الزيارة الثانية إلى هونغ كونغ1400هـ ـ 1980م
الزيارة الثانية إلى هونغ كونغ1400هـ ـ 1980م
السفر من مدينة جاكرتا إلى هونغ كونغ:
كانت هذه الدولة المستعمرة هي السادسة في هذه الرحلة، فقد مررنا قبلها بكل من باكستان وتايلاند وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا، وكانت هي المقصودة أساساً بالرحلة.
في مطار هونغ كونغ:
أخذت الطائرة في الهبوط رويداً رُويدا فرأينا الجبال القريبة من هونغ كونغ في وسط البحر، ورأينا القوارب الصغيرة وهي تتحرك في البحر في كل اتجاه مثل الأسماك، وهبطت الطائرة في مطار هونغ كونغ في الساعة الواحدة إلا عشر دقائق بتوقيت جاكرتا الثانية إلا ربعاً بتوقيت هونغ كونغ، فكانت مدة الطيران من جاكرتا إلى هونغ كونغ أربع ساعات كاملة.
دبر نفسك!
ودخلنا قاعة الجوازات فكان إمامنا في الصلاة، هو شيخنا في اللغة وقف الشيخ عبد القوي أمام الموظفة التي رطنت له باللغة الإنجليزية - بلهجتها الصينية - السريعة التي يختلط على السامع مخارج حروفها - فلم يفهمها، فختمت له ومشى، فقلت له: لا تبتعد عنا، لأنا لا نستطيع التفاهم معها – أصلاً - فقال: دبر نفسك، وبدأت ترطن لي فناديته فجاء فتكلمت بكلام لم يفهمه فأشارت إليه أن يعود إلى مكانه، وقالت لي: نو إنجلش؟ فهززت لها رأسي، فختمت جوازي وجواز الابن عبد البر ونذرت صوماً، وقلت عندئذٍ للشيخ عبد القوي لقد كادت رؤوسنا تتساوى - أي في اللغة -.
أخافتهم غترة عبد البر عند الدخول!
ذهبنا إلى قاعة الجمرك فتسلمنا حقائبنا وأخذ الموظفون يفتشون كل شيء بدقة، وكان الموظف - على الرغم من التفتيش الدقيق - يسأل هل عندكم سلاح؟ والشيخ يقول له: نو، قلت له: لا تجبه يكفيه ما يفعل.
وبعد أن فرغ من تفتيش الحقائب نظر إلى عبد البر فرأى رأسه مغطى بالغترة - أما الشيخان فكانا مكشوفي الرأس - فأخذ الموظف يمر بيديه على رأس عبد البر متحسساً، وكأنه ظن أن تحت هذا الغطاء مفرقعات أو غيرها من الأسلحة، فاقتربت أنا من الموظف وأشرت له إلى رأسي - أي فتش رأسي أيضاً - فابتسم وفهم أننا نتعجب من تفتيش الرأس!
الفندق قبل السيارة!
خرجنا من قاعة المطار فلم نجد أحداً ينتظرنا، وكنا قد اتصلنا من جاكرتا بمنزل الأخ مظهر السيد "باكستاني مقيم في هونغ كونغ يشتغل بالتجارة" الذي كنت قد اجتمعت به في المرة الأولى عندما كنا في طريقنا من اليابان بعد زيارة أمريكا، ووقفنا ننتظر سيارة أجرة وكنا كلما أشرنا لسائق تجاوزنا إلى غيرنا من الواقفين، فتعجبنا من ذلك! وبعد وقوف طويل كان يأتينا بعض الشباب يسألنا ماذا تريدون؟ فنقول: نريد استئجار سيارة، فيتركنا ويذهب يوقف سيارة لغيرنا، ويضع له حقائبه في صندوق السيارة بنفسه ويفتح له الباب، وإذا ركب أغلقه وودعه، فأخذنا نتساءل: ما سبب صدود الناس عنا أهو لباسنا العربي!؟
ثم قلت لشيخنا القارئ - شيخ اللغة الإنجليزية -: انظر إلى هذه اللافتات التي يقف الناس تحتها فتأتيهم السيارات بسهولة ويجدون من يحتفي بهم دوننا، فنظر فوجد أسماء فنادق، من اختار أحدها وقف تحت لافتته، فجاءته السيارة التابعة لذلك الفندق لتوصله إليه، فقلت: إذن يجب أن نختار الفندق قبل السيارة، فاختر لنا ما تشاء فاختار فندق "إمباسدور" وعندها يسر الله عسرنا، وكان من فنادق الدرجة الأولى.
جوهرة في مزبلة:
ونزلنا في هذا الفندق، واتصلنا بالأخ مظهر السيد الذي وعدنا بالمجيء إلينا، فاسترحنا، وجاءنا في الساعة السادسة ونزلنا إلى السوق لشراء بعض المأكولات للإفطار، وذهبنا إلى مسجد كولون الذي هدم ليبني من جديد، وهو في دور التأسيس، وقد شاركت رابطة العالم الإسلامي في نفقات بنائه، وشارك غيرها من الكويت وبعض تجار المسلمين في هونغ كونغ، ولا زالوا يجمعون له المساعدات لأنه سيبني من طابقين، وكان قد بنى قبل ثمان عشرة سنة، بنته بريطانيا للمسلمين الذين شاركوا في فتح البلدان لها مع جيشها وهم من الهند والباكستان.
وكنت زرت هذا المسجد قبل ثلاث سنوات، وكان إمامه شيخاً باكستانياً كبير السن ذكر لنا حاجة المسجد إلى بناء جديد، وضمنت التقرير الذي قدمته للجامعة الإسلامية هذا الطلب وبعثت بصورة منه إلى فضيلة الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، ولعله على إثر ذلك قدمت المساعدة من الرابطة.
وقد منحت الحكومة في هونغ كونغ المسلمين قطعة أرض بجوار المسجد مباشرة إعارة يؤدون فيها صلاتهم حتى يتم بناء المسجد، وقد بنوا على هذه القطعة مسجداً مؤقتاً من الخشب وغطوه بغطاء من البلاستيك ليقيهم من حر الشمس وهطول المطر.
وعندما وصلنا إلى هذا المسجد وجدنا المسلمين مجتمعين، وقد مدوا سفر الإفطار ووضعوا أمام كل واحد من المصلين الذين لا يقلون عن ثلاثمائة مصل، حبات تمر وشيئاً من الفاكهة - برتقال أو تفاح - وخبزاً محشواً بخضرة ولحم (سمبوسه) وقعب نحاس ملئ بشربة أرز وعدس ولحم، ورحبوا بنا وفرحوا عندما رأونا، ونحن فرحنا أيضا بهذا الجمع الغفير من المسلمين يفطرون كلهم ويصلون بعد الإفطار وراء إمام واحد، والبيئة التي تحيط بهذا المسجد كلها بيئة كفر ترى فيها النساء العاريات والأخلاق الفاسدة والغفلة عن الله وعن اليوم الآخر، فكان وجود هذا المسجد في هذا المكان بهذه الأوصاف مثل الجوهرة المرمية في مزبلة، ولعل هذه الجوهرة تحول تلك المزبلة كلها إلى جواهر في يوم من الأيام وما ذلك على الله بعزيز. [زرت هذا المسجد في عام: 1409هـ ـ 1989م عد أن اكتمل بناؤه].
فقد كانت الأرض كلها مزبلة عندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله في مكة المكرمة.
راحت تتعجب فدخلت تلعب!
هذا مثل يمني حفظته وأنا صغير، ومعناه - في الأصل - خرافي فهناك مرض يسمى بمرض الزار، إذا مرض شخص أي مرض أقعده في منزله، جاء بعض المرتزقين وأوهموه بأن شيطان الزار قد أصابه بهذا المرض، ولا بد من ذبح بعض الخرفان ودعوة الناس للأكل منها، ولا سيما هيئة شيطان الزار الذين هم رئيس الهيئة - رجل أو امرأة - وضاربوا الدفوف وصاحب المزمار والمصفقون ويحضر المريض - أو تحضر الهيئة عنده إن كان لا يستطيع هو الحضور - فيأخذ ضاربو الدفوف في ضرب دفوفهم، ويأخذ صاحب المزمار في زَمْرِه، ويصفق المصفقون، ويبدأ المريض يهز رأسه شيئاً فشيئاً، وبعد أن يسخن جسمه تشتد حركته فيرقص ويظهر بمظهر من يغيب عقله، ويقال: إنه عندئذ يحضر شيطان الزار، ثم يتقدم شيطان الإنس رئيس الهيئة الزار، فيمسح وجه المريض ويدلك بعض أجزاء جسمه، ويتحدث مع المريض والمريض يأتي بألفاظ غريبة وكأنه يتحدث على لسان شيطان الزار، ويخبر عن الأسباب التي جعلته يدخل الضرر على المريض، ويشترط شيطان الزار شروطاً لابتعاده عنه يضمن له رئيس هيئة الزار تحقيقها ثم يصحو المريض، وقد يشفيه الله ابتلاء، وقد ينتقل إلى الدار الآخرة مشركاً بالله معتقداً أن الجن تنفع وتضر، وتمرض وتشفي.
هذه نبذة مختصرة لوصف مرض الزار وليس هذا هو المقصود.
والظاهر أن القارئ قد ضاق صدره، لإدخال هذا المرض ووضعه في هذا المكان من هذه الرحلة، وتعب في ربط هذا الكلام بالعنوان، فليصبر على ذلك وإليه بيان المراد.
تستأذن بعض النساء من أولياء أمورهن لحضور حفلة الزار لتتفرج وهي ليست مريضة، وعندما تقف في الصف تنظر إلى المريض وهو يرقص، فترتعش هي وتدخل وتفعل مثل ما يفعل المريض "فقيل راحت تتعجب فدخلت تلعب" فصار ذلك مثلاً يضرب لمن قلد شخصاً أو حاكاه في أمر ما كان ينبغي له أن يحاكيه أو يقلده لاستغنائه عن ذلك.
وقد انطبق هذا المثل على الشيخ عبد القوي - والمثل يحكي كما هو ولا يغير - فقد اجتمع حولنا بعض الباكستانيين والهنود الذين يتحدثون باللغة العربية المفهومة، ولم يكونوا يظنون أن الشيخ يتحدث اللغة الأردية، فتبادلنا الحديث معهم قليلاً، ثم لم يقدر الشيخ أن يستمر في التحدث معهم باللغة العربية فانطلق يتكلم باللغة الأردية، ولا سيما عندما كان بعض المتحدثين باللغة العربية يترجمون لبعض أصدقائهم باللغة الأردية، فقلت للشيخ: أعطهم فرصة ليتمرنوا على اللغة العربية وذكرت عندئذ في نفسي هذا المثل وسجلته في مذكرتي: (راحت تتعجب فدخلت تلعب).
الجو مهيأ للدعوة الإسلامية في الصين الشيوعية:
الأحد: 23/9/1400هـ ـ 5/8/ 1980م
التقينا شاباً عربياً مسلماً جاء لتوه من الصين الشيوعية، فاشتقنا لنسمع منه عن المسلمين في الصين، وكان هذا الشاب قد تلقى بعض العلوم التجريبية في الصين، فسألناه أن يحدثنا عن أحوال المسلمين في الصين؟ [كانت أخبار المسلمين في الصين تلك الأيام عزيزة، أما الآن فقد فتحت الصين أبوابها للسياحة والتجارة، كما فتحت الباب لخروج الصينيين، وإن كان ضغطها على المسلمين لا يزال مستمراً في بعض المناطق - وبخاصة تركستان الشرقية - والنشاط الإسلامي المأذون فيه لا زال محدوداً، ولكنه في تنامٍ مستمر، وأعظم ما يحتاج إليه المسلمون هو انتشالهم من الجهل بالتعليم الصحيح، وقد قمت بزيارة للصين في عام: 1416هـ - 1995م وسجلت ما توصلت إليه من معلومات في كل المناطق التي زرتها في الجزء الأخير من هذا الكتاب]. فأعطانا خلاصة الحالة التي كانوا عليها في عهد ماو تسي تونغ، فقال: لقد كانوا في عهده مضطهدين مطاردين غير مسموح لهم بدخول المساجد والصلاة فيها، بل هدم كثيراً من مساجدهم وقتل الكثير منهم.
أما الآن فقد حصل شيء من التسامح من الحكومة الجديدة، وسمحوا للمسلمين أن يقيموا شعائر دينهم في مساجدهم، بل إن الحكومة رممت لهم بعض المساجد المتهدمة، كما سمحت لهم بتداول المصحف الشريف وكتبهم الدينية.
بل سمحت الحكومة ببناء الكنائس والمساجد، وقد شرع المسيحيون في بناء عشرين كنيسة في بكين.
ولو أن المسلمين في الدول العربية وغيرها أمدوا إخوانهم المسلمين الآن في الصين بالمصاحف المطبوعة والمسجلة والكتب الإسلامية والعربية وساعدوهم في بناء المساجد، لكان ذلك خيراً من التأخر؛ لأن المسلمين في الصين سيصابون بخيبة أمل إذا أبطأ إخوانهم عن مساعدتهم وهم يرون المسيحيين تنهال منهم الإعانات والمساعدات على بني دينهم.
وقال الأخ المذكور: إن الجو الآن مهيأ للدعوة الإسلامية في الصين، ولكنه يحتاج إلى خطة مدروسة وأسلوب مناسب لحالة الانفتاح الاقتصادي في الصين، ولو وجد دعاة مسلمون على هيئة تجار، فإنهم يقدرون على الاتصال بالمسلمين ومساعدتهم وتفقيههم في دينهم.
وقال: إن المصاحف والكتب يمكن بعثها إلى بعض تجار المسلمين الصينيين في هونغ كونغ وهم يبعثون بها إلى أقربائهم في الصين ويمكن بعثها إلى جامع بكين مباشرة.
المسلم الصيني يوسف:
جاء إلينا الأخ يوسف، وهو شاب صيني نشيط متحمس لدينه الإسلامي، مولود في هونغ كونغ، جاء إلينا في الساعة العاشرة صباحاً وكانت معه شابة مسلمة مشهورة - أيضاً - بالنشاط الإسلامي، وتسمى: (ربيعة) ولها كتابات في المجلات والجرائد عن الإسلام، وبدأنا نتشاور في كيفية اللقاء بالمنظمات الإسلامية في هونغ كونغ، واتفقنا على دعوة زعماء المنظمات الإسلامية وأعضائها في لقاء واحد يتم في مسجد كولون بعد عصر غدٍ الثلاثاء، وطلبوا مني عنواناً لموضوع محاضرة تلقي في هذا الاجتماع فلبيت طلبهم.
إلحاح ربيعة في طلب زيارة سعاد الفاتح:
وطلَبَتْ منا الأخت ربيعة أن نتصل بالسيدة سعاد الفاتح السودانية التي كانت تعمل عميدة لكلية البنات في الرياض، ونحثها على زيارة المسلمين في هونغ كونغ، لما بلغها عنها عن تحمسها للإسلام وثقافة إسلامية طيبة، قالت: إن وجودها هنا سيساعدنا كثيراً على اجتذاب الفتاة المسلمة إلى مبادئ دينها.
وقالت: إن المناسبة لدعوتها هي أننا نريد أن ننظم ندوة عن المرأة في الإسلام بمناسبة الاحتفال بالهجرة، وتقوم ربيعة بعمل سكرتيرة لجنة الاحتفال هذا الذي تشترك فيه جميع المنظمات الإسلامية.
وقال الأخ يوسف: إننا نعاني مشقة عدم وجود من يقوم بتدريس اللغة العربية لأبناء المسلمين، والشيخ صلاح السوداني لا يكفي وحده، وعندنا الكلية الإسلامية لو أن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة منحتها مدرسين لأفادوا فيها.
فسألت عن هذه الكلية وعن نشأتها وطلابها وأساتذتها ومناهجها، فأخبرت أن الذي أسسها رجل مسلم صيني اسمه "قاسم تويت" وهو رئيس الجمعية الإسلامية الصينية في هونغ كونغ - وقد التقيناه فيما بعد - وأنه أسس هذه المدرسة - في الأصل - لأبناء المسلمين ولكن لجهل المسلمين وعدم وجود مدرسين متفقهين في الدين منهم يضعون المنهج الإسلامي ويدرسون مواده، تسلمت المدرسة السلطات الحكومية، لا قهراً ولكن خداعاً من جانبها وعجزاً من جانب المسلمين، ووضعت مناهجها مثل مناهج بقية مدارسها وأساتذتها من رجال الحكومة نصارى أو صينيين، وأكثر طلابها من غير المسلمين، ونسبة المسلمين فيها 10% فقط.
قلت: لقد زرع المسلمون وحصد غيرهم، ويجب أن تبذلوا جهدكم في تعديل المناهج وإيجاد المدرسين المسلمين، ليقوموا بتدريس الطلاب الدين الإسلامي وتكثروا من أبنائكم في المدرسة، حتى تؤثروا أنتم في غيركم بالمنهج والكتاب والمدرس، ولا يؤثر فيكم غيركم كما هو الشأن الآن.
قال الأخ يوسف: نحن لا نقدر على ذلك بدون مساعدة منكم، فانقلوا رغبتنا إلى المسؤولين في المملكة العربية السعودية، في أن يساعدونا بمدرسين لأبنائنا وكتب إسلامية ووضع مناهج.
وقال الأخ يوسف: أُدخلت الآن في مناهج المدرسة هذه مادة التاريخ الإسلامي ويدرسها الأستاذ صلاح شيخ، ومن خلال تدريسه لها يستطيع أن يعطي الطلبة فكرة عن مبادئ الدين الإسلامي، وهي مادة يدرسها المسلمون وغير المسلمين.
وقال: توجد في هونغ كونغ ثلاث جامعات: جامعة هونغ كونغ الأم، وجامعة صينية يشترك فيها الصينيون والأوروبيون، وجامعة أمريكية تنصيرية كاثوليكية ولم يعترف بشهادتها إلى الآن، ويستفيد الأوربيون من الجامعة الصينية بل يكادون يسيطرون عليها.
وكثير من الشباب الإسلامي تكون صلتهم بالمنظمات الإسلامية ونشاطاتها الإسلامية جيدة، ولكنهم عندما يدخلون في هذه الجامعات ينعزلون عن إخوانهم، وقد لا نراهم إلا بعد تخرجهم، وذلك بسبب الواجبات الملقاة عليهم في الدراسة وخشية فشلهم فيها، وهم هنا لا بد أن يتعبوا أنفسهم ليحصلوا على وسيلة جلب رزقهم.
وقال: إن المنظمات هنا لها كامل الحرية في نشاطاتها، لا فرق بين المنظمات اليهودية والنصرانية والصينية، وكذلك المنظمات الإسلامية فتستطيع أي منظمة أن تقوم بأي عمل دون أن تصطدم بالمنظمات الأخرى، واليهود هم الذين يسيطرون على الاقتصاد العام ورئيس الجهاز التعليمي يهودي.
والبوذيون أغنياء بالأراضي والعمارات.
مكافحة الحكومة في هونغ كونغ للنشاط الشيوعي:
وكان النشاط الشيوعي في هونغ كونغ على أشده سنة: 1967م ولكن الحكومة هنا استطاعت بصورة ذكية وقف هذا النشاط وذلك بأمرين ظاهرين:
الأمر الأول: تحديد إقامة القادمين في هونغ كونغ.
الأمر الثاني: عدم السماح بدعوة أحد من الصين من قبل الصينيين المقيمين في هونغ كونغ إلا إذا كانت العلاقة قوية بين الداعي والمدعو، ولا يكون منه خطر، مع أن حكومة هونغ كونغ تحاول مهادنة السلطات الصينية، خشية من بطشها بها فيما بعد؛ لأنها قد تعود إلى الصين بعد عام: 1997م الذي تنتهي به المعاهدة الصينية البريطانية. [وقد عادت].
وإن كانت الصين قد لا تطلب عودة هونغ كونغ إليها، بل قد تجدد الاتفاقية مع بريطانيا مرة أخرى لتبقى بيدها، لأن ذلك يتيح للصين منفذاً تجارياً حراً باسم دولة أخرى وتتقي بذلك انتقاد المتطرفين الشيوعيين انفتاحها. [كان هذا أملاً يراود سكان هونغ كونغ من البريطانيين والصينيين الخائفين من عودة ضم البلاد إلى الصين، ولكنه لم يحصل].
وقد استفادت هونغ كونغ من استيراد السلع من الصين بأسعار رخيصة، وقد كانت منتجات الصين كلها تصدر عن طريق هونغ كونغ، وهذا ما جعلها تتغلب في عام: 1973م على السيولة النقدية والانهيار الاقتصادي الذي أصيب به العالم آنذاك، ولكن الصين بدأت الآن تربط علاقات مباشرة مع بعض الدول الأخرى - غير هونغ كونغ -.
وقد كان الصينيون الذين يقيمون في هونغ كونغ يخافون إذا عادت سيطرة الصين عليهم أن تؤمم ممتلكاتهم، وكان هذا الخوف وارداً في عهد ماو تسي تونغ، أما الآن فإن رئيس الوزراء صرح بأن لكل صيني الحق في امتلاك ما يريد وبناء ما يشاء من المساكن، ووعد أنه إذا عادت هونغ كونغ إلى الصين فلن تصادر أموالهم.
الاجتماع بزعماء المنظمات الإسلامية في هونغ كونغ:
اتفقنا على أن نلتقي بزعماء المنظمات الإسلامية قبل المغرب بساعة في مسجد كولون ونزلنا إلى السوق فقضينا فيه خمس ساعات، ثم جاءنا الأخ يوسف وبعض أصدقائه في الساعة الخامسة والنصف إلى الفندق لمذاكرة ما يتعلق بهذا الاجتماع.
وجاء في الساعة السادسة الأستاذ حمزة بن حنيفة، وهو عضو في لجنة الاحتفال بالهجرة النبوية وعضو في منظمة الشباب الإسلامي في هونغ كونغ وهو محرر جريدة "دعوة مسلمي هونغ كونغ" التي يطبع نصفها باللغة العربية والنصف الثاني باللغة الصينية.
وسألته عن المقصود من الاحتفال بالهجرة؟ فقال: الهدف من ذلك محاولة ربط المنظمات الإسلامية بعضها ببعض ويوجد في هونغ كونغ من المسلمين ما بين خمسة وعشرين وثلاثين ألفاً "خمسون في المائة 50% منهم صينيون" وقد اجتمعت المنظمات الإسلامية فعلاً وانتخبوا الأستاذ صلاح شيخ السوداني رئيساً للجنة ووضعت لها برامج منها إقامة ثلاث مخيمات عالمية: انتهى المخيم الأول في أبريل وكان موضوعه "الحياة الإسلامية" وسيكون الثاني في سبتمبر القادم، وموضوعه: المرأة في الإسلام، والثالث في ديسمبر وموضوعه: الإسلام دين المستقبل.
ثم ذهبنا بعد ذلك إلى المسجد فالتقينا زعماء المنظمات الأخرى، ومنهم زعيم الجمعية الإسلامية الصينية قاسم تويت، وهو الذي أسس الكلية الإسلامية التي مضى الحديث عنها.
لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين!
قال الأخ قاسم لقد أعطتنا السلطات الحكومية مبنى يتكون من سبعة طوابق للمدرسة الابتدائية، بسبب أنها - أي الحكومة - علمت أننا أثبتنا جدارتنا في العمل الأكاديمي، وقد ساعدتنا سبع دول توسطت لنا عند السلطات من الدول الإسلامية منها باكستان وتركيا ومصر و بنغلاديش.
قلت له: وماذا تفعلون بهذا المبنى الذي أعطتكم الحكومة؟ هل تنشئون فيه مدرسة على ضوء الكلية الإسلامية تكون مناهجها غير إسلامية، والاستفادة الحقيقية تكون لغير أبناء المسلمين، وأنتم لكم الاسم فقط والإسهام المادي والمعنوي؟ قال: حقيقة أن أغلب الطلبة سيكونون من غير المسلمين، وقد كونت لجنة لوضع المنهج ومن أعضاء اللجنة صينيون، ولا بد من إشراف السلطات الحكومية على المدرسة، وليس عندنا إمكانات لفتح مدرسة مستقلة بنا.
قال: ونحن لا نخشى من استغلالهم للمدرسة كما استغلوا الكلية الإسلامية، لأن عندنا الأخ الأستاذ صلاح شيخ، ونطلب أن يضاف إليه غيره والفرصة متاحة لنشر الإسلام لأبناء المسلمين وغيرهم.
قلت: لو أنكم أوجدتم - حسب استطاعتكم - مدرسة صغيرة تتكون من فصل أو فصلين في أول الأمر، ووضعتم منهجاً لأبنائكم يكون جامعاً بين منهج تعليم الدين الإسلامي والمنهج الحكومي، لكان خيراً لكم وستطورون هذه المدرسة بالتدريج حتى تصبح كلية في المستقبل.
فأصر على أن عدم استقلال المسلمين عن غيرهم في هذه الفترة أجدى، إلى أن يحين وقت الاستقلال.
وقال :إننا قد كتبنا للسلطات الحكومية نحن المسلمين، والكاثوليك والبوذيين نطالب بالعناية بالأخلاق لوجود التحلل، وقد اقتنعت الحكومة بذلك وهي تساعدنا.
فقلت له: لو كانت السلطات تعلم أنكم تقدرون على استغلال مؤسساتكم استغلالاً كاملاً، لما وقفت منكم هذا الموقف الذي تظنونه في مصلحتكم، وقد استفادت من مؤسستكم الأولى "الكلية الإسلامية" التي لكم اسمها ولها حقيقتها: ولا يلدغ مؤمن من جحر مرتين.
وتحدثنا مع بعض الزعماء الآخرين إلى أن حان وقت أذان المغرب، حيث أفطرنا وصلينا.
العنب في هونغ كونغ والقوارير في أفغانستان!
وكان في هذه الليلة، من ضمن ما تناولناه عندما أفطرنا حبات عنب علمنا بعد الصلاة أنها من عنب أفغانستان، جاء بها أحد المجاهدين الذين التقيناه بسراويله الطويلة الفضفاضة وقميصه وعمامته ولحيته الكثة.
قال لنا: إنا وصلنا اليوم من باكستان، وهذا العنب الذي رأيتموه من عنب أفغانستان، وقد جئت لشراء بعض المؤن "ظهر لي أن هذه المؤن هي بعض الأسلحة للمجاهدين"، وأنتم من ساكني مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي تربى على تربتها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسالت بها دماؤهم في سبيل الله، وهي تضم جثمان إمام المجاهدين صلى الله عليه وسلم، وبها مسجده وأماكن غزواته، ونحن الآن نواجه حرباً شرسة من دول الشرق الشيوعي - حرباً سافرة - ومن دول الغرب الرأسمالي - إلا أنها حرب مغلفة، فعليكم أن تدعوا لنا هناك في الروضة الشريفة وعند الكعبة في مكة المكرمة أن ينصرنا الله على أعدائنا الذين لا نقاتلهم من أجل شعبنا فقط، وإنما من أجل الإسلام الذي يريدون العبور إلى معاقله من بلادنا، وقوات العدو ضخمة وأعداده كثيرة.
ومع ذلك فإننا نرى من تدبير الله لنا ونصره ما لم نكن نتوقع، وأن النساء المحتجبات والصبيان الصغار يقومون بعمليات مذهلة بإمكانيات ضعيفة: إنهم يملأون القوارير بالبارود والبنزين ويلقونها على دبابات العدو ومصفحاته فتحطمها وتقتل أعداداً ضخمة منهم، قلت: "لقد كنا نأكل العنب في هونغ كونغ وكان الصبيان والنساء أصحاب القوارير التي يرمون بها المحتلين في أفغانستان".
ولقد كان بارعاً في شرحه وكانت عاطفته جياشة جعلت بعض الحاضرين يبكي عندما سمع هذه المعاني.
الآلة الحاسبة والصاروخ!
الاثنين: 24/9/1400هـ ـ 6/8/ 1980م
دخلنا السوق لشراء بعض الحاجات، ولفت نظري آلة الحساب التي يستعملها الصينيون، وهي شبيهة باللوح الخشبي الذي يستعمله أطفالنا للتمرن على العد الحسابي، به أسلاك تنتظم بها حبات مثل حبات السبحة إلا أنها - أي الآلة الحاسبة الصينية - يوجد بها فاصل، فوقه صفان في كل صف حبة وتحته خمسة صفوف في كل صف أيضا حبة، وعدد حبات كل صف تسع حبات، وقد يصل إلى ثلاث عشرة حبة كل خمس حبات في الصف السفلي تعادل حبة واحدة من حبات الصفين الأعليين.
توضع هذه الآلة على سطح مستو، وتدفع حبات الصفين اللذين في الأعلى إلى الطرف الأعلى من الآلة، وحبات الصفوف السفلى إلى أسفل الآلة، فلا يتصل بالفاصل شيء من هذه الحبات لا من فوق ولا من تحت.
ويستعمل الصينيون هذه الحبات في عدهم الحسابي، بدلاً من الأرقام المكتوبة على الورق أو المثبتة على الآلات الحاسبة المعاصرة، وسرعة حسابهم بهذه الآلة شبيهة بسرعة الحساب بالآلات الحاسبة الحديثة.
وهذا مثال فيه شيء من الإيضاح لكيفية استعمال هذه الآلة العدد: 7859 تنزل حبة واحدة من الصف الأسفل الواقع فوق الفواصل مباشرة من السطر الأول، فتكون قيمة هذه الحبة خمسة، وترتفع أربع حبات من أول سطر على اليمين تحت الفاصل، فتكون الجملة: 9 وتؤخذ حبة ثانية من الصف الأسفل الواقع فوق الفاصل من السطر الثاني بنفس القيمة فيكون العددان: 59 ثم حبة ثالثة كذلك من الصف الأسفل الواقع فوق الفاصل من الصف الثالث، وترفع ثلاث حبات من السطر الثالث فتكون الواحدة من فوق بخمسة، والثلاث بثلاث الجملة:8 فيكون الأعداد هكذا: 859 ثم حبة من فوق من السطر الخامس، فتكون بخمسة، وترفع حبتان من السطر الخامس من تحت الفاصل فتكون الجملة: 7 وبهذا يكون جملة العدد:7859.
واستعمال الصينيين لهذه الآلة قديم، ولكنه اشتهر منذ ستة قرون ولا زالوا يستعملونها في أضخم معارضهم.
قلت: وهذا من باب الحفاظ على نتاج عقول الأجداد القديم مع نتاج الأحفاد الحديث، ولم يمنعهم تقدمهم الحديث الذي ابتكروا فيه الصواريخ التي يصل مداها إلى الولايات المتحدة الأمريكية وموسكو، من الاعتزاز بما وصلت إليه عقولهم في القديم فأين المتطورون من أبناء قومنا الذين تنكروا لمجد أجدادهم وما زخر به تاريخهم من الابتكار والرقي وهم يعيشون على نتاج عقول غيرهم.
الإيمان وأثره في حياة الإنسان:
كان هذا هو عنوان المحاضرة التي ألقيت في مسجد كولون بعد صلاة التراويح من مساء: 24/9 وحضرها أعضاء المنظمات الإسلامية في هونغ كونغ وخلاصتها تضمنتها العناصر الآتية:
العنصر الأول: رضا الله هو غاية المؤمن، ولذلك يعبد الله حتى يأتيه اليقين.
ويتحقق هذا العنصر بأصلين:
الأصل الأول: أن يعبد الله حق عبادته.
الأصل الثاني: أن يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم بطاعته في أمره واجتناب نهيه.
وقد حقق الرسول صلى الله عليه وسلم هذين الأصلين في مكة، بالدعوة إلى الله سراً وجهراً وصبراً على الأذى وتربية عالية لأصحابه على ذلك كله، وفي المدينة بإقامة الدولة الإسلامية الأولى، وانطلق مجاهداً بأصحابه أعداء الله حتى ارتفعت راية الإسلام في كل أرض استطاع المسلمون دخولها، وكان مسجده الكريم منطلقاً للعلم والدعوة والجهاد، وكانت المؤاخاة بين المسلمين ركناً ركيناً في قيام هذه الدولة، كما كانت معاهدة اليهود منطلقاً للقضاء عليهم عندما خانوا الله ورسوله والمؤمنين.
ثم قلت لهم: يجب أن تجتمع كلمتكم على العمل للإسلام وسمعت أن جمعية عالية إسلامية شكلت من رؤساء المنظمات الإسلامية في هونغ كونغ لهذا الغرض فعليكم أن تقووا هذه الجمعية وتجعلوها نواة لوحدتكم وعليكم أن يكون الإخلاص رائدكم ولا وحدة بدونه ولا نجاح.
وعلى هؤلاء الزعماء أن يحددوا لهم اجتماعين في الأسبوع، الاجتماع الأول يتدارسون فيه بعض الموضوعات الإسلامية في القرآن والتفسير والحديث والفقه والتاريخ وغيرها، ليقووا معلوماتهم ويتفقهوا في دينهم.
الاجتماع الثاني يتدارسون فيه مشكلاتهم الإدارية والمالية وأساليب اتحادهم واتخاذ القرارات التي يمكن تنفيذ مضمونها في هذه الأمور.
وعليهم كذلك أن يجتمعوا بمنظماتهم، لتوعيتهم وتفقيههم في دينهم والارتقاء بهم إلى محبة إخوانهم في المنظمات الأخرى، ليتم التآخي بينهم والاجتماع على كلمة الله، حتى يكونوا في آخر الأمر جبهة واحدة.
ويجب أن تغتنموا الفرصة المتاحة لكم لتعملوا للإسلام وتربوا أولادكم، وتوجدوا لهم المدرس في المسجد والمدرسة، لتعليمهم مبادئ الإسلام واللغة العربية، خشية من أن يأتي يوم عليكم وأنتم في وضع يشبه وضع المسلمين في روسيا وفي الصين، يحظر عليكم أن تقرأوا في المصحف، وأن تصلوا في المسجد، والرسول صلى الله عليه وسلم قد حثنا على اغتنام الفرص فقال: ((اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة)).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل)).
ويمكنكم إذا اجتمعت كلمتكم أن تتصلوا بالمؤسسات الإسلامية في الشعوب الإسلامية لتساعدكم على أموركم.
وتم الحجز عصر اليوم من هونغ كونغ إلى كراتشي لليلة الجمعة على الطائرة الألمانية، مع توقف قليل في مطار بانكوك، كما حجز لي وللابن عبد البر من كراتشي إلى جدة في الخطوط الباكستانية مساء يوم السبت الموافق: 28/9/1400هـ.
ليت شهور العسل كلها كشهر يوسف!
الثلاثاء: 25/9/1400هـ ـ7/8/ 1980م
دأب كثير من المسلمين - تقليداً لغيرهم - أن يقضوا شهر العسل أي شهر الزواج الجديد في خارج بلدانهم، وكثير منهم يذهبون إلى أوروبا أو أمريكا أو غيرها من الدول التي يجدون فيها فساداً يتمتعون به لدناءة نفوسهم وسوء مزاجهم وعدم التزامهم بالإسلام وأحكامه، ثم يعودون وقد ألفت نفوسهم ذلك الفساد، وقد ينقلون أمراض تلك البلدان إلى أسرهم ومجتمعهم، وقد يجازيهم الله على أعمالهم بالفرقة والخلاف، لما يرتكبه بعضهم مما لا يرضى به قرينه وكلاهما كان سبباً في ذلك.
ولكن أخانا المسلم الصيني الأصل، المولود في هونغ كونغ عندما وفقه الله للزواج اتفق مع زوجه أن يقضيا شهر العسل في بلادهما الصين، ويكون الهدف من هذا هو الدعوة إلى الله والتعرف على أحوال المسلمين هناك والرجوع بمعلومات تمكنهما وتمكن غيرهما من المسلمين من مساعدة هؤلاء المسلمين، إنه الأخ يوسف يو الذي يعمل وكيلاً للكلية الإسلامية، وهو عضو في منظمة الشباب الإسلامي في هونغ كونغ، ورئيس هذه المنظمة يوسف كريم
جاءنا الأخ يوسف يو في الساعة الثانية عشرة من هذا اليوم، وشرح لنا بعض أوضاع المسلمين في الصين الشيوعية.
قال: إن المسلمين قد أخذوا الآن شيئاً من الحرية بعد أن كانوا مستضعفين غير مأذون لهم بالصلاة في مساجدهم، وقد صليت مع مجموعة منهم في مسجدهم في إحدى القرى صلاة التراويح، فكان عدد المصلين يبلغ ألفاً وخمسمائة شخص.
وقد طلب الأخ يوسف المساعدة في طبع كتاب التاج الجامع للأصول: تأليف الشيخ منصور علي ناصف من علماء الأزهر، وقد ترجمه أحد علماء الصين خفية وهو الشيخ أحمد الأمين، وكانت سلطات الصين تتابعه من حين لآخر، وهو يتهرب منهم ويواصل تعليم الدين الإسلامي ويترجم بعض الكتب وبعض الرسائل، وكثير من الكتب التي ترجمها لم يعثر عليها، والظاهر أن السلطات الصينية أخفتها.
أما هذا الكتاب "التاج الجامع للأصول" فكان في آخر حياته يترجمه في السجن، وكلما قطع شوطاً فيه سرب الترجمة إلى جماعته في خارج السجن، ولذلك حفظت ترجمته، ومات الشيخ أحمد في السجن تحت التعذيب في آخر مرة سجن فيها في عام: 1970م وكانت وفاته سنة 1978م.
والكتاب في ثلاثة مجلدات: مجلدان مطبوعان على ورق (ستنسل) والثالث تحت الطبع.
قلت: إذا كان الشيخ الصيني قد خاطر بنفسه، وعلم وترجم والسياط تتوالى على ظهره حتى مات في تلك الشدة، فأين أهل الإمكانات الذين يطبعون ما ترجم وهم في حالة رخاء من الله عـز وجل؟
وهذه الفرصة المتاحة الآن في عهد الحكومة الحالية في الصين يجب أن يستغلها المسلمون، فقد كان المسلمون في الصين يعذبون ويقتلون ولا يسمح لهم بممارسة أي شعيرة من الشعائر الإسلامية إلا ما خفي.
وكثير منهم كانوا يقتلون في منازلهم وقراهم، وكانت السلطات تدعي عليهم دعاوى كاذبة من أجل القضاء عليهم (وقد ضُرِبت أمثلة كثيرة لتلك الدعاوى).
وكثير من العلماء الذين هربوا أيام الضغط رجعوا ويتمنون وجود مصاحف وكتباً إسلامية وأشرطة مسجلة للقرآن الكريم (ويطلبون أيضاً أن يعانوا بمسجلات صغيرة لأنها غالية عندهم).
ومن الكتب التي طلبها بعض طلبة العلم الصينيين:
1 - تفسير الجلالين.
2 - شرعة الإسلام.
3 - المفتاح.
4 - دعوة الإسلام.
5 - المنطق.
6 - اللطائف.
7 - بيان.
8 - عقائد.
9 - ختم.
أو أي كتب تقوم مقامها متوافرة.
والذي يتأمل أسماء هذه الكتب يدرك بُعدَ العلماء المسلمين في الصين عن معرفة ما نشرته المطابع من الكتب في هذا القرن، فهذه الكتب التي يطلبونها قديمة قد لا نعرف نحن بعضها، وهذا يدل على عزلتهم الكاملة عن العالم في داخل حدود الصين.
وطلب الأخ يوسف يو كتاب العالم الفرنسي موريس بوكاي: "التوراة والإنجيل والقرآن والعلم الحديث" وقال: إن الكتاب مرغوب عند الطلبة الصينيين، وقال: إن بعض الإيرانيين الآن يأتون إلى الصين ويقومون بالدعوة إلى عقيدتهم وأفكارهم، وألح على طبع كتاب التاج وكتاب التفسير في هونغ كونغ ليتم توزيعها على الصينيين، وقال: إني أرجو إبلاغ هذه المعلومات للمؤسسات الإسلامية، ومنها الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وأعتبر نفسي - يقول الأخ يوسف -: قد بلغت ما عندي، وعلى من بلغتهم تقع المسؤولية أمام الله.
ولو كانت لي إمكانات لعملت بكل ما أقدر لنشر الإسلام ومواساة المسلمين هناك، ولكن الله يعلم عجزي وقلة حيلتي.
كالحجاج ولكن بدون دليل!
وذهبنا بعد صلاة العصر للصعود إلى جبل سياحي، وسيلة النقل المفضلة إلى قمته صعوداً ثم إلى أسفله نزولاً هي القطار الكهربائي العجوز الذي يسير على خطه الحديدي، وسائقه ينتقل مكان القيادة في الصعود والهبوط، ليكون متجها إلى الأمام في كلتا الحالتين، عند الصعود يكون من جهة العلو وعند الهبوط يكون من جهة السفل، وعندما ينظر الراكب إلى الوراء وهو صاعد، يخشى أن ينقلب هذا المركب على ظهره، لاستقامة صعوده في الجبل، وكنت قد ركبت فيه قبل ثلاث سنوات عندما كنت في طريقي من أمريكا واليابان والفرق بين المرة الأولى وهذه المرة أن المطر كان في المرة الأولى غزيراً لم نتمكن معه من التجول، وأما هذه المرة فكان الجو صحواً، وعندما وصلنا إلى رأس الجبل تجولنا قليلاً وكان السحاب - وهو غير كثيف - يصعد إلينا من أسفل الجبل، وينزل إلينا من السماء فيلتقي الأعلى بالأسفل عندنا متخللاً تلك الغابات التي كان الجبل مكسوا بها.
ثم رجعنا إلى الأسفل فدخلنا محطة القطار، وكان الأخ مظهر السيد دليلنا، وناول الأخ مظهر آلة الصرف - ماكينة خاصة بذلك - والبيع والشراء في تذاكر ركوب القطار، ناولها النقود واحدا بعد واحد، وهي تبلع وتمد له التذكرة تلو الأخرى كما يمد المستهزئ لسانه، وكانت التذاكر التي شراها ثلاثاً لي وللشيخ عبد القوي وللابن عبد البر، قلت له: وأنت لماذا لم تأخذ تذكرة، قال: أنا أودعكم الآن تذهبون للراحة، و أعود إلى المنزل وأول محطة تنزلون بها هي المحطة القريبة من فندقكم، وأشار لنا إلى الجهة التي نجد فيها القطار واقفاً، وكنا في الطابق الخامس تحت الأرض فذهبنا ووجدنا قطارين أحدهما على اليمين والآخر على اليسار، ولا ندري أيهما صاحبنا، وأخذ شيخ اللغة يطالع العناوين فوجدها كلها باللغة الصينية: نقوشا لا يدرى ما معناها، فاضطر إلى أن يسأل الصينيين ويظهر لهم التذكرة، فكانوا ينظرون إليه نظرات سريعة ويهزون رؤوسهم لا يرضون بالتفاهم معه، وكنا نجري مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار والقطاران يكادان يتحركان، ويسر الله أن ناش أحد الركاب رأسه عندما رأى التذكرة يقول: أي نعم، فركبنا بعد أن ضاقت صدورنا وتذكرنا ضياع الحجاج في بعض المناسك عندنا أيام الحج، إلا أن الفرق بيننا وبينهم أن لهم أدلة مكلفين البحث عنهم ولهم مركز تابع لوزارة الحج، ينادي بأسمائهم أما نحن فلا دليل لنا رسمياً.
من يصدق!؟
وانقلبت أدمغتنا في الطوابق السفلى، فلم نعد نعرف إلى أين اتجاهنا، وعندما وقف القطار خرجنا إلى ظهر الأرض، ووقفنا كأننا في أرض غير الأرض التي كنا بها، وكنا نتساءل: أهذا هو المكان الذي يقع فيه الفندق؟ وأخذنا نتلفت هنا وهناك، فوقعت أبصارنا على المسجد الذي كنا نصلي فيه ونتناول طعام الإفطار فيه كل ليلة، وهو مسجد كولون، فتنفسنا الصعداء واتجهنا إلى الفندق وهو قريب، وعندما وصلنا إلى الفندق قال الابن عبد البر: من يصدق أننا وصلنا إلى الفندق؟ قلنا: الحمد لله لقد كدنا نضيع.
الكلية الإسلامية مرة أخرى:
وجاءنا الأخ يوسف يو وقال: أحب أن أشرح لكم وضع الكلية الإسلامية التي أعمل وكيلا لها منذ سنتين، وأنشئت عن طريق الجمعية الإسلامية الصينية منذ عشر سنوات، ولا يوجد بها الآن إلا ثلاثة مدرسين من المسلمين، وبقية المدرسين غير مسلمين، وعميد الكلية غير مسلم، والمفروض أن يكون مسلماً، ولكونه غير مسلم ينفذ ما يؤمر به من السلطات المختصة، ولو كان مسلماً لنفذ حسب طاقته ما فيه مصلحة للمسلمين.
ويبلغ عدد الطلبة تسعمائة وخمسين طالبا منهم خمسون طالبا فقط من المسلمين، والأساتذة ثلاثون أستاذاً، ثلاثة منهم فقط مسلمون.
وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الكلية (وهي مدرسة ثانوية) هي المدرسة الوحيدة للمسلمين، وقد قررت مادة الدين الإسلامي إجبارياً على المسلم وغير المسلم، والأصل أنه لا ينجح إلا من أدى الامتحان فيها وفاز، إلا أنه بسبب سيطرة غير المسلمين عليها في لجنة الامتحانات، قد يحصل تساهل في ذلك.
ولكن الطلبة غير المسلمين يحترمون هذه المادة ومدرسيها.
وقال الأخ يوسف: إنني أقوم بتدريس مجموعة من الطلبة المسلمين على هيئة حلقة كل يوم سبت، نناقش معهم بعض الأمور الإسلامية، وإقبال غير المسلمين على التعرف على الإسلام موجود، ولكن لا يوجد من يكفي لتبليغهم وتعليم أبناء المسلمين، وقد بعثنا بخطابات لبعض المؤسسات الإسلامية كالندوة العالمية للشباب الإسلامي، نطلب مساعدتهم في وضع المنهج، ونرجو من الجامعة الإسلامية - وهذه الأمور من أهدافها - أن تساعدنا في وضع منهج وكتب إسلامية ومدرسين.
وسألت الأخ يوسف عن مصير المنهج إذا وضع أيسمح له بالثبات والاستمرار أم يُعارَض؟ فقال: يمكن أن يستمر، ولكن ينبغي التدرج حتى لا يشعروا مِن وضعه أن المقصود استقلاله، وقد كان للدين الإسلامي من قبل حصة واحدة في الفصل، أما الآن فإن السلطات قد سمحت بحصتين في كل فصل، وعدد الفصول عشرون، فجملة الحصص الإسلامية في الأسبوع أربعون حصة، وينبغي أن يراعي واضعو المنهج هذا الأمر، فيضعوا خلاصة لمبادئ الدين الإسلامي وضروراته، وشكا الأخ يوسف من قلة المدرسين فلا يوجد إلا ثلاثة فقط، والذي عنده إلمام بالإسلام هو الأخ صلاح وهو ليس خاصاً بالمدرسة، بل كل المنظمات الإسلامية تطلب منه أن يتعهدهم ويلقي فيهم محاضرات ويدرس أولادهم، لأنه مبعوث من دار الإفتاء بالرياض للجميع، ولذلك لا بد من إمدادنا بالمدرسين.
وعقب الأخ يوسف بعد هذا الشرح وهذه المطالب قائلاً: أرجو أن تنال مطالبنا اهتمامكم واهتمام المسؤولين، وألا تكونوا كغيركم ممن زارونا من الدول العربية، ووعدنا بالمساعدة ثم لم نر شيئاً من هذه الوعود، قلت له: اهتمامنا بكم نحن ينحصر في إبلاغ من لهم قدرة على مساعدتكم، وإذا قصرنا في ذلك أثمنا، وبعد أن نبلغ انتقلت المسؤولية على أولئك.
أرى رؤياكم قد تواطأت!
الأربعاء: 26/9/1400هـ ـ 8/8/ 1980م
سبق أن شاباً عربياً مسلماً ذكر لنا تسامح السلطات الصينية في هذه الفترة مع أهل الأديان: الإسلام وغيره، وسبق ما شرح الأخ يوسف يو الصيني الذي قضى شهر العسل في الصين: عسل الزواج الذي هو من نعمة الله عـز وجل، وعسل الدعوة إلى الله عـز وجل، وها هو الأخ حميد دوراي الهندي المقيم للتجارة في هونغ كونغ يزورنا في هذا اليوم ويحدثنا عن أوضاع الصين ويحملنا المسؤولية كما حملنا من قبله، وقد ذكرني هذا التواطؤ في أمر الصين بتواطؤ رؤيا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشروعية الأذان.
قال الأخ حميد قرأنا في الجرائد قبل أسبوع أن الكنيسة العالمية بعثت إلى الصين بخمسمائة ألف نسخة من الإنجيل، وقد وصل منها نصف هذه الكمية فعلاً إلى الصين، والباقي في طريقه إليها هؤلاء هم أهل الإنجيل المحرف فأين أهل القرآن؟.
قال: وكان في حياة ماو الأولى ضغط شديد على أهل الأديان، فقد هدم جميع معابد البوذيين وترك الكنائس النصرانية، والمساجد الإسلامية، ولكن لم يكن أحد يجرؤ من المسلمين أو النصارى على ممارسة دينهم فيها، وبعد موت ماو تسي تونغ سمحت الحكومة للمسلمين والنصارى بممارسة دينهم في المساجد والكنائس، وأذنت للنصارى ببناء عشرين كنيسة في مدينة بكين.
ويقابل هذا النشاط الكنسي فتور كامل من المسلمين، ويجب عليهم أن يتحركوا بنشاط إسلامي سريع عن طريق الصينيين الذين يسكنون في هونغ كونغ، وأرى ـ الكلام للأخ حميد ـ أن يُختار نخبة من الشباب المسلم من الصينيين المقيمين في هونغ كونغ ليدربوا على التفقه في الدين الإسلامي والدعوة إلى الله، وعن طريقهم يمكن نشر الدين الإسلامي في الصين وتوزيع الكتب الإسلامية، وبناء المساجد وغير ذلك.
وينبغي تشجيع بعض زعمائهم الموجودين في هونغ كونغ ولو بخطابات تحثهم على الدعوة والعمل، ومنهم محمد عبد الوهاب وهو إندونيسي الأصل متزوج من صينية، وله بهم صلة قوية، وكذلك قاسم تويت الذي أسس الكلية الإسلامية "وقد أشير إليه من قبل" وأصله صيني، وكان عضوا في منظمة العمال في الصين، وله أصدقاء في الحكومة الصينية إلى الآن، وهو أنفع للعمل من غيره، وعنده الآن ألف عامل تقريباً لأنه مقاول كبير في هونغ كونغ، وعن طريقه هو وأمثاله يمكن الاتصال بالمسلمين داخل الصين وبعث نشرات إسلامية لتوزيعها، ويمكن بعد ذلك أن يدخل غير الصينيين ولا سيما التجار للدعوة إلى الله.
وإذا لم نقم بهذا العمل فإن الكنيسة سيكون لها السبق في العمل، وقد ظهرت فطرة التدين عند الصينيين الذين حيل بينهم وبينه بالقوة مدة طويلة، ويبلغ عدد المسلمين في الصين ستين أو خمسين مليوناً، وفي شنغهاي مساجد كثيرة وكبيرة إلى الآن، وعلى المسلمين استغلال هذه الفرصة قبل ضياعها.
ثم قال الأخ حميد: إني بلغتكم والله شهيد عليّ وعليكم، فأنتم مسؤولون أمامه.
وقلنا له - كما قلنا للأخ يوسف قبله -: ونحن نبلغ الجهات القادرة وهي المسؤولة أمام الله وها نحن قد بلغنا اللهم فاشهد.
أخطر فترة مرت على الصينيين:
في الساعة الثانية عشرة زرنا مع الأخ حميد بائع مجوهرات صيني، هو عبد الله يونغ ويبلغ من العمر ثمانياً وستين سنة هاجر من الصين عام: 1949م بعد استيلاء الشيوعيين على بلاده بشهرين، واشتد فرحه بنا عندما جئناه لمحض زيارة المسلم لأخيه المسلم، لا للتجارة المادية - كما اعتادوا من العرب الذين يأتون فقط إلى التاجر للتجارة، ولا يسألون عن المسلمين من قريب أو بعيد - إلا من شاء ربك وقليل ما هم.
وانطلق يتحدث عن بلاده وعن أحوال المسلمين بها، وكان أول ما ذكر أن أخطر فترة مرت بالصين هي من عام1966م إلى عام1976م، عشر سنوات عجاف، ولم يرد الأخ عبد الله أن يستطرد في البلاء الذي صبته السلطات الصينية على المسلمين - وعلى غيرهم من أهل الأديان - بل كان حريصاً أن ينقل إلينا الفرصة الجديدة التي أتيحت في هذه الفترة ليحملنا المسؤولية - كالذين سبقوه - فقال: فتحت الآن المساجد للمسلمين بعد أن كانت مغلقة، وفي بكين وحدها أربعة وثلاثون مسجداً، وأصبحت إجازة العيد مأذونا بها للمسلمين، بخلاف يوم الجمعة، فإنها لم تأذن بإجازتها إلى الآن.
وتوقفت الحكومة عن حرق جثث الموتى من المسلمين، بعد أن كانت تحرقها كجثث غيرهم، بل إنها تمنحهم أكفانا ويدفنون على الطريقة الإسلامية.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة!
قال الأخ عبد الله: إن السلطات الصينية: تثني على المسلمين وتعدهم بالتسامح معهم ومساعدتهم والسبب - كما تقول هذه السلطات - أن المسلمين لا يتدخلون في الشؤون السياسية، بل يقومون بواجباتهم الدينية فقط.
قلت: نعم، النغمة واحدة لا فرق بين الطغاة الشيوعيين وطغاة الشعوب الإسلامية المحاربين لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالشيوعيون بدأوا يشفقون على المسلمين في بلادهم ويثنون عليهم، ويرون أن الأفضل إعطاؤهم فرصة لممارسة بعض الشعائر الإسلامية في نطاق محدود وبمفهوم محدود للدين الإسلامي لا يجوز تجاوزه إلى غيره، والمسلمون المغلوب على أمرهم الذين عذبوا وشردوا ومنعوا من ذكر الله وحظرت عليهم المصاحف وأقفلت مساجدهم أصبحوا لا يقدرون على الظهور باسم الإسلام، فكيف يجرؤن أن يتدخلوا في السياسة بعد هذا الجو الخانق؟
ولكن ليس المقصود من هذا التعليق هي السلطات الصينية، فهي دولة شيوعية ملحدة معادية للأديان السماوية كلها، وأعدى عدو لها ولغيرها من دول الكفر هو الدين الإسلامي، فإذا فتحت باباً صغيراً للمسلمين يدخل عليهم منه الهواء الذي يبقون معه مسلمين بأداء بعض أركان الإسلام - دون تدخل في السياسة كما يقولون - فإن ذلك يعتبر خيراً كثيراً للمسلمين ما كانوا يتوقعون حصوله، وهؤلاء الملحدون لا شك ظالمون للمسلمين، ولكن الظلم الأشد هو الذي يحصل على المسلمين في شعوبهم من أبناء جلدتهم الذين تسلطوا على رقابهم من تلاميذ الكفر بشقيه الشرقي والغربي، هؤلاء الذين يدعون أنهم مسلمون وقد يبرزون أنفسهم في أول الأمر حماة للإسلام ومفكريه وفلاسفته، وتأخذ أجهزة إعلامهم تنشر عنهم أنهم يريدون تطبيق أحكام الإسلام وقوانينه، ثم يكرون على كل مسلم حق يدعو إلى تطبيق الإسلام بلسانه - ولا حول له ولا قوة إلا بالله - فيؤذونه في ماله وعرضه ونفسه، وتملأ المعتقلات والسجون بدعاة الإسلام في بلادهم، ويهدمون المساجد على رؤوس المصلين، ويقتحمون المنازل فيروعون الآمنين من الشيوخ والنساء والأطفال، وينتهكون المحرمات، كل ذلك: بحجة أن هؤلاء الدعاة يتدخلون في الشؤون السياسية للدولة ولا يقتصرون على ممارسة الدين - كما يقولون - والدين عندهم هو أن يقتصر المسلم على قراءة القرآن دون تبليغ معانيه للمسلمين، فلا يحق له أن يقول للناس: إن الحكم بغير ما أنزل الله - ولا سيما إذا استحل - كفر كما قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } وهكذا كل حلال في كتاب الله حرمته الدولة أو حرام أحلته الدولة، لا حق لهذا المسلم عندها أن يقول فيه ما قال الله، وإن تجرأ وقال، فقد تدخل في الشؤون السياسية وعليه أن يتحمل نتيجة هذا التدخل، لا بل إن بعض طغاة الشعوب الإسلامية قد نصبوا أنفسهم أوصياء على نصوص الإسلام، فينفون ما أرادوا بمجرد الهوى، ويثبتون ما شاءوا كذلك، فحكموا على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها لا تلزم أحداً العمل بها وطبق ذلك عملياً - فيما علمنا - وأخذوا يحرفون مفاهيم القرآن الكريم، وكأنهم هم علماء الإسلام وتنقص بعضهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وكتاب الله وصدق الشاعر القائل:
فيا لله للمسلمين من أبنائهم قبل الملحدين البعداء عنهم نسباً ولغةً وموطناً.
واصل الأخ عبد الله حديثه فقال: وهناك مدينة تسمى: كونتون تبعد عن هونغ كونغ مائة وثلاثين كيلومتراً - وسائل المواصلات إليها الطائرة والقطار - وبها مسجد بدأ الشباب المسلم يرتاده بعد أن كان لا يأتيه إلا القليل من الشيوخ.
وفي السنة الماضية: 1399هـ ذهب بعض جماعة التبليغ وسكنوا في هذا المسجد عدة أيام، ويمكن إذا قام بعض الصينيين المقيمين في هونغ كونغ بزيارات متعددة للصين، أن يقوم بهذه الزيارات غير الصينيين من المسلمين من خارج هونغ كونغ، وعن طريق الذين يزورون الصين يمكن بعث بعض الكتب الإسلامية عربية وغير عربية، وقد بعثنا نحن ببعض الكتب الإسلامية، ولم تعارض الحكومة في إدخالها، وتأتينا رسائل من المسلمين هناك يطلبون المصاحف والكتب ونحن نبعث لهم عن طريق البريد أو مع بعض المسافرين وتصل إليهم.
فإذا أراد المسلمون من الدول الإسلامية أن يبعثوا كتباً من هونغ كونغ، فإن ذلك ممكن، ويمكن أن نبعث عن طريق البريد إلى جامع بكين مباشرة.
وختم الأخ عبد الله كلامه - لأنا كنا على عجل لقرب السفر - قائلاً: إن ما نشكوه ونكرر الشكوى منه هو ضياع أبناء المسلمين في الصين في جيلهم الجديد.
وودعناه وهو يكاد يجهش بالبكاء ولسان حاله يقول:
فأين ذوو المروءة من المسلمين المواسين وهم قادرون!؟.
من أحيا أرضاً ميتة فهي له:
قال أحد الشباب - وقد عاش في الصين وأجاد لغتهم، واختلط بأبنائهم في المدارس والجامعات -: إن الصين الآن في أول انفتاحها وعدد سكانها ألف مليون، والذي يسبق من أهل الأديان بنشر دينه بالحكمة والتخطيط والبذل، سيكون صاحب الحظ الوافر من هذا العدد الكبير، والمسلمون أولى بهذا السبق، والذي يتأخر سيكون من سقط المتاع. وموالاة ألف مليون شخص - أو تسامحهم - لدين من الأديان سيرجح الكفة، قلت: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق)).
وأقصد بالأرض الميتة هنا هي قلوب الألف مليون والعرق الظالم هو - في الأصل - غير المسلم، ولكن غير المسلم إذا سبق سيقول: إن العرق الظالم هو الذي يحاول الاعتداء على أرض أحييتها وهي موات، وإن كان الفرق بعيداً بين إحياء المسلم للأرض وإحياء غيره - بل إماتته - لها كالفرق بين الإسلام والكفر.
ضلت بكم أمة!
ليس هنالك لباس يجب على المسلم أن يلتزم به، سوى أن يستر عورته وألاّ يتشبه بأعداء الله فيما هو شعار لهم، ولا يتشبه الرجل بالمرأة ولا المرأة بالرجل، وقد لبس الرسول صلى الله عليه وسلم ألبسة متنوعة، منها الجبة التي أهداها له بعض النصارى، وعادات الناس تختلف، فقد تكون بعض العادات السائدة التي يعتبر تركها عيباً - كلباس الغترة عندنا - عيباً عند غيرنا، وقد يكون اللباس المرموق في بلد ما - كاللباس السعودي الرسمي الذي يلبسه قادة البلاد وغيرهم - شاذ في بلد آخر كأمريكا واليابان - مثلاً - وكذلك اللباس الوطني الإفريقي: الثوب الواسع الأكمام، تكون له هيبته واحترامه وأناقته على الرجل في إفريقيا، ولكنه بهذه الهيئة لا تلبسه إلا النساء في بعض مناطق اليمن.
وهكذا تختلف العادات في اللباس والطعام والشراب والتخاطب من بلد إلى آخر، وعندما يرى الإنسان ما يخالف عادته - لأول وهلة يُصدم وينكر، فإذا مضى وقت من الزمان صار الشاذ عنده عادة لا بأس بها، وإن كان لا يحبها، وقد تصل العادة عند بعض الناس إلى درجة عدها من الدين - وقد تكون مستحبة في الجملة، ولكن قد يتشدد بعض الناس فيها - واعتزاز المرء بعاداته وعادات بلاده أمر طبيعي، إلا إذا خالف آداب الإسلام فلا، ولا كرامة! ولا ينبغي التخاصم والتنابذ ونصب رايات الخلاف والمناظرة، ثم التهاجر والتقاطع في الأمور العادية، بل حتى في الأمور المستحبة، وقد تختلف وجهات النظر في أمر من الأمور فيقول هذا بوجوبه، وهذا بعدم وجوبه ولكل دليله، وما كان السلف رحمهم الله يزيدون على إبداء وجهة نظرهم وطريقة استدلالهم ومحاولة كل منهم إقناع الآخر بما يرى، كما هو الشأن في أمور كثيرة منها هل ينقض مسّ الذكر الوضوء أولا وغيرها كثير.
فالذي يلبس اللباس العربي له ذلك، وهذه عادة أهله وعشيرته وهو يناسب بيئته وحركته وجَوِّه، ومثله أو قريب منه السوداني والمصري في الريف أو في البيئة العلمية. والذي يلبس الجبة على الثوب والعمامة له ذلك، والذي يغطي رأسه بطاقية فقط أو غترة له ذلك، والذي لا يغطي رأسه إلا بشعره له ذلك، والذي يلبس اللباس الهندي أو الباكستاني... بسراويل أو قميص وكوفية له ذلك، والذي يلبس اللباس المغربي فيغطي رأسه بشيء من ثوبه ويميل الباقي على ظهره له ذلك، وهكذا الإفريقي، واليمني والتركي وغيرهم والذي يلبس ما يسمى بالبنطلون "وهو سراويل" وما يسمى بالكوت - وهو شبيه بالجبة أو المدرعة مع فرق في الطول والقصر ونحوهما - له ذلك، وكونه يسمى لباساً إفرنجياً نسبة إلى الإفرنج، لا يجعله محرماً لأنه ليس شعاراً دينياً، وإنما هو لباس عادي، إلا أنه يجب إذا لبسه المسلم أن لا يكون ضيقاً يصف حجم العورة فهذا لا يجوز، وليكن مثل اللباس التركي أو قريباً منه، هذا مع العلم أنه ينبغي للمسلم أن يحافظ على لباس أهله وألا ينظر إلى لباس الإفرنج نظرة إعجاب أو يلبسه حباً لأهله وتفضيلاً له على لباس قومه.
ما مناسبة هذا الكلام لهذا العنوان؟ هذا السؤال قد عنّ - كما أظن - للقارئ وهو يتابع قراءة هذه السطور، وقد يكون خطر بباله عدة معان، وما أظن أن الواقع الذي من أجله أكتب قد دار بخاطره، لأن نفس العنوان مأخوذ من بيت شعر كتب في نصيحة وجهت لنا أنا والشيخ عبد القوي من بعض من يظن أنهم غيورون على الدين الإسلامي حسب فقههم فيه، وسيأتي ضمن النص الذي كتبه لنا الناصح.
ولقد ترددت كثيراً في إثبات رسالة الأخ الناصح والتعليق عليها لأن فيها تهجماً علينا، ما كان ينبغي أن يصدر ممن يريد النصيحة، ولأن الموضوع الذي نصحنا في شأنه يتعلق بمروءتنا، ولكن فضلت الحديث في هذا الموضوع لأمور:
الأمر الأول: بيان أن كثيراً المسلمين في العالم ينظرون إلى المسلم العربي، لا سيما المنتسب إلى العلم والمتصدي للدعوة، نظرة أسوة وقدوة ويحبون أن يروا منه تمسكاً بدينه وسلوكاً حميداً، وأن يعتز بمظهره الإسلامي، ويحترمونه إذا رأوه لابساً لباس آبائه أكثر من احترامهم له - إن احترموه - إذا لبس لباس الآخرين.
الأمر الثاني: بيان أن بعض الناس قد يتشدد في بعض الأمور تشددَ تدينٍ يصل به أن يوجب ما لم يوجبه الله ولا رسوله، وهذا لا يجوز أن يحصل من المسلم، وقد يتشدد فيما هو مباح ويتسامح فيما هو محرم.
الأمر الثالث: بيان حكم شرعي وهو ستر الرأس في الصلاة بالنسبة للرجل.
فقد كنا أنا والشيخ عبد القوي لابسين لباسنا العادي: الثوب والغترة، إلا أننا في بعض الأحيان - ولا سيما الأوقات التي يكثر مشينا فيها في السوق مثلاً - كنا نترك الغترة والطاقية، وكنا كذلك في هونغ كونغ.
وأغلب المصلين في مسجد كولون هم من الباكستانيين والهنود، وهم يحافظون - في صلاتهم - على ستر الرأس، يأتي الواحد منهم كاشفا رأسه، فإذا دخل المسجد وأراد الصلاة أخذ إحدى الكوفيات التي وضعت في المسجد، وهي كثيرة مصنوعة من القصب، ووضعها على رأسه، ومنهم من يعصب منديله على رأسه، وكنت أظن أن ذلك عندهم من جملة آداب الصلاة التي لا يصل الأمر بتاركها أن يكون ضالاً أو مسلوباً من التقوى والإخلاص.
ولكنا فوجئنا عندما عندنا إلى الفندق مساء (25/9/1400هـ) برسالة سلمها لنا موظف الفندق وهي مكتوبة باللغة العربية وهذا نصها: - إلا أني حذفت منها جملتين لم أر إثباتهما - ولا يخل حذفهما بالمضمون -:
بسم من قال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.. } كنا نعتقد منذ زمان أن العلماء في الأراضي المقدسة هم أشد تمسكاً بظاهر شعار الإسلام، فها نحن ندرك بعد ملاقاتكم أن الحقيقة شيء آخر، تغيرت أفكاركم بعدما بسطت عليكم (كذا)... تدورون البلاد لتعليم الدين مكشوفين (كذا) الرأس..
فوا عجباً منكم ما فعل بكوفيتكم وغطرتكم (هكذا) انخلعتم منها كما انسللتم من التقوى والإخلاص، جلعنا الله وإياكم هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين آمين.
انتهى.
قرأنا الرسالة أنا والشيخ عبد القوي وتأثرنا من هذه النصيحة، ورأينا أنها صادرة من صاحب غيرة - إن شاء الله على الدين - ولكن ساءنا هذا الأسلوب الشديد الذي يؤذن - بوضوح - أن ستر الرأس عند الرجل واجب، وإلا لما حكم علينا بسلب التقوى والإخلاص، كما أن أسلوبه في النصح يخالف الهديَ النبوي ويخالف الحكمة التي تضمنها شطر البيت الأخير من القصيدة التي استعارها ليملح بها نصيحته، وغير ذلك مما هو واضح من عباراته.
كيف نرد على هذا الرجل؟
وتشاورنا ماذا نفعل؟ فكنت أرى أن ألقي كلمة أنا ويترجمها الشيخ عبد القوي باللغة الأردية، أو يلقيها هو مباشرة، تتضمن شكر هذا الرجل على نصيحته وغيرته، وهو غير معروف لنا، لأنه لم يكتب اسمه، وتتضمن بيان الحق، وهو أن كمال اللباس في الصلاة من الأمور التي يستحب الحرص عليها، ولكن الواجب هو ستر العورة فقط، وأنه لا ينبغي التشدد في مثل هذا الأمر وأن النصح حتى في الواجبات، ينبغي أن يكون بأسلوب حكيم غير عنيف.
لكن الشيخ عبد القوي رأى عدم إثارة الموضوع في جموع المصلين، واتخذ لذلك طريقين:
الأولى: مذاكرة بعض العلماء في المسجد وقد أقنعهم - كما - قال لأنه كان يتحدث معهم باللغة الأردية بمضمون ما مضى.
الثانية: إحياء أسلوب جابر بن عبد الله: "إنما أفعل هذا ليراني الحمقى" فقد طلب منه إمام المسجد أن يصلي المغرب، فتقدم وصلى بالناس إماماً مكشوف الرأس، مشيراً بذلك للناصح ولغيره أن ذلك جائز، وإن كان الأفضل ستر الرأس، والسنة إذا خيف اعتقاد وجوبها أن تترك ليعلم الناس عدم الوجوب.
وقد كان فعل الشيخ هذا شبيهاً بما صنعه جابر بن عبد الله رضي الله عنهـما، كما قال سعيد بن الحارث، قال: "دخلنا على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب واحد ملتحفاً به، ورداؤه قريب لو تناوله بلغه، فلما سلم سألناه عن ذلك؟ فقال: إنما أفعل هذا ليراني الحمقى أمثالكم فيفشوا عن جابر رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم.." الحديث. وهو في مسند الإمام أحمد رحمه الله، والمراد بالحمقى الجاهلون بهذا الحكم.
ينبغي للدعاة أن يظهروا بالمظهر اللائق بهم:
وعلى الرغم من أن أسلوب هذا الناصح ما كان ينبغي أن يكون، وعلى الرغم من أنه مخطئ في اعتقاد الوجوب - إن كان يعتقد كما يدل عليه أسلوبه - على الرغم من ذلك، فإننا نحن المسلمين من الشعوب العربية علينا أن نظهر بالمظهر اللائق بنا، ليثق المسلمون في دعوتنا ونكون دعاة بسلوكنا قبل أن نكون دعاة بأقوالنا، وأن نأخذ بالأحسن والأفضل، وإن كان غير واجب، لما في ذلك من التأثير الطيب في نفوس المسلمين.
ولله في خلقه شؤون:
ولقد كان لباسنا لائقاً في نظر غالب المسلمين المهتمين بالمظاهر، الثوب العربي الطويل، وقد كنا نخشى - مع ذلك أن يكون لباس شهرة تشير إليه البنان - ولكن صاحبنا كان يرى أنه غير لائق، ولله في خلقه شؤون.
ويبدو أن الناصح كان مغتاظاً من سلوك كثير من العرب وبعدهم عن أخلاق الإسلام، فرأى هذه الثغرة من عيوبنا - في زعمه - فأفرغ ما في جعبته علينا ليريح نفسه مما كان مكتوماً في صدره، وله الحق فقد ضلت بنا أمم وليست أمة واحدة، أي إن أجيالاً من البشرية كان بعدنا عن الإسلام من أهم الأسباب لبعدهم عنه.
ولكن هذا الناصح وأمثاله يرون قوماً يتعاطون ما صح النهي عنه، مثل حلق اللحية الذي يتصف به كثير من المصلين الذين يسترون رؤوسهم وقت الصلاة بالكوافي المعدة، وكذلك ما هو شديد الحرمة، مثل التعامل بالربا وسفور نساء بعض هؤلاء المصلين، ولا نرى ذلك الحماس وتلك اللهجة في النهي عن تلك المحرمات.
وأخافتهم عصا أبيه عند الخروج!
[الضمير يعود إلى عبد البر في عنوان سابق، وهو: (أخافتهم غترة عبد البر عند الدخول)].
صلينا المغرب في المسجد، كالمعتاد، وذهبنا فحملنا حقائبنا من فندق: إمباسدور إلى المطار، وكان معنا الأخ مظهر السيد، وبعد أن أخذوا حقائبنا من الميزان مررنا بموظفي التفتيش.
وكانت بيدي عصا أهداها لي أحد علماء إندونيسيا، هو الشيخ باي عارفين رحمه الله، في مدينة سورابايا الإندونيسية، والعصا من خشب الصندل، وهي ثقيلة فأخذتها الموظفة وهزتها، ثم ناولت أختها فهزتها وأدخلتها في الفاحص، فلم يشر إلى وجود خطر، فأخرجتها منه وهزتها مرة أخرى وجَرَّتْ رأس العصا ظانة أن فيها حديداً يمكن أن يخرج من جوفها الأسفل، فلم يحصل شيء مما ظنت، ثم سلمتها لشاب عنده فاحص أخر، قد يكون أكثر دقة من الفاحص الأول، فأدخل العصا فيه فلحق أخاه الفاحص الأول، ثم أخذتها الموظفة وأشارت إلي بأن أخرج ما في باطن العصا، فأشرت ألا شيء فسلمتها لي قائلة: ثنكيو، فأخذتها ومضيت وازددت تمسكاً بتلك العصا؛ لأنها نجحت نجاحاً طيباً، وقلت: لقد أخافت غترة عبد البر موظفي هذا المطار وقت الدخول وأخافتهم عصا أبيه وقت الخروج.