رحلات اليابان وكوريا وهونغ كونغ

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 27 صفحة
صفحة 23 من 27 في هونغ كونغ

في هونغ كونغ

في هونغ كونغ

وكان وصولنا إلى مطار هونغ كونغ في تمام الساعة الثانية بتوقيت طوكيو، الواحدة بتوقيت هونغ كونغ، فكانت مدة الطيران أربع ساعات وكان الاتجاه إلى الجنوب الغربي باستمرار.

خريطة لموقع جزيرة هونغ كونغ
خريطة لموقع جزيرة هونغ كونغ

وعندما دخلنا إلى قاعة مبنى المطار بدأنا نحس بأن المعاملة تختلف عن البلدان التي زرناها، وأصبحت شبيهة بمعاملة الموظفين والعمال في مناطق ما يسمى بالدول النامية، أو العالم الثالث، فكان العمال يرمون العفش بعنف، وبدأ موظفو الجوازات يدققون، كما بدأنا نشعر بالخوف من المجرمين الذين يختلسون الجيوب أو يسرقون الأثاث، إلا أن المفتش كان لطيفاً معنا فلم يفتح حقائبنا الكبيرة.

شاب صالح في انتظارنا:

وبعد إنهاء الإجراءات خرجنا من الباب المعد لخروج القادمين على الرحلات الخارجية، وجدنا شاباً ملتحياً بيده ورقة كتب فيها اسمي، وعندما رآنا سأل هل فيكم الأخ عبد الله قادري؟ فقلت: نعم. فأخذ يعانقنا ويرحب بنا ترحيباً عاطفياً، ومعه شاب من نفس الجزيرة اسمه يوسف، وهو مسؤول الطلبة المسلمين في هونغ كونغ.
وكان الأخ الشاب الباكستاني وهو محمد أحمد الذي اتصل به بعض الإخوان من طوكيو عن طريق الهاتف وأخبروه بقدومنا، فأخذ هو وزميله حقائبنا وخرجنا إلى الشارع لاستئجار سيارة توصلنا إلى الفندق الذي كان الأخ محمد قد حجز لنا فيه، وكان المطر منهمراً بغزارة، كأنها سحب كاملة تسقط على الأرض.
والمعمول به في سيارات الأجرة توزيعها تحت إشراف جندي مرور على المسافرين يجب ترتيبهم الأول فالأول، وجاء دورنا فأخذنا سيارة أوصلتنا إلى الفندق.
وصعد بنا الفرّاش إلى الغرفة وبعد أن وضع العفش في الغرفة وقف ينتظر، ولم ندر لماذا؟ ولكن الأخ محمد أفهمنا أنه يريد شيئاً من المال، وهذه أول مرة في رحلتنا هذه يقف الخادم ينتظر منا شيئاً من المال، نعم إذا أعطي الخادم في الغرب مالاً يأخذه ويشكرك، ولكنه لا ينتظرك ولا يشير بحركات تدل على أنه يطلب شيئاً، بل بعضهم لا يقبل منك شيئاً.

غزارة الأمطار حالت بيننا وبين الاجتماع بالمسلمين:

ومكث الأخ محمد معنا في الفندق مدة طويلة يشرح لنا أوضاع المسلمين في هذه البلاد، وهو في غاية السرور لقدومنا وهو ذو أخلاقه فاضلة، وحماسه للإسلام واضح وتمسكه به كذلك، وأراد أن يرتب لنا لقاء عاماً مع من يمكن إبلاغهم من المسلمين الموجودين، ولكن المطر كان غزيراً ومستمراً ليلاً ونهاراً، إذ كان ذلك موسم الأمطار.
ولذلك كان محتاراً لا يدري ما يفعل، وسألنا عن الوقت الذي يمكن أن نقضيه فسألناه نحن عن الرحلات الجوية هل هي متيسرة في كل وقت؟ فقال: هي متيسرة إلا أن الرحلات تتعطل في هذه الأيام بسبب وجود العواصف بين وقت وآخر، وفي الأسبوع الماضي بقي الركاب لمدة يومين لم يتمكنوا من السفر بسبب ذلك، ولذلك فقد حصلت الآن زحمة في الرحلات، وذكر أنهم يتوقعون عاصفة شديدة يشتد بسببها هياج المحيط وتتعطل الرحلات.
وكنا عازمين على أن نكون في المملكة من أول يوم من أيام رمضان، وكان الزميل الدكتور بيلو يبدي رغبته في مواصلة السير لارتباطه بنهر النيل من الدلتا إلى الأزرق والأبيض [لأن بعض أهله في القاهرة وبعضهم في الخرطوم]. وذلك يقتضي منه رحلات أخرى بالإضافة إلى قرب وقت عودته إلى المدينة.
لذلك طلبنا من الأخ محمد أحمد أن يحجز لنا يوم الأحد في أقرب رحلة، وواصل معنا الحديث وتمنى أن يوجد في هذه البلاد من يقوم بإرشاد المسلمين وتعليم أولادهم، وذكر أن المسلمين يجتمعون يوم الأحد مع أولادهم على الطعام، ويلعب الأولاد، وبهذا الاجتماع والأكل واللعب يشعرون بارتباطهم بالإسلام، وهذا يقع في قاعة تابعة لأحد المساجد.
وطلب منا إبلاغ الملك خالد هذه الرغبة، وذكر أنه قد طلب من الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ومن رابطة العالم الإسلامي بعث مرشدين إلى هونغ كونغ عندما زار المملكة في صيف السنة الماضية 1397هـ عضواً في ندوة الشباب العالمية.
وذكر أن إمام الحرم المكي، والأخ أحمد توتونجي زارا هذه البلاد واطلعا على حالة المسلمين وحاجتهم، ووعدا أنهما سيقدمان تقريراً بذلك، وأنه قد جاءت كتب من المملكة على إثر ذلك، ولكن الكتب لا تفيد إلا قليلاً من المسلمين، والمهم هو بعث من يدعو الناس ويعلمهم مباشرة.
وقال الأخ محمد: إن عدد المسلمين في البلاد يبلغ ما بين خمسة وعشرين ألفاً وخمسين ألفاً، وأغلبهم من أهل الصين، وهم المتعلمون "العلم المدني" والأقليات الأخرى يغلب عليهم الجهل.
وقال الأخ محمد: حبذا لو منحت المملكة المسلمين في هذه البلاد مدرسة ومدرسين، وتكون جامعة بين المنهج الإسلامي والمواد المطلوبة هنا.
وذكر أن المدرسة الثانوية التي يدرس فيها الدين عامة، ويدرس فيها شخص واحد مسلم صيني، وهو لا يمثل الإسلام في سلوكه، وإن تأثر قليلاً بنصح إمام الحرم وأحمد توتونجي له.

في مسجد كالون:

ذهبنا بعد ذلك إلى مسجد كالون، وكالون هذه بلدة تقع شمال هونغ كونغ، متصلة بالصين الشعبية، وهي قطعة من أراضيها، استأجرتها منها بريطانيا، بعد استيلائها على جزيرة هونغ كونغ التي تقع في جنوب شرقي الصين، ويفصل بين هونغ كونغ وكالون خليج بحري، وهذا المسجد أنشأته بريطانيا للمسلمين من الباكستان عندما استولت على الجزيرة وكانوا في الجيش.
والمسجد قريب من الفندق الذي نزلنا فيه، وعندما دخلنا المسجد كان قد حان وقت المغرب، فأذن المؤذن، والتقينا ذلك الشيخ الكبير الذي تبلغ لحيته نصف صدره، وهو طويل القامة، وقور، وقد فرح بنا أيما فرح، حتى لقد اغرورقت عيناه بالدموع عندما قابلنا، وأراد منا أن نصلي بالناس، ولكنا أصررنا على أن يصلي هو، لأنه إمام المسجد، صلى بنا، وبعد الصلاة جلسنا نتذاكر معه أحوال المسلمين ونتعرف عليه، فظهر أن له في هذا المسجد ستة عشر عاماً يسكن في منزل صغير تابع للمسجد، وهو يتكلم باللغة العربية، وكان المصلون قليلين بسبب انهمار المطر المستمر، وكان في تلك اللحظات قد خف قليلاً.
وقد أبدى الشيخ حزنه وأسفه الشديد على الحالة التي يعيشها المسلمون في هذه البلاد، وقال: إن الدول الإسلامية مسؤولة عنا وقد نسيتنا ها هنا فلم تبعث لنا من يعلم أبناءنا.
وهذا المسجد يخشى عليه من السقوط، وهو لا يتسع للناس أيام الجمع ولا أيام الأعياد. وبدأ الناس يفدون إلى المسجد، فكان من جاء صلى وجلس معنا، وكلهم متفقون على ضرورة بعث من يقوم بدعوة المسلمين وتعليمهم وإنشاء مدرسة، ووعدناهم بأننا سنعمل جهدنا في إبلاغ الجهات المختصة بذلك ورجونا الله لهم التوفيق، كما حرضناهم على بذل جهدهم في الحفاظ على أولادهم، وطلبنا من الشيخ الإمام أن يكرس جهوده في تعليم أبناء المسلمين مبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية في المسجد.
ولكنه قال: أبناء المسلمين لا تفيدهم إلا مدرسة فيها المواد الإسلامية والمواد الأخرى.
بقينا معهم إلى أن صلينا العشاء، ورجعنا إلى الفندق، وذهب الأخ محمد أحمد إلى منزله على أن يعود إلينا في الغد. [زرت هونغ كونغ مرات بعد هذه الزيارة، وسيأتي مزيد من المعلومات عنها وعن المسلمين فيها، وعن هذا المسجد الذي هدم وبني من جديد].

فَهِمَت مشكِلَته فأنْقَذَتْه:

وفي هذه الليلة – أي ليلة السبت – كان الزميل يحاول الاتصال هاتفياً ببعض طلبة الجامعة الإسلامية الباكستانيين في كراتشي، لنشعرهم بقدومنا حتى يحجزوا لنا غرفة في الفندق، وسيكون وصولنا في آخر الليل ونحتاج إلى من يرشدنا.
ولكن الاتصال الهاتفي هنا اختلف علينا عن الاتصال الهاتفي من أمريكا، حيث كنا إذا أردنا أن ننام في مدينة ديترويت أو إنديانا بولس أو لوس إنجلوس نرفع السماعة وفي أقل من دقيقة يكون صاحبنا قد رفع سماعته في المدينة المنورة ليقول: نعم، أما هنا في هونغ كونغ فأمسى الزميل ينتظر ويعاود الاتصال وكانت موظفة الهاتف تسليه بين وقت وآخر تتصل به وتقول له: قريباً تأتي المكالمة.
أما أنا فقد سبحت في بحر نوم عميق هادئ، والمحيط الهادي حولي في هياج عنيف في جزره ومده، أمواجه تتلاطم والأمطار تنهمر بغزارة طول الليل.
وبعد مضي وقت غير قصير تم الاتصال الهاتفي بـ"كراتشي" فوقع الدكتور في مشكلة، وهي أن الطالب الذي نريده متأثر وليس قريباً من الهاتف، والأسرة الموجودة عند الهاتف في حيرة، الزميل يتكلم بالعربية أو الإنجليزية، وهم لا يجيدون إلا لغتهم المحلية ويتكلمون فيما بينهم للتشاور فيم يفعلون؟ وهو يظنهم يكلمونه فيكلمهم مرة بالعربية وأخرى بالإنجليزية دون جدوى.
ولكن موظفة الهاتف في هونغ كونغ فهمت مشكلته فأنقذته إذ جعلت الاتصال بينه وبين موظف الهاتف في كراتشي وهو يجيد الإنجليزية فسمع كلام الزميل ووعده بنقله إلى الأسرة المحتارة وكان ذلك فعلاً.

قطع المضيق بين هونغ كونغ وكالون:

السبت الموافق 24/8/1398هـ
تأخر عنا الأخ محمد أحمد بسبب غزارة الأمطار، وعدم وجود مواصلات بسبب ذلك.
ثم جاءنا بعد ذلك مع شدة غزارة الأمطار حرصاً على لقائنا وعدم التأخر عنا وهو يحمل ثلاث مظلات لنرفعها فوق رؤوسنا للوقاية من المطر عندما نخرج، وخرجنا مع الأخ محمد رافعين مظلاتنا فوق رؤوسنا، والهواء يكاد يخطفها من أيدينا.
ذهبنا إلى مضيق من البحر يفصل بين كالون التي نزلنا فيها، وبين هونغ كونغ، وهي التي استأجرتها بريطانيا من الصين، وتقع جنوب كالون وبها يسكن الأخ محمد، وهناك ركبنا زورقا قطع بنا المضيق وأوصلنا إلى الشاطئ الذي تقع عليه الجزيرة

في القطار الأثري إلى قمة الجبل:

وأراد الأخ محمد أن يرينا أحد الأماكن السياحية في الجزيرة، فهناك جبل عال يصعد إليه السائحون "الزائرون" ووسيلة النقل قطار صغير قديم يسير بالكهرباء على الحديد، وهو مخصص لذلك الجبل يهبط بقوم ويصعد بآخرين، وقفنا قليلاً فجاء القطار فركبنا، وكان صوته مزعجاً وكان طلوعه مخيفاً إذ يشعر الإنسان أنه سيسقط على ظهره، والبيوت تكتنف الطريق من الجانبين، والسكان الذين ركبوا معنا يقفونه بين لحظة وأخرى في المكان المناسب لهم، وما كنا نرى البيوت القريبة منا إلا بمشقة، لأن الأمطار الكثيفة تحول بيننا وبين الرؤية.
وعندما وصلنا إلى قمة الجبل وجدنا بعض المباني السياحية وفيها بعض البقالات وبعض الدكاكين، فأسرعنا بالدخول إلى قاعة المبنى المحاط بسور من الزجاج الذي يدفع الرياح الشديدة، ولم نجد فائدة في البقاء هناك، إذ كان المطر ينزل في هيئة سحب كثيفة فلا يتمكن الإنسان من رؤية شيء، لذلك فضلنا أن نعود فوراً، فاستأجرنا سيارة صغيرة لتوصلنا إلى منزل الأخ محمد الذي كان قد أوصى أهله بتهيئة طعام الغداء.

في منزل الأخ محمد:

وكان السائق يسير بنا في الطريق الملتوي، وكان في بعض الأوقات يدور بنا حول بعض التلال الصغيرة في الجبال حتى أوصلنا إلى منزل الأخ محمد الذي يسكن في إحدى عمارات شركات الكهرباء التي يعمل موظفاً فيها والأجرة التي يسلمها للشركة رمزية، ولكن الأخ محمد كان قد ترك الشركة، وعنده مشروع تجاري نأمل أن يحقق به للمسلمين فوائد طيبة.
والأخ محمد رجل أعمال ومربٍّ في أسرته، وقد استقبلنا أبناؤه في منزله، فرأينا أثر تربيته في الأولاد، فهم في غاية الأدب، وذكر أنه قد انتهت بنتاه الكبيرتان من قراءة القرآن وأحد أبنائه، وأن الآخر من أبنائه في طريقه إلى إكماله، كما علمهم بعض مبادئ الإسلام والصلاة وغير ذلك مما يدخل تحت طاقته الثقافية والزمنية.
وكانت معهم لعبة محببة إلى قلوبهم، وهي في الواقع ليست لعبة، بل إنها رمز تذكاري لما تهفو إليه نفوس المسلمين من كل أقطار الأرض، إنها صورة مجسمة لمبنى الحرم المكي على هيئته الجديدة التي تمت في العهد السعودي الحاضر في وسطه الكعبة، وفيه بطاريات وشريط تلبية يضغط الولد على المفتاح فتضيء منارات الحرم وتنطلق التلبية، والأولاد حوله يكادون يطيرون إلى بيت الله الحرام الذي كثيراً ما شوَّقهم إليه أبوهم الذي صارحنا أنه يتمنى أن يحج هو وأسرته وأبوه وأمه.
وقدم لنا طعام الغداء الخامس من نوعه من حيث الاطمئنان إلى حِلِّه، والثالث من حيث الطهي الشرقي اللذيذ الذي ألفناه، وكان الأول في بريطانيا في منزل الأخ محمد أشرف والثاني في منزل الأخ الدكتور محمود رشدان في إنديانا بولس، والثالث في منزل الأخ الدكتور أحمد العسال في إنديانا، والرابع في منزل الأخ محمد نور السوداني في شيكاغو وهذا هو الخامس في هونغ كونغ.

انضمام مظهر السيد إلينا:

وبينما كنا نتذاكر في أمور المسلمين، ويرينا الأخ محمد بعض الكتب الموجودة عنده، بعضها باللغة الإنجليزية، وبعضها باللغة الأردية، وغالبها من مؤلفات الأستاذين المودودي والندوي، وبعضها للأستاذ محمد قطب، وبعضها للأستاذ خليل الحامدي، جاءنا الأخ مظهر السيد مع أسرته التي جاءت لزيارة أسرة الأخ محمد، وللبقاء عندها، لأن الأخ مظهر أحب أن يرافقنا للاستفادة والمؤانسة، وهو مهندس إذاعي باكستاني أيضاً، ويتوقد حماساً للإسلام مثل صديقه محمد، والجو الاجتماعي بالنسبة للأسرة المسلمة يعتبر خانقاً ولذلك، فوجود أسرة مسلمة مع مثيلتها يجلب الأنس.
واصلنا المذاكرة وأكد الأخ مظهر السيد ما طلبه منا الأخ محمد من بعث الدعاة والمعلمين، وبعد ذلك صلينا الظهر والعصر جمع تأخير بالنسبة لنا، وخرجنا فودعنا أولاد الأخ محمد وهم يبدون عاطفة جياشة لفراقنا.

مقارنة بين بيوت الله الواحد وبيوت الشرك الثلاثي:

وذهبنا بعد ذلك إلى أحد المساجد في هونغ كونغ، ليرينا الأخوان حالة المساجد، فوجدنا بعض النساء يخرجن فرش المسجد المبللة لتجفيفها، ويجرفن المياه التي تجمعت فيه، وعندما رأيننا اعتذرن لنا بأننا لا نستطيع الصلاة في المسجد الآن لحالته التي نراها.
ثم ذهبنا لنرى بعض الكنائس القريبة منه، للاطلاع على العناية بها في بنائها ونظافتها ونقارن بينهما، وبعد رؤيتهما سجلت ما يأتي:
يجب إبلاغ رابطة العالم الإسلامي خاصة المجلس التأسيسي الأعلى للمساجد، الذي يجب أن يوفد إلى العالم من يقدم له تقارير عن المساجد وحالتها، للقيام ببناء المساجد وتجديد ما يحتاج إلى تجديد، وبعث الأئمة والمرشدين، فالإمكانات المادية موجودة، والدعاة موجودون، ويمكن الاستفادة من الطلبة الذين يتخرجون في الجامعة الإسلامية أو جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
ومهما قدمنا من مساعدات في مجال الدعوة والإمامة وغيرها من الشؤون الإسلامية، فلا فضل لنا في ذلك إلا أداء واجب مفروض من الله الخالق الذي جعلنا خير أمة أخرجت للناس بشروطها.
وكم يبذل المسيحيون من مال ورجال في مجالات متعددة لا تصل جهودنا إلى عشر معشار ما يعملون، ونحن أهل حق وهم أهل باطل؟ [زرت المسجد المذكور بعد سنوات، فوجدناه قد هدم وبدئ في بنائه وقد ساعدت رابطة العالم الإسلامي في ذلك].

سيل من المطر لا يبقى على وجه الأرض:

ثم ذهبنا بعد ذلك إلى السوق لقضاء بعض الحاجات الخفيفة والمطر ينهمر والناس يمشون في الشوارع وعلى رؤوسهم المظلات، ولو قعدوا في بيوتهم انتظارا للصحو لما قضوا حاجاتهم لاستمرار نزول المطر، ومع شدة نزول المطر واستمراره لا تجد في الشوارع ما يبلل ثوبك، بل كأن المطر لا ينزل إلا لتنظيف الشوارع، لأن الشوارع شبه مسنمة وبجانبها مجاري تصريف الماء الذي لا يقع في الشارع إلا ليهبط إلى المجرى، تذكرت عندئذٍ كيف تنطفئ سياراتنا في شوارعنا إذا نزل مطر كثير نسبياً، وغرق بعض الأحياء في مدننا، والمطر عندنا نادر فقلت: أما درس مهندسونا في بلاد الغرب فيكون تخطيطهم مثل هذا التخطيط؟.
عدنا بعد ذلك إلى الفندق، وتواعدنا على اللقاء غداً الأحد صباحاً لنجتمع ببعض المسلمين في أحد المساجد التي يجتمع فيها المسلمون يوم الأحد من أجل تقديم النصح لهم والإجابة على أسئلتهم.

الأحد 25/8/1398هـ

تأخر عنا الأخ محمد أحمد كثيراً، ثم اتصل بنا معتذراً من كثرة الأمطار وعدم وجود مواصلات ووعدنا أنه سيصل في أقرب وقت ممكن، وجاءنا بعد ذلك، ومعه الأخ مظهر السيد، وقالا: الاجتماع في المسجد متعذر لعدم استطاعة الناس الاجتماع فيه من شدة المطر وتفرق أماكنهم.
لذلك نزلنا إلى السوق قليلاً ثم ذهبا بنا إلى مطعم باكستاني يقدم للمسلمين الطعام الحلال، فتناولنا فيه الطعام، وكان الأخ مظهر اتصل ببيته فأفاده أهله أن ابنه الصغير سقط من على السرير وأنه ينزف دماً، فهمس للأخ محمد وأخبره بذلك، فقال له الأخ محمد: يجب أن تذهب لتنظر ما إذا كان يحتاج إلى إسعاف، فلم يرض فأخبرنا الأخ محمد فألححنا عليه أن يذهب، وبعد إلحاح ذهب وهو مكره، لأنه أحب أن يودعنا عند السفر.
واتصل الأخ محمد بأهله وطلب منهم زيارة بيت الأخ سيد لمؤانسة أهله ومساعدتها إن احتاجت، ثم اتصل بعد ذلك للاطمئنان على صحة الطفل فأفادوه أنه طيب فحمدنا الله على ذلك.

سافرنا ليلاً اضطراراً:

رجعنا إلى الفندق وحاسبنا المسؤولين واستأجرنا سيارة إلى المطار، وكان ذلك في الساعة الثامنة مساء، وهذه أول رحلة لنا يكون سفرنا فيها ليلاً اضطراراً، خشية عدم تيسر الرحلات في الأيام التالية، إذ كانت رحلاتنا كلها في النهار من أجل التأمل في الكون الدال على خالقه سبحانه وتعالى من بحار وأنهار وغابات وقفار وغيرها.
وبعد عمل الإجراءات اللازمة ودعنا الأخ محمد أحمد، فدخلنا إلى الطائرة التي أقلعت في العاشرة والدقيقة الخامسة والعشرين من مطار هونغ كونغ إلى مطار بانكوك لنواصل السفر إلى كراتشي.