6 ـ في مدينة ناروتو
6 ـ في مدينة ناروتو
إعداد سابق لزيارة محافظ ناروتو:
أخبرنا الأخ خالد كيبا أن محافظ ناروتو، وهى مدينة صغيرة تابعة لـ(توكوشيما) سيستقبلنا غداً في مكتبه، إن كنا نرغب في ذلك، وهذا المحافظ من كبار البوذيين.
وسبب سعي الأخ خالد الأساسي في مثل هذه اللقاءات محاولة إيصال بعض المعاني الإسلامية إلى أبناء وطنه على اختلاف مستوياتهم وتخصصاتهم، فهو حريص على أن يهتدي قومه بهذا الدين، وقد يكون من أهدافه خدمة ضيوفه الذين يعلم حرصهم على أخذ معلومات ميدانية متنوعة عن البلد وأهله..
فقلنا للأخ خالد: إن ذلك أمنية من أمانينا في أسفارنا، ولكنا نطلب أن نعطى فرصة لنشرح للرجل بعض قواعد الإيمان في الإسلام، فقال: لا مانع.
فأخذت أفكر فيما يجب أن أقول له، اهتديت إلى الأسئلة الثلاث التي حير جوابها فلاسفة العالم، وهي:
1 ـ من أين جاء المخلوقون؟
2 ـ ولماذا جاءوا إلى هذه الدنيا؟
3 ـ وإلى أين مصيرهم؟
ووضعت مع السؤال الأول قاعدة: أن الله هو خالق الكون ومدبره مع الأدلة المقنعة على ذلك. ومع السؤال الثاني قاعدة: أن الله هو المعبود، وأن العبادة عندنا هي منهج حياة شامل، وأن الإنسان وجد لحكمة يجب أن يحفظها وإلا كان كل شئ خيراً منه، وأن تلك الحكمة لا يحددها ويبينها إلا الله المعبود عن طريق الوحي والرسالة والاتباع، وأن هذا الدين عالمي وخاتم للأديان كلها ولم يبقى دين حق في الأرض سواه. ووضعت مع السؤال الثالث: اقتضاء العدل الإلهي يوم القيامة والجزاء والحساب والجنة والنار... إلى غير ذلك.
الأربعاء 9/11/1416هـ
في الساعة التاسعة صباحاً جاء إلينا الأخ خالد كيبا لينقلنا من الفندق الذي بتنا فيه، إلى فندق آخر قال عنه: إنه جميل جداً، وهو يقع في منطقة مدينة ناروتو التي يسكن بها الأخ خالد.
مغنٍّ عند أصنج وحازبٌ عند أعمى!
في الطريق إلى ناروتو مر بنا الأخ خالد على قهوة قال: إنها الوحيدة في توكوشيما تصنع فيها القهوة التركية، وكان الأخ خالد يحكي لنا كلاماً كثيراً باللغة الإنجليزية، وقد يدرج مع بعض الجمل كلمة عربية، يظن أنه يشرح بها لنا مراده، وما كنا ندرى ماذا يقول؟ تذكرت عند ذلك مثلاً يمنياً كنت سمعته في صغرى وهو: مغن ـ من الغناء ـ عند أصنج وحازب ـ أي متزين ـ عند أعمى، ومعناه أن يجتهد الإنسان في إبراز شيء للناس لا يتمكنون من معرفته، كما يجتهد المغنى في غنائه عند الأصم الذي لا يسمع منه شيئاً، وكما يجتهد الرجل في إظهار زينته للكفيف الذي لا يرى منها شيئاً، فالأصنج لا يسمع المغني، والأعمى لا يرى المتزين.
زيارة محافظ مدينة ناروتو في مكتبه وتبادل الهدايا:

في الساعة الحادية عشرة كنا في مكتب محافظ ناراتو، واسمه: (MITSUJI LANI) درس في جامعة كويوتو القانون، وكان محامياً ناجحاً نجح في عمله فاختاره أهل المدينة محافظاً ولا زال في هذه الوظيفة منذ ثمانية وعشرين سنة، أعادوا اختياره عدة مرات لثقتهم به، وأشعرنا موظفو المكتب أنه مشغول، وأن عنده موعداً بعد ربع ساعة من دخولنا، فقدمت له معنى قاعدتين: القاعدة الأولى: قاعدة الخالق الواحد، والقاعدة الثانية كانت قاعدة المعبود الواحد، وانتهى الوقت المحدد لنا، فكانت هذه هديتنا له، ولم نقدر على المزيد منها، أما هو فقد قدم لنا ميدالية جسر ناروتو الذي يفتخر به أهل البلد، وقد شيد على ما يسمى بالبوابة الصاخبة، كما سيأتي.
على جسر ناروتو:

وبعد أن ودعنا المحافظ، ذهبنا لنرى الجسر، وقد كنا عنده في الساعة الحادية عشرة والنصف.
وذكر لنا الأخ خالد: أن هذا الجسر بدئ في إنشائه قبل عشر سنوات، وكان يراد إنشاؤه قبل خمسين سنة، طوله ألف وستمائة وعشرون متراً، وأقصى نقطة ارتفاع فيه مائة وعشرون متراً، وذكروا مبالغ هائلة من الينات التي أنفقت على تشييده، وهو يصل بين جزيرة "شكوكو" وبعض الجزر الفرعية.
المنازل العائمة:
وبقرب الجسر في البحر توجد منازل عائمة، وهى عبارة عن ألواح من الخشب ضم بعضها إلى بعض بالمسامير، وقويت من الأسفل بأعمدة خشبية، ووضعت تحتها أوراق مقواة بيضاء، من نوع الورق الذي توضع فيه الأجهزة كالراديو والمسجل ونحوها، إلا أن هذا الورق الذي توضع عليه هذه المنازل لصيد السمك وللنزهة كبير الحجم، قال الأخ خالد: عندما أشار لنا إليها: إنه يتمنى أن يكثر المسلمون ويأتوا إلى هذه المنازل في الليل ويخلوا بأنفسهم ليذكروا الله عليها، قلت: لعله يريدها زوايا أو معسكرات عمل إسلامي.
تمنى أن يقضي فيه شهر العسل!

ثم أوصلنا الأخ خالد إلى الفندق المسمى: ناروتو نانكاي هوتيل (NAROTO NANKAI HOTEL) الذي قال عنه الأخ خالد بالأمس: إنه فندق جميل ـ باللغة العربية ـ وهو يقع في مكان ممتاز على هضبة مرتفعة، بجانبها هضاب قد كسيت بالغابات الكثيفة، يطل على البحر الذي توجد به جزر صغيرة من الجبال المكسوة أيضاً، كما يشرف على جسر ناروتو، ولا توجد بقربه منازل، لبعده عن المدينة.
ولهذا عندما رأى باكريم موقعه والمناظر التي تحيط به تذكر فندق جراند هوتيل الذي نزلنا به في تايوان فأعجبه، وقال: إن هذا الفندق يصلح لقضاء شهر العسل فيه عاوده الحنين إلى شهر العسل الموهوم هنا، وقال: ليتنا نقضي فيه ليلتين بدلاً من ليلة واحدة حسبما كان مقرراً لنا، وقد حقق الله رغبته وزيادة، فقد بتنا فيه ثلاث ليال، وكانت أياماً ممتعة جدا بمناظر يعجز القلم عن وصفها.
لكل لقمة آكل:
كان الأخ خالد على موعد مع عدد من اليابانيين غير المسلمين لنجتمع بهم في المركز الإسلامي في توكوشيما، ليسمعوا منا شيئاً عن مبادئ الإسلام، فذهبنا إلى المركز حيث كنا هناك في الساعة الثانية ظهراً، وكان اليابانيون في انتظارنا، وكان عددهم يقارب خمسة عشر، وكلهم مثقفون، منهم بعض الأطباء، وقد عرفهم بنا الأستاذ خالد كيبا، ثم استمعوا المحاضرة لمدة تزيد عن الساعتين.
وكانت هي النقاط التي أعددتها لمحافظ ناروتو، الذي لم أتمكن من شرحها له كلها لضيق الوقت.
وسبب طول المحاضرة أنها كانت تترجم من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية، ثم من اللغة الإنجليزية إلى اللغة اليابانية، وكان الحاضرون يصغون بإمعان شديد ويسجلون في مذكراتهم كل ما يفهمون، وهم رجال ونساء، وبدا لي من وجوههم أن بعضهم كان أكثر تأثراً من بعض، وكنت أتوسم في إحدى الحاضرات وهي متقدمة في السن قد يكون عمرها أكثر من خمسين سنة أن تكون أكثر تأثراً من غيرها، وقد أهدتنا بعد انتهاء المحاضرة قطعتي قماش للذكرى، وأظهرت احترامها لنا.
ثم علق الأخ محمد باكريم على المحاضرة قائلاً: إن عليكم أن تقارنوا بعد أن سمعتم هذه المعاني عن الإسلام بين الأديان الموجودة في الأرض وبين دين الإسلام، وتختاروا ما تدلكم عقولكم أنه حق، مع التجرد التام عن التعصب حتى تخلصوا أنفسكم من عذاب الله.
ثم فتح الباب للنقاش والأسئلة، ويبدو أنهم لم تبق عندهم شبهة، لأن كل شبهة سمعنا عنها، حاولت التعرض لما يدحضها بصفة عامة في المحاضرة، إلا أن أحدهم وهو طبيب أبدى شبهة واهية، وهى أن الأرواح تنتقل من بعض الناس إلى بعض، بدليل أنا نرى بعض الفقراء يمسون فقراء ويصبحون أغنياء والعكس، ومعنى ذلك أن روح الغنى تنتقل إلى الفقير فيكون غنياً، وروح الفقير تنتقل إلى الغنى فيكون فقيراً، وأجيب بأنها خرافه لا يدل عليها عقل ولا دين سليم، فسكت الجميع وشكر كل منا الآخر وودعونا وذهبوا.
ولعلنا قد أقمنا عليهم الحجة ببيان معنى الإسلام، وأنه هو الدين الوحيد الذي بقى على الأرض صحيحاً، وأنه عالمي يجب على كل من سمع عنه أن يؤمن به ويعمل به.
وقد أراد الله أن تكون هذه المعاني التي أعدت ـ أصلاً ـ لمحافظ ناروتو لهؤلاء الناس، كما يقال في المثل: لكل لقمة آكل، وعسى أن يهديهم الله صراطه المستقيم.
ويبدو أن الأخ خالد مؤثر فيهم بسلوكه الحسن وأخلاقه ومعرفتهم أنه يحب لهم الخير، ولذلك يحرصون أن يستمعوا إلى كل شئ عن الإسلام، لأنهم يرون خالداً صامداً على الإسلام متحمساً له، مع اتصافه بصفات حميدة يندر وجودها في غيره.
ودار النقاش بعد ذلك بيننا وبين الأخ خالد كيبا عن خطتنا لصباح غد الخميس، ولم نصل إلى نتيجة، هل نذهب إلى هيروشيما غداً أو بعد غد؟ فأجلنا الموضوع واتفقنا على أن نعود إلى فندق ناروتو الواقع على هضبة مرتفعة، تحيط به الغابات على هضاب مماثلة، وهو يشرف على جزء من المحيط الهادي الذي تقع في وسطه جزر من الهضاب المكسوة بالغابات أيضاً، وبقربه جسر ناروتو الذي تقدم ذكره، وليس بجواره مساكن ولا طرق تكثر بها السيارات، فهو يمتاز بالهدوء والمناظر الجميلة التي يكون شكلها العام منظراً عاماً جميلاً بديعاً يغرى بالبقاء فيه مدة أطول، ولكن مهمتنا كانت تقتضي الترحال محاولة لتحقيق الهدف الذي سافرنا من أجله، نسأل الله تحقيقه والإخلاص فيه والإثابة عليه.
ولقد رجعنا إلى الفندق في وقت بدأ فيه جلباب الليل يغطي ما حوله، وكان ذلك من فضل الله علينا، لأننا كنا مجهدين من السبح في نهار طويل لم نتمكن فيه من الراحة، فأخلدنا إلى النوم، بعد تناول ما نحتاج إليه من الطعام الذي زودنا به الأخ خالد، ولو كنا رجعنا والشمس حية مرتفعة، لما استطعنا إغماض أعيننا بسهولة للتمتع بجمال المناظر المحيطة بنا.
الخميس 10/11/1406هـ
أفقنا من نومنا فصلينا الفجر، ثم خرجنا إلى شرفة غرفتنا لنتمتع بجمال الطبيعة التي أبدعها الباري جل جلاله.
وكانت الشمس قد أرسلت أشعتها الخافتة، على رؤوس الهضاب المتلفعة بغاباتها التي تبدو كالجوخ الأخضر، وبدا البحر هادئاً، يحاكي هدوء أشعة الشمس، فكانت أمواجه الصغيرة الهادئة المتتابعة تعكس أشعة الشمس، فتظهر تلك الأمواج كأنها صفحات كتاب، يقلبها القارئ المتأمل في معانيها البديعة، وأخذت السحب العظيمة المتراكمة الممتدة على مساحات واسعة في علو مرتفع، تزحف من بعد نحو الهضاب، وعندما اقتربت منها أخذت في مداعبتها بأطرافها، وكأنها تهمس في أذنها بما حملها به الرحمن من هدايا الغيث المدرار الذي يمد غاباتها المكسوة بها، لتطمئن على سترها وعدم تعريتها من ملابسها البديعة، وكانت الموسيقى التي تحرك القلوب وتطرب الآذان وتتراقص على نغماتها أغصان الغابات التي يداعبها الهواء العليل، تشارك في جمال ذلك الكون الرائع: عصافير وقماري تغرد وتقفز من غصن إلى آخر، وتطير من فوق شجرة إلى أخرى، وتلتقي في سماء الغابة ثم تميل على جانب واحد من أجنحتها، مرة ذات اليمين ومرة ذات الشمال، في استعراض عجيب وتشكيلة بديعة، ثم تراها وهى متجهة في صف واحد تنقسم وتفترق في صفين متباعدين من الأمام متقاربين من الخلف، حتى يظن الرائي أن كل فريق سيذهب إلى سبيله بعيداً عن الآخر، ولكن سرعان ما يتقارب السربان بأولهما كما تقاربا بآخرهما.
وقد جرى القلم يحاول تصوير هذه المناظر العجيبة، ولكنه عاجز في الحقيقة عن التصوير الدقيق، فقال منشداً:
وكانت القوارب الصغيرة تتحرك في البحر الهادئ ببطء، ويبدو أن أهلها بدءوا يلتمسون رزقهم من مستودع الأرزاق البحرية، ولا يفكرون في سواه مما يحيط بهم من آيات عظام.
أحلم بها في النوم!
لم يبق ذو الحنين إلى شهر العسل في هذا المكان الجميل، معي طويلاً، للتمتع بهذه المناظر البديعة، بل نظر نظرة إلى البحر، وأخرى إلى الغابات، وثالثة إلى السحب، ثم تركني وأدرج نفسه في غطائه، ووضع جنبه باسم ربه، وغادر الحياة إلى أجل مسمى عند الله.
وبينما كنت مستغرقاً في التأمل في الشرفة، سمعت جرس الهاتف يرن فرفعت السماعة فإذا موظف الفندق يقول: الإفطار فسألته ما شأنه؟ فكرر نفس العبارة بدون زيادة: "بريك فاست" فتركته وقلت الأفضل أن أدرك صاحبي فأرحل معه قليلاً في بحر النوم، فاستلقيت على السرير، ولكن صاحبنا موظف الفندق جاء بنفسه وطرق الباب، ولما فتحت الباب قال لي: الإفطار، وهز رأسه وأشار إلى الأسفل، ففهمت أن الرجل جاد في أن نتناول طعام الإفطار، وأيقظت صاحبي، وقلت: له لقد فاتك التمتع بجمال المناظر التي قد لا تجدها بهذه الصورة الممتعة إلا بعد الفجر، فلا يفتك طعام الإفطار، فقال: أما المناظر فأنا أحلم بها في النوم، فهنأته بأحلامه الجميلة، ونزلنا إلى المطعم تلبية لرغبة الموظف الحريص.
أي سؤال (أني كْوَتشِّن؟):
قرب لنا المضيف قطعتين من السمك المسمى بالسلمون، وبيضاً مقلياً وبعض الخضار، فسألته: هل الزيت الموجود في هذا الطعام نباتي أو حيواني؟ فلم يفهم شيئاً مما أقول، ولم أجد عنده شيئاً من اللغة الإنجليزية، فوقفنا عن الأكل وصاحبنا في حيرة من أمرنا، وكانت سيدة يابانية تقعد على طاولة مجاورة ومعها طفلان، وهي تتحدث اللغة الإنجليزية فقالت لنا: هل عندكم أي سؤال أو تحتاجون إلى أي مساعدة؟ فأخبرتها أننا لا نريد أن يكون في طعامنا شيء من زيوت الحيوان، فأخبرت المضيف فقال: لا يوجد شيء من زيوت الحيوان، بل هو زيت نباتي فقط، فشكرنا المرأة على حل المشكلة وسمينا الله وأكلنا.
ثم رجعنا إلى غرفتنا، وبقينا بها طوال النهار، مرة في الشرفة نملأ عيوننا بمناظر الطبيعة، ومرة في الغرفة نستلقي لنرتاح، وقد ترك الأخ خالد هذا اليوم بدون عمل ليعطينا فرصة هذه الراحة.
لم يسمعنا الحاج مصطفى لثلاثة أسباب:
اتصل بنا بعض الإخوة عن طريق الهاتف، وقال لنا: إن الحاج مصطفى كمورا موجود في نفس الفندق في الغرفة المجاورة لغرفتكم، والحاج مصطفى كان يحب أن يرافقنا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ليزيدنا معلومات عن الإسلام في اليابان، فلما عرفنا رقم غرفته طرقنا عليه الباب عدة مرات فلم يرد، ثم اتصلنا به بالهاتف فلم يرد وكانت الغرفة مضاءة، فقلت للأخ محمد: لقد اجتمعت في الرجل ثلاثة أمور اليوم ـ فيما يبدو ـ جعلته في عالم آخر، لا يسمع طرق الباب ولا جرس الهاتف الذي بجانبه:
السبب الأول: الصمم.
والسبب الثاني: النوم، وإذا اجتمع الصمم والنوم كان فيهما الكفاية لعدم الإزعاج بدلاً من البطاقة التي تعلق على أبواب غرف الفنادق: الرجاء عدم الإزعاج.
السبب الثالث: أن الحاج مصطفى عندما يكون غير نائم، يعلق سماعته في أذنه ليسمع صوت من يخاطبه، فإذا نام أزالها، فلا يدخل إلى إذنه أي صوت..
الجمعة 11/11/1406هـ
نزلنا في الساعة التاسعة صباحاً، لتناول طعام الإفطار في مطعم الفندق، فإذا الحاج مصطفى كمورا قاعد على الكرسي، في قاعة الاستقبال التي يسمونها هنا: "فرونت"، مسنداً رأسه على رأس الكرسي، فسلمنا عليه فلم يرد، وحاولنا إيقاظه ليفطر معنا فلم نفلح، كما حصل ذلك في الليل مع أن سماعته اليوم في أذنه، فذهبنا وافطرنا ورجعنا إليه فوجدناه قد غادر القاعة.
رحلة بحرية قصيرة:

وجاءنا الأخ خالد كيبا في الساعة الحادية عشرة، وقال: إننا سنذهب إلى محطة تأجير القوارب لنأخذ جولة في البحر، واليوم هو يوم الجمعة ولكن لا يوجد في هذا البلد مسلمون غير خالد وزوجه وطالب، ورجل يقال: إنه لم يستقم على الدين الإسلامي بل خلطه بغيره، فذهبنا إلى المحطة وبدأ المركب يسير بنا في الساعة الحادية عشرة والثلث، مررنا من تحت جسر ناروتو ملتقى المياه الهادئة من جهة الغرب، والأمواج الهادرة من المحيط الهادي، وتسمى المنطقة التي حول الجسر بالبوابة الصاخبة، بسبب هياج الأمواج فيها، ورجعنا إلى مقر المركب في الساعة الثانية عشرة، فكانت المدة التي قضيناها في هذه الرحلة القصيرة أربعين دقيقة وكان معنا الحاج مصطفى كمورا.
إلى حديقة الأزهار!

وبعد أن رجعنا من الرحلة البحرية قال الأخ خالد: الآن نذهب إلى حقيقة الأزهار
وكان يحمل كتاباً صغيراً: به بعض الكلمات: اليابانية العربية، يتصيد منه بعض الكلمات التي يحتاج إليها عند مرافقتنا، ليخبرنا ببعض الأشياء فنطق العبارة هكذا "حقيقة الأزهر" فصححت له النطق: "حديقة الأزهار" وكنا في الحديقة في الساعة الواحدة إلا ربعاً، وفرغنا من التجول بها في الساعة الواحدة والربع، وكان الجو حاراً، ولم نجد في الحديقة المذكورة من النباتات العربية والأشجار إلا شجرة البن، وكما كانت الرحلة البحرية ممتعة، فقد كانت الرحلة البرية ممتعة كذلك، ليس في حديقة الأزهار فقط، بل في كل الطرق التي مررنا بها ذهاباً وإياباً، فقد كنا نسير في شعاب بين الجبال، لا نرى من الأرض إلا الطريق الذي نسير فيه وما عداه فقد غطته الغابات الكثيفة.
سنظل نحلم به!
عندما رجعنا من الحديقة إلى الفندق الذي رأيناه ونحن نسير على جسر ناروتو فأعجب باكريم منظره من بعد، بسبب موقعه الذي تقدم وصفه فتعجب صاحبنا، وقال: سنظل نحلم به بعد السفر، وقبل أن نصل إلى الفندق أمر الأخ خالد السائق أن يميل بنا يساراً فأخذ يهبط من الجبل في ممر ضيق ملتو كالثعبان وقد وضعت على جوانبه مراء "جمع مرآة" تجعل كل سائق يرى سيارة القائد الآخر المقابلة هابطة أو صاعدة، ليتلافى كل منهما الاصطدام بالآخر، وعندما وصلنا إلى شاطئ البحر الواقع بين الجبال التقى الأخ خالد أحد صيادي الأسماك وتفاهم معه، ولا ندرى ماذا كان يريد، ثم رجعنا إلى الفندق.
مع الحاج مصطفى كمورا في المطعم:
ونزلنا بالمطعم وقبل الغداء عرض علينا الحاج مصطفى كمورا، صور بعض المسلمين من الوفود التي حضرت لافتتاح جامع طوكيو، ومعهم صور بعض زعماء اليابان وقد أعطاني صوراً منها، وقد كان اجتماعنا الأول به في طوكيو في مطعم أيضاً.
كل فتاة بأبيها معجبة!
ذكر الأخ خالد أصنافاً من الشوربة ـ الحساء ـ الموجودة في المطعم ولم ندر ما معناها؟ فأختار منها باكريم صنفاً دون أن يعرف ما هو؟ فلما أحضروها كانت في إناء على هيئة عمامة مرتفعة في الإناء، وأطرافها تحيط بحافته، فأخذنا ننظر إلى هذه العمامة، وكيف الوصول إلى هذه الشوربة، فأمسكنا عنها حتى رأينا أهل الخبرة يمدون أيديهم إليها، فإذا هم يفقئون العمامة وهى عبارة عن قشرة رقيقة، وينزلونها في الإناء الذي فيه سائل كان مغطى بتلك العمامة ويخلطونها بالسائل، وكانت الشربة من البطاطا مع خضروات أخرى، وقد شهد لها باكريم بأنها شربة لذيذة، وحق له ذلك فهو الذي طلبها وهو لا يدرى ما هي؟ والمثل يقول: "كل فتاة بأبيها معجبة".
مراكب الذكر في خليج موسى:
في الساعة الخامسة والنصف مساء جاءنا الإخوة، وذهبنا إلى المكان الذي كنا ذهبنا إليه في الصباح الذي لم نكن ندرى ماذا تم فيه بين الأخ خالد وصياد السمك، وقد اتفق الأخ خالد معه أن ينقلنا في المركب للتجول في خليج موسى هكذا يسمون هذا المكان: "موسى" وفيه المنازل العائمة، وقد كنا على المركب في الساعة السادسة.
وقال الأخ خالد: إن اليابانيين كانوا يستعملون هذه المنازل، ليرتاحوا فيها في جو هادئ هرباً من الصخب، وقد يصطادون بعض الأسماك.
وكان الياباني في فترات مضت يعمل عملاً مجهداً، قد يصل إلى أربعة وعشرين ساعة في اليوم، فإذا أرهق حاول البعد عن مكان العمل للاستراحة في هذه المنازل العائمة في هذه المياه الهادئة، وكان ذلك فيما بعد الحرب العالمية الثانية 1945 ـ 1965م من أجل بناء اليابان (ويعتقد اليابانيون أنهم لا يفوقون غيرهم من الأمم إلا بالعمل الجاد) [ليت المسلمين يفقهون هذا المعنى، لا لكونه صادراً عن اليابانيين، بل لحض القرآن والسنة على العمل، ولو أراد أحد أن يحصي لفظ العمل وما اشتق منه، ما ورد بمعناه في القرآن والسنة، لملأ بذلك مجلداً أو أكثر]. وقد كان اليابانيون في القرن التاسع عشر لا يأخذون إجازة عن العمل إلا يوماً واحداً في الشهر، ولم يكن يستطيع أحد أخذ الإجازة إلا بإذن من رئيس المنطقة، وكان يوقظون العامل في الساعة الرابعة صباحاً، فيعمل إلى الساعة السابعة، ثم يتناول طعام الإفطار خلال ساعة واحدة، ثم يعمل أربع ساعات، ثم يستريح لمدة ساعة، ثم يعمل من الساعة الثالثة إلى السادسة، ويرتاح إلى الثامنة ثم يعمل إلى الساعة العاشرة.
ثم علق الأخ خالد بعد ذلك فقال: وهذا المنهج ليس بمستبد في الحياة الإسلامية ـ أي لأن الإسلام دين العمل ـ ويفد إلى هذا المكان رجال الأعمال من أوساكا وغيرها للاستراحة من التعب.
وقد سمى الأخ خالد هذه المنازل بمجالس الذكر تفاؤلاً بأن يكثر المسلمون ويذكرون الله هنا.
قصة الحاج مصطفى كمورا في أبي ظبي:
ذكر الحاج مصطفى كمورا قصة حصلت له في أحد فنادق أبي ظبي، وهو أنه خرج إلى شرفة غرفته وقفل الزجاج خشية من دخول الذباب، ولم يكن يعلم أن الزجاج لا يفتح من الخارج، فبقى في الشرفة محتاراً، وكان الحر شديداً، وعندما طبخه الحر طبخاً، أخذ يصيح من النافذة، ومكث ما يقارب ساعة، ثم جاءه الفرج بعد أن سمعه بعض الناس وهو يصيح ففتحوا له...
ضفة خليج موسى:

ويقع هذا المنتزه البحري على مساحة واسعة بين جبال تكاد الجبال تحيط به بالمياه من كل الجوانب، وكأن الماء جزيرة تحيط بها الجبال، وتوجد ممرات ضيقة تتخلل الجبال، لتصل هذه المياه بأصلها، وهو المحيط الهادي، ومياه هذا المنتزه هادئة جداً، لا يكاد الإنسان يرى فيها الأمواج الهادرة، ولكن نقاط الاتصال بينه وبين المحيط تتلاطم فيها الأمواج.
ولقد كان المنظر رائعاً اجتمعت فيه عدة عوامل طبيعية: الجبال المكسوة بالغابات التي تكاد تحيط بالمياه من كل مكان، والمنافذ التي تعتبر كالبوابات لهذا الموقع من المحيط الهادي، والشمس التي أشرفت على الغروب فكانت أشعتها هادئة كمياه موسى، وكان القمر بازغاً من المشرق بدا وجهه الغربي يتلألأ مضاحكا للشمس التي تمده بضوئها، والمنازل العائمة التي تتراقص مع حركة المياه اللطيفة.
وهذه المنازل منصوبة على ورق مقوى يظهر للرائي كأنه خشب طرح على الماء، ونصب على ذلك الورق ألواح من الخشب، وقد ربطت بحبال موصولة بأسطوانات من الفلين.
وإن الجلوس في هذه المنازل العائمة في هذه المياه الهادئة بهذا الموقع الجميل ليعطى الإنسان متعة عظيمة.
وقد كنت أتمنى أن أجد مقراً ثابتاً على مياه البحر لأقعد عليه وأتمتع بالبقاء فترة كافية، وقد حصل ذلك والحمد لله، جزى الله أخانا خالداً خيراً على ما بذل من جهد في ذلك وفي غيره، وقد سمى هذه المنازل بمراكب الذكر وقد ذُكر الله عليها، فقد صلى الأخ الطالب العربي المسلم العصر على ظهر أحدها.
الانتحار في اليابان وأسبابه:
وسألنا الإخوة عن الانتحار في اليابان، فقالوا: إنه كثير وهو عريق في تاريخ اليابان، والذي ينتحر يعتبر كبيراً محترماً في المجتمع، وكان الياباني إذا حصل منه خطأ لا يقره المجتمع، وعجز عن بيان تسويغ فعله قتل نفسه، حتى يثبت للآخرين أنه كان على حق، وكأنه يريد أن يقول للمجتمع: إذا كانت أدلتي الخارجية لم تقنعكم بصدقي فها قد قتلت نفسي لأقنعكم بذلك!
واسم الانتحار في اليابان: هاراكيرى (HARAKRE) وهو عبارة عن الرحم في الأصل.
وكان أسلوبهم القديم في الانتحار (أي قبل ثلاثمائة سنة) أن يجلس الذي يريد الانتحار كجلوس التَوَرُّك في الصلاة، ومعه سكينان: واحدة صغيرة يبقر بها بطنه عرضاً من الخافق الأيمن إلى الخافق الأيسر، والثاني يأخذه شخص يكون أعز الناس إليه، يقطع به رأسه وهو عبارة عن سيف، ويقدس اليابانيون الذي ينتحر.
وأسباب الانتحار كثيرة، والشباب الآن إذا عاني كثيراً من المشقات، ولم يقدر على حل مشكلته بنفسه، يرى أن الانتحار هو الحل الوحيد، وهم يعتقدون أنه لا توجد حياة أخرى غير الحياة الدنيا، لذلك يلجأون إلى الانتحار لأنهم يريحون بذلك أنفسهم من عذاب ينقطع بالموت.
مشكلات قد ينتحر من تعرض لها:
ومن أهم المشكلات عند اليابانيين:
1 ـ مشكلة الحب بين المراهقين.
2 ـ مشكلة الدراسة حيث يرهق الطالب في دراسته، فإذا صعب عليه اجتياز المرحلة، فقد تكثر المشكلات بين المدرس والطالب، فينتحر الطالب في المرحلة الثانوية فما دونها، وقد يقع أيضاً في الجامعة، وقد ينتحر الأستاذ بعد الطالب، لشعوره بالفشل والتسبب في قتل الطالب.
3 ـ مشكلة اكتشاف غش أو سرقة بعض أموال للشركة، إذ يشعر من حصل منه ذلك بالخجل، فينتحر، وقد يقتل عائلته كلها حتى لا تصاب بعده بالعار.
4 ـ مشكلة إصابة الإنسان بمرض خطير، ولا يجد مصاريف العلاج فيقتل نفسه أو يقتله صديقه، حتى لا يتحمل الناس مشكلته، وهذه المشكلة قد تقلصت الآن، لأن الحكومة تدفع التكلفة غير المستطاعة للمريض.
وأعظم المشكلات المشكلتان الأوليان.
ووسائل الانتحار ـ غالباً ـ هي الغاز، والسكين، والدواء، والسقوط من شاهق.
ولم يجد المجتمع علاجاً لهذه المشكلة ـ مشكلة الانتحار ـ ولذلك فإن الحكومة واقعة في الحرج، لأنها تدعي استتباب الأمن من السرقات والخطف وغيره، وهى تحاول الآن دراسة هذه المشكلة وإيجاد حلول لها وأما الاختطاف فهو قليل جداً.
كيف تحمي الأمم الإنسان من قتل نفسه؟
قلت: إنه قد يوجد الانتحار في بلد يدعى الأمن من وقوع اعتداء على الإنسان من غيره، كالسرقة والاختطاف، ولكن الخوف يأتي من اعتداء الإنسان على نفسه، وكيف تستطيع الدولة أن تحمى الإنسان من نفسه، وهو في أغلب الأحوال يستطيع الاختلاء بنفسه ويقفل الباب في حجرته، أو مكتبه أو حمامه، ويتناول أي سبب من الأسباب التي تزهق نفسه دون رقيب أو مدافع، وقد يصعد إلى أعلى عمارة في البلد ثم ينادى الناس فينظرون إليه وهو يثب ساقطاً، فلا يقدر أحد أن يحول بينه وبين ذلك، أي علاج تستطيع الدولة أن توجده لحل هذه المشكلة؟
إنه لا يوجد علاج ناجع لهذه المشكلة وكثير من المشكلات التي تعاني منها الأمم اليوم، إلا في دين الإسلام، الذي يجعل من آمن به يعلم بأن اعتداءه على نفسه معصية يستحق عليها عذاب الله، كما يعلم بأن الأمة الإسلامية تحتقر ذلك العمل وتسخر منه، وترى أن فاعله متهور، محتقر غير سوي، وأن فعله ليس من الأفعال التي يتعاطاها العقلاء الأسوياء.
فقاتل نفسه ممقوت بغيض عند المؤمنين في الدنيا، مغضوب عليه من الله يوم القيامة، مستحق للوعيد الشديد، كما جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم، يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً)). [البخاري ومسلم. اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، كتاب الإيمان، رقم: "69"].
وإن الذنب الذي يقترفه الإنسان مهما كان، يمكنه أن يتوب إلى الله منه، إن كان من حقوق الله، وإن كان من حقوق الناس فانه بإمكانه أن يعيد الحق إلى أهله أو يطلب منهم العفو، والعفو في الإسلام فضيلة من الفضائل. [راجع كتاب الإسلام وضرورات الحياة للمؤلف الفصل الثاني: حفظ النفس بمباحثه العشرة].
والإسلام يعالج أي سبب من الأسباب المؤدية إلى الانتحار، فيدفعها قبل حصولها.
أما الحضارة المادية ذات المظاهر الخلابة الخادعة، فإن الأمراض الاجتماعية تنخر في أهلها مثل السوس الذي ينخر في الخشب، فلا يرى فعله إلا بعد زمن، وهى عاجزة عن حل تلك المشكلات الفتاكة.
كيف تحمي المرأة اليابانية نفسها من عدوان الرجل؟
والمرأة اليابانية الآن تدرس الكراتيه لتحمي نفسها، ويوجد جهاز صغير ينصح الشرطة المرأة بحمله، لأنه إذا أراد أحد مهاجمتها يحدث صوتاً مزعجاً، يجعل المهاجم يفر فيشعر الناس به فيمسكونه.
كما يوجد جهاز يحدث صدمة كهربائية للرجل إذا هاجم المرأة، فيصعق الرجل لمدة ساعة، حتى يقبض عليه، ولكنه حرم قانونياً.
السبت 12/11/1406هـ
قال الأخ خالد: إن في جامعة توكوشيما ما يقارب أربعة آلاف طالب، وتوجد ثلاثة أقسام لتدريس اللغة العربية في ثلاث جامعات: جامعة اللغات الأجنبية في أوساكا، تدرس فيها لغات العالم، وجامعة اللغات الأجنبية في كويوتو، وجامعة اللغات الأجنبية في طوكيو.
وتوجد جامعة بوذية في أوساكا، تعاقدت مع أستاذين من القاهرة يدرسان اللغة العربية والعلوم الإسلامية، والهدف من ذلك أن يعرفوا الإسلام عن طريق أهله تعليماً.
وسائل النقل من توكوشيما إلى هيروشيما:
أولاً: في الحافلة من ناروتو إلى توكوشيما:
في الساعة الحادية عشرة خرجنا من فندق شهر العسل في ناروتو إلى محطة الحافلات في توكوشيما، وفي الساعة الثانية عشرة إلا ربعاً تحركنا من محطة الحافلات في توكوشيما إلى مدينة تاكاماتسو، وكنا نمر في وديان بين الجبال، والغابات لا تغيب مطلقاً عنا أينما اتجهنا أو التفتنا، وكانت القرى عن اليمين والشمال متصلة لا تنقطع وكأننا نمشى في مدينة واحدة، وبين آونة وأخرى نشاهد البحر عن يميننا، وتارة نجد مدناً كبيرة لا يفصل بين المدينة والأخرى إلا مسافة قصيرة تنتشر فيها القرى.
ميزتان ظاهرتان:
كنا نتعجب من بناء اليابان الحضاري خلال أربعين سنة، أينما اتجهنا وجدنا عجائب وغرائب، وبمناسبة بعض الجسور وغيرها مما كنا نراه في الطريق، قال الأخ باكريم: في اليابانيين ميزتان عظيمتان: الميزة الأولى الجد في العمل، والميزة الثانية حسن المعاملة.
ثانيا: في الباخرة من تاكاماتسو إلى مدينة أُونُو:
وصلنا إلى مدينة تاكاماتسو في الساعة الواحدة والثلث، أي إن المدة التي قطعنا من توكوشيما إلى تاكاماتسو بالحافلة ساعة ونصف وخمس دقائق.
قطعنا تذاكر لركوب العوامة، وانتظرنا نصف ساعة، فإذا العوامة قد رست فصعدنا إليها، وهذه العوامة محمولة على إطار من المطاط المنفوخ الذي يجعل بينها وبين الماء فراغاً، فتكون مرتفعة عنه، ويعبر عنها بهذه الحروف "HOVER CRAFT " وهى تسير بمراوح دافعة من الوراء، فإذا أريد رسوها خفف من الهواء الذي يملأ ذلك الإطار فتهدأ إلى أن تقف، فإذا أريد لها أن تسير ملئ الإطار بالهواء.
وبدأت السير من "تاكاماتسو" في الساعة الثانية إلا خمس دقائق حسب الوقت المقرر لها، وقد لفت نظرنا أن مواعيد السيارات والقطارات والطائرات والبواخر، يكون فيه دقائق زائدة على الساعات أو ناقصة عنها، وسألت الدكتور صالح السامرائي والدكتور موسى محمد عمر عن السبب؟ فقالوا: إن في ذلك تعويداً للياباني أن يحافظ على مواعيده بالدقيقة، والغالب أن وسيلة السفر لا تتأخر عن موعدها.
وكانت العوامة تمر بعدد من الجزر الصغيرة في البحر، وهى جبال صغيرة، وغالبها زراعية وتقل فيها الصخور.
ويسكن في الجزر الكبيرة نسبياً صيادو اللؤلؤ والأسماك، أما الصغيرة جداً فلا يسكنها أحد.
وأي جزيرة يوجد بها سكان، فإن المواصلات إليها ومنها مؤمنة في أوقات محددة، فلا إشكال في المواصلات في اليابان.
وقد رست بنا العوامة في مدينة "أُونُو" في الساعة الثانية والثلث فكانت مدة السير في البحر خمسا وعشرين دقيقة.
ثالثا: في القطار العادي من مدينة "أُونُو" إلى مدينة "أوكاياما":
بمجرد نزولنا من العوامة مشينا ما لا يزيد عن عشرين متراً، انتظرنا قليلاً، فإذا القطار واقف، فصعدنا وكان من القطارات العادية، وهو همزة وصل بين العوامة والقطار السريع. تحرك بنا من مدينة "أونو" في الساعة الثانية والنصف وكان يسير بنا بين قرى صغيرة ومزارع من الأرز وما أكثر مزارع الأرز في اليابان.
ما أحرصهم على أوقاتهم!
ولفت نظري في القطار امرأة تقعد بين طفلين، بيد كل واحد منهما كتاب يبدو أنه مدرسي، وكانت تلتفت إلى أحدهما وتتحدث معه وتشرح له وتشير له إلى الصور ثم تدعه، وهو يحرك شفتيه ويشير بأصبعه إلى الصور والحروف في الكتاب، ثم تلتفت إلى الثاني وتفعل معه كما فعلت مع الأول، وهو إذا تركته فعل مع كتابه كما يفعل أخوه، وهكذا طول الطريق وهي على تلك الحال. ما أحرص اليابانيين على أوقاتهم وأوقات أولادهم! وما أعظم الثمار المادية التي جنوها بسبب ذلك!
وكنا نلتفت إلى اليمين أو اليسار فنجد اليابانيين يعملون: طائفة في المزارع، وطائفة في منشآت الطرق من جسور وأنفاق وغيرها.
وكان القطار يقف في بعض القرى وقفات قصيرة ليهبط منه قوم ويصعد إليه آخرون، ثم يواصل سيره...
وصلنا إلى محطة القطار في مدينة "أوكاياما" في الساعة الثالثة والدقيقة الخامسة فكانت مدة السير خمساً وثلاثين دقيقة. وهذه المدينة من المدن الرئيسة في المواصلات.
رابعاً: في القطار السريع من أوكاياما إلى مدينة هيروشيما:
وصعدنا إلى القطار السريع فتحرك بنا في الساعة الثالثة والثلث من مدينة أوكاياما، وكنت أنظر من نافذة القطار إلى المدينة، فرأيت طرق القطارات فيها مثل شرايين جسم الإنسان.
وقف بنا القطار وقفات قصيرة في بعض المدن ليترك قوماً ويأخذ آخرين، ومن المدن التي وقف بنا فيها مدينة فوكوياما، قال الإخوة: إنها مدينة مشهورة بتدريس علوم البحار، ويوجد بها طالب مصري اسمه محمد حجاج على محمد له فيها عشرة شهور.
كثرة الأنفاق لتوفير مساحات الأرض المعمورة:
وتكثر الأنفاق في طريق هذا القطار يخترق فيها الجبال، فلا يخرج من نفق إلا ليدخل في نفق آخر، وهو يقطع في الساعة الواحدة ما بين مائتين وخمسين وثلاثمائة كيلو، إنه كالطائرة.
وهذه الأنفاق توفر لليابانيين مساحات واسعة من الأرض يستفيدون منها، بدلاً إضاعتها في الطرق، والأرض جبلية ويفضلون اختراقها، بدلاً من مد الجسور عليها، والأنفاق أكثر أمناً من الجسور، ولا بد أن تكون أفضل اقتصاداً، فالياباني لا يقدم على شيء إلا بعد دراسته من جميع الجوانب.