8 ـ في مدينة كوبي
8 ـ في مدينة كوبي
وصلنا إلى محطة القطار في مدينة كوبي، في الساعة الواحدة وعشر دقائق ظهراً، فكانت مدة السير من مدينة هيروشيما إلى مدينة كوبي ساعتين وعشرين دقيقة.
في مسجد كوبي:

في الساعة الواحدة والثلث كنا في مسجد كوبي، التقينا فيه الأخ الباكستاني محمد أحسن ضياء الذي جاء إلى اليابان قبل عشر سنوات، وهو يعمل في التجارة: استيراداً وتصديراً إلى باكستان، وهو من مدينة فيصل أباد، وله في مدينة كوبي هو وأهله ست سنوات، وكان في طوكيو أربع سنوات، وعمره ثلاث وثلاثون سنة وعنده أربعة أولاد.
صلينا الظهر والعصر في هذا المسجد، وهو فيما يبدو يتسع لما لا يقل عن اثني عشر صفاً، كل صف يتسع لأكثر من عشرين شخصاً، وبذلك يتسع لـ(240 مصلياً) ويوجد طابق ثان، مؤخرته خاصة بالنساء.
معلومات عن أول مسجد بني في اليابان، وعن المسلمين:
أخذنا المعلومات عن المسجد من الحاج مصطفى كمورا؛ لأنه أعرف الناس به، وبالعمل الإسلامي في اليابان بصفة عامة. (ترجم بيننا محمد أحسن الباكستاني).
أنشئ هذا المسجد في سنة 1935م، وكان قد وجد هنا قبل ستين سنة مسلمون من الهند، وبعضهم من الجنسية البريطانية، وعددهم تسعون، وكلهم من أصل هندي ثم جاء بعض الأتراك وعددهم مائة وثلاثون شخصاً تقريباً، وكان أكثر الهنود تجاراً، وعندما زاد عدد المسلمين فكروا في مقر يقيمون فيه شعائر دينهم، فعزموا على إنشاء مسجد، وفي سنة 1934م بدأوا ينظمون أنفسهم لإقامة المسجد، فكان هذا المسجد الذي نحن فيه الآن.
والذي نظم شؤون المسلمين وأدارها هو الأخ فيروز الدين الباكستاني ـ ولا زال أولاد هذا الرجل موجودين في الهند والباكستان ـ كما قال الأخ محمد أحسن المترجم.
وكانت قيمة أرض المسجد كلها، التي أقيم عليها المسجد والتي تحيط به واحداً وعشرين ألف ين ياباني (الأرض الفارغة في مؤخرة المسجد تؤجر مواقف للسيارات لمصلحة المسجد، وتتبعه مرافق غرف ودورات مياه وأماكن وضوء).
بدأ تعمير المسجد على شكل يشابه تاج محل في الهند، والقنديل الوحيد المعلق في وسطه من تركيا، ركب عندما أنشئ المسجد.
وعندما افتتح المسجد حضر بعض المصريين وبعض المسلمين من الصين وإندونيسيا، ومن كثير من البلدان الإسلامية، حفل افتتاحه.
وأعلن للناس في طوكيو عن ذلك، وهذا هو أول مسجد يبنى في اليابان، وقبله بأربع سنوات كان الأتراك قد بنوا محلاً صغيراً للاجتماع وللصلاة في مدينة ناجويا، بين مدينة كوبي وطوكيو، وكان أحمد أريجا يسكن في كوبي ويعمل في التجارة.
وفي خلال الحرب العالمية الثانية هدمت كل المباني حول هذا المسجد، ولكنه سلمه الله، ولما لم يكن للأتراك خلال الحرب مساكن سكنوا فيه سنتين. [كنت أتساءل عن مصير هذا المسجد عندما دمر زلزال خطير حدث في هذه المنطقة في فجر 16/8/1415هـ ـ الموافق 17/11/1995م وجاء جواب السؤال في جريدة: المسلمون عدد 521 في تاريخ 26/8/1415هـ ـ 27/11/1995م الصفحة الأخيرة بعنوان: وأيضاً مسجد ياباني يقف في وجه الزلزال]. للدكتور صالح السامرائي، ويتبع المسجد طابق أرضي أيضاً.

واشترى الأتراك الأرض المجاورة للمسجد، وبنوا فيها مدرسة دينية للأطفال.
وأكثر الأتراك رجعوا إلى تركيا، وذهب بعضهم إلى أمريكا، ولم تبق منهم هنا إلا أسرة واحدة، وكان أبوهم إماماً، وقد توفي بعد أن أم الناس في المسجد عشرين عاماً، واسمه حسين كلكي.
والهنود رجعوا إلى بلادهم، وبعضهم توفي هنا.
والمسلمون المقيمون في كوبي عشر أسر تقريباً.
واليابانيون المسلمون عشر أسر في كوبي وأوساكا وكويوتو وعدد سكان كوبي مليونا نسمة تقريباً.
وعدد الجامعات في كوبي عشر.
وفي طوكيو وحدها خمسمائة جامعة تقريباً.
ولعل عدد الجامعات في اليابان ألفا جامعة (2000).
وتشتهر كوبي بصناعة الحديد، كما تشتهر بصناعة السفن وصناعة الخمور، وماء الشرب في كوبي ممتاز، ولهذا تجد أغذية البلد هنا طيبة جداً، وهي أحسن من طوكيو.
وقال الأخ محمد أحسن: إن المسلمين المقيمين هنا يواظبون على صلاة الجمعة، وقد يأتي من ليس بمقيم إلى صلاة الجمعة، ويبلغ عددهم ثلاثين في بعض الأوقات ويجتمعون لصلاة التراويح ويوم العيد، وفي عطلة الأسبوع يحضر بعضهم إلى المسجد.
ويقوم الأخ محمد أحسن بترتيب الذبح الحلال، يأخذ منه لأسرته ويترك الباقي في ثلاجة المسجد ليستفيد منه المسلمون بقيمته، ويقوم بالذبح هو في الغالب وقد يساعده صديق له في مسلخ يبعد عن البلد بخمسين كيلو متراً، وكثير من المسلمين لا يشترون منه، لأنهم لا يبالون بحلال أو حرام، وأكثر من يشتري منه هم الطلبة المسلمون الآتون من الخارج.
ويقوم الأخ محمد وبعض أصدقائه بزيارة الطلبة المسلمين في الجامعات والمراكز العلمية.
وقد كان جماعة التبليغ يأتون إلى اليابان قبل خمس وأربعين سنة، وواجهتهم مشكلة فهم اللغة وقلة المسلمين، وعدم اجتهاد اليابانيين في القيام بالدعوة، ولهذا قل حضور جماعة التبليغ إلى اليابان.
وجاءت جماعة منهم قبل ستة شهور من الباكستان إلى طوكيو، وحضروا إلى كوبي، ومعهم شاب ياباني جلس معهم أكثر من عشرين يوماً في طوكيو، ثم خرج معهم إلى مدينة كوبي قبل أن يسلم، وبعد أن جلس معهم في كوبي أسبوعاً دخل في الإسلام، وأخبرهم أنه تردد كثيراً في الدخول في الإسلام، ولكنه في آخر الأمر اقتنع بقلبه ودخل فيه، ورافقهم إلى خارج اليابان ولا يزال معهم.
وقال الأخ محمد أحسن: إنه اجتمع به معهم في هونغ كونغ، وهو مسرور جداً بمرافقتهم، ويوجد ياباني واحد مسلم في مدينة كوبي.
وقال الأخ محمد أحسن: إن خاله في مكة وأولاده في الرياض ومكة وجدة، تجار ولهم فندق إسلام أباد في مدينة إسلام أباد، واسم خاله عبد العزيز الراعي، كان محمد أحسن عنده في مكة لمدة سنة، ثم جاء إلى اليابان للتدرب على إصلاح الساعات مكث سنتين يتدرب، وفي خلال ستة شهور أجاد اللغة اليابانية تحدثاً دون كتابة، ولم يستطع إجادة الكتابة باليابانية إلى الآن، وهو يحاول تعلم اللغة الصينية، ويؤمل أن يجيدها بعد خمس سنوات ثم يذهب إلى الصين للتبليغ.
في المطعم الهندي:
ذهب بنا بعض الإخوة إلى بعض المطاعم الهندية في مدينة كوبي فوجدناها مقفلة، ثم ذهبوا بنا إلى مطعم هندي في جزيرة صنعها اليابانيون خلال ستة عشر عاماً، وقد فرغوا منها قبل ثلاث سنوات، وهي تقع في جنوب مدينة كوبي، قال الأخ محمد أحسن: أخذوا جبلاً وردموا به البحر، وتعتبر هذه الجزيرة الصناعية الثانية في العالم، وقد شيدت عليها مدينة ثانية في كوبي. والجزيرة الصناعية الأولى في هولندا.
التعليم في اليابان:
وقبل أن يقدم لنا الطعام أخذنا المعلومات الآتية عن نفقات التعليم في اليابان:
التعليم في اليابان إجباري في مرحلتي الابتدائي والإعدادي، وهو مجاني في هاتين المرحلتين، أما المرحلة الثانوية فما فوقها فليس إلزامياً، ويمكن لدارس المرحلة الإعدادية أن يلتحق بالعمل الحكومي أو الشركات، وإن كانت الحكومة تفضل الكلية والثانوية.
والذي يريد مواصلة دراسته في الثانوية أو الكلية لا بد أن يدفع رسوماً مقابل ذلك.
والرسوم التي تدفع مرتفعة جداً، تدفع في السنة مرة واحدة.
متوسط ما يدفع الطالب في السنة بالنسبة للكلية سبعمائة ألف ين تقريباً في الشركات، وفي الجامعات الحكومية يدفع الطالب أربعمائة ألف ين في السنة تقريباً.
ومع ذلك فإن الطالب الياباني في المرحلة المتوسطة والثانوية يتعلم في مدارس أخرى على حساب نفسه.
وكلية الطب قد تأخذ من الطالب في السنة الواحدة عشرة ملايين ين، وقد يدفع ليقبل في الجامعة مليون ين في بعض الأوقات كهدية لبعض الأساتذة، وهكذا بقية الكليات العلمية، كالهندسة، ولهذا تجد الطبيب يأخذ في العيادة مبالغ كثيرة عندما يعالج المرضى.
ثم قدم لنا الطعام الهندي: من الخبز والأرز والسمك واللبن الرايب والخضار والفلافل والسلطات وغيرها.
وقال الأخ محمد أحسن: أنه يسكن قريباً من المسجد من أجل الصلاة فيه والقرب من رواده، وهو صديق الأخ شفيق الباكستاني الذي يعمل مندوباً من الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في أستراليا.
وقد التقيت الأخ شفيق قبل ثمان سنوات في طوكيو بفندق كيوبلازا وهو ينوي السفر إلى أستراليا سنة 1398هـ. ثم اجتمعت به في أستراليا سنة: 1404هـ. [ويمكن الاطلاع على بعض المعلومات عنه في رحلة استراليا من هذه السلسة].
ومن أصدقاء الأخ محمد أحسن الأخ محب الحق عارف في كوريا ببوسان وقد التقينا به في مدينة سيول.
وفي الساعة الخامسة والنصف رجعنا إلى مسجد كوبي فوجدنا الأخ عبد العزيز التركستاني الذي جاء من طوكيو، لحضور مؤتمر صحفي في كوبي وليلتقي بنا، وتمت مناقشة خطة زيارتنا في الأيام القادمة وهل تدعو الحاجة إلى زيارة مدينة كويوتو ـ بلد الحاج مصطفى كمورا ـ أو لا؟ واتفق الإخوة: الحاج مصطفى كمورا والأخ خالد كيبا والأخ عبد العزيز التركستاني أن لا داعي لزيارة مدينة كويوتو، وأن نذهب إلى مدينة أوساكا استعدادا للسفر إلى كوريا ـ سيول.
وحاولنا مع الأخ خالد كيبا أن يعود إلى أهله فوافق بعد إلحاح، وودعناه شاكرين لعاطفته الأخوية الإسلامية وكرم ضيافته، وبخاصة بذل أوقات طويلة معنا، ودعونا الله له بالتوفيق نسأل الله أن يجزيه عنا خيراً.
وقال الأخ عبد العزيز التركستاني: إن مدينة كوبي تعتبر من أهم الموانئ اليابانية، وهي من المدن القليلة التي فتحت على العالم الخارجي في وقت مبكر، وبخاصة المملكة العربية السعودية، وقال: إن لليابانيين عادات متأصلة فيهم، ومن عاداتهم الوصول إلى مضمون: "لا" النافية دون التلفظ بها صراحة، ولديهم عدد من الكتب خاصة بذلك، ومنها كتاب ينص على ست عشرة صورة تؤدي إلى هذا المعنى.
ثم ذهبنا إلى فندق: أورينتل لنقضي هذه الليلة في مدينة كوبي: (ORIENTAL).
الثلاثاء: 15/11/1406هـ
في الساعة العاشرة إلا عشر دقائق تحركنا من فندق أورينتل إلى محطة القطار السريع، معنا الأخ الحاج مصطفى كمورا، والأخ عبد العزيز التركستاني.
وتحرك بنا القطار السريع من مدينة كوبي إلى مدينة أوساكا، في الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة.
قال الأخ عبد العزيز: إنه أُعلن أنه سينشأ في مدينة أوساكا مطار جديد، ووعد محافظ أوساكا بتخصيص مركز في هذا المطار للمعلومات الإسلامية، نقل هذا عن الحاج مصطفى كمورا، وقال: إن المسلمين إلى الآن لم يسارعوا للتفاهم حول هذا المركز، ومدينة أوساكا هي ثاني أكبر مدينة في اليابان.

وهي مدينة صناعية مشهورة، عدد سكانها أكثر من ستة ملايين نسمة، وعدد المسلمين اليابانيين فيها عشرون شخصاً تقريباً، أما الطلاب المسلمون الوافدون من الخارج فهم كثير.
وصلنا إلى محطة القطار في أوساكا في الساعة العاشرة والنصف، أي إن المدة التي قضاها القطار السريع بين كوبي و أوساكا خمس وعشرون دقيقة.
حجزنا غرفة في فندق (OSAKADIـICHE HITEL) وحجزنا في الخطوط اليابانية غداً الأربعاء، بدلاً من يوم الجمعة إلى مدينة سيؤولعاصمة كوريا الجنوبية.
المركز الإسلامي في أوساكا:
ذهبنا قبل أن ننزل في الفندق مع الحاج مصطفى كمورا والأخ عبد العزيز التركستاني، إلى المركز الإسلامي في أوساكا، وهو عبارة عن غرفة صغيرة لا تزيد عن ثلاثة أمتار في مترين، فيها رفوف بها بعض الكتب والمصاحف، وهي مفتوحة دائماً سواء كان الحاج مصطفى كمورا موجوداً فيها أم لا، لأن بعض الطلبة المسلمين الوافدين يرتادونها للصلاة وللاستفادة منها، وهي في عمارة مكونة من ثلاثة أدوار، كان للمركز فيها أربع غرف، ولعدم وجود الإمكانات المادية تقلص عدد الغرف في المركز شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى هذه الغرفة، وقال الحاج مصطفى: إنه يخشى أن تؤخذ منه أيضاً إذا لم يتوافر إيجارها.
وكان عندهم قبل ذلك مبنى استأجروه غير هذا كان يكلف ثلاثمائة ألف ين ياباني، بقوا فيه خمس سنوات، ولم يقدروا على تحمل تكلفته.
وأرانا الحاج مصطفى كمورا ملفاً فيه بعض الوثائق، من ضمنها سيارة كانت تستعمل للإعلان عن الإسلام، يتجولون بها في الشوارع، وفي داخلها صورة للحاج مصطفى وهو يرتدي اللباس العربي: الثوب والغترة والعقال، وفيه بطاقات دعوة لافتتاح المركز في أوساكا يوم الجمعة الخامس من شهر محرم سنة 1398هـ الموافق السادس من شهر ديسمبر سنة 1977م.
وقال الحاج مصطفى: إننا نحرص على بقاء مركز في هذا البلد، لوجود طلاب يترددون عليه ويستفيدون منه، وفيه وسيلة للدعوة لمن أراد أن يتعرف على الإسلام.
وفي الساعة الحادية عشرة والنصف ودعنا الحاج مصطفى كمورا، وذهبنا إلى الفندق الذي وجدنا فيه صعوبة، بسبب عدم فهم الموظفين فيه لهجتنا عندما ننطق بعض الكلمات الإنجليزية التي نحفظها، وعدم فهمنا لهجتهم التي تجعل نطقهم اللغة الإنجليزية كأنه نطقهم باليابانية، وهذا كان مستمراً في الفنادق اليابانية التي لا يوجد بها غربيون، أما الفنادق التي يوجد بها غربيون أو يابانيون تدربوا كثيراً على نطق الإنجليزية فإنا كنا نفهمهم ويفهموننا نوعاً ما.
سارت مشرقةً وسرت مغرباً!
اتصلت بموظفة الهاتف أطلب منها الاتصال بهاتف في سيؤول بكوريا، لنعلمهم بقدومنا حتى يرتبوا لنا خطة الزيارة، فكانت تقول: انتظر قليلاً ثم تتصل وتبدي الأسف، وتارة تقول لي: اتصل من عندك، وأعطتني رقم الفتح، فكنت عندما اتصل ينقطع الاتصال قبل إتمام الأرقام، فأعود إليها وبقينا في مد وجزر إلى أن ضقت بذلك ذرعاً، فقلت لها: أنتم اليابانيون لا تريدون مساعدة الضيف، فسكتت واجمة لأن ذلك فيما يبدو أزعجها، لأنهم لا يريدون أن يشعر الضيف بهذا في بلدهم، ثم كررت لي كلاماً ذكرت فيه: محطة إلى محطة، ففهمت أنها تعتذر لعدم السرعة لأن الكلام من محطة إلى محطة أخرى، والمحطة الأخرى هي كوريا والظاهر أن الخطوط كانت مشغولة، وفي الآخر يسر الله الاتصال بالأخ الدكتور حامد تشوي الذي عرف وقت قدومنا في مطار سيؤول يوم غد.
وعرفت أنني وتلك الموظفة كنا كما قال الشاعر:
الأربعاء: 16/11/1406هـ.
نزلنا في الساعة العاشرة والنصف وحاسبنا الفندق وجاءنا الحاج مصطفى كمورا، وكان المطر ينهمر بغزارة، وأردنا أن نستأجر سيارة توصلنا إلى المطار، وهي واقفة أمام الفندق توجد بينها وبين الفندق مسافة لا تزيد عن أربع خطوات، لو مشيناها لبلل المطر ثيابنا، فأخذ موظفو الفندق المظلات ومشوا معنا حتى دخلنا في السيارة وبعضهم كان يظلل حقائبنا حتى أدخلها في السيارة أيضاً.
وعندما وصلنا إلى المطار وانهينا إجراءات التذاكر ووزن الحقائب، طلبنا من الحاج مصطفى كمورا أن نودعه ويذهب، لأنه لم يبق شئ يحتاج إليه فيه فيما يبدو، ولكنه أصر على البقاء معنا حتى ندخل من بوابة التفتيش الأمني، فقعدنا في مقهى تناولنا فيه ما طاب لنا.
وفي المقهى تذكرت مرة أخرى استغلال اليابانيين كل إمكاناتهم لبناء بلدهم، ومن ذلك العنصر البشري، ومنه المرأة وكتبت ما يلي:
العمل الجماعي وثمرته:
عندما يؤدي كل واحد في الشعب واجبه المنوط به مع علمه به وخبرته وأمانته، تتجمع تلك الأعمال وتكون ثمرتها مفيدة تعود على الأمة بالقوة وعلى البلاد بالبناء والإعمار، يكون ذلك شبيهاً بالغيث الذي ينزل على رؤوس الجبال المتفرقة، مكوناً سيولاً تندفع في شعاب عدة، ثم تتجمع سيول تلك الجبال كلها في واد واحد، فإنه يكون سيلاً جارفاً قوياً.
وقد يدهش المرء لقوة ذلك السيل، إذا لم يتذكر أنه قد تجمع من قمم جبال متعددة وبتجمعه صارت له تلك القوة.
وهكذا يدهش المرء عندما يرى بناء اليابان القوي ويربط ذلك البناء بالمدة القصيرة التي تم فيها ذلك البناء، ولكن ذلك الدهش يذهب عندما يعلم أن اليابانيين تحركوا بجد في بناء بلادهم تحركاً جماعياً، كقطع في آلة واحدة لا تكف عن الحركة.
وقد استغلوا كل طاقاتهم البشرية، ومن ذلك المرأة فقد استغلوها في مكانها المناسب عندهم لعاداتهم وتقاليدهم، استغلوها في المكتب وفي كل الأعمال التي يبدو أنها قادرة عليها، كالمستشفيات والمدارس والمطاعم وغيرها، ولا ضير عندهم في استعمال المرأة في هذه الأماكن، والرجال يستعملونهم في المصانع ونحوها من الأعمال المحتاجة إليهم أكثر من المرأة.
وعندنا دعاة في بلاد المسلمين يدعون إلى استغلال المرأة، ويرون ضرورة خروجها للعمل كالرجل، وهم لا يفرقون في الغالب بين مكان وآخر، وذلك يؤدي ـ بقصد أو بدون قصد ـ إلى زيادة الفساد في بلدان المسلمين باختلاط الرجل بالمرأة.
وأنا أرى أن المسلمين يمكن أن يستغلوا المرأة القادرة على العمل في أماكن نحن في أمس الحاجة، إليها دون أن نعرضها للاختلاط بالرجل في أي مكان، إلا في النادر الضروري الذي لا مفر منه.
ومجالات عمل المرأة الذي نحتاج إليه كثيرة، من ذلك ما طبق في المملكة العربية السعودية من استقلال مدارس الفتيات من الروضة إلى الجامعة، فقد نجحت في ذلك أيما نجاح، وتستطيع أي دولة من دول الشعوب الإسلامية أن تحذو حذوها في ذلك.
ومن ذلك التفتيش الأمني في المطارات، فإنه ضرورة ويمكن أن توظف الرجل والمرأة الذي يعتبر محرماً لها، ليوصلها هو إلى مكان عملها، ويعمل هو قريباً منها.
ومن ذلك إقامة مستشفيات نسائية لأمراض النساء والولادة، لا يعمل فيها إلا النساء: مديرات وكاتبات وممرضات وخادمات وطبيبات ومأمورات سنترال وغيرهن، ولا يعمل أي رجل في هذا المستشفى إلا الحراس وأجهزة الأمن في الأماكن التي يحتاج فيها إليهم، أما في داخل المستشفى فلا يوجد إلا النساء، ما عدا الحالات الضرورية التي قد يحتاج فيها إلى طبيب ماهر يقوم بعمليات قد تصعب على المرأة الموجودة، فإن ذلك يباح للضرورة وهي تقدر بقدرها، وهذا كما أن فيه استغلالاً لطاقات المرأة التي ينادي بها بعض الناس، فيه سد ذريعة اطلاع الرجال على عورات النساء بدون ضرورة، واطلاع النساء على عورات الرجال بدون ضرورة كما هو الحال في المستشفيات العامة ـ المختلطة ـ ومن ذلك الإدارات المتعلقة بالضمان الاجتماعي التي يحتاج إليه النساء.. وهكذا كل مرفق تحتاج إليه الأمة ولا يختلط فيه الرجال بالنساء.
أما المناداة باتخاذ سكرتيرات للرجال أو كاتبات آلة أو نحو ذلك، فالقصد منه خبيث، يجب أن يلقم دعاته أحجاراً في أفواههم، فأوضاع المسلمين الشرعية والاجتماعية تختلف عن أوضاع غيرهم، وقياسها على أوضاع غيرهم كقياس المؤمن على الكافر.
اللجوء إلى اللغة العالمية!
كان الحاج مصطفى كمورا يحاول أن يتحدث معنا، ويبدو أن عنده بعض الكلمات الإنجليزية، ولكن نطقه بالكلمة الإنجليزية لم يختلف بسبب لهجته عن نطقه باليابانية، وقد يحفظ كلمة إنجليزية نحن لا نفهمها، ونحن نحفظ بعض الكلمات هو لا يفهمها، كما جرت عادةُ من يحاول حفظ كلمات من غير لغته، ولذلك لم نكن نفهم منه إلا اللغة العالمية لغة الإشارة.
ثم ودعنا الأخ الكريم الحاج مصطفى كمورا ونظرات عينيه تدل على أنه يستعطف المسلمين أن يولوا عنايتهم هذا البلد الذي تحتاج الدعوة فيه إلى تخطيط وإعداد وسائل تناسب أوضاعه وعادات أهله، حتى يتقوى العمل الإسلامي فيه، كما يبدو أنه يستنجد لطبع كتابه الذي أتعب نفسه في تأليفه، لينقل للمسلمين صورة عن دخول الإسلام في اليابان، وما يجب على المسلمين أن يعملوه إزاءه. [وهو يتكون من ستة أجزاء فيه معلومات مفصلة عن تاريخ الإسلام والمسلمين في اليابان].
وكان الحاج مصطفى كمورا آخر ياباني مسلم نراه عند خروجنا من اليابان في هذه الرحلة، التي لا ندري أتحصل زيارة بعدها منا لليابان أم لا؟.
لقد توفي الحاج مصطفى كمورا رحمه الله، بعد ثلاث عشرة سنة من لقائنا به. فقد تلقيت نعيه من رئيس المركز الإسلامي في اليابان: الدكتور صالح بن مهدي السامرائي الذي بعث لي بالفاكس النص الآتي:
نعي زعيم ياباني مسلم:
تنعى الأمة الإسلامية في جميع أنحاء العالم الزعيم الياباني المسلم الحاج مصطفى كمورا الذي وافاه الأجل المحتوم يوم:10/8/1998م عن عمر يناهز التسعين.
والحاج مصطفى كمورا من أهالي مدينة كيوتو ـ عاصمة اليابان القديمة ـ وخريج جامعة كيوتو الإمبراطورية. أسلم في الثلاثينات، وخدم المسلمين في الصين قبل الحرب العالمية الثانية.
وبعد الحرب شارك في تأسيس جمعية مسلمي اليابان، وترأس عدة جمعيات إسلامية وخيرية، وأرسل العشرات من الطلبة المسلمين اليابانيين، إلى المملكة العربية السعودية وباكستان وماليزيا وإندونيسيا، لدراسة الإسلام، وهم يتولون وظائف تعليمية وثقافية في اليابان، وشارك مع المرحوم: عمر ميتا في ترجمة معاني القرآن الكريم بمكة المكرمة، بدعم من رابطة العالم الإسلامي في الستينات.
وألف موسوعة عن تاريخ الإسلام في اليابان، تتخذها الجامعات ومراكز البحوث مرجعاً لها.
وهو أحد المؤسسين الرئيسيين للمركز الإسلامي في اليابان، وكان رئيساً لدورات عديدة، وأصبح فيما بعد مستشارا له (للمركز).
كما أن له تفسيراً شاملاً للقرآن الكريم، تميز بخصوصيته في مخاطبة الشعب الياباني، ليسهل عليه استيعاب معاني القرآن الكريم.
لقد انطوت صفحة مشرقة في سجل المسلمين اليابانيين، وسيظل أثره على تطور الدعوة الإسلامية في اليابان إلى أن يشاء الله .
رحم الله الفقيد وتغمده برحمته وأسكنه فسيح جناته.
فقد لازمه حب القرآن الكريم إلى آخر لحظة من حياته، حيث كان يضع التسجيلات القرآنية بجانبه، وفي أذنه سماعة المسجل التي لم تفارقه.
الدكتور صالح مهدي السامرائي
رئيس المركز الإسلامي في اليابان
فاكس:008133460105
عمياء تخضب مجنونة!
هذا مثل يمني حفظته في الصغر، ومعناه العام أن يحاول اثنان أو أكثر أداء عمل يجهلونه، فتكون النتيجة الفوضى فيه والفشل، دون الوصول إلى الهدف المقصود.
انطبق هذا المثل عليّ وعلى امرأة أوربية، وجدناها في داخل القاعة بعد أن جاوزنا نقطة التفتيش الأمنية، فقد كانت في يدها بطاقة بها معلومات باللغة الإنجليزية ـ ويبدو أنها لا تجيد الإنجليزية مثلي، عندها بعض الكلمات ـ وعندما رأتني لابساً الثوب العربي، أسرعت إلي وأشارت إلى جملة في البطاقة وسألتني عن معناها؟ فأخبرتها أن لغتي الإنجليزية ضعيفة ولا أدري عن معناها، فألحت عليّ أن أحاول قراءتها مرة أخرى، فقرأتها لعلي أفهم شيئاً غاب عني ولكن دون فائدة، فاعتذرت مرة أخرى، فشكرتني وذهبت آسفة، ويبدو أنها قد حاولت مع اليابانيين فلم يفهموها ولم تفهمهم.
ثم دخلنا إلى قاعة المغادرة ننتظر وقت الصعود إلى الطائرة.
سيأتي تأويله:
عندما قعدنا في قاعة المغادرة كنا قريبين من البوابة التي يعبر منها الركاب إلى الممر المؤدي إلى الطائرة، وكان الموظف الموجود بالبوابة يتلفت، وعندما وقعت عيناه عليّ من بين الركاب انطلق إلي وفي يده ورقة كتب فيها اسمي، فقال لي: أهذا اسمك؟ قلت: نعم، فذكر فندق حياة ريجنسي الذي كنا طلبنا الحجز فيه في كوريا ـ سيؤول ـ وذكر أيضاً فندق أولمبيا، وتكلم كلاماً لم نفهم منه إلا الفندقين، ثم قال: أوكي. ورجع يجري إلى محل عمله، والذي جعله يعرفني من بين الركاب لباسي العربي، وكنا نفكر فيما أراد هذا الرجل من ذكر الفندقين، ثم قلت للأخ محمد باكريم إذا وصلنا إلى مطار سيؤول سنعرف ما أراد من هذا الكلام، أي سيأتي تأويل كلامه.. [في مطار سيؤول].
سلسلة في المشارق والمغارب
كوريا الجنوبية
الدكتور
عبد الله بن أحمد قادري الأهدل
الطبعة الأولى
1427هـ ـ 2006م