، وإنما أرادوا أن يقوموا باحتجاج سلمي، وانتشر ذلك الاحتجاج في مدن أخرى وقتل فيها بعض الطلاب.
ومع سيطرة الحكومة في الظاهر ومحاولة تكتمها على ما حصل من العدد الكثير من القتلى، وإعلانهم في مؤتمر صحفي أن عدد القتلى سبعة طلاب فقط وهو كذب، فقد انتشرت الأخبار بأن عدد القتلى كثير، وكان بين المتظاهرين الذين قُتِلوا مسلمين، وكان أكبرَ من حرض الطلاب على الاحتجاج طالبٌ مسلم، وهو الذي خاطب الحكومة ويدعى "أي كايتشي" ويغلب عليّ الظن أنه عمر كظيم، وقد هرب إلى فرنسا.
وكانت هذه فرصة للصحفيين لتصوير الحادثة، وقد كان الزعيم الروسي جورباتشوف موجوداً عندما اندلعت المظاهرات، ولولا وجود الصحفيين ما عرف الناس عدد القتلى، كما حصل في مقاطعة يونان سنة 1973م قتل ما يقارب سبعة آلاف ولم يدر عنهم أحد.
وزار الأخ يوسف منطقة يونان هذه سنة 1980م وكان أحدَ من جاء بخبر هؤلاء القتلى حيث أخبره بذلك أهل القرى، وقبل ذلك قتل الشيوعيون كثيراً من أئمة المساجد.
انتهت المقابلة مع الأخ يوسف هذه الليلة في مقر مركز الشبان المسلمين الصينيين.

وفي صباح هذا اليوم استؤنف الاجتماع مع الأخ يوسف يو.

الأحد: 17/12/1410هـ ـ 17/9/1989م.
قال: إن وزير الأوقاف الكويتي وعد بأن يدفع راتباً لأحد الذين يخدمون الدعوة عندهم، وكان هذا الوعد في السنة الماضية، كما وعد الدكتور أحمد توتنجي بتكملة الراتب إذا لم يكف ما وعد به وزير الأوقاف، وإلى الآن لم يحصل شيء مما وعد به كل منهما، وهم في وضع مادي صعب يحتاجون إلى مساعدة، وهم يبحثون عن شخص مناسب للدعوة بحيث يكون منسجماً معهم ويرشحونه لتسلم الراتب الذي وعد به وزير الأوقاف، ولكنهم لم يجدوا هذا الشخص إلى الآن.
ويرغبون في أن يحصلوا على شخص مناسب من الطلاب الذين يتخرجون في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة أو غيرها على أن يجيد اللغة الإنجليزية.

مستقبل الشيوعية في الصين:

وسألت الأخ يوسف: هل سيتمكن الشيوعيون المتشددون من السيطرة في الصين؟
فقال: إن الجواب صعب ولكنْ هؤلاء المتشددين جادون في إحكام قبضتهم على الحكم، وبناء على ذلك يغلب علي الظن أنه لا يستطيع مجموعة أخرى أن تتغلب على هذه الحكومة في السنوات الخمس القادمة على الأقل.
وستحاول الحكومة فتح مجال للاستثمار الأجنبي لحاجتها إلى العملة الصعبة.
ويمكن أن يجد الشعب بسبب ذلك شيئاً من الحرية وأن يتحسن الوضع الاقتصادي.
وقد كان متوسط دخل الفرد العادي يعادل خمسة دولارات أمريكية شهرياً، وأصبح دخله الآن يعادل ستة عشر دولاراً، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما كان يحصل عليه سابقاً، وهذا يدل على تحسن، والذي عنده عمل خاص يحصل على أكثر من هذا المبلغ.
وفي السنوات العشر الأخيرة كسبت بعض العوائل مبالغ كثيرة من الأموال ما بين عشرة آلاف إلى مائة ألف.
والذين يعيشون في القرى معيشتهم صعبة في الغالب، بعض الأفراد لا يحصل على خمسة دولارات أمريكية في الشهر.
والحكومة لم تكن تسمح للمسلمين بأخذ مساعدات من الخارج والآن سمحت.

الاتحاد الإسلامي المركزي في بكين وسيطرة الدولة عليه:

ويوجد الاتحاد الإسلامي في الصين الذي تعترف به الحكومة.

مسجد الاتحاد الإسلامي في هونغ كونغ 17/2/1410? ـ 17/9/1989م
مسجد الاتحاد الإسلامي في هونغ كونغ 17/2/1410? ـ 17/9/1989م

ومركزهم في مدينة بكين، ولهم فروع في أنحاء الصين ونشاطه في القرى أجود من نشاطه في بكين وعندهم مكتبة كبيرة في المركز لا تفتح إلا إذا زارها ضيف، فهي شبيهة بالمتحف، والطلاب لا يذهبون إلى المركز لأداء الصلاة.
وقد بعثت لهم رابطة العالم الإسلامي كتباً ليوزعوها فلم يوزعوها إلى الآن.
قال الأخ يوسف: ونحن برغم ذلك نتصل بهم ونحاول التعاون معهم، لأنهم هم يستطيعون تنفيذ العمل ولو كان ضعيفاً تحت الحكم الشيوعي.
والمسؤولون في المركز مختارون من قبل الحكومة ولهم رواتب رسمية، وإخلاصهم للحكومة أكثر من إخلاصهم للعمل الإسلامي، وبعضهم يحب أن يخلص للإسلام ولكنهم يخافون الحكومة، ولذلك لا بد من تعاوننا معهم بحكمة وسياسة بحيث لا يؤثر ذلك على خدمة الإسلام.
وعندما حصل زلزال في منطقة يونان جاءت مساعدات عن طريق الحكومة مائة ألف ين، ووزع على الأهالي مائتا ألف ين بطريقة سرية، فلا بد من التعاون مع الحكومة في الظاهر في الحدود الممكنة والاتصال بالمسلمين مباشرة بطريقة سرية. [زرت الصين سنة: 1416هـ وسجلت معلومات عن المسلمين فيها في المجلد التاسع عشر من هذه السلسلة "في المشارق والمغارب"].
وسألته: هل توجد صلة لحكومة تايوان في الأحداث الأخيرة؟
فقال: لا توجد لها صلة حسب علمه.
وأكد الأخ يوسف على تخصيص منح دراسية كثيرة للطلاب المسلمين وضرب مثالاً لذلك، فقال: إذا كانت الحكومة الصينية تعترف بثلاثة وعشرين ألف مسجد، فنحن نحتاج لهذه المساجد فقط ثلاثة وعشرين ألف داعية مدرب على الدعوة وأساليبها. كما أن الحاجة ماسة إلى وجود محطة إذاعية لنشر الدعوة والتعليم تكون هذه المحطة في خارج الصين.
وسألت الأخ يوسف عن مصير الحركة الإسلامية الموجودة في هونغ كونغ إذا تم ضمها إلى الصين؟
فقال: سوف لا توجد الحرية للدعوة الإسلامية الموجودة الآن.
والمسيحيون يسجلون أشرطة هناك وينشرونها في أمريكا والفلبين ويبعثون بها من هناك رسمياً، لوجود إمكاناتهم فلو كان عند المسلمين إمكانات لعملوا مثل ذلك.
ويوجد ستون طالباً مسلماً صينياً في باكستان، ولو وجدت محطة إذاعية في باكستان أو ماليزيا لأمكن نشر الدعوة بين الصينيين عن طريقها.
قلت: هل توجد جريدة أو مجلة أو منشورات توزع على المسلمين في الصين؟
قال: نحن نفكر في ذلك، وفي السنوات الخمس الأخيرة وزعت منشورات، والآن يقوم بذلك المسلمون في منغوليا في داخل الصين.
وقد كان عددُ العناوين التي توزع في تلك المنشورات في البداية خمسة وعشرين عنوانا فقط في البداية والآن بلغت العناوين أكثر من ألف.

الجماعات الإسلامية الموجودة في هونغ كونغ:

وسألت الأخ يوسف عن نشاط الشيعة في هونغ كونغ؟
فقال: عددهم قليل يبلغ المئات (300 تقريباً) وقد قدم بعض الشباب تقريراً سرياً عنهم. ومع قلتهم فإن إمكاناتهم المادية التي يسيرون بها نشاطهم كبيرة بالنسبة لحجمهم.
ثم تحدث الأخ يوسف عن الجماعات الموجودة في هونغ كونغ، فقال:
توجد منظمة رسمية باسم الأمة الإسلامية، وهي مكونة من أربع جماعات:
1 - الاتحاد الإسلامي في هونغ كونغ.
2 - الجماعة الإسلامية الباكستانية.
3 - الجماعة الهندية الإسلامية.
4 - جماعة البهرة الداوودية، وهذه الجماعة لا تصلي في مساجد المسلمين، ولهم مسجد خاص، ولكنهم عضو في الجماعة المسؤولة عن المساجد، ولهم في مقبرة المسلمين محل خاص بموتاهم لا يدفن فيه غيرهم.
والمساجد والمقبرة مسجلة باسم أوقاف جماعة المسلمين التي تشمل هذه الجماعات.
ويتكون أعضاء جماعة المسلمين من سبعة أشخاص، منهم اثنان من البهرة، واثنان من باكستان، واثنان من الاتحاد الإسلامي، وواحد من الهند.
والجماعة الهندية اتحدت قريباً مع جماعة الأمة الإسلامية، وليس عند هذه الجماعة الهندية نشاط.
أما الباكستانيون فعندهم نشاط قومي وترويحي، وأكثرهم أميون ويقودهم تجار يتحكمون فيهم.
والاتحاد الإسلامي كان مثل الباكستانيين، ولكنه تقدم في الفترة الأخيرة، لأنه توفي أحد أعضاء الاتحاد وترك مالاً للاتحاد فاستفادوا منه.
والاتحاد الإسلامي مكون من مواليد هونغ كونغ الذين هم من آباء صينيين وأمهات باكستانيات أو ماليزيات أو هنديات أو العكس، وكثير منهم إسلامهم تقليدي لا يمارسون الإسلام في حياتهم، والذي يهمهم أن يكون المسجد نظيفاً، وأن يكون لموتاهم مدافن، والقيام ببعض الاحتفالات في المناسبات.
وقد أسسوا قبل ثمان سنوات جماعة سموها جماعة الدعوة، تأثراً ببعض المسلمين الذين يأتون من الخارج ويتحدثون عن الدعوة، ووجود دعاة من قبل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وأصبح بعضهم يحافظون على الصلاة، ويصلون الجمعة في المسجد، وكان الأخ يوسف عضواً في هذه الجماعة قبل اثنتي عشرة سنة، وكانوا يسمعون الأذان ويستمرون في أحاديثهم ولا يذهبون إلى المسجد للصلاة، وكان بعضهم يدخن في شهر رمضان، ولكنهم الآن اتجهوا إلى الإسلام أكثر، وفي ذلك تقدم طيب.
وقال الأخ علي تينج: إن أكثر أعضاء هذا الاتحاد كانوا يعملون مع الحكومة البريطانية، وكان زعماؤهم متفقين فيما بينهم يجتهدون في حل مشكلاتهم الخاصة، ولا يهتمون بمصالح المسلمين العامة.
وقد بلغ استثمار هذا الاتحاد في خارج هونغ كونغ سبعة عشر مليوناً ونصف المليون بالعملة المحلية وهو يعادل مليونين ونصف المليون بالدولار الأمريكي.
ولا يدرَي أين هو هذا الاستثمار، وفي داخل هونغ كونغ بلغ استثمارهم مليون دولار أمريكي.
وآخر تقرير كان في شهر مارس ذكر فيه أن مجموعة الاستثمار ثلاثون مليون دولار بعمله هونغ كونغ، وهو يعادل أربعة ملايين دولار أمريكي.
أما اتحاد الشباب الإسلامي - وهو الاتحاد الذي يعمل فيه الأخ يوسف يو - فهو عضو في الاتحاد الإسلامي، وله نشاط مستقل، وقد حصل على مكتب في مركز الاتحاد الإسلامي وفصل دراسي مؤقت.
ويقوم اتحاد الشباب الإسلامي بطبع منشورات باسم الاتحاد الإسلامي من أجل الحصول على دفع التكلفة.
والأخ يوسف والأخ علي عضوان في الاتحاد الإسلامي أيضاً وصلتهما به قوية، ويساعدان الاتحاد في بعض أعماله كتجهيز الجنائز ونحوه.
وليس لاتحاد الشباب الإسلامي مشاركة في شؤون إدارة المساجد وجمع التبرعات وصرفها.
وقال الأخ يوسف: إنه عندما تم بناء مسجد كولون قبل خمس سنوات أحب كثير من السائحين والموظفين غير المسلمين أن يروا المسجد، وكذلك بعض طلاب المدارس، وأكثر جماعة المسجد من الهند والباكستان، وطلبوا من الاتحاد أن يبعث من يترجم لهؤلاء الزوار وكانت الزيارة تتم يومي السبت والأحد في أول الأمر.
ثم رتب الأخ يوسف وزملاؤه منهجاً للزيارة ومواعيد معينة، يطلعون فيها الطلاب والزوار على نشاط المسلمين عن طريق عرض أشرطة فيديو، ويجيبون عن أسئلتهم ووصل عدد الزائرين في بعض الأيام ألف زائر خلال أربع ساعات.
وقد استفاد أعضاء اتحاد الشباب الإسلامي من هذه الترتيبات مع الزائرين خبرة وتدريباً على إلقاء المحاضرات والحوار والإجابة عن الأسئلة.
ثم قرر الاتحاد الإسلامي بعد ذلك منع غير المسلمين من زيارة المساجد بسبب إنكار الهنود والباكستانيين دخول الكفار المساجد، فتوقف نشاط اتحاد الشباب الإسلامي في هذا المجال الذي كان يؤمل فيه تقوية الصلة بغير المسلمين وإيصال معاني الإسلام إليهم.
وقد وظف الاتحاد الإسلامي أختاً تخرجت في ماليزيا تقوم بالدعوة، وقد نفع الله بها في هذا المجال.
وينفق الاتحاد نصف المصاريف على المساجد والمقبرة، مع أن هذا الاتحاد [الاتحاد الإسلامي] لا يمثله في الأمة الإسلامية إلا اثنان فقط من أعضائه، وهم يأخذون من النفقات أكثر مما يستحقون.
وتوجد جماعة أخرى - خارج الأمة الإسلامية - وهي من الجالية الصينية.
ولهذه الجماعة مدرستان – حضانة - ومدرسة ابتدائية، ومدرسة ثانوية، وكلها إسلامية، ولها مطعم إسلامي.
وهذه الجماعة تكونت منذ خمسين سنة.
ولكن أكثر أعضاء هذه الجالية لا يمارسون الإسلام في أعمالهم.
وكانت هذه الجماعة مختلفة مع الاتحاد الإسلامي، والآن بينهم صداقة، ولا توجد بينهم مشكلات.
وهذه الجماعة والاتحاد الإسلامي أقوى الجماعات الإسلامية مادياً.

المدرسة الثانوية الإسلامية:

وتبنى هذه الجماعة مدارس مجرد تقليد للنصارى، رأوهم يبنون مدارس ففعلوا مثلهم، فمدير المدرسة الثانوية الإسلامية التابعة لهم نصراني، ولا يوجد فيها إلا ستة مدرسون مسلمون، مع أن عدد المدرسين في هذه المدرسة اثنان وأربعون مدرساً، وعدد الطلاب 900 وعدد الطلبة المسلمين ستون فقط من هذا العدد.
وتوجد مادة للدراسات الإسلامية: حصتان في السنة الأولى، وحصتان في السنة الثانية، وحصة واحدة في السنة الرابعة.
وتوجد الآن بعض الكتب الإسلامية للمراجعة لم تكن موجودة من قبل، وقد قام بتأليف هذه الكتب الأخ يوسف وبعض المدرسين وساعدهم بعض المسلمين.
وكل فصل في المدرسة الثانوية المذكورة أعد له كتاب إسلامي.
أما في المدرسة الابتدائية وفي الحضانة فلا توجد كتب إسلامية للطلاب.
ولا توجد في الحضانة مادة إسلامية، والمسؤولون عن إدارتها ليسوا مسلمين.
أما المدرسة الابتدائية فالمسئولون عنها مسلمون، وفيها أستاذان مسلمان، والدراسة فيها صباحية ومسائية، وكان أحد الأئمة يعلم الطلاب المسلمين الوضوء والصلاة، والآن فيها مادة إسلامية تتعلق بالأخلاق ولا يوجد مدرس يفقه الطلاب الإسلام.
وتوجد مُدَرِّسة في المدرسة، وهي ليست ملتزمة بالإسلام ولا تؤدي الصلاة، ولا تلتزم بالواجبات، وهي بنت الإمام، والمسؤولون أنفسهم لا يطبقون الإسلام.
والمسؤولون في الاتحاد الإسلامي لا يهتمون بالمدارس، وعندما وظفت الجماعة الأخ يوسف قالوا: إنهم يريدون منه مساعدة المدارس لأنه يفهم الإسلام، ولكنهم لا يهتمون بما يقدمه لهم من التقارير والاقتراحات التي تفيد المدارس.
وفي المدرسة الثانوية يعلم الطلاب الصلاة ويطلب منهم الاجتماع يوم الجمعة للصلاة، ولكن أولياء أمورهم لا يهتمون بهم، والطلاب الجدد يأتون وهم لا يعرفون الصلاة لعدم قيام عائلاتهم بتعليمهم.
وفي كل سنة يدعى الطلاب الجدد إلى المسجد ليتعلموا الصلاة والصيام، ولكن العائلات أكثرها لا تلتزم بالصيام، ولهذا يجد الطلاب صعوبة في الصيام والذين يريدون الصيام من هؤلاء الطلاب يحضرون إلى اتحاد الشباب الإسلامي ليصوموا.
والمسلمون متفرقون، والاتحاد الإسلامي وحده أربع فرق.

جماعة التبليغ:

ومن الجماعات النشيطة جماعة التبليغ، ولكن نشاط هذه الجماعة لا يفيد المسلمين الصينيين لأمور:
الأمر الأول: اختلاف اللغة.
الأمر الثاني: أن جماعة التبليغ يهتمون بقضايا معينة، ومعلوماتهم محدودة في تلك القضايا، والصينيون أفكارهم متطورة في حاجة إلى أساليب وموضوعات تناسبهم.
الأمر الثالث: اختلاف العادات الذي يحصل منه عدم الانسجام.
ولهذا فإن الحل المناسب هو الإكثار من المنح الدراسية لطلاب الصين من داخل الصين ومن هونغ كونغ يتعلمون الإسلام ويعودون يعلمون قومهم، وتعيين أستاذ يقيم في هونغ كونغ تكون عنده ثقافة إسلامية وعصرية، وهو قدوة حسنة ويجيد اللغة الإنجليزية، وإذا كان يجيد اللغة الصينية مع ذلك فهو أفضل.
ثم إيجاد محطة إذاعية في أقرب البلدان الإسلامية يبث منها باللغة الصينية برامج إسلامية شاملة توجه إلى الصين و هونغ كونغ.

حوار مع الأخت الصينية "ثمينة تشونغ":

أسلمت حديثاً، وكان الأخ يوسف قد سمع أنني أود مقابلة بعض المسلمين الجدد، لأخذ بعض المعلومات عن إسلامهم تتعلق بالبحث الذي أريد الكتابة فيه، وهو أهم أسباب رحلتي الطويلة هذه.
فقال لي بعد أن فرغت من كتابة المعلومات السابقة عنه: عندنا أخت دخلت في الإسلام، إذا أحببت أن ندعوها لتأخذ منها بعض المعلومات عن إسلامها، فقلت: نعم أريد ذلك.
الاسم: ثمينة تشونج (THMAEENA CHUNG).
وعمرها: 31 سنة.
تخصصها: بعد تخرجها من الثانوية العامة، واصلت دراستها في مدرسة تخصصية في أعمال السكرتارية لمدة سنتين.
وهي تعمل في شركة ألمانية.
الديانة: أسرتها بوذية، وهي لم تكن متدينة، ولكنها كانت تقلد أسرتها إلى أن بلغت 27 سنة.
قلت: أما كانت ترى الاهتمام بالديانة البوذية؟

لو كانت الأصنام آلهة لما صح أن تكون لُعَبا!

قالت: إنها كانت - وهي صغيرة - تلعب بالأصنام، وكانت تحس أن هذه الأصنام لو كانت آلهة لما صح أن تكون لُعَباً، كما أن جدتها كانت تقدم للأصنام طعاماً، وكانت هي تأكل ذلك الطعام، ولو كانت آلهة ما سمحت بأكلها يأكله غيرها بدون إذنها.
قلت: هل أثرت فيها هذه الحوادث فوقفت من الديانة البوذية موقفاً سلبياً؟
قالت: في صغرها لم تكن تحس بشيء، ولم تكن مرتاحة للعبادة، وكانت تلعب بالأصنام بدون مبالاة.

لا بد للكون من مدبر واحد غير هذه الآلهة!

وعندما كبرت كانت ترى في كل مكان صنماً يعبد، ورأت أنه لا يمكن أن تكون هذه الأصنام كلها مسؤولة عن الكون، وكانت في الليل ترى النجوم والكواكب، ورأت أن هذا الكون لا بد له من مدبر واحد غير هذه الآلهة، لما في الكون من عظمة ودقة.
بحثت عن دين تطمئن إليه فلم تجد، ولم تسمع من يذكر الإسلام!
قلت: هل فكرت في دين آخر، وهل كان قلبها يحتاج إلى دين؟
قالت: إنها كانت تشعر بالحاجة إلى الدين، واطلعت في المرحلة الثانوية على نصوص من الإنجيل وقرأت شيئاً منها وأحست باقتراب من الدين المسيحي، ولكن لم تجد في المسيحية ما يقنعها بهذا الدين.
وكانت ترى في الكنيسة تماثيل لعيسى ومريم وغيرهما، ولم تقتنع بأن هذه الأمور إلهية، وكانت تلتمس العثور على أي دين تقتنع به ولم تقرر شيئاً.

كأنها سلمان الفارسي في البحث عن الدين الحق!

ولم تكن تعرف أنه يوجد دين آخر غير البوذية والمسيحية وكان عمرها ذلك الوقت الذي مرت بها هذه الأفكار ما بين 16و 18سنة.
قلت: كيف لم تسمعي عن دين الإسلام وأنت في هونغ كونغ، والمسلمون لهم مساجد ومنشورات؟
قالت: لم تسمع شيئاً ولم تر شيئاً يدل على الإسلام.
قلت: أين كانت تسكن؟
قالت: في كولون، ولم يكن المسجد مبنياً، والمدرسة التي كانت تدرس فيها قريبة من المسجد. [هو أكبر مسجد في هونغ كونغ وسيأتي الكلام عنه فقد زرته وهو متهدم وزرته وقد هدم والناس يصلون في الخيام وزرته هذه المرة بعد أن أكتمل بنيانه].
[تأمل كيف يوجد بعض الناس في مدن كبرى، لا يعلمون أنه يوجد دين اسمه الإسلام، وفيها مسلمون ومساجد وتجار مسلمون يترددون على البلد!].

اختلطت بأسرة مسلمة لم تشجعها على الدخول في الإسلام!

قلت: وكيف وصلت إلى الإسلام؟
قالت: بعد أن تخرجت من المدرسة الثانوية عملت لدى أسرة هندية وهي أسرة مسلمة، وكانوا يصومون، ولا يأكلون لحم الخنزير، ولا يشربون الخمر، ولم تعرف عن الإسلام إلا هذه الأمور ولم تهتم بذلك، وهم لم يعطوها فكرة عن هذا الدين، وفي أيام الجمع يذهبون يصلون، وذات يوم سألتهم هل يسمحون لها أن تذهب معهم إلى المسجد لترى كيف يصلون؟
فقالوا لها: النساء، وغير المسلمين لا يزورون المساجد - وعلقت على ذلك وهي تدلي بهذه المعلومات، فقالت: إن بعض المسلمين إلى الآن لا يسمحون للمرأة المسلمة أن تدخل المسجد.
ثم سألتهم عدة أسئلة: ماذا تعبدون؟ وكيف آلهتهم؟ وكانت تظن أن لهم أصناماً مثل البوذيين.
فقالوا لها: ليس عندنا تماثيل، وإنما نستقبل القبلة.
وسألتهم: لماذا لا يأكلون لحم الخنزير؟
فقالوا: الخنزير وسخ والإنسان لا يأكل الشيء الوسخ، ولم تقتنع بالإسلام عند علمها بهذه الأشياء المحدودة ولكنها استمرت تبحث.
ورأتهم يصلون وحركاتهم تشبه الحركات الرياضية، ولكن بطريقة هادئة منتظمة، ولم يكونوا يسمحون لأحد أن يمشي بالنعال في المكان الذي يصلون فيه، ولا يسمحون لها بالتكلم أثناء الصلاة ولا أن تمشي أمامهم في المنزل، وكانت تشعر في نفسها باحترام هذه الصلاة بخلاف أعمال البوذيين والمسيحيين.

ازداد احترامها للإسلام وقررت البحث عن معرفته:

وأحست أنها لا بد أن تواصل البحث عن معرفة هذا الدين، لأن احترامها له كان يزداد وشوقها إلى معرفته كذلك.
وكان بعضهم يقرأ على رأسها شيئاً عندما تصاب بصداع فترتاح، وهي لا تدري ماذا يقرأ، لأنها لم تكن عرفت القرآن.
وقابلت امرأة مسلمة في رمضان، وهي صائمة وعندها منشورات عن الإسلام تتعلق بالصيام، فسألت هذه المرأة عن الإسلام فلم ترد على أسئلتها، ولا تدري هل السبب قلة علمها أو أنها لا تريد أن تجيب، ولكنها فهمت من أسلوبها أنها لا تريدها أن تعرف الإسلام، مع أن تلك المرأة كانت ملتزمة بالإسلام.
وكانت الكلمة التي قالتها لها: إن الصلاة لا بد لها من الوضوء وعلمتها كيف تتوضأ، فتوضأت ورأت أن الوضوء سهل.

التجأت إلى ربها ليوفقها للدخول في هذا الدين إن كان حقاً!

ثم إنها دعت ربها فقالت: يا رب إن كان هذا الدين حقاً فيسر لي السبيل إلى الدخول فيه، وكان عمرها إحدى وعشرين سنة.
وعثرت وهي تبحث على منشورات طلبتها هي من بعض المسلمين، كتبت لمحرر هذه المنشورات تخبره أنها ترغب أن تعرف الإسلام وإن كانت غير مسلمة، فكانوا يبعثون لها شهرياً تلك المنشورات، كلما قرأت شيئاً أحبت المزيد من المعرفة، وبعد مدة اتصلت بصديقة لها مسلمة، واطلعت على مجلة إسلامية عندها تصدر من كندا، فكتبت للمسؤولين عن المجلة على عنوانهم المذكور فيها وأخبرتهم أنها ترغب في دراسة الإسلام ومعرفته، فبعثوا لها برسالة فيها مبادئ الإسلام، وكتبت لهم مرة أخرى تطلب المزيد من المعلومات، فقالوا لها في خطاب آخر: ابعثي قيمة الطوابع البريدية إن كنت تريدين رسائل عن الإسلام، فصرفت النظر عن مراسلتهم، لأنها لم تكن على يقين أن هذا هو الدين الذي يمكن أن تقتنع به، ومع دعائها لربها وبحثها كانت تشعر أنها تقترب من الإسلام يوماً بعد يوم.

واستجاب الله دعاءها:

وفي يوم من أيام الأحد - وهو يوم إجازة - أصبح الجو صحواً، ففكرت أن تذهب إلى المسجد، فاغتسلت بسرعة ولبست، ولم تستعمل المكياج، وكان من عادتها استعماله بكثرة إذا أرادت الخروج.
واتصلت بهاتف مسجد كولون، وقد أخذت رقمه من الدليل، وقالت للذي رد عليها: إنها تريد أن تسلم، فسألها: هل أنت صينية؟
قالت: نعم.
فقال لها: اذهبي إلى هونغ كونغ - الشطر الآخر من البلدة - وهناك توجد مساجد للصينيين، وهي لا تعرف أي مسجد أو أي مسلم.
ثم قال لها: انتظري فكلمها أحد الماليزيين، وقال لها: احضري إلى المسجد هنا ونحن نوصلك إلى أحد مساجد الصينيين.
قالت لهم: كيف أعرف أنكم أنتم الذين تكلمتم معي عندما أجئ إلى المسجد؟
قالوا: نصف لك ملابسنا، وأنت صفي لنا ملابسك، فوصفوا لها ملابسهم ووصفت لهم ملابسها.
وعندما جاءتهم ذهبوا بها إلى مسجد عمرو التابع للاتحاد الإسلامي، وعندما جاءت إلى بعض المسلمين في هذا المسجد شرحوا لها مبادئ الإسلام وسألوها: هل تفكرين في الدخول في الإسلام؟
فقالت لهم: إنها قررت الدخول في الإسلام ولا داعي للتفكير.
فقالوا لها: لا بد من شهود على دخولك في الإسلام، وذهبوا بها إلى المطعم الذي أعلنت فيه إسلامها وشهدوا على ذلك، وكان ذلك في 21 يوليو سنة 1985م.
وسألتها: ما الذي جذبها إلى الإسلام للدخول فيه؟
فقالت: أمور كثيرة وبصفة خاصة ذلك اليوم الذي دفعها الله تعالى وجعلها تعتزم الذهاب إلى المسجد ولم يدر بخاطرها الذهاب إلى أي جهة أخرى، فهي تعتقد أن ذلك كان قدرة إلهية وهداية ربانية. [لم تنص على بعض الموضوعات التي جذبتها إلى الدخول في الإسلام، ولا أدري هل فهمته عندما ترجم لها أو لا؟ وكان الإرهاق قد أخذ مني مأخذ لطول وقت المقابلة مع الأخ يوسف والأخ علي قبلها ثم مقابلتها بعد ذلك].
وسألتها: ما الفرق بين حياتها قبل الإسلام وحياتها بعده؟
فقالت: الفرق كبير، فقد كانت عصبية سريعة الغضب، ولم تكن تفكر في مصالح عائلتها، وإنما كانت تفكر في الذهاب إلى أي مكان في أيام العطلة، وبعد الإسلام أخذت تتحمل وتصبر وتفكر في أن تسير على طريق صحيح ولا تغلط على الناس.
وعندما أسلمت كان إسلامها مثل الزلزال في عائلتها، التي لم ترض بدخولها في الإسلام، وهي تفكر في تعلم دينها وهداية أهلها إلى الله لأن الإسلام هو الحق.

تقصير المسلمين في بيان الإسلام قولاً وقدوة:

قلت لها: هل ترين المسلمين مقصرين في دعوتهم للناس إلى هذا الدين الحق؟
قالت: نعم، المسلمون مقصرون في قيامهم بدعوة الناس إلى الإسلام، ولهذا لا يجد غير المسلمين فرصة لمعرفة حقيقة الإسلام.
قلت: كم مدة مكثت تبحث عن معرفة الإسلام حتى دخلت فيه؟
قالت: من سنة 1981م إلى 1985م.
قلت: هل عندها شيء تريد نقله إلى المسلمين؟
قالت: المسلمون، أي واحد يتصل بهم يريد منهم أن يفهم الإسلام يقولون له: صـلِّ واقرأ القرآن، والواجب أن يعلموا الناس، وأن تطبق العائلات الإسلامية الإسلام ويؤدوا الحقوق والواجبات التي جاء بها الإسلام حتى يرى الناس ذلك في سلوكهم ويدخلوا في الإسلام.
وبعض الناس من المسلمين يتصرفون تصرفات يظهر منها أن الإسلام كأنه خاص بهم مثل الهنود والباكستانيين.
والإسلام دين عمل وليس مجرد كلام نظري، لهذا يجب أن يفهم الناس والأولاد أن الإسلام عملي تطبيقي، فإذا علموا ذلك طبقوه تطبيقاً عملياً والتزموا به، بخلاف ما إذا قيل لهم كلام غير مطبق فإنه لا يؤثر فيهم، فنحن المسلمين أنفسنا لا نعرف حقيقة الإسلام ولا نفسر للناس الحكمة في أداء العبادات والواجبات مثل الصلوات، ولو فهَّمنا أبنائنا ذلك وأقنعناهم به وفهموا الحكمة، فإنهم يقبلون إلى الإسلام وهم مقتنعون بأنه حق بخلاف الكلام المجرد بالأوامر.
ويجب على العلماء في بلاد المسلمين أن يزوروا الأقليات الإسلامية ليعلموهم الإسلام، وأنه دين جاء لكل الناس، فإن كثيراً من غير المسلمين ينظرون إلى الإسلام أنه دين جنسيات معينة مثل العرب والإيرانيين والماليزيين.
وسألتها: أن تكمل لي موقف عائلتها من إسلامها؟
فقالت: إنها في أول الأمر كانت تواجه صعوبة ولكنها بسبب صبرها تحسنت الأمور وقبلوا بقاءها على الإسلام، وقد توفي أبوها قبل شهرين، وأمها لا زالت حية، وإخوانها يشجعونها على الاستمرار في الصبر.
وعدد إخوانها الذكور ثلاثة، ولها أخت واحدة.
وهي تعطيهم منشورات عن الإسلام وتحدثهم فيسمعون منها، ولكن أختها مكثت فترة في إنجلترا واستأجرت لها غرفة مع باكستانيين، وكانوا قدوة سيئة جعلوها تنفر من الإسلام.
ثم سألتْ الأخت ثمينة عدة أسئلة من أهمها:
1 - رأي الإسلام في الديمقراطية.
2 - ومدى ما يمنح الإنسان من الحرية.
3 - وهل توجد سياسة في الإسلام.
وقد أجبتها بما تيسر من تلك الأسئلة مع مراعاة الوقت.

هل أقام المسلمون الحجة على غيرهم بالبلاغ المبين؟

( 1 ) هذه الفتاة مكثت أربع سنين، وهي تلتمس من يشرح لها الإسلام في هونغ كونغ، وفيها مساجد ومسلمون من جنسيات مختلفة، وتسأل المسلمين وعاشت بينهم فلم تجد منهم من يهتم بها أو يعلمها الإسلام.
( 2 ) بلغ بها الأمر لشدة حرصها على فهم الإسلام أن تراسل من عثرت على أثر من آثارهم يتعلق بالإسلام، وهم في خارج هونغ كونغ - في كندا - تطلب منهم أن يبعثوا لها ما يشرح لها الإسلام، فطلبوا منها بعث أجرة البريد، وهي لم تكن مقتنعة بأن هذا الدين حق يستحق الجد والاجتهاد للبحث عنه.
( 3 ) وبقيت في هونغ كونغ مسقط رأسها ومكان نشأتها ودراستها، إلى أن صار عمرها 16سنة لم تسمع عن الإسلام والمسلمين شيئاً مطلقاً، ومدرستها الثانوية قريبة من موقع المسجد - وكان المسجد في هذه الفترة قد هدم، ولكن المسلمين كانوا يصلون في خيام ويعدون العدة لبنائه.
ألا تدل قصة هذه الأخت على التقصير الشديد في إقامة المسلمين الحجة على غيرهم بإبلاغهم الإسلام، ودعوتهم إليه؟!.

النهب والسلب في هونغ كونغ:

الاثنين: 18/2/1410هـ ـ 18/9/1989م.
جاءني الأخ علي تينج إلى الفندق في الساعة الثامنة صباحاً، لنخرج إلى السوق لشراء بعض الهدايا للأولاد، لأن هذه آخر بلدة من البلدان التسع التي زرتها في هذه الرحلة الطويلة، ثم نزور مسجد كولون بعد ذلك.

منظر لهونغ كونغ التقط من البحر 18/2/1410? ـ 18/9/1989م
منظر لهونغ كونغ التقط من البحر 18/2/1410? ـ 18/9/1989م

قال لي الأخ علي: هل علمت ماذا جرى هنا بجانب فندق شيراتون صباح هذا اليوم؟ قلت: ماذا؟ لم أعلم شيئاً.
ففتح النافذة، وقال لي تعال وأشار إلى أسفل فإذا سيارات النجدة واقفة ترسل أضواءها، وإذا فريق من الشرطة قد توزع أفرادهم حول حاجز من الشرائط على الرصيف قد أحاط بباب دكان كبير، والناس كعادتهم واقفون يتفرجون.
قلت للأخ علي: ما هذا؟
قال: جاء بعض النهابين حاملين أسلحة عندما فتح صاحب الدكان دكانه، ووقف بعضهم مصوباً السلاح عليه حتى لا يتحرك ولا يصرخ مستنجداً، والباقون أخذوا ما قدروا عليه من الدكان وفروا هاربين، والدكان مملوء بالمجوهرات الثمينة من الذهب والفضة والألماس والأحجار الكريمة وغيرها، وبعد أن ذهبوا اتصل صاحب المتجر بالشرطة وهاهم الآن يؤنسونه!.
قال الأخ علي: هذه الحوادث كثيرة جداً في هونغ كونغ، وبعض النهابين يأتون من داخل الصين وبعضهم من الحراميين في نفس البلدة هنا، والغالب أنهم يفلتون فلا يعتقلونهم.

قاموس علي تنج اللغوي!

والأخ علي يتقن فقط لغته الأم "اللغة الصينية" أما اللغة العربية واللغة الإنجليزية، فإنه لمرافقته الضيوف من أهل اللغتين - وهو رجل خدوم نشيط لا يفارق الضيف ما دام محتاجاً إليه - يحاول التفاهم مع ضيفه باللغة التي يجيدها: العربية أو الإنجليزية، فيسمع الكلمة من الضيف - سواء كانت فصيحة أو عامية، سليمة أو مكسرة من قبل الناطق - ويطلب من الناطق تكرارها ثم يحاول كتابتها بالحروف اللاتينية في دفتر جيب يحمله معه دائماً، كتابته للكلمة تكون بحسب نطقه الذي نقله ممن سمعه، وكثيرا ما يكون النطق عنده بعيداً كل البعد عما نطق ضيفه، ويحاول بعد كتابته للكلمة أن يفهم معناها من الضيف بالإشارة أو القرينة ويحفظها.
فإذا جاءه ضيف آخر ومشى معه حاول أن يركب له من تلك الكلمات ما يظن أنه يؤدي المعنى، فإذا لم يفهم منه كرر وأعاد، وهكذا كنا أنا والأخ علي اليوم، فقد كنا نتخاطب ونتحاور ونشير ونحاول أن يفهم بعضنا بعضاً، حتى إنه كان يذكر لي أسماء أعلام من أساتذة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فلا أفهم من نطقه شيئاً لا علَماً ولا نكرة، لا إنساناً ولا حيواناً ولا جماداً، ولكنه يكرر لي اسم المدينة والجامعة ويكرر نطقه بالاسم ويشير إلى أن صاحبه طويل أو قصير.
ومن أمثلة ذلك أنه أراد أن يخبرني أنه سافر إلى الصين مع أستاذ جاء من الجامعة الإسلامية وقال لي: إن اسمه تْشِيد وبعد مشقة شديدة، بل بعد أن فتش عن بطاقة هذا الأستاذ فأخرجها وإذا اسمه سعود، ومع ذلك فقد كنت مرتاحاً للسير مع هذا الرجل الذي لا بد أن يضحكك إذا مشيت معه في غالب محادثته معك، بسبب تلك الكلمات المحرفة التي تسرك إذا اكتشفت معناها، وكأنك عثرت على كنز ثمين كنت تبحث عنه.

جَمع الناسَ في المسجد لقراءة الفاتحة شكراً لله على معصيته؟!

قابَلَنا مسلم باكستاني في الشارع وهو فرح مسرور، فصافح الأخ علي بحرارة وهو يظهر له سروره، ولم يسكت حتى سأله الأخ علي عن سبب هذا السرور، بل أسرع قائلاً: لقد وفقني الله اليوم وفزت على خصمي في القمار، وحصلت مبلغاً كبيراً وجمعت أصدقائي في المسجد وقرأنا الفاتحة شكراً لله على هذا الكسب!
وكان وجه الأخ علي يتلون ويحاول إقناع الرجل بأن هذه معصية ولا يصح الشكر على ذلك، ولكن الرجل مشى بعد أن قال ما قال.
وبعد قليل قابلنا رجل آخر من الباكستانيين وهو مسلم، وكان يبدو عليه الغضب واستوقف الأخ علياً وأخذ يقص عليه قصة الرجل السابق، منكراً له متعجباً كيف يقرأ القرآن في المسجد من أجل أنه نجح في معصية.
قلت: هكذا أصبح كثير من المسلمين لا يفهمون من الإسلام إلا اسمه، وأما العمل به في المعاملات اليومية فقد انفصل في حسهم عن الإسلام، لا فرق بين تعاطي حلال أو حرام، وزاد الطين بلَّة ما وصل إليه أمثال هذا الرجل من التبرك بالقرآن على معصية حرمها القرآن!.

زيارة مسجد كولون:

كولون هذه بلدة متصلة بالبر الصيني يفصل بينها وبين جزيرة هونغ كونغ البحر، وقد استأجرتها بريطانيا من الصين بعد أن استولت على هونغ كونغ، وقد اشتهرت هونغ كونغ فإذا ذكرت شملت كولون، وسيأتي الحديث عن ذلك.
والمقصود هنا أن هذا المسجد بني في كولون هذه عندما استولت بريطانيا على هونغ كونغ، واستأجرت كولون.
وسبب بنائه أنه كان كثير من الجيش الذي استولت به بريطانيا على المنطقة من مسلمي الهند فبنت لهم هذا المسجد وكان ذلك سنة 1896م.
وقد أصيب المسجد بتصدع وشقوق، وبخاصة عندما بدأ العمل في نفق السكك الحديدية الذي يمر تحت المسجد، فاضطر المسلمون إلى هدمه سنة 1980م أي بعد أربع وثمانين سنة من بنائه، والظاهر أن السبب في تهدمه يعود إلى أمرين:
الأمر الأول: أن بناءه لم يكن مستكملاً الأسس المعمارية العصرية.
الأمر الثاني: الحفر الذي حصل في المنطقة ويمر تحت المسجد نفسه - ذُكر هذان الأمران في نشرة أصدرها المسلمون بعنوان مسجد كولون والمركز الإسلامي (KAWOLOON MOSOUE AND ISLAMIC CENTER).
وهذه النشرة باللغة الإنجليزية والأردية والصينية، اشتملت على تطورات المسجد من وقت بنائه إلى وقت هدمه، وكذلك بدء جمع التبرعات، وقد ذكر فيها عدد من أسماء المتبرعين.
ولا يوجد فيها معلومات باللغة العربية إلا ما يعادل صفحة ونصف الصفحة، وعدد صفحاتها 44 صفحة.
هذا وقد زرت هذا المسجد - ومساجد أخرى - ثلاث مرات:
المرة الأولى: كانت في 23 من شهر شعبان سنة 1398هـ عند عودتي من الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق اليابان.
وكان المسجد عندئذ قد ظهر فيه التصدع، وصلينا فيه المغرب والعشاء وراء إمامه في ذلك الوقت، ويسمى شاه رسول، وعمره يزيد عن سبعين سنة في الغالب، وله لحية تضرب صدره، وله في المسجد ستة عشر سنة، وهو من باكستان وقد شكا حالة المسجد وحالة المسلمين الذين يخيم عليهم الجهل ولا يوجد من يعلمهم.
المرة الثانية: كانت في 22/9/1400هـ عندما كنت عائداً من إندونيسيا، وكان المسجد قد هدم، والمسلمون يستعدون لبنائه، وقد بنوا بجوار موقعه مسجداً مؤقتاً يصلون فيه، حيث نصبوا أخشاباً وأروقة من القماش، حتى يتمكنوا من بناء المسجد، وكانوا يجمعون التبرعات.
أما المرة الثالثة: فهي في هذه الرحلة التي تعتبر هونغ كونغ الدولة التاسعة من الدول التي زرتها لمدة أربعة شهور ونصف تقريباً.
والمسجد هذه المرة قد شيد وفرغ من بنائه والناس يصلون فيه وقد صلينا فيه الظهر، والتقيت بعض المسلمين فيه، ومنهم الإمام.
والمسجد مكون من طابقين غير الطابق الأرضي، وهو مسجد كبير يعتبر قلعة من قلاع الإسلام في هذه البلاد، من حيث البناء.
وفي المسجد - إضافة إلى مكان الصلاة - مرافق أخرى، مثل منزل الإمام، ومكتبة، وقاعة محاضرات وغيرها، وأظن أن فيه دكاكين يمكن تأجيرها والاستفادة منها لصيانته. [لم تنص على بعض الموضوعات التي جذبتها إلى الدخول في الإسلام، ولا أدري هل فهمته عندما ترجم لها أو لا؟ وكان الإرهاق قد أخذ مني مأخذ لطول وقت المقابلة مع الأخ يوسف والأخ علي قبلها ثم مقابلتها بعد ذلك].

المسجد الجامع في هونغ كونغ 18/2/1410? ـ 18/9/1989م
المسجد الجامع في هونغ كونغ 18/2/1410? ـ 18/9/1989م

وله إمام باكستاني شاب يدعى محمد الطيب، وهو يحفظ القرآن الكريم ويحمل شهادة من كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تخرج سنة 1981م وعمره خمس وثلاثون سنة، وهو جديد في المسجد، أسأل الله أن يوفقه للقيام بالدعوة والتعليم وجمع كلمة المسلمين، وبخاصة هذه الأيام التي بدأ بعض ذوي العقائد المخالفة لعقيدة أهل السنة ينشرون عقائدهم، ويحاولون ضم بعض المسلمين من أهل السنة إليهم، وعندهم نشاط ويأتيهم دعم بالكتب والمنشورات والمال.
هذا، وكنت أضمن التقارير التي أقدمها للجامعة الإسلامية في كل زيارة من هذه الزيارات الثلاث معلومات تتعلق بالمسجد، وأزود رابطة العالم الإسلامي في مكة وكذلك الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بصورة من تلك التقارير مؤكداً ما يتعلق بالمسجد في كالون.
هذا، وكان تجولنا اليوم في المدينة قد استغرق ثمان ساعات تقريباً، حيث لم نعد إلى الفندق إلا الساعة السادسة مساء.

نزهة ممتعة في جبل فكتوري (VICTORY):

الثلاثاء: 19/2/1410هـ ـ 19/9/1989م.
جاءني الأخ علي إلى الفندق وذهبنا في الساعة العاشرة صباحاً عن طريق مركب بحري لا يفتأ ذاهباً آيباً، ينقل الركاب من كولون إلى هونغ كونغ والعكس، كولون - وهي التي يقع فيها الفندق الذي نزلت به: شيراتون - متصلة بالصين، و هونغ كونغ تقع في جنوبها، وكلا البلدتين مناطقهما جميلة تفصل بينهما مياه البحر، وبعد النزول من المركب البحري انتقلنا إلى الحافلة ذات الطابقين التي نقلتنا إلى القطار الجبلي، الذي يبقى طوال يومه صاعداً إلى قمة الجبل بقوم، هابطاً إلى أسفله بآخرين.
والقطار الموجود هذه المرة جديد ليس كذلك القطار القديم الذي ركبناه قبل عشر سنين، ولعله قد أودع في متحف الآثار، فقد كان في تلك الفترة في حاجة إلى التقاعد، وقد ناله.
وعندما وصلنا إلى رأس الجبل أخذنا نتجول في أماكن متعددة منه، والذي يصعد عليه يشرف منه على المناطق الواقعة في جنوب هونغ كونغ: البحر والجزر الصغيرة، والسفن والمراكب البحرية الصغيرة، كما يشرف كذلك على الخليج الفاصل بين هونغ كونغ وكولون، والعمارات الشاهقة في الجانبين والمطار.
والجبل مكسو بالغابات، وتقع عليه أسواق صغيرة ومطاعم، ومقاصف وبارات، والمناظر في الجبل وما حوله جميلة جداً.
وبعد أن تجولنا نزلنا من الجانب الآخر من الجبل في حافلة، كانت الطريق تتلوى حول الجبل، بحيث تسير في جميع الاتجاهات: مرة يسير شمالاً ومرة جنوباً، ومرة شرقاً، وأخرى غرباً، لعدم استقامة الطريق.

زيارة جامع شيلي استريت (SHELLYSTREET):

هذا الجامع بناه الصينيون وأرضه واسعة جداً ولا يوجد جامع في البلدة - هونغ كونغ أو كولون - له أرض بهذه السعة - وإن كان جامع كولون أكبر المساجد من حيث البناء، ولكن لا أرض له إلا البقعة التي شيد عليها.
وإمام المسجد أحمد جان، اجتمعت به أمس في جامع كولون.
ولهذا المسجد رصيد في البنك يبلغ ثلاثين مليون دولار بالعملة المحلية.
ولا يصلي فيه الصينيون - وهو مسجدهم - إلا يوم الجمعة، والذين يصلون فيه في أوقات الصلاة اليومية الباكستانيون، وعددهم قليل، وقد صلينا معهم في المسجد الظهر، وبعد الصلاة قرأ أحدهم حديثاً في الوضوء، وقرأ شرحه في كتاب باللغة الأردية، وهم متحلقون حوله، ثم تفرقوا بعد القراءة ويبدو أنهم من جماعة التبليغ.
وبعد صلاة العشاء زارني إمام مسجد كولون الشيخ محمد الطيب، وذكر لي أن المسجد في حاجة إلى المراجع الإسلامية، وأنه قد كتب للشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ في هذا الشأن ولم يرد له جواباً إلى الآن.

معلومات موجزة عن هونغ كونغ:

جزيرة هونغ كونغ مستعمرة بريطانية استولت عليها بريطانيا في عام 1841م ثم ضمت بريطانيا إلى هونغ كونغ شبه جزيرة كولون وبعض المناطق الجديدة، باتفاق مع الصين، حيث استأجرتها منها لمدة 99سنة، وتتبعها أكثر من 230 جزيرة صغيرة.
ويبلغ طول الجزيرة هونغ كونغ أحد عشر ميلاً، وعرضها أكثر من خمسة أميال قليلاً، وبها جبال مرتفعة وأكبر قممها قمة فكتوريا التي تبلغ 551 متراً، وأعلى قمة في كولون والمناطق الجديدة تاي موشان الذي يقارب 970 متراً.
ويندر وجود أراضي مسطحة في المنطقة، ولهذا كانت الأراضي التي شيدت عليها كثير من المصانع والمباني والشركات تقتطع من البحر تدريجياً، وكذلك توسيع مطار كاي تاك الدولي.
ومناخ المنطقة مداري موسمي، يبلغ معدل درجة الحرارة في يوليو 27 درجة مئوية، وفي فبراير 15 درجة، ويكثر نزول الأمطار بين شهري يونيو وسبتمبر، ويحدث في فصل الصيف أحياناً أعاصير مدمرة، كما هو الحال في شرق آسيا في الفلبين وتايوان.
غالب سكان هونغ كونغ صينيون، ويكثر فيها الهنود والباكستانيون، ويزيد عدد سكانها عن خمسة ملايين نسمة وعاصمتها تسمى فكتوريا كما سبق.
ولغتها الرسمية هي اللغة الإنجليزية ويكثر التحدث باللغة الصينية.
وتعتبر هونغ كونغ منطقة تجارية مهمة وميناء رئيساً ومحطة يرتادها التجار.
وتوجد بها الصناعات الخفيفة كالبلاستيك والأجهزة الإلكترونية وآلات التصوير وأجهزة الراديو والمسجلات.
كما توجد بها صناعات ثقيلة، كإنتاج الصلب وبناء السفن وإصلاحها.
وبها نشاط سياحي مربح.
وذكر أن عدد الزائرين لها سنوياً يبلغ 92700 سائح في المتوسط.
والزراعة فيها قليلة بسبب ضيق أرضها وفيها صيد الأسماك.

خوف السكان من سيطرة الصين على الجزيرة:

ومما يجدر بالذكر أن تجار هونغ كونغ قد شعروا بالخطر لقرب موعد تسليمها إلى الصين بحسب الاتفاق الذي تم بين بريطانيا والصين، ولم يبق على هذا الموعد إلا ثمان سنوات، ولهذا بدأ التجار في ترتيب إيجاد بدائل لأسواقهم وتجارتهم في بلدان أخرى، وقد طالبوا بريطانيا بمنحهم الجنسية البريطانية والسماح لهم بالانتقال إلى بريطانيا، وبعض الصينيين هيئوا لأنفسهم منازل وأسواقاً في سنغافورة، والسبب في ذلك خوفهم من تصرفات الحكومة الشيوعية التي مارستها في الصين بعد الثورة الشيوعية، برغم الوعود التي قطعتها الصين على نفسها بعدم الاعتداء على الأموال والمصانع الموجودة في هونغ كونغ.
وإذا كان لي من تنبيه هنا فهو أن المسلمين في هونغ كونغ في أمس الحاجة إلى البقاء والثبات في هذه البلدة من أجل الحفاظ على أبناء المسلمين فيها، ولو أن رجال الأعمال التجارية في البلدان الإسلامية بدأوا من الآن التعاون مع من يوثق به من المسلمين، بتوظيف بعض أموالهم هناك ليستفيدوا ويفيدوا أولئك المسلمين كذلك ويساعدوهم في بناء المدارس وإيجاد المعلمين المسلمين والدعاة الذين تتوافر فيهم صفات الدعاة حسب الإمكان، لكان في ذلك تثبيتاً للإسلام في هذا البلد.
والذي يبدو أن الصين ستحاول عدم التغيير في مسار التجارة والاقتصاد في هونغ كونغ؛ لأن بقاء التجارة الحرة ستكون في مصلحتها اقتصادياً؛ لأن الأموال الأجنبية ستوظف فيها وستستفيد الصين من السياحة كذلك، وذلك كله يوفر لها العملة الصعبة، فهل يفكر المسلمون في الاستفادة والإفادة كذلك لإخوانهم المسلمين في هونغ كونغ؟ عسى أن يكون ذلك.

مغادرة هونغ كونغ:

الأربعاء: 20/2/1410هـ ـ 20/9/1989م.
جاءني الأخ علي تينج في الفندق فحاسبنا الموظفين وذهبنا إلى المطار في الساعة العاشرة والنصف.
وبعد انتهاء الإجراءات اللازمة في المطار ودعني الأخ علي ورجع.
وأقلعت بنا الطائرة (CATHAY PACIFIC) من مطار هونغ كونغ في الساعة الثانية إلا عشر دقائق بعد الظهر متجهة إلى بانكوك، وهي تسير نحو الجنوب الغربي.
وبهذا تمت زيارة هونغ كونغ تاسع دولة في هذه الرحلة.

ظنوا الأمام هو الورى!

وعندما سارت الطائرة مدة ساعة تقريباً خطر ببالي بعض من يتولون وظائف في بلدان المسلمين، وهم ليسوا أهلاً لها فيكون ذلك سبباً في الخسائر التي تنزل بالمسلمين في مجالات متعددة.
وأنشأت هذه الأبيات:

هل قد علمت بما جرىأو أنت سائلُ من درى
أرباب أسنان صغارصاروا رؤساً للورى
وإذا سبرت عقولهمبانت أقل وأحقرا
وهي التي ألقت بهمفي قعر بحر لا يرُى
وهناك في ظلماتهظنوا الأمام هو الورى
وبنوا على الظن الكذوبسيراً حثيثاً منكرا

وكان الأخ يونس بن عبد الحي في نفس الطائرة عائداً إلى المدينة المنورة لاستئناف دراسته، بعد أن قضى إجازته في بلاده تايوان وهو يعلم أن سفري أيضاً في هذه الطائرة ولذلك جاءني مؤكداً وجوده معي.
وهبطت الطائرة في مطار بانكوك في الساعة الرابعة مساء بتوقيت هونغ كونغ، الثالثة بتوقيت تايلاند.
وانتظرنا في مطار بانكوك لنكمل المشوار على الطائرة السعودية التي أقلعت بنا في الساعة الخامسة والنصف بعد الظهر بتوقيت بانكوك، الواحدة والنصف بعد الظهر بتوقيت المملكة العربية السعودية.
وهبطت في مطار الرياض (مطار الملك خالد الدولي) في الساعة الثامنة والربع، ثم أقلعت من مطار الملك خالد بالرياض في الساعة العاشرة، وهبطت في مطار الملك عبد العزيز بجدة الساعة الحادية عشرة والربع، وبهذا انتهت هذه الرحلة الطويلة التي استغرقت أربعة شهور وأربعة أيام والحمد لله رب العالمين.
وسبحانك اللهم وبحمدك لا اله إلى أنت أستغفرك وأتوب إليك