6- في مدينة كوانجو
6- في مدينة كوانجو
توقفنا عن الشرب خشية أن نقفز من النوافذ!
وصلنا إلى مدينة كوانجو في الساعة الخامسة والنصف، وبدأ الإخوة يستعرضون الفنادق من الخارج، ويستشيروننا أيها نفضل؟ فقلنا لهم: اختاروا ما ترون، فنحن لا نعرف الفنادق الشعبية، ولا يمكن أن يعرف الفندق أنه جيد من النظر إليه من الخارج.
فاختاروا واحداً منها وولج كل منا إلى غرفته، وجاء إلينا موظفو الفندق بزجاجة التحية للقادم الجديد، فتوقفنا عن شربها، كما قال باكريم، خشية أن تجعلنا نقفز من النوافذ، حتى جاء الأخ عبد الوهاب وطمأننا أنها ليست من الشراب الذي يوقع العداوة والبغضاء بين الناس، وإنما هو من نوع المشروبات المباحة.
تصنيف المسلمين الكوريين:
لقد بدا لي أن المسلمين في كوريا ثلاثة أصنف:
الصنف الأول: عنده علم بالإسلام جيد، ويحاول تبليغ الدين إلى الناس بالوسائل المتاحة لهم.
الصنف الثاني: لا علم عنده، ولكن عنده استعداد لقبول هُدَى الله، إذا بلغه وسلم من أعاير الأفكار المتصارعة والخلافات الممزقة.
الصنف الثالث: ليس عندهم علم بالإسلام، ويحاول أن يتصنع العلم، ويريد أن يمتطي ظهور المسلمين باسم الدعوة، ليكسب من وراء ذلك رزقاً مادياً.
ما ينبغي أن تقوم به المؤسسات الإسلامية في كوريا:
وأرى أن على الجهات المعنية بالدعوة الإسلامية في كوريا أن تجتهد في القيام بالأمور الآتية في الوقت الحاضر:
الأمر الأول: الإكثار من المنح الدراسية للطلبة الكوريين، ويؤخذون من أنحاء كوريا دون الاقتصار على جهة معينة، وأن يُختاروا بالمقابلة، ولا تقبل التزكية إلا من أشخاص عرفوا بالاستقامة وحب الخير للجميع، وهذا الأمر يعود إلى الجامعات في المملكة العربية السعودية وفي غيرها من بلدان المسلمين.
الأمر الثاني: أن يتعاقد مع كل من تخرج من طلبة كوريا من الجامعات، إذا علم أن عندهم علماً يتمكنون به من تبليغ قومهم الدعوة إلى الله، ليتفرغوا للدعوة في بلادهم، لأنهم أقدر من غيرهم على مخاطبة قومهم بلغتهم، وهذا الأمر يقع على عاتق الجهات المسؤولة عن ابتعاث الدعاة، كالرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد [حلت محلها في الدعوة والإرشاد وزارة الشؤون الإسلامية...] ورابطة العالم الإسلامي، ووزارة الأوقاف الكويتية، والأزهر وغيرها.
الأمر الثالث: - وهو قريب من الثاني- أن يبحث عن بعض العلماء الصالحين ممن يرغبون في الدعوة في كوريا من خارجها، ليقوموا بتعليم الطبقة المثقفة من المسلمين اللغة العربية ومبادئ الدين الإسلامي، فإن الدعاة إلى الله من الكوريين في حاجة إلى مشايخ من العرب يتفرغون لتعليمهم تعليماً منظماً في كتب تفقههم في دين الله.
الأمر الرابع: السعي في إيجاد مدرسة كاملة للمسلمين في مدينة سيؤول أولاً، وفي أي مدينة يكثر فيها المسلمون ثانياً، وأقصد بالكمال أن تشمل مناهجها قسمين:
القسم الأول: منهج الدين الإسلامي واللغة العربية، بحيث يكون محققاً لما يجب أن يعلمه المسلمون عن دينهم، ويؤهلهم لتبليغ الإسلام إلى غير المسلمين.
القسم الثاني: منهج المدارس الكورية الرسمي، بحيث يستطيع الطالب أن يواصل دراسته في الجامعات الكورية.
وأرى أن تبدأ هذه المدرسة بالتدريج من الروضة إلى الكلية، وهذا الأمر من واجب الكوريين أن يسعوا إلى الحصول عليه من الناحية القانونية من قبل حكومتهم، وما إخالها ترفض ذلك، إذا قدمت لها المسوغات، واطمأنت على انتفاء ما قد يخيفها من الإسلام بسبب التشويه المتعمد له من قبل أجهزة الإعلام الغربية، وعلى المسؤولين في المؤسسات الإسلامية في المملكة العربية السعودية وغيرها، أن يساعدوا في تأسيس هذه المدرسة بناء ومناهج وكتباً ومدرسين وغير ذلك.
الأمر الخامس: إقامة مخيمات ومعسكرات للمسلمين في كوريا، ويوضع لهم منهج منظم يعلمون فيه الإسلام نظرياً وعملياً، ويقوى في نفوسهم الإيمان.
ولعل الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وهي تساعدهم لهذا الغرض بخمسة آلاف دولار سنوياً كما سمعنا، أن توسع هذه الدائرة وتتصل ببعض العلماء وتتعاون معهم في وضع منهج لهذا الغرض وتواصل الإشراف المباشر على هذه المعسكرات المفيدة.
الأمر السادس: السعي الجاد في ترجمة بعض الكتب الإسلامية، إلى اللغة الكورية وطبعها في داخل كوريا وتوزيعها، فإن اللغة الكورية فقيرة في هذا الباب، وسيأتي الكلام على ترجمة معاني القرآن باللغة الكورية.
متى بدأ دخول الإسلام في مدينة كوانجو؟
وقال لنا بعض الإخوة: إن الإسلام بدأ في هذه المدينة في أول سنة 1985م عندما توفيت جدة الأخ سلمان لي، وجاء معه بعض الدعاة للتعزية، وألقيت محاضرات وحصلت محادثات، أسلم بعدها خمسة أو ستة أشخاص، وأخذ الدعاة يترددون عليهم، فأسلم خلال السنة نفسها ثلاثون شخصاً.
وأُلقيت محاضرة في جامعة: تْشُوسْنْ، عن طريق مدرس اللغة العربية أحمد هوانج بعنوان: ما هو الإسلام؟ وأسلم بعدها واحد وعشرون طالباً، والذي ألقى تلك المحاضرة عبد الوهاب زاهد وعقب عليها الشيخ قمر الدين.
وعدد سكان كوانجو هذه مليون نسمة تقريباً، وهي رابع مدينة في كوريا من حيث عدد السكان.
ويحد كوريا من الشرق بحر اليابان، ومن الغرب بحر الصين، ومن الشمال كوريا الشمالية، ومن الجنوب المحيط الهادي.
مع الأخ سعد نوح:
والأخ الذي يشرف على العمل في هذه المدينة هو: سعد نوح بيونغ ته.
(SAAD NOH BYUNJ TAE).
ولد سنة 1931م في نفس هذه المدينة.
عنده ثانوية زراعية، وهو تاجر ولا يوجد مركز له، يقوم هو بزيارة المسلمين في منازلهم، والمركز ضروري ليفد إليه من يريد التعرف على الإسلام ويجتمع به المسلمون لإقامة شعائر دينهم، وهو الآن يجمع المسلمين في منزله، وزوجته مسلمة وكذلك أولاده الثلاثة وعُمْر أكبرهم ثلاث وعشرون سنة.
وعدد المسلمين من الطلاب وغيرهم خمسة وستون، أسلموا كلهم خلال سنة 1985م وهذه سنة 1986م.
جاء بعض جماعة التبليغ هنا قبل رمضان، ومكثوا في منزله عشرة أيام وعددهم خمسة، ودعا لهم المسلمين وعلموهم.
وقال الأخ سعد: إنه لا زال يدعو إلى الإسلام، وقد أسلم اليوم على يديه اثنان من غير الطلاب، ويأتي الإخوة الدعاة إليهم من سيؤول مرة كل شهر في المدة الأخيرة ويتمنى الأخ سعد أن يُدعَى لأداء فريضة الحج.
وتشتهر كوانجو بالزراعة، و بها ثلاث جامعات.
السفر إلى مدينة أولسان:
الاثنين: 21/11/1406هـ.
حاسبنا الفندق الشعبي، وذهبنا لأخذ تذاكر السفر في الحافلة إلى مدينة "أولسان" نحن والأخ قمر الدين، أما الأخوان: عبد الوهاب وسليمان لي فقد ذهبا في سيارتهما الصغيرة، وقد رأى الإخوة أن نركب في الحافلة لأنها مكيفة، واتضح أن الحافلة لا تنطلق إلى مدينة أولسان إلا بعد الساعة الحادية عشرة.
أنا على مذهب الإمام الشافعي!
لذلك اتجهنا إلى أحد المطاعم الشعبية، وعندما دخلنا كان في استقبالنا "جرو" كلب صغير، كان يشم بأنفه في الأرض ثم يرفع رأسه فينظر إلينا ويحرك ذيله ويقفز هنا وهناك على الكراسي، ومرة يقفز في حضن بعض موظفي المطعم الذين كانوا يتناولون طعام الإفطار.
فخشيت من أن يقترب مني ويقفز عليّ، فقلت للأخ قمر الدين: إنني على مذهب الإمام الشافعي، أقول بنجاسة الكلب، وقد أطلق ذلك عليّ فضيلة الشيخ عمر محمد فلاتة [رحمه الله] في أستراليا، عندما اقترب مني كلب ضخم كان يمشي وراء صاحبته الأسترالية، فنهرته فقفز قفزة كادت يداه تصل إلى رأسي، فقال الشيخ ـ مخاطباً الكلب ـ عليك به فإنه شافعي يقول بنجاستك، أما أنا فمالكي.
وقلت للأخ قمر الدين: أخبر أهل الكلب بذلك، فإن اقترب مني دسته برجلي حتى يموت، وسأستعين الله على غسلها سبعاً، إذا وقع بها بلل منه، فليس هو كالكلب الأسترالي الكبير، فضحك الأستاذ قمر الدين ولم يحرك ساكناً، وبقيت أنا متحفزاً خوفاً من اقتراب الجرو مني.
نصيبي اليوم أقشر!
غازل الصداع رأس الأخ محمد باكريم، وقُدِّم له طعام الإفطار في المطعم فلم يعجبه، وكان الجرو يحوم حوله، وجاء ملمع الأحذية فأخذ أحذيتنا من أرجلنا بدون استئذان، وزاد أن الصق بعقب حذاء باكريم جلدة وطلب منه مبلغاً كبيراً، وطلبنا نحن آيس كريم فجاءوا لنا بكوبين كبيرين، وطلب هو الشاي فجاءوا له بكأس صغير جداً، فتذكر هذه الأمور كلها وقال: نصيبي اليوم أقشر [القشر – بكسر القاف - الغشاء، والملبوس، والأقشر ما انقشر لحاؤه أي غطاؤه، والقاشور من الأعوام: المشؤوم، وحية قشراء: سالخ. والمقصود: الشؤم. فهو يقول: إن نصيبه اليوم هو الشؤم]. فقلت له: لا تتشاءم بالزمن فإن اليوم جزء من الدهر الذي يقلبه الله تعالى كيف شاء.!
وتذاكرنا مع الأخ قمر الدين شؤون العمل الإسلامي في كوريا وعلمنا المزيد من أسباب الخلاف في المركز الإسلامي في سيؤول. وتحركت الحافلة من كوانجو إلى أولسان في الساعة الحادية عشرة والثلث، وقد لاحظنا قلة تدخين الكوريين في الحافلات.