8- في مدينة بوسان
8- في مدينة بوسان
الاجتماع ببعض المسلمين في مسجد بوسان:
وقد وصلنا إلى مدينة بوسان في الساعة السابعة، نزلنا في مسجد بوسان الذي أنشئ سنة 1980م على نفقة الدكتور علي الفلاح الليبي.
والمبنى يشتمل على المسجد في الدور العلوي، ومكاتب إدارية ومساكن للعائلات، وقاعة محاضرات، وصالات نشاط طلابية، واجتمعنا بعدد من المسلمين فيه منهم بعض الطلاب.

وقد بدأ الإسلام في مدينة بوسان سنة 1976م.
أسلم في تلك السنة عبد الرحيم كيم - وهو أول مسلم في بوسان -.
وعدد الطلبة الذين أسلموا إلى الآن خمسة وأربعون طالباً.
نشاط المركز:
يدرّسون فيه اللغة العربية للطلبة، وكان يوجد فيه داعية متفرغ لتعليم الدين من قبل ليبيا، وطلب نقله إلى بلده تايلاند وعاد إليها.
وقد بُلغنا أن سبب تركه هذا المسجد أن بعض من أظهر الإسلام في هذه المدينة آذاه أذية لم يقدر على الاستمرار معها، ويقال: إن هذا الذي آذاه مشكوك في صدق إسلامه، فالله أعلم!
ويزور هذا المركز بعض الدعاة من مدينة سيؤول ويلقون فيه الدروس والمحاضرات.
والتقينا في المسجد الإخوة:
1-إسماعيل فوم. وهو إمام المسجد، ولد سنة 1933م، يحمل درجة الليسانس في القانون، وهو متفرغ للإمامة من قبل ليبيا، وتقوم ليبيا بنفقات المركز.
أسلم الأخ إسماعيل سنة 1976م وهو من مدينة بوسان وعائلته مسلمة.
2-الأستاذ عمر يس. ولد سنة 1932م، تخرج في جامعة سيؤول، كلية التربية والتعليم، كان نصرانياً يقال: إنه كان رئيساً لكنيسة بروتستانتية.
أسلم سنة 1985م والذي دعاه للإسلام التوحيد، عائلته مسلمة وأفرادها ثلاثة.
درس الإسلام على الأخ إسماعيل إمام المسجد، وأسلم على يد الدكتور عبدالوهاب.
وقف أهل ملته السابقة ضده، وطلبوا منه الرجوع إلى دينه وهم لا يعتبرون الإسلام ديناً.
وقال: إنه أسلم على يده ثمانية: ثلاثة من النصارى، وخمسة من غيرهم، وهو يشكو من أن بعض المسلمين يشكون في صدق إسلامه.
3-الأخ عمر كيم. ولد سنة 1927م، وأسلم سنة 1980م عنده الشهادة الثانوية.
4-الأخ أبوبكر أُو. رئيس شؤون الطلبة المسلمين، ولد سنة 1964م، أسلم سنة 1984م، طالب في جامعة بوسان، يدرس في قسم اللغة العربية.
5-الأخ عبد الكريم كيم. ولد سنة 1949م، أسلم سنة 1979م، تخرج في القانون.
6-الأخ مصطفى لي. ولد سنة 1960م، أسلم سنة 1984م، يدرس في جامعة بوسان الدراسات الأجنبية، قسم اللغة العربية، السنة الثالثة.
7-الأخ عز الدين كيم. ولد سنة 1941م، أسلم سنة 1983م ـ جامعة بوسان كلية الصناعة والهندسة.
8-الأخ عبد الله كيم. ولد سنة 1932م، أسلم منذ شهرين ـ جامعة تشون جو ـ كلية الزراعة.
9-الأخ يس لي. ولد سنة 1959م، أسلم سنة 1983م، يدرس في قسم اللغة العربية ـ آخر سنة.
10-الأخ عبد الملك تشي. ولد سنة 1960م، أسلم سنة 1981م، طالب في كلية الصناعة.
11-الأخ جعفر جْشِيْه. ولد سنة 1964م، أسلم سنة 1984م، قسم اللغة العربية، جامعة بوسان.
وكان هذا المسجد يسمى مسجد الفاتح (تسمية ليبية!).
وقد ألقيت فيهم كلمة مختصرة وضحت لهم فيها تقسيم الله للناس في القرآن: إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين، وبينت لهم ميزة كل قسم باختصار، ودعوتهم أن يحققوا في أنفسهم صفات المؤمنين، وأن يعملوا لله لا لسواه فإن الدين بدون إخلاص لا يقبله الله
اجتماع خاص مع الطلاب:
وبعد أن فرغنا من الاجتماع بعد صلاة المغرب، طلب منا الإخوة الطلبة أن نجتمع معهم على حدة في قاعة نشاطهم في المركز، لأن لديهم أسئلة وحوارات تناسبهم، وقد لا تناسب الآخرين.
وأخبرونا أن من نشاطهم تدريس اللغة العربية ومبادئ الإسلام للطلاب المسلمين وغيرهم، وأنهم يبقون في شهر رمضان هنا في المركز ويتدارسون القرآن ويدرسون غيرهم، ويقيمون في الإجازة الصيفية معسكراً إسلامياً لمدة ثلاثة أيام، وفي موسم الخريف يقيمون معرضاً عن الأمور المرتبطة بالإسلام، كالكتب وصور الآثار الإسلامية، ويقيمون مسابقة لقراءة القرآن.
وفي الإجازتين الصيفية والشتوية يدرسون لمدة شهرين، وبعد صلاة الجمعة يقرؤون القرآن والحديث مع الأصدقاء، وعندهم جريدة صغيرة أسبوعية يشرحون فيها الحديث ومعاني القرآن باللغة الكورية، من ترجمة الدكتور حامد تشوي.
ويحتاجون إلى الكتب الإسلامية باللغة العربية والإنجليزية والكورية، وبخاصة القصص الإسلامية، وقصص القرآن الكريم (لعل من القصص النافعة: قصص الأنبياء للأستاذ الندوي، رحمه الله).
ويلحون في الاهتمام بزيادة المنح لهم في هذه المدينة، وأن لا يهتم بمدينة سيؤول وحدها.
ونرى أن هؤلاء الطلاب يحتاجون إلى بعث داعية صالح فقيه عاقل متزن من الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، أو رابطة العالم الإسلامي، أو وزارة الأوقاف الكويتية.
وأن تجتهد الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، في بعث وفود يجتمعون بهؤلاء الطلاب وغيرهم، ويختارون عدداً منهم للدراسة في المملكة العربية السعودية، لما في ذلك من الفائدة، وألقوا بعض الأسئلة وأجيبوا عنها.
وفي التاسعة مساء ودعنا الإخوة وذهبنا إلى أحد الفنادق الشعبية في مدينة بوسان، لنرتاح من سفر طويل وتنقلات من مدينة إلى أخرى طوال النهار.
مفاوضات في وصفة طعام العشاء!
لم نتناول طعام الغداء هذا اليوم، وقد كان كله سفراً من مدينة إلى أخرى، وطعام الكوريين الشعبي، صعب المذاق، يعسر على المعدة هضمه، والفنادق الشعبية التي كان الإخوة يختارونها لنا، لا يوجد فيها إلا الطعام الشعبي.
لذلك عندما نزلنا في هذا الفندق، قلت للأخ عبد الوهاب: لا تطلبوا منهم عشاء حتى نتشاور في نوعه، فجاءني وقال: ما النوع الذي تريده فقلت له: انقل إلى أهل الفندق هذه الوصفة الغذائية، ولم يسبق لي يوماً من الأيام أن طبخت أو نفخت، ولكن الضرورة ألجأتني أن أجتهد في صف وجبة العشاء الليلة. قال: وما هي؟ قلت: يضعون القدر على النار، ويضعون فيه زيتاً نباتياً، ويقطعون فيه بصلاً، ثم يضعون عليه سمكاً ويحركونه حتى ينضج، ويقطعون شيئاً من الطماطم ويضعونها عليه، ثم يأتوننا به مع الخبز أو الأرز، فنقل الدكتور حامد الوصفة إلى الأخوين: سليمان لي وقمر الدين الكوريين، لأنهما أقدر على المفاوضات مع الكوريين، ولا يكسر الحجر إلى أخوه كما يقال في المثل، وبلّغ الإخوانُ موظفي الفندق، وبَلّغ موظفو الفندق الطباخين في المطعم، ورفض هؤلاء الوصفة الغريبة الدخيلة على الطباخ الكوري، وعللوا ذلك بأنه سيكون غير مستساغ، واستمرت المفاوضات بيننا وبينهم، ووافقوا في الأخير على أن يكون الطبخ على مسؤوليتنا، وعمل الطاهي ما أداه إليه اجتهاده، وجاءت الطبخة فيها رائحة الطعام العربي: خلطة من السمك والبصل والطماطم وأضافوا إليها بعض الخضار.
انتشى باكريم، وسال اللعاب، ورقصت أجهزة أعضاء الجسم كلها طرباً.
وكان العشاء في غاية اللذة، سال لها اللعاب، واستعدت لها أجهزة الهضم من الفم إلى المعدة، وأخذت أمواج الشرايين ترقص طرباً ناقلة الغذاء العربي إلى خلايا الجسم بنشاط، وانتشى صاحبنا محمد باكريم فتناول الملاعق الشعبية الكورية اليابانية الصينية، وبدأ يأكل بها الطعام العربي، وهي عبارة عن عودين طويلين صغيرين يمسك الآكل بطرفيهما، ويتناول الطعام بطرفيهما الآخرين، وكان أكله بهما شبيهاً بالطفل عندما يبدأ يحبو، يمد يديه وهو خائف وكذلك يسحب رجليه ثم يسقط على بطنه أو جنبه، ثم نمنا نومةً هنيئة بعد ذلك إلى أن طلع الفجر.
وماذا تريد من البحر الآن؟!
الثلاثاء: 22/11/1406هـ.
كنا قد اتفقنا أن نخرج لنتجول في المدينة وأطرافها على شاطئ البحر مبكرين، لضيق الوقت، إذ أننا اليوم سنسافر إلى سيؤول بالطائرة، وقد فرغنا من زيارة جميع المدن والقرى التي ذكر لنا أن فيها مسلمين.
فاتصل بي الأخ قمر الدين، وقد أخذ الوعد بجد، وقال: متى نشوف البحر؟ قلت له: الآن، فهل اتصلت بالأخ محمد باكريم؟ قال: نعم اتصلت به وقال لي: اتصل بالشيخ عبد الله. ولذلك اتصلت بك، قلت له: اتصل به مرة أخرى، لمعرفتي أن باكريم يجامل رفيقه الثقيل "النوم" الذي يهجم عليه يومياً في هذا الوقت.
واتصل قمر الدين بالهاتف، فلم يرد عليه باكريم، ظناً منه أنه سينجو منه إذا لم يكلمه بالهاتف، ولكن قمر الدين شمر وصعد إلى غرفته فدق عليه الباب، وعندما سمعت دق الباب، وغرفتي مجاورة لغرفته، خرجت، فلما رآني باكريم، وهو في ثياب نومه والنوم يكاد يقفل عينيه، قال لي: وماذا تريد من البحر الآن؟! فقلت له: ليس أمامك إلا سويعات، إذا لم تغتنم فيها الفرصة للتجول في مدينة بوسان وأطرافها فاتتك رؤيتها، فقد دخلتها ليلاً وستخرج من غرفة الفندق إلى المطار، فرجع الرجل، ولبس ثيابه وحزم حقيبته وخرج إلى البحر!
وكان قائد السيارة الإمام قمر الدين، والدليل الأخ عمر ياسين، وكان خروجنا في الساعة السابعة.
خرجنا إلى الجنوب والشرق، وصعدنا إلى شبه جزيرة من الجبال في طريق متعرج، بين غابات كثيفة.
هو يدخن وأنت تصوِّت!
كان أمامنا سيارة نقل كبيرة، وقودها من الديزل الرديء، وكان الدخان يتصاعد منها مكوناً سحابة داكنة، ولم يستطع الأخ قمر الدين تجاوزها لضيق الطريق فتضايق منها، وقال: مشكلة! وكانت سيارة قمر الدين عندما تتحرك يحدث بها صوت من أسفل، يبدو أن إحدى صفائحها محلولة، ولذلك تحك في بعض الحديد وتحدث صوتاً، فقال له باكريم: هو يدخن وأنت تصوِّت، يعني إذا كانت السيارة التي أمامك تزعج الناس بالدخان، فإن سيارتك تزعجهم بهذا الصوت.
المرأة الكورية والسيارة:
لاحظت في كوريا خاصة أن المرأة لا تقود السيارة، لا العامة ولا الخاصة إلا نادراً، فسألت الأخ قمر الدين عن ذلك؟ فقال: إن قيادة السيارة صعبة، والمرأة عندها عمل في البيت صعب وهو أليق بها، فهي تعلم أولادها وتقوم بمهمات البيت، وإذا تزوجت لا تخرج للعمل، لحاجة بيتها وأولادها إليها.
معلومات عن الطقوس النصرانية:
رجعنا من البحر بعد أن تجولنا فترة، إلى محطة الحافلات السريعة، لتناول طعام الإفطار في أحد مطاعمها.
وكان معنا الأخ عمر ياسين، فسألناه - وكان في قبل إسلامه نصرانياً - عن كيفية عبادة النصارى؟ فقال: كنا نصلي كل يوم في الساعة الرابعة صباحاً، ويأتي إلى الكنيسة ما يقارب مائة، ويشكرون الله على ما مضى وما يستقبل، ويتوكلون على الله ويدعونه لسلامتهم هذا اليوم، ونشرح للمصلين آيات من الإنجيل، وبعد ذلك يدعو كل واحد الله لنفسه، يفعلون هذا ثلاث مرات في الأسبوع، يوم الأربعاء في المساء، ويوم الأحد في الصباح والمساء، ويتزاورون فيما بينهم في منازلهم، وبعد الدعاء ينشدون أناشيد، وهي من آيات الإنجيل، ويذكرون الله وعيسى ويدعون الله باسم عيسى، ويعتقدون أن عيسى ابن الله وثالث ثلاثة: الأب والابن وروح القدس.
شكوكهم في صحة هذا الاعتقاد:
وكان عمر يُدَرِّس في الكلية المسيحية، وكان نصف طلابه يشكون في هذه العقيدة، ويقولون: كيف يكون عيسى إنساناً ثم يصبح إلهاً؟ وكان يحاول إقناعهم بذلك، ولكنهم لم يقتنعوا به، وليس لهم قبلة معينة يصلون إليها، والأناجيل تغيرت ويوجد في كل بلد ترجمة لها، وفيها اختلافات.
وسألناه هل يستطيع أن يذهب إلى الكنيسة ويشرح لهم الإسلام ويدعوهم إليه، فأجاب: نعم.
وقال: إن عيسى قال: سيأتي بعدي واحد، وما كان الأخ عمر يعرف من هو ذلك الواحد، فلما أسلم عرف أنه محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله، وقال: إنه لا يذهب إلى الكنيسة خشية التشويش، ولكنه يكتب لهم خطابات بهذه المعاني.
وسألناه عن معتقد البروتستانت والكاثوليك هل يوجد بينهما فرق؟ فقال: الاعتقاد واحد، والفرق في طريقة العبادة.
ثم قال كلاماً ينبغي أن يدرس وهو: أنه كان من قبل كثير الاتصال بالناس قبل أن يسلم، وأما الآن فنشاطه محدود، وهو يحب أن يعمل للإسلام ولكن الإمكانات المالية غير موجودة ويخاف على حياته المالية، وقال: إن بعض المسلمين يشكون فيه ولذلك هو حزين؟!!
الأرض المحتلة!
وبعد أن أفطرنا رجعنا إلى الفندق، لنرتاح قليلاً حتى يأتي موعد الخروج من الفندق، لزيارة بعض المدارس في مدينة بوسان، وكان محمد باكريم في شوق شديد إلى غفوة من غفواته الصباحية التي قد تستغرق الساعات، لولا إزعاج زميله له لتنفيذ خطة البرنامج اليومي، وعندما جئنا إلى غرفتينا كان الباب الخارجي لغرفته مقفلاً، وباب غرفتي مفتوحاً، فدخلت إلى غرفتي وقلت له مازحاً: إن باب غرفتك مقفل فلا تدخل لعل أناساً قد نزلوا بها، ولم يكن يظن ذلك، فلما فتح الباب وجد الأرض قد احتلت، فقد ظن أهل الفندق أننا خرجنا بدون رجعة، فأنزلوا في غرفة صاحبنا ضيفاً، وربما لو تأخرنا قليلاً أنزلوا مثله في غرفتي، فجاء الرجل غاضباً وفرش في أرض غرفتي ونام قليلاً، فزال غضبه على الأرض المحتلة، وقد ألف العرب أن يصبروا على احتلال أراضيهم وهذه منها!
زيارة مدرسة أسامة صون، رحمه الله:
في الساعة العاشرة صباحاً ذهبنا إلى مدرسة أسامة صون رحمه الله.
كان أسامة قد أسلم سنة 1985م، وتردد عليه الدعاة، وقد أسلم معه ثمانية من المدرسين.
والمدرسة خاصة بالبنات، أنشأت سنة 1982م قبل إسلامه بثلاث سنوات، ويأخذون رسوماً مخفضة على الطالبات، وجميع الطالبات فيها يتيمات أو من بنات الفقراء.
يعملن في النهار في وظائفهن الخاصة، ويدرسن في المساء.
وبعد وفاته أسلم شقيق زوجته الذي أصبح رئيساً لمجلس إدارة المدرسة، وسمي زاهداً.
وقد زار هذه المدرسة الدكتور محمد عبده يماني وزير الإعلام السعودي السابق، والأستاذ نادر النوري مدير الشؤون الإسلامية في الكويت، مع وفد رافقه في هذا العام 1986م.
وكان الأخ أسامة قد جمع قبل وفاته رئيسات صفوف الطالبات، فأسلم منهن اثنتان وعشرون طالبة.
وعدد الطالبات فيها الآن ثمانمائة طالبة، وإذا حصلت متابعة للدعوة في هذه المدرسة، فإن كثيراً من الطالبات سيدخلن في الإسلام.
ولم نجد أحداً من المسؤولين في المدرسة، لأنهم في وقت إجازة.
زيارة مدرسة علي بن أبي طالب:
ثم ذهبنا إلى مدرسة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفي طريقنا إليها مررنا بجانب المنشآت الرياضية التي أعدتها كوريا، استعداداً للألعاب الآسيوية التي ستقام بعد شهرين، ثم الألعاب الأولمبية التي ستقام أيضاً على أرضها بعد سنتين.
وقد تم الاتفاق على إنشاء هذه المدرسة بين:
مؤسسة اقرأ في مكة المكرمة التي أسسها الشيخ صالح عبد الله كامل، ومَثَّلها في هذا الاتفاق: الدكتور محمد عبده يماني.
ومؤسسة يوك يونج للتعليم الإسلامي في بوسان، ومَثَّلها السيد محمد بارك تشول هوان، على أن تقوم المؤسسة يوك يونج بتأمين الأرض لبناء المدرسة الثانوية الإسلامية، وتسجل باسم مشروع مدرسة علي بن أبي طالب [كرم الله وجهه] الثانوية.
وتقوم مؤسسة اقرأ بتمويل المدرسة وتجهيزها بالمعدات المدرسية والأثاث، في حدود مبلغ ثلاثمائة وخمسين ألف دولار أمريكي، ويصرف هذا المبلغ تحت إشراف مجلس الإدارة المكون من:
الشيخ عبد الله عمر كامل.
الدكتور محمد عبده يماني.
السيد محمد بارك تشول هوان.
السيد إبراهيم جون كشي جونج.
السيد حامد تشوي يونج كيل.
تتولى مؤسسة اقرأ وضع المنهج الدراسي، ويكون لها حق الإشراف عليه.
تتكفل مؤسسة يوك يونج للتعليم الإسلامي، بتوفير المبالغ اللازمة لتشغيل وصيانة المدرسة للثلاث سنوات الأولى.
وتقوم إدارة المدرسة بعد ذلك بجمع الرسوم والاشتراكات، من الطلاب الذي يتوقع أن يكون عددهم كالتالي:
السنة الأولى : 600.
السنة الثانية : 600.
السنة الثالثة : 600.
المجموع : 1800.
وسيكون متوسط الرسوم السنوية لكل طالب، ثلاثمائة وخمسين دولاراً أمريكيا، بدخل إجمالي سنوي قدره سبعمائة وأحد عشر ألف دولار أمريكي، على أن تصرف هذه المبالغ المتحصلة على تكاليف التشغيل والصيانة.
وتلتزم المدرسة بالاتصال بالجهات الحكومية المعنية، لتحصيل ما يمكن من مساعدة ودعم من تلك الجهات.
يقوم مجلس الإدارة المذكور أعلاه بالإشراف على عمليات التشغيل والصيانة، وتقديم تقرير سنوي إلى مؤسسة اقرأ ومؤسسة يوك يونج للتعليم الإسلامي.
حرر هذا الاتفاق من نسختين بيد كل طرف نسخة للعمل بها، تم التوقيع على هذا الاتفاق بتاريخ 18جمادى الثانية 1404هـ 26مارس 1984م.
توقيع د/ محمد عبده يماني. محمد بارك تشوك هوان.
وقد كتب الشيخ صالح كامل بعد أن عرضت عليه للتصديق على الوثيقة لتعتبر سارية المفعول، كتب ما يلي:
نضيف حق إشرافنا على المنهج ووضعه.
نقلت هذه الوثيقة من نشرة خاصة بها عندما زرنا المدرسة، سلمنا إياها مدير المدرسة، وهي عندي ضمن الوثائق التي أحتفظ بها في رحلاتي.
وابتدأ بناء المدرسة سنة 1985م.
وبدأت الدراسة بها سنة 1986م.
وعدد طلابها في سنتها الأولى ثلاثمائة وثمانية وأربعون طالباً.
وأصبح مديرها الأخ حمزة في هذا العام 1986م، وعدد الأساتذة في المدرسة واحد وعشرون أستاذاً، وتدرس فيها ساعة واحدة فقط الآن للغة العربية.
وقال مدير المدرسة: إن عدد الطلبة المسلمين في المدرسة أربعة وعشرون طالباً [وقيل: إن هذا العدد مبالغ فيه].
وقد أعطانا مدير المدرسة بعض المعلومات عن المدرسة:
![الكاتب مع مدير مدرسة علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] مدينة بوسان ـ كوريا الجنوبية ـ 22/11/1406?ـ](/pics/3/3026.jpg)
أهداف المدرسة:
مدرسة ثانوية، لغرس الوطنية الكورية، والثقافة والمبادئ الإسلامية.
سياسة التعليم:
فهم الإسلام الصحيح.
دراسة القرآن والحديث والتاريخ الإسلامي والثقافة من خلال اللغة العربية.
غرس الأخلاق الإسلامية.
التعليم الكوري التقليدي.
وضع المدرسة الحالي:
بها السنة الأولى و فيها ستة فصول.
أعضاء الإدارة ستة.
الأساتذة ثمانية عشر.
الطلاب ثلاثمائة وثمانية وأربعون.
منهجها في المستقبل:
دراسة اللغة العربية: نحو وقراءة، وتفسير القرآن وتلاوته، والحديث والسيرة النبوية، والفقه، وأصول الدين، والتاريخ الإسلامي والثقافة الإسلامية والمنهاج الكوري.
اقتراحات لتقوية التعليم الإسلامي:
عشرون دقيقة قبل الدراسة كل يوم لتلاوة القرآن وتفسيره بالمكبر.
يزور الطلاب مسجد سيؤول وغيره للتعرف على الإسلام أربع مرات في السنة.
زيارة السعودية للتعرف على الإسلام مرتين، صيفاً وشتاء، مع أستاذين وعشرين طالباً.
يوجد مدرسان مسلمان، وهما لا يكفيان، والمدرسة في حاجة إلى زيادة المدرسين، ووضع منهاج إسلامي وكتب مدرسية، ويحتاجون إلى وسائل تعليم.
كانت هذه المعلومات التي أخذناها من مدير المدرسة، وكان المترجم الشيخ قمر الدين مون، وكان معنا الأستاذ سليمان لي، والدكتور عبد الوهاب زاهد.
وضع المدرسة الحالي يخالف عقد الاتفاق:
والذي أراه بشأن هذه المدرسة أن تتابع مؤسسة اقرأ شؤون المدرسة فيما يأتي:
أولاً: يجب وضع يجب المنهج الذي هو بند من بنود الوثيقة التي على أساسها أنشأت المدرسة، وعلى الطرف الذي موَّل المدرسة وهو الشيخ صالح كامل الذي ناب عنه في التوقيع على العقد الدكتور محمد عبده يماني، وإذا وُضِع المنهج يجب على هذا الطرف أن يطالب المسؤولين الكوريين عن المدرسة بتطبيقه، لأن لمؤسسة اقرأ حق وضع المنهج وحق الإشراف على المدرسة، وعلى مؤسسة التعليم الإسلامي الكورية التي وقعت الوثيقة أن تأخذ إذناً من الحكومة الكورية بتطبيق المنهج الإسلامي مع المنهج الكوري، فإن الذي يطبق الآن هو المنهج الكوري فقط.
وقد سمعت من الإخوة الكوريين، ومنهم الدكتور حامد تشوي الذي هو عضو مجلس إدارة المدرسة أن الحكومة الكورية، لا تسمح بتدريس المنهج الإسلامي، وإنما تسمح بتدريس اللغة العربية فقط. وعن طريق اللغة العربية يمكن التطرق لكثير من الموضوعات الإسلامية.
وأرى أن الحكومة الكورية قد ساعدت المسلمين في أمور كثيرة، وإذا جد المسلمون في المطالبة بتطبيق المنهج الإسلامي في المدرسة، وكذا في المدارس الأخرى فيما بعد، فإن الحكومة الكورية قد توافق، وبخاصة أن منهجها يطبق في المدرسة، وقد وافقت على إقامة مدرسة كاملة للمسلمين بعض الدول كأستراليا وأمريكا وبريطانيا وغيرها.
ثانياً: على مؤسسة اقرأ أن تحاول إيجاد مدرسين للثقافة الإسلامية واللغة العربية، وينبغي أن يكونوا دعاة علماء ناصحين، يؤثرون في الطلبة والمدرسين، وإذا تمكنت من تعيين بعض الأساتذة المسلمين الكوريين في المدرسة ممن عندهم مؤهلات ويوثق بعلمهم ودينهم، فإنهم قد يكونون أولى من غيرهم لإجادتهم لغة قومهم، وتأثيرهم قد يكون أقوى من غيرهم.
ثالثاً: لا بد من متابعة تأليف الكتب الإسلامية بالعربية والكورية، لتكون بأيدي الطلبة ليستفيدوا منها ويأخذوا علماً متقناً منهجياً.
ولا أرى مانعاً من إعانة بعض الجامعات غير الإسلامية أو المدارس في كوريا وغيرها بالمدرسين للغة العربية، إذا كانوا على علم وحماس للإسلام، لأنهم بنشر اللغة العربية قد ينشرون مبادئ الإسلام.
وكثير من الطلاب في الأقسام العربية في الجامعات الكورية وغيرها يدخلون في الإسلام، ولكن مدرسة تسمى باسم إسلامي كمدرسة علي بن أبي طالب الثانوية الإسلامية، يجب أن يكون حظ الإسلام في مناهجها كبيراً حتى تستحق هذا الاسم.
العودة إلى سيؤول:
وفي الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً كنا في مطار بوسان، أوصلنا إليه إمام مسجد مدينة بوسان والأخ عمر ياسين.
وقد أقلعت الطائرة من مطار بوسان في الساعة الواحدة والربع ظهراً، وهبطت في مطار سيؤول في الساعة الثانية. فكانت مدة الطيران ساعة إلا ربعاً.
وذهبنا إلى فندق حياة ريجنسي الذي كنا تركنا حقائبنا فيه وحجزنا غرفة من هذا اليوم الثلاثاء.
قوافي الشعر لا تأتي نياماً!
الأربعاء: 23/11/1406هـ.
ألفت أن أكون بعد صلاة الفجر صاحياً، ولا أنام – غالباً - إلا إذا لم أتمكن من النوم مبكراً في الليل، وكان صاحبي محمد باكريم لا يفرغ من صلاة الفجر إلا ليدرج نفسه في غطائه، ويحتاج إلى غفوة ضحوية طويلة، فأضطر بعض الأوقات أن أتحرك، لأني أسأم من الاستلقاء على السرير بدون نوم، وفي هذا اليوم أكثرت من الحركة، حيث كنت أنظم أغراض في حقيبتي.
أحس صاحبي بذلك فتحرك وقال لي: ما عندك نوم اليوم؟ لو كنتُ شاعراً لقلت فيك شعرا، فأجبته بقولي:
على برج سيؤول:
وبعد أن تناولنا طعام الإفطار جاءنا الأخ الدكتور حامد تشوي، ورافقنا إلى برج سيؤول (SEUL TOWER) ويسمى أيضاً: نامسَن تاور، أي برج نامسن، (NAMSAN TOWER)، وكنا في البرج في الساعة العاشرة.
وكان الجو اليوم صحواً على خلاف عادة سيؤول في أيامنا الأولى، فقد كنا نود أن نرى الشمس أو القمر أو النجوم فلم نرها إلا في مدينة بوسان.
وقد جلسنا في الدور المتحرك في أعلى البرج حتى دار بنا دورة واحدة حول نفسه، وليس حول المدينة، لنطلع على جهات المدينة كما تدور الأرض حول نفسها، لتأخذ كل منطقة نصيبها من ضوء الشمس نهاراً، ومن جلباب الظلمة ليلاً، وقد استغرقت دورتنا خمسين دقيقة حتى عدنا إلى المكان الذي انطلقنا في الدوران منه، ويمر بوسط مدينة سيؤول نهر هان كانج (HANKANG) وتمتد عليه جسور كثيرة ذكر لنا الإخوة أن عددها ستة عشر جسراً، تربط بين شقي المدينة، ويقع النهر جنوب البرج.
ويقع في جنوب شرق البرج المسرح الذي قال الدكتور حامد تشوي: إن جاسوساً من كوريا الشمالية قتل فيه زوجة رئيس الجمهورية السابق.
ومدينة سيؤول كبيرة جداً تحيط بها الجبال، وتقع في وسطها جبال صغيرة متفرقة بين أحيائها مكسوة بالغابات، ويصعب على من فوق هذا البرج على الرغم من ارتفاعه أن يرى أطراف المدينة، إلا إذا نظر من مجهر، وهو لم يوجد في هذا البرج على غير عادة الأبراج، وعدد سكان مدينة سيؤول عشرة ملايين.
حيلة شرعية نافعة!
وفي مساء هذا اليوم جاء إلينا الدكتور حامد والأخ محب الحق عارف، وتذاكرنا موضوع مدرسة علي بن أبي طالب في بوسان، واتفق الأخوان على أن القانون الكوري يمنع تدريس الأديان مباشرة في المدارس والجامعات، إلا في حدود ساعة واحدة، ولو أنشأ تلك المدارس والجامعات أهل الأديان كالبوذيين والمسيحيين والمسلمين، ولكن قال الدكتور نحن من الناحية الرسمية لا نستطيع تجاوز القانون، إلا أننا عندنا قدرة على إدخال المواد الإسلامية بالحيلة، وذلك أننا إذا درَّسنا مادة التاريخ العالمي، نستطيع أن ندرس التاريخ الإسلامي وهكذا الاقتصاد، والجغرافيا، والاجتماع، والأخلاق وغيرها.
واقترح الأخ محب الحق أن يجتمع سفراء الدول الإسلامية بالحكومة الكورية للتفاوض معها في شأن المنهج الدراسي الإسلامي في مدرسة علي بن أبي طالب، فإن الحكومة الكورية قد تحترمهم وتوافق على ذلك.
والحكومات الإسلامية الممثلة في كوريا هي: السعودية، وباكستان، وماليزيا، وإندونيسيا، وتركيا، والعراق، والأردن، وليبيا، وإيران.
وقال الإخوة: إن مدرسة متوسطة للبنات أنشأها أحمد بارك الذي وقَفَتْه الحكومة الآن بسبب بعض الديون التي تحملها لنفقات المدرسة، واسم المدرسة نامدو (NAMDO) أنشئت منذ ثلاثين عاماً، وعدد الطالبات فيها يقارب ألفي طالبة.
بدأ تدريس الإسلام فيها سنة 1982م، العام الذي أسلم فيه المؤسس على يد محب الحق، ودرَّس فيها محب الحق مبادئ الإسلام في ثلاثين صفاً.
و بها مسجد مؤقت، وأسلم فيها ستمائة طالبة خلال أربع سنوات، وقد تخرج نصفهن.
وأسلم في نفس المدرسة خمسة وأربعون مدرساً على يد محب الحق.
ومؤسسها هو رئيس اتحاد مسلمي كوريا في بوسان.
وقد رفع محب الحق تقريراً إلى ليبيا لغرض مساعدة مدرسة البنات هذه، فلم يأت رد على ذلك.
ولهذا اتصل الأخ الدكتور حامد تشوي بالشيخ عبد الله عمر كامل يطلب مساعدة بإنشاء مدرسة للبنين، فوافق وأنشأت مدرسة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ويرى الأخ حامد أن الاستمرار في مساعدة هذه المدرسة، ولو كانت من الناحية الرسمية لا تدرس فيها إلا ساعة واحدة للدين الإسلامي، لا بد منه لما في ذلك من المصالح الكبيرة التي تتحقق من إسلام كثير من الطلاب والمدرسين، والمدرس يستطيع أن يدخل ما يشاء من أمور الإسلام في هذه الساعة في كل فصل دراسي، ووافقه على ذلك الأخ محب الحق عارف، وقال: إن في ذلك سبيلاً لنشر اللغة العربية والإسلام بالتدريج.
مع الأخ محب الحق عارف عبد القادر:
ولد في سنة 1948م في سوات في شمال باكستان، نال درجة الماجستير من جامعة بيشاور في الأدب العربي، ودبلوم في العلوم الإسلامية، درس في الأزهر ولم يكمل دراسته فيه، لعدم قبول شهادة الماجستير التي كان يحملها.
ووجد بعض الليبيين يبحثون في القاهرة عن شباب يدرسون في ليبيا سنة واحدة الفلسفة ومقارنة الأديان في المعهد العالي للدعاة، فقابلوه مع خمسة وستين طالباً من خمس عشرة دولة، في وقت حرب مصر مع اليهود سنة 1973م، فسافروا إلى ليبيا وقابلهم القذافي، وقال لهم: إنه أسس المعهد العالي للدعاة، وإنه يُدرس فيه الفقه وعلم الاجتماع ومقارنة الأديان.
وبعد سنة خيِّر كل واحد في البلد الذي يريده، فاختار الشيخ محمود صبحي للأخ محب الحق السفر إلى كوريا، فجاء إلى كوريا سنة 1974م قبل وجود المسجد الحالي في كوريا، وكانت في مكانه غرفة واحدة، يبللها المطر، ويصعب الوصول إليها، لوقوعها في مكان مرتفع ولا توجد سبيل ممهدة توصل إليه، وقابل الإمام محمد يون الذي يعد ثاني مسلم كوري، وقد أسلم على يد الإمام التركي عبدالرحمن في وقت الحرب مع كوريا الشمالية سنة 1953م وأول مسلم كوري هو الحاج عمر كيم جانجو.
وكان الإمام محمد يون رئيس اتحاد مسلمي كوريا الذي جمع بعض التبرعات لبناء مسجد، ولكن المال لم يكف، فخجل وذهب إلى القرية ثم رجع بعد ذلك إلى المسجد في سيؤول الذي أسس سنة 1976م ولم يكن الكوريون يعرفون الإسلام جيداً في تلك الفترة، وقد دَرَّسَ الإمامُ محبُّ الحق الإمامَ محمد يون وتحسنت حالته، وأصبح هو نفسه يدرس الإسلام وقد توفي رحمه الله في آخر سنة 1984م. [تنبيه: المقصود بالإمام هنا: إمام المسجد، وليس المراد: أنه إمام في العلم].
والتقى الأخ محب الحق ببعض الشباب الكوريين، ومنهم الدكتور حامد تشوي، وأسسوا جمعية الطلبة المسلمين، وتحركوا في سنة 1974م فما بعدها للدعوة إلى الإسلام، وكان الأخ حامد قد أسلم من قبل على يد الإمام يون ولكن إسلامه كان ضعيفاً [هكذا قال لي الأخ حامد عن نفسه].
وأنشئ قسم اللغة العربية في جامعة ميونجي، وكان الأخ محب الحق أول رئيس لهذا القسم لمدة سنتين، ويرأس القسم الآن الدكتور حامد تشوي.
وقال الأخ محب الحق: إن عادات الكوريين وتقاليدهم، كثير منها يتفق مع الآداب الإسلامية: مثل احترام الصغير للكبير، وإكرام الضيف والجد في العمل.
فلم يكن يوجد قبل سنة 1974م إلا فندق واحد في كوريا، وهو شوزان هوتيل بالاشتراك مع أمريكا، والآن فنادقها لا يحصيها العد.
وكان يوجد على النهر الذي يقسم العاصمة جسران فقط، والآن توجد خمسة عشر أو ستة عشر جسراً.
والذي يتخرج من الجامعة عنده همة عالية يرى لنفسه أنه يجب أن يكون رئيس شركة، فيبدأ من الصفر في العمل حتى يصل إلى مبتغاه [أين هذه الهمم من كسل الشباب في أغلب بلدان المسلمين وبخاصة الدول العربية].
قال الأخ محب الحق: ومما نتفق فيه مع الكوريين كره الشيوعية، وهذا يجعلهم يميلون إلينا إذا تحدثنا ضد الشيوعية، ولهذا يمكن للداعية أن يبين مبدأ الإلحاد بالحجج الدامغة له، ويدخل في شرح مبادئ الإسلام.
ويرى الأخ محب الحق أن أنفع الوسائل للدعوة في كوريا، إنشاء المدارس، وتدريس اللغة العربية، ومبادئ الإسلام، في الأقسام العربية بالجامعات، والكتاب المترجم باللغة الكورية، والبث في الإذاعة.
وأفضل من ذلك كله أخذ الطلبة الكوريين وتعليمهم في البلدان الإسلامية، فإذا رجع إلى بلاده نفع الله به، ولا بد من متابعة الطالب الذي يدرس في البلدان الإسلامية وتربيته تربية خاصة.
وأثنى الأخ محب الحق على السفير الباكستاني الموجود في كوريا حالياً، لأنه مجتهد في نشر الإسلام، وهو يقوم ببعض المحاضرات، وكان هنا قبل أسبوع شريف الدين بيرزادة، وقد تبرع للاتحاد بخمسة عشر ألف دولار، وكان ذلك بترتيب من السفير الباكستاني، وهو الذي رتب للاتحاد كيفية طلب المساعدة من منظمة المؤتمر الإسلامي والبنك الإسلامي، وهو رجل مسلم ودكتور في الفلسفة وأبوه عالم.
وقد استقال الأخ محب الحق من العمل مع ليبيا، لأن القذافي طلب منه تدريس الكتاب الأخضر في جامعات كوريا ومدارسها، عن طريق تعليم اللغة العربية.
نظام الانتخابات في كوريا:
قال الأخ حامد تشوي:
إن المناطق الكورية تقوم بانتخاب مندوبيها، والمندوبون يقومون بانتخاب رئيس الجمهورية، والذين قاموا بالمظاهرات من الطلاب وغيرهم يعتبرون هذه الانتخابات غير مباشرة، ويريدون أن يقوم الشعب كله بانتخاب الرئيس، وليس عن طريق النواب، ومعظم المتظاهرين كانوا من الطلاب، ولكن وراءهم الأحزاب.
وتوجد في كوريا ثلاثة أحزاب: حزب الحكومة وحزبان معارضان، وليس الاختلاف بين الأحزاب بسبب تعارض مبادئ كل حزب مع مبادئ الآخر، وإنما الهدف هو الفوز بالسلطة.
نظام انتخاب اتحاد مسلمي كوريا:
ثم تطرق لنظام اتحاد مسلمي كوريا في الانتخابات أيضاً فقال: الأصل أن يختار المسلمون أعضاء مجلس الإدارة، والأعضاء يختارون من بينهم رئيس المجلس، وكلما مضت فترة معينة جدد اختيار الأعضاء واختيار الرئيس، ولم يكن يوجد نظام في السابق، فكان عدد الأعضاء ما بين ستة وثمانية، وكانوا يختارون واحداً من بينهم بشروط مكتوبة، ولكن تلك الشروط قد لا توجد عملياً فيه، بل قد يصل إلى الرئاسة بالحيل.
والآن الأعضاء الذين هم اثنا عشر يختارون الرئيس باستمرار بدون أن يختار المسلمون الأعضاء، سواء كانوا هم الموجودين أو غيرهم.
والواقع أن المسلمين الآن يريدون أن ينتخبوا هم أعضاء المجلس وكذلك ينتخبون الرئيس مباشرة، وهؤلاء الذين يريدون ذلك هم الكثرة.
وقد قدم الأعضاء كلهم استقالتهم بما فيهم الرئيس، ولكنه ما زال يعمل باسم الرئيس، ويريد المسلمون أن يغيروا النظام الحالي إلى نظام يمكنهم من اختيار من يريدون من الأعضاء والرئيس.
وأحسن الحلول، هو تغيير النظام بطلب من جميع المسلمين.
فأصلحوا بينهما بالعدل:
وبهذه المناسبة، أذكِّر بأن بذرة الخلاف قد غرست في كوريا بين أعيان المسلمين في المركز، ولذلك فإني أرى أن تجتهد المؤسسات الإسلامية في اختيار مندوبين صالحين خبراء بالإدارة، ليحاولوا حل المشكلة والصلح بين المسلمين بما يحقق لهم المصلحة العامة، قبل أن يتفاقم الأمر.
والجهات التي اقترح عليها بعث المندوبين هي: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ورابطة العالم الإسلامي، و الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والندوة العالمية للشباب الإسلامي، ووزارة الأوقاف الكويتية.
فإن محاولة الحل ربما تجدي، فإذا تأخرت فقد لا تنفع والله المستعان.
وسيلة يجب أن تستغل:
سبق أن الأخ محب الحق ذكر أن مما نتفق فيه نحن والشعب الكوري: كرهنا جميعاً للشيوعية، وهذه الوسيلة صحيحة ويجب أن تستغل استغلالاً صحيحاً، وذلك بأن يفهم الشعب الكوري بأن الحرب ضد الشيوعية التي هي أعدى أعدائه لها جانبان:
الجانب الأول: جانب القوة المادية والعسكرية، وهذا في إمكانهم الحصول عليه بجهدهم ونشاطهم واستعانتهم ببعض الدول المعادية للشيوعية، كأمريكا التي تعتبر الآن حامية للشعب الكوري من الاعتداء الشيوعي بقواعد مهمة، وإن كان الهدف الأساسي من هذه الحماية هو حماية المصالح الأمريكية.
الجانب الثاني: الجانب العقدي الفكري، القادر فعلاً على هزيمة الفكر الشيوعي، وهو الأهم ويجب أن يفهمه الكوريون جيداً، لأنهم قد لا يلقون له بالاً، وهذا الجانب تفقده كوريا كما تفقده جميع الدول المعادية للشيوعية في المشارق والمغارب، ولا يوجد إلا في الإسلام، فهو وحده القادر على تحطيم شبهات الشيوعية والإلحاد الذي ينكر وجود الله والأديان كلها، وكذلك الشبهات الاقتصادية والأفكار المادية، فإذا ما عرف الكوريون ذلك وانتشر هذا المعنى بينهم بحجج واضحة، فإن كثيراً منهم سيقبلون على الإسلام ولو من أجل الاستطلاع في أول الأمر، فإذا اطلعوا عليه ببراهينه وعرفوا أصوله بأدلتها، فإن ذلك سيؤثر في كثير منهم بإذن الله.
التجول في بعض أسواق سيؤول:
الخميس: 24/11/1406هـ.
جاء إلينا الأخ الدكتور حامد صباح هذا اليوم وذهبنا نتجول في بعض أسواق سيؤول، فهذا آخر يوم لنا في هذه المدينة، وقد أزف الترحل لأن سفرنا غداً الجمعة.
وعدنا إلى الفندق في الساعة الحادية عشرة، حيث كنا على موعد مع السفارة السعودية لتناول طعام الغداء بدعوة من سعادة السفير السعودي.
وقد جاء إلينا الأخ محمد عبد العزيز داود بخاري ونقلنا من الفندق إلى السفارة، حيث تناولنا طعام الغداء مع أعضاء السفارة، واجتمعنا بسعادة السفير وأطلعناه على المناطق التي زرناها، ثم ودعناه، وشكرنا له ولأعضاء السفارة حسن كرمهم وضيافتهم، وعدنا إلى الفندق.
ولكنه لا بد أن يزور كل كوري!
كنا على موعد مع الدكتور حامد لتناول طعام العشاء في منزله، واتفقنا أن يأتينا مبكراً لنتجول في سوق مركزي قال إنه قرب داره فتجولنا في ذلك السوق، ثم ذهبنا إلى منزله، وعندما وقفنا أمام المصعد، قلت له: في أي طابق أنت؟ فقال: في الطابق الرابع. فنظرت إلى الأرقام فلم أجد رقم أربعة ووضع مكانه حرف (F) اللاتيني فقلت: لماذا وضعت الأرقام لجميع طوابق العمارة إلا الطابق الرابع فقد رمز له بحرف (F) وهو أول الحروف الإنجليزية للفظ أربعة (FOUR)؟ فقال الأخ حامد: إن رقم الأربعة الذي هو: سا (SA) عند الكوريين، معناه الموت، ولذلك يتشاءمون منه كلهم ولا يكتبونه ويرمزون بالحرف (F) بدلاً منه، قلت: ولكن الموت لا بد أن يزور كل كوري! قال: هذه طبيعة الجهل.
أول ترجمة لمعاني القرآن باللغة الكورية:
الإسلام في كوريا جديد، وكل ما يتعلق به هو أيضاً جديد في هذا الشعب.
ومن ذلك ترجمة معاني المصدر الأول للإسلام، وهو القرآن الكريم إلى اللغة الكورية، فإن أول ترجمة كورية للقرآن الكريم وجدت على ظهر الأرض، حسب علمنا، هي الترجمة التي قام بها أخونا في الله الدكتور حامد تشوي المسلم الكوري الذي درس اللغة العربية دراسة جيدة، وإن لم يستطع على إتقانها إتقاناً كاملاً، ونال درجة الدكتوراه بكتاب كتبه عن الدعوة الإسلامية في كوريا باللغة العربية، في جامعة عربية إسلامية هي جامعة أم درمان الإسلامية، ويجيد اللغة الإنجليزية أيضاً.
عندما دخلنا إلى منزل الأخ الدكتور، حامد سألته عن المدة التي قضاها في هذه الترجمة، ومتى انتهى منها؟
فقال: إن كنتم تريدون أن تسمعوا شيء عن هذه الترجمة وتطوراتها أخبرتكم. والأخ حامد خفيف الظل لا يكثر من الحديث عن نفسه. قلنا له: نعم نحب أن نسمع.
فقام وقال: تفضلا إلى الغرفة الأخرى فدخلنا معه، فإذا بطاقات صغيرة تملأ رفوفاً في تلك الغرفة، وهي مكتبة، وقال: إن الترجمة في هذه البطاقات، والسبب الذي جعلني الذي أترجم معاني القرآن أنني عندما كنت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، كانت الآيات القرآنية يصعب عليّ فهمها، فإذا رجعت من الفصل إلى غرفتي، كتبت الآية في بطاقة، وكتبت نص ترجمتها باللغة الإنجليزية، وآخذ أسأل عما أشكل عليّ كلَّ طالب أرى أنه جيد من العرب، من أجل معرفة معاني الآيات وحفظها.
فإذا فهمت النص القرآني بعد الاجتهاد في فهمه كتبت معناه باللغة الكورية، فيجتمع في البطاقة نص الآية، ونص الترجمة الإنجليزية والترجمة باللغة الكورية حسب فهمي.
وواصلت هذا العمل عندما رجعت إلى كوريا، ومكثت في هذا العمل عشر سنوات، وقد فرغت من هذا العمل قبل أسبوعين فقط من الآن، (كان التاريخ في هذا اليوم: 24/11/1406هـ الموافق 1/7 جولاي سنة 1986م.
قال الدكتور حامد: ثم طلبت من الشيخ عمر عبد الله كامل المشرف العام على هذه الترجمة، والذي أسس المركز الإسلامي بجدة تكوين لجنة لمراجعة الترجمة وتصحيح معانيها، وهو طلب من رئيس المركز أن يقترح على أعضاء الاتحاد الإسلامي في سيؤول تكوين لجنة من ستة أشخاص:
1-الشيخ عمر عبد الله كامل مشرفاً عاماً.
2-الدكتور حامد تشوي وهو المترجم.
3-الأستاذ أحمد عبد الفتاح سليمان، يقوم بشرح وتوضيح المعاني والأحكام العربية للمتَرْجَم، ومراجعة النص العربي، وهو مصري متخصص في القرآن من جامعة الأزهر، ويدرس في جامعة ميونجي منذ عشر سنوات.
4-أبو بكر كيم. رئيس مجلس إدارة الاتحاد، وهو يقوم بمراجعة النص الإنجليزي مع الترجمة الكورية، على أن تتضمن الترجمة الكورية كل المعاني التي تضمنها النص الإنجليزي.
5-الحاج إبراهيم جون. مدير المركز الثقافي الإسلامي في جدة، وهو يقوم بمراجعة النص الكوري المترجم بالنص الياباني المترجم، لأنه يعرف اللغة اليابانية.
6-الأستاذ تشوي سين هو. وهو يقوم بصياغة النص الكوري المترجم في صيغة أدبية تحفظ للمعاني القرآنية جلالها وجمالها.
إنكار ورد:
وقد أنكر الترجمة السيد جمال الدين عبد السلام الخازندار، وهو مصري، تخصصه إدارة بجامعة القاهرة، وهو الآن مدرس في قسم اللغة العربية بجامعة بوسان، وقال في إنكاره: إن الترجمة غير معتمدة، لما فيها من غموض وجفاف ورص في التركيب.
قال الدكتور حامد: وقد رددت عليه بأني نصصت في المقدمة في كل الأجزاء: أني أطلب من كل من يرى خطأ في الترجمة، أن ينبهني على ذلك، لأصحح خطئي.
قال: وأسلوبي في الترجمة: آتي بالنص القرآني، ثم بالنص الإنجليزي من ترجمة يوسف علي، ثم أتبع ذلك بالنص الكوري.
وقد راجعت اللجنة المذكورة قبلُ، الترجمة إلى آخر سورة هود وهذا القسم من الترجمة معد للطبع.
وقد وعد الشيخ عمر عبد الله كامل بطبعها بعد المراجعة.
وذكر الدكتور حامد أن الأستاذ جمال الدين قد اعتذر عما قاله في هذه الترجمة: أمام الدكتور محمد عبده يماني عندما زار كوريا.
لجنة الذبح والطبخ!
ذكرتني قصة إنكار الأستاذ جمال الدين عبد السلام الخازندار، بقصة حصلت من بعض طلبة الجامعة الإسلامية في بعض الرحلات، عندما كنت مسؤولاً عن شؤون الطلاب في إدارة شؤون الإشراف والتوجيه الاجتماعي قبل ما يزيد عن ثلاث عشرة سنة.
فقد كنا نقوم بالرحلات في تلك الأزمان على حساب المشتركين في الرحلة من الأساتذة والطلبة، كل واحد يسهم بشيء من المال، وكانت الجامعة تساعد بالسيارة وبعض الأدوات الموجودة، كالخيام والمواعين.
ولم يكن يرافقنا في هذه الرحلات لا أطباء ولا حراس ولا خدم، وإنما كنا نوزع الطلبة على لجان، كل لجنة تسمى بعملها الذي تقوم به، كلجنة الثقافة، ولجنة المشتريات، ولجنة الماء والحطب، ولجنة الذبح والطبخ، وكنا نتحرى لكل عمل الأعضاء الذين يجيدونه فنسنده إليهم.
وذات يوم أنكرت إحدى اللجان على لجنة الذبح والطبخ في تأخر الطعام عن موعده، وعدم إجادة إعداده، فأسندنا هذه المهمة في اليوم التالي إلى اللجنة التي أنكرت، وعندما جاء وقت الغداء كانت هذه اللجنة لا تزال في مرحلة الذبح والسلخ، واضطررنا أن نستعين باللجنة التي أنكروا عليها بالأمس، وبعد ذلك اجتمعت باللجنة التي المنكرة ونصحتها أن تدع ما لا تقدر عليه لأهله، وتسكت، عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت)) ومن حكم الشعر:
ولقد جرت العادة أن يبتلي الله العاملين بغيرهم ممن لم تصل هممهم إلى ما حققه العاملون، فلا يكون شغلهم الشاغل إلا الكلام في العاملين وانتقادهم بالحق والباطل، لأن من لم يزاول العمل قد يشعر بأنه إذا عمل عملاً فشل وافتضح أمره، وهو يرى الناس تعمل، وقد يصيبون وقد يخطئون، ولكن صوابهم أكثر من خطئهم، فيأكل داء إبليس "الحسد" قلبه، فلا يقدر على السكوت فيقع في أعراضهم ويقلل من أعمالهم مع أنه لا يوجد غيرهم وقد بذلوا جهودهم ولم يكلفهم الله إلا ما استطاعوا.
لهذا قلت للأخ الدكتور حامد تشوي: لا تبالِ بهذا، فقد جرت عادة من لا يعمل أن يمد لسانه إلى من يعمل، وأنت قد بذلت جهدك، وإذا كان بقي لك جهد فابذله، وما بقي فالله يثيبك على اجتهادك أجرين وعلى خطئك أجراً، وإذا كان لا يوجد كتاب إسلامي باللغة الكورية لا مؤلفاً ابتداء، ولا مترجماً، ولم يتصد لذلك أحد، وأنت قد بذلت جهدك فأنت رائد هذا الميدان، ومن رأى في عملك خللاً وهو كفء فعليه أن يسددك و إلا فليسكت.
وبعد أن كتبت ما مضى ذكر الأخ حامد من أن الأستاذ جمال الدين قد اعتذر أمام الدكتور محمد عبده يماني فحمدت الله على ذلك، لأني كنت أخشى أن يعرقل إنكاره طباعة الكتاب، واعتذاره يدل إن شاء الله أنه رجَّاع إلى الحق، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
وبهذه المناسبة فإني أحث الشيخ عمر عبد الله كامل أن يسرع في طبع ما تمت ترجمته من هذا الكتاب فخير البر عاجله، والضرورة تدعو إلى وجود كتب إسلامية مؤلفة أو مترجمة باللغة الكورية، ليطلع المسلمون وغيرهم من الشعب الكوري على معاني الإسلام، فلعل الله ينفعهم به بالدخول فيه.
ألسنا أولى بهذا؟!
بعد أن تناولنا طعام العشاء وسجلنا هذه المعلومات في منزل الدكتور حامد تشوي، خرجنا إلى الشارع لنستأجر سيارة توصلنا إلى الفندق فوقفنا في الطريق فترة وقد قلَّت سيارات الأجرة وغيرها، وكانت إذا مرت سيارة، إما أن يكون فيها راكب، وإما أن تكون فارغة فلا تقف، مع قلتها فقلت للأخ حامد: لماذا لا يقف السائق الذي لا يوجد راكب معه؟ ولماذا قلَّت السيارات؟ وكانت الساعة العاشرة إلا ربعاً مساء؟ فقال: إن الكوريين ينامون قبل الساعة العاشرة مساء، ولذلك لا يقف صاحب السيارة، لأنه يريد العودة إلى منزله لينام، وهو يعتبر نفسه متأخراً، وسيقوم في الصباح مبكراً ليباشر عمله.
قلت: هذه هي السنة في الإسلام: ينام المسلم مبكراً ويقوم مبكراً، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينهى عن النوم قبل صلاة العشاء، وينهي عن الحديث بعدها، وكان ينام مبكراً إلا إذا اقتضى أمر مصالح الأمة أو مصالح أهله أن يتأخر قليلاً، ألسنا نحن المسلمين أولى بهذا من غيرنا؟.
لقد ترك أغلب المسلمين الآن هذه السنة، فتراهم يسهرون أغلب الليل، وينامون أغلب النهار، ويتركون أعمالهم الواجبة عليهم لربهم أو لمجتمعهم، وترى منازلهم في الليل كالأسواق من شدة الصخب، وفي النهار مثل القبور القديمة.
وزاد هذه المأساة أجهزة الإعلام التي تغريهم بالسهر إلى وقت متأخر من الليل.
ولهذا رأينا الشعوب التي تحافظ على أوقاتها بنظام مستمر، تنام في وقت النوم وتصحو وقت العمل ولا تتأخر عنه، قد جنت ثمار عملها المادي في الدنيا، وسيطرت على العالم الإسلامي الذي نام أغلبه عن الدنيا والدين معاً.
طَرِب وأخافني!
ثم وقف لنا أحد السائقين وركبت بجانبه وركب صاحبي في الخلف، وقال له الدكتور حامد: حياة هوتيل، فتحرك بنا ونظر إلي وأنا لابس ثوبي العربي، وقال: السلام عليكم شعوديه أريبيه؟ قلت: نعم، هل كنت هناك؟ قال: رياده، أي الرياض، قلت: تمام. قال: يا الله يا الله. فقلت أنا: يا الله يا الله.
ففرح فرحاً شديداً وانتشى وأخذ يقهقه قهقهةً مرتفعة، وكاد يصطدم بسيارة أمامه، فقلت له باللغة العربية الفصحى: عسى أن لا يكون في عقلك شيء، فزاد في الضحك وهو لم يفهم ما قلت، فقلت لصاحبي: لعل في عقل الرجل شيء، وخفت من كثرة ضحكه وسرعة قيادته، ولكن صاحبي أحسن به الظن فقال: يبدو أنه مسرور وهو يتكلم بعض الكلمات العربية وأنت ترددها معه، قلت: لا بأس، اللهم سلم، وعندما نزلنا بباب الفندق ودعنا بحرارة وقال بصوت مرتفع: السلام عليكم، قلت: لقد طرب الرجل وأخافني، والحمد لله على السلامة.
آمال تحتاج إلى أعمال:
الجمعة: 25/11/1406هـ
إن دخول الإسلام إلى الشعب الكوري جديد، وإذا كان أول من أسلم من الكوريين - حسب ما ذكر لنا الإخوة هو الحاج عمر كيم، وكان في كوريا في زمن الحرب بين الكوريتين، والتقى فيها بالقادة الأتراك واستفاد منهم، وكان ذلك في حوالي 1953م، فإن عمر الإسلام في كوريا يكون 33سنة تقريباً. وهذا الزمن إذا ما قيس بعمر الإسلام في بعض البلدان، كاليابان، بدا متأخراً فإن أول حاج ياباني قام بأداء فريضة الحج هو الحاج عمر ياماوكا في السنة 1909م، ويقال: إن أول مسلم ياباني هو شوتارونودا في عام 1889م، أي إن الإسلام دخل اليابان في أواخر القرن التاسع عشر، ودخل كوريا في أواسط القرن العشرين، ومعنى ذلك أن الإسلام دخل اليابان قبل دخوله إلى كوريا بنحو نصف قرن، وفي الفترة التي دخل الإسلام فيها كوريا تأسست جمعية مسلمي اليابان سنة 1953م، والجمعيات لا تؤسس إلا بعد أن يتجمع أفرادها.
ومع ذلك فإن الإحصاءات تدل أن عدد مسلمي اليابان الآن خمسة وعشرون ألف نسمة، وعدد مسلمي كوريا - كما قال رئيس الاتحاد الحالي أبوبكر كيم - واحد وثلاثون ألفا ومائتان وثلاثة وثمانون مسلماً، ولا يزال عدد الكوريين الذين يدخلون في الإسلام يزداد كل شهر، إن لم نقل كل يوم.
وهذا يبشر بخير للإسلام في كوريا، وبخاصة أن الذين يدخلون في الإسلام كثير منهم من شباب المدارس والجامعات، هذا بصرف النظر عن قوة إيمان الداخلين في الإسلام أو ضعفه، وهذا ما يجعل بعض الدعاة يُسرُّون كثيراً، وقد تغلبهم عواطفهم، فيبالغون في عدد المسلمين، وفي سرعة الاستجابة للدخول في الإسلام.
وعلى كل حال، فهذا أمل من الآمال التي نرجو أن يحققها الله في هذا الشعب ويحقق ما يصبو إليه دعاة الإسلام، وهو يحتاج إلى مزيد من العمل وبذل الجهد من المسلمين الكوريين الذين فهموا الإسلام، ومن غيرهم في المؤسسات الإسلامية في الخارج، فإن الآمال لا تتحقق بدون أعمال.
وإذا كانت الأديان الموجودة في كوريا هي المسيحية والبوذية والكنفوشيسية، والإسلام، والمسلمون أقل عدداً بكثير من غيرهم فإن الكثير من البوذيين لا يتمسكون بدينهم، بل هم لا دينيون، وهكذا الكونفوشيسيون وكثير من الناس لا ينتسب إلى دين، وكلهم يُطمع في إسلامهم إذا بلغهم دين الإسلام على حقيقته، فإنه دين الفطرة ودين الحياة السعيدة، وهذا أمل آخر من الآمال التي نرجو أن تحقق انتشار الإسلام في كوريا.
ومن أهم تلك الآمال، كما سبق، أن الشعب الكوري يبغض الشيوعية بغضاً شديداً، بل ويخاف من وجودها خوفاً شديداً، وهو يشعر بقدرته على محاربتها بالرجال المبغضين لها والعتاد، والاستعانة بالحلفاء الغربيين ضدها، وضد حلفائها من الشيوعيين، ولكنه عاجز عجزاً كاملاً عن محاربة الشيوعية بالمعتقد والفكر، وكل الأديان الموجودة فيه غير قادرة أن تمده بسلاح فكري عقدي يحارب به الشيوعية ويدحرها، ما عدا الإسلام، فإنه الدين الوحيد الذي لديه من القوة الإيمانية والفكرية والنظم الاجتماعية والسياسية وغيرها ما يدحض به أي مبدأ آخر من المبادئ الأرضية، وإذا عرف الشعب الكوري هذا الأمر، فإن دخول كثير من أهله في هذا الدين أمل متوقع.
اقتراحات عامة:
تلك هي الآمال، وما كانت الآمال أن تتحقق يوماً من الأيام إلا ببذل الجهود والأعمال وحشد الطاقات للوصول إليها، فالله قادر أن يجعل كل الناس يؤمنون به ويدينون بدينه، بدون أن يتعب رسله وأن يؤذى أولياؤه، ولكنه تعالى أمر رسله بالبلاغ المبين والجهاد في سبيله والصبر على أذى أعدائه، وكان آخرهم وخاتمهم هو محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه، الذي دعا إلى الله وأوذي في سبيله وأخرج من دياره، وهاجمه المشركون هو وأصحابه في عقر ديارهم، وأوذي في نفسه وأهله فما توانى حتى بلغ دعوة ربه وأكمل الله له دينه.
ولهذا، فإذا كانت هناك آمال، فإن هاهنا اقتراحات عامة، لنجمع بين الأمل والسبب الموصل إليه من الأعمال.
الاقتراح الأول: الإكثار من المنح الدراسية لأبناء كوريا المسلمين في الجامعات الإسلامية في المملكة العربية السعودية وغيرها، لأن تعلم الطالب الدين الإسلامي واللغة العربية، وتربيته تربية إسلامية في بيئة إسلامية، كل ذلك يجعله يعود عاملاً بالإسلام داعياً إليه بلغة قومه بالوسائل المتاحة له.
الاقتراح الثاني: حصر الأشخاص الذين يجيدون اللغة العربية من طلبة العلم الكوريين وغيرهم، واختيار بعض الكتب الضرورية في العقيدة والأخلاق والمعاملات وإسنادها إليهم للقيام بترجمتها، ويفرغ هؤلاء لهذا الغرض، مع إعطائهم كفايتهم من المال، حتى ينتهوا مما أسند إليهم وطبع ما يترجمون بعد الاطمئنان على سلامته، لأن الشعب الكوري المثقف القارئ سيستفيد مما يترجم عن الإسلام، والكتاب ينتشر ويثبت ويفيد أكثر من مجرد الوعظ، وإن كان هذا لا بد منه.
الاقتراح الثالث: توظيف كل طالب كوري يتخرج في الجامعات الإسلامية للقيام بالدعوة في بلاده، بحيث تتعاقد معه المؤسسات الإسلامية في المملكة العربية السعودية والكويت وقطر ومصر وغيرها، ليتفرغ للدعوة وتدريس اللغة العربية في المراكز الإسلامية والمساجد، وأقسام اللغة العربية في الجامعات الكورية، لأن تفرغه لذلك سيمكنه من الاتصال بالناس وزيارتهم والتجوال في مدن وقرى كوريا، لأداء مهمته بلغة قومه.
الاقتراح الرابع: اختيار بعض العلماء الفضلاء من كبار السن المجربين الأكفاء، وانتدابهم للمركز الإسلامية في سيؤول وفروعه، وتكون مهمتهم القيام بتدريس اللغة العربية والدين الإسلامي، تدريساً منظماً مبنياً على منهج علمي في كتب معينة يدرسها المسلمون الكوريون، وبخاصة الطلبة الذين يحملون الشهادات الجامعية من الجامعات الإسلامية في خارج كوريا، لتنمية معلوماتهم وتقويتها، وكذلك الطلبة الذين يدرسون في الأقسام العربية في جامعات كوريا من المسلمين وغيرهم، لنشر اللغة العربية والدين الإسلامي، وسيقوم هؤلاء الكوريون المسلمون الذين يدرسون على هؤلاء المشايخ بالدعوة إلى الله بين قومهم بلغتهم على علم وبصيرة.
الاقتراح الخامس: قيام المؤسسات الإسلامية، كالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ورابطة العالم الإسلامي، والرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، بدورات متكررة خلال العام، للأئمة والمدرسين والطلبة الدارسين باللغة العربية، وتعد لتلك الدورات مناهج مناسبة للمشتركين والزمن المقرر، ويتولى الإشراف على هذه الدورات أساتذة جامعيون مؤهلون، ويشترك في ذلك المؤهلون من الكوريين.
الاقتراح السادس: قيام المسلمين الكوريين، بإنشاء مدرسة كاملة بعد التفاوض مع الحكومة الكورية، لتسمح لهم بذلك، كما جرت العادة به في أمريكا وبريطانيا وأستراليا وألمانيا وغيرها، وتبدأ هذه المدرسة بالروضة وتنتهي بالكلية، جامعة بين منهج اللغة العربية والدين الإسلامي، والمنهج الكوري.
الاقتراح السابع: تشاور المؤسسات الإسلامية المعنية بالعمل الإسلامي في كوريا، لوضع خطة للإبقاء على وحدة المسلمين في كوريا، ومحاولة القضاء على أسباب الخلاف المعوقة للعمل الإسلامي في هذا الشعب، وعلى المسلمين الكوريين الذين يحبون الإسلام وانتشاره في بلادهم، أن يوحدوا صفوفهم وينفوا كل خبث، فإن تصفية الصفوف من عناصر الفساد ووحدتها، كفيلة بإذن الله بقوة الإسلام والمسلمين في هذا البلد.
الاقتراح الثامن: يخص اليابان: وهو أن تجتهد رابطة العالم الإسلامي التي تشرف على المساجد في العالم، في بناء جامع طوكيو الذي هدم بسبب قدمه، وأرضه موجودة، وقد تبرع الملك خالد رحمه الله بمبلغ من المال لبنائه، والظاهر أنه لا زال مرصوداً له، ولم يتم بناؤه بسبب موقف الحكومة التركية المانع من تسليم أرضه للمسلمين، ويمكن أن ينتدب وفد من علماء المملكة، ومن المسلمين في اليابان، للتفاوض مع الحكومة التركية لإقناعها بتسليم الأرض وبنائها، وإذا فرضنا استمرارها في المنع، فإن الرابطة وبعض المؤسسات الإسلامية تستطيع أن تتفاهم مع المسؤولين في اليابان لمنح المسلمين قطعة أرض لجامع وتخصيص ميزانية لبنائه، فإن بقاء طوكيو بدون مسجد جامع خسارة كبيرة، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل. كتبت هذه المقترحات وتلك الآمال قبل صلاة الجمعة في الفندق.
تنبيه تم بناء الجامع في مكانه والحمد لله:
هذا وقد ذكر الدكتور صالح السامرائي في مقال له عن الإسلام في اليابان أن المسجد قد أعيد بناؤه، فقد قال:
"ولا ننسى الجهود التي قام بها المركز الإسلامي بالتعاون مع الكثير من المسلمين داخل اليابان وخارجها لإعادة بناء مسجد طوكيو المركزي الذي بني عام 1938م وهدم عام 1986م, فالكل تعانوا مع إدارة الشؤون الدينية التركية حيث شارك الجانبان في إعادة بناء المسجد وتم الانتهاء من بناءه وافتتح رسمياً في 30 يونيو 2000م.
ثم ذهبنا إلى الجامع في مدينة سيؤول لأداء صلاة الجمعة وقد خطب خطبة الجمعة الدكتور عبد الوهاب زاهد باللغة العربية، وترجمها الأستاذ قمر الدين إلى الكورية.
وقد تضمنت الخطبة: الحث على الإخلاص لله في الإيمان والعمل، ودعوة المسلمين الذين وفدوا إلى كوريا من الخارج على التمسك بالإسلام ليكونوا قدوة حسنة للكوريين، ثم لخص بعد ذلك الخطبة باللغة الإنجليزية، بدأت الصلاة في الساعة الواحدة، وانتهت في الساعة الثانية.
العودة إلى مهبط الوحي:
ثم ودعنا الإخوة وذهبنا في سيارة السفارة السعودية إلى مطار سيؤول الدولي، وكان معنا الدكتور حامد تشوي، وتجولنا في أسواق المطار حتى اقترب موعد دخول قاعة المسافرين، فودعنا الأخ الدكتور حامد، آخر مسلم كوري نراه قبل سفرنا من كوريا في هذا اليوم، وأوصيناه بتقوى الله والجد في الدعوة والصبر على ما قد يصيبه من أذى، ودخلنا إلى القاعة، ثم صعدنا إلى الطائرة السعودية "بوينغ 747" التي أقلعت بنا من مطار سيؤول في الساعة الثانية عشرة والربع ظهراً بتوقيت المملكة، الموافق للساعة السادسة والربع مساء بتوقيت كوريا، بعد أن قرئ بها دعاء السفر، كما جرت العادة به في الطائرات السعودية، وبدعاء السفر ودعنا البلد الذي نرجو الله أن يهيئ فيه الفرص لنشر الإسلام وإعزاز أهله.
وسافرنا في ليل طويل، لأن الطائرة كانت تتبع الشمس غرباً، والليل يدخل في كوريا في الساعة الثامنة أي الساعة الثانية ظهراً بتوقيت المملكة، ويطلع الفجر في المملكة في الساعة الخامسة أي في الساعة الحادية عشر صباحاً بتوقيت كوريا. فكان طول ليلتنا هذه خمس عشرة ساعة. وهبطت بنا الطائرة في مطار الملك خالد الدولي بالرياض في الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة والثلاثين مساء، فكانت مدة الطيران من سيؤول إلى الرياض عشر ساعات وعشرين دقيقة. وأقلعت من الرياض إلى جدة في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وهبطت في مطار الملك عبد العزيز الدولي في الساعة الثانية والربع، وبذلك تصير مدة الطيران الفعلي من سيؤول إلى جدة إحدى عشرة ساعة وخمساً وثلاثين دقيقة.
وبهبوط الطائرة في جدة تمت هذه الرحلة التي نرجو الله أن تكون لها آثار طيبة، تعود على الإسلام والمسلمين في البلدان التي زرناها بالخير والبركة.
وسبحانك اللهم وبحمدك لا اله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
تم تبييض هذا الجزء من المشارق والمغارب في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكان الفراغ من ذلك في الساعة السادسة والنصف من صباح يوم الأربعاء الموافق للخامس عشر من شهر ذي الحجة سنة 1406هـ. وبالله التوفيق.
ثم نسقت الكتاب في الكمبيوتر، وفرغت منه في الساعة: الثامنة من صباح يوم الاثنين الرابع عشر من شهر صفر، عام: 1419هـ.
وتمت مراجعته الأخير في 13/1/1426هـ ـ 12/2 /2006م
في منزلي بالمدينة المنورة
والحمد لله رب العالمين
سلسلة في المشارق والمغارب
رحلات هونغ كونغ
الدكتور
عبد الله بن أحمد قادري الأهدل
الطبعة الأولى
1427هـ ـ 2006م