رحلة جمهورية جنوب إفريقيا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 8 صفحة
صفحة 8 من 8 4 ـ في مدينة وايت ريفر

4 ـ في مدينة وايت ريفر

4 ـ في مدينة وايت ريفر

السفر إلى منطقة وايت ريفر (WHITE RIVER): وايت ريفر تعني: النهر الأبيض .

الأربعاء:1/4/1420هـ ـ 14/7/1999م
خرجنا من مدينة: جوهانسبرج بسيارة مستأجرة، في الساعة الثامنة والنصف صباحاً، وكان يرافقني الأخ حافظ إبراهيم سلو، وهو الذي قاد السيارة، وكان اتجاهنا نحو الجنوب الشرقي.
والطريق معبدة (مسفلتة) تعبيداً جيداً، وغالبها ذات اتجاهين، وكثير من الأراضي التي مررنا بها ـ في أول الأمر ـ صحراوية مستوية، وتوجد بها بعض المزارع، ثم دخلنا في مناطق جبلية تكثر بها الغابات والمزارع.
وقد وصلنا إلى مدينة: (نيل سْبِريتْ NELSPRUIT ) ـ وهي إحدى مدن المنطقة ـ في الساعة الثانية عشر والنصف ظهراً، فكانت مدة السفر أربع ساعات ونصف الساعة.
ونزلنا في بيت الشيخ: "محمد بن خليل غاردي" [الظاهر أنه "قادري"] الذي أصر على استضافتنا، وكان الإخوة قد اتصلوا به قبل يومين، وأخبروه عن رغبتنا في زيارة المنطقة.
وبعد أن صلينا الظهر وتناولنا طعام الغداء، كلف الأخ غاردي ولده يوسف وصديقه بلالاً أن يرافقانا لزيارة بعض المناطق السياحية في المنطقة، وأخبرنا الأخوان أن المناطق الجميلة الرئيسة التي يُحرَص على زيارتها خمس، وقد تمكنا من المرور بثلاث منها، وهي غاية في الجمال: غابات كثيفة تغطي جبالاً وشعاباً وودياناً، تقف على قمة تل فتنظر لترى عدداً من التلال التي تتخللها تلك الوديان وتلك الشعاب، وإن الإنسان ليشح بمغادرة تلك المناطق لولا ضيق الوقت وتباعد تلك المناطق واقتراب وداع الشمس للمنطقة.
وبعد المرور على تلك الجبال والغابات الجميلة، ذهبنا إلى موقعين آخرين تهبط فيهما شلالات من الماء من علو شاهق قد تصل مسافة أحدها من الأعلى إلى الأسفل أربعين متراً، والماء غاية في الصفاء وشدة البرودة والعذوبة.

شلالات وايت ريفر
شلالات وايت ريفر
شلالات وايت ريفر وسقوط الماء من علو 70متراً
شلالات وايت ريفر وسقوط الماء من علو 70متراً

ولو كان في الوقت سعة لقلت كما قال الشاعر العاشق ـ مع اختلاف المعشوقين والموقعين ـ :

بليت بلى الأطلال إن لم أقف بهاوقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه

ماذا فعلت بِمُصَوِّرَتِي يا بلال؟‍! الكاميرا .

عند أحد الشلالين أعجبني جمال المنظر، فقلت للإخوة: تعالوا نأخذ صورة، فوافق الأخوان: يوسف وإبراهيم وانحاز بلال، فقلت له: تعال يا بلال! فجاء الرجل على استحياء، ورأيته وهو يحرك شفتيه، وعندما ضغطت على زر المصورة لألتقط لهم صورة وهم أمام الشلال، لاحظ الأخ إبراهيم أن غطاء الكاميرا مغلق لا يفتح، وحاولت مراراً إصلاحه، كما حاول الأخ يوسف دون فائدة، ولا أدري أكان هذا العطل قد حصل من قبل أم هو حديث؟ وقلت في نفسي: يحتمل أن بلالاً قد دعا ربه أن ينجيه من التصوير، فقلت له: ماذا فعلت بالكاميرا يا بلال؟!
وصلينا العصر عند آخر شلال ورجعنا إلى مأوانا نيل سْبِريتْ.

زيارة إحدى قرى السود:

نموذج لمساكن السود في وايت ريفر
نموذج لمساكن السود في وايت ريفر

وصلنا إلى نيل سبريت قبل المغرب بنصف ساعة، واصطحبنا الشيخ محمد بن خليل غاردي إلى إحدى قرى السود، والمسافة بين منزله وبين القرية خمسة عشر كيلاً تقريباً، وكنا نرى قراهم المتناثرة على اليمين والشمال على تلال صغيرة وفي سفوح تلك التلال، وهي مبنية من الصفيح والخشب، وغالبهم يدينون بالمسيحية، ولكنهم لا يعرفون حقيقتها.
وعندما وصلنا إلى القرية كان كل من رأى الشيخ غاردي منهم ـ وهم غير مسلمين ـ حياه، لأنه يتردد عليهم كثيراً، وكان يلقي عليهم السلام فيردون عليه: وعليكم السلام.

شاب أسود يَعُدُّ تسبيحه بنوى التمر:

وأخذ الشيخ غاردي يدور في شوارع القرية الضيقة الكثيرة المطبات، حتى وصل إلى المسجد المبني من نفس مواد بناء المساكن: صفيح وخشب، وهو مسجد صغير يمكن أن يتسع لخمسة عشر مصلياً، فوجدنا في المسجد شاباً أسود قد دخل في الإسلام عمره 17 سنة تقريباً، وكان جالساً وحده متجهاً إلى القبلة، وأمامه كومة من نوى التمر يعد بها أذكاره، وهو في غاية من الخشوع، وجاء أربعة آخرون من الشباب المسلمين، وبعد أن صلينا المغرب طلب منهم الأخ غاردي أن يقرءوا بعض قصار السور وينطقوا الشهادتين.
والحقيقة أن ما رأيته في هذا الوقت القصير يؤكد ما سمعته مراراً من الدعاة إلى الله ـ ومنهم الشيخ غاردي كما سيأتي ـ من أن إسلام الأفارقة السود سهل جداً، فهؤلاء الشباب الذين دخلوا في الإسلام يسكنون بين أسرهم المنتسبة إلى المسيحية، ولا يجدون أي مضايقة أو اعتراض على إسلامهم [بخلاف من أسلم من الأوربيين فإنه ينال من أسرته أذىً شديداً] بل يؤمل أن يدخل أقرباؤهم معهم في الإسلام، ثم رجعنا إلى منزل الشيخ غاردي وصلينا العشاء ثم تناولنا طعام العشاء.

الاجتماع بالشيخ محمد بن خليل غاردي:

كنت قلت له: إنني أريد أن تعطيني وقتاً لآخذ منك بعض المعلومات عن الدعوة في هذه المنطقة، وبعد أن تناولنا طعام العشاء قال لي: أنا أقترح عليك بإلحاح أن تؤخر سفرك وتبقى عندنا ثلاثة أيام على الأقل، لتزور مناطق أخرى من قرى السود، فقلت له: ليس عندي وقت غير هذه الليلة ويجب أن لا أبيت الليلة الآتية إلا في جوهانسبرج، لأني في حاجة إلى ترتيب أمتعتي واستعدادي للسفر يوم السبت إلى بلادي، ولذلك ليس عندنا وقت للاجتماع إلا الآن. قال: ولكنك متعب لم ترتح من الصباح إلى الآن. قلت: سيعيننا الله. [لأنه قد رتب لنا السفر غداً إلى حديقة الحيوان المفتوحة مبكرين كما سيأتي].
نشأته ودراسته:
ولد الشيخ محمد سنة 1952م أي إن عمره الآن: 47 سنة.
حفظ القرآن في جوهانسبرج وعمره: (16 سنة) هاجر إلى الهند وتعلم في مدرسة الشيخ محمد زكريا، في (شهارن بور) لمدة أربع سنوات، وتخرج منها سنة: 1978م. وسكن في المدينة المنورة 1979م من أجل خدمة الشيخ سنة واحدة.

اهتمامه بدعوة السود وسببه.

وفي نهاية السنة 1979م رجع إلى جنوب أفريقيا وتزوج بابنة عمه في هذه المدينة، ولم يكن عنده مال، وكان محرجاً من بقائه كذلك، لأنه كان يرغب أن يعينه الله بما يمكنه من الدعوة إلى الله. وقد نصحه الشيخ زكريا أن يجتهد في دعوة السود إلى الإسلام، فعقد العزم على تنفيذ تلك الوصية.
وذهب إلى قرى البادية سنة: 1980م يبحث ليدعو إلى الإسلام من يجده مسلماً كان أو غير مسلم. كان عدد المسلمين قليلاً جداً، فجمعهم وبنى لهم مسجداً يعلمهم فيه، وجمع أولادهم يعلمهم في المدرسة.
وكان عدد المسلمين في القرى التي اهتم بالاتصال بها في حدود (400) رجالاً ونساء، صغاراً وكباراً.
وكانت أخلاق الأولاد الذين تعلموا في المدرسة طيبة، وتأثرت بذلك أسرهم، وبعث غير المسلمين أولادهم إلى المدرسة ودخل هؤلاء الأولاد في الإسلام.
وبلغ عدد الداخلين في الإسلام من السود بدعوته ودعوة بعض إخوانه إلى الآن حول خمسة آلاف شخص تقريباً.
والموضوعات التي اهتم بالدعوة إليها وتعليمها هي: العقيدة والقرآن والفقه والعبادات. وكان يوجد مركز واحد لدعوة غير المسلمين في منطقة: "بَاتِنْ"، وقد بدأ المركز الثاني قبل شهرين في منطقة "نالْسْ بْرِدْ".
وسألت الشيخ غاردي عن مدى استجابة السود للدعوة إلى الإسلام؟
فقال: استجابتهم للدعوة سهلة، إذا بلغهم الإسلام عن طريق دعاة يرى فيهم القدوة الحسنة، ولكنهم يرون سوء أخلاق بعض المسلمين من الهنود، فيكرهون الدخول في الإسلام.
وكثير من المسلمين ليس عندهم لين ولا حكمة ولا تواضع، وبعضهم يتكبرون على السود، وغالب العلماء لا يجالسون السود ولا يأكلون معهم بسبب احتقارهم لهم، وهذا من أهم الأسباب التي تنفرهم من الدخول في الإسلام.
عدد غير المسلمين في منطقة (بوما لَنْغا): ستة ملايين، أغلبهم من الأفارقة السود، وعدد البيض في حدود مليون. وعدد المسلمين يتراوح ما بين 50 و60 ألفاً.
عدد المساجد والمصليات 100 تقريباً، وعدد المساجد الكبيرة (30) تقريباً.
وكل مسجد أو مصلى توجد فيه مدرسة أو كتاب. وتوجد ثلاث مدارس منهجها يشتمل على المواد الإسلامية والمواد الحكومية.
وسألت الشيخ غاردي: عن تمسك أولاد المسلمين بالإسلام؟
فقال: أولاد المسلمين السود أكثر تمسكاً بالإسلام، أما أولاد الهنود فالفسق في أولادهم كثير جداً، يشربون الخمر ويتعاطون المخدرات والرقص والديسكو، ذكوراً وإناثاً، وكثير من أبناء المسلمين لا تفرق بينهم وبين الهندوس، وقد رأيت هذا بعيني وسمعته بأذني.
والنساء المسلمات اللاتي يلبسن الحجاب الكامل في جنوب أفريقيا 5% تقريباً، واللاتي تكشفن وجوههن وأكفهن فقط 2%. (معنى هذا أن غير المحتشمات 93%!!
وكل مسجد كبير في قرى السود يحضره النساء في مصلى خاص بهن مزود بالمراحيض الخاصة بهن.
وسألت الشيخ غاردي عن المسجد الذي أسسه بجانب منزله ومتجره؟

مسجد وايت ريفر الذي أسسه الشيخ محمد بن خليل غاردي ووضع حجر الأساس له الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي إمام المسجد النبوي
مسجد وايت ريفر الذي أسسه الشيخ محمد بن خليل غاردي ووضع حجر الأساس له الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي إمام المسجد النبوي

فقال: وضع حجر الأساس لهذا المسجد (الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف) سنة: 1992م، وتم تأسيسه في سنة: 1994م.
وتوجد في وايت ريفر3 أسر مسلمة تقريباً. ويوجد في جنوب أفريقيا الآن داعية شيعي، أصله عراقي، وهو فضل الله هاجري، جاء منذ أربع سنوات.
انتهى ما أدلى به الشيخ محمد بن خليل غاردي في منزله في وايت ريفر بعد صلاة العشاء.

تاجر الدنيا والآخرة:

لقد كانت زيارتي لـ(وايت ريفر) واجتماعي بالأخ الشيخ (محمد بن خليل أحمد غاردي) خاتمة خير لرحلة جنوب أفريقيا وقد سرني الاجتماع بهذا الرجل كثيراً، برغم أن السفر كان متعباً، لطول المسافة وقصر الوقت، فقد جمع الرجل بين تجارتي الدنيا والآخرة، فقد فتح الله عليه أبواب الرزق في تجارة الدنياً، وفتح الله عليه باستغلال تجارة الدنيا في تجارة الآخرة: الدعوة إلى الله وتعليم الجاهل ومساعدة المحتاج، وهو من حفظة كتاب الله، يخرج من متجره إلى مسجده المجاور فيؤم الناس في الصلاة ويعلمهم ويخطب بهم يوم الجمعة، ويتجول في القرى والبوادي ليدعو غير المسلمين إلى الإسلام، فوقته كله تجارة رابحة بإذن الله، وهو مع ذلك رجل كريم يستقبل الضيوف الوافدين إلى المنطقة ويؤيهم في داره الواسعة ويرفض رفضاً باتاً نزولهم في الفنادق، وقد ذكره المسلمون في مناطق أخرى، أسأل الله أن يزيده من فضله في الدنيا والآخرة.

أسباب سروري بالاجتماع بالشيخ غاردي:

السبب الأول: ما ظهر لي من إخلاص هذا الرجل وصدقه ومحبته للدعوة إلى الله ومزاولتها عملاً واجتهاده فيها.
السبب الثاني: شدة شوقه لسماع ما يفيده في سبيل نجاحه في الدعوة، ورغبته الشديدة في التنبيه على أي وسيلة ناجحة من وسائل الدعوة إلى الله.
السبب الثالث: صراحته في الإجابات عن الأسئلة المتعلقة بأحوال المسلمين وعلمائهم ونشاطهم في الدعوة والتعليم.
ولقد طال وقت حواري مع الرجل بعد أخذ المعلومات السابقة معه، حيث بدأ بطرح أسئلة كثيرة حول الدعوة، وسره كثيراً ما سمع من توجيهات في هذا المجال، وبخاصة قواعد الدعوة الناجحة التي أطلت الحديث عنها معه أكثر من غيره من العلماء الذين اجتمعت بهم قبله.

قواعد الدعوة الناجحة:

قلت له إن في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته إلى الله من أول بعثته إلى أن لقي ربه، قواعد ناجحة للدعوة الإسلامية:
القاعدة الأولى: نشر الدعوة السريع بين الناس.
فلا بد للداعية إلى الله أن يوصل دعوته إلى كل من يمكن الوصول إليه من الناس، وذلك ببيان أصول الإيمان وأركان الإسلام، وأصول المحرمات ومكارم الأخلاق.
وهذا ما فعله صلى الله عليه وسلم في العهد المكي، حيث كان يقصد نوادي قريش في البيت الحرام وغيره، ليدعوهم إلى الله، ويقصد تجمعات الناس في أسواقهم ومخيماتهم وأماكن عبادتهم ـ كما حصل في مواسم الحج مع قادة يثرب ـ ويقصدهم في قراهم، كما فعل مع أهل الطائف (قبائل ثقيف).
القاعدة الثانية: اختيار الصفوة الممتازة وبناؤها بناءً بطيئاً إيمانياً قوياً.
إن الداعية إلى الله لا بد أن يختار صفوةَ أتباعه من المسلمين الذين يتحملون عبء الدعوة إلى الله على صبر وجلد وحكمة ولين وبصيرة، والعنايةَ بهم وبناءَهم بناءً بطيئاً، بتفقيههم في الدين وبيان أصول الدعوة التي تكون منطلقاً لنشاطهم الدائم، وأهدافها التي يجب السعي إلى تحقيقها، واتخاذ كل وسيلة متاحة مشروعة للقيام بها، وتدريبهم على تحمل مشاقها، وحب إخراج الناس من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان إلى نور الإيمان والعبادة والطاعة.
وهذا ما فعله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم، التي ربى فيها أبا بكر وعمر وبلالاً وصهيباً وعماراً، وكانوا روادها حملة الدعوة إلى الله وأركانها في مكة ثم في المدينة مع صفوة الأنصار الذين بعث إليهم المعلم الداعية مصعب بن عمير رضي الله عنهم جميعاً...
والداعية لا يستطيع أن يقوم بالدعوة وحده، وليس كل فرد من المسلمين قادراً على تحمل أعباء الدعوة إلى الله، مهما بلغ من التجرد لربه وحبه للدعوة إليه، لذلك لا بد من تربية مثل هذه الصفوة التي تتحمل معه تلك الأعباء.
القاعدة الثالثة: القيام بفريضة البلاغ المبين.
إن الدعوة إلى الله ليست مجرد إيصال الإسلام إلى الناس كيفما كان هذا البلاغ، وإنما يجب أن يكون البلاغ مبيناً، أي بلاغاً واضحاً يبين حقيقة الإسلام بلاغاً تقوم به الحجة على من بلغه، ولهذا تكرر وصف القرآن البلاغ بلفظ "المبين".
وبقدر الوضوح الذي يحمله البلاغ تقوم على المدعوين المبلَّغين الحجة، ومن البلاغ المبين كشف الشبهات وإزالتها وبيان زيفها.
وقد قام بهذا البلاغ المبين جميع رسل الله في الأرض من عهد نوح عليه السلام إلى آخر رسول ختم الله به رسله، وهو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم وسنة الرسول وسيرته صلى الله عليه وسلم كلها دالة على وجوب قيام الداعية بالبلاغ المبين، وليس مجرد بلاغ.
القاعدة الرابعة: دعوة المواقع.
ومعنى هذه القاعدة أن كل مسلم يجب عليه أن يقوم بالدعوة إلى الله في موقعه الذي هو فيه بالقدر الذي يستطيعه، فالعالم عنده قدرة على القيام بالدعوة بما أوتيه من علم ـ قل علمه أو كثر ـ فكثير من المسلمين يعلمون بدهيات الإسلام، وهي ما أطلق عليه العلماء: (ما علم من الدين بالضرورة) ويشمل ذلك قاعدة قواعد الإسلام (الشهادتين) وأصول الواجبات وأصول المحرمات، مثل كون الصلاة واجبة وعدد أوقاتها وركعاتها... ومثل كون الزنا والخمر حرام .
فكل مسلم عنده علم بهذه الأمور يجب عليه أن يبلغ من يجهل ذلك في موقعه، أينما كان هذا الموقع... بمعنى أنه إذا لم يستطع الانتقال من موقعه إلى موقع آخر للقيام بالدعوة فعليه أن يقوم بها في موقعه، ولا عذر له في عدم قيامه بذلك .
والغني الذي لا يستطيع القيام بالدعوة، فموقعه يوجب عليه أن يبذل ماله لمن يقوم من العلماء بالدعوة والتعليم.
والقادر على الدعوة في أسرته: أباً كان أو أماً أو جداً أو جدة أو أخاً أو أختاً، يجب عليه أن يقوم بالدعوة في موقعه، وهكذا الإعلامي والتعليمي والاقتصادي والسياسي والدبلوماسي، فلا يبقى أحد معذوراً عن القيام بدعوته في موقعه.
القاعدة الخامسة: وجوب السباق بالحق إلى عقول الناس.
جرت سنة الله الكونية أن يتنافس أهل الحق وأهل الباطل في السباق إلى عقول الناس، كل يحاول أن يسبق بما عنده إلى تلك العقول، ولكل أهدافه ووسائله، وقد اشتد هذا السباق في هذا العصر، بسبب ما ابتكر من وسائل متعددة ومؤثرة وبخاصة الاتصالات والمواصلات السريعة.
ومعلوم أن من سبق بما عنده إلى عقول الناس ملك كثرة عددهم وقوة تأييدهم.
وسَبْق أهل الباطل بباطلهم إلى عقول الناس فيه الهدم الكامل لضرورات حياة الشر: دينهم ونفسهم ونسلهم وعقلهم ومالهم، وما يكمل تلك الضرورات من تحسينيات وتكميليات وفي ذلك شقاء الأمم وضنكها ونكالها..
وسَبْق أهل الحق بحقهم إلى عقول الناس يحفظ تلك الضرورات ومكملاتها، وفي ذلك وحده سعادتها ونعيمها في الدنيا والآخرة. لهذا يجب على المسلمين كل في موقعه وقدرته أن يسبق بالحق إلى العقول.
القاعدة السادسة: اتخاذ كل وسيلة متاحة لنشر الدعوة.
الوسيلة لها حكم الغاية، فإذا كانت الغاية واجبة كانت الوسيلة المتاحة المشروعة الموصلة إليها واجبة، وهكذا وسائل المحرمات محرمة، ووسائل المندوبات مندوبة، ووسائل المكروهات مكروهة، ووسائل المباحات مباحة.
ولما كان إيصال الدعوة إلى من يجهلها واجباً، كانت الوسيلة إلى تحقيق ذلك الإيصال واجباً، مادامت تلك الوسيلة مشروعة مستطاعة، مهما كانت تلك الوسيلة.
وقد اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم كل وسيلة أتيح له استعمالها في حالتي السلم والحرب: الاتصال الشخصي المباشر، في الحضر والسفر، اتصل بالأفراد والجماعات ـ كثروا أو قلوا ـ إذا لم يستطع أن يسمع الجماعة دعوته في مكان انتقل إلى مكان آخر يستطيع منه إسماع الجميع، كما فعل ذلك عندما دعا قريشا كلها من على قمة جبل أبي قبيس. وإذا لم يستطع ذلك بنفسه بعث إلى الناس رسله أو رسائله.
وإذا لم يستطع السير بدعوته على قدميه سار راكباً أي وسيلة نقل وجد: الحمار والناقة والبغل والحصان.
ووسائل اليوم غير وسائل الأمس: وسيلة اليوم: الكتاب والجريدة والمجلة والشريط (فيديو أو كاسيت) ومذياع وهاتف وتلفاز محلي أو فضائي، وإنترنت، وقصة ومسرح وتمثيلية ومسلسلة ـ بشروطها، وسيارة وباخرة وطائرة ومنطاد.
وفي بقاء أهل الحق جامدين على وسائل معينة لا تكافئ وسائل أهل الباطل مع قدرتهم على اتخاذ الوسائل المكافئة، إثم مبين.
لقد توسعت في شرح هذه القواعد للشيخ غاردي أكثر من غيره من العلماء لما شعرت به من حرص الرجل على الاستفادة الشاملة في مجال الدعوة، وقد أبدى غاية السرور بهذا الحوار، أسأل الله له التوفيق والثبات والرزق الوفير الذي يعينه على الدعوة الإسلامية.

في حديقة الحيوان المفتوحة (KRUGER NATIONAL PARK):

الخميس 2/4/1420هـ ـ 15/7/1999م
أعد لنا الشيخ غاردي سيارة خاصة للسفر إلى أكبر حديقة حيوان مفتوحة في جنوب أفريقيا، ورافقنا ابنه بلال وزميله يوسف، وبعض الشباب من كيب تاون ومن المدينة المنورة.
كان خروجنا من البيت الساعة السابعة والنصف صباحاً، ووصلنا إلى بوابة الحديقة الساعة الثامنة والنصف مع سرعة قيادة بلال الشديدة، واسم البوابة: (بولْ كْروجير PAUL KRUGER ) وللحديقة بوبات كثيرة من جهات متعددة.

حديقة كروجر المفتوحة للحيوانات ـ وايت ريفر
حديقة كروجر المفتوحة للحيوانات ـ وايت ريفر
حديقة كروجر المفتوحة للحيوانات ـ وايت ريفر
حديقة كروجر المفتوحة للحيوانات ـ وايت ريفر
نموذج من مقتنيات المتحف الموجود في حديقة كروجر للحيوانات ـ وايت ريفر
نموذج من مقتنيات المتحف الموجود في حديقة كروجر للحيوانات ـ وايت ريفر
حديقة كروجر المفتوحة للحيوانات ـ وايت ريفر
حديقة كروجر المفتوحة للحيوانات ـ وايت ريفر
حديقة كروجر المفتوحة للحيوانات ـ وايت ريفر
حديقة كروجر المفتوحة للحيوانات ـ وايت ريفر

أما الحديقة نفسها فاسمها: (الحديقة الوطنيةKRUGER NATIONAL PARK )
طول الحديقة: (400 كيل) وعرضها: (80 كيلاً).
وقد جلنا في الحديقة طولاً وعرضاً، وغالب الشوارع فيها معبدة بالإسفلت. وتوجد بها ممرات فرعية، بعضها يمنع دخول السائحين بها، وبعضها لا يمنع من دخوله.
والغابة ـ كاسمها ـ غابة تكثر بها الأشجار الكثيفة في مساحات واسعة جداً منها، وبعض الأماكن لا توجد بها أشجار كبيرة، بل توجد بها بعض الشجيرات والحشائش، ويتخلل الغابة نهر طويل متعرج يراه السائح أينما اتجه، وهو نهر صاف تكتنفه الأشجار الباسقة من جانبيه، ويسمى (سابيSABIE ).
وقد جمع الله للحيوانات في هذه الحديقة بين الحشائش والأعلاف التي تغتذي عليها، والأشجار الكثيفة التي تستظل وتحتمي بها، والماء المتدفق الذي ترتوي منه وتستحم.
وفي أماكن من الغابة توجد الجبال الصغيرة والكبيرة، وقد مررنا ببعضها، ويكثر في تلك الجبال القط الوحشي الذي لم نشاهده كَمَلِكِه.

متحف الغابة:

وفي الغابة عدد من المتاحف التي تحتوي على تاريخ الغابة والمسئولين الذين كانوا يشرفون عليها، والأسلحة والأدوات التي كانوا يستعملونها.
ومن ضمن ما وجدناه في أحد تلك المتاحف صورة مجسمة لشخص من أهل البلد، قيل إن الأسد اصطاده ودافع عن نفسه بسكين حتى قتل الأسد، وقد قال لي رجل مسن يعمل مع الشيخ غاردي: إن قصته صحيحة، وأنه هو يعرفه شخصياً.

لم نحظ باستقبال الملك!

لقد قابلنا في جولتنا في الغابة كثيراً من الحيوانات والطيور في كل مكان مررنا، ولكن لم نتمكن من مقابلة الملك (الأسد) الذي لا يظهر للزوار إلا في الصباح الباكر ـ وقت الغلس ـ في الغالب.
أما الحيوانات التي رأيناها:
فمنها: قطعان الغزال الكثيرة التي لا يخلو منها مكان.
ومنها قطعان الفيلة صغاراً وكباراً.
ومنها: فرس النهر.
ومنها: القرود ذات الأصناف الكثيرة.
ومنها: قطعان الزرافات.
ومنها قطعان حمر الوحش.
ومنها قطعان البقر الوحشية المسماة: (بوفي لو BUFFALO) وقد وقف في طريق الزوار قطيع كبير جداً منها وبقينا في سياراتنا بعيداً عنها ننتظر سماحها لنا بالمرور في حدود 15 دقيقة وهي لا تتحرك من مكانها، والناس خائفون من الاقتراب منها، لأن من عادتها أن تهيج إذا استثيرت، وإذا هاجت حطمت كل ما مرت عليه، وهي مع ضخامتها معها سلاح مخيف وهو قرونها القوية.
كما رأينا حيوانات: (الهيبو HIPPO ) وهي من أنواع البقر.
وأخيراً رأينا كثيراً من الخنازير البرية.
أما الطيور وأنواعها وموسيقى أصواتها من العصفور إلى النسر، فحدث ولا حرج.
وكان رجوعنا إلى بوابة الحديقة في الساعة الثانية والنصف ظهراً تقريباً، أي إن جولتنا في داخل الحديقة استغرقت ست ساعات.

وداعٌ باكٍ حزينٌ!

عدنا إلى بيت الشيخ غاردي وصلينا الظهر والعصر، وتناولنا طعام الغداء، ثم ودعناه هو وبقية الإخوة، عندما حان وقت سفرنا من وايت ريفر إلى جوهانسبرج ودعَنا الشيخ غاردي جاهشاً بالبكاء مسيلاً الدموع، حزناً على فراقنا، وقد بادلناه نفس الحالة، ففي فترة قصيرة جمعتني به توطدت بيننا أخوة عميقة، ولعل ذلك مصداق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الأرواح جنود مجندة ما توافق منها ائتلف وما تناكر اختلف)) وأسأل الله أن يجمع بيننا في دار كرامته كما جمعنا في مجال دعوته.

السفر إلى جوهانسبرج وورطة وقانا الله شرها!

وانطلقنا أنا والأخ إبراهيم سلو عائدين من وايت ريفر إلى جوهانسبرج في الساعة الخامسة عصراً.
وفي نصف المسافة ـ تقريباً ـ بين وايت ريفر وجوهانسبرج تعطلت بنا السيارة في مكان موحش وقد أرخي الليل علينا سدوله، وكان خرابها في مكان خطير جداً، فلا يوجد للسيارة موقف جانبي بعيد عن السيارات المارة بسرعة، فقد كانت السيارة واقفة على حافة الشارع اليسرى ولو حركناها قليلاً أو صدمتها سيارة مارة لانقلبت بنا في في المهوى الذي على يسارنا، وعلى يميننا السيارت المارة التي تكاد كل واحدة منها تصدمنا، ولا نستطيع الخروج من السيارة لأمرين:
الأمر الأول: الخوف من قطاع الطرق ونحن في مكان خال في ليل حالك الظلمة.
الأمر الثاني: عدم وجود مكان نقف فيه.
وقد كاد عدد من السيارات المتجاوزة تصدم سيارتنا.
ومن لطف الله بنا أنني كنت أحمل الهاتف الجوال معي ـ وإن كانت البطارية قد ضعفت طاقتها ـ ومعنا رقم الشركة المؤَجِّرة، والشركة لها فروع كثيرة في مدن جنوب أفريقيا.
اتصلنا بالأخ محمد فريد شونارا مدير مكتب لجنة مسلمي أفريقيا في جوهانسبرج وأخبرناه بما حصل، واتصل هو بالشركة، واتصلت بنا الشركة وأخبرناها بمكاننا، وبضعف بطارية الهاتف، واتصلت الشركة بفرع لها في مدينة تبعد عنا عشرين كيلاً، وتكررت الاتصالات بنا من الشركة الأصل من جوهانسبرج، ومن الشركة الفرع من المدينة القريبة، وأكدت لنا الأخيرة قرب وصول الإسعاف إلينا.
ولشعورنا بالخطر في هذا المكان حاول الأخ إبراهيم تحريك السيارة ببطء شديد إلى الأمام لنقف في موقف آمن من السيارات المارة، ووجدنا الموقف على بعد 300 متر تقريباً.

اطمئنان من جهة وتوجس من جهة:

عندما وجدنا ذلك الموقف اطمأننا من جهة بعدنا عن السيارات المارة، ولكن حدث شيء آخر توجسنا منه خيفة، وهو أن سيارة جاءت ووقفت وراءنا مع بقاء أنوارها مضيئة، وكنا ظننا في أول الأمر أنها سيارة الشركة أرسلت لإسعافنا، وهممت أن أفتح الباب وأنزل، ولكن الأخ إبراهيم قال لي: لا تنزل فقد يكون هؤلاء من قطاع الطرق، وبقاؤنا في السيارة يجعلهم يخافون من أن يكون معنا سلاح، فإذا نزلنا ولم يروا معنا سلاح فسيهاجموننا، ولو كانت سيارة الشركة فسيأتي سائقها إلينا، وبقيت السيارة كاشفة أنوارها ولا تتحرك من مكانها، وكنا نكرر هذه الجملة: {حسبنا الله ونعم الوكيل} وهي ما قاله إبراهيم عليه السلام حينما ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم، عندما هدده كفار قريش، حتى جاءت سيارة الإسعاف، ورفع السائق سيارتنا ونحن على مقعدنا فيها على سيارته ونقلنا إلى المدينة، حيث وجدنا سيارة بديلة جاهزة، فواصلنا السير، وصلنا إلى الفندق في مدينة جوهانسبرج الساعة الحادية عشرة مساء حامدين الله على عونه وحفظه.

الجمعة: 3/4/1420هـ ـ 8/7/1999م

كان اليومان السابقان كلاهما سفراً وعملاً متواصلاً من الصباح إلى المساء وكان يوم أمس أشد الأيام تعباً وإرهاقاً، لهذا اضطرت اليوم إلى البقاء في الفندق لآخذ راحتي. وبعد الظهر خرجت مع الأخ إبراهيم إلى السوق قليلاً ورجعت لإكمال ترتيب حقائبي.

المقلب الثاني في فندق هيلتون!

سبق ما حصل من خطأ غير مقصود من الفراش الأفريقي الأسود في هذا الفندق قبل ما يقارب الشهر، يوم الجمعة 5/3/1420هـ ـ 1999م، عندما فتح لي غير غرفتي، فلم أجد أمتعتي وما أصبت به من صدمة.
وحصل اليوم مقلب آخر من موظفة سوداء مسئولة عن المغسلة، فقد وضعت البارحة كيس الغسيل على مقبض الباب الخارجي للغرفة وفيه ثوبي النظيف الوحيد الذي أريد كيه لألبسه غداً السبت عند سفري إلى جدة، وطلبت إحضار الثوب اليوم فقالوا لي: ليس عندنا لك ثوب!
وكررت الطلب فلم يتغير الرد، ثم اتصلت بموظفي الاستقبال ـ بدلاً من موظفي المغسلة ـ وذكرت لهم ما حصل، فجاءتني امرأة سوداء طويلة بدينة ذات وجه مكفهر، وقالت لي: من سلمت ثوبك؟ قلت وضعته على مقبض الباب في الخارج كما جرت العادة.
قالت: فتش خزينة ملابسك، لعل أحد موظفي المغسلة وضعه فيه وأنت غائب، قلت: لا يوجد في الخزينة وفتحت لها الخزينة لترى بعينها، ثم قالت: ثوبك ليس عندنا، فصرخت في وجهها: ومن أخذ ثوبي؟ واشتد غضبي وغضبها فكنت أخلط بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية، وكانت تتكلم بسرعة لا أدري ماذا تقول؟ ثم قلت لها: اذهبي إلى مكتبك، فنظرت إلي نظرة غضب وخرجت وهي تخاصم، كان هذا في الساعة العاشرة مساء.
وعزمت على السكوت عنهم، وأخرجت من الحقيبة التي كنت قد أقفلتها بدلة سفرية (سفاري) لألبسها بدلاً من الثوب.

هل رغب السود في الاحتفاظ بثوبي للذكرى؟

السبت: 4/4/1420هـ ـ 17/7/1999م
جاء الأخ محمد فريد شونارا مدير مكتب لجنة مسلمي أفريقيا ومعه الشيخ أحمد فيصل الساعة السابعة صباحاً لتوديعي، وعرفا قصة الثوب، فاتصلا بالمسئول ـ وهو أبيض ـ وأخبراه بذلك، وبعد خمس دقائق كان الثوب عندي مكوياً، فأخذني العجب من ذلك! لقد قرب موعد سفري ولم أعد أطمع في الحصول على الثوب، فلماذا فعل موظفو المغسلة ذلك؟ هل أرادوا أخذ الثوب للذكرى، أو ظنوا أن يحصلوا على مبلغ من المال ثمناً له من بعض المسلمين؟!
الله أعلم، والمهم أنني لبست ثوبي نظيفاً مكوياً بدلاً من البدلة المذكورة.

العودة إلى مهبط الوحي:

وأوصلني الأخ إبراهيم سلو بسيارته إلى مطار جوهانسبرج، وهناك وجدت الأخ هشام البنيان (مدير محطة السعودية) الذي كانت تذكرة عودتي معه، فسلمني بطاقة الصعود، وودعني هو والأخ إبراهيم، وبعد أن مررت بموظفي الجوازات تجولت قليلاً في السوق، واشتريت كتابين: أحدهما عن جنوب أفريقيا، والآخر عن كيب تاون، وكلاهما باللغة الإنجليزية، ثم صعدت إلى الطائرة السعودية (رقم الرحلة: 448) التي أقلعت في الساعة العاشرة صباحاً إلى نيروبي ـ وهي تسير نحو الشمال الشرقي من جنوب أفريقيا ـ وقد استغرقت الرحلة ثلاث ساعات ونصف الساعة، حيث هبطت في مطار جومو كنياتا في الساعة الواحدة والنصف بتوقيت جنوب أفريقيا، الثانية والنصف بتوقيت نيروبي ومكة المكرمة.
وبقيت في المطار ساعة وثلاثين دقيقة، وأقلعت في الساعة الثالثة بتوقيت جنوب أفريقيا، الرابعة بتوقيت المملكة.

ماذا أقول لمسلمي جنوب أفريقيا؟

لا بد أن قول للمسلمين في جنوب أفريقيا شيئاً.
لقد أمضيت ثلاثة وثلاثين يوماً في جنوب أفريقيا، من يوم الاثنين 1/3/1420 ـ 4/4/1420هـ ـ 14/6/ 1999 ـ 17/7/1999م زرت فيها أربع مناطق، وهي: جوهانسبرج، وكيب تاون ودربن وبريتوريا.
زرت في المناطق الثلاث الأولى عواصمها وكثيراً من ضواحيها، ولم أزر في بريتوريا ـ وهي العاصمة الإدارية ـ إلا السفارة السعودية.
زرت مساجد ومؤسسات ومراكز ومدارس إسلامية، وبعض الجامعات، واجتمعت بأئمة المساجد وعلماء المسلمين وزعمائهم وأساتذتهم ودعاتهم واجتمعت ببعض المسلمين الجدد، وقابلت بعض المستشرقين، وحاورتهم جميعاً عن تاريخ الإسلام والمسلمين في هذا البلد، وعن أحوال المسلمين الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها.
وسجلت في دفتري كل ما تمكنت من تسجيله من تلك المعلومات.
هذا مع العلم أنني كثيراً ما أكرر السؤال الواحد على كثير ممن قابلتهم، حرصاً مني على الاستقصاء والاطمئنان، وقد تتفق إجاباتهم وقد تختلف، وأنا أسجل إجابة كل واحد كما هي، وقد أعلق على بعضها بما أرى، وقد أرجح إجابة على أخرى لسبب بدا لي.
وعندما استقلت بي الطائرة في سماء جنوب أفريقيا، وألقيت نظرة وداع على أرضها، سألت نفسي هذا السؤال: ما ذا أقول لمسلمي جنوب أفريقيا؟
وقلت لنفسي: لا بد من الإجابة على هذا السؤال الآن لأمرين:
الأمر الأول: أن حواراتي ولقاءاتي ومشاهداتي وملحوظاتي لا زالت غضة طرية، والإجابة الآن ستكون أكمل وأسهل من الإجابة غداً، لكثرة المشاغل وطروء النسيان.
الأمر الثاني: أن خير البر عاجله، والحرص على النافع مشروع، وتأخير عمل اليوم إلى الغد ممنوع.
القول الأول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ووداعا أيها المسلمون في جنوب أفريقيا، إلى أن يكتب الله لنا أو لبعضنا اللقاء في أي زمان أو مكان، وأرجو أن يجمعنا الله تعالى بكم جميعاً في دار كرامته.
القول الثاني: لقد وفقكم الله لغرس دينه في هذا البلد منذ أكثر من ثلاثمائة سنة، على غير رغبة من أعداء هذا الدين الذين جاءوا بأجدادكم ـ من الملايو والهند ـ عبيداً وخدماً منفيين معتقلين مسجونين مهانين، لا قيمة لهم إلا عند مولاهم الذي أراد لهم أن ينشروا دينه الحق ويوطنوه في بلد بعيد ناء عن بلدانهم.
وقد بذل العلماء من أجدادكم جهوداً مضنية في سبيل المحافظة على تمسك ذريتهم بدينهم، إضافة إلى دعوة غيرهم، حتى أصبح الإسلام منتشراً في غالب البلاد، وأصبحت المعاقل العلمية والمساجد والمراكز الإسلامية المتنوعة منتشرة في كل مكان حل به المسلمون.
وقد حافظ بعضهم ـ الهنود ـ على الدم النَّسَبيِ، كما حافظوا على الدين الإسلامي. ولقد أصبحت لفظتا الحلال والحرام في المطاعم والفنادق والطائرات والبواخر وغيرها معروفة في مناطق جنوب أفريقيا كلها، بل إن المطاعم والأسواق الكبيرة تعلق لروادها لافتات كتب عليها (حلال HALAL ) ولا يسمح لتلك المطاعم بتعليق تلك اللافتات إلا بإذن من مجلس القضاء الإسلامي في كيب تاون أو أي مؤسسة إسلامية معترف بها لدى الدولة. وهذا يدل على أن الإسلام قد غرس في هذا البلد غرساً قوياً.
القول الثالث: لقد أراد الأوربيون العنصريون أن يحولوا بين دعوة الإسلام ووصولها إلى غير المسلمين من سكان جنوب أفريقيا، فعزلوا كل فئة عن الأخرى وكان لذلك العزل جانبان: [لم يكن هذا هو هدفهم الوحيد من العزل، ولكنه أحد أهدافهم].
الجانب الأول: إيجابي وهو المحافظة على ذراري المسلمين من اختلاطهم بغيرهم من الفئات غير الإسلامية، كما حصل للمسلمين الأفغان في أستراليا، وكما حصل لبعض المسلمين في بلدان أخرى كأمريكا الجنوبية.
الجانب الثاني: سلبي، وهو أن اختلاط المسلمين بغيرهم قد يكون له أثره الفعال في دخولهم في الإسلام ـ وبخاصة الأفارقة السود ـ إذا تحلى المسلمون بالقدوة الحسنة، وقاموا بالدعوة إلى الإسلام ـ كل في حدود قدرته ـ كما حصل ذلك في كثير من البلدان، في أفريقيا وفي جنوب شرق آسيا، حيث أصبح غالب سكان تلك البلدان مسلمين، مثل إندونيسيا وماليزيا وبروناي، وكذلك بعض بلدان أفريقيا، مثل نيجيريا والسنغال وغيرها ...
القول الرابع: من النصيحة الصريحة لكم أن أقول لكم: لقد قصرتم تقصيراً شديداً في دعوة من اختلطوا بكم من السود إلى الإسلام، فقد كان يوجد بينكم الخدم: رجالاً ونساء، صغاراً وكباراً، ولم يكن غالبكم ـ بل أكاد أقول: كلكم ـ حسب إجابات كثير من علمائكم وزعمائكم الذين قابلتهم يهتمون بدعوة أولئكم الخدم إلى الإسلام، وقد بقوا مع أجدادكم ومع آبائكم ومعكم مدداً طويلة من الزمن، وكان في إمكانكم في تلك المدد الطويلة أن تنقذوهم من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، إذا وجدوا فيكم القدوة الحسنة والاهتمام بدعوتهم، لا سيما أن فطرهم أقرب إلى فطرة الإسلام وعاداتهم أقرب إلى عاداتكم من عادات المسيحيين الذين نصَّروهم على مرأى ومسمع منكم، وكان الإسلام سينتشر بين أسر خدمكم وجيرانهم وأصدقائهم إذا دخلوا في الإسلام. [كثير من الأفارقة يختنون أبناءهم ولا يعتبرون الشاب مكتمل الرجولة بدون ختان، كما ذكر ذلك (مانديلا) في كتابه (طريقي إلى الحرية) في طبعته العربية].
وإني لأخشى عليكم أن تكونوا تركتم ثلاث قواعد مهمة من قواعد الدعوة الإسلامية، دلت عليها سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه، ومن تبعهم من دعاة الحق وعلماء الإسلام:
القاعدة الأولى: دعوة المواقع التي لا عذر لأي واحد منكم في تركها، وهي أن يقوم كل مسلم بالدعوة إلى الله بالقول أو بالفعل (القدوة الحسنة) في موقعه الذي هو فيه، إن لم يقدر على الانتقال إلى غيره.
وفي قصة يوسف ما يرشد إلى هذا المعنى، فقد دعا إلى الله وهو في سجنه، عندما قال: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [سورة يوسف، الآية: 39].
القاعدة الثانية: وجوب البيان لمن يحتاجه في وقت حاجته وعدم جواز تأخير ذلك، وتأخير ذلك من غير عذر هو كتمان لما أنزل الله، ومعلوم عقاب الله لمن كتم بيان ما أنزل، وهو مخالفة لتكليف الله رسوله صلى الله عليه وسلم القيام بالبلاغ المبين، وقد انتقل تكليف الله رسوله بذلك ـ بعد وفاته ـ إلى تكليف أمته في كل جيل من أجيالها، والنصوص الدالة على هذه القاعدة من القرآن والسنة والسيرة النبوية كثيرة معلومة لدى طلبة العلم.
القاعدة الثالثة: وجوب نشر الإسلام نشراً سريعاً إلى كل من يمكن الداعيةَ الوصولُ إليه قَرُب أم بَعُد، إما مباشرة وإما بأي وسيلة أخرى، وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث دعا كل من استطاع الوصول إليه إما بنفسه، وإما عن طريق رسله ورسائله، وربى أصحابه على ذلك وقاموا به بعده.
ولا زال الأفارقة السود إلى الآن يختلطون بكم خدماً في المنازل وسائقين وعاملين في المكاتب والشركات، فهل من تلافٍ لهذا التقصير ممن قصر فيما سلف من عمره؟
القول الخامس: لقد فتح الله الباب الآن على مصراعيه لاختلاطكم بغيركم من أهل الأديان الأخرى من الفئات الثلاث: السود والملونين والبيض، [الملونون هم ذرية التناسل المختلط من شعوب متنوعة، كالبيض يتزوجون بملايويات]. وفي ذلك فرصة سانحة لاجتهادكم في الدعوة إلى الله وتبليغ دينه إلى جميع سكان جنوب أفريقيا وما جاورها، والدعوة إلى الله ليست من نوافل الطاعات، بل هي فريضة لازمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين، كل من هذه الأمة بحسب طاقته وموقعه: العالم يدعو ويبين ما لا يقدر على بيانه غيره، وإذا كتم أصبح في صف من لعنهم الله من علماء بني إسرائيل، والغني ينفق من ماله على أي وسيلة يُتَوصل بها إلى الدعوة، وهكذا الإعلامي...
ولا بد أن تكون الدعوة التي تقام بها حجة الله على عباد الله بينة واضحة لا لبس فيها ولا خفاء: {أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [سورة المائدة، من الآية: 92]. ويمكن لغير العلماء أن يبينوا للناس ما هو ظاهر من أمور الدين كأركان الإيمان وأركان الإسلام، وفرائض العين، وأمهات المحرمات.
القول السادس: إن قيامكم بالدعوة إلى الله ـ حسب طاقتكم ـ وتعاونكم على ذلك، سيكثر الله به أنصاركم ويقوي به صفكم، ويرفع به راية الإسلام وتكون لكم به العزة والغلب.
وإن قعودكم عن الدعوة إلى الله وتكاسلكم عن ذلك يزيدكم على قلتكم قلة، ويزيد من كثرة أهل الأديان الأخرى التي قد لا يدوم تسامحها معكم، وفي ذلك ضعفكم وضعف دينكم، ومن ضعف دينه خف وزنه وهان على الناس وذل، لأن سنة الله اقتضت أن يتسابق أهل الحق بحقهم وأهل الباطل بباطلهم إلى عقول الناس، ومن كان أكثر سبقاً بما عنده كان أكثر أنصاراً، فاستبقوا الخيرات لتكسبوا نصر الله في الدنيا وثوابه في الآخرة.
القول السابع: إن الواجب عليكم جميعاً أن تتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وأن تجتهدوا في اتخاذ كل سبب يؤدي إلى اجتماع كلمتكم على الحق، وترك كل سبب يؤدي إلى فرقتكم وتصدعكم، وإن الواجب عليكم أن يسعكم ما وسع سلفكم في العصور المفضلة، وعلى رأسهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم بإحسان وأئمة الهدى من علماء الحديث والتفسير والفقه الذين كانوا يختلفون في المسائل الاجتهادية، ولكن ذلك الاختلاف لم يكن يفسد الود بينهم ومعرفة كل واحد فضل مخالفه، بل كانوا متحابين متعاونين على البر والتقوى.
ومن الأمور التي يجب عليكم أن تسعوا في الاجتماع عليها والسعي في إزالة الفرقة بينكم فيها، بعض الشعائر العامة، مثل بداية الصيام ويومي العيدين، وإن ما سمعته من خلاف بينكم في هاتين المسألتين من تفرق في مدينة واحدة لأمر محزن لا يليق بالمسلمين أن يحصل بينهم، لما في ذلك من الفرقة ومن تنفير غير المسلمين من إقبال على هذا الدين.
وإنني على يقين أنكم لو اجتمع علماؤكم اجتماعاً يقصدون من ورائه أن يرضوا ربهم دون تعصب، لدراسة ذلك لهداهم الله لما اختلفوا فيه من الحق.
القول الثامن: إن الواجب عليكم أن توجدوا العدد الكافي بالتعليم والتدريب لمن يقوم بفرض الكفاية في العبادات، من طلبة العلم الذين يفقهون فروض العين فقهاً مفصلاً، ليسقطوا عن المسلمين ـ وبخاصة العلماء ـ فرض الكفاية في هذا الأمر، بحيث يقومون بتعليم المسلمين هذه الفروض، ويكون عددهم كافياً لتعليم كل المسلمين في جنوب أفريقيا، وتعلمون أيها العلماء أن المراد بفرض الكفاية هو أن يوجد العدد الكافي للقيام به، وليس المراد مجرد وجود فرد أو أفراد لا يكفي عددهم المسلمين.
وهكذا يجب على المسلمين أن يوجدوا العدد الكافي في إمامة مساجد المسلمين، والعدد الكافي من المدرسين، والعدد الكافي من المفتين، والعدد الكافي من القضاة. هذا فيما يتعلق بشئون الدين.
واضرب مثلاً يوضح معنى العدد الكافي: لو أنا احتجنا إلى ألف إمام لألف مسجد، فأوجدنا خمسمائة فقط ونحن قادرون على إيجاد العدد الباقي فنحن آثمون حتى نوجده، وهكذا بقية الأمور...
ويجب كذلك أن توجدوا من يقوم بفرض الكفاية في الأمور العادية، مثل الأطباء، والمهندسين، والتجار والخبازين والزراع، وهذه أمرها أسهل لأن بعضها قد يتوافر في غير المسلمين..
وهذا يقتضي منكم أيها المسلمون التخطيط والدراسة، في شئون التعليم والدعوة والإفتاء والقضاء والإمامة، بل والسياسة والاقتصاد والإعلام وغيرها، بحيث يُخَصَّص لكل جانب من تلك الجوانب عدد يبدأ في إعداد القائمين به دراسة وتدريباً حتى يكمل العدد المطلوب في الأوقات المناسبة.
القول التاسع: إن الدعوة إلى الإسلام تحتاج إلى فريقين من الدعاة، لكل فريق وظيفته ومجاله:
الفريق الأول: يُختار من نجباء الطلاب الذين يظهر عندهم استعداد للجد في طلب العلم والتفقه في الدين في كل العلوم الإسلامية والعربية، ويهتم ـ مع تعليمهم ـ بتزكيتهم وتربيتهم تربية إيمانية وعبادية وأخلاقية، وتخليته من كل صفة تخالف الإسلام، وتحليته بكل صفة من صفات كمال الداعية المسلم، ليكون بذلك قدوة حسنة لمن يعلمهم ويدعوهم إلى الله.
وهذا الفريق يحتاج في إعداده وبنائه إلى وقت طويل ومتابعة دقيقة، ولعل هذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم في العهد المكي، وإعداد هذا الفريق يمكن أن نسميه (البناء البطيء).
وهذا الفريق هو الذي يتحمل عبء إعداد الأعداد الكثيرة بالتعليم والتدريب لمن يقومون بنشر الإسلام نشراً سريعاً بين الناس، وهم الذين يمكن أن يكونوا رؤساء مراكز كبيرة للدعوة، ومديري مدارس إسلامية، وأئمة وخطباء للجوامع الكبيرة، ويعقدوا حلقات العلم، ودورات التدريب للدعاة الذين ينتشرون في مناطق السود لدعوتهم وتعليم أبنائهم.
الفريق الثاني: إعداد من يُلِمُّ بمبادئ الإسلام ـ وبخاصة فروض العين ومكارم الأخلاق ـ من عقيدة وعبادة وحسن خلق، ليتولوا القيام بتعليم أبناء المسلمين مبادئ الإسلام، ويعلموا المسلمين فروض العين، ويدعوا غير المسلمين في مناطقهم، فهم الذين يقومون بنشر الإسلام نشراً سريعاً.
وهذا النشر السريع أثر للبناء البطيء، ويمكن أن يديروا بعض مراكز الدعوة الصغيرة وكتاتيب تعليم القرآن ومبادئ الإسلام، ويؤموا المصلين في المساجد الصغيرة.
وهذا الفريق هو الذي يتولى إعدادَه الفريقُ الأول: يعلمه ويدربه ويشرف عليه ويوجهه ويتابعه.
وإذا وجد هذان الفريقان وجوداً كافياً نجحت الدعوة الإسلامية نجاحاً رأسياً بالفريق الأول، ونجاحاً أفقيا بالفريق الثاني، وانتشرت انتشاراً واسعاً مضبوطاً بضوابط شرعية لا تفريط فيها ولا إفراط.
القول العاشر: إن الواجب على الأغنياء والتجار القادرين أن يبذلوا من أموالهم ما يُمَكِّن الفريقين من القيام بواجبهم، من إقامة مراكز ومدارس ومساجد ومرافق اجتماعية وصحية، في كل موقع بما يناسبه.
ويجب أن يكون الاهتمام شاملاً لكل الفئات والمناطق، وعدم استئثار فئة معينة بمساعدة المتبرعين والمحسنين وحرمان الفئات الأخرى من ذلك، لأن استئثار جهة معينة دون غيرها يحدث آثاراً سيئة:
الأثر الأول: شعور الفئات المحرومة بعدم الاهتمام بها، وهذا ما صرح به بعض المسلمين السود، فقالوا: إن المسلمين الهنود لا يهتمون بنا وأنهم يعاملوننا باحتقار وازدراء كما كان البيض يعاملوننا، ومما يدل على عدم اهتمامهم بنا أنهم يقيمون لأنفسهم المساجد الكبيرة والمراكز الخيرية والاجتماعية، والمدارس الصغيرة والكبيرة، ونحن في أمس الحاجة إلى مدارس لأبنائنا ومساجد نصلي فيها ومدرسين وأئمة، ولا نجدهم يهتمون بنا، وكأننا لسنا مسلمين. [وقد صرح بذلك بعض علماء الهنود، ومنهم الأخ محمد خليل غاردي كما مضى، والأخ خالد يعقوب كما سيأتي في خطابه الذي بعث به إلي وأثبت نصه في آخر الكتاب].
الأثر الثاني: نمو حقد السود عليكم ـ وبخاصة المسلمين منهم ـ بسبب شعورهم بإهمالكم لهم، وتركهم للمنصِّرين الذين أدخلوهم في النصرانية ولا زالوا يتابعونهم ويربون أبناءهم، فيزداد بذلك أنصارهم ويكثر أعداؤكم.

مصارحة وتحذير:

وهنا يجب أن أصارح إخواني المسلمين في جنوب أفريقيا، وبخاصة الهنود منهم، بأنهم إذا لم يُحَسِّنوا علاقتهم بالأفارقة السود فإنه يخشى عليهم ـ أي الهنود وغيرهم من المسلمين ـ أن يكون من أثر نمو ذلك الحقد عند السود، حصول انتقام يصل إلى طرد المسلمين من بلادهم بعد أن يستولوا على ممتلكاتهم وينتهكوا أعراضهم، ومعلوم أنهم هم الأغلبية وأهل البلاد الأصليين.

ويجب أن يعلم المسلمون أمرين مهمين:

الأمر الأول: أنهم إذا لم يخافوا على أنفسهم مما ذكر الآن، فيجب أن يخافوا على ذريتهم من بركان الانتقام مستقبلاً.
الأمر الثاني: أن المسلمين في جنوب أفريقيا ليس لهم دولة تستطيع أن تحميهم، مع أنهم أكثر من البيض، أما البيض فإن لهم دولاً ستحميهم وتتدخل لنصرتهم، وهي الدول الغربية عن بكرة أبيها.
ويجب أن يعتبروا بما يحصل للمسلمين في بلدان أخرى، كالفلبين والبوسنة والهرسك وكوسوفا، بل بعض بلدان أفريقيا المجاورة.

وتحسين علاقة المسلمين بالأفارقة له سبيلان:

السبيل الأولى: الاختلاط بمن أسلم منهم ومساعدتهم بتعليم أبنائهم وبناء مدارس ومساجد لهم في مناطقهم، وتدريب من يمكن تدريبه منهم على أساليب الدعوة، وتدريب أئمة منهم لمساجدهم، وإشعارهم بأنهم إخوة لنا بالمعاملة الحسنة...
السبيل الثانية: الاهتمام بدعوة غير المسلمين بالوسائل المناسبة.
القول الحادي عشر: إن من أهم الواجبات عليكم أيها المسلمون في جنوب أفريقيا أن يجتمع علماؤكم وأعيانكم وذوو الرأي فيكم، من مفكرين وأساتذة ووجهاء ومتخصصين في أي مجال من مجالات الحياة، لتدارس كافة شئونكم في هذا البلد: الدينية، والاجتماعية ـ وبخاصة الأسرية ـ والتعليمية، والاقتصادية والسياسية، والإعلامية، والتعاون على وضع خطط مرحلية تتحقق بها مصالحكم في حياتكم الدنيوية والأخروية، حتى تسيروا على خطى مرسومة ثابتة منظمة، وليست عشوائية، حتى لا تفاجئكم الأحداث على غرة، لأن الأحوال سريعة التغير في هذا العصر، صديقك اليوم قد يكون عدوك غداً، والعالَم في سباق محموم منظم لتحقيق مصالحه، وإن أضر بها غيره.
وإن من أهم الأمور التي يجب التنبه لها هو الوعي السياسي ومعرفة المصالح الكبرى والصغرى والاتفاق على تقديم الأولى إن لم يمكن الجمع بينهما، ومعرفة والمفاسد الكبرى والصغرى والاتفاق على ترك الأولى إذا لم يمكن ترك المفسدتين جميعاً.
ومن هذا الباب تكوين حزب إسلامي يضع له أهدافاً ووسائل يحقق بها مصالح المسلمين أو ما استطاع منها، ويدفع عنهم المفاسد أو ما استطاع منها، ومن ذلك الدخول في الانتخابات وعقد حلف مع أي حزب يُرى أنه أقرب إلى التعاون مع المسلمين في تحقيق مصالحهم والتخفيف من المفاسد الواقعة عليهم أو يخشى من وقوعها مستقبلاً.
أما من يدعي أنه لا يجوز للمسلمين أن يكونوا حزباً إسلامياً يقوم بتلك المهمات، في بلد يمنح جميع سكانه الحرية الكاملة في تكوين أحزابهم وخوض غمار السياسة والدخول في الانتخابات والحصول على حقائب في الوزارات، فيجب اطراح دعواه وعدم اعتبارها، لأن الأخذ بهذا الرأي يعطي جميع الفئات في الدولة ـ اليهود والنصارى والشيوعيين والوثنيين ـ الفرصة السانحة لمزاولة نشاطها السياسي الذي تحقق به مصالحها، ولو كانت في تلك المصالح إضرار بالمسلمين، ويجعل المسلمين دراويش أذلاء، لا سبيل لهم إلى الدفاع عن مصالحهم، ولا يقول بهذا إلا جاهل مغفل، أو خبيث ماكر.
والذين يدعون أنه لا يجوز تحالف حزب المسلمين مع حزب قوي آخر، يحقق التحالف معه أكبر قدر من مصالحهم ويدفع عنهم أكبر قدر من المفاسد، لا يفقه سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ولا في المدينة:
ففي مكة حضر صلى الله عليه وسلم حلف الفضول في الجاهلية لما فيه من تحقيق العدل ورفع الظلم، وقال عن أمثال هذا الحلف: ((ولو دعيت به في الإسلام لأجبت)) وبهذا يصير حضور أي حلف يحقق مصالح راجحة للمسلمين لا تتحقق إلا به مشروعاً ومعداً من سيرته صلى الله عليه وسلم.
وفي المدينة كتب الوثيقة المشهورة التي نظمت العلاقة بين المسلمين وبين اليهود والمشركين، وبقي صلى الله عليه وسلم على الوفاء بمضمون تلك الوثيقة حتى بدأ بنقضها اليهود.
وكان بينه وبين قريش اتفاق الحديبية على هدنة مدتها عشر سنوات، وبقي على ذلك الاتفاق حتى اعتدت قريش على قبيلة خزاعة الذين تحالفوا معه صلى الله عليه وسلم، وعندئذ غزا قريشاً وفتح مكة، فهذه الأمور كلها تدل على أنه يجب على المسلمين أن يتخذوا الوسائل التي تحقق مصالحهم، ولكل حالة ما يناسبها، ولكل مقام مقال.
القول الثاني عشر: إن مما يسر المسلم كثرة الشباب والشابات الذين يحفظون القرآن الكريم حفظاً كاملاً، ويقرءونه قراءة مجودة متقنة، ويوجد كثير من الطلاب والطالبات في طريقهم إلى إكمال حفظه، وهذا من فضل الله تعالى على هذه الأمة، وهو من آثار حفظ الله لكتابه الكريم: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. [سورة الحجر، الآية: 9].
ولكن المؤسف أن غالب أولئك الحفظة لا يفهمون شيئاً من معانيه، وفي هذا خسارة عظيمة، لأن هؤلاء الشباب لو فهموا معاني القرآن الكريم لانتفعوا بها في نفوسهم ونفعوا بها غيرهم من المسلمين وغيرهم.
لهذا يجب على العلماء أن يضعوا منهجاً لتفسير القرآن تفسيراً مختصراً يبين غريبه ومعاني آياته إجمالاً وبعض أحكام تلك الآيات وآدابها، ولا ينبغي أن يكون حافظ كتاب الله جاهلاً بمعانيه. [صدر تفسير ميسر من مجمع الملك فهد في المدينة المنورة، يمكن تقريره وترجمته].
والأولى ـ مع ذلك ـ أن تؤسس معاهد خاصة لحفظة القرآن الكريم، ويوضع لتلك المعاهد مناهج للقرآن وعلومه وتفسيره وفقهه، وتؤلف على ضوء ذلك المنهج كتب خاصة، أو يستعان بالمناهج والكتب المقررة في الكليات والمعاهد الخاصة بالقرآن الكريم والدراسات الإسلامية، ومنها كلية القرآن والدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وكلية القرآن في صنعاء وكلية القرآن في السودان...
القول الثالث عشر: إن الواجب على علماء المسلمين أن يعيدوا النظر في بعض الفتاوى القديمة التي بنيت على اجتهادات، وليس فيها نصوص صحيحة صريحة لا تحتمل إلا معنىً واحداً، وأن يجتهدوا في تلك الفتاوى أو في غيرها من نوازل العصر، ويصدروا فيها ما يحقق المصلحة للمسلمين، دون اتباع تفريط مُضَيِّع ولا إفراط مُضَيِّق، فالفتاوى تقدر زماناً ومكاناً وحالةً وشخصاً، كما هو معروف، والجمود على فتاوى اجتهادية صدرت لأشخاص في أزمنة وأمكنة بعيدة الشبه بأشخاص وأزمنة وأمكنة أخرى غير مناسب، وقد جدَّت أمور تحتاج إلى اجتهاد أو قياس يجب العناية بها لتتحقق بها مصالح المسلمين بدون مخالفة لما صحَّ نصه وتوحد معناه.
القول الرابع عشر: إن الانفتاح الجديد الذي أعقب الحكم العنصري، وما نتج عنه من اختلاط فئات السكان الأربع في البلد، هو بالنسبة لكم سيف ذو حدين:
فقد يكون فيه مصلحة لكم ولدينكم إذا شمرتم عن ساعد الجد في تربية أسركم وأبنائكم تربية إسلامية قوية، يتقوى بها إيمانهم، وتتأصل بها عبادتهم، وتتحسن بها أخلاقهم، ويتفقهون بها في دينهم. وإذا قويت همتكم في تعليم المسلمين من الأفارقة السود أمور دينهم، وأعنتموهم على دعوة أبناء جنسهم، واجتهدتم في التخطيط لدعوة غير المسلمين من كل الفئات ـ وبخاصة السود الذين هم أقرب إلى الاستجابة من غيرهم.
وقد يكون في هذا الاختلاط مفاسد عظيمة عليكم أيها المسلمون وعلى أسركم وأبنائكم، إذا قصرتم في التربية الإسلامية المقنعة، لا تربية العادة التي لم تبن على إيمان وطاعة واختيار، فإن العادة قد تنسخها عادة أخرى، وطاعة الإكراه سراب كذاب.
وإذا كان قد سهل عليكم المحافظة على أنسابكم وبقاء أولادكم معكم، [أعني هنا الهنود خاصة، لأنهم هم الذين لم يتزاوجوا مع غيرهم في الغالب]. يستجيب كثير منهم لأوامركم في العبادة والأخلاق والزواج والعادات... فإن تلك السهولة اليوم قد تنقلب إلى صعوبة، إذا لم تسارعوا في اتخاذ السبل الناجحة في بقائهم على الطاعة.
فأبناؤكم يختلطون بشابات من غير بناتكم في المدارس والجامعات والشركات والأسواق وغيرها، وبناتكم يختلطن بشبان من غير أبنائكم، وقد سمعت أن بعض أبنائكم قد ظهرت عندهم الرغبة في الزواج من غير بناتكم، وقد يحصل مثل ذلك من البنات، وهذا يقتضي مع التربية، إيجاد بدائل وخيارات مشروعة مضبوطة (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إن لم تفعلوا يكن في الأرض فساد عريض) حتى لا يحصل منهم تمرد وخروج على الأوامر الأسرية والتقاليد السابقة لطريق مشروع أو غير مشروع، بسبب الكبت والإكراه، لأن قوانين البلد تحميهم وتمنحهم الاختيار والحرية فيما يريدون وما لا يريدون.
وأخشى ـ إن لم ترتبوا أموركم ـ أن يصبح أولادكم وبناتكم بعد مضي عشر سنوات أو خمس عشرة سنة متزوجين ممن لا ترضون ولا قدرة لكم في منع ذلك، فاقدروا للوقت قدره والتمسوا الأبواب والمخارج المشروعة اليوم قبل الغد، سداً للأبواب والمخارج غير المشروعة.
القول الخامس عشر: إن الواجب عليكم أن تكونوا أمة وسطاً كما أراد الله، بلا تفريط ولا إفراط، فالتفريط في حقوق الله وحقوق عباده يوقع في التميع والانفلات، وعاقبته وخيمة، والغلو والإفراط في الأمور يوقع في الحرج والمشقة، ويشوه صورة الإسلام، وينفر أبناء المسلمين الذين لم يفقهوا الدين وغير المسلمين من هذا الدين.
وأخص هنا بعض الجمعيات التي تظهر الغيرة على الإسلام والمسلمين، وترى من المنكرات ما يدمر المسلمين وغيرهم، كعصابات الإجرام والمخدرات المنتشرة في البلد، ورغبتها في إزالة تلك المنكرات بأي وسيلة من الوسائل، ومنها القوة، اعتماداً على النصوص الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وظنها أن التغيير باليد واجب ما دام داخلاً تحت القدرة، مهما ترتب على ذلك التغيير من آثار، وسبب هذا الظن عدم فقه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي تبين فيه النصوص شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن تلك الشروط ما يأتي:
الشرط الأول: أن يعلم الآمر الناهي أن ما يأمر به معروف، وما ينهى عنه منكر.
الشرط الثاني: أن يكون حكيماً ينبني على أمره ونهيه ما تقتضيه الحكمة، لا ما تقتضيه الفوضى.
الشرط الثالث: ألا يترتب على الأمر بالمعروف فوات معروف هو أعظم منه، وألا يترتب على النهي عن المنكر وقوع منكر هو أعظم منه.
وقد وجدت بعض المتحمسين للإسلام يجهلون هذه الأمور، ولذلك يقدمون على الأمر والنهي غير آبهين بالنتائج غير المحمودة.
وكان الأولى بهم أن يداوموا على تنبيه الدولة على مخاطر تلك المنكرات، ولو طال الوقت، لأن الدولة تستطيع أن تخفف من المنكر في حدود طاقتها إذا شاءت، وإذا لم تشأ ذلك أصبح من يغير بيده من عامة الناس يقف وجهاً لوجه ضد الدولة فيحمل نفسه ما لا يطيق.
وكان الأجدر بهم أن يقوموا بتوعية الناس ـ مسلمين وغير مسلمين ـ وتحذيرهم من هذه المنكرات، وأن يتعاونوا مع المؤسسات الإسلامية من المدارس والمساجد وغيرها على تربية أبناء المسلمين، ومنهم بعض أبناء من يتعاطى المنكرات.
القول السادس عشر: إن الواجب عليكم جميعاً: علماء وأئمة مساجد وزعماء مؤسسات ومدارس وأغنياء، اغتنام الفرصة السانحة لكم في التمسك بدينكم ونشر الدعوة بين المسلمين لتطبيقه والعمل به، وغير المسلمين بدعوتهم إلى الدخول فيه، فعندكم الآن حرية كاملة في ذلك قد لا توجد في كثير من بلدان المسلمين، ولا يحول بينكم وبين نشر هذا الدين إلا أحد أمرين:
الأمر الأول: العجز عن الكمال في الدعوة إلا الله، وأنتم لستم مكلفين إلا في حدود طاقتكم ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولكن الذي لا تقدرون عليه الآن يجب أن تسعوا للوصول إليه في الوقت الممكن.
الأمر الثاني: الكسل والقعود عن القيام بما تقدرون عليه، سواء كان من العلماء بالبيان المفصل، أو غيرهم ببيان ما علموا من فروض العين، أو من الأغنياء بالبذل والعون المادي، والقعود عن الدعوة مع هذه الفرصة السانحة والحرية المتاحة أمر لا يحبه الله ورسوله ولا المؤمنون الصادقون. وقد استعاذ الرسول صلى الله عليه وسلم يربه من العجز والكسل.
ويجب أن تذكروا أن هذه الفرصة وهذه الحرية اللتين تتمتعون بهما الآن في الدعوة والتربية والتعليم، قد حرم منهما بعض دعاة الإسلام في أوطانهم الإسلامية بسبب التضييق عليهم ممن يحاربون الإسلام ويخافون من تطبيقه على الوجه الأكمل الذي أراده الله، لشعورهم بأنهم ليس عندهم كفاءة لقيادة شعوبهم إذا طبقوا هذا الدين، ويخشى عليكم أن تفقدوا هذه الحرية بعد فترة فتصبحوا على ما فرطتم نادمين.
ويجب أن تعلموا أنه يخشى عليكم إذا لم تبذلوا جهدكم في نشر الدعوة إلى الله من أمرين:
الأمر الأول: انزواؤكم وقلتكم وذوبان أبنائكم في المجتمعات الكثير غير المسلمة، وكفى بذلك عقاباً.
الأمر الثاني: تحملكم أوزار من احتاج إلى البلاغ المبين من جهلة المسلمين أو من غير المسلمين الذين تجاورونهم وتساكنونهم، إذا لم تبلغوهم الإسلام لإنقاذهم من الكفر والشرك وإخراجهم من الظلمات إلى النور، لأن حجة الله لم تقم عليهم، ولا يوجد من يقيمها عليهم غيركم.
القول السابع عشر: إنه يجب على العلماء أن يبينوا للمسلمين خطر معتقد من يدعي الإسلام والإسلام منه براء، مثل الفرقة القاديانية التي أجمع علماء الإسلام أنها ليست من فرق المسلمين، كما يجب تحذيرهم من الشركيات التي تصدر من بعض الفرق المنتسبة إلى الإسلام، كفرقة البرلويين الذين يجيزون الاستغاثة بغير الله ويدعون الموتى من دون الله، ويغلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم غلواً يخالف كتاب الله ويغضب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كزعمهم بأنه ليس ببشر وتكفيرهم من أطلق عليه ذلك، مع تصريح كتاب الله بذلك.
وكذلك يجب تحذير عامة المسلمين من عقائد الرافضة، وبخاصة تكفيرهم لغالب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لولا أن هيأهم الله لحمل هذا الدين والذب عنه وعن رسوله، ونقلهم إلى الأمة الإسلامية القرآن الكريم نقلاً متواتراً، ونقلهم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم المتواترة والآحاد، وعنهم نقلتهما الأجيال المسلمة، وبذلك حفظ الله دينه، لولا ذلك لما كان لنا كتاب ولا سنة محفوظين، وإذا كان غالبهم كفاراً كما تزعم الروافض، فالقرآن غير متواتر، وبذلك يسقط القول بأن القرآن ثابت ثبوتاً قطعياً، وهكذا تسقط السنة التي نقلها كفار كما يزعم الروافض.
ولقد اغتر كثير من شباب أهل السنة بالروافض في هذا العصر، بسبب نجاحهم السياسي ضد الطاغية (شاه إيران) وترتب على ذلك الاغترار إيمان بعض الشباب بعقائدهم، لذلك يجب على علماء الإسلام أن يجتهدوا في التحذير من عقائدهم، حتى لا تنتشر فيستعصي بعد ذلك اجتثاثها من قلوب المسلمين الذين يتأثرون بها.
القول الثامن عشر: إن الواجب على العلماء والمؤسسات الإسلامية، وبخاصة المدارس، سواء كانت خاصة بتدريس المواد الإسلامية فقط، أو جامعة بين المواد الإسلامية والمواد الحكومية، أن يهتموا بتدريس اللغة العربية باللغة العربية، وليس بلغات أخرى، فإن اللغة العربية هي لغة القرآن ولغة السنة ولغة السيرة ولغة الإسلام، ولغة العلوم الإسلامية والعربية والتاريخ الإسلامي كله، فهي اللغة الأصلية لجميع المسلمين، ولا تصح كثير من العبادات إلا باللغة العربية، وهي اللغة الوحيدة التي لا يفهم القرآن والسنة والسيرة وكثير من علوم الإسلام فهماً صحيحاً سليماً إلا بها.
ووجود من يتقن اللغة العربية ويفهم بها حقيقة الإسلام من مصادره ويفقه المسلمين تفقيهاً صحيحاً هو فرض كفاية يأثم كل قادر من المسلمين على إيجاده بفقده أو نقصه.
ولا ينبغي أن تخلو مدرسة أو مسجد أو مركز إسلامي من عدد كاف يتقن اللغة العربية، وقد اشترط كثير من علماء الإسلام في المجتهد أن يكون عالماً متقناً للغة العربية.
وترجمة معاني القرآن الكريم بأي لغة لا يمكن أن تؤدي معاني القرآن الكريم أداء سليماً أبداً، مهما أتقن المترجم اللغتين: العربية واللغة المترجم إليها.
وإني أضرب مثلاً لمن يتفقه في الدين باللغة العربية، وبخاصة التفقه في معاني القرآن، ومن يحاول أن يتفقه في الدين عن طريق الترجمة برجلين مسافرين انقطع عنهما الماء واشتد بهما العطش، وبينما هما كذلك إذ رأيا عيناً تنبع من صخرة على قمة جبل نبعاً صافياً، فقال أحدهما لصاحبه: لنصعد إلى هذا النبع الصافي لنستقي منه، فقال له صاحبه: النبع بعيد ويمكننا أن نشرب من الماء في أسفل الجبل، فقال الأول: أما أنا فسأصعد لأشرب من نفس النبع، فشرب الذي صعد ماءً صافياً عذباً، وشرب صاحبه من الماء الذي وصل إلى أسفل الجبل، وقد مر بالأتربة والحشرات وسبحت فيه الكلاب والوحوش والقرود، ذاك هو الذي فهم الإسلام باللغة العربية، وهذا هو الذي فهم الإسلام عن طريق الترجمة.
فهل يرضى من عنده القدرة على تعلم اللغة العربية وفهم دينه بها أن يكون كشارب الماء القذر؟!
لذلك عليكم أيها العلماء الاجتهاد في تدريس اللغة العربية باللغة العربية، وتدريس الكتب العربية باللغة العربية، وإن كان في ذلك صعوبة في أول الأمر، فإن المغنم على قدر المغرم.

واجب المؤسسات الإسلامية في البلدان الإسلامية:

وقول أخير أوجهه إلى المؤسسات الإسلامية في البلدان الإسلامية، كالجامعات الإسلامية ومراكز الدعوة، ووزارات الشئون الإسلامية، وبنك التنمية الإسلامي وغيرها أن يهتموا بإخوانهم المسلمين في جنوب أفريقيا ويعينوهم على التمسك بدينهم ودعوة غيرهم عليه، ومن ذلك ما يأتي:
1 ـ التوسع في المنح الدراسية لطلابهم من جميع المناطق، وليس من منطقة دون أخرى، ليعودوا إلى بلادهم دعاة ومعلمين.
2 ـ بعث مدرسين من علماء اللغة العربية ليبقوا عندهم مدداً كافية لتعليم أبنائهم اللغة العربية تعليماً متقناً حتى يتمكنوا من نشر هذه اللغة في جميع مدارسهم ومؤسساتهم.
3 ـ بعث مدرسين متخصصين في العلوم الإسلامية، كالتفسير وعلومه والحديث وعلومه والفقه وأصوله، ولكن يجب أن يكون هؤلاء المدرسين من ذوي الحكمة والأخلاق الفاضلة والصبر، حتى لا يصطدموا بعلماء البلد، فيحرم الناس من الفائدة التي بعثوا من أجلها.
4 ـ ينبغي مساعدة الدعاة إلى الله الذين يهتمون بدعوة السود بالمال وبناء المدارس والمساجد ليتمكنوا من أداء واجبهم بالوسائل الممكنة.
5 ـ ينبغي إقامة دورات لمن أسلم من السود ممن عندهم استعداد للدعوة لمدة كافية، حتى يفهموا ما يدعون إليه، ويزودوا بالإمكانات التي تساعدهم على مهمتهم، ويمكن أن يشترك في هذه الدورات بعض الأساتذة من البلدان العربية عن طريق القائمين بالدعوة في جنوب أفريقيا.

وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

ملحق رسالة الشيخ خالد يعقوب:

نسخة من الرسالة..
بسم الله الرحمن الرحيم
الدكتور المحترم/ عبد الله قادري الأهدل أطال الله عز وجل عمره.
وبعد: فإني أرجو أن تكونوا في خير ما أود لكم من سعادة الروح وعافية البال وصحة الجسم.
أما أنا فإني على خير ما يمكن أن أكون والحمد لله، ثم إني أرجو أنكم حققتم مقصد زيارتكم جنوبي أفريقي.
وقبل أن أخوض في الكلام في بعض الأمور التي أعلم أنكم لم تخبروا بحقيقتها ـ ولا سيما العلاقة بين المسلمين الهُنُود بعضهم بعضاً، والعلاقة بين المسلمين الهنود والمسلمين الأفارقة ـ أحب أن أشكر لكم لما أتحتم لي من هذه الفرصة لأراسلكم، إنكم حققتم رغبة كانت تخالج قلبي منذ أمد بعيد، لولا زيارتكم جنوبي أفريقي ولا سيما مدينة دربن لم تتحقق هذه الرغبة، إنه سيكون من سوء الخلق إن لم أشكر لكم.
ثم إن نيتي بهذه المراسلة ليست إلا الصدع بحقيقة حال المسلمين في بلادنا، ولا أقصد شيئاً غير هذا، ولا أريد النمّ على أي حيّ من الأحياء أو شخص من الأشخاص، وليس لي حاجة أن أقوم بهذا العمل الشنيع، فإني لا أتمنى من مراسلتي هذه أي أجر من الأجور الدنيوية، بل ولا أتمنى إلا أن يحصحص الحق كي تكون الوفود التي تفد إلينا من الدول العربية على علم بأن الإسلام في جنوبي أفريقيا ليس كما يظهر للأعين، بل له صورة غير ما تكشف..
ثم إن السبب الآخر لهذه المراسلة علمي بأن المسلمين الهنود يحبون أن يحجبوا العلماء من الدول العربية بما يقومون به من الدعوة بين السود ولكن كثيراً ما يزخرفون الأقوال المتعلقة بهذا الأمر كما أدركتم أنتم من لقاءاتكم بالهيئات والأشخاص لمّا كنتم هنا، وبالحقيقة كنت أخاف من خدعة الناس إياكم ولكني اطمأننت عندما ذكرتم أنكم على وعي بهذا الأمر.
أولاً أحب أن أذكر شيئاً من علاقة الهنود بعضهم بعضاً كي تفهموا ما أدى الهُنُودُ إلى معاملة الأفارقة كما يعاملونهم:
إن الهنود قبل ما اعتنقوا الإسلام، كانوا يتدينون بدين يعتمد وجوده على النظام الطبقي (القبلي)، فالعلماء هم الطبقة العليا، والتجار هم الطبقة الوسطى، والعمال الذين يقومون بالأعمال المهينة هم الطبقة السفلى أو غير الملموسين، والبقرة تحترم أكثر من هؤلاء.
اعتنق الإسلام ناس من كل هذه الطبقات، فأهل كجرات هم من الطبقة الوسطى ـ التجار ـ والذين ينطقون بالأردية هم من الطبقة السفلى، ومن سوء حظ الإسلام أن هؤلاء الهنود آثروا النظام الطبقي على الأخوة التي أمرنا بها الإسلام وطبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين القبائل المختلفة، وما زالوا يعملون بهذا النظام بعدما اعتنقوا الإسلام ولا يزالون إلا أن الطبقة الوسطى ـ هم أهل كجرات ـ غيروا الاسم الذي كان يطلق على الطبقة السفلى، كانت الطبقة السفلى تسمى هَرِجَان أو غير الملموسين عندما كانوا مشركين، المسلمون من الطبقة الوسطى غيروا اسم المسلمين من الطبقة السفلى ولقبوهم خَوْلْجَا، فلم يتغير إلا اللقب وأما الغرض ـ أي تحقيرهم ـ فهو باق، وبسبب هذا الأمر نشأت مشاكل أخرى، مثل الزواج فهو ممنوع بين رجل كجراتي وامرأة أردية وبالعكس، وإذا وظّف تاجر كجراتي رجلاً من أهل الأردوية لا يؤجره ما يستحقه من الأجرة لأجل أنه من الطبقة السفلى، وفي بعض المساجد لا يجوز لرجل من أصحاب الأردية أن يكون متولياً على المسجد، وهناك أمثلة كثيرة تفرق بين ناطقي هاتين اللغتين.
ثم إن الهنود هاجروا إلي جنوب أفريقيا لأغراض شتى، فأغراضهم تختلف باختلاف الأقطار التي هاجروا منها: فأهل كجرات هاجروا اختياراً للتجارة فأما الذين هاجروا من حيدر أباد واوتربردش وكلكتا وبنغلاديش فأغلبهم لم يهاجروا على اختيارهم، بل استأتاهم [أي أتى بهم الهولنديون مستعبدين مسخرين]. أهل هولندا للعمل في حقول قصب السكر، وهذا الأمر أضاف إلى مشكلة التفرق لأن الذين هاجروا تجاراً شرعوا يحقرون الذين استوردوا كالمتاع ليستخدموا في الحقول.
ومن أهل كجرات ناس، يبدوا أنهم يريدون تغيير هذا الأمر ولكن سعيهم لا يجاوز الكلام ولا يقومون شيء عملي يزيل هذه المشكلة.
فمثلاً إني حاورت عالمين من العلماء الحنفية وحكيت لهما الآيات القرآنية التي تحرم التنابز بالألقاب والسخرية والظلم وكذلك حكيت لهما أحاديث تتعلق بهذه الأمور وبينت لهم أن هذه الذنوب تتعلق بحقوق الإنسان، وما هو شروط التوبة إذا تعلق الذنب بحقوق الإنسان، وما هو الواجب على القائمين بهذه الأمور المحرمة.
فأجابني عالم منهما ـ وهو عميد لمدرسة من المدارس العالية للبنات ـ بجواب لم أتعجب بشيء كما تعجبت من جوابه، إنه قال لي: إن هذه الأمور كالتفرقة العنصرية ـ النظام القبلي ـ والظلم وغير ذلك مما حرمته الشريعة الإسلامية كانت جارية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يدعو الناس إلى التوبة الواجبة، ومنذ وقوع هذه المحاورة فقدت الثقة بالعلماء لأني ذكرت هذه الحادثة لكثير من العلماء، ولكن لم يقم أحد منهم بتصحيح هذا الأمر، وبالحقيقة أخذ بعض العلماء يعتبروني حجرة عثرة في سبيلهم.
ثم إن النظام الرأسمالي يحكم اقتصادنا، فهذا النظام لا يتسنى وجوده إلا بالتفرقة بين التجار والعمال، فهذا الأمر ناسب الهند لأن التفرقة بين هاتين الطبقتين متأصلة بينهم، وهكذا ازداد الأمر ضغثاً على أبالة وبلغ السيل الزبى وهذا بعض الأفكار التي تصور أفكار الهنود وسلوكهم، وإذا كان حال الهنود بعضهم ببعض هكذا فتصوروا ما هو الحال بين الهند والأفارقة.
فالعلاقة بين المسلمين الهنود والأفارقة لوّثت آراء كثير من الأفارقة بالنسبة إلى الإسلام لأجل ما لاقوه من المسلمين الهنود من الجور والظلم والحيف، فمعاملة المسلمين الهنود للأفارقة لا تختلف من معاملتهم الحيوانات، بل أن غير المسلمين يحترمون كلابهم أكثر مما يحترم الهنود الأفارقة.
فليس بين المسلمين الهنود والأفارقة أية علاقة اجتماعية، فأما العلاقة الاقتصادية فهي محدودة باستخدام المسلمين الهنود للأفارقة وفي بيوتهم ومتاجرهم.
فهذه العلاقة بدلاً من أن يتحقق منها خير، لا يتحقق منها إلا الشر، والمسلمون الهنود بدلاً من أن يستغلوا هذه الفرصة ليحببوا الإسلام إلى الأفارقة بالإحسان إليهم هم يسيئون إليهم ويكرهون إليهم الإسلام بسوء معاملتهم الأفارقة، إذا وظف المسلم الهندي الأفريقي في منزله أو متجره لا يؤجره ما يستحقه من الأجرة بل يؤتيه أقل ما يمكنه حتى أن الأفريقي لا يستطيع سد رمقه بالأجرة، ولهم لقب للأفارقة أيضاً يلقبونهم "كاريا" معناه باللغة الهندية أسود حقير.
المسلمون الأفارقة رفعوا هذه القضايا إلى العلماء الهنود وعامتهم حتى نشروا مقالة تسمى Sunday Tribune سَنْدَي تِرْبيُنَ، وبالرغم من هذه المقالة لم يجاوبهم العلماء أو العامة من الهنود كأن ليس للأفارقة حق من الحقوق الإسلامية، وكأن المسلمين الهنود يعتقدون أنه لا يكفي لإنسان أن يشهد بألوهية الله عز وجل وربوبيته وعبوديته وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم أن يستمتع بما أعطاه الإسلام من الحقوق حتى يكون لون بشرته من نوع خاص وشعره من نوع خاص، فهذا ما يبدوا من عقليتهم وسلوكهم، إن أخلاق الهند في مدينة دربن يجعلني أستحي أن أقول إني من أهل الهند.
الحمد لله قمت أنا وصديقان لي ـ واحد من الأفارقة وواحد من أهل ماليزيا ـ بالدعوة بين الأفارقة من جديد نبين لهم أن ما يشاهدون من المسلمين الهند من الظلم والجور والحيف ليس من الإسلام في شيء، بل إنه منبثق من العقلية الهندية والرأسمالية، ونبين لهم أنه يجب عليهم أن يطالعوا الكتب الإسلامية، ولا سيما الكتب التي صنفها الإخوان المسلمون، حتى يكونوا على فهم صحيح بالإسلام، ويستطيعوا مقاومة المسلمين الهند وإسلامهم الزائف، والحمد لله بهذا السبيل استطعنا إقناع كثير من الأفارقة ونلنا الفوز إلى حد كبير.
وهناك أمر مهم لا بد أن أذكره، إني سمعت أن بعض العرب يرسلون التبرعات إلى بعض الهيئات الدعوية التي يتولى عليها أهل الهند، ليبذل هذه التبرعات في الدعوة بين الأفارقة، فنصيحتي للعرب ألا ترسلوا التبرعات إلى هذه الهيئات، فالأحسن للإخوان العرب إذا أرادوا انتشار الإسلام بين الأفارقة أن يبعثوا داعياً أو دعاة من العرب ليقوموا بهذا الأمر، لو كان ما سمعت من إرسال التبرعات إلى الهيئات في مدينة دربن حقاً فنحن لا نعلم أين تبذل هذه التبرعات لأن أكثر الأقاليم الأفريقية لا توجد فيها مدارس إسلامية والمعلمون الصالحون والأئمة العاملون بالشريعة الإسلامية، لو كانت هذه التبرعات تبذل في هذه الأقاليم لما كان الحال هكذا.
وأخيراً يجب علي الاعتذار إليكم لتأخيري هذه الرسالة، إن هذا التأخير وقع لأجل أشغال أخرى شغلتني في مدرسة لوكات الإسلامية والدعوة.
أرجو أن تقبل مني عذري وتعفو عني ... والسلام.
أخوكم في الله خالد بن محمد يعقوب.
82 B BAZLEY AVE
SYDENHAM
DURBAN
4091
KWA ZULU NATAL
SOUTH Africa
هاتف: 2082383 ـ 031 البيت
2095755 ـ 031 المدرسة

الصفحة الأولى من خطاب خالد يعقوب
الصفحة الأولى من خطاب خالد يعقوب
الصفحة الثانية من خطاب خالد يعقوب
الصفحة الثانية من خطاب خالد يعقوب
الصفحة الثالثة من خطاب خالد يعقوب
الصفحة الثالثة من خطاب خالد يعقوب
الصفحة الرابعة من خطاب خالد يعقوب
الصفحة الرابعة من خطاب خالد يعقوب

روجع وصحح في 23/8/1426هـ