7 ـ في مدينة هيروشيما
7 ـ في مدينة هيروشيما
وقد وصلنا إلى مدينة هيروشيما، مدينة القنبلة الذرية، مدينة بناء اليابان في أربعين سنة، في الساعة الرابعة والثلث، فكانت مدة السير من مدينة أوكاياما إلى مدينة هيروشيما، ساعة واحدة ونزلنا بفندق الخطوط اليابانية في هيروشيما، وهذا اسمه بالحروف الإنجليزية "HIROSHMA ANA HOTEL"
الاجتماع بالطالب المصري حجازي حسن حجازي:
التقينا في الفندق الأخ حجازي حسن حجازي، من جمهورية مصر العربية من جامعة الإسكندرية، تخرج في كلية الزراعة، ونال درجة الماجستير، وهو الآن يحضر الدكتوراه في جامعة هيروشيما، قضى فيها ثلاثة شهور، ومعه أهله. وسيذهب إلى جامعة أوكاياما، وتخصصه في البيوت الزجاجية "CULTIVATION OF PLANTS UNDER GREEN HOUSE ". قال لنا: إن عدد المسلمين الذين يصلون الجمعة أربعة عشر شخصاً، غالبهم من إندونيسيا وماليزيا، ولا يوجد لهم لقاء غير يوم الجمعة، وكان الأخ حجازي وزوجته يتلقيان تعليمهما الإسلامي في الإسكندرية على يد الشيخ ياسين رشدي، ويتمنى الأخ حجازي وجود كتب عربية إسلامية وإنجليزية للاستفادة منها، وقد سجلنا عنوانه لنبعث له بعض الكتب.
شارع المطاعم في هيروشيما!
كنا في حاجة إلى تناول الطعام، فقد مر بنا وقت طويل هذا اليوم ونحن ننتقل من مركب إلى آخر، وقال لنا الأخ خالد: نخرج إلى بعض المطاعم لنتعشى، وسأل قبل خروجه من الفندق عن المكان الذي توجد به مطاعم، وكنا قلنا له: نحن نريد مطعماً أوربياً، فقد كانت المطاعم الأوربية أقرب لنا بكثير من المطاعم اليابانية، وأشار له بعض موظفي الفندق إلى أحد الشوارع في المدينة، ويسمى شارع المطاعم، هكذا فهمت من الأخ خالد، وأخذنا نتجول في هذا الشارع يميناً وشمالاً، لنجد مطعماً أوربياً فلم نجد، وكان يقف ويسأل فلا يجد ذكراً لمطعم أوربي ودخل بنا عدداً من المطاعم اليابانية ثم حط بنا في أحدها خشية من التعب دون فائدة.
وبدأ الأخ خالد يفاوضنا فيما نريد وما لا نريد، فأخبرناه بالقاعدة العامة: الحلال، لأنا لا نستطيع أن نتفاهم معه أكثر من ذلك، ثم أخذ يفاوض المضيفة اليابانية، وكلما اتفق معها على شيء هزت رأسها وقالت: هَيْ، ولعلها كررتها له أكثر من عشرين مرة. وأكلنا باسم الله ورجعنا إلى الفندق.
زيارة حديقة السلام (مركز قنبلة هيروشيما):

الأحد 13/11/1406هـ
في الساعة التاسعة صباحاً خرجنا من الفندق للوقوف على آثار هذه المدينة المشهورة، وبخاصة آثار ذلك الأمر الخطير الذي هزها وهز العالم كله في الحرب العالمية الثانية سنة 1945م، وهو: إلقاء القنبلة الذرية عليها، والتي دمرتها تدميراً ما كان يظن أن تعمر هذه المدينة بعده، بل إن الحرب دمرت اليابان واقتصاده وقوته، حتى ظُّن أن ذلك التدمير كان كافياً لإرغام اليابانيين على سكن الكهوف والمغارات والعشش، والبعد عن كل ما يمت للحضارة المادية بصلة.
ولكن عزم اليابانيين وتكاتفهم واجتهادهم في العمل وتنفيذهم كلهم، على الرغم من كثرة عددهم أوامر زعمائهم، الذين أصروا على بناء اليابان من جديد بناء لم تشهده في عصورها المتقدمة، ولم تصل إليه كثير من الدول المتقدمة، كل ذلك أعاد تلك البلاد قوية شامخة في بنائها في كل مناحي الحياة المادية، فبنيت هيروشيما وغيرها من المدن التي دمرت، وأصبحت اليابان مضرب الأمثال في هذا المجال.
قال بعض الإخوة الذين خرجوا معنا: إن اليابانيين يؤمنون بالسلام، لشدة ما أصابهم من ويلات الحرب، ولهذا سموا هذه الحديقة التي هي مركز قنبلة هيروشيما بحديقة السلام.
بدأنا عند المدخل بأخذ صورة لنوافير الماء الرائعة التي ترتفع إلى السماء.
نماذج من مآسي القنبلة النووية في متحف حديقة السلام:
ثم دخلنا إلى المبنى الذي سُجّلَتْ به المعلومات التاريخية عن الحرب، وكتبت به وثائق الحرب، فأخذنا بعض تلك المعلومات عن طريق الترجمة الموجزة، وكان يترجم لنا بعض الإخوة العرب.
ـ ضربت أمريكا من مدن اليابان 119 مدينة، وقصفتها قصفاً شديداً، وبقيت مدينة كويوتو و هيروشيما لم تهاجما.
ـ وثيقة حررها الرئيس ترومان لضرب اليابان بالقنبلة النووية، في 25 جولاي، أبلغت الطائرات رقم 509 أن طائرة خاصة ستحمل قنبلة خاصة لتلقى في الوقت المناسب، ووراءها طائرة تحمل علماء للمراقبة.
ـ المعلومات عن القنبلة في المدخل.
ـ طولها "أي القنبلة" ثلاثة أمتار، وقطرها سبعون سنتمترا، ووزنها أربعة أطنان.
ـ عرض كيفية صنع القنبلة النووية تحت سرية تامة سنة 1942م، وشاركت جامعة شيكاغو في صنعها.
ـ وكانت جامعة كويوتو الإمبراطورية، تفكر في صنعها وظنوا أنه لا يستطيع أحد الحصول عليها في زمن الحرب العالمية الثانية.
ـ حددت أمريكا للقنبلة أربعة أهداف:
1 ـ هيروشيما.
2 ـ كوكورا.
3 ـ ناجازاكي.
4 ـ نيفاتا.
ـ خرجت الباخرة من جزيرة تنيان اليابانية في الساعة الثالثة إلا ربعاً ظهراً، وبلغت المسؤولين عن القنبلة أن الجو ملائم، وصورة الطائرة التي رمت القنبلة موجودة.
ـ يخترق المدينة سبعة أنهار، وتحيط بها الجبال من الشرق والغرب.
ـ توجد صورة مجسمة للمدينة، في وسطها مصباح أحمر هو رمز رمى القنبلة، وكل المدينة خربت كما يظهر في هذه الصورة، ما عدا المساكن التي وراء الجبال.
ـ توجد صورة لتصاعد الدخان بعد القصف.
ـ قطعة حقيقية لحجر انفلق، وجدت على بعد نصف كيلو من مكان القصف، وتوجد بعض أجزاء القنبلة بجانب الحجر.
ـ وتوجد صورة يظهر بها منظر المدينة بعد القصف بيومين، لا يوجد بها إلا قليل جداً من المباني، وبجانب هذه الصورة صورة أخرى لأناس أصيبوا بحروق مشوهة بعد الضرب.
ـ كان عدد سكان هيروشيما قبل الضرب ثلاثمائة ألف نسمة.
ـ جلود المصابين تتساقط مثل الثلج المذاب.
ـ توجد ستائر من القماش بها أثر الحروق.
ـ وعاء خزف صيني، وجد على بعد ألف ومائة متر، من مركز القنبلة.
ـ أظافر آدميين سقطت وتغيرت أشكالها لذوبانها.
ـ حصان وجد بعد الحرب بذاته، تساقطت أرجله وفمه وبعض أجزاء جسمه، وقد غطوا ما تساقط من أجزائه بأكياس مناسبة.
ـ اختلطت أجسام البشر والحيوان بالحجارة المذابة.
ـ صور جماجم وأجسام بشرية من الذين هلكوا، وتوجد معلومات أخرى في المتحف، لم نستطع كتابتها، لأن المدة ستطول كثيراً، إذ أن القاري يقرأ باللغة الإنجليزية، ثم تترجم بإيجاز إلى العربية، وأنا أكتب واقفاً أكرر بعض الجمل لأطمئن على صحة ما فهمت.
ـ مررنا بنصب تذكاري للقنبلة، يشبه رحل الجمل، وبعده توجد شعلة السلام، وهى عبارة عن خرسانة ممدودة شرقاً وغرباً بواسطة ممر ضيق في وسطه عمود من حديد، عليه موقد كبير تشتعل به النار دائماً، ولا تنطفئ لأن لها موظفين يقومون بتغذيتها باستمرار.
مركز القنبلة المباشر:

ثم ذهبنا إلى مركز القنبلة في الحديقة ـ أي المكان الذي انفجرت فوقه مباشرة ـ وهذا المكان هو مبنى الإدارة الاقتصادية في المدينة، انفجرت القنبلة فوقه على بعد ستة آلاف متر، ولا يزال المبنى موجوداً، وإن تهدمت منه بعض أجزائه، وهو مبني من الأسمنت والآجر الأحمر، وقد تعجبت من بقاء هذا المبنى الذي هو مركز القنبلة التي دمرت المدينة كلها وقضت على عمرانها، وقيل لنا: إن سبب بقائه قوته، وتذكرت مثلاً كنت سمعته وأنا صغير وهو "اقْربْ من الخوف تأمن".
وقد أبقى اليابانيون هذا المبنى ليذكروا العالم بسوء عاقبة الحرب النووية، وقالوا: إن سبب اختيار اليابان لمدينة هيروشيما لضرب القنبلة النووية يعود إلى أمرين: الأمر الأول: تدمير الاقتصاد الياباني، وهذه المدينة اقتصادية. الأمر الثاني: علمهم أن تأثير القنبلة سيقتصر على المدينة ولا يتعداها إلى سواها، لوجود الجبال المحيطة بها.
وقد انتهينا من زيارتها ـ وكانت على عجل ـ في الساعة الحادية عشرة صباحاً.
وسيلة مبتكرة ناجحة في التفاهم؟!
لاندري " LAUNDRY " معناها المغسلة. وعندي بعض الكلمات والجمل الإنجليزية قد تنفع في بعض الأوقات، ولكن المشكلة في التركيب السريع عند التخاطب، وفي لهجة من يخاطبك كذلك، فإذا ركبتُ جملة تحتاج إلى تأمل من أخاطبه ليفهمها، وقد لا يصبر حتى يفهمها فيسرع إلى قوله آسف لم أفهم.
لذلك ابتكرت طريقة ناجحة إلى حد ما، وهى: أنني أخاطب المسؤول عن العمل بالفندق بالهاتف باللغة العربية الفصحى، أتحدث إليه بعدة جمل متتالية، كلها باللغة العربية، فيحتار في التفاهم معي وينصت لا يدرى ماذا يقول، فأكرر له الكلام فيأخذ يهمهم ويزمزم ـ يعنى يأتي بأصوات بدون حروف ـ من شدة حيرته، وأنا لا أدع له فرصة ليعتذر، بل أظهر له من نبرات الصوت أني غاضب، في هذه الحالة يكون صاحبي في ورطة يتمنى الخلاص بأي وسيلة، فيسكت مطرقاً، وهنا أرمى له كلمة أو جملة باللغة الإنجليزية يهمني ويهمه أمرها، فيُسَرُّ بذلك ويكرر الجملة أو الكلمة، فإن فهم ما أريد فبها، وإلا قلت له باللغة الإنجليزية: تعال الآن، فيهرول إلي، وهنا نحاول أن نتفاهم بالكلام أو الإشارة حتى يُفك الارتباط!
في هذا اليوم اتصلت بموظف المغسلة، وقلت له: أنت لاندري؟ فأخذ يكرر الكلمة ويسأل: ماذا تريد؟ فقلت له باللغة العربية: أريد أن تغسل ثيابي اليوم وتعيدها. فكرر الكلام: ماذا تريد؟ فقلت باللغة الإنجليزية أريد غسل ثيابي اليوم. فقال: اليوم يوم إجازة فإذا شئت أن نغسلها ونعيدها لك، فقلت له باللغة العربية أريدها، وباللغة الإنجليزية: الآن. فصار تركيب الكلام: أريدها ناو. فقال مستفهما: ناو؟ قلت: نعم ناو. فسكت قليلاً ثم قال: طيب: ذاتس رايت. وجاء إلى الغرفة، وأخذ يتحدث بلسانه ويشير بأصبعه ليفهمني ما يريد، قال: نعيدها لك اليوم في الساعة السادسة مساء، وليس قبل الظهر. قلت: لا بأس، فظهر السرور على وجهه بسبب أنه توصل إلى تفهيمي مراده وموافقتي على ذلك، فأخذ الثياب وذهب.
والظاهر أن المسؤولين عن المغسلة لم يوافقوا على غسل الثياب اليوم، لأنه يوم إجازة، وأن الرجل تخلص مني عندما وعد بإعادة الثياب اليوم، وعندما نزلنا ذاهبين إلى حديقة السلام، كان أحد موظفي المغسلة واقفاً وورقة كشف الثياب في يده، فهرول إلى الإخوة خالد وزميله يعتذر عن غسل الثياب هذا اليوم لأنه يوم إجازة، وقال نعطيكم إياها غداً الساعة العاشرة فوافقنا وانتهت المشكلة.
مع الطلبة المسلمين في جامعة هيروشيما:


كنا على موعد مع الطلبة المسلمين الذين يدرسون في جامعة هيروشيما، وقد اجتمعنا بهم في الساعة الثانية عشرة ظهراً، وكان الحاضرون من طلبة إندونيسيا، ومصري واحد هو الأخ حجازي، ولم يحضر كل الطلبة لأنهم كانوا في إجازة، ولم يتمكن الإخوة من الحصول عليهم لأنهم متفرقون.
وقد ألقى الأخ محمد باكريم با عبد الله كلمة في الحاضرين، تحدث فيها عن أهمية الإسلام وعالميته، وكونه خاتم الأديان، وحثهم على التبليغ بالقول والقدوة الحسنة، وذكرهم بما قام به الأسلاف من الدعوة والتبليغ، وسأل الإخوةُ بعض الأسئلة وأجيبوا عليها، وطلبوا بعث نسخة من أشرطة القرآن الكريم.
وهذه أسماء الطلبة الإندونيسيين الذين حضروا:
1ـ الأخ مستفيض بن خميرى "MUSTAFID".
2ـ الأخ أحمد زبيدى "ACHMAD SUBAYDI".
3ـ الأخ هاريون سوبري يو "HARYONO SUPRIYO".
وكانت أسئلتهم تدور حول الشبهات التي يلقيها عليهم الطلبة اليابانيون حول الإسلام.
وذكر الإخوة أن عدد المسلمين في هذه الجامعة عشرون طالباً، وقال الإخوة الإندونيسيون: إنهم كانوا يجتمعون في رمضان لقراءة القرآن وصلاة التراويح مع غيرهم من الطلبة، وطلبنا منهم أن يلتقوا بالمسلمين اليابانيين، وطلبنا من الأخ خالد أن يهتم المسلمون اليابانيون بالاتصال بالطلبة المسلمين في الجامعات، ليتم بينهم التعاون على نشر الإسلام، وتحمس الأخ خالد وتكلم معهم باللغة الإنجليزية، بما مضمونه: أنه لا بد من التعاون واتفقوا على أن يبحثوا عن مكان قريب من الجامعة ليستأجروه مركزاً يجتمعون فيه ويقومون بنشاطهم ووعدهم الأخ خالد بتسهيل الأمر من الناحية القانونية، وذكر الإخوة أن الدكتور عبد الله عمر نصيف سيزور هيروشيما قريباً، وعندهم أمل أن يساعدهم باستئجار مركز وبعث كتب إسلامية، وندب بعض العلماء للاستفادة منه...
كما وعدهم الأخ خالد كيبا أن يبحث مع المسؤولين في المركز الإسلامي مدى قدرتهم على المساعدة لإنشاء مركز هيروشيما.
الحديقة الإمبراطورية:
وفي الساعة الثانية إلا ربعاً ذهبنا جميعاً إلى الحديقة الإمبراطورية في هيروشيما، وتسمى "سوكوين" تجولنا فيها وصلينا الظهر والعصر، وودعنا الإخوة الطلاب الذين استأذنوا للرجوع إلى منازلهم.
في جزيرة مياجيما:
وفي الساعة الثالثة والنصف تحركنا نحن الأربعة إلى جزيرة مياجيما في سيارة أجرة، وصلنا إلى مينائها الصغير في الساعة الرابعة. ومعنى جزيرة مياجيما ـ أي جزيرة المعابد البوذية ـ فامتطينا الباخرة الصغيرة إلى الجزيرة وقطعت بنا الخليج المؤدى إليها في ربع ساعة.
ولها بوابة مكونة من ستة أعمدة: اثنان منهما طويلان، يقع عليهما عمود منحن، واثنان قصيران، وأربعة أعمدة أفقية، اثنان على اليمين واثنان على اليسار.
والظاهر أنهم يسمونها معبد البحر أو إله البحر، والناس ينظرون إليها من بعيد ويلتقطون لها صوراً، والجزيرة عبارة عن جبل طويل أفقياً مرتفع نسبياً رأسياً، وفي أسفل الجبل توجد أسواق بها تحف وهدايا، ويوجد مبنى به المعابد البوذية ولم ندخله، لأنا كنا في حاجة للتجول في الجبل، لما فيه من المناظر الجميلة وهو يشرف على البحر من جهات متعددة.
ووقف خالد:
ولكن الأخ خالد كان متعباً، وشكا من ضيق نعله الذي كان له أثر على قدميه، فاستأذن ليبقى في الأسفل، في بعض المقاهي القريبة من بيت المعابد.
وصعدنا نحن ورفيقنا الطالب العربي، وحق للأخ خالد أن يتعب فقد مشى اليوم معنا كثيراً في حديقة السلام اليابانية (مركز القنبلة الذرية) وكانت الجولة فيها طويلة، ثم ذهبنا إلى جامعة هيروشيما، ومنها إلى الحديقة الإمبراطورية التي مشينا أيضا فيها كثيراً، ثم أتينا إلى هذه الجزيرة، لذلك وقف أخونا خالد، وواصلنا نحن المسير.
وتاه الدليل!
كان أخونا الطالب العربي بيده خريطة يستدل بها على الطريق الذي يجب أن نسلكه في الجبل، والجبل كله طرق على خلاف ما عرفنا من قبل، وهو أن تهامة ـ فقط ـ كلها طرق، وكان هدفنا الوصول إلى مكتب قطع التذاكر للصعود إلى قمة الجبل بواسطة الصندوق الكهربائي المعلق في الهواء، وكان دليلنا يسير ونحن وراءه، وأخذ ذات اليسار بدلاً من ذات اليمين، وطال السير ونحن صاعدون ثم أخذنا بعد ذلك نهبط، وكان محمد باكريم يذكر صاحبنا الدليل بأنه قد يكون أخطأ الطريق، ولكن الدليل كان يصر أنه يمشي في الطريق الصحيح، ثم ساوره الشك في صحة اتجاهه، وأخذ يوقف المارة ويسألهم، فلم يشف غليله إلا شاب كان يقود سيارته فأشار له إلى مقر المكتب في الخريطة، وأخذنا مرةً أخرى نصعد إلى الجهة التي أتينا منها، ثم طال الصعود وتبرم صاحبنا باكريم وعاد يشكك الدليل مرة أخرى، ويبدو أن الأخ باكريم لم يسبق له أن مشى في حياته هذه المسافة صاعداً في جبل كهذا.
وكان الطريق يكاد يكون مظلماً في الجبل لكثرة الغابات، مع أن الشمس لا تزال حية في الأفق، نراها إذا ما وجدنا فجوة للنظر إليها، ولكنه ـ أي باكريم ـ تشجع عندما رأى شيخه ـ في السن ـ القادري يصعد بدون توقف، فواصلنا السير.
ورجع بأخس العبيد!
كان بعض المرتزقة في اليمن يخطفون الشباب من الذكور، والشابات من الإناث ويبيعونهم في بعض البلدان، وكانوا في بعض الأوقات يشترون هؤلاء الشباب من بعض الظلمة في البلاد بثمن بخس، ويذهبون يبيعونهم بقيمة مرتفعة نسبياً، وفي بعض الأحيان يعودون بأشخاص لا توجد فيهم الصفات المربحة، كأن يكون الشخص أعمى أو أعور أو أعرج أو كبير في السن أو دميماً، فإذا رجع بهذا الصنف يقال له: سافر إلى زبيد ورجع بأخس العبيد. وهو مثل يضرب لمن يتعب في حصول شئ فلا يجده، أو يجد منه الرديء، بدل الجيد، وكان المسافر من شمال غرب اليمن إلى مدينة زبيد يعتبر مغامراً في سفره، لبعد المسافة بسبب أن السفر كان على الجمال أو الحمير أو مشياً على الأقدام، مع أن المسافة في حد ذاتها قليلة قد لا تزيد عن خمسين كيلو متراً.
ولقد انطبق هذا المثل علينا، فقد مشينا طويلاً صاعدين وهابطين، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، من أجل أن نصعد إلى قمة الجبل بذلك الصندوق، وبعد أن وصلنا إلى المكتب قيل لنا: إن المكتب قد أقفل الآن، ولو أنا اهتدينا إلى مكانه ولم نتُه، لكنا وصلنا إلى المكتب في أقل من عشرين دقيقة مشياً على الأقدام، كما أن لو مشينا رأساً إلى قمة الجبل، لكنا وصلنا إلى قمته قبل هذا الوقت، ولكن استغفر الله، فإن لو تفتح عمل الشيطان.
لا بد أن نهرول!
وأردنا أن ننزل في إحدى الحافلات الصغيرة التي كانت تقف قريباً من المكتب في أسفله، وعندما وصلنا إلى المكان وجدنا الحافلات قد ذهبت، ويبدو أنها لا تعود ما دام المكتب قد أقفل، فلا يوجد في هذا الوقت سائحون غير التائهين.
وخشينا أن نتوه في الجبل ونحن هابطون كما تهنا ونحن صاعدون، وإذا غابت الشمس وخيم الظلام، كان الأمر أشد، فقال صاحبنا الدليل ـ الذي تاه وأصبح مقتنعاً بجواز أن يتوه ـ : الوقت قد ذهب ولا توجد سيارة، وإذا لم نجد من نقتدي به في سيرنا فقد نضيع في هذا الجبل، قلت له وللأخ محمد باكريم: فلا بد أن نهرول.
وأخذنا نهرول، وكانت جداول الماء الصغيرة تنصب من أعلى الجبل يسمع خريرها بين الصخور أينما اتجه السائر.
والحمد لله فقد وصلنا بسلامة الله وحفظه إلى المكان الذي انطلقنا منه، والتقينا الأخ خالد الذي وقف مع الأخ الدليل يستمع لقصة الجبل، ولعله كان يحمد الله على عدم مرافقتنا في هذه الحالة المتعبة دون جدوى، إلا التمرين على المشي وهو مفيد وإن كان بدون نية.
هنكشوا قدام!
وسمع الأخ محمد باكريم الأخ خالد وهو يقول لصاحبه: لا بد أن نشتري لهم مناديل لمسح العرق الذي رآه يتصبب في وجوهنا، وكان الكلام باللغة الإنجليزية "هاند كراتشف" وكان باكريم متعباً، يريد السير إلى الباخرة ليقعد ويرتاح من عناء السفر الطويل، فقال لهما ـ ناحتاً من الكلمة التي سمعها ـ : هيا هنكشوا قدام، ولا يدري ما معنى الهنقشة وإنما مراده تحدثوا أمامكم ودعونا نمشي الآن.
نفق تحت البحر يبلغ طوله أربعين كيلومتر:
أخبرنا الإخوة أن اليابان أنشأت نفقاً بين جزيرة أوكايدو، وجزيرة كويوشو، يبلغ أربعين كيلومتر، يقال: إن أكياس الأسمنت الذي استعمل فيه لو مد بعضها بجانب بعض لملأت مسافة ما بين طوكيو ونيويورك في أمريكا.
شيخ البحر والجبل!
كان الأخ خالد عندما عرف رغبتي في التمتع بمناظر البحار قد أطلق عليّ لقب شيخ البحر في خليج موسى في بلاده ناروتو، واليوم عندما صعدنا إلى الجبل في جزيرة مياجيما ورجعنا بعد جولة طويلة، وأخبره دليلنا بنشاط شيخ البحر في صعود الجبال، قال: هو أيضا شيخ الجبل، قلت: الحمد لله، لقد حصلت على ألقاب كثيرة والألقاب هي سمة هذا العصر لفقد المعاني التي تغني عنها، فقد لقبني أحد مشايخ الجامعة الإسلامية بشيخ الحارة لقصة جرت لي معه، [عندما كنت مديراً لشؤون الإشراف الاجتماعي بالجامعة الإسلامية وكنت أسكن في مقر الجامعة مع الطلبة ليلاً ونهاراً وهذا الشيخ هو الشيخ حماد الأنصاري الذي سألني عنه أحد علماء العراق من الشيعة فدللته على منزله، فسماني شيخ الحارة، لأن شيخ الحارة أو العمدة يكون خبيراً بعناوين أهل الحارة]. ثم لقبني هو نفسه بذي القرنين عندما سافرت قبل ثماني سنوات من المملكة إلى أمريكا ثم رجعت عن طريق اليابان، و هاأنا الآن أحصل على لقب شيخ البحر وشيخ الجبل!
والذي أوصي به بالنسبة لمدينة هيروشيما بالذات، أن تتولى إحدى المؤسسات الإسلامية بعث داعية فقيه في دين الله، قدوة حسنة، يجيد على الأقل مع اللغة العربية اللغة الإنجليزية، ليتولى هو تربية هؤلاء الطلاب وتوجيههم وإفادتهم بالعلم، وهم سيفيدون اليابانيين، لأنهم يختلطون بهم ويتعلمون لغتهم، وكذلك تبعث لهم كتب إسلامية مفيدة باللغة العربية والإنجليزية.
السفر إلى مدينة: كوبي:
الاثنين: 14/11/ 1406هـ
في الساعة العاشرة والنصف تحركنا من الفندق، إلى محطة القطار السريع الذي تحرك بنا من هيروشيما إلى مدينة كوبي، في الساعة الحادية عشرة إلا عشر دقائق. وهي تبعد عن مدينة هيروشيما بمسافة أربعمائة كيلو متر تقريباً:
وقد يجمع الله الشتيتين:
عندما دخلنا من بوابة العبور التي تخرق الآلةُ الموظفةُ لهذا الغرض بطاقاتِ الدخول، إشارة إلى الإذن بدخول القطار، رجع بعض الإخوة ليأخذوا بطاقة دخول توديع، ليودعنا عندما نصعد إلى القطار، وبقيت أنا في انتظاره وصعد الأخوان: محمد باكريم وخالد إلى الطابق العلوي الذي يقف به القطار، وعندما جاء صاحبي أخذنا نتلفت لنجد الأخوين فلم نرهما، فجعل الأخ ينظر في الإرشادات المكتوبة في الجدران، ليعثر على عنوان القطار الذي سيسافر بنا إلى مدينة كوبي فلم يتمكن، لأن الكتابات كلها بالحروف اليابانية، ويصعب عليه قراءتها بسرعة لقرب عهده باليابان، فسأل إحدى الفتيات فأشارت له إلى الجهة، وأسرعنا نهرول بشدة إلى تلك الجهة، وكدنا نصعد في درجة السلم المتحرك الذي ينزل به الناس، من شدة سرعتنا وخوفنا أن يفوتنا القطار الذي لا يراعي ظروف المسافرين ليتأخر إذا جاء وقته.
وعندما صعدنا كنا نتلفت لعلنا نرى الأخوين فلم نجدهما، والاتجاهات متعددة، والناس يجرون هنا وهناك، والقطارات لا تقف إلا لتسير، فالقطار كالشمس التي تشرق وتغرب ولا تنتظر النائم حتى يصحو، فكذلك القطار لا ينتظر من تأخر ولو لعذر، وبعد أن جرينا هنا وهناك رأيناهما يتلفتان مثلنا فهرولنا إليهما، وحمدنا الله أن اجتمعنا قبل أن يغادر القطار، عندئذ أقبل القطار ووقف حتى صعدنا ثم تحرك، فقلت ذاكراً قول الشاعر:
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان "بعض" الظن أن لا تلاقيا
الأصل في بيت الشاعر: "كل" وقد غيرته إلى"بعض" لأنا لم نكن نظن الظن كله، بل الراجح عندنا أنا سنلتقي في نفس المحطة، ولو فرض أن فاتنا القطار فسنلتقي في مدينة "كوبي".
الناس كإبل مائة!
روى مسلم في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة)).
ومعنى الحديث أن الرجل الذي يتصف بصفات الخير النافعة قليل بين الناس، كالإبل المائة يلتمس فيها الراكب راحلة تنقله من بلد إلى آخر وتحمل أثقاله وتكون قوية على تحمل السفر والسعي، فلا يكاد يجد في تلك الإبل المائة راحلة صالحة لذلك.
وقد رأيت شيئاً مما دل عليه الحديث في الأخ الياباني المسلم الأستاذ: خالد كيبا، الذي يسكن في مدينة ناروتو بالقرب من مدينة توكوشيما، وهو رئيس المركز الإسلامي في توكوشيما، وأمين المركز الإسلامي في طوكيو، فقد رأيت فيه الحماس الشديد والعاطفة الجياشة للإسلام، كما رأيت فيه كرم النفس ومحبة الضيف والحرص على إكرامه، فقد رأيت في ترحالي رجالاً كرماء في كثير من البلدان التي زرتها، في أغلب قارات العالم في المشارق والمغارب، ولكني لم أر مثل الأخ خالد المسلم الياباني، فقد حرص على ملازمتنا من وقت لقائنا في طوكيو، وسافر معنا إلى مقره في توكوشيما وناروتو ولا زال ملازماً لنا مدة بقائنا فيهما وأصر على مصاحبتنا إلى هيروشيما وكوبي، ويكفيه كرماً بذله هذه الأوقات معنا، فبذل الوقت عند الياباني أصعب من بذل النقود وغيرها، ومع ذلك فقد أصر طيلة مرافقته لنا، أن ينفق هو على تنقلاتنا بالطائرة والسيارة والقطار والباخرة والفندق والطعام، وحاولنا بشتى الوسائل أن نحول بينه وبين ذلك، ولكن دون جدوى إلا في النادر إذا سبقناه بالحساب وهو لا يدري، وكنا نظن أن هذا الكرم سينتهي في بلاده التي يسكنها، وأنه سيبعث معنا بعد ذلك بعض الطلبة العرب، لمرافقتنا إلى مدينة هيروشيما وكوبي وأوساكا، ولكن الرجل أصر على مرافقتنا وعلى دفع نفقاتنا، وحاولنا في مدينة هيروشيما أن ندفع نحن النفقات وأصررنا عليه، ووعدنا تحت الضغط الشديد، بل أظهر لنا موافقته على ذلك، ولكنه كان يسر في نفسه شيئاً آخر ظهر لنا في اليوم التالي: الاثنين: 14/11/1406هـ عند خروجنا من الفندق، حيث أردنا أن نحاسب فوجدناه قد حاسب، وحاولنا معه بشدة أن يقبل الحساب فرفض رفضاً باتاً، وعندما ألح عليه صاحبنا الطالب العربي، اشتد غضبه وأخذ يعاتب ويقول: ألا تسمحون للمسلم الياباني أن يضيف إخوانه كما يقومون هم بضيافته في بلادهم. وهو صادق اللهجة وليس مجاملاً.
كان قطارنا يقف وقفات قصيرة في بعض المدن الواقعة بين مدينة هيروشيما ومدينة كوبي ريثما ينزل ركاب ويصعد آخرون، وأغلب سيره في الأنفاق التي تخترق الجبال وهي كثيرة.
استغلال اليابانيين لكل الإمكانات المتاحة:
الذي يعبر اليابان عبوراً مثلنا، ولا يتعمق في زيارة المصانع والمؤسسات والأسر والجامعات وغيرها يظهر له أن اليابانيين يستغلون كل الإمكانات التي أتاحها لهم الخالق.
الطاقات البشرية بتعليمها وتدريبها ووضعها في المكان الذي تجيد العمل فيه، والمادية التي منحهم الله إياها في بلادهم أو مكنهم من استيرادها من خارج بلادهم كالمواد الخام، يستغلونها استغلالاً يمكنهم من الحصول على أكبر قدر يمكنهم من الاستفادة منه.
كانت الأنهار التي نمر بها ـ وهي كثيرة ـ تمتد عليها الجسور لعبور القطارات والسيارات والمشاة، وطرق السيارات في كل اتجاه، لا تحتاج السيارة للوقوف حتى يعبر القطار ولا العكس، كما لا يحتاج القطار إلى الوقوف حتى يعبر صنوه عند تقاطع الطرق، لأن الياباني قد أعد لكل قطار وكل سيارة الطريق الخاص به حرصاً على الوقت الذي لا يريدون إضاعة شئ منه.
فإذا كان قطارنا ومجاوره المعاكس له في السير يسيران على جسر، فإن القطار الذي يسير في تقاطع معه ومجاوره المعاكس له يسيران تحت الجسر والعكس بالعكس، وهكذا السيارات.
وإن الإنسان عندما يرى كثرة المرافق اليابانية في كل مكان، سواء ما كان منها من وسائل النقل وما يتصل بها من أنفاق وجسور ومحطات وشوارع، أو مصانع وآلات ومباني وغيرها، لا يصدق أن أربعين سنة كانت كافية لهذا التقدم المادي العظيم، ولكنه عندما يعلم أن اليابانيين كالعضو الواحد، في الجد والعمل وإتقانه، وأنهم مع كثرة عددهم يتحركون للعمل كالدولاب بأجزائه، لا تأخذه الدهشة، فالعمل الجماعي المنظم المتقن لا تقف أمامه العقبات وتلك سنة الله في خلقه، من عمل وصل، ومن جد وجد، ومن زرع حصد، فقد خلق الله تعالى الكون ليعمره هذا الإنسان المستخلف في الأرض، فأي فئة من البشر أخذت بالأسباب الموصلة إلى مسبباتها ترتبت نتائج تلك الوسائل عليها بإذن الله، هذا بصرف النظر عن كون الآخذ بتلك الأسباب يؤمن بالله أو يكفر به، فالدنيا خلقت للإنسان كافراً كان أو مسلماً، فأيهما قويت إرادته وجدَّ في عمله، نال منها ما كتب له بقدر عمله، وأيهما كسل وتوانى فاته ما تكاسل عن السعي إليه، كما أن الآخرة خلقت لمن عمل لها وجد في طلبها بالعمل المشروع، فالمسلم الذي يجتهد في عمارة الأرض ينال حظه منها كما ينال حظه من ثواب الله في الآخرة بحسب اجتهاده، وإذا اجتمع له الجد في عمارة الأرض بالدين والدنيا كان أجدر بقيادة العالم، وإن تكاسل عن عمارة الأرض المادية وانقطع لعبادة الله نال عند الله في الآخرة ما يستحق من الثواب، وحرم في الأرض من قيادة البشر، وصار مقوداً للكافر الذي يجتهد في عمارة الأرض المادية، وينال عقاب الله وغضبه في الآخرة لغفلته عن عمارة الأرض بالدين. [يجب أن يعلم أن ثنائي على بعض الشعوب إنما هو بما رأيته من العمل الجاد في بناء تلك الشعوب، وأن ذلك لا يعني أن تلك الشعوب ذات أمن واطمئنان نفسي يعادلان التقدم المادي، بل إن الانحرافات الاجتماعية تهدد مستقبل تلك الشعوب بالدمار وهذا أمر لازم لشعوب لا تهتدي بهدى الله فإن شقاءها متحتم ودمارها في النهاية فالكفر أصل لكل المصائب].