2- في مدينه كيب تاون
2- في مدينه كيب تاون
إلى منزل الشيخ ظافر النجار:
كان الشيخ ظافر النجار على وشك السفر إلى الحجاز هو وأسرته، وسيبقى في الخارج أكثر من شهر، فلما علم بقدومي طلب من الأخ محمد الأعمش أن يمر بي إليه مباشرة من المطار قيل النزول إلى الفندق، وكان قد أعد طعام العشاء واجتمع في منزله عدد من أتباعه لاستقبالي وتوديعه، لأنه سيسافر غداً، فذهبنا إلى منزله ـ مع أني كنت في حاجة إلى الراحة ـ حرصاً مني على أخذ معلومات منه عن تاريخ الإسلام في هذا البلد، لما عنده من معلومات في ذلك، كما ذكر بعض من قابلتهم من المسلمين في جوهانسبرج.
وكان المطر في تلك الليلة ينزل بغزارة، وكيب تاون مشهورة بكثرة نزول الأمطار. فلما وصلنا استقبلني الأخ ظافر وقال لي مباشرة: إنك كما رأيتك عندما كنتُ طالباً في الجامعة لم تتغير. قلت له: لا بأس أن تسليني ـ وإن كنت قد بلغت من الكبر ما ترى، قال: إنك في حاجة إلى تجديد شبابك ببكر. قلت: أنا موافق، ولكن لي شرط في تلك البكر، قال: وما هو شرطك؟ قلت: أن لا يكون عمرها قد تجاوز ستة أشهر، فانفجر الحاضرون ـ عندما ترجم لهم كلامي ـ بالضحك. وكان المجلس مكتظاً بجماعة الشيخ وبعض أقاربه.


وبعد أن عرف بي الحاضرين وعرفته أنا بما أريد وتناولنا بعض الطعام، قلت له: متى أراك؟ قال: أنا على سفر يوم غدٍ مع أهلي، ولكن يخبرني الإخوان بالفندق الذي تنزل فيه ورقم الغرفة، وسآتيك في الساعة الثامنة صباحاً بإذن الله.
وأخبره الأخ محمد نور والأخ محمد الأعمش بذلك.
لقاء مع الشيخ ظافر النجار:
الخميس 11/3/1420هـ ـ 24/6/1999م
جاءني الأخ ظافر حسب وعده في الساعة الثامنة صباحاً إلى فندق "إنتركونتننتل"، وأخذت منه المعلومات الآتية:


الشيخ ظافر بن عبد الرزاق بن محمد بن سعيد النجار. الأصل من مكة المكرمة، وأصل جده من نجد، جاء إلى جنوب أفريقيا للدعوة، ولا زال جواز سفره موجوداً عند الأخ ظافر.
ولد الأخ ظافر في مدينة: "كيب تاون" سنة: 1953م.
أكمل في كيب تاون دراسته الثانوية.
بعد تخرجه ذهب إلى المملكة العربية السعودية ستة: 1971م ودخل في شعبة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ثم التحق بالمعهد الثانوي بالجامعة، ـ قال لي: وكنتَ أستاذي في المعهد درستني مادة التفسير ـ ثم التحق بكلية الدعوة وأصول الدين.
وتخرج من الجامعة سنة: 1980م. ورجع إلى كيب تاون.
ولا زال والداه حيين، وأمه الآن في مكة عند بعض أقربائها.
وعنده ثلاثة أبناء، أكبرهم: "محمد عزام" وعمره 17 سنة، والثاني: "بسام" وعمره 12 سنة، والثالث: "حسام"، وعمره 7 سنوات، والبنت: "هانم" وعمرها 16.
نال شهادة الماجستير من معهد الدراسات العليا الخاص في الزمالك، وكان بحثه في الغزو الفكري. وأخذ دروساً مكثفة "كورسات" في الأزهر.
دخول الإسلام في جنوب أفريقيا:
وقد دخل الإسلام إلى جنوب أفريقيا منذ أكثر من ثلاثمائة سنة. والذي بدأ بنشر الإسلام "توانغ يوسف" وهو من "ملايو" وقد جاء إلى "كيب تاون" أسيراً مع الهولنديين الذين استعمروا الجزر الإندونيسية، نفوه من بلاده سنة: 1657م وسجنوه، وبدأ الدعوة من داخل السجن، وكان معه عدد من الملايويين. والملايويون هم أصل المسلمين في كيب تاون.
وعدد سكان كيب تاون 5 ملايين تقريباً. وعدد المسلمين 700 ألف تقريباً.
والجمعيات الإسلامية في كيب تاون هي:
1 - المجلس الإسلامي في جنوب أفريقيا، وقد أسس سنة: 1972م، وله فروع في كل مدن جنوب افريقيا، وهو مجلس يشترك فيه المسلمون من فئات متنوعة: العلماء والأطباء والتجار وبعض أعضاء البرلمان.


والهدف من تأسيس المجلس تجميع المسلمين وتدارس أحوالهم في هذا البلد، وفي العالم كله، وله علاقة بالمؤسسات الإسلامية بالخارج، وللمجلس نشاط في الدعوة وحل مشكلات المسلمين، وله نشاط سياسي.
ورئيس المجلس هو الدكتور محمد رشيد سلوجي، ويسكن في مدينة جوهانسبرج، وأصله هندي. ونائبه هو الشيخ ظافر، وهو الذي يقوم بأعمال المجلس الخارجية.
والأخ ظافر إمام وخطيب لأكبر جامع في كيب تاون، وهو مدير المدرسة الإسلامية التي تعلم الطلاب المبادئ الإسلامية، فيها حضانة أطفال، ويعلم أبناء المسلمين بعد الظهر بعد خروجهم من المدارس الحكومية، وقد ألف لهم كتباً إسلامية لدراستهم. وينفق المسلمون على المدرسة. وفي الليل يقوم بتعليم المسلمين الكبار من طلاب الجامعات والموظفين.
2 - وتوجد جماعة تسمى"مجلس الشورى". [ستأتي المعلومات عنها].
3 - وتوجد جماعة أخرى تسمى: (إسوا (ISWA) وهي تقوم بالأعمال الخيرية والشئون الاجتماعية، وترأسها امرأة.

ويوجد رجل عالم، يسمى "عبد الرحيم صالح" ألف كتباً كثيرة، وهو في درجة عالية من العلم، وليس عضواً في أي جماعة، وأصله من ماليزيا وهو يتحدث اللغة العربية. [أعطاني هاتف الشيخ،لأتصل به وأقابله، ولم يتيسر لي الاجتماع به].
ويوجد الشيخ "عبد الكريم توفار" وهو من كبار العلماء وتعلم في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية. [قابلته في تاريخ 17/3/1420هـ ـ 30/6/1999م وسيأتي..].
وتوجد هنا جامعة: كيب تاون، وجامعة "إسْتِلِن بوش" وجامعة: "وستن كيب" وهذه يوجد فيها قسم للغة العربية، وجامعة: "كيب تاون" وفيها قسم للدراسات الإسلامية، والمسئول عنه هو الدكتور عبد القادر طيب، وهو يتحدث اللغة العربية، والمدرسون فيها مسلمون علمانيون.
ويوجد الشيخ عبد الرحيم عبد الرءوف، وهو من طلاب كلية اللغة العربية في الجامعة الإسلامية بالمدينة، وهو يقوم بالدعوة.
بعد مقابلة الشيخ ظافر النجار، جاءني الأخوان: محمد الأعمش، ومحمد نور، وذهبنا إلى السوق بجوار الفندق "إنتركونتننتل" الذي يقع في منطقة راقية مهمة، تقع فيها كثير من المكاتب الحكومية ومقر البرلمان، وشركات كبرى وأسواق ـ ويتكون الفندق من (32 طابقاً) سكنت في الدور الثلاثين تنقلت في عدة غرف، من أجل أن أرى جوانب متنوعة من المدينة، وألتقط بعض الصور الفوتوغرافية ـ وتناولنا شيئاً من الطعام، ثم ذهبنا إلى مسجد قريب يكثر بجانبه الملونون "الذي أصولهم ملايويون" وصلينا به الظهر. [سكنت في الغرف: (304، 310، 3011)].
وتمتاز مدينة كيب تاون بجمالها الطبيعي، والفندق يقع في شمال جبل المائدة، وجنوب الميناء، ويفصل بين الفندق والميناء مبان وعمارات، ولكن ارتفاع الفندق يمكن من سكن في طوابقه العليا من رؤية الجبال والبحر والعمارات الفاصلة بين الفندق والجبال، وبينه وبين البحار.




مع مدير الكلية الإسلامية الدكتور يوسف داكوستا:
ثم ذهبنا إلى مدير الكلية الإسلامية الدكتور "يوسف بن سليمان بن توماس داكوستا".

واجتمعنا به في مكتبه بالكلية، وهو مشهور في جنوب أفريقيا باطلاعه الواسع على تاريخ المسلمين في هذا البلد، وله كتاب مطبوع في ذلك، وكنت طلبت منه موعداً آخر لاستكمال المعلومات عن المسلمين قديماً وحديثاً، ووعدني بإحضار كتابه ـ وهو باللغة الإنجليزية ـ ولكن المواعيد التي حددت لي مع غيره استغرقت جميع أوقاتي، فلم استطع الرجوع إليه مرة أخرى أما كتابه فقد أوصيت بعض طلاب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بإحضاره لي.
ولد الدكتور يوسف سنة: 1935م.
تعلم الإسلام على يد أخيه عبد الرحمن، وعلى الشيخ عبد الله بن عبد الرءوف، وعلى الشيخ إسماعيل حنيف وهو متخرج من الأزهر. وتعلم في المدرسة الصولتية في مكة المكرمة. تخرج في جامعة جنوب أفريقيا في الجغرافيا. وأصله من الهند، جاء إلى جنوب أفريقيا جده لأبيه.
وظائفه: كان مديراً لمدرسة ثانوية. ثم محاضراً في جامعة كيب تاون الغربية في التربية. وهو الآن مدير الكلية الإسلامية.
أسست الكلية سنة: 1990م قام بإنشائها مجموعة من المسلمين، اتصلوا بالشيخ محمد عجم واستشاروه هو والدكتور يوسف ـ الذي أدلى بهذه المعلومات ـ في إنشاء كلية للمسلمين، فحبذا لهم ذلك "وقد توفي الشيخ محمد عجم رحمه الله سنة 1996م".
وسألت الدكتور عمن فكر في إنشاء الكلية؟
فسأل الشيخ أحمد مقدم ـ وكان مديراً للكلية سابقاً، وكان حاضراً هذا اللقاء، وهو متخرج من الأزهر ـ فقال فكرنا فيها أنا والشيخ سعد الله خان عندما كنا طلاباً في الأزهر في الثمانينات.
كان عدد طلاب الكلية عند تأسيسها ما بين 35 و40 طالباً. وعدد طلابها الآن: 100. وكان عدد أساتذتها عند إنشائها: 8. وعددهم الآن: 14.
المواد التي تدرس في الكلية: اللغة العربية ـ الفقه ـ الحديث ـ التفسير ـ السيرة ـ علم الكلام ـ الروحانية الإسلامية ـ العلوم الاجتماعية ـ ومناهج البحث. وقرروا إدخال الحاسوب في السنة الدراسية القادمة.
دخول الإسلام جنوب أفريقيا:
أول جماعة من المسلمين دخلت جنوب أفريقيا كانوا من الجزر الملايوية، جاء بهم الهولنديون من المنفيين السياسيين الذين وقفوا ضد احتلالهم لبلادهم، وأتباعهم الذين جاءوا بهم على هيئة عبيد لهم، وكان ذلك من سنة: 1650م.
وفي سنة: 1667م جاءت سفينة حاملة ثلاثة مشايخ من سومطرة وهم من المجاهدين ضد الهولنديين في إندونيسيا، وضعوا اثنين منهم في منطقة: "كونتانيشيا" وهما "الشيخ عبد الرحمن القادري ومحمود القادري" وهما صوفيان، وهما أول من أسس مجتمعاً إسلامياً في هذا البلد.
والثالث ذهبوا به إلى "جزيرة روبِن" وهي الجزيرة التي يسجن فيها كبار السياسيين، وقد سجن فيها "مانديلا". ولا زالت قبور المشايخ الثلاثة موجودة.
الشيخ يوسف مؤسس المجتمع الإسلامي في منطقة (FAURE )
وفي سنة: 1693م جاءوا بالشيخ "يوسف" من"مكاسار" بسومطرة منفياً سياسياً، وكان قد درس في مكة وهو في سن الثامنة عشرة.
وفي وقت وجوده في مكة تعرف على الطرق الصوفية في مكة وفي خارجها من البلدان العربية، وعندما رجع إلى إندونيسيا سموه "تاج الخلوة".
وكانت إندونيسيا مستعمرة من قبل الهولنديين، فجمع جيشاً ضد الاستعمار وخاض عدة معارك، وسجن في جاكرتا [كان اسمها في السابق: (باتافيا)]. وكان سجنه سبباً في ثورة الإندونيسيين ضد الاستعمار، فقام الاستعمار بنفيه إلى سيلان "سريلانكا" أولاً، ثم إلى جنوب أفريقيا، وكان عمره في ذلك الوقت: 68 سنة.
وعندما وصل إلى كيب تاون استقبله المحافظ، ومعه زوجتاه وأولاده وبعض مريديه، ووضعوه في مزرعة نائية.
وكان هو ومن معه علماء، أفادوا المسلمين كثيراً وحفظ الله بهم الدين. وفي نفس الوقت كان هناك مسلمون يذهب بهم الاستعمار عبيداً إلى أمريكا، وقد ضاع دينهم. [سبحان الله! عندما تذهب إلى جزر الملايو يقال لك: نشر الإسلام في هذه البلدان الأولياء السبعة، أو فلان من العرب، أو تجار العرب، وعندما تذهب إلى كيب تاون يقال لك: نشر الإسلام الشيخ فلان من جزر الملايو، والفرق أن الذين نشروا الإسلام في جزر الملايو كان غالبهم تجاراً وبعضهم هربوا من المحن التي وجدت في بعض البلدان الإسلامية، أما الذين نشروا الإسلام في جنوب أفريقيا فهم من جزر الملايو الذين أراد الاستعمار إذلالهم واستعبادهم! وها هم أولاد المسلمين الذين استعبدهم الأوربيون في أمريكا يغرسون دين الله، وينشرون الإسلام في بلد المنفى].
وقد أسس الشيخ يوسف المجتمع الإسلامي في منطقة (فوري FAURE )، واستمر المستعمرون يأتون بالمسلمين من إندونيسيا والهند وموزمبيق، ومن أفريقيا الشرقية وأفريقيا الغربية إلى سنة: 1803م وكان بعضهم منفيين وبعضهم مجرمين.

وأتت مجموعة في أواخر القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين، لاستخدامهم في زراعة قصب السكر، ومن ضمن هؤلاء مجموعات من الهندوس. ومع استمرار مجيء المستعمرين بالمسلمين الذين استعبدوهم، ذهبوا بهم إلى منطقة: "كيب تاون".
القاضي عبد الله مؤسس أول مسجد:
وجاء عبد الله بن الإمام القاضي منفياً سياسياً، وذهبوا به إلى "جزيرة روبن" ثم أطلقوا سراحه سنة: 1794م وذهب إلى منطقة الكيب، ولم يجد مؤسسات إسلامية، ولا نشاطاً إسلامياً، وعرض على الحكومة الهولندية المستعمرة ـ وقد كان بينها وبين البريطانيين حروب ـ أن يساعدهم بمجموعة من الشباب المسلم يقاتلون معهم ضد الإنجليز، على أن يمنحوه أرضاً يبني عليها مسجداً للمسلمين فوافقت الحكومة ومنحته الأرض، ولم تحدث المعركة بينهم وبين البريطانيين، وهناك بني "أول مسجد" سنة: 1794م. [هكذا يسمى، وقد كتب اسمه على واجهته باللغة العربية، ولا زال موجوداً، وقد صليت فيه الجمعة وزرته مرة أخرى في الصباح، وأخذت له بعض الصور، وسيأتي الكلام عنه].
وكتب بخط يده مصحفين من حفظه، وهو أول مصحف يكتب بخط اليد من حفظ الكاتب، ووضع في المسجد، والمصحف عند الشيخ قاسم عبد الرءوف. [نسخة من المصحف موجودة في المسجد، وقد حاولت أخذ صورة للصفحتين الظاهرتين ـ المصحف موضوع في داخل زجاج ـ ولكن الصورة لم تظهر. وسمعت أن الشيخ العبادي اليمني شيخ القراء اليمني راجع المصحف فلم يجد فيه إلا غلطتين فقط].
وكل جيل جاء من نسل هذا الإمام وجد فيهم علماء وطلاب علم، ولم يحصل ذلك لأحد مثلما حصل له.
ومن الذين سجنوا في "جزيرة روبن" الشيخ سعيد، ولم يكن يدري عن سبب سجنه، وعندما أفرجوا عنه أصبح يعمل في صف العبيد، ورأى اغتصاب الجنود الأوربيين للإماء المسلمات، فانضم إلى الجنود سنة: 1794م وحصلت حالات حمل كثيرة من ذلك الاغتصاب، وكان الشيخ سعيد يعلم المسلمات المغتصبات الإسلام ويقوي إيمانهن فربين أولادهن على الإسلام، وبذلك كثر أولاد المسلمين، وهم الملونون.
وقد سألت الدكتور يوسف عن مراجعه لهذه المعلومات؟
فقال: حصلت على هذه المعلومات عن طريق البحث المتواصل في السجلات والمكتبات، وقد أثبتَ تلك المراجع في كتاب اشترك في تأليفه هو و"الشيخ أحمد داو" الذي توفي سنة 1998م. واسم الكتاب "صفحات من تاريخ مسلمي الكيب". وعدد المسلمين في البلاد كلها: مليونان.
الاجتماع بالشيخ علي آدم مدير الكلية الإسلامية:
الجمعة 12/3/1420هـ ـ 25/6/1999م
في صباح هذا اليوم ذهبنا لزيارة الكلية الإسلامية [هكذا تسمى، وهي ابتدائية وثانوية] وقد اجتمعنا بمديرها:

التحق بندوة العلماء في لكنو من سنة: 1960 ـ 1970م. [المعلومات التي أسجلها عن المسلمين ـ أو غيرهم ـ الذين أقابلهم، غالبها رد على أسئلة ألقيها إليهم].
ودرس في جامعة جنوب أفريقيا خمس سنوات. كان عمله أولاً في التجارة، ثم مدرساً في مدرسة ثانوية حكومية، إلى سنة 1981م.
وتأسست الكلية الإسلامية سنة 1983م. كان عدد طلابها عند تأسيسها (50 طالباً) وعددهم الآن (1250 طالباً) وعدد الطالبات (500 طالبة).
والشيخ علي هو مدير مجلس إدارة الكلية.
وتمول الكلية من رسوم الطلاب ومن المسلمين بصفة عامة. وهم الآن يبنون مقراً جديداً للكلية. ويجمع منهج الكلية بين المواد الإسلامية والمواد الحكومية. وقد تخرج من الكلية ألف طالب وطالبة تقريباً. ويلتحق المتخرجون بالجامعات الحكومية، ويتخرج بعضهم أطباء وبعضهم محامين وتخصصات أخرى متنوعة.
وقد زار الكلية الشيخ محمد السبيل، إمام المسجد الحرام، والدكتور عبد الله بن عمر نصيف، والدكتور محمد عبده يماني، وهم من المؤيدين للكلية.
وقد ساعدهم بنك التنمية الإسلامي بمائتي ألف دولار قبل سبع سنوات، وهي المساعدة الخارجية الوحيدة. وعدد المدارس التي تجمع بين المنهجين في كيب تاون عشر، وتوجد اثنتا عشرة مدرسة حكومية.
وعدد المساجد في كيب تاون: (120 مسجدا) وعدد المسلمين في كيب تاون: (500 ألف نسمة) حسب الإحصائيات الرسمية، والظاهر أنهم أكثر من ذلك. وعدد المدارس الدينية الخاصة خمس، منها مدرستان كبيرتان.
يوجد انحراف في بعض أبناء المسلمين، ولكن الصحوة الآن أكثر من ذي قبل، ولهذا تتحسن أحوال الشباب.
وتوجد حركة الشبان المسلمين، وهي تتابع تربية الشباب، وتوجد دروس في المساجد صباحية، ومسائية للطلاب الذين يدرسون في المدارس الحكومية. وهذه المدارس الصغيرة هي التي حافظت على أبناء المسلمين. وكل المسلمين يقرءون القرآن.
وتمتاز كيب تاون بأن المسلمين الأوائل فيها كان 15% منهم عبيداً، وعندما تحرروا لم يرتد منهم أحد، وكانوا يحافظون على الإسلام، وكان أبناء غير المسلمين يتعلمون عند المسلمين، ولهذا انتشر الإسلام.
دعوة غير المسلمين: لمجلس القضاء الإسلامي برنامج لدعوة غير المسلمين، ولهذه الكلية مدرسة ابتدائية في مناطق السود، يدرس فيها أبناؤهم. وعندنا دروس لغير المسلمين صباح كل سبت، ودرس للملونين يوم الثلاثاء.
ونحن نحس أن السود ينظرون إلينا نظرة سلبية، لأننا لم نبذل جهوداً في دعوتهم ومساعدتهم، ويظن كثير منهم أن الإسلام دين خاص بالهنود، وبعد الانفتاح عرفوا أن غير الهنود مسلمون، فأخذوا يتساءلون: ماذا عمل لهم الهنود؟
وأكثر من يدخل في الإسلام من السود هم من المثقفون، ولكنهم لا يختلطون بالمسلمين، لأنهم أسلموا برغبتهم [بل لأنهم ما زالوا يظنون بأن الهنود لا يرغبون في الاختلاط بهم كما كان الحال في عهد التفرقة العنصرية، ويرون أكثر الهنود لا يهتمون بهم، وهم يصرحون بذلك]. وكذلك يكثر دخول نسائهم في الإسلام. [هذا اعتراف صريح بتقصير غالب المؤسسات الإسلامية في دعوة غير المسلمين ـ وبخاصة ـ السود الذين هم غالب السكان وأصل أهل البلد، وقد لمست هذا في أوائل أيام زيارتي ونبهت العلماء الذين اجتمعت بهم على خطر هذا التقصير، كما سبق وكما سيأتي في أماكن متفرقة، واعترف غالبهم بذلك]. أما غير المسلمين من البيض فلا يوجد تنظيم لدعوتهم، لأنهم لا يختلطون بالمسلمين. [هذا عذر غير مقبول، لأن البيض يختلطون بالمسلمين في المعاملات التجارية والبنوك والأسواق. والذي يريد القيام بالدعوة يجد مائة وسيلة ووسيلة للقيام بذلك].
وللشيعة ثلاثة مراكز في كيب تاون، وعندهم نشاط ودعم قوي، ولهذا ينتشر مذهبهم الآن بين السود، وبين غير السود أيضاً من الهنود والملونين والماليزيين، ومن كل الفئات، وهم لا يعلمون بخطر مذهب الشيعة، وأنا أعرف ثلاثين شخصاً أصبحوا من الشيعة في وقت قصير، والذين لا نعرفهم أكثر.
ولمجلس القضاء الإسلامي نشاط مضاد لدعوة الشيعة، يوزعون المنشورات التي تبين مذهب الشيعة، وعندهم مجلة الاستقامة، وهي ضد موجة التشيع.
تقديس القبور:
قلت للشيخ علي: يبدو لي أن كثيراً من المسلمين ـ هنا ـ يقدسون القبور ويتبركون بها، ولا بد من تنبيههم على ذلك، حتى لا يقعوا فيما وقع فيه البرلويون وغيرهم.


فقال: إنه بعد أن أصبح عندنا متخرجون من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، خفت هذه الظاهرة. ويوجد مجلس العلماء لجنوب أفريقيا، وهو شامل لكل الجمعيات الإسلامية، أنشئ منذ ثلاث سنوات، وهم يجتمعون مرة في السنة.
وفي الانتخابات صرح أحمد قاسم ـ وهو قائد مشهور [اجتمعت به وسيأتي]. ـ بعدم جواز دخول المسلمين الانتخابات، فرد عليه هذا المجلس، وحث المسلمين على الدخول في الانتخابات، لما في ذلك من مصالح.
وشهد شاهد من أهلها:
عندما خرجنا من مكتب الشيخ علي رأيت مسجداً كبيراً، وأمامه مبنى صغير، فسألت بعض الإخوة المرافقين عن المبنى الصغير؟ فقال: في داخل هذا المبنى قبر يعظمه الناس ويزورونه يومياً للتبرك به، وهو والمسجد تابعان للكلية، فدخلنا لنرى ذلك مباشرة، فإذا القبر في داخل المبنى مرتفع البناء وهو مغطى بقماش خاص، وعليه كميات من الزهور التي تجدد باستمرار، وقد كتب على بعض جدرانه اسم صاحبه هكذا:
(مولانا عبد اللطيف شاهي MAWLANA ABDULLATIF SHAHI)
وتاريخه: 1338هـ.
قلت: إذا كان القبر بجانب المدرسة والناس يأتون إليه ليعظموه، أمام سمع وبصر المسئولين والأساتذة في معقل العلم، فكيف يكون شأن القبور التي يفد إليها جهال لا يوجد بقربها علماء؟
صلاة الجمعة في أول مسجد (AWALMASGID):

ثم ذهبنا إلى ما يسمون: "أول مسجد" لنصلي فيه الجمعة، وكان الوقت مبكراً، ولكن الناس بدءوا يفدون إلى المسجد، يتنفلون ويقرءون القرآن، وأخذت أتأمل في وجوه الحاضرين، فإذا لباسهم وهيئتهم وملامح وجوههم وكيفية صلاتهم توحي بأنهم ملايويون، ولكن هناك ثلاثة أمور رأيتهم يختلفون فيها:
الأمر الأول: الطول والقصر، غالبهم قصار القامة، ولكن بعضهم لهم قامات طويلة يندر وجودها في الملايويين.
الأمر الثاني: كثرة شعر اللحية وقلته، غالبهم تقل شعور لحاهم، وبعضهم شعور لحاهم كثة.
الأمر الثالث: الألوان، غالبهم ألوانهم مثل ألوان الملايويين، وبعضهم أقرب إلى البياض، وبعضهم بين بين، وبعضهم لونه أقرب إلى السواد وليس بأسود. وبذلك تبين لي معنى الملونين.
شيخ يمني لطيف!
ورأيت شيخاً كبير السن يدخل قبل المحاضرة التي جرت عادة الإمام أو غيره إلقاءها قبل خطبة الجمعة، وكان هذا الشيخ يمر بين الصفوف ويضرب بيده ـ مازحاً ـ ضرباً خفيفاً على ظهر من يمر به من المصلين، ليفسح له في الطريق إلى الصف الأول، وكل من ضرب ظهره يلتفت إليه ويبتسم ابتسامة تدل على الرضا.
ثم جاء الإمام ووقف في المحراب وألقى محاضرة باللغة الإنجليزية، استغرقت نصف ساعة تقريباً، وكانت تتعلق بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم، فهمت ذلك بقرينتين:
القرينة الأولى: أن اليوم هو اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول الذي اعتاد غالب المسلمين في العالم الاحتفال فيه بالمولد.
القرينة الثانية: تكرار كلمة مولد النبي في المحاضرة، ولكني فهمت من كثرة الآيات والأحاديث التي كان يستدل بها أنه يحث الناس على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الدليل على محبته الاقتداء به والعمل بسنته، وليس مجرد ادعاء محبته والاحتفال بمولده. وقد سالت الأخ محمد نور بعد صلاة الجمعة عن هذا الفهم؟ فقال: إن ما فهمته صحيح. وسيأتي لقائي بهذا الإمام على غير موعد وعرفت السبب في اتجاهه السليم، وهو أنه درس في كلية الشريعة في الكويت، وصلته بأساتذة أثروا فيه.
وبعد إلقائه تلك المحاضرة، صعد على المنبر وألقى خطبتين مختصرتين باللغة العربية، كان غالبها نصوص من القرآن والسنة.
وبعد انتهائه من الخطبتين نزل وقدم ذلك الشيخ المسن الذي ذكرته سابقاً، فصلى بالناس، وقد أعجبتني قراءته جداً: قراءة مجودة واضحة، وكنت أتمنى أن أراه بعد الصلاة لأسأله عن اسمه ولعلي أحصل منه على معلومات مهمة، لكبر سنه، ولكنه تأخر ونحن كنا على موعد، فسألت عنه فقيل لي: هذا الشيخ محمد صالح العبادي شيخ القراء، وهو من اليمن، قلت: ألا يمكن أن تضربوا لي معه موعداً؟ قالوا: إنه مع كبر سنه مريض، وانتقل من بيته إلى بيت بعض أقاربه، ونحن لا نعرف بيتهم، فبقي في نفسي رغبة شديدة في أن أجتمع به، وقد يسر الله لي ذلك بدون ميعاد، كما سيأتي في مكانه.
الاجتماع بالأخ محمد بن محمود حنيف:
كان عندي موعد مع الأخ إسماعيل غمانة بعد صلاة العصر في مسجد القدس، فتأخر عن موعده ـ ثم جاء كما سيأتي ـ وسلم عليَّ الأخ محمود حنيف، وهو الذي خطب بنا الجمعة في "أول مسجد" فاغتنمت الفرصة وأخذت عنه المعلومات الآتية:

ولد في: 25 مايو من عام: 1954م في كيب تاون، وتعلم في مدرسة ثانوية حكومية. وبعد أن تخرج من السنة الثالثة سافر إلى الكويت، ودرس هناك من السنة الأولى الابتدائية إلى السنة الثالثة الثانوية التي تخرج منها سنة: 1977م.
ودخل كلية الشريعة "قسم اللغة العربية" في جامعة الكويت، وتخرج سنة 1982م.
ومن أساتذته الدكتور عبد العال السالم ـ في اللغة العربية ـ والأستاذ حسين طه ـ في الفقه ـ وهو مصري. وكان يكتب في مجلة المجتمع.
وهو الآن يُدَرِّس اللغة العربية في الكلية الإسلامية التي يرأسها الدكتور داكوستا، وبجانبها مسجد القدس هذا. عنده خمسة أولاد، أكبرهم ابنه نفيس، وأربع بنات.
وهو يقوم بالدعوة إلى الله، أصله إندونيسي من مكاسا، وهو إمام مسجد يسمى: "قباء".
الاجتماع بالأخ إسماعيل بن أحمد غمانة:
اجتمعت به في مسجد القدس، وهو من أعضاء جمعية الاتحاد الإسلامي.
ولد سنة: 1971م في كيب تاون. بدا تعليمه "في مدرسة مياس فام" وهي مدرسة دينية في جوهانسبرج، تخرج منها سنة: 1983م. ورجع إلى كيب تاون ودخل الابتدائية الحكومية. وفي سنة: 1987م ذهب إلى مدرسة "دار العلوم زكريا" في جوهانسبرج، وحفظ القرآن الكريم، ودرس مبادئ الإسلام واللغة العربية لمدة سنتين. وفي سنة: 1991م قبل في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، دخل شعبة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها لمدة سنتين. ثم التحق بالمعهد الثانوي بنفس الجامعة سنة 1993م. ثم التحق بكلية الشريعة بالجامعة، وتخرج منها سنة: 1997م.
ورجع إلى كيب تاون، وذهب إلى حي شعبي للسود، ويسمى: " لَنْغَا" حيث قام بالتدريس في مدرسة إسلامية، درس القرآن والتوحيد والفقه وقصص الأنبياء.
جمعية مساكاني: وبدأ يعمل مع منظمة (مساكاني) وأعضاؤها من السود, ويقوم الآن بترجمة كتاب: "سفينة النجاة" في الفقه الشافعي، ويدرسه للطلاب، ويترجم بعض الموضوعات في العقيدة. وكان إنشاء هذه الجمعية عندما جاء الأخ إسماعيل من المدينة، وحثهم على تأسيس جمعية ليقوموا بنشاطهم من خلالها.
رئيس الجمعية: الأخ قاسم غمانة ـ أخو إسماعيل [اجتمعت به وسيأتي] ـ وعمره الآن: 40 سنة تقريباً. عدد أعضاء الجمعية: تسعة أشخاص.
وعدد أتباعها: خمسمائة شخص تقريباً، ويمثلون عدداً من مناطق كيب تاون.
عدد الأطفال الذين يتبعون الجمعية: ألف طفل تقريباً. وعدد الأطفال الذين يتعلمون مبادئ الإسلام عشرون طفلاً. وعدد الشباب ـ كذلك ـ عشرون.
أما الشباب الذين يتبعون الجمعية، فهم مائتا شاب تقريباً.
والذين درسوا الإسلام من الأعضاء أربعة أشخاص. وهم الذين يقومون بالدعوة إلى الإسلام بين السود. ويدخل في الإسلام في مدارسهم أسبوعيا ما بين 20 إلى 30 وأغلبهم من النساء، لأنهن أقرب إلى الفطرة. والداخلون في الإسلام يحضرون كل يوم ثلاثاء لتلقي التعليم والتربية، وهناك محاولة لزيادة يوم آخر.. [هذا يدل على كثرة من يستجيب للإسلام إذا وجد أهل البلاغ المبين، ويكذب دعوى من يزعم أن دخول السود في الإسلام صعب].
ولا يوجد تفاهم بين السود والهنود، إذ يقول السود: نحن كنا متروكين من قبل، والآن نحن نجتمع بأنفسنا وندعو إخواننا السود أولاً.
وهناك سبب آخر وهو أن الناس كانوا يفهمون أن الإسلام إنما هو دين الهنود. وبعد مجيء الحكومة الجديدة فهم كثير من الناس أن الإسلام جاء للناس كلهم وليس للهنود فقط. ويشكو السود من أن الهنود إلى الآن لم يحاولوا الاقتراب منهم، وقد كان أمهات السود يخدمن عند الهنود، وكذا بعض الرجال منهم، ولكن الهنود لم يقوموا بدعوتهم. ويوجد في "دربن" مؤسسة حركة الشبان المسلمين يقومون بالدعوة بين السود في الغابات. وعند السود عادات تشبه بعض المبادئ الإسلامية، وذلك يجعلهم أقرب إلى الدخول في الإسلام، إذا بلغهم على حقيقته.
مع الدكتور عبد الله حكيم كويك:
في أثناء حواري للأخ إسماعيل جاء الأخ عبد الله حكيم الذي تخرج في الجامعة الإسلامية، وقابلته في كندا عندما كان داعية هناك في سنة: 1405هـ، وقد ذكرت اجتماعي به في المعلومات المتعلقة بكندا من سلسلة "في المشارق والمغارب" المجلد السابع.

تخرج الأخ عبد الله حكيم من الجامعة سنة: 1399هـ 1979م. وقد انتقل إلى جنوب أفريقيا، لأنه عندما جاء لزيارتها وألقى محاضرات في مؤتمر الأطباء في جوهانسبرج، ثم تجول في ساويتو وبيروت، وذهب إلى جامعة الأديان في الشمال، ثم في الساحل الجنوبي، وجاء إلى كيب تاون، وألقى محاضرات في كل المناطق التي زارها، ووجد كثيراً من زملائه في الجامعة الإسلامية بالمدينة، ومنهم أمين الله وعبدالرءوف وظافر النجار، ووجد إقبالاً من الناس هنا على محاضراته بسبب تناسبها مع ظروف المجتمع وانسجامهم مع لهجته الأمريكية، وطلبوا منه الانتقال إلى هذه البلاد، فاستخار الله في عرفات أيام الحج، وطلب من وزارة الشئون الإسلامية نقله إلى هنا فوافقوا، وانتقل وقد مضت له في كندا أربع عشرة سنة.
ووجد أن مجلس القضاء في حاجة إلى تنشيط قسم الدعوة وقد عينوه مديراً للقسم، وهو مع عائلته، وعنده تسعة أولاد، اثنان متزوجان في كندا، واثنان طالبان في الكلية، والظروف هنا مناسبة للدعوة.
وقال: بدأت أفهم الوضع هنا، ولا أزال أتفهمه، وقد حصل انفتاح سياسي، وهو يعطي فرصة للدعوة، ويمكنني أن أتفاهم مع الهنود والسود والملونين، وقد عملت في جاميكا مع الأفارقة أربع سنوات.
نكتة عفوية!
عند رجوعنا ـ كان معي محمد نور ـ إلى الفندق، اتجهنا إلى المصعد، وإذا امرأتان عربيتان لابستان لباساً محتشماً إحداهما أسن من الأخرى تتجهان معنا، وقالت الصغرى: هذا محمد نور؟! التفت محمد نور إليهما قائلاً: نعم.
قلت: من أين عرفتهما؟ قال: في الطائرة السعودية عندما رجعت إلى جنوب أفريقيا، كان معهما ولي أمرهما وهو شيخ كبير. وفي المصعد قالت لمحمد نور: أبوك ـ تعنيني ـ يتكلم عربي مضبوط! قلت: I AM FROM المدينة المنورة. قالت: وَيْ! يخلط لغة إنجليزية ولغة عربية. قلت لها: من قال لك: إني أبوه؟ أقول لك: أنا من المدينة المنورة، ومحمد نور من كيب تاون. قالت: عفواً كنت أظنك والده. قلت: لا حرج.
إغراء بالسهر مع الحاجة إلى الراحة:
اتصل بي الأخ محمد نور ـ وأنا أتهيأ للنوم ـ في الساعة الثامنة مساء، وقد كنت خارج الفندق من الصباح إلى المساء، فقال لي: إن زوج عمتي يرغب أن تزوره عنده بعض الضيوف من العرب، قلت له: يا أخ محمد أنت تعلم أنني في حاجة إلى الراحة، وبرامج مواعيدي تبدأ مبكرة، قال: سوف لا تتأخر كثيراً، فوافقت وجاءني إلى الفندق هو وزوج عمته: محمد شهاب الدين.
ذهبت معهما، وكان منزله بعيداً عن الفندق ـ ربما يرى بعض الظاهرية جواز القصر والجمع في مسافته ـ وكان في استقبالي في منزله شابان عربيان عمانيان، لابسان اللباس العربي، وهما: الدكتور يحيى بن محمد بن عيسى الفارسي ـ من ولاية بركاء ـ وعمره 23 سنة، والدكتور خلفان بن سالم السنيدي ـ من جعلان بو علي ـ وعمره 25 سنة، وهما في السنة الأخيرة من كلية الطب ـ جامعة السلطان قابوس.
كانا مبعوثين للتدريب العملي في مستشفى (G. F JOOSTE) قسم الطوارئ، في منطقة: (MANENBERG) وقد مضى لهما شهران من العمل في هذا المستشفى، وهذه المنطقة مشهورة بالإدمان وتجارة المخدرات والخمور، وهي ـ كما قالا ـ أفقر المناطق هنا.





ويخدم المستشفى مليوناً ونصف المليون من السكان، ويستقبل حالات العنف والإجرام كالاعتداء بالآلات الحادة والرصاص، وهذه الحالات تحصل يومياً.
والمصابون بالإيدز في كل أربعة يدخلون المستشفى واحد، أعمار أغلبهم ما بين سن 16 و25 والمدمنون على الخمر 70% من الحالات، وتكثر حالات المخدرات، والشواذ جنسياً، والاعتداء الجنسي.
ويوجد مسلم يتزعم الشواذ جنسياً، واسمه "ذاكر" وهو شاذ جنسياً ومصاب بالإيدز.
ويتزعم المجرمين مسلم ارتد عن الإسلام، واسمه "رشيد اسْتَاخِي" وقُتِل أخوه رشاد وعمره 34 سنة..
وتكثر حالات الإجهاض وغالبها في المسلمين، ويقوم بالإجهاض أطباء غير مسلمين، بدون تصريح من أهل الحامل. وكثيراً ما يموت المرضى على السرر قبل أن يصل إليهم الأطباء لقلتهم وكثرة المرضى. ورئيس قسم الطوارئ مسلم، اسمه الدكتور عبد العزيز.
وقد امتدت سهرتنا مع الأخوين العمانيين، لأن مسامرتهما كانت مغرية، وهما شابان صالحان يظهر عليهما التمسك بالإسلام وحسن الخلق ـ ولا أزكي على الله أحداً ـ وكانت هذه المعلومات من المعلومات التي تحصل على غير موعد، وهي شبه وثيقة لمن صرح لي من العلماء والدعاة والعاملين في المجالات الاجتماعية من الرجال والنساء، أن كثيراً من شباب المسلمين وشاباتهم غير ملتزمين بتطبيق الإسلام، وأن التفكك الأسري حاصل ويخشى من خطر استفحاله، وأن العلماء والدعاة والأئمة الذين يقللون من خطر هذه الأمور ويرون أنها نادرة هم الذين يقبعون في محيط المساجد والمدارس الإسلامية، ولا يختلطون بالأسر والشباب البعيد عن محيطهم، وسيأتي ذكر شيء من هذا في مكانه.
وكانت هذه السهرة في منزل الأخ المهندس "محمد إحسان عبد القادر شهاب الدين" [وهم يكتبونه وينطقونه هكذا: شَاب الدين]. وعمره 43 سنة، وهو مهندس غواصات، وهو الآن يشتغل في الإشراف على الصناعات.
وليس عنده أولاد عسى الله أن يرزقه أولاداً تقر بهم عينه وعين امرأته. وهو رجل يبدو عليه الصلاح، ويحب العرب، وقد عرض علي أن أنزل في بيته، واعتذرت له، والأخوان العمانيان سكنا عنده، وهذه آخر ليلة لهما، إذ سيسافران غداً عائدين إلى بلدهما، لانتهاء مدة عملهما.
سجل مواليد وموتى وزيجات وأسفار:
وعندما علم أنني أبحث عن أحوال المسلمين وأسجل ما أجد من معلومات أخرج لي ثلاثة أجزاء: جزآن فيهما توثيق لزواج المسلمين ومواليدهم، وموتاهم ومن غاب منهم لطلب العلم أو الحج ومن رجع ... ويغلب على الظن أن أول تاريخ في الجزء الأول سنة: 1872م وآخر تاريخ سنة: 1936م.
والذي كتب ذلك بخط يده هو: " الشيخ محمد صالح شعبان" وأوراق الكتاب لا زالت جيدة، ولكن الثاني منهما بدأت أوراقه تتقطع، وقد أذن لي الأخ محمد بتصوير الكتاب فصورت الجزء الأول منه، أما الجزء الثاني فتصويره صعب يخشى عليه من الخراب، فتركته ونصحته بأن يحفظه.
والكتاب لجد الأخ محمد المذكور. والجزء الثالث فيه بعض الأذكار، وكلها بخط اليد.
خلطة عجيبة للملونين!
السبت 13/3/1420هـ ـ 26/6/1999م
ذكر لي أنه يوجد مجموعة من المثقفين، عندهم أفكار علمانية، وكانوا من قبل أعضاء نشطين في حركة الشبان المسلمين، الذين كانوا يستقون منهجهم من بعض الحركات الإسلامية، وبخاصة الجماعة الإسلامية في الباكستان، وجماعة الإخوان المسلمين في الدول العربية. وكان ممن ذكر لي:
عبد الرشيد عمر. ولد سنة: 1959م


وسألته عن أصله: فانطلق يعدد لي أصول أبويه، فقال: جدي من جهة أبي من الهند. وجدتي من جهة أبي من هولندا. وجدتي من جهة أمي من إندونيسيا. وأبو جدي من جهة أمي من القبائل المحلية. [كان ترتيب الطبقات في العهد العنصري هكذا: البيض. الملونون. الهنود. السود].
أما عن تعليمه، فقال: حفظت القرآن في مدرسة إسلامية محلية، ودرست الثانوية الحكومية في جنوب أفريقيا. ونلت شهادة البكالوريوس في جامعة كيب تاون، في كلية العلوم الاجتماعية في قسم الاقتصاد والتاريخ الأفريقي. ثم دبلوم في التربية وطرق التدريس.
ثم ذهبت إلى السودان فدرست في المركز الإسلامي الأفريقي اللغة العربية والدراسات الإسلامية، أيام قيام الثورة على الرئيس جعفر نميري. وكان مدير المركز الطيب زين العابدين سنة 1985م. ومن الشخصيات التي قابلتها الدكتور حسن بن عبد الله الترابي، والدكتور مالك بدري والدكتور عبد الرحيم علي.
ثم رجعت إلى كيب تاون والتحقت بالجامعة في قسم الأديان المقارنة، وقدمت رسالة الماجستير، بعنوان "ابن حزم واعتقاد تحريف التوراة والإنجيل".
لا شك أن ابن حزم من الرواد في هذا العلم، ونقده كان على مفهومنا للوحي، وقد تطورت الأمور من ذلك الوقت إلى الآن، والمسيحيون ينظرون إلى ما عندهم على أنه عن طريق الإلهام، وقد تكلمت في بحثي عن النصارى وطلبت منهم أن يشرحوا لي ما يعتقدون في الإنجيل من وجهة نظرهم، ونحن يجب أن ننقد الإنجيل من وجهة نظرهم.
اليهود والنصارى مختلفون:
النصارى ليس لديهم رؤية متحدة في نظرهم للإنجيل، كثير منهم يرون بأن النص في الإنجيل ليس هو المقصود، وإنما المقصود روح النص فيه. وبناء على هذا يكون النص عند المسلمين هو القرآن، ومكانته أعلى من مكانة الإنجيل عند المسيحيين.
والنصارى رفعوا عيسى إلى مرتبة الألوهية، والمسلمون يرون أن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله، والقرآن من وجهة نظر المسلمين كلام الله.
وأرى أنه لا بد من اختيار عدد من الطلاب المسلمين، ليتخصصوا في الأديان المقارنة في الكنائس والمعابد، وينبغي أن يذهبوا إلى الفاتيكان للدراسة، كما فعل المستشرقون في دراستهم للإسلام، فنحن يجب أن نفعل مثلهم.
وينبغي أن نتحاور مع النصارى، حتى نتقارب معهم فيما نتفق عليه جميعاً. ولا بد من أن يتعرض الدعاة المسلمون للجوانب الاجتماعية عندما يدعون الناس، ولا يقتصروا على الكلام عن العقيدة كما فعل الشيخ أحمد ديدات ويفعل ذلك طلاب الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، نعم نتكلم عن العقيدة ولكن ماذا وراء العقيدة؟ إن الأفارقة السود بالذات لا ينظرون إلى العقيدة، وإنما تهمهم الأمور الاجتماعية.
ونظرتهم إلى العلاقات العامة مع غير المسلمين نظرة قاصرة، وأضرب لك مثالاً على ذلك: الرئيس الجديد ـ يعني رئيس جمهورية جنوب أفريقيا ـ حضر صلاة العيد عندنا في هذا المسجد، وألقى كلمة، فثار علينا بعض الطلاب: كيف يدخل المسجد وهو ليس على عقيدتنا؟
أصناف المسلمين، وأقسام الدعاة: ثم تكلم عن أصناف المسلمين الموجودين في البلد، فقال: الهنود صلتهم ببلدهم الهند، وهم على المذهب الحنفي. والملونون، ولا صلة لهم ببلدانهم، ويدرس كثير منهم في الدول العربية. والأفارقة السود، وعامتهم فقراء.
والدعاة ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المشايخ القدامى، وهم متمسكون بما توارثوه عن آبائهم وأجدادهم، ويغلب عليهم التصوف.
القسم الثاني: المشايخ الجدد الذين تخرجوا من الجامعات العربية.
القسم الثالث: الدعاة الذين لهم نشاطات سابقة ضد العنصرية، ويلقبهم الآخرون بالمتحضرين.
ويدخل تحت المجموعة الثالثة طائفة تأثرت بالثورة الإيرانية، وعلى رأسهم الشيخ أحمد محمد قاسم رئيس مؤتمر الاتحاد الإسلامي. [اجتمعت به وببعض المسئولين معه وسيأتي]. ولا ينشر هؤلاء العقيدة الشيعية، وإنما يتخذون أسلوب الثورة الإيرانية ضد الحكومة.
وهناك مجموعة انبثقت من هذه الطائفة، تنشر عقيدة الشيعة، فهما يتفقان في الثورة والقضايا المعاصرة، ويختلفان في العقيدة.
والمشكلة أن القسم الثاني ـ يعني الذين تخرجوا في الجامعات العربية ـ يعرفون عن عقيدة الشيعة، ولكنهم يضخمون أمر الشيعة ويشكون منهم دون أن يعملوا شيئاً، ولا يقومون بالدعوة.
والهنود قسمان:
القسم الأول: الديوبنديون.
القسم الثاني: البرلويون.
ثم هناك أمر آخر وهو:
أولاً: غالب المسلمين من الطبقات المتوسطة.
ثانياً: الطبقة الفقيرة التي لا يوجد من يتحدث عنها.
ثالثاً: المجتمع المسلم الصغير جداً، وهم السود.
انتهى كلام الأستاذ عبد الرشيد.
تعقيبات:
كنت أريد ـ كما جرت عادتي ـ أن أسير مع الأستاذ عبد الرشيد في الحوار كما سرت مع غيره في إلقاء أسئلة يجيب هو عنها وأنا أكتب كل ذلك، وقد فعلت ذلك في أول الأمر، ولكن ذكر الأستاذ عبد الرشيد عدداً من النقاط الخطيرة التي جعلتني أترك دفتري وقلمي جانباً لأحاوره وأرد على بعض الأفكار التي لا يجوز السكوت عنها. وسأحاول ذكر تلك النقاط التي لم يسجل بعضها فيما مضى، وما رددت به عليها.
النقطة الأولى: فهمت من كلام الأستاذ عبد الرشيد أن منطلق علماء المسلمين ـ ومنهم الإمام ابن حزم رحمه الله - في القول بتحريف التوراة والإنجيل، هو مفهومنا للوحي، وأن هذا المنطلق كان صحيحاً في وقته، ولكنا إذا اقتربنا من المسيحيين ـ كما هو الحال في هذا العصر ـ وجدنا مفهومهم قد تطور بشكل يختلف عما كان يفهمه علماؤنا في السابق، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن النصارى الآن ينظرون إلى أن الوحي بالإنجيل إنما هو عن طريق الإلهام، وليس كما نعتقد نحن في القرآن بأنه كلام الله.
الوجه الثاني: أن النصارى يعتقدون بأن نصوص الإنجيل غير مقصودة لذاتها، وإنما المقصود هو روح تلك النصوص، ومعلوم أن روح النص لا يشترط تطابق ما يفهمه مفسره منه من النص نفسه.
وبناء على ذلك يرى الأستاذ عبد الرشيد أن علينا ـ نحن المسلمين ـ أن نرد على النصارى من منطلق مفهومهم هم لنصوص الإنجيل من حيث الوحي ومن حيث المعنى، وليس عن طريق مفهومنا الذي كان سائداً عند علمائنا من وقت نزول القرآن إلى الآن.
وقد قلت للأستاذ عبد الرشيد: إن منطلق القول بتحريف التوراة والإنجيل يجب أن يكون ما جاء في ذلك من آيات القرآن الكريم، ومن سنة الرسول الصحيحة، وليس ما فهمه البشر منفصلاً عن ذلك، سواء كان هذا الفهم المنفصل صادراً عن يهود أو نصارى أو مسلمين، لأن الذي أنزل التوراة والإنجيل هو الذي أنزل القرآن، ومن ذا الذي يصل إلى رتبة أن يكون فهمه المنفصل عما جاء في القرآن والسنة هو منطلق علماء المسلمين في القول بالتحريف أو عدمه.
وأما قول بعض النصارى بأن المقصود عندهم ليس هو فهم النص، وإنما هو فهم روح النص، فهم مضطرون لهذا الاتجاه، لأن نصوص التوراة والإنجيل بعد تحريفهما لا يتفق كثير منها مع العقل والفطرة والحس، وما كان كذلك فلا بد في النظر إليه من أحد أمرين:
الأمر الأول: إنكار كونه من عند الله، وهذا هو الذي يعتقده المسلمون انطلاقاً مما جاء في القرآن فيما يتعلق بالتوراة والإنجيل، وهم يصرون على أنهما من عند الله، ولهذا يضطرون إلى القول بالأمر الثاني.
الأمر الثاني: نفي معاني تلك النصوص بِلَيِّ أعناقها وتحريفها باسم أن المقصود هو رح النص وليس النص نفسه، وهذا ما يفعله النصارى الذين مردوا على التحريف...
النقطة الثانية:
أن النصارى ـ علماء اللاهوت والمستشرقين ـ يحاولون أن يبعدوا المسلمين عن الفهم الصحيح لمعاني القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يصلوا بهم في النتيجة إلى ترك دينهم الحق، فيقولون: إن للقرآن نصاً وروحاً، وإن المقصود ليس هو النص وإنما المقصود روح النص، ثم يفسرون لهم روح النص بما يلغي النص والغاية التي نزل النص القرآني من أجل تحقيقها..
ومن أمثلة ذلك: الصلاة الواردة في القرآن والسنة فهمها المسلمون بما فصلها الرسول صلى الله عليه وسلم تفصيلاً كاملاً، بطهارتها وأذكارها وقيامها وقعودها وركوعها وسجودها ... وما تحدثه في نفوس المسلمين من طهارة للقلب وتقوى وترك للفواحش والمنكرات، ولكن النصارى يقولون للمسلمين: إن صورة الصلاة ليست مقصودة وإنما المقصود روحها، وهو التوجه بالقلب إلى الله.
ويقولون لهم: إن ما في الإسلام من الروحانيات هو المقصود، وهو الذي يمكن أن يجمع المسلمين، وأما الأحكام الشرعية فكانت الحاجة تدعو إلى تطبيقها في المرحلة الأولى من صدر الإسلام، أما الآن في هذا العصر الراقي الذي تطورت فيه الأمور، فإن محاولة تطبيق الشريعة هو الذي أحدث التفرقة بين المسلمين، لذلك يجب الرجوع إلى روح الإسلام وروحانيته، وليس إلى تطبيق نصوصه كما هي. [هذه الأفكار أثبتها في حواراتي مع بعض المستشرقين والمنصرين: حوارات مع أوربيين غير مسلمين، بل إن الأستاذ رجاء جارودي الذي أعلن إسلامه على هذا الاعتقاد].
قلت للأخ عبد الرشيد: إن هذا هو ما يريد النصارى جرنا إليه، فيجب الحذر منه، وأن لا نكون مطايا تعبر أفكارهم عن طريقنا إلى أمتنا.
النقطة الثالثة:
الاجتهاد الذي كرره الأستاذ عبد الرشيد كثيراً في كلامه، وهو ينكر جمود علماء المسلمين على أحكام يجب تغييرها بحسب تغيير العلل وتطور العصور.
فقد طلبت منه ـ قبل أن أحاوره في موضوع الاجتهاد وأهله والشروط الواجب توافرها في المجتهد ـ: اضرب لي مثالاً لبعض الأحكام التي يجب تغييرها لتغير علتها أو تطورات العصر.
فقال: مثال ذلك: تفضيل الذكر على الأنثى في الإرث، فقد كانت العلة في هذا التفضيل أن المرأة لم تكن تعمل في السابق والرجل هو الذي يعمل، وهو الذي ينفق عليها، سواء كانت بنتاً أم أماً أم أختاً أم زوجة، وأما الآن فقد أصبحت المرأة تعمل مثل الرجل، وقد تجمع النساء من المال أكثر مما يجمعه الرجال، وقد تنفق المرأة على الرجل، فلم تعد هذه العلة قائمة للتفريق بين الجنسين، كما أن هذا العصر قد تطور وأصبحت المساواة بين الرجل والمرأة من حقوق الإنسان وإذا لم نساوِ بين الرجل والمرأة في الإرث، فتحنا الباب لأعداء الإسلام للعيب فيه.
قلت له: إن الجواب على هذه النقطة ـ الاجتهاد ـ يحتاج إلى وقت طويل للحديث عنه، ولكني سأوجز الكلام عليها في قاعدتين موجزتين، مع الرد على مسألة الإرث المذكورة:
القاعدة الأولى: أن باب الاجتهاد مفتوح إلى يوم القيامة، وعلى هذا كثير من علماء المسلمين في هذا العصر، ولهذا يعقد العلماء المؤتمرات لبحث كثير من القضايا المعاصرة، وأسست من أجلها المجامع الفقهية، ويصدر كثير من أفراد العلماء فتاوى جديدة، وعلى هذا صار علماء السلف في كل العصور الإسلامية، ولا عبرة بجمود من جمد قلوا أو كثروا.
القاعدة الثانية: أن للاجتهاد أهله الذين لا حق لغيرهم في دعواه أو ممارسته، وأهله هم الفقهاء في دين الله الفقه المبني على أصول وقواعد ودراسة متخصصة، وليس لصغار طلبة العلم الذين لم يتأهلوا للاجتهاد وإن ادعوا أنهم أهل له، وليس للجهلة بالإسلام ولا لأعدائه من المستشرقين وتلامذتهم.
ألا ترى أنه لا يجرؤ أي متخصص في أي علم أن يمارس العمل في تخصص علم آخر يجهله؟
هل يجرؤ النجار أن يزعم أنه قادر على ممارسة الطب البشري أو البيطري؟
فلا بد أن يكون المجتهد في الإسلام على علم بالقرآن والسنة واختلاف العلماء وإجماعهم، وأن يكون على علم بلغة القرآن والسنة وأن يكون على علم بأصول الفقه وأصول الحديث وأصول التفسير، مع تصوره الصحيح للمسألة التي يجتهد في حكمها. ودللته على بعض المراجع لهذه القاعدة.
أصناف أربعة جَنَتْ على هذا الدين:
وقلت له: لقد جنى على هذا الدين أربعة أصناف:
الصنف الأول: طلبة علم صغار، قد لا يفقهون أول باب من أبواب الفقه وهو باب الطهارة، يزعمون أنهم مجتهدون ويفسدون مع زعم أنهم مصلحون.
الصنف الثاني: علماء السوء الذين يفهمون حقيقة الأحكام الشرعية، ثم يحرفون الكلم عن مواضعه ويشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، فيحلون ما حرم الله أو يحرمون ما أحل الله.
الصنف الثالث: علماء الجمود الذين يدعون أن باب الاجتهاد أغلق، فهؤلاء يلزم على قولهم أن الإسلام ليس صالحاً لكل زمان ومكان، وأنه ناقص لا قدرة له على إصدار أحكام في مسائل تنزل بالناس، وهم آثمون من وجهين:
الوجه الأول: إغلاقهم باباً فتحه الله لأهله.
الوجه الثاني: قعود القادر منهم على الاجتهاد عن القيام به.
الصنف الرابع: أعداء الإسلام من المستشرقين الذين يزعمون أنهم تعمقوا في دراسة الإسلام، ويظهرون أنهم أعلم بدين الله من علماء الإسلام، ويحرفون أحكام الله أو يطعنون فيها بأساليب ماكرة ليشككوا المسلمين في كثير من أحكام دينهم، ومثلهم تلاميذهم من أبناء المسلمين الذين درسوا على أيديهم وسلكوا مسلكهم، وأصبحوا أشد إفساداً لدين الله من أساتذتهم.
أما مسألة الإرث فالجواب عليه من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الله تعالى تولى بيان أحكام الميراث بنفسه في كتابه، وفصلها تفصيلاً يدل على أنه أمر مقطوع به وأنه مما علم من الدين بالضرورة، وليس لأحد أن يحدث فيه زيادةً أو نقصاً، بل بين تعالى أن ذلك التقسيم فريضة منه، وليس فيما فرضه الله من اجتهاد، فقال تعالى ـ بعد أن بين أن للذكر مثل حظ الأنثيين -: {فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما} وقال ـ بعد الانتهاء من آيات الميراث ـ: {تلك حدود الله ... }.
الوجه الثاني: أن تفضيل الذكر على الأنثى لم يبن على علة كون الرجل هو الذي ينفق على المرأة، حتى يقال: إن الحكم يدور مع علته، فإذا انتفى إنفاق الرجل على المرأة انتفى التفضيل، بل يظهر من قوله تعالى: { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما } عدم النظر في تقسيم الإرث إلى تعليل، وإنما هو فريضة يجب أن تطبق كما مضى، ويلزم من بنى التفضيل على علة الإنفاق أن يقول: إن للأنثى مثل حظ الرجلين إذا أصبحت هي التي تنفق على الرجل!
الوجه الثالث: أن أحكام الميراث المفصلة في القرآن أجمع عليها علماء الإسلام من عهد الصحابة إلى يومنا هذا ولم يخالف في ذلك عالم يعتد بعلمه، ومعلوم أن من أنكر حكماً مجمعاً عليه معلوماً من الدين بالضرورة، فهو كافر.
النقطة الرابعة:
أن زملاء الأخ عبد الرشيد عمر البارزين الذين يشترك معهم في المؤتمرات أو الندوات التي تعقد في جنوب أفريقيا أو خارجها، هم من ذوي الثقافات الغربية العلمانية المتطرفة ومن الذين أشربت قلوبهم حب أفكار المستشرقين، ويهاجمون الإسلام في كتبهم وأبحاثهم ومقالاتهم ونشاطهم، من أمثال حسن حنفي ومحمد أركون، وعبد الرحمن واحد، إضافة إلى بعض المستشرقين وأعضاء المؤسسات التنصيرية في أوربا وغيرها، وقد دهش الأخ عبد الرشيد عندما قلت له: أنت من زملاء عبد الرحمن واحد! وسألني: كيف عرفت ذلك؟ قلت له: من أفكارك الواضحة، وعبد الرحمن أكثر تطرفاً في أفكاره.
قال: ينبغي قبل الهجوم عليه أن تعرفوا أفكاره. قلت له: لقد عرفتها معرفة جيدة، وقابلته في داره، وحاولت أن يصرح بأفكاره لي لأناقشه كما فعلت معك، ولكنه لم يفعل، وأنا على علم تام بتصريحاته المحاربة لتطبيق الشريعة ولصلته باليهود في فلسطين وعضويته في معهد بيريز، وليس المشكلة في أنه يعتقد ما يريد من الأفكار المنافية للإسلام، ولكن المشكلة أن يتزعم أكبر جمعية إسلامية في إندونيسيا وهو يحارب تطبيق الشريعة ودعاتها، ويتعاون مع اليهود والنصارى والوثنيين والباطنيين على ذلك. [وقد أصبح الرجل رئيساً لجمهورية إندونيسيا، وصرح في مقابلات تلفازية أن تطبيق الشريعة يعود إلى الأفراد في الشعب، وأما الحكومة فلا! وفي رحلتي الأخيرة لإندونيسيا سنة 1426هـ أخبرني بعض طلابنا في جاكرتا أن مجلس علماء إندونيسيا المركزي في جاكرتا صرح بأن القاديانية المنكرين لختم النبوة الذين يعتقدون أن زعيمهم القادياني نبي، ليسوا من الطوائف المسلمة بل هم خارجون من ملة الإسلام، وهو ما جرى عليه علماء الأمة الإسلامية في هذا العصر، فأنكر عبد الرحمن واحد على العلماء وصرح بأنهم يتدخلون في حرية الناس وعقيدتهم ويجب أن يحل مجلسهم، وهو كما ترى يخالف في ذلك كافة علماء العصر ويخالف صريح القرآن والسنة وإجماع العلماء قديماً وحديثاً].
النقطة الخامسة:
إطلاقه القول: بأن طلاب الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة يكثرون من الكلام على العقيدة، ولا يتعرضون للشئون الاجتماعية التي يحتاج إليها الناس، وأنهم يعرفون عقيدة الشيعة ولكنهم يضخمون أمرها، ولا يقومون بالدعوة.
أقول: إن هذا الإطلاق غير صحيح، وأنا أعرف كثيراً من طلاب الجامعة ـ وبعضهم من طلابي ـ ينتشرون في غالب المعمورة، ويتولون مؤسسات إسلامية تعليمية ودعوية واجتماعية، بل بعضهم تولوا مناصب وزارية، وبرلمانية ولا أنكر أنه يوجد بعض الطلاب الكسالى أو قليلي العلم والثقافة، لعدم استمرارهم في الاطلاع وانزوائهم وعدم اختلاطهم بالناس للقيام بالدعوة، وبعضهم قد يكون قليل الحكمة في دعوته، أو متصفاً بالشدة، ولكن الإطلاق غير صحيح.
وأما الاهتمام بالعقيدة وترسيخ أصول الإيمان في نفوس الناس بالحجج والبراهين على طريقة الكتاب والسنة، فإن هذا هو الأساس الذي سار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من وقت نزول الوحي إليه إلى أن لقي ربه، وما استطاع أعداء الإسلام النفوذ بباطلهم إلى عقول أبناء المسلمين إلا عندما ضعف الإيمان في نفوسهم، وأصبح خامداً لا يحركهم للعمل ولا يلهب في قلوبهم الشعور بالغيرة على دينهم، وإن الذي يعرف حقيقة الإيمان كما أراده الله وفصله في كتابه وفي سنة رسوله، لا يمكن أن يترك أي شأن من شئون حياة الناس دون التطرق له وبيانه، لأن الإيمان ليس مجرد عقيدة ميتة في القلب لا تتحرك، ولا مجرد قول باللسان لا يثمر عملاً، وإنما هو قول وعمل واعتقاد، ولهذا نجد في آيات القرآن الكريم ذكر الإيمان والعمل الصالح والقول الصادق.
النقطة السادسة:
الاهتمام بمقارنة الأديان وبعث طلاب من المسلمين إلى المؤسسات النصرانية ـ ومنها ـ الفاتيكان للاطلاع المباشر على عقيدة النصارى من مصدرها، من أجل الرد عليها رداً مبنياً على علم.
أقول: لا شك أن العلم بالعقائد والأفكار من مصادرها الأصلية، لإقرار ما فيها من حق ورد ما فيها من باطل، هو الذي ينبغي لمن يتصدى لذلك سلوكُه، ولا ينبغي الرد على عقيدة أو فكرة دون معرفة حقيقتها وصدق نسبتها إلى من تنسب إليه، ودون مصدر يوثق تلك النسبة.
ولا أرى مانعاً من اختيار طلاب مسلمين لبعثهم إلى المجامع الكنسية في أوربا أو غيرها لدراسة العقائد النصرانية أو اليهودية، على مناهج تلك المؤسسات المعاصرة، ولكن يجب أن تتوافر فيمن يبعث لذلك الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن يكون قد درس أصول الإسلام دراسة عميقة متخصصة مبنية على حجج وبراهين ثابتة لا تزعزعها عواصف العقائد والأفكار الأخرى، وتكون دراسته على أيدي علماء كبار متخصصين في هذا المجال، فإن المصدر الأساسي الذي هو ـ وحده ـ المصدر الصحيح هو كتاب الله، وما ورد من سنة رسول الله الصحيحة، وما عدا ذلك كله أوهام قابلة للتصدق والتكذيب.
الشرط الثاني: أن يكون قد درس مقارنة الأديان دراسة مبنية على أساس ما جاء في القرآن والسنة عن التوراة والإنجيل، وأن يكون قد درس النسخ الأصلية من التوراة والإنجيل على متخصصين من علماء المسلمين في ذلك، حتى يكون على بصيرة من أمرهما..
الشرط الثالث: أن يكون قوي الإيمان بدينه، شديد التمسك عقيدته، حتى لا تهزه الشبهات فيصبح من سماسرة التنصير وتلامذة المستشرقين.
ومع ذلك يجب أن يعلم أن كبار قادة أهل الكتاب لا زالوا إلى الآن يكتمون النسخ الأصلية من التوراة والإنجيل، ولا يأذنون بالاطلاع عليها إلا لطبقة معينة وصلت إلى رتبة العهد المؤكد على الثبات على الباطل، ومحاربة الحق وكتمانه.
وإذا تمكن أحد من أعضاء الكنيسة من الاطلاع ـ بأي وسيلة ـ على النسخ الأصلية التي صرحت برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وبوحدانية الله تعالى، وحاول أن يسألهم في ذلك، طردوه وأخرجوه من عضوية الكنيسة، وقد يهددونه بالقتل ... فكيف نطمع من هؤلاء أن يدرسوا أبناء المسلمين إذا بعثناهم حقيقة ما يعلمون من ديانتهم؟
هذا مع العلم أن مصادر مقارنة الأديان في المؤسسات النصرانية هي في الغالب مصادر تمثل وجهة النظر النصرانية وتحكم على الإسلام في مقارنتها من هذه الوجهة، ويتحكمون في عرض الموضوعات الإسلامية عن طريق الترجمة المحرفة لمعاني القرآن والسنة وكتب العقيدة الإسلامية، وهكذا أقسام الأديان في الجامعات، وأقسام الدراسات الإسلامية وكل ما يمت إلى الإسلام بصلة.
وغالب المستشرقين الذين يشرفون على الدراسات الإسلامية في الجامعات ومراكز البحث، يعتمدون في أبحاثهم إما على الروايات والقصص الدخيلة على المراجع الإسلامية المشوهة لصورة الإسلام والمسلمين، وإما على كتب أسلافهم الذين كانوا يخدمون بها الحكومات الغربية عندما كانت تحتل بلدان المسلمين، والمؤسسات النصرانية التي كانت تضلل جهلة المسلمين من أجل إخراجهم من دينهم.
ولهذا يقف أساتذة أقسام الدراسات الإسلامية في الدراسات العليا في الجامعات الغربية بالمرصاد، للدارسين المسلمين الذين يحضرون الدراسات العليا ويحاولون أن تكون نتائج أبحاثهم ودراساتهم متفقة مع مناهجهم وما توصل إليه أسلافهم في مراجعهم عن الإسلام والمسلمين، وكثيراً ما يستسلم لهم بعض الطلاب المسلمين الذين لم يتحصنوا بالفقه في الدين على أيدي علماء المسلمين والمصادر الإسلامية الصحيحة، فيعودون إلى بلدانهم وتسممت أفكارهم وأصبحوا رسلاً لأساتذتهم لهدم الإسلام!
فقياس الأخ عبد الرشيد دراسة طلاب المسلمين الأديان المقارنة في الفاتيكان، بدراسة المستشرقين لديننا قياس غير سليم.
ومع ذلك لا أرى مانعاً - كما قلت سابقاً ـ من ذلك إذا توافرت في الطالب تلك الشروط.
ومن باب الإنصاف للأخ عبد الرشيد لا بد أن أثبت له في حواري معه تسليمه بثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن الاجتهاد لا يكون إلا لمن توافرت فيه شروطه التي قررها علماء الإسلام، ومنهم الإمام الشافعي في "الرسالة" ... وأن كثيراً ممن يدعون الاجتهاد ليسوا من أهله.
الأمر الثاني: اعترافه بأن مسألة مساواة المرأة بالرجل في الميراث غير صحيحة، وليست من مسائل الاجتهاد أصلاً، بل هي مما علم من الدين بالضرورة، وأن كل ما شابهها هو من هذا القبيل.
الأمر الثالث: إقراره بوجوب التسليم للنصوص الصحيحة الصريحة وعدم معارضتها بالعقل، وفي التسليم بهذه الأمور النجاة والسلامة.
وقد حضر الحوار مع الأخ عبد الرشيد الأخ محمد نور الطالب في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وكان هو المترجم بيننا، كما حضر الحوار الأخ المغربي محمد الأعمش المسئول عن مكتب لجنة أفريقيا في كيب تاون.
إلى جبل المائدة TABLE MOUNTAIN

كنت أرى في جنوب الفندق جبلاً ممتداً يشرف على المدينة، ينتهي برأس على قمته بناء، فسألت الأخ محمد نور عنه؟ فقال هذا الجبل يسمى: "جبل المائدة" والبناء الذي تراه هو مكتب سياحي تصعد إليه الصناديق الكهربائية بالسائحين، وكنت مشتاقاً للصعود إلى هذه القمة لأمرين:
الأمر الأول: الإشراف على المدينة من عَلِ لأتصورها تصوراً صحيحاً.
الأمر الثاني: التقاط صور فوتوغرافية لمناظر من المدينة.
وكان الجو في غالب الأيام ممطراً والغيم يغطي الجبال والسهول والبحار، وقد تنقشع الغيوم ويكف المطر في أوقات أكون فيها مشغولاً بمواعيدي اليومية المستمرة.
ولم يكن عندي اليوم غير اللقاء مع الأخ عبد الرشيد، وكان الجو صحواً والشمس ساطعة على البلد كله.
فاتفقت مع الأخ محمد نور على الذهاب إلى جبل المائدة.
فذهبنا إلى المكتب السياحي في سفح الجبل، لأخذ تذاكر الصعود في الصناديق الكهربائية الناقلة إلى قمة الجبل.
جمعنا الله في هذا البلد مرة أخرى!
وبينما كان الأخ محمد يقف في صف السائحين، وأنا ألقي نظراتي على بعض أحياء مدينة كيب تاون، وألتقط لها بعض الصور، سمعت من يقول من خلفي: شيخ عبدالله شُفْ ـ انظر - كيف جمعنا الله تعالى في هذا البلد مرة أخرى! فالتفت إليه، فإذا هو سفير المملكة العربية السعودية: الدكتور سعود بن محمد الزيدان الذي سبق أن اجتمعت به في السفارة بمدينة بريتوريا يوم الثلاثاء: 9/3/1420هـ. وكان يلبس ملابس سياحية شبيهة بملابس الرياضة، فتعانقنا، وقلت له: هذه فرصة أخرى لنصعد سوياً ونأخذ مزيداً من المذاكرة لأحوال المسلمين، فقال: معذرة أنا لا أستطيع الصعود، معي بعض العائلة هنا، قلت لمحمد نور: إذاً خذ لنا صورة. قال السفير ـ وفي يده أيسكر يم ـ : نأخذ صورة وأنا على هذه الحالة؟ قلت نأخذها على الطبيعة، ليس لها صلة بالرسميات. ثم ودعته وصعدنا إلى قمة الجبل.

الأرواح جنود مجندة!
عندما بدأنا نتجول مشياً على أقدامنا لمحت وجهاً عربياً ملتحياً، يظهر عليه أثر التدين، فتبادلنا النظرات، واقترب بعضنا من بعض وتبادلنا تحية الإسلام، وتعانقنا وتعارفنا وائتلفت أرواحنا! إنه مدير عام مؤسسة دلو العالمية للتجارة.
الأخ "يوسف بن علي الربيعان" تاجر المعدات الثقيلة في الرياض.

وعمره: 35 سنة تخرج في جامعة الرياض/ الهندسة الصناعية.
وزيارته لـ"كيب تاون" تتعلق بشركته، واشتاق لزيارة جبل المائدة كما اشتقت أنا، فأراد الله أن يجمعنا.
وكانت مائدتنا مذاكرة أحوال المسلمين، وواجب المسلمين في الدعوة إلى الله كل في موقعه، العالم بعلمه، والغني بماله، وأغريته بزيارة المراكز الإسلامية في رحلاته التجارية، وذكرت له ما علمته في رحلاتي من كثير من تجار المسلمين الذين يسافرون إلى بلدان أوربا وغيرها، كيف يقضون أوقاتهم في أماكن الفساد والقمار والخمور والفسق، ولا يزورون المساجد والمدارس والمراكز الإسلامية، وكيف يسيئون إلى الإسلام والمسلمين بتصرفاتهم. واتضح أن الأخ يوسف يسكن في نفس الفندق الذي أسكن فيه وفي نفس الطابق الثلاثين، وفي غرفة مجاورة.
وقد تجولنا على الجبل الممتد ساعتين تقريباً، ثم استأذن ليعود إلى الفندق لأنه مرتبط بموعد، وهو على أهبة السفر غداً، واتفقنا أن نتزاور في الفندق مساء.
ثم واصلنا التجول أنا والأخ محمد نور، وجمعنا بين التصور الممكن لما يظهر من المدينة والتصوير لبعض المناظر من المدينة وما حولها.

وتوجد على الجبل بعض الدكاكين السياحية الصغيرة، ومطاعم صغيرة, ويوجد عمود منصوب كتبت عليه بعض المعلومات عن الجبل وما حوله، ترجم لي الأخ محمد نور المعلومات الآتية:
ارتفاع جبل المائدة (1086 متراً). ويرى على بعد 60 كيلو متراً. وعرضه من الشرق إلى الغرب 2 كيلو متر. يحده في آخره ما يشبه رأس الأسد. ينبع منه نهر كان يمد البحارين في الماضي بالماء. وكانت منازل الهولنديين القدامى قرب هذا النهر، في سنة: 1652م.

توجد في منطقة الكيب في الجبل وما حوله ـ "2200 فصيلة من النباتات" أغلبها توجد في هذا الجبل - قلت: النباتات الموجودة حول الحبل نباتات صغيرة، لا توجد أشجار كبيرة، وغالب قمة الجبل قليلة النباتات - وكانت بعض مناطق الجبل منطقة مراقبة للسفن.
وصف مجمل لما تصورته من فوق الجبل:
ظهر لي أنه تحد شمال المدينة ـ بالنسبة للمنطقة التي كنت فيها ـ جبال.
وفي غرب المدينة: بحر وبر.
وجبل المائدة يمتد في وسط المدينة طولاً.
وفي جنوب الجبل والمدينة البحر.
وفي شرقها بحر وجبال.
والحقيقة أن تصور مدينة كيب تاون فيه صعوبة، لكثرة تداخل الخلجان والجبال، وكثرة تداخل أحياء المدينة بين البحر والجبال، فهي مدينة معقدة من هذه الناحية.
زيارة مجلس الشورى:
الأحد: 14/3/1420هـ ـ 27/6/1999م
ذهبنا لزيارة مجلس الشورى، فوجدنا أعضاء المجلس في انتظارنا في قاعة الاجتماعات، وهم:

رئيس المجلس الدائم: الدكتور أحمد فؤاد الدين.
ولد سنة: 1930م في القاهرة. وتعلم مبادئ الإسلام.
تخرج في كلية الطب في جامعة القاهرة سنة: 1961م وتخصصه في التخدير وعلم النفس.
عمل في مستشفى الزاهر، ومستشفى الولادة، ومستشفى أجياد في مكة المكرمة، من سنة: 1964 إلى سنة: 1969م.
ثم ذهب إلى لندن، وفي سنة: 1971م جاء إلى مدينة: كيب تاون.
وقد تأسس مجلس الشورى سنة: 1968م.
وكان رئيسه قبل ذلك الشيخ محمد شاكر جميل الدين ـ وهو أخو الرئيس الحالي ـ ولد سنة: 1911م وتوفي سنة: 1998م.
تخرج في كلية أصول الدين في الأزهر سنة: 1938م.
له أحد عشر ولداً، سبعة رجال وأربع بنات.
ورئس مجلس الإدارة: الدكتور إحسان بهاء الدين.
تخصصه: التربية وطرق التدريس.
ويوجد مدرس مصري يدعى الشيخ رفعت عبد الحميد حسن جاد.

ولد سنة: 1938م.
تخرج في كلية أصول الدين ـ قسم التفسير سنة: 1986م.
من أساتذته الدكتور أحمد عمر هاشم، والشيخ طنطاوي.
جاء إلى جنوب أفريقيا ـ جوهانسبرج - سنة 1996م. مبعوثاً من وزارة الأوقاف المصرية، وانتقل إلى كيب تاون سنة 1998م. يقوم بتحفيظ القرآن الكريم، وتعليم اللغة العربية والحديث والتفسير والفقه.
أحمد صدقة سميث. [كثير من المسلمين الملونين ألقابهم أوربية، مثل: سميث، " يلمز"، جونسون، نسبة إلى أصولهم الأوربية، والظاهر أن الحكومات العنصرية حافظت في سجلاتها المدنية على تلك الألقاب، ليتميزوا بها عن الهنود والسود].
وهو المسئول المالي في المجلس، وفي لجنة الشورى المهتمة بأبناء المسلمين في الخارج. وعمره: 51 سنة.
عبد الرحمن حافظ الدين. وعمره: 58 سنة تعلم في جامعة أم القرى سنتين، وهو مدرس.
إسماعيل ويلمز. وعمره: 49 سنة. وهو محاسب في المجلس.
إمام رضا بهاء الدين. عمره: 58 سنة. تعلم أصول الدين في مدينة كيب تاون، وهو الرئيس المفوض للقسم التشريعي في المجلس.
ناصف جميل الدين "ولد الشيخ شاكر" عمره: 41 سنة.
تخصصه في التربية والتدريس، وهو مدرس.
هاشم صالح. عمره: 32 سنة، وهو محاسب.
عادل جونسون. عمره: 32 سنة. تخصصه: القانون، وهو سكرتير المجلس.
إسماعيل وَحْي. عمره: 50 سنة. تخصصه: التربية وطرق التدريس، وهو مدرس.
محمد شفيق. عمره: 47 سنة. تخصصه: مهندس، وهو مدرس.
هدف المجلس:
هدف المجلس العام: تعليم المسلمين من المهد إلى اللحد.
ويبدأ التعليم من سن الخامسة، وبعض الدارسين في المجلس الآن عمره: 65 سنة.
عدد الدارسين مائتا طالب تقريباً، يدرسون في الصباح في المدارس الحكومية، ويدرسون في مدارس المجلس بعد الظهر من يوم الاثنين إلى يوم السبت، ما عدا يوم الجمعة، ويوم الأحد يدرسون في الصباح.
والمواد التي تدرس للطلاب هي: الفقه، والتوحيد، والقراءة، واللغة العربية، والأخلاق، والتاريخ الإسلامي، وحفظ القرآن والحديث.
والسيدات يتعلمن يومياً في الصباح من الساعة العاشرة إلى الساعة الواحدة بعد الظهر، في حفظ القرآن الكريم، والحديث واللغة العربية. ويقوم بتدريسهن الشيخ رفعت.
ويقوم الشيخ رفعت بتدريس الأئمة اللغة العربية والتفسير والحديث والفقه مرتين في الأسبوع. وفي الليل يتعلم الذين يريدون الحج الفقه والتوحيد واللغة العربية.
ويتولى القسم التشريعي شئون الأسرة: أحكامها وحل مشكلاتها, وهناك أقسام تتولى الشئون الاجتماعية الأخرى وتجمع الزكاة والصدقات وتوزعها.
ويتبع المجلس معهد لأصول الدين يمنح الشهادات للدارسين فيه.
البلاغ المبين:
وسألتهم عن دعوة غير المسلمين؟
فقالوا: إن لهم دروساً في الراديو، وأنه يدخل في الإسلام عندهم في الشهر ثلاثة أو أربعة أشخاص.
قلت لهم: إن الله تعالى قد أوجب على رسوله البلاغ المبين، وهو إيصال الإسلام إلى الناس على حقيقته، وقد قام بذلك خير قيام، وعلم أصحابه القيام به في حياته، بإرسال الرسائل والرسل والدعاة إلى الله.
وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم انتقلت مسئولية هذا البلاغ إلى أمته، وهو فرض كفاية إذا قامت به طائفة كافية في أي بلد قياماً كافياً سقط عن غيرهم، وإن لم تقم به طائفة كافية أثم جميع المسلمين القادرين على القيام به وعلى الإعانة على ذلك بكل الوسائل المتاحة، أي إنه يصبح فرض عين. ويبدو لي أن هذا هو الواقع عندكم... فالمسئولية عظيمة...
قال بعضهم: نحن في حاجة إلى تعليم المسلمين أنفسهم.
قلت: يمكنكم الجمع بين الأمرين في حدود الطاقة، والمهم هو العزم والسعي الذي يخرجكم من المسئولية عن هؤلاء الذين يجاورونكم ولم يبلغوا حقيقة الإسلام.
دعوة المواقع:
ثم شرحت لهم دعوة المواقع التي لا يعذر أحد بتركها، وهي أن يقوم كل إنسان بالدعوة إلى الإسلام في موقعه ـ أياً كان هذا الموقع ـ وسألتهم: ألا يوجد في موقع كل منكم غير مسلمين، سائقين، أو خدماً، أو حراساً، أو جيراناً؟ قالوا: بلى. قلت: فهل قام كل واحد بدعوة من له صلة به في موقعه؟ قالوا: قليل جداً. قلت: فلا عذر لكم في ذلك وهو في متناول أيديكم.
شكوى وحرقة:
ثم قلت لهم: لقد تكررت شكوى المسلمين السود من موقف المسلمين منهم: يشكون من عدم الاجتهاد في دعوة من لم يدخل في الإسلام، ويشكون من عدم الاهتمام بمن دخل في الإسلام، ويشكون من عدم إعانة المسلمين للدعاة منهم... وإذا استمر موقفكم هذا منهم فسيُحدث في نفوسهم حقداً عليكم وستكون عواقبه سيئة جداً.
قالوا: نحن نحاول الاتصال بالسود ونعطيهم منحاً دراسية، ولكن إمكاناتنا محدودة.
قلت لهم: الأمر أعظم من أن تقوم به مؤسسة واحدة، الواجب أن يجتمع زعماء هذه الجمعيات ليتدارسوا الأمر بجد، ويخططوا لهذه الوظيفة الخطيرة، فيضعوا لها أهدافاً قريبة الأمد، وأخرى متوسطة، وثالثة بعيدة، ويضعوا لكل هدف وسائله ويتفقوا على التعاون الصادق فيما بينهم للقيام بهذا الأمر.
قالوا: وجدت محاولات واجتماعات بين الجمعيات الإسلامية، ولكنها كانت تنتهي بالفشل، فهل توجد طريقة تأتي من الخارج يمكن أن تجمع المسلمين؟
قلت: إذا لم يكن عند زعماء الجمعيات الإسلامية في الداخل استعداد للتعاون على تحقيق مصالح المسلمين، بصرف النظر عن المصالح الشخصية للزعماء التي قد يرونها تتعرض لشيء من النقص، فإن أي حل يأتي من الداخل أو من الخارج، سيبوء بالفشل، ولا بد أن أصارحكم بأن غالب مشكلات المسلمين من أهم أسبابها حرص زعمائهم على مصالحهم الشخصية وتقديمها على المصالح العامة للإسلام، فليخلص الزعماء لربهم ويفكروا في مصالح الإسلام، ويقدموها على المصالح الشخصية المتوهمة، وإذا حصل هذا فسوف تثمر اجتماعات الجمعيات الإسلامية ما يحقق مصالحها.
وسألوني عن اختلاف الجمعيات الإسلامية في عيد الأضحى هنا، بعضهم يتبع توقيت مكة المكرمة، الذي يؤدي عليه الحجاج من كل أنحاء العالم فريضة الحج وطواف الإفاضة ورمي الجمرات، وبعضهم يشذ ويصر على أنه لا بد من رؤية الهلال ولا يعتبر ما ثبت في مكة؟
قلت: لا شك أن ثبوت رؤية الهلال في المملكة العربية السعودية هو ثبوت شرعي ينبغي أن يأخذ به المسلمون في الأقاليم المجاورة لها، ولو أخذ به كل المسلمين، لكان أولى، ولكن العلماء اختلفوا من قديم الزمان في البلدان المختلفة المطالع، فرأى بعضهم أن رؤية الهلال في بلد يثبت به حكم الصيام والعيد في أي بلد يشترك معه في جزء من الليل، بعد عنه أو قرب، وبعضهم رأى أن البلدان تختلف باختلاف المطالع، فلا يثبت حكم الصوم ولا العيد في بلد برؤية الهلال في بلد يختلف فيه مطلع الهلال، وهذا حصل في عهد الصحابة بالنسبة للشام والحجاز.
وبناء على هذا فالمسالة اجتهادية، والذي أراه أن اجتماع كلمة المسلمين واحتفالهم بالعيد في يوم واحد - سواء وافق ثبوت الهلال في مكة أو خالفه - أولى من التفرق والاختلاف، بحيث يصلي العيد بعضهم اليوم وبعضهم غداً، لما في ذلك من التنازع المؤدي إلى الفشل، ولما يحدثه في نفوس غير المسلمين من نفور من الإسلام جملة ... وحصل نقاش طويل في هذا الأمر، وكان الذي يناقش ويشتد في مخالفة رأيي رجلاً ليس من أهل العلم، فقلت له: أفضل أن تسكت أنت ويحاورني أحد العلماء الحاضرين، لأن غير العالم لا حق له في فتوى ولا في مجادلة علماء ...
وسألني بعضهم قائلاً: إن كثيراً من العلماء يكررون كلمة: "الجهاد" وعدد العرب أكثر بكثير من عدد اليهود، فضلاً عن عدد المسلمين، وقد مضى على قضية المسلمين خمسون سنة، وإلى الآن لم يحرروا القدس، وقد مل الناس من تكرار كلمة الجهاد وكلمة: "إن شاء الله"..
قلت له: المصطلحات الإسلامية يجب فهمها على حقيقتها، ومنها هذه الكلمة: "الجهاد في سبيل الله" وهو مصدر للفعل "جاهد" والفعل لا يقوم بذاته وإنما يقوم بفاعله، فإذا قام الفاعل بالفعل تحقق الفعل، وإن لم يقم الفاعل بالفعل لم يتحقق، فقد كلف الله تعالى المسلمين بالجهاد في سبيله، فلما قاموا به في العصور الإسلامية السابقة ارتفعت راية الإسلام ونال المسلمون عزتهم، وقد احتل النصارى الصليبيون بلاد المسلمين في الشرق، وبقي المسجد الأقصى أسيراً بأيديهم مائتي عام، حتى كاد المسلمون ييئسون من طرد عدوهم، وعندما قاد المسلمين "صلاح الدين الأيوبي" وجاهد بهم المعتدين حرر البلاد الإسلامية منهم في فترة قصيرة، وما من عصر رفع فيه المسلمون راية الإسلام في وجوه عدوهم إلا نالوا النصر، ودليله في هذا العصر الجهاد الأفغاني الذي جعل الاتحاد السوفييتي ـ وهو دولة عظمى ذات قوة عسكرية ضاربة ـ يخرج من أفغانستان يجر أذيال الهزيمة. [وإن كان المسلمون قد أصيبوا بصدمة شديدة بالصراع الذي حصل بين قادة المجاهدين، أياً كانت أسباب هذا الصراع، وكان ذلك سبباً في تنصيب الصليبيين الجدد عملاءهم على البلاد بعد احتلالها والعدوان عليها].
والعبرة ليست بكثرة عدد المسلمين وحده ـ وإن كان العدد مطلوباً وله مكانته في الإسلام - وإنما العبرة بإخلاص المسلمين وقوة إيمانهم، وإعدادهم العدة التي كلفهم الله إياها، والنصر الذي وعده الله عباده المؤمنين إنما وعد به المؤمنين الصادقين الذين يتوكلون عليه ويتعاطون الأسباب التي أمرهم بها، ولم يَعِد الله بالنصر مدعي الإيمان الموتى الذين يدعون الإيمان بألسنتهم ويخالفون دعواهم بقلوبهم وأعمالهم.
ونحن عندما نقول: سننتصر على اليهود (إن شاء الله) نقولها عن اعتقاد جازم أن هذا الضعف الذي أصيب به المسلمون اليوم لا بد أن يتغير، وأن يقوى إيمانهم، وتجتمع كلمتهم على الحق، ويقوموا بأمر الله لهم بالجهاد، وعندئذ يتنزل نصر الله عليهم، ونعتمد في هذا على ثلاثة أمور:
الأمر الأول: النصوص العامة الواردة في القرآن والسنة بنصر الله تعالى من نصره.
الأمر الثاني: ما ورد من بشرى عن الرسول صلى الله عليه وسلم، من أن المسلمين سيقاتلون اليهود وينتصرون عليهم.
الأمر الثالث: ما علم من تاريخ الأمة الإسلامية أنها تمرض ولا تموت، وأنها تغفو ولا تنام، وتستعيد صحتها وقوتها وصحوتها، وتنتفض انتفاضة تسترد بها حقوقها، وتلقن أعداءها دروساً تفقدهم كبرياءهم وتحرمهم ثمار عدوانهم، وفي التاريخ دروس وعبر.
مع الشيخ عبد الرحيم!
كنا على موعد مع الشيخ عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرءوف، في مسجد القدس.


ولد سنة: 1956م في كيب تاون.
تعلم في المدارس الحكومية إلى أن تخرج في الثانوي، سنة: 1972م.
ثم سافر إلى المملكة العربية السعودية والتحق بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، بداية بشعبة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في نفس السنة.
ثم التحق بالمعهد الثانوي في نفس الجامعة سنة: 75 ـ 1976م.
والتحق بكلية اللغة العربية سنة: 1976م. وتخرج سنة: 1980م.
وذكر أنه استفاد استفادة كبيرة جداً في كلية اللغة العربية من التمرن على إلقاء الدروس باللغة العربية. واستفاد من الجامعة العقيدة الصحيحة.
وعندما رجع إلى كيب تاون، أراد أن لا يظهر بأنه عالم، فذهب إلى منطقة "كِمْبَلِيْ" وكان يقوم بالإمامة لمدة ستة أشهر.
ثم ذهب إلى "دربن" وجاء وفد من رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة وأرادوا شخصاً يترجم لهم، فذهب معهم إلى كيب تاون ودربن و"ملاوي" وموزمبيق التي كانت قبضة الشيوعية عليها شديدة جداً.
وقد أصبحت المساجد في موزمبيق شبه مهجورة، وما كان أحد يستطيع أن يتحدث عن الإسلام.
وقابل الوفد الوزراء وتكلم معهم، وبقوا هناك يومين.
ثم رجع الشيخ عبد الرحيم إلى "كمبلي" ـ مناجم الألماس ـ واستمر إماماً لمدة ستة أشهر.
ثم التحق بـ(معهد السلام) الذي أنشأه بعض المسلمين الهنود (الشيخ أحمد ديدات) وفي المنطقة كثير من السود ومكث هناك سنة واحدة.
ثم تزوج هناك وكان إماماً لمسجد، وقام بجمع التبرعات التي كان يساعد بها السود والهنود المحتاجين.
وبقي في "دربن" إلى عام 1987م.
ثم عاد إلى "كيب تاون" وقام بالدعوة، والتحق بجمعية الدعوة والإصلاح التي أنشأها هو والشيخ إبراهيم آدم وإسماعيل علي، وكان إنشاؤها سنة: 1987 ـ 1988م وعدد الأعضاء المؤسسين عشرة تقريباً. وكان بها عدد من الطلاب الذين يدرسون مبادئ الإسلام.
وقاموا بالدعوة في منطقة "سْتَرَافي" وهي منطقة فقيرة وفيها مسلمون، ولا يوجد هناك إمام، فقام هو بذلك، وبقي بينهم سنتين وستة أشهر، وكان يقوم بإطعام الطلاب في المدارس التي يشرف عليها القساوسة الذين لم يعارضوه في ذلك بسبب حاجة الطلاب إلى الطعام والمساعدة، وكان يساعده في الحصول على الطعام بعض الأغنياء وشركة بترولية نصرانية.
ثم عاد إلى كيب تاون سنة: 1992م وقام بالإمامة في مسجد "باركود" أي "مسجد الصبر" لمدة سنتين وستة أشهر وقام أيضاً بمساعدة الفقراء والمساكين. ويقوم الآن بإطعام الفقراء في عشرين منطقة. ولا يزال ينشئ بعض المساجد الصغيرة ويساعد المسلمين. [وهذا الأسلوب من أفضل الأساليب وأنفعها في الدعوة، أن تطعم معدة الجائع بالطعام وتغذي قلبه بالإيمان والإسلام وهو ما اتبعه الدكتور عبد الرحمن السميط بصفة أوسع ونفع الله به كثيراً في القارة الأفريقية].
وكانت له صلة سنة 1994م ـ قبل الانتخابات ـ بمؤتمر الاتحاد الإسلامي الذي دُعِيَتْ لحضوره الجمعيات الإسلامية.
والذين دَعَوا للمؤتمر مجموعة من التجار، لمحاولة جمع كلمة المسلمين.
والسبب أن المؤسسات الثلاث المشهورة [وهي المجلس الإسلامي، ومجلس الشورى، ومجلس القضاء الإسلامي] لا يستجيب لها الناس بسبب تفرقها.
وكان رئيس المؤتمر: الشيخ عبد الكريم توفار، وأحمد قاسم.
اجتمع في المؤتمر (250 جمعية)، ويقال إنها بلغت الآن 350، جمعية.
اجتمعت من مناطق جنوب أفريقيا، من أجل جمع كلمتهم في موضوع الانتخابات والتنسيق بينهم، ولم يحضر مجلس القضاء الإسلامي الذي اتهم هذا المؤتمر بأنه تابع للشيعة ـ وكانت التهمة موجهة إلى أحمد قاسم ـ بسبب أن له علاقة بإيران، وكانت علاقته بالثورة ـ يعني سياسية ـ لا بالعقيدة، مع أن أحمد قاسم ـ وهو من جماعة القبلة ـ كان يناهض حكومة البيض.
وكان أحمد قاسم يقوم بتفجيرات مرافق الحكومة، ولذلك اعتقلوه في أوقات متفرقة وصل مجموعها: أربعة عشر عاماً. وكان في منزله تحت الإقامة الجبرية.
وهو متخصص في الفلسفة، وكان يسمي مادته: "علم الإنسان". وهو رئيس مؤتمر الاتحاد الإسلامي، وعمره خمسون سنة تقريباً. [قابلته وسيأتي]. ومؤلفاته في السياسة وعلم الإنسان. ولا زال الأخ عبد الرحيم عضواً في هذا المؤتمر إلى الآن.
ويتبع المؤتمر: مجلس العلماء الوطني، ويرأسه الشيخ عبد الكريم توفار.
وللمؤتمر عدة أجنحة. وعندهم راديو، يطلقون عليه: (راديو 6، 8، 7). وهيئة الشباب، وهيئة النساء، وهيئة المربين. وللمؤتمر فروع في مناطق أخرى. ومؤسسة (القبلة) تابعة للمؤتمر. والهدف الأساسي لهذا المؤتمر هو توحيد العلماء والمسلمين [لقد أصبح المؤتمر جماعة جديدة، زادت عدد الجمعيات الموجودة].
وسألت الشيخ عبد الرحيم: لماذا انتسبت إلى هذا المؤتمر ولم تنتسب إلى المؤسسات الأخرى؟
فقال: إن كثيراً من العلماء في المؤسسات الأخرى لا يعملون بعلمهم. وفي ختام هذا اللقاء سألني الأخ عبد الرحيم عن كيفية الدعوة في مثل هذه الأجواء؟
فقلت له: إن الإجابة السريعة قد لا تكون مفيدة، ولكن قراءة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتتبع منهجه في الدعوة، وهو التعليم وغرس الإيمان القوي في النفوس، والتربية العملية للأفراد، حتى يكونوا دعاة صالحين ونشر الدعوة في كل مكان يمكن الوصول إليه بأي وسيلة مشروعة متاحة، لعل هذا هو المنهج الناجح في الدعوة، ولكن ذلك يحتاج إلى جهد وتخطيط، ومع ذلك لا ينبغي البعد عن الجماعات الأخرى، بل لا بد من التعاون معها في كل ما يمكن التعاون فيه.
ولقد ظهر لي أن الأخ عبد الرحيم متفقه في الدين، عنده إلمام جيد بعلوم الإسلام، وهو مجتهد في طلب العلم، كما يبدو عليه ـ إن شاء الله ـ أنه يعمل بما يعلم، ومجتهد في الدعوة إلى الله، متحل بالصبر والحكمة، يتعاون مع الجماعات الإسلامية، وإني لأرجو له التوفيق والسداد.
زيارة مجلس القضاء الإسلامي:
الاثنين 15/3/1420هـ ـ 28/6/1999م
هذا المجلس من المؤسسات المشهورة في جنوب أفريقيا، ورئيسه الحالي من الطلاب الذين تخرجوا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهو:
الشيخ إبراهيم بن محمد قاسم جبريل.


ولد سنة: 1955م في كيب تاون. وأصله إندونيسي. [ينبغي أن يعلم أن جميع المعلومات التي أسجلها عمن أقابلهم، هي إجابات عن أسئلة أوجهها إليهم، ولكني أحذف الأسئلة في الغالب من أجل الاختصار، بحيث يبدو كأن الشخص يسرد الكلام من عمد نفسه].
كانت درسته الأولية في المدارس الإسلامية، وفي المدارس الحكومية إلى السنة الأولى الثانوية في كيب تاون.
ونصحه الشيخ محمد أمين فقير ـ وهو من علماء كيب تاون، وله مؤلفات كثيرة، وكان قد تعلم في مكة المكرمة ـ بالدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
وقدم طلب الالتحاق بالجامعة، فجاءته الموافقة بعد ستة أشهر، في آخر سنة 1978م. التحق بشعبة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها لمدة سنتين.
التحق بعد ذلك بالمعهد الثانوي التابع للجامعة لمدة ثلاث سنوات.
والتحق بكلية الشريعة، وخلال دراسته في الكلية درس على الشيخ أبي بكر الجزائري، والشيخ عطية سالم والشيخ عمر فلاتة ـ رحمهم الله ـ وأتم دراسته في الكلية سنة: 1987م.
رجع إلى كيب تاون في نفس السنة، وفي نفس السنة عين عضوا في مجلس القضاء الإسلامي. وأصبح إماماً وخطيباً في مسجد دار الإسلام، وفي الدار مدرسة إسلامية، ومدرسة خاصة بحفظ القرآن، ومؤسسة لتوزيع الزكاة، والمسئول عنها الشيخ عرفان بن يحيى، وهو متخرج من كلية اللغة العربية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
زار الشيخ إبراهيم ماليزيا سنة: 1997م. ثم رأى أن هناك منطقة أخرى تحتاج إلى إمام، وتسمى "مِيتْشِلزْ بْلِيْنْ" وبها مسجد يسمى "المسجد الرابع" [أسست مساجد كثيرة، كان أولها: "أول مسجد" ويسمى مسجد الجمعة، ثم سميت المساجد التي بنيت بعده: المسجد الثاني والثالث]. ويكثر المسلمون في هذه المنطقة، يبلغ عددهم (100 ألف نسمة) تقريباً. وهم من الملونين الذين أخرجتهم الحكومة العنصرية من مناطقهم الجميلة إلى مناطق أخرى. وبقي إماماً في هذا المسجد لمدة عشر سنوات.
ثم أسسوا معهداً ثانويا خاصاً بالبنات سنة: 1992م، ومنهجه يجمع بين المواد الإسلامية والمواد الحكومية.
وقبل ثلاث سنوات أسسوا معهدا للبنين والبنات، عدد البنين: (55 طالباً) وعدد البنات: (120 طالبة). وبعد سنتين من انضمامه إلى المجلس عين مديراً لمجلس إدارته. وفي سنة: 1995م عين نائباً للرئيس.
وكان رئيس المجلس الشيخ نظيم محمد منذ 18 سنة، وعمره الآن 67 سنة، طلب العلم في مكة في المسجد الحرام، وفي المدرسة الصولتية، ورجع إلى كيب تاون سنة: 1955م. [قابلته في منزله وسيأتي].
ثم عين رئيساً للمجلس قيل أسبوعين من هذا التاريخ ـ وهو اليوم الذي جرت فيه المقابلة (28/6/1999م) ـ.
أسس العلماء مجلس القضاء الإسلامي سنة: 1945م.
ومن أسباب إنشائه حاجة الناس إلى الفتاوى التي كان العلماء يختلفون كثيراً فيها، فأراد العلماء توحيد الفتوى، فاجتمعوا واتفقوا على إنشائه.
ومن العلماء الذين فكروا في إنشاء المجلس:
(الشيخ أحمد بهاء الدين) وقد توفي قبل عشر سنوات في منى أيام الحج وعمره (80 سنة تقريباً) وكان قد درس في مكة المكرمة، ويعرف ثمان لغات، وكان يلبس الثوب والعمامة والعباءة والحزام. [مثل علماء الحجاز].
ومنهم (الشيخ محمد صالح العبادي). [ولا زال حياً، وهو الذي صلى بنا الجمعة في "أول مسجد" وقد زرته. وسيأتي، وسيأتي أنه توفي بعد ذلك رحمه الله].
عدد أعضاء المجلس (110 أعضاء) غالبهم من العلماء. وفيه أعضاء من غير العلماء، لحاجة المجلس إليهم، كالمحامين، ولا يشترك أحد منهم في قسم الفتاوى ونحوها.
أقسام المجلس:
وللمجلس أقسام متخصصة، وهي:
1 -قسم الحلال والحرام من اللحوم.
2 -قسم الأسرة (الأحوال الشخصية)
3 -قسم الدعوة (يرأسه الشيخ عبد الحكيم كْوِيْكْ)
4 - دار الأرقم (وهي خاصة بتدريس العلوم الإسلامية واللغة العربية) والمسئول عنها الشيخ إحسان طالب، تخرج في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، والمواد التي تدرس باللغة العربية في السنة الأولى 50%.
أهداف المجلس:
وللمجلس أهداف، من أهمها ما يأتي:
الهدف الأول: القيام بنشر الدعوة إلى الله، وبخاصة بين السود، ولم يكن يوجد تخطيط للدعوة من قبل، ولكن المجلس بدأ يخطط لذلك.
وكان (الإمام عبد الله هارون) يقوم بدعوة السود إلى الإسلام في عهد الحكومة العنصرية، فسجنوه وقتلوه في السجن سنة: (1960م) وكان عمره: (40 سنة) تقريباً، وكان معروفاً بالإمام عبد الله هارون.
أما البيض فلم يخطط المجلس لدعوتهم إلى الآن، ولكن حصلت مناقشات في ذلك.
وأساس الخطة لدعوة السود: تقوية العلاقات معهم، ومحاولة بناء مساجد ومدارس في مناطقهم. وقد انتشرت الكنائس في مناطق السود ـ ولا زالت تنتشر .
ودخول السود في الإسلام سهل إذا بلغتهم الدعوة، والسبب في ذلك أن بعضهم يميلون إلى أن أجدادهم ربما كانوا مسلمين، ولهم عادات لا زالوا يحافظون عليها، ومنها الختان. وعندهم آداب وأخلاق قريبة من عادات وأخلاق المسلمين، عندهم تحمل وصبر.
الهدف الثاني: تقوية علاقات المجلس مع الجمعيات الإسلامية في كيب تاون.
والجمعيات الكبيرة المشهورة ثلاث، وهي:
مجلس الشورى.
المجلس الإسلامي الأعلى.
مؤتمر الاتحاد الإسلامي.
وكان بعض أعضاء مجلس الشورى قد انضموا إلى مجلس القضاء الإسلامي ثم حصل خلاف فانفصلوا.
وليس لنا علاقة قوية مع المؤتمر، لأن رئيسه له علاقة مع الشيعة.
الهدف الثالث: التخطيط السياسي للمسلمين في البلد، لأن كثيراً من المسلمين لا يعرفون من يكون انتخابه في مصلحتهم. وقد صرح رئيس المؤتمر المذكور أن المسلمين لا يجوز لهم أن يدخلوا في الانتخابات. [هو لا يمنع ممارسة الانتخابات من حيث هي، ولكنه رأى أن الدخول في تلك الانتخابات خاصة لا مصلحة فيها للمسلمين. هكذا فسر موقفه، وسيأتي ذلك في المعلومات التي كتبتها عند لقائي به هو وبعض أعضاء المؤتمر].
مع العلم أن رئيس الحزب ( (ANCالذي أراد المسلمون خوض الانتخابات معه، وهو إبراهيم رسول، مسلم، ويتبع حزب منديلا، ولو فاز هذا الحزب ـ هنا ـ لأصبح رئيساً، وقد فاز الحزب وأخذ 42% ولكن الحزب الديمقراطي، ورئيسه يهودي، والحزب الوطني ـ وهو حزب البيض ـ وحزب جديد يسمى حزب (ACD) تحالفوا جميعاً، وتعاونوا على إسقاط حزب ((ANC)).
وقد انتخب كثير من المسلمين حزب البيض والحزب الديمقراطي، وبعض المسلمين لم يشاركوا في الانتخابات، مع أن المسلمين لهم حرية في البلد.
الهدف الرابع: ترقية التربية والتعليم في المؤسسات التعليمية.
الهدف الخامس: تقوية اقتصاد المسلمين في كيب تاون. والطريق الوحيد لحصول المجلس على المال، هو ما يعطاه مقابل شهادات الحلال والحرام.
واليهود أقوى الناس في الاقتصاد.
وللمجلس شروط في إعطاء الشهادة، ومنها: ضرورة وجود مسلم واحد على الأقل مع الذباحين، وللمجلس مفتشون على المسالخ.
عدد المسلمين في كيب تاون (600 ألف مسلم) وهم أكثر من المسلمين في أي منطقة من المناطق الأخرى.
والمساجد في كيب تاون أكثر من (120 مسجدا) وكل مسجد يعتبر مدرسة.
عدد المدارس الدينية (200 مدرسة) وعدد المدارس الثانوي الإسلامية الخاصة التي تجمع بين المنهج الإسلامي والمنهج الحكومي، خمس مدارس.
وعدد المدارس الابتدائية والمتوسطة: ثمان.
وعدد المسلمين في جنوب أفريقيا يتراوح بين مليون ونصف ومليونين.
وعدد المساجد في جنوب أفريقيا (350 مسجداً).
حالة المسلمين من حيث التمسك بالدين كانت في السابق جيدة، حتى إن المحاكم كانت تطلب أن يكون الشهود من المسلمين، ولكن حالتهم الآن بصفة عامة غير جيدة. وبعض الناس دخلوا في الإسلام بالاسم، بسبب رغبتهم في الزواج ببعض المسلمات.
كما أن الحكومات العنصرية خططت لإضعاف تمسك المسلمين بدينهم، حيث أخرجوهم من مناطق سكنهم التي كانوا يتجمعون فيها حول مساجدهم التي كانت تتوسط تلك المساكن، وأسكنوهم مع المجرمين، وكان لذلك أثره في إضعاف تمسكهم بدينهم.
ولهذا كان أكثر من يبيع المخدرات هم المسلمين، وكثير منهم لا يشربون الخمر، وقد يدخل أحدهم المطعم وهو سكران، ويسأل صاحب المطعم عن بعض الأطعمة: هل هذا حلال؟!
ومشكلاتهم الاجتماعية في الأسر كثيرة، والطلاق بينهم مرتفع جداً، ومن أهم أسباب الطلاق تعاطي المخدرات والعلاقات غير الشرعية.
وازدادت المشكلات سوءً في عهد الحكومة الجديدة، لأنها أذنت بتعاطي أشياء كثيرة لم تكن مسموحة في عهد الحكومات العنصرية، مثل الأفلام الإباحية والمجلات السيئة. وسبب عدم إذن الحكومات البيضاء في تلك الأمور علاقتهم القوية بالكنيسة.
وعلاقة المسلمين بالمساجد ضعيفة، وبخاصة أولئك الذين تبعد منازلهم عن المساجد، وإن كان بعض المساجد يحضرها كثير من المسلمين، ومنها المسجد الرابع الذي يحضر الدرس فيه 600 شخص. ولإمام المسجد دور كبير في التربية. والإجرام يكثر في الأحياء الشعبية.
وقد رخصت الحكومة للمجلس براديو إسلامي، وهو يبث المواد الآتية:
دروس في القرآن، ودروس في الحديث، ودروس في الحج مرة في كل أسبوع.
حالات الطلاق والفسخ المسجلة في مجلس القضاء خلال خمس سنوات:
السنةالطلاقالفسخالمجموع1995م3451935381996م3682235911997م3952276221998م4092116201999مإلى أبريل 4794141قابلت في مكتب الشيخ إبراهيم السيد عمر عبد الرحمن جمل الليل، وهو من جزر القمر، البالغ من العمر (35 سنة) تخرج من كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، سنة 1992م.
ويقوم بالتدريس في مدرسة دار الأرقم التابعة للمجلس، يدرس اللغة العربية، ومنها قواعد النحو، وحاضر العالم الإسلامي. وعدد طلاب مدرسة دار الأرقم الآن: 90 طالباً وعدد الطالبات: 75 طالبة. وذكر لي أن الشيخ محمد أمين ضيف الذي تخرج في كلية اللغة العربية في الجامعة الإسلامية هو وزير الخارجية في الحكومة الجديدة في جزر القمر.
مع الشيخ نظيم محمد بن إبراهيم محمد:
ودعْنا رئيس مجلس القضاء الإسلامي الجديد في مكتبه، وذهبنا لزيارة رئيس مجلس القضاء الإسلامي القديم في منزله.
ولد الشيخ نظيم في: 8/7/1932م.
أصله من الهند، جاء أبوه من الهند من منطقة "بروش" وتزوج في كيب تاون.
دراسته:
دراسته الأولى كانت في كيب تاون. من أساتذته الإمام معاوية صديق، درس على يديه القرآن في المسجد. ودرس على جده مبادئ الإسلام، وكانت وفاة جده قبل 40 سنة. ثم سافر إلى مكة سنة: 1949م مع أهله على الباخرة، وعددهم: 45 شخصاً، ومنهم أبوه وجده وجدته وأخواله، وكان سفرهم عن طريق الهند، ولم تكن توجد باخرة مباشرة إلى جدة، استغرق سفرهم شهراً، وكان قصدهم الحج، وصلوا إلى مكة في شهر شوال.
وبعد الحج رجع أهله إلى كيب تاون، وبقي هو ـ وعمره 16 سنة ـ في مكة لطلب العلم، وكان يسكن في منزل الشيخ علوي شطا، وهو حفيد الشيخ بكري شطا مؤلف كتاب إغاثة الطالبين.
بدأ دراسته في مدرسة "الفلاح" وكان مديرها في ذلك الوقت "السيد إسحاق عزوز" رحمه الله.
ومن العلماء الذين درس عليهم "الشيخ محمد العربي" وهو من أكابر علماء مكة المكرمة، ومنهم "السيد علوي مالكي" و"الشيخ محمد نور سيف".
ومن زملائه في الحرم "السيد أمين كتبي" و"الشيخ جمعة" وهو من زنجبار، وقد أصبح قاضياً.
وتخرج الشيخ نظيم من مدرسة الفلاح الابتدائية عام 1952م.
وانتقل إلى المعهد العلمي السعودي، وكان مديره "الشيخ حمدي" وكان غالب أساتذة المعهد من مصر. ولم يكمل دراسته فيه. وبقي في مكة سبع سنوات، ثم رجع بعد ذلك إلى مدينة كيب تاون في نهاية عام: (1955م).
أعماله:
بدأ يدرس أولاد المسلمين علوم الإسلام في المساجد. وقام بإمامة "مسجد دار القرار" لمدة: 11سنة. وكان في نفس الوقت عضواً في مجلس بلدية كيب تاون.
ثم انتقل إلى "مسجد وصفية" ـ واسم المسجد مؤلف من اسم رجل، وهو (يوسف) وامرأته واسمها (صفية) وهما اللذان بنيا المسجد في سنة 1867م. ولا زال إلى الآن إماماً للمسجد المذكور، وهو يبعد عن منزله بالسيارة سبع دقائق، ووالده من رواد هذا المسجد.
وكان الشيخ معاوية الذي علمه القرآن إماماً لهذا المسجد. وكان ـ الشيخ نظيم ـ يأخذ العلم على أيدي كبار العلماء، منهم الشيخ أحمد بهاء الدين، الذي كان الرئيس الدائم لمجلس القضاء الإسلامي.
ومن مشايخه الذين درس على أيديهم الشيخ إسماعيل الحنيف، وهو مؤلف كتب. وجالس كثيراً من العلماء وتعلم منهم.
وبدأ يفسر القرآن الكريم في المسجد مرة واحدة في الأسبوع، ولا زال مواظباً على هذا الدرس، وقد وصل إلى الجزء الثالث والعشرين.
وقد ذهب إلى مكة وجدة سنة 1978م وأخته في جدة تزوجت رجلاً من بيت الرفاعي، ومكث هناك ستة شهور من أجل تجديد اللغة العربية، ثم رجع إلى كيب تاون واستمر في إمامة المسجد.
وكان رئيس مجلس إدارة مجلس القضاء الإسلامي لمدة 12سنة في أوقات متفرقة إلى عام 1982م.
ثم أصبح رئيساً للمجلس مدة 18سنة. وانتهى من هذا العمل في هذا العام، لظروفه الصحية، وهو الرئيس الدائم للمجلس. [وهي رئاسة شرف، أما الرئيس العملي، فهو الشيخ إبراهيم جبريل، كما مضى].
وفي وقت رئاسته للمجلس، بني المجلس ومرافقه. وهو الآن عضو في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في مكة.
وقام بالنشاط السياسي ضد الحكومة العنصرية، وكان هو يقوم بقيادة المظاهرات في الشوارع ضد العنصرية، وقد نجحت تلك الجهود والحمد لله.
وعندما خرج مانديلا من السجن أصبح صديقاً له، وكان مانديلا يزوره في منزله وفي المكتب، وكان مع مانديلا في الاحتفال عند تنصيب الرئيس الجديد.
وقد فجرت قنبلة في منزل الشيخ نظيم، وزاره مانديلا، وسأله عن الإسلام، فشرحه له، ومانديلا عضو في إحدى الكنائس المسيحية، واسمها (ميثوديس) وقد دعا مانديلا الشيخ نظيم إلى حضور حفل زواجه الجديد.
وقال الشيخ: إن أكبر المؤسسات الإسلامية مجلس القضاء الإسلامي، وهو الذي يسيطر على شئون المسلمين، وهو الذي تعترف به الحكومة في كيب تاون.
والمؤسسات الأخرى تعتبر بالنسبة للمجلس مؤسسات صغيرة.
وعدد المساجد في كيب تاون 120 مسجداً، يتبع المجلس منها (105) مساجد. ويعتبر مسجد واحد من مساجد المجلس أكبر من المنظمات الإسلامية الأخرى.
وقد حاولنا الاجتماع مع الآخرين للاتفاق والتعاون ولم ننجح.
وقد أوقفنا القاديانيين في المحكمة العليا، وكانت ـ المحكمة ـ ضدنا، ثم رفعنا دعوى ضدهم إلى محكمة عليا أخرى وحكمت لنا.
ومجلس القضاء معترف به في الداخل والخارج، والمفروض أن تنضم إليه المؤسسات الأخرى لتقوية المسلمين، وقد حاولنا ذلك معها فلم ترضَ.
ويوجد في مجلس القضاء قسم خاص بالدعوة، وفيه شخصان متخرجان من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهما عضوان في المجلس وينشران الدعوة إلى الإسلام.
عدد المسلمين في البرلمان (35 عضواً) وعددهم في الوزارة (5 وزراء).
وقد خصص مصلى للمسلمين في البرلمان لأول مرة في جنوب أفريقيا.
عند الشيخ نظيم ستة أولاد: أربع بنات، وابنان، إحدى بناته موظفة في المجلس القضائي.

ما يسهل دخول الأفارقة السود في الإسلام:
[هذه الأمور من الخواطر التي تعرض لي بسبب التفكير فيها، وعندما تعرض لي أحاول تسجيلها في وقتها، وقد يتكرر بعضها في أماكن أخرى لارتباطها بغيرها من الخواطر].
إن الاهتمام بدعوة السود إلى الإسلام أكثر من غيرهم من الأمور التي لا يجوز للمسلمين التساهل فيها، وقد بدأ بعض المسلمين القيام بذلك، وقد ظهر لي من محاورتي للعلماء والأئمة، وبعض من اجتمعت بهم من المسلمين السود أن هناك أموراً، لو اهتم بها المسلمون لنفع الله بها، وربما دخل كثير من السود في الإسلام.
الأمر الأول: وجود مراكز خاصة تهتم بدعوتهم، وتدريب من أسلم منهم ـ بعد تعليمه فروض العين بالتفصيل وتربيته ـ على أساليب الدعوة الناجحة ووسائلها.
الأمر الثاني: متابعة من دخل في الإسلام بالزيارات من الدعاة، واستضافة عدد منهم في مخيمات تعليمية تربوية، لمدد مناسبة، ثم رجوعهم إلى مواطنهم لدعوة قومهم.
الأمر الثالث: بناء مساجد ومدارس صغيرة في مساكنهم، لتعليمهم وتعليم أبنائهم، من قبل أئمة ومدرسين قادرين على ذلك، ويفضل أن يكونوا منهم.
الأمر الرابع: اهتمام المسلمين بدعوة من له صلة بهم من السود، رجالاً ونساءً، وأطفالاً، مثل الخدم في المنازل والمكاتب والأسواق والشركات، مع الحرص أن يكون المسلمون قدوة حسنة في تطبيق الإسلام في أنفسهم، وفي معاملتهم.
الأمر الخامس: إزالة ما علق بأذهانهم من أن المسلمين الهنود والملونين يحتقرونهم، ولا يعاملونهم معاملة الإنسان،كما كان الحال في عهد البيض، وما سنوه من التفرقة.
الأمر السادس: مساعدتهم المادية حسب الإمكان، ومحاولة رفع مستواهم بالتعليم الشامل للمنهج الإسلامي والمنهج الحكومي، والسعي في إيجاد منح دراسية لهم في المدارس الحكومية أو الإسلامية الخاصة ذات المنهجين، ومواصلة دراستهم في الجامعات في بلادهم أو في البلدان العربية والإسلامية.
الأمر السابع: تدريب من أسلم منهم على إجادة بعض المهن المتيسرة، كقيادة السيارات، والخياطة والحدادة والخبازة والتجارة والنجارة.
إن توافر هذه الأمور ـ وغيرها من الوسائل المتاحة ـ جديرة بأن تساعد على دخول هؤلاء القوم في الإسلام، لا سيما أنهم ذوو بساطة في حياتهم وعاداتهم قريبة إلى الفطرة القابلة لدين الفطرة، وهو الإسلام.
يضاف إلى ذلك نفورهم الشديد من البيض الذين استعبدوهم فترة طويلة، وأهانوهم وحرموهم من أقل ما يجب أن يعطوه من الحقوق.
والمسلمون ـ وإن حصل من بعضهم تقصير ـ لم تكن معاملتهم لهم مماثلة لمعاملة البيض لهم، بل كان كثير من المسلمين يناصرونهم ويقفون معهم ضد التفرقة العنصرية ويشاركونهم في احتجاجاتهم ومظاهراتهم، وقد سجن بعض المسلمين مع من سجن من السياسيين السود.
الجمع بين سياحتين:
الثلاثاء: 16/3/1420هـ ـ 29/6/1999م
كان الأخ محمد نور يلح عليَّ في أن أقوم بزيارة بعض الأماكن السياحية والآثار الإسلامية، وكنت أرغب في ذلك، ولكن المواعيد المحددة مع المؤسسات والشخصيات الإسلامية، كانت تحول بيني وبين الاستجابة لإلحاح الأخ محمد وتحقيق رغبتي.
ولكن الأخ محمداً أغراني باستعداد زوج عمته الأخ "محمد عبد القادر شهاب الدين" مهندس الغواصات لمرافقتنا يوماً كاملاً بسيارته، وهو خبير بالمنطقة، إضافة إلى أن بعض المواعيد لم يتم تأكيدها اليوم.
فاتفقنا على أن نبدأ عملنا اليوم مبكرين ـ الساعة السابعة صباحاً ـ فنطلع على بعض الآثار، ونحاول الاتصال بمن أمكن ممن خطط لاجتماعنا به اليوم، ونذهب إلى رأس الرجاء الصالح، وقد قمنا بزيارة بعض الآثار التاريخية، وزيارة بعض الشخصيات والمؤسسات الإسلامية، وبذلك تمكنا من الجمع بين السياحتين.
ومن الأماكن التي مررنا بها قبر أحد العلماء الذين نفاهم الهولنديون من بلادهم في الأرخبيل الإندونيسي، بسبب مواقفهم الجهادية ضد الغزاة، والعجيب أن القبر يقع على قمة تبة جبلية بعيدة عن المناطق التي يوجد بها سكان، لا أظن أنها كانت مسكونة في ذلك الزمان، وعندما سألت عن السبب في وجود القبر في هذا المكان النائي؟ قيل لي: إن صاحبه كان منفياً في نفس المكان، حتى لا يتصل به الناس ويدعوهم إلى الإسلام.
والطريق إلى ذلك القبر يمر بمناظر طبيعية جميلة، ولكن الجو في هذا الصباح كان ممطراً والغيم يغطي مدينة الكيب وضواحيها، لذلك كان التمتع بجمال تلك المناظر ضعيفاً.
وعندما نزلنا من السيارة، قال لي الأخ محمد عبد القادر: أدخل حقيبتك في صندوق السيارة الخلفي، لأن هذه الأماكن قد يوجد بها مجرمون يترصدون للسائحين، وقد يظنون أن في الحقيبة أموالاً فيغريهم ذلك بالاعتداء، وقال: إنهم وجدوا امرأة مقتولة في هذه الأماكن، قتلها المجرمون بعد اغتصابها.
والغريب أن إشباع شهوة الزنا متوافرة بالأجر وبالمجان في هذا البلد، ومع ذلك يكثر اغتصاب النساء وقتلهن، وهذا يدل على تأصل قصد الإجرام عند هؤلاء المجرمين!
وعلى القبر بناء على صفة غرفة مربعة مفروشة، وقد علقت على جدرانها بعض اللوحات كتبت بها آيات قرآنية، والقبر يرتفع فيها بناؤه بمقدار متر، وعليه غطاء من القماش ومجموعة من الزهور التي يبدو أنها تجدد من قبل الزوار أو اللجنة المشرفة على ما يسمونه بالآثار الإسلامية، وقد كتب اسم الميت على جدار القبر، هكذا: (سيد محمد غِيبِي شاه SAYED MOHAMAD GHABI SHAH ) ولم يكتب تاريخ لوفاته.
وكثير من المسلمين يعظمون هذه القبور بسبب جهلهم وعدم البيان من كثير من علمائهم، ويسمون تلك القبور بـ(كرامات).
كنا نريد التجول في تلك التلال ذات المناظر الجميلة، ولكنا لم نتمكن من ذلك لكثرة نزول الأمطار.
وطلبت من الإخوة أن يحاولوا الاتصال بمن يعرف المنزل الذي يسكن فيه الشيخ محمد العبادي أو رقم هاتفه، لعلنا نتمكن من مقابلته، لأن التجول مع نزول المطر غير مفيد، وكان معي الهاتف الجوال بشريحة محلية وقد استفدت منه كثيراً في الاتصال بالجهات التي تقررت زيارتها.
ويسر الله أن وجد من يصف للأخوين منزل الشيخ وأعطاهما رقم هاتفه، وقد حاولنا الاتصال بالهاتف لنستأذن في زيارته، ولكنا لم نجد من يرد على الهاتف.
فقلت للأخوين: لنذهب إلى منزله ونستأذن منه في الدخول، فإن أذن لنا دخلنا، وإن قيل لنا: ارجعوا رجعنا تطبيقاً للهدي القرآني.
فذهبنا وطرقنا الباب، فخرج شاب وقال: إن الشيخ نائم ومريض، فقال له الأخوان: هذا الرجل جاء من المدينة ويريد أن يرى الشيخ ولو دقائق، فدخل وأخبر الشيخ بعد أن أيقظه من نومه، فقال: أدخلهم، ففتح لنا الباب وقعدنا قليلاً فإذا الشيخ قد خرج يبدو عليه التعب.
مع الشيخ محمد العبادي:
هو الشيخ محمد بن صالح بن محمد بن سليمان العبادي.




ولد سنة: (1911م).
جاء والده من منطقة تعز باليمن، وتزوج امرأة من كيب تاون، ولا يعرف تاريخ مجيئه. درس مبادئ الإسلام، وحفظ القرآن الكريم على يد الإمام معاوية.
وسافر إلى مكة بسفينة هولندية في آخر سنة 1927م، أخذت طريق الساحل إلى "مومباسا" وأبحرت إلى جدة مباشرة. [الغريب أن توجد سفينة تبحر إلى جدة مباشرة في هذا التاريخ المتقدم، ولا توجد سفينة مباشرة بعد هذا التاريخ باثنتين وعشرين سنة، بل لا بد أن يكون السفر عن طريق الهند، كما ذكر ذلك الشيخ نظيم محمد كما سبق، فقد كان سفره إلى مكة سنة: 1949م. فهل كان للحرب العالمية الثانية تأثير في المواصلات البحرية؟].
وكان سفره لطلب العلم، وبقي في مكة ثماني سنين.
ومن أساتذته في مكة "الشيخ محمد جمال مراد" وهو أحد أئمة الحرم في ذلك الوقت، و"السيد علوي مالكي" و"الشيخ عيسى رواس".
ودرس كذلك في "المدرسة الصولتية" وتتلمذ بعد ذلك على "الدكتور محمد علوي مالكي" عندما كان يزور الحجاز للحج أو العمرة، وكانت زياراته كثيرة.
وفي بعض السنوات رأى "الملك عبد العزيز" وهو يسعى بالعربة، ورأى والد الملك "عبد الرحمن" أيضاً.
وقد رأى فرقاً عظيماً بين الحجاز ـ وبخاصة مكة ـ في تلك الأيام وبينه هذه الأيام من حيث التقدم في الطرق والمباني وغيرهما.
وقد طلبت من الشيخ محمد أن يذكر لي بعض المعلومات عن علماء كيب تاون.
فقال: من العلماء: "الشيخ أحمد بهاء الدين" و"الإمام محمد صالح حِجِّي" و"الشيخ مهدي" وهو من أولاد "الشيخ حجي" و"الشيخ إبراهيم" و"الشيخ حسن".
وللشيخ حسن حفيدان، وهما "سراج" و"أحمد" وقد درسا في جامعة "أم القرى" وهما إمامان. [إذا أطلق لفظ (إمام) عندهم يقصد به" إمام مسجد"].
ومن العلماء القدامى المشهورين "الشيخ يوسف" الذي جاء به الهولنديون من إندونيسيا منفياً.
وللشيخ العبادي أخوان، وقد توفيا. وليس عنده أولاد، حملت زوجه مرة واحدة وأسقطت جنينها. ولا يعرف أحداً من أقاربه في اليمن. والشيخ العبادي هو الذي صلى بنا الجمعة في "أول مسجد".
وهو كبير حفاظ القرآن الكريم عند المسلمين، وقد حفظ القرآن على يديه عدد كبير، ويعتز الحفاظ والقراء بدراستهم القرآن على يديه.
وكنت أريد معلومات أوسع، مع ذكر تاريخ كل معلومة، ولكن الشيخ كان يحاول أن يقدح ذهنه ليتذكر جواب ما أسأله عنه، فلم يستطع تذكر الكثير مما كنت أسأله عنه، وقال لي: أرجو أن تعذرني فليس في استطاعتي الإجابة عن هذه الأسئلة، لكبر سني، فقد بلغت (88 عاماً) من العمر.
وإشفاقاً على الشيخ لكبره وحالته الصحية، ودعته واعتذرت لزيارتي المفاجئة بدون موعد سابق، لأن وقت بقائي في كيب تاون قصير، وأحببت أن لا أغادر قبل الاجتماع به، وهو اليمني الوحيد من جيله في البلد، وليس له ذرية.
فقال لي: أنا مسرور جداً بزيارتك، وكنت نائماً ومريضاً، وعندما سمعت أن أستاذاً من المدينة المنورة جاء لزيارتي نهضت من نومي وأسرعت في ارتداء ملابسي وخرجت.
وصورة الشيخ العبادي واضحة في دلالتها على أصله اليمني. وقد فرح كثيراً عندما عرف أنني يمني الأصل، وأن زياراتي لليمن سنوياً لا تنقطع. [لقد توفي الشيخ العبادي رحمه الله يوم الأربعاء من شهر جمادى الآخرة لعامنا الهجري الحالي (1420هـ ـ 15/9/1999م) أي بعد (78 يوماً) من اجتماعي به وقد بلغ من العمر (88 عاماً)].
مع الشيخ عبد الرحمن بن عبد البصير:
كنا على موعد مع الشيخ "عبد الرحمن بن عبد البصير" في الساعة العاشرة، ولكن عندما طرقنا الباب بقينا عشر دقائق تقريباً دون أن يظهر لنا أحد، ثم فتحت الباب امرأة كبيرة السن ـ ظهر فيما بعد أنها زوجة الشيخ ـ وعندما أخبرها الأخوان أننا على موعد مع الشيخ، قالت: إن الشيخ نائم ومتعب، لأنه ما نام إلا بعد الفجر بسبب تجهيز جنازة أحد المسلمين، فقالا لها ما قالاه للشيخ العبادي: هذا أستاذ من المدينة المنورة، ووقته قصير، قد لا يتمكن من لقاء الشيخ مرة أخرى، فدخلت وأيقظت الشيخ وأخبرته بذلك، فأمرها أن تفتح لنا المجلس حتى يتجهز ويخرج، ففعلت.





وكنت حريصاً على لقاء الشيخ لما ذكر لي من اطلاعه الواسع على تاريخ المسلمين في هذا البلد. وخرج الشيخ ـ طويل القامة ـ يبدو عليه أثر الإرهاق، واعتذرنا له عن إزعاجنا له، واعتذر هو عن التأخر بسبب ما ذكرت امرأته.
ولد الشيخ عبد الرحمن سنة (1923م) في كيب تاون، وأصل أجداده من ماليزيا.
تعلم مبادئ الإسلام على بعض علماء كيب تاون، وكان منهم الشيخ "إسماعيل حنيف" والشيخ "أحمد بهاء الدين".
وهو إمام لـ(مسجد برهان الإسلام) من سنة 1962م إلى الآن، مضى له في إمامته 37 سنة. ويقوم بتدريس أبناء المسلمين في المسجد. وقد كان والده عبد البصير إماماً لنفس المسجد 52 عاماً. ويقوم بالدعوة إلى الإسلام، وله نشاط اجتماعي. وكان يمتهن الخياطة.
وسألته عن علماء البلد؟
فقال: العلماء كثيرون، ومنهم:
الشيخ صالح العبادي. والشيخ محمد شاكر جميل الدين، مؤسس مجلس الشورى. والشيخ محمد طيب ياسين. ووالده ـ أي والد الشيخ عبد الرحمن ـ والشيخ بهاء الدين. والشيخ محمد صالح حجي هِنْدِرِكْسْ وأولاده. والشيخ حَمَد طِلاب الدين. والشيخ إسماعيل طالب. والشيخ إسماعيل تَارِن.
وعدد المسلمين في كيب تاون: ( 1,4 مليون). [تختلف تقديرات الذين قابلتهم في عدد السكان، كما سيرى ذلك القارئ، وأنا أثبت ما يدلي به كل شخص في هذا وفي غيره من المعلومات].
حالة أبناء المسلمين في كيب تاون:
سألت الشيخ عن حالة أبناء المسلمين في تطبيق دينهم؟
فقال: عندما تربينا في الصغر كان الجو إسلامياً، مع قلة الجمعيات الإسلامية.
والآن مع كثرة الجمعيات والمدارس الإسلامية، أصبح كثير من الشباب لا يبالون بدينهم.
ولذلك أسباب، ومن أهمها ما يأتي:
1 ـ زيادة عدد المسلمين، ولذلك تصعب التربية.
2 ـ كان المسلمون من قبل يسكنون في أحياء متجاورة والآن تفرقوا في أحياء متباعدة.
3 ـ كانوا من قبل محصورين في أماكن معينة لا يختلطون بغيرهم في السكن بسبب التفرقة العنصرية، والآن يختلطون كثيراً بغيرهم.
4 ـ الحالة الاقتصادية وتأثير المجتمع في أولاد المسلمين، كل ذلك يؤدي إلى الإجرام، وأعظم الأسباب المؤثرة تأثيراً سيئاً: المخدرات.
ولكن هنالك بعض الأمور الطيبة التي لها تأثير طيب في التخفيف من الشر ونشر الوعي:
الأمر الأول: الجهود الجيدة من قبل العلماء والدعاة التي قويت الآن، ولم تكن كذلك من قبل.
الأمر الثاني: الاحتفالات في المناسبات الإسلامية والأذكار.
الأمر الثالث: كثرة المدارس الإسلامية في المساجد.
الأمر الرابع: وجود مدارس خاصة تجمع مناهجها بين المواد الإسلامية ومواد وزارة التربية والتعليم.
وصول الإسلام إلى كيب تاون:
لم يكن في البلد ـ حسب علمنا بالتاريخ ـ دين سماوي، بل كانت توجد أديان وثنية، وأول ما عرفت المسيحية عن طريق الهولنديين الذين أسسوا الكنيسة الهولندية.
أول عالم مسلم وصل إلى كيب تاون من "مكاسا" في إندونيسيا، هو العلامة: "الشيخ يوسف" سنة: ( 1694م) وقد اشتهر بأنه أول مسلم جاء إلى هذا البلد، وهذا غير صحيح، بل جاء قبله مسلمون من جزر إندونيسيا، ولكنه أول عالم وصل إلى هذا البلد.
وعندما جاء الشيخ يوسف لم يكن الإسلام معترفاً به من قبل الحكومة العنصرية.
وكان أول اعتراف بالإسلام في عهد القاضي "عبد الله بن عبد السلام" وقد اشتهر بالقاضي عبد السلام. وعندما قام بالدعوة إلى الإسلام سجنه الهولنديون في جزيرة: "روبن" التي سجن فيها "مانديلا". وخرج من السجن وهو كبير السن، كان عمره (87 عاماً).

وبعد خروجه من السجن بنى مدرسة في مقر "أول مسجد" وكان ذلك سنة (1794م) وكانت نواة لـ "أول مسجد" الذي جاهد في الحصول على أرض لبنائه، ومنحته الحكومة واعترفت به في سنة: (1804م) وقد توفي بعد أن جاوز عمره (95 عاماً).
وقد أسس أولاد القاضي عبد السلام بعد وفاته "مسجد النخلة" وسمي بذلك لأن نخلة كانت توجد في مكانه، وكان بناؤه في عام (1820م).
كما أسسوا "مسجد نور الإسلام" سنة (1845م)
وأسس فيما بعد "مسجد الجامع" الذي أهدت أرضه للمسلمين الملكة فكتوريا، وكان تأسيسه سنة: (1850م).
وأسس "مسجد الشافعي" سنة (1859م).
وهذه المساجد كلها بنيت حول الكيب.
م
حاكمات عجيبة!
وفي تلك الفترة حصل خلاف بين المسلمين ـ من الشافعية والحنفية ـ في مسائل فرعية صغيرة، كانت ترفع إلى المحاكم الرسمية [يعني أن المسلمين يتحاكمون في قضاياهم الفقهية الفرعية إلى النصارى!] فاستُدْعِيَ قاضٍ من تركيا، وهو "أبو بكر أفندي" والمشكلة أن القاضي كان حنفياً، وقد أُسِّسَ بعد مجيء هذا القاضي مسجد سنة (1881م) فرفض الشوافع الصلاة فيه لأنه حنفي.
من دلَّ الأوربيين على رأس الرجاء الصالح؟
سألت الشيخ عمَّن دلَّ الأوربيين على رأس الرجاء الصالح؟. [سبب سؤالي أني قرأت في كتاب ـ ولا أذكره الآن ـ أن الذي دلهم على ذلك عربي يدعى" ابن ماجد"].
فقال: اكتشف ذلك ـ حسب علمي ـ "فاسكو دي جاما" ولم يدخل البلد وإنما دلهم على الكيب. ويحتمل أن العرب هم الذين دلوهم عليه، لأنهم كانوا يتجرون في الساحل الأفريقي، في كينيا وغيرها.

وكانت عاصفة جرفت البحارة فدخلوا هذه المنطقة، وهو مكان الميناء الذي تراه من "فندق إنتركونتننتل" ـ وهو الفندق الذي نزلت به ـ ويسمى "خليج المائدة" وهو قريب من جبل المائدة. وهذه المنطقة التي نحن فيها قريبة من "أول مسجد" هي جزء من رأس الرجاء الصالح. والمسلمون والبيض كانوا يسكنون في هذه المنطقة.
مستقبل الإسلام في جنوب أفريقيا:
سألت الشيخ عما يتوقع لمستقبل الإسلام في جنوب أفريقيا؟
فقال: النظام الحالي لا يرعى الدين ولا يمنعه. والمسلمون إذا اجتهدوا في التمسك بدينهم وقاموا بالدعوة إليه، وتوحدوا يمكنهم أن يتقدموا.
ومجلس القضاء الإسلامي هو الذي يتبعه غالب المسلمين، فإذا حصل تخطيط للدعوة ينبغي أن يكون عن طريق المجلس، ورابطة العالم الإسلامي في مكة تدعم المؤسسات الإسلامية، والأزهر يبعث من يقوم بتعليم الناس.
كانت الحكومة البيضاء في السابق تُنَصِّر السود، وتدعو إلى المسيحية، والآن الحكومة علمانية، وهذا يسهل الدعوة إلى الإسلام.
ومما يساعد على دعوة السود ترجمة معاني القرآن الكريم بلغتهم. ويجب على المؤسسات الإسلامية في الخارج مساعدة المسلمين هنا في الدعوة والتعليم.
وأرى أنه يحب على الجمعيات الإسلامية في جنوب أفريقيا أن تتابع تنفيذ برامجها، وأن تتابع المؤسسات الإسلامية في الخارج الجمعيات الإسلامية التي تتعامل معها في جنوب أفريقيا.
أول مسجد ومحمد طه شمعون:
بعد أن فرغنا من الاجتماع بالشيخ عبد الرحمن، ذهبنا إلى ( أول مسجد AWAL MASGID) فالتقطنا له صوراً من الخارج، ثم دخلنا إلى قاعة الصلاة..

ورأينا أول مصحف كتب بخط اليد من حفظ صاحبه، وهو "القاضي عبد الله بن عبد السلام" السابق الذكر.

وقد راجعه المقرئ الحافظ الشيخ محمد صالح عبادي فلم يجد فيه إلا خطأين فقط.
وقد صورت الصفحتين العلويتين من المصحف المحفوظ في صندوق من الزجاج. [يبدو أن المصورة (الكاميرا) لم تتمكن من التصوير بسبب الزجاج].
وبجانب منبر المسجد عصا خشبية طويلة، ذات عُقَد تزينها، يأخذها الخطيب يوم الجمعة عندما يصعد على المنبر، ويتكئ عليها، وهذه العصا قديمة قدم المسجد وما دخلت مسجداً تقام فيه صلاة الجمعة إلا وجدت عصا الخطيب بجانب المنبر، وهي تختلف في الطول، وفي الزخرفة.



وعندما كنا في المسجد علم بوجودنا الأخ محمد طه شمعون ـ وهو أمين صندوق المسجد ـ فجاء إلينا مرحباً ومبدياً سروره بزيارتنا للمسجد.
وقد أخذنا من الأخ محمد المعلومات المختصرة المفيدة الآتية:
ولد محمد طه سنة (1930م). وهو من أصل ماليزي.
ويسكن في منزل بجانب المسجد بني قبل المسجد سنة (1786م) وهو أول منزل بني في هذه المنطقة، بناه أجداده، ولا زال المنزل والمسجد على بنائهما القديم، ولم يهدما، وإنما حصلت فيهما بعض الترميمات.
وقد طلب منا الأخ محمد طه أن ندخل المنزل لنراه على طبيعته، فدخلنا وأرانا أبواب غرف المنزل الخشبية، وهي نفس الأبواب التي ركبت عند بناء المنزل، وفيه بعض الأثاث القديم.
إلى رأس الرجاء الصالح:
ثم اتجهنا إلى رأس الرجاء الصالح، في طريق تحاذي سلسلة من الجبال على يميننا، تتناثر بقربها وعلى سفوحها الأحياء السكنية والقرى.
ومدينة كيب تاون وضواحيها تمتد حول سلسلة الجبال، وعلى سواحل شواطئ البحار والخلجان، وتتداخل هذه مع تلك، بحيث يصعب على الإنسان تصور المدينة وضواحيها بسبب تلك التداخلات.
ومررنا بمزرعة قال لي الإخوان: إن فيها مقابر لبعض المسلمين القدامى الذين جاء بهم بعض الأوربيين من أرخبيل الملايو عبيداً يخدمونهم، فمررنا بالمزرعة لنرى تلك القبور.

وتسمى المنطقة التي فيها المزرعة: (كونْسْتَانْشْيا) وهي ـ تقريباً ـ هكذا بالحروف الإنجليزية: (CONSTANTIA ).
ووجدنا على القبر مبنى وقبة والقبر مرتفع وهو مسجى بغطاء من قماش وعليه زهور، وبجانبه في خارج المبنى قبور قيل: إنها قبور عائلته.
وقد كتب اسمه على جدار قبره هكذا: (SHAIK ABDULRAHMAN MATIBI SHAH ) وهو بالحروف العربية هكذا: (الشيخ عبد الرحمن مَتِيبِي شاه)
قال الأخوان: إن صاحب المزرعة ـ وهو أوربي ـ جاء بالشيخ وأسرته وبعض أتباعه ليقوموا بالعمل في المزرعة.
والمزرعة واسعة بها أشجار وزروع وحيوانات متنوعة من الأبقار والخيول وغيرها.
وقد حاول الأوربيون هدم قبور المسلمين القديمة في هذه المزرعة وغيرها، لاستغلال الأرض التي تقع عليها تلك القبور، ولكن المسلمين أسسوا لجنة خاصة لحمايتها باعتبارها آثاراً لأصولهم الذين كانوا الرواد الأوائل لغرس الإسلام في هذا البلد.
ولكن كثيراً منهم يطرون في تلك القبور ويعظمونها تعظيماً يخشى أن يصل بهم إلى اعتقادات لا تليق بالمسلم مما يشابه غيرهم في تعظيم غير الله تعالى، وبخاصة الجهال منهم.
وقد نصحت من اجتمعت بهم من العلماء بأن يبينوا للمسلمين ما يجب عليهم من التزام السنة في زيارة القبور، وما لا يجوز فعله، اقتداء بتوجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم، وما درج عليه أصحابه رضوان الله عليهم.
واصلنا السير إلى رأس الرجاء الصالح، وتناولنا وجبة سمكية في سيارتنا، لأن المطاعم الموجودة على الطريق لا توجد بها مقاعد لتناول الطعام.
صلاة الظهر في مسجد نور الإسلام:
ومر بنا الأخ محمد عبد القادر بمسجد على اليمين، يسمى "مسجد نور الإسلام" وهو آخر مسجد يقع في جنوب القارة الأفريقية، وآخر مسجد في الجنوب الغربي لدولة جنوب أفريقيا، أي ليس وراءه مسجد في هذه الجهة. وصلينا فيه الظهر.

وكان الشيخ محمد صالح شعبان ـ جد محمد عبد القادر لأمه ـ أحد أئمة هذا المسجد. [وهو صاحب السجل الذي قيد فيه مواليد المسلمين ووفياتهم وبعض الأحداث التي حصلت في أيامه].
واسم المنطقة التي يقع فيها المسجد "سِيموْنْ سْتُوْنْْ SIMON STOWN ".

في متحف المنطقة:
وبعد أن صلينا مررنا بمتحف صغير قرب المسجد، توجد به بعض الآثار القديمة، من الملابس والأواني، والكتيبات العربية، وصور بعض رجال هذه المنطقة، وكثير من تلك الآثار والصور مما بقي من آثار المسلمين.



وقد شرحت لنا مديرة المتحف، وتسمى "زينب بنت داود أملاي" وتقول: أجدادها من الجزيرة العربية، ولكنها لا تدري من أي البلدان في الجزيرة.
قالت: إن أول من استوطن في هذه المنطقة هم المسلمون، لأنهم كانوا يعملون في السفن وزراعة الثمار وكي الملابس. ولما لم تكن توجد في هذه المنطقة مساجد، فقد بدأ المسلمون يصلون في منزل استأجروه في أول القرن التاسع عشر. ثم اشتروا ثلاثة منازل متجاورة في عام (1888م) وحولوها مسجداً.
وفي سنة: (1904) رمموا المسجد وأنشئوا له منارة. ثم في سنة: (1926م) بنوا هذا المسجد الذي بقي على ما ترونه عليه الآن، ثم بنوا المدرسة بعد ذلك.
واسم أول إمام للمسجد "عبد الجفيل ABDULGAVIEL ) هكذا نطقته، وقد قلت للإخوة: إن في الاسم تحريفاً وقع بسبب سوء نطق أهل المنطقة، والظاهر أن اسمه "عبد الجليل".
وجاء بعده الإمام "عبد الكريم" ثم الإمام "محمد صالح شعبان" ـ وهو جد الأخ إحسان ـ وبينهما عدد من الأئمة غير معروفين.
وإمام المسجد الآن اسمه "عبد الحكيم ربان" وهو إمام لمسجد في منطقة أخرى قريبة، وهي المنطقة التي طرد البيض المسلمين إليها من هذه المنطقة التي فيها هذا المسجد والمتحف، والمسجد الآخر يسمى "نور الإسلام" أيضاً.
وعدد الأسر المسلمة في هذه المنطقة ـ التي طرد منها المسلمون ـ خمس عشرة أسرة. وقد أعطتنا بعض الصور من المتحف.
على قمة رأس الرجاء الصالح (CAPE POINT ):
ثم واصلنا السير إلى رأس الرجاء الصالح، وهو جبل يتدرج في الارتفاع من جهة البر حتى يصل إلى القمة، ثم يبدأ في الانخفاض التدريجي ويمتد كعنق الجمل إلى جهة البحر، ويعتبر رأسه فاصلاً بين جنوب المحيط الأطلسي من جهة الشمال، وشمال المحيط الهندي من جهة الجنوب، ويسمون ذلك المكان من البحر "ملتقى البحرين" حيث يلتقي طرف المحيط الأطلسي البارد وطرف المحيط الهندي الدافئ.
وفي سفح الجبل من جهة البر يوجد مكتب سياحي، يبيع للزوار تذاكر ركوب القطار الصغير الذي يظل صاعداً بمجموعة وهابطاً بأخرى، وأظنه يتسع لعشرة ركاب أو أكثر قليلاً.
وقرب ذلك المكتب توجد دكاكين سياحية، تبيع بعض التحف، وبعض الصور وأشرطة الفيديو، وبعض الملابس المحلية. وعلى قمة الجبل الذي يشرف منه الزائر على ملتقى البحرين بناء عال، كان يستعمل منارة لإرشاد السفن.
وتتفرع من قمة الجبل ممرات يمكن للزائر أن يتجول فيها إلى جهات متعددة بحيث يسير فيها إلى الأسفل ليقترب من البحر الذي تتلاطم أمواجه مكونة مناظر جميلة من اصطدام بعضها ببعض.
وكان مسيرنا من كيب تاون إلى رأس الرجاء الصالح من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، ورجوعنا بالعكس، أي من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي.
وقد صلينا المغرب في مسجد نور الإسلام الذي صلينا به الظهر.
حركة الشعب ضد العصابات والإجرام والمخدرات:
كنت قد سمعت عن جماعة إسلامية في جنوب أفريقيا تقوم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأنها تحارب عصابات الإجرام وبيع المخدرات، ورأيت مرة في التلفاز السعودي لقطات عن مظاهرات ومصادمات في الشوارع ـ لا أدري في أي مدينة من مدن جنوب أفريقيا ـ قتل فيها بعض الأشخاص، كان ذلك قبل سفري إلى هذا البلد بأكثر من سنة. ولم أكن أعرف شيئاً عن هذه الجماعة.
وعندما زرت مدينة "كيب تاون" هذه السنة (1420هـ) في شهر ربيع الأول وجدت في جدول زياراتي "مؤسسة باجاد BAGAD )، وسألت عنها فوجدت غالب من أسألهم يصفونها بالعنف والشدة وإحداث قلاقل وتشويه لصورة الإسلام، وتتسبب في تخويف الناس من المسلمين، وأنها قد لا تتورع عن العنف مع من يخالف أسلوبها من المسلمين.
ومن عادتي أني لا أكتفي بقول جماعة في جماعة أخرى، بل أحاول أن أجتمع بالجماعات مباشرة وآخذ عنها المعلومات منها. وكان لي لقاء مع هذه الجماعة مساء هذا اليوم بعد صلاة العشاء، وكان معي الأخ محمد الأعمش المغربي، والأخ محمد نور، صلينا العشاء في مسجد القدس وحملنا بعض أعضاء الجماعة في سيارة لهم إلى منزل أحدهم.
تعارف وامتناع ومصارحة ثم مشاورة وتحفظ:
اجتمع عدد منهم ـ غالبهم من الشباب من الرجال والنساء ـ وعَرَّفهم الأخ محمد نور بالزائر وقصده من الزيارة، ومن ذلك أخذ معلومات عن الجمعيات الإسلامية.
فتشاوروا باللغة الإنجليزية فيمن يتحدث منهم وبماذا يرد على طلبي، واتفقوا على شاب منهم، فقال: نحن قررنا عدم الإجابة عن أسئلة الزائرين، لأن كثيراً منهم يسمعون منا ثم يذهبون ويحرفون كلامنا ويكذبون علينا.
قلت لهم: أنا ضيف عندكم، وقد أخبرتكم برغبتي، وقد زرت جمعيات وشخصيات إسلامية في العالم وكتبت عنهم، ولستم مجبرين على الإجابة عن أسئلتي، فإن شئتم أن تجيبوا فهذا ما أريد، وإن شئتم ألا تجيبوا فأنتم وشأنكم.
ولكني أود أن تعلموا أنني قد سمعت عنكم معلومات من غيركم، وأحببت أن لا أعتمد عليها وإنما أردت أن آخذ المعلومات عنكم منكم مباشرة.
فالتفت بعضهم إلى بعض ثم تهامسوا قليلاً، وقال الناطق باسمهم: نحن نستأذنك لنتحول إلى مكان آخر، لنجري الشورى فيما بيننا ثم نعود إليك بالجواب. قلت: ولكم ذلك.
مكثوا ربع ساعة تقريباً ورجعوا، وقال صاحبهم: نحن نسمع أسئلتك، ولسنا ملزمين بالإجابة عن كل سؤال، بل نجيب عما نريد الإجابة عنه.
قلت: ولكم ذلك، بل لو أردتم أن تقولوا عن كل سؤال: لا جواب قبلت ذلك منكم.
قالوا: والذي يتولى الإجابة هو أميرنا ـ وكان أميرهم جالساً بجواري ـ ولم يكن هو الذي يتحدث معي قبل ذلك.
قلت: ما اسمك الكريم؟
قال: قاسم باركر.
قلت: كم عمرك؟
قال: لا جواب!!!
قلت: تخصصك؟
قال: لا جواب!!!
قلت: ما اسم مؤسستكم؟
قال: مؤسسة الشعب ضد العصابات والإجرام والمخدرات؟
قلت: ما أهدافها؟
قال: الهدف الرئيس تطهير المجتمع من العصابات الإجرامية والمخدرات.
قلت: ما الوسيلة التي تتخذونها لتحقيق هذا الهدف؟
قال: التعليم والتربية والتحرك الجماعي للضغط على الحكومة لتطهير المجتمع من ذلك.
قلت: ما موقف الحكومة من ذلك؟
وهنا انطلق يسرد تاريخاً طويلاً لعمل الحركة وصدامها مع الدولة فقال: الأصل أن الحكومة يجب أن تطهر المجتمع، لكن هذه الحكومة لا تفعل ذلك، الحكومة بسبب تساهلها تدعم وجود ذلك بطريقة غير مباشرة.
في شهر نوفمبر من عام 1996م اجتمعنا مع ثلاثة وزراء، وهم: وزير العدل ووزير السجون ووزير الأمن والمباحث، وأوضحنا لهم أهداف المجتمع وما يطلبه الشعب، وعرضنا عليهم خطة مشتركة بيننا وبينهم لتحقيق التطهير.
ولم تقبل الحكومة الخطة المعروضة كاملة، وكُوِّنت لجنة منا ومن الحكومة على أن يرأس اللجنة المدعي العام لـ(الكيب الغربية) وثلاثة أشخاص من كل وزارة من الوزارات المذكورة، وخمسة من مؤسستنا (BAGAD).
وفي الجلسة الأولى اقترح المدعي العام أول خطوة من الخطوات التي تحقق الهدف المطلوب، وهي: إغلاق جميع المنافذ في البلد أمام المخدرات، ولكنهم اعتذروا لعدم الإمكانات الكافية لتنفيذ هذه الخطوة.
واقترح المدعي العام إقامة مظاهرة من قبل الحركة في المطار الدولي في كيب تاون، لتنبيه الناس على خطر المخدرات، وضرورة إيجاد وسائل لمنعها.
واتبعنا الإجراءات اللازمة لإصدار تصريح بإقامة المظاهرة وأخذنا التصريح فعلاً.
وقبل يوم من إقامة المظاهرة، جاءنا بلاغ من وزير المواصلات بمنع قيام المظاهرة، فأخبرناه أن لدينا تصريحاً بذلك بناء على اقتراح المدعي العام، فأجاب أن هذا المنع مبني على توجيهات الرئيس.
ولكنا قررنا عدم التراجع وأقمنا المظاهرة، ولم تمنع الشرطة المظاهرة في أول الأمر، ولكنهم تدخلوا بعد ذلك وطاردوا الجماهير، واعتقلوا اثنين وعشرين منهم، وتبين في المحكمة أن تصرف الشرطة لم يكن قانونياً، وقُبِل الحكم.
وبعد ذلك أعلن المدعي العام على التلفاز أن هذه الحركة ليست أفضل من عصابة، وأنها تقوم بأعمال ضد الشرطة. عندئذ توقف عمل اللجنة المشتركة.
واجتمعنا بالشرطة في شهر سبتمبر من عام 1997م وحضر مندوبون من مكتب المدعي العام، ومن سكرتارية الأمن، ومن الاستخبارات المشرفة على أعمال الشرطة، بإشراف مركز الإصلاح بين المختلفين التابع لجامعة كيب تاون، وأكدنا للشرطة أننا لا خلاف لنا معهم، وافقنا مع الشرطة على إيجاد عمل مشترك ضد المخدرات، وكان هذا هو الإطار العام للاتفاق.
ثم حصلت اجتماعات لمناقشة تفاصيل هذا الإطار، مثل إعطاء الشرطة معلومات عن الأماكن التي توجد فيها المخدرات. وكنا ـ بعد ذلك ـ نقوم مرتين في الأسبوع بمسيرات. ولكن الشرطة برغم علمها بأماكن المخدرات لم تقم بواجبها، فأعلنا ذلك، وطلبت منا الشرطة إيقاف المسيرات لمدة شهر.
واجتمعنا مع الشرطة وحصل بيننا اتفاق وقعنا عليه جميعاً، توقفنا بموجبه عن المسيرات شهراً، ولكن الشرطة لم تفعل شيئاً مما اتفقنا عليه، ولم تهاجم أي موقع من مواقع العصابات، بل قاموا بعكس ذلك، فمنعوا الحركة من عملها، واعتقلوا بعض أعضائها، وحجزوا سلاحها المصرح به.
بعد ذلك حصل اجتماع بيننا وبين مندوبيهم، وقد غيروا الأعضاء السابقين بأعضاء كانوا موظفين مع الحكومة العنصرية السابقة، وأظهر هؤلاء السخرية منا، وقالوا: نحن لا نتحدث مع أناس قد دخلوا المعتقلات، أرادوا بذلك استفزازنا.
ثم أخبرنا اللجنة بالاعتقالات التي جرت لأعضاء الحركة، حتى لا يدعوا عدم معرفتهم لذلك، وسلمنا الشرطة لائحة تضمنت (18 بنداً) وضحنا فيها أسباب توقفنا عن إكمال المحادثة مع الحكومة، ولم يحصل بيننا وبين الشرطة اجتماع بعد ذلك.
قلت: وماذا تفعلون الآن؟
قال: نحن واصلنا اجتماعاتنا ومظاهراتنا، وازداد العنف والمضايقة علينا من الشرطة التي سجنت بعض أعضائنا ولا زالت تتابعنا. وسنقوم يوم الأحد القادم بمظاهرات.
هل للحركة نشاط في التعليم والتربية؟
وهنا أردت أن أتدرج معهم في الحوار بأسلوب لا يزعجهم، فسألتهم:
هل أقمتم مساجد أو مدارس تعلمون الناس فيها مبادئ الإسلام وتبينون لهم أهدافكم؟
قال: حركتنا ليست خاصة بالمسلمين، بل يدخل فيها كل كتابي، ولكن المسلمين في البلد يعترفون بأهدافنا، وكل تصرفاتنا مؤيدة بالكتاب والسنة.
قلت: ولكن التربية والتعليم هما الأصل في إقناع الناس باتباع الحق وترك الباطل، ويمكنكم أن تلقوا محاضرات عامة يحضر فيها المسلم وغير المسلم لبيان أهدافكم.
قال: كنا نقوم بأنشطة في المدارس الحكومية، ولكن الحكومة خافت أن يكون للحركة مستقبل سياسي، فمنعت نشاطنا في المدارس.
قلت: لو أنكم سلكتم مسلك التربية والتعليم، وحاولتم توعية الناس في حدود طاقتكم، وأسستم لكم مدارس وعلمتم أبناء المسلمين مبادئ الإسلام من الكتاب والسنة، وفي نفس الوقت تبينون هدفكم وتحثون الناس على تحقيقه بالأساليب الممكنة، لو أنكم فعلتم ذلك لكان أفضل من الصدام الذي قد لا ينجح في تحقيق المراد.
قال: إن كثيراً من القسس والرهبان وأئمة المساجد أهم أهدافهم توفير متطلبات الحكومة، وليس طاعة الله، بما في ذلك المسلمون، وكثير من المساجد والمنشآت الإسلامية وغيرها قد أقفلت في وجوهنا، وذلك بأمر من الحكومة.
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قلت: لعل السبب هو أسلوبكم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا الباب له فقه خاص عند علماء المسلمين وفقههم له مبني على نصوص من القرآن والسنة وقواعد الإسلام ومقاصده العامة، لذلك يجب أن تدرسوا فقه هذا الباب. وهنا بدأت تثور ثائرة القوم، وأخذ كل واحد يتحفز للحوار بطريقة يغلب عليها الامتعاض.
قالوا: إن من أعضاء الحركة من درس العلوم الإسلامية في الخارج، وهم علماء ودخلوا في الحركة.
قلت: البلاد ليست بلاداً إسلامية، والحكومة ليست حكومة إسلامية، وإنما هي حكومة علمانية، والمسلمون أقلية، ويجب أن تفهموا ذلك وتبنوا تصرفاتكم على ما تطيقون.
قالوا: هذا البلد يوجد فيه مسلمون، وكثير منهم يتعاطون المخدرات ويدخلون في العصابات، ويتعاملون بالقمار، ويؤيدون السحاق، وبذلك تزداد درجة الانحطاط، والحكومة والعلماء لم يفعلوا شيئاً لتغيير هذا الوضع، والمساجد والكنائس أقيمت أمامها محلات المخدرات والخمور في غالب البلاد.
والمؤسف أنه خلال (35) عاماً الماضية دخلت المخدرات في الغالب عن طريق تجار مسلمين، والأنكى من ذلك أن بعضهم كانوا أعضاء في لجان بعض المساجد.
وقد سجن أحد المسلمين المتعاطين لبيع المخدرات، وتظاهر المسلمون ضده وطلبوا من الشرطة عدم إطلاقه، فساء ذلك رئيس العصابة، لأن الذي سجن يعتبر ساعده الأيمن، فذهب إلى إمام المسجد وهدده وتكلم بكلام فيه اعتداء على الله تعالى، والذي قال ذلك هو "رشاد" الذي قتل. وأفتى الشيخ بجواز قتله حيث وجد. [لا يليق إثبات العبارة التي نقلت عنه كتابة ولا تلفظاً، وإن كان حاكي الكفر ليس بكافر].
وبعد كلامه مع إمام المسجد هرب الإمام من منزله خوفاً منه، ثم عندما رجع الإمام إلى المسجد تحدث عن الصلح بين المسلمين وتاجر المخدرات.
واجتمع التاجر المذكور مع الهيئات والعلماء والمجالس الإسلامية الثلاثة [المجلس الإسلامي الأعلى، ومجلس القضاء الإسلامي، ومجلس الشورى، وقد زرتها كلها وسجلت المعلومات عنها] وأعلن توبته، ولكنه صرح بأن لا يتوقف عن تجارة المخدرات، ومع ذلك صافحوه وعانقوه، وكان هو وأخوه رشاد الذي لا يزال حياً وقد أعلن الردة عن الإسلام.
والأصل أن تقوم المساجد والمدارس بإصلاح المجتمع، ولكنها عجزت عن ذلك، بسبب سيطرة العصابات، ولهذا لم تؤد غرضها، فرأت الحركة أن تتولى القيام بذلك.
وكان الناس يثنون على المسلمين في السابق، ولكنهم الآن يذمونهم بسبب قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد وصل الأمر ببعض المسلمين أن يبيع عرض ابنته للبحارين، من أجل أن يشتري المخدرات، وبعض أولاد المسلمين يسرقون المجوهرات وأثاث المنازل لنفس الغرض، وقد قتل ولد إمام مسجد صاحبه وقطع جسده تحت تأثير المخدرات.
وطلب أحد الشباب ـ وهو مسلم ـ من أمه أن تعطيه مالاً يشتري به مخدرات، فلما لم تعطه بال عليها.
ومما يدل على شدة خوف المسلمين من العصابات، أنه تم اجتماع للمسلمين في أحد المساجد، وكان كثير من أئمة المساجد موجودين، وكان المقصود من الاجتماع أن يدرس العلماء والشرطة هدف الحركة، وكان يوجد (300 مسلح) من الشرطة ومن المسلمين، وعندما جاءت سيارة فيها أربعة أشخاص انبطح كثير من المسلمين أرضاً، ظناً منهم أن الأربعة من أفراد العصابة والإجرام، ودخل نظيم محمد تحت الطاولة، مع أن الأربعة لم يكونوا من أعضاء العصابة، ومع وجود 300 مسلح في المسجد.
لهذا أرادت الحركة أن تزيل هذا الخوف من قلوب المسلمين، فقامت بمسيرة إلى منزل "رشاد" وخلال المسيرة أطلق قناصون ـ كانوا موجودين على أسطح المنازل ـ النار على المتظاهرين فجرحوا (18) من المسلمين، وفي تلك المسيرة قتل المسلمون "رشادا".
قلت لهم: للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثلاث مراتب، فهل وضعكم الحالي يرقى إلى مرتبة التغيير باليد؟
قال قاسم باركر: ليس عندنا جواب مباشر، وقد تساءل بعض العلماء في الصحف ـ قائلاً ـ : أي عمل وحشي مثل قتل هذا الرجل؟
قلت: إن وراء تجار المخدرات البارزين رءوساً كبيرة في الدول، ولهذا نجد أولئك التجار يظهرون الشجاعة.
قال: نعم أنا أوافق على ذلك، وهم يقومون بإطلاق المجرمين ويسجنون أعضاءنا، ولكن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
قلت: ولكن هناك سنناً طبيعية أو عادية، وسنناً شرعية، وللقوة والعدد مكانهما في الإسلام، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
قال: الله يجعل المستحيل ممكناً، والمهم أن الله أمرنا بالجهاد.
قلت: أرى أنكم في حاجة إلى قراءة فقه الجهاد وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتعرفوا أن لكل حالة ما يناسبها من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذا وقد بدا لي بعد هذا الحوار الطويل الذي أخذوا هم غالبه في الحديث، أن القوم كغيرهم من الشباب المتحمس للإسلام، مع قلة فقهه في الدين وظنه في نفسه خلاف ذلك وهو أن عنده من العلم ما لا يحتاج معه إلى توجيهه من العلماء، وظنهم أن كل من خالفهم من العلماء متخاذل أو خائف، أو مناصر للحكومات المحاربة للإسلام.
وظهر لي خطأ فهمهم لقواعد خطيرة من قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
القاعدة الأولى: معنى القدرة. فهم يفهمون أن المراد بالقدرة كون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يأمر وينهى على أي حال من الأحوال، سواء ترتب على أمره ونهيه مصلحة راجحة أو مرجوحة، ومفسدة عظمى أو صغرى وقد يظن الآمر والناهي أن أمره ونهيه ستتحقق بهما حصول مصالح راجحة، وإزالة مفاسد عظمى، بدون دراسة مستقصية، مع أن المقصود بالقدرة أن يغلب على ظن الآمر الناهي أنه يستطيع ـ إذا غير بيده ـ تحقيق هدف الأمر والنهي، وهو إزالة المنكر دون أن يحدث منكر أعظم منه.
لذلك تجد كثيراً من المتحمسين الذين لا يفقهون هذه القاعدة، يغيرون بأيديهم ما تترتب عليه مفاسد أعظم من المنكر الذي أرادوا تغييره، فيحدثون بفعلهم منكراً أشد من المنكر السابق ولا يزول المنكر الذي أرادوا تغييره بل قد يقوى ويزيد.
القاعدة الثانية: الأصل في الأمر والنهي أن يبدأ الآمر الناهي بالمرتبة الأدنى ـ إذا علم أنه لا قدرة له على التغيير بالمرتبة الأعلى ـ ولا يقفز من مرتبة أدنى هي المناسبة في وقتها، إلى مرتبة أعلى لم يحن وقتها بعد، لعدم إعداد العدة المناسبة لها، كمن يباشر تغيير منكر بيده تدل القرائن القوية التي تقرب من اليقين أن المشروع في هذه الحالة التغيير باللسان لا باليد، وأن التغيير باليد أقرب إلى الإفساد منه إلى الإصلاح.
القاعدة الثالثة: أن هناك أولوياتٍ البدءُ بها يحقق المصالح الراجحة ويخفف من المفاسد الكبرى أو يزيلها، وترك تلك الأولويات وتعاطي غيرها يفوت المصالح العليا ويجلب المفاسد العظمى.
ومن أمثلة ذلك هنا: أن الأولوية الملحة للمسلمين في جنوب أفريقيا هي الاجتهاد في تفقيه قومهم بأمور دينهم وتربيتهم على تطبيقه في أنفسهم، حتى يكونوا قدوة حسنة يهتدي بهداهم غير المسلمين، هذه الأولوية هي التي يجب عليهم أن يهتموا بها الآن، لأنها هي التي ستحقق لهم الثبات على دينهم، ونشره بين غيرهم، وليست الأولوية الآن أن يغيروا المنكر السائد في البلد بأيديهم، والواجب عليهم في التغيير الآن أن ينصحوا الحكومة والشعب بلسانهم ويبينوا لهم الأضرار المترتبة على ترك تلك المنكرات، ومن أعظمها تدمير الحياة الاجتماعية والدينية والأخلاقية والاقتصادية، وهذا هو المقدور عليه عندهم، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
وطال النقاش بيني وبينهم حاولت أن أبين لهم تلك القواعد، ولخصت لهم في آخر الاجتماع ـ بعد أن تأكد لي عدم استعدادهم للحوار المبني على الدليل الواضح ـ ما ظننت أن الحجة تقوم عليهم ببيانه، فقلت لهم: لقد اجتهدت في أن أبين لكم ما أعتقد انه الحق، ومع ذلك فلكم أن تتمسكوا بما تدينون الله تعالى به، إلا أنني أريد أن أصارحكم بثلاثة أمور:
الأمر الأول: أنني عربي الأصل والمنشأ واللغة والتعليم، وأنني تتلمذت على كبار علماء الإسلام ـ المتضلعين في اللغة العربية ـ في القرآن وتفسيره، والحديث وعلومه، وفي الفقه الإسلامي وأصوله، وفي العقيدة، وفي اللغة العربية، وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والتاريخ الإسلامي ... وقرأت عشرات الكتب، ومارست الدعوة، ولي الآن في طلب العلم (46 عاماً) وقمت بالتعليم من المرحلة المتوسطة إلى الدراسات العليا، ولا أزال أطلب العلم إلى الآن، ومع ذلك كله لا أزال أشعر بقلة بضاعتي في العلم، ويخفى عليَّ كثير من المسائل في كل علم من العلوم الإسلامية، وأحتاج إلى سؤال العلماء الكبار وزملائي من طلبة العلم، ولم أعرف ـ فيما قرأت ـ أن ما تقومون به هو الصحيح، بل ما ذكرته لكم هو الذي فهمته من القرآن والسنة وما قرره أساتذتي الكبار.
الأمر الثاني: يبدو لي أن دراساتكم الإسلامية ضعيفة، لذلك أنصحكم أن تراجعوا أنفسكم وتطلبوا العلم على أيدي العلماء، ولا تغتروا بما فهمتم من دراساتكم الخاصة، فإن دين الله لا يؤخذ إلا ممن تفقهوا فيه.
الأمر الثالث: أريد أن أنقل لكم خلاصة لما قرره العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أن للأمر والنهي ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن لا يترتب على الأمر والنهي تفويت مصلحة كبرى، ولا جلب مفسدة كبرى، وفي هذه الحالة يجب الأمر والنهي، وهو فرض كفاية لا يسقط عن الأمة إلا إذا قامت به طائفة كافية.
الحالة الثانية: أن يترتب على الأمر والنهي حصول مفسدة أكبر من مفسدة المنكر المراد تغييره، أو تفويت مصلحة أعظم من المنكر المراد تغييره، وفي هذه الحالة لا يجوز الأمر ولا النهي.
الحالة الثالثة: أن تتساوى مفسدة المنكر الموجود، ومفسدة تغييره، وفي هذه الحالة يكون الآمر الناهي مخيراً بين الأمر والنهي أو تركهما.
ويجب أن يعلم أن تقدير المفاسد والمصالح يحتاج فقهاء دين ذوي خبرة ورأي وذوي تخصص يجعلهم يحكمون على الأمر بعد تصوره وحقيقته، وليس كل واحد صالحاً لذلك.
فإن كنتم تحترمون رأي علماء المسلمين ـ ورأيهم مبني على الدليل ـ فذاك هو الواجب، وإن كان عندكم علم أعلى من علمهم فامضوا وشأنكم.
فنزل عليهم هذا الكلام نزول الصاعقة، فأظهروا تذمراً شديداً، وقال لي زعيمهم: ما كنت أظن أن عالماً مثلك يأتي من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم يكون موقفه هذا الموقف. [إلا أنني رأيت على وجوه بعض الحاضرين علامة الرضا أحياناً، وأذكر هنا أمراً مهماً جداً، وهو أن أحد العلماء الذي كان منضماً إليهم قرر تركهم، اقتناعاً بما سمعه مني في جلسة أخرى، وهو لم يكن حاضراً في هذا الاجتماع].
ثم سألني: هل أنت على استعداد أن تضحي بمالك ونفسك في سبيل الله؟
فقلت له: ليس عندي إجابة على هذا السؤال، فالله يعلم ما القلوب، والدعاوى تحتاج إلى بينات.
قال: أنا تحديتك بهذا السؤال، فلم تجبني عليه، ولهذا ظهر أن كلامك الذي سبق كله يدل على عدم استعدادك للجهاد والتضحية.
قلت له: افهم ما تريد.
وقد امتد حوارنا أكثر من ثلاث ساعات، فقد بدأنا الحوار في الساعة السابعة والنصف مساء، وانتهينا في الساعة الحادية عشرة.
زيارة مؤتمر الاتحاد الإسلامي:
الأربعاء 17/3/1420هـ ـ 30/6/1999م
في الساعة العاشرة صباحاً كنا في مقر "مؤتمر الاتحاد الإسلامي" بحسب موعد تقرر سابقاً. وقد وجدنا عددا من أعضاء المؤتمر في انتظارنا بقاعة الاجتماعات في المقر، ومنهم:
1 ـ الدكتور عبد الكريم توفار. البالغ من العمر 56 عاماً.
نال شهادة الماجستير من كلية الشريعة بالجامعة الأردنية في عمان.
والدكتوراه من جامعة "دربن". وهو رئيس مجلس العلماء في المؤتمر.
2 ـ الشيخ محمد عادل ديفر. وعمره: 40 عاماً.
تخرج في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، سنة: 1985م.
وهو من مؤسسي المؤتمر، ويقوم بالدعوة، وعضو مع الدكتور توفار في مجلس العلماء والفتاوى.
ويقوم بالتنسيق مع المؤسسات السعودية "المنتدى الإسلامي والندوة العالمية للشباب الإسلامي، ومع الدكتور عبد الله بن عمر نصيف وعبد الرحمن الراجحي، ومع دور النشر في المملكة، وقد طبعت ثمانية كتب مترجمة".
3 ـ الأستاذ محمد حنيف هندركس. وعمره 49 عاماً.
تخصصه: بكالوريوس في التاريخ وعلم الاجتماع ـ درجة شرف في علم النفس الصناعي. وهو نائب مجلس الإدارة في المؤتمر، ومدير العلاقات العامة في "إذاعة 687" وعضو في هيئة الخرجين في جامعة الكيب الغربية.
ألف كتاب: المدرسون حقوقاً.
4 ـ الأستاذ أحمد بن محمد قاسم. وعمره: 54 عاماً.

مؤهلاته: بكالوريوس في الفلسفة وتاريخ الفنون، من جامعة جنوب أفريقيا.
درجة شرف في الفلسفة والمنطق. يحضر ماجستير في جامعة دربن "المبادئ السياسية في الإسلام". وهو الرئيس الوطني للمؤتمر منذ أربع سنين. [وهو الذي أدلى بكثير من المعلومات المسجلة].
وهو محاضر في العلوم الإنسانية في كلية التقنية. له ستة مؤلفات.
وكان تأسيس المؤتمر في شهر مارس من عام: 1994م.
وقد سجلت في عضوية المؤتمر "342 جمعية" من "700 جمعية" موجودة في جنوب أفريقيا كلها. وكان الهدف من تأسيسه: محاولة توحيد المؤسسات والهيئات الإسلامية تحت مظلة واحدة. [هكذا تتفرع جماعة جديدة من جماعة أو جماعات قديمة بأسماء متنوعة، وتعلن أن هدفها "جمع كلمة المسلمين"، ولكنها تصبح رقما آخر من أرقام تلك الجماعات تنتظر بروز رقم آخر قد يتفرع عنها أو عنها وعن غيرها].
هيئات تتفرع عن المؤتمر:
الهيئة الأولى: إذاعة: (7، 8،6) وتجدد طلب الترخيص لها سنوياً.
الهيئة الثانية: مجلس العلماء الوطني الذي يرأسه الشيخ عبد الكريم توفار.
والهدف من تأسيس هذا المجلس توحيد العلماء تحت مظلة واحدة.
وتوجد لجان أخرى:
لجنة الشباب، لجنة النساء، لجنة التجارة، لجنة أكاديمية، لجنة التربويين.
وقد أقيم مؤتمر وطني للتربويين، حضره عدد من الدكاترة من الخارج، منهم الدكتور يعقوب زكي من بريطانيا، وبروفيسور وان داود من ماليزيا نائب مدير المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
والمنظمات المنضوية تحت المؤتمر هي مدارس، وجماعات ذكر، وبعض الجماعات، ولا زال الباب مفتوحاً لأي جماعة ترغب في الانضمام إلى المؤتمر.
والمؤتمر هو المؤسسة الوطنية الوحيدة التي يشرف عليها عامة المسلمين وتحاسب محاسبة مبنية على الشفافية.
وقد عقدت لجنة التربية اجتماعاً ـ يسمونه: الجامعة الشتوية ـ في جامعة كيب تاون، حضره عدد من المدعوين من الداخل والخارج، من إيران والجزائر وماليزيا وتركيا، ومنهم حيدر جمال من روسيا، ورجاء جارودي من فرنسا وحجة الإسلام أقتب حيدر رئيس مؤسسة أهل البيت، ومتخرج من جامعة "قم". [نبهتهم على موقف جارودي من الإيمان باليوم الآخر وما يشتمل عليه من الجنة والنار والجزاء والحساب].
أعضاء المؤتمر:
بدأ المؤتمر باستفتاء عام، حضره (500 عضو) من (254 جمعية) والهيئة الوطنية للمؤتمر تتكون من (20 عضوا) ويتبع المؤتمر خمسة مجالس في خمس مناطق.
أسس سياسة المؤتمر:
اجتماع كلمة المسلمين.
العمل على تحقيق منفعة الناس.
توحيد الجمعيات الدعوية الخيرية.
إصدار القرارات عن الأغلبية.
ويجتمع الأعضاء في السنة مرة.
وينتخب المسئولون في المؤتمر كل سنتين.
وهذا المؤتمر هو الوحيد الذي يدعو المنظمات إلى الاجتماع، وقد باشرت العمل بذلك، وهو يمثل نصف المسلمين في جنوب أفريقيا، ولم ينضم إليه الآخرون.
وسألتهم عما تقول الجمعيات الأخرى من أن المسئولين في المؤتمر يبالغون في كثرة الجمعيات المنضوية تحت المؤتمر، وعدد الأعضاء فيه؟
فقالوا: إنهم طلبوا منا قائمة بالجمعيات، ولم نستجب لطلبهم، لأنهم أرادوا استفزازنا، ويتهموننا بالتشيع. وحركة الشبان المسلمين كانوا من المؤسسين للمؤتمر، ولا زالوا معنا. وقبل أسبوعين جاء الوفد الليبي، وأثنت حركة الشباب على المؤتمر، وعلى قيادة أحمد قاسم، وأثنوا على الإذاعة، وثناؤهم مسجل، ونشر في عدد ربيع الأول في جريدة: آراء المسلمين.
والمؤتمر يدعو الجمعيات الإسلامية الأخرى منذ خمس سنين للانضمام إليه، ولم يستجيبوا أو يردوا على دعوتنا بقبولهم أو عدم قبولهم.
وقد ذهبت وفود إلى مجلس القضاء الإسلامي لدعوتهم إلى الانضمام إلى المؤتمر، واشترط المجلس للانضمام إلى المؤتمر أن يكون مجلس الحلال والمجلس التشريعي تابعين له.
أسباب الخلاف: مصارحة وحوار:
قلت لهم: إن بروز جماعة جديدة ـ منبثقة من جماعة قديمة ـ تدعو إلى وحدة الكلمة هو رقم جديد يضاف إلى أرقام الجماعات الإسلامية القديمة، ويزيد الجماعات فرقة بدل الوحدة، وأرى أن من أهم أسباب تفرق المسلمين قلة الإخلاص لله، وحب الزعامات، فهل توافقون على ذلك أو عندكم رأي آخر؟
قالوا: الأسباب كثيرة، ومن أهمها الأسباب الآتية:
السبب الأول: أن بعض العلماء عندهم علم نقلي، وليس عندهم علم عقلي.
وقد حصل الخلاف بين المسلمين هنا مبكراً، وجاء أبو بكر أفندي من تركيا سنة: 1860م وحاول الإصلاح بينهم، ولم ينجح، وألف كتاباً ترجمه الشيخ أبو بكر النجار إلى اللغة الإنجليزية، وقال في الكتاب: إن علماء جنوب أفريقيا كانوا متمسكين ومخلصين، ولكن عندهم علم نقلي وينقصهم العلم العقلي. فهذا من أهم أسباب الخلاف.
وقد ولد الشيخ أبو بكر سنة 1835م تقريباً في شهر زور بكردستان ويعود نسبه إلى قريش ورحل إلى استنبول ثم إلى بغداد لطلب العلم وقد توفي في كيب تاون 29يونيو 1880م.

وضربوا مثالاً لذلك، وهو أنهم في سنة 1983م أرادوا أن يجتمع المسلمون كلهم لصلاة الجمعة في مكان واحد، واقترح أن يصلوا في الملعب الرياضي، فأفتى الشيخ أبو بكر النجار بالجواز، وأفتى الشيخ نظيم محمد بعدم الجواز، واستدل على ذلك بأن الملائكة تقف على أبواب المساجد تكتب الثواب، والملعب الرياضي ليس مسجداً!
(قلت: يقصد حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَعلى آله وسَلَّمَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتِ الْمَلائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً ثُمَّ كَبْشًا ثُمَّ دَجَاجَةً ثُمَّ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ" وهو في البخاري وغيره).
قلت لهم: قد يكون من أسباب الخلاف العكس، وهو أن بعض المخالفين عندهم ما يزعمون أنه علم عقلي وليس عندهم علم نقلي.
ويجب أن يعلم أن المعقول الصريح لا يمكن أن يخالف المنقول الصحيح.
السبب الثاني: أن العلماء كفروا الإمام الخميني، واتهموا المؤتمر بالتشيع، ووزعوا منشوراً يحرمون فيه حضور المؤتمر، والمتخرجون يعلمون أن المؤتمر ليس حزباً شيعياً، والمذاهب كلها محترمة عند المؤتمر.
قلت لهم: بلغني أن الشيعة الآن قاموا بنشر عقيدتهم بين السود وبين شباب أهل السنة، ومن المعلوم أنهم يكفرون جل الصحابة، وفي انتشار مذهبهم خطر يهدد المسلمين، لذلك يجب أن يبين للناس ما في عقيدتهم من باطل، وتعاوننا معهم في السياسات العامة دون أن نبين للناس عقيدتهم يجعل الجهال من أهل السنة ينخدعون بهم ويعتقدون عقيدتهم.
السبب الثالث: الاختلاف في مسائل فقهية، مثل الاختلاف في رؤية الهلال في الصيام والعيدين، وكثير منهم يصلون الظهر بعد صلاة الجمعة.
السبب الرابع: الإدارة المالية. مجلس القضاء من أول تأسيسه لم يبين حساباته المالية، وبخاصة أنه يتلقى دعماً من الخارج، وبدل استخدامهم المال الخارجي لمصالح المسلمين يستخدمونه في الإفساد بينهم، ويحاربون من يطلب منهم الوضوح.
والدليل على ذلك أن مجلتهم ـ وهي تصدر بأموال تأتيهم من الخارج ـ تحاول تشويه سمعة أحمد قاسم.
قبل سنة بعثت بعض الدول الإسلامية مليوني دولار أمريكي إلى سفارتها للمؤسسات الإسلامية في جنوب أفريقيا، ولما سألنا عن مصير هذا المال لم نجد جواباً.
بعض الهيئات في حاجة إلى المساعدة ولم تجد عوناً، مثل معهد الشيخ عبد الكريم توفار الذي مضى عليه 30 عاماً ولم يكتمل بناؤه إلى الآن.
بعض البنوك الإسلامية في الخارج بعثت دعماً مالياً بنيت منه مساجد فاخرة، ووزعت تلك الأموال على جهات خاصة، وتذهب كثير من تلك الأموال لأثرياء من المسلمين، والمؤتمر الإسلامي أنشئ بدعم داخلي من المسلمين.
وقد سجن أحمد قاسم أحد عشر عاماً في جزيرة روبن مع مانديلا، وكان عمره 17 عاماً، وقدم امتحانات البكالوريوس وهو في السجن، ولم يناصره العلماء وقد اتهم بالخيانة العظمى، وخرج من السجن بشروط، منها: تسليم جواز سفره للدولة، وأن لا يتجاوز أكثر من مائة كيلو في حركته من بيته، وأن يوقع لدى البوليس مرتين في الأسبوع، ولا يؤذن له بالتحدث عن حزب القبلة، ولا المؤتمر، والعلماء لم يحترموه. [هذا الكلام أدلى به بعض أعضاء المؤتمر الحاضرين].
علاقة المؤتمر بالدولة:
سألتهم عن علاقة المؤتمر بالدولة الآن؟
فقالوا: قبل الانتخابات الأخيرة اجتمع 200 مندوب من أعضاء المؤتمر وتدارسوا موضوع المشاركة في الانتخابات، فرأى غالبهم عدم المشاركة، إظهاراً لعدم الثقة في الحكومة، وعدم الثقة في الأحزاب المعارضة، لأن الحكومة أذنت بأمور محرمة، كاللواط والسحاق، وألغوا حكم القتل، على جرائم تصل إلى (24 ألف حالة سنوياً) وغير ذلك من الأمور الإباحية.
قلت: هل تتوقعون أن تستجيب الدولة لمطالبكم بسبب عدم دخولكم في الانتخابات؟ ثم ألا يحتمل أن يكون دخولكم في الانتخابات يكسبكم قوة أكثر في الدولة، وبخاصة إذا نسقتم مع بقية المؤسسات الإسلامية؟
قال أحمد قاسم: لا يمكن أن يخدعوني، وقد خضت غمار السياسة وعمري (17 سنة) والصلة بالحكومة إجمالاً موجودة، وبعض الوزراء في الحكومة كانوا مسجونين معي.
وقد قدمنا للحكومة في سنة 1993م لائحة مكونة من مائة صفحة لتحسين الأحوال في البلد، ولكنهم أهملوها، كما أرسلنا لوائح إلى هيئة حقوق المرأة، وأخرى إلى هيئة الشباب، وكلها أهملت.
واجتمع الشيخ توفار مع وزير العدل السابق "عبد الله عمر" في موضوع الأحوال الشخصية، ولم يُستَجَب لشيء من ذلك إلى الآن.
وعدم المشاركة في الانتخابات ليس معناه عدم المشاركة في الأمور السياسية، وإنما هو موقف سياسي.
وسألت عن عدد المسلمين.
فقال: عددهم 1.2 مليون نسمة تقريباً، ويحتمل أن يكون عددهم: 1,8 مليون. 70% منهم يعيشون في الكيب الغربية.
وعدد اليهود لا يزيد عن 150 ألفاً، ولكنهم يسيطرون على الاقتصاد والطب والقانون ... وهم الذين أسسوا الشيوعية في البلد.
والبيض لا تتجاوز نسبتهم 5% ولكن 95% من الموارد تحت سيطرتهم.
والمفكرون في الحكومة الجديدة هم الشيوعيون، والحزب الوطني صوري.
مجلس العلماء:
ثم طلب أحمد قاسم من الشيخ عبد الكريم توفار أن يعطيني نبذة عن نشاط مجلس العلماء.
فقال: أسس مجلس العلماء سنة: 1994م عندما أسس المؤتمر، وكان الاجتماع في نفس السنة. وعندهم 75 من الأئمة والمشايخ، وعدد المشايخ تسعة، وهم المسئولون عن الفتوى, وغالب عملهم يتركز حول الأحوال الشخصية التي لم توافق الحكومة على تطبيقها بين المسلمين منذ (300 عام).
وتطالب الهيئة الحكومة بالموافقة على مادتين:
المادة الأولى: وجوب موافقة القانون لأحكام الشريعة في الأحوال الشخصية.
المادة الثانية: أن يتولى المسلمون كل ما يتعلق بالأحوال الشخصية.
وقد قرر المؤتمر أن تقوم اللجنة ـ وعندها خبرة في القانون ـ بتقديم تقرير إلى وزير العدل.
وتقدمنا بطلب إلى الحكومات الإسلامية ليوافونا بقوانين الأحوال الشخصية، ولم تستجب لطلبنا الأردن ومصر والكويت.
تعقيب:
ظهر لي ـ فعلاً ـ من كلامهم أن للمؤتمر صلة قوية بالشيعة في إيران، ولكنهم صرحوا بأنهم لا يعتقدون اعتقاد الشيعة في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا غير ذلك من عقائدهم التي تخالف عقيدة أهل السنة.
وقد قال لي الشيخ عبد الكريم توفار، والشيخ عادل: إن أحمد قاسم عندما سجن ساعده الإيرانيون وساعدوا أسرته، وساعدوه عندما خرج من السجن، ولم يساعده أحد من العلماء في جنوب أفريقيا لا في وقت سجنه ولا عند خروجه من السجن، وقد جعله ذلك يرد للشيعة جميلهم بقوة الاتصال بهم واتباع بعض مناهجهم في السياسة.
وقد اعتدل الآن أكثر من ذي قبل، فلم يكن يقابل أحداً يأتي من علماء دول الخليج، وأنت أول زائر يقابله من السعودية.
وقد بينت للأستاذ أحمد قاسم أنه مهما كانت علاقته مع الشيعة، فالواجب الحذر من عقائدهم، ولا يجوز أن يفهم الناس أنه يقرهم على عقائدهم، لأن الجهال من أهل السنة سينخدعون بذلك ويظنون أن عقيدتهم لا تخالف العقيدة الصحيحة.
كما حملت الشيخين المذكورين المسئولية أمام الله، لأنهما على علم بعقيدة الشيعة أكثر من غيرهما من أعضاء المؤتمر، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد وعدا بالقيام بذلك، ولكن بالحكمة والأساليب المناسبة.





زيارة المنظمة الإسلامية للإصلاح الاجتماعي:
في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر كنا في مقر هذه المنظمة، وهي مؤسسة نسائية اجتماعية.
رئيسة المنظمة تدعى: (نور النهار MINTIN ) عمرها 37 عاماً.
درست سنتين في جامعة جنوب أفريقيا، وأخذت شهادة دبلوم في تطوير المجتمعات. واشتركت في دورة العاملين في تطوير المجتمعات، وهي شديدة الرغبة في هذا العمل. فكرت في إنشاء هذه المؤسسة سنة 1986م والذي دفعها إلى ذلك عدم وجود متخصصين يهتمون بحل مشكلات المجتمع النسائي.
وبناء على ذلك اجتمعت ـ في نفس السنة ـ مع أئمة المساجد والدعاة وعلماء الاجتماع في الجامعات، وشرحت لهم حاجة المسلمين إلى مثل هذا العمل، وتم تعاونهم معها، وأسست في نفس السنة أيضاً. وقامت بالعمل فيها من ذلك الوقت، وقد مضى على عملها في هذه المؤسسة 23 عاماً.
عدد أعضائها ـ رجالاً ونساءً ـ 13 عضواً. ولها خمسة أمناء آخرين، ثلاثة من المشايخ، واثنان من المحامين.
أهداف المنظمة:
تقوم المنظمة بالعمل في مجالين رئيسين:
المجال الأول: محاولة حل المشكلات الاجتماعية، من زواج وطلاق وحضانة ومواريث، ولها اتصال مع المحاكم الرسمية في أمور الطلاق، حيث يكون أحد الزوجين قد أسلم حديثاً وتترتب على ذلك مشكلات ناشئة من اختلاف العادات أو غيرها، فتحاول المنظمة حل مشكلاتهم والصلح بينهم لتستمر الحياة الزوجية والأسرية حسب الإمكان، والهدف تقليص المشكلات الاجتماعية وتقوية العلاقات الأسرية.
المجال الثاني: المشروعات الاجتماعية ـ وهي تتضمن الدعوة.
مثال ذلك: التعاون مع بعض المؤسسات الإسلامية في تدريب بعض المسلمات على كيفية الدعوة، وقد فعلت ذلك مع لجنة مسلمي أفريقيا. وعندنا برنامج كل يوم أحد لتعليم المهتدين "تقصد المسلمين الجدد" على اختلاف السن.
وخصصنا يوماً للأطفال يجتمع فيه (500 طفل) من جميع الأعراق، 65% من غير المسلمين. والهدف من ذلك إظهار محاسن الإسلام.
وعندنا برنامج سنوي، وهو بعث بعض المدرسين إلى المدارس الحكومية لتدريس الطلاب الذين يحتاجون إلى تقوية في دروسهم، لدخول الامتحانات.
ومن أفضل الأعمال التي تقوم بها المؤسسة إقامة دورات لتدريب الموظفين العاملين في الشئون الاجتماعية.
وقد أَلَّفتُ كتاباً يتضمن مناهج لهذه الدورات، وهو مبني على خبرة طويلة في هذا المجال. وقد فازت المنظمة بالجائزة الدولية من الهيئة البريطانية في إنجلترا، وحصلنا على منح من بريطانيا للموظفين والعاملين في المنظمة.
وتقوم المنظمة بتدريس الفقراء الذين يأتون إليها لطلب المساعدة بعضَ المهن التي يستطيعون أن يعملوا فيها ويكسبوا رزقهم منها، ونرسلهم بعد تعليمهم إلى صندوق الزكاة ليساعدوهم بما تيسر قبل أن يبدءوا العمل. ونساعدهم في إنشاء مشروعات صغيرة يمكنهم تطويرها بالتدريج.
عدد العاملين الآن في المنظمة: عشر نساء وسائق. ويعمل مع المنظمة كثير من المتطوعين ـ رجالاً ونساءً ـ عددهم يقارب مائتي متطوع.
وعندما نعرف المحتاجين نحولهم إلى الجهات الخيرية التي تتولى مساعدتهم، مثل دور الأيتام، وأغلب جهودنا موجهة لمساعدة الأسر.
وسألتها عن نسبة الطلاق في الأسر المسلمة؟
فقالت: نسبة الطلاق في كيب تاون مرتفعة جداً، و35% من القضايا تتعلق بالمشكلات الزوجية. وليس عند المؤسسات الإسلامية إحصائيات دقيقة. [وجدت لدى مجلس القضاء الإسلامي أوراقاً سجلت فيها حالات الطلاق التي حصلت عندهم].
وأغلب المؤسسات العاملة في هذا المجال هذه المنظمة ومجلس القضاء ء الإسلامي، ومؤتمر الاتحاد الإسلامي.
ومن أكثر أسباب الطلاق قلة الوعي الإسلامي لدى الأزواج والزوجات من المسلمين الجدد، لأن بعضهم يدخل في الإسلام ولا يجد من يتابعه بالتعليم والتربية، وبعضهم يدخلون في الإسلام صورياً من أجل الزواج وهم غير مخلصين. وأكثر المشكلات الاجتماعية توجد بين غير المسلمين، ولكن المسلمين على وشك اللحاق بهم. وأكثر الجرائم تقع بين المسلمين.
ويوجد مكتب غير حكومي خاص بذلك، وغالب الجرائم التي تقع سببها المخدرات والاعتداء على الزوجات. وتتعاون معنا الجمعيات الإسلامية، ولكن هذا التعاون لم يحصل إلا بعد مضي 12 سنة من المحاولة.
ومنظمتنا مستقلة لا تنحاز إلى أي جمعية، حتى لا تقف أمام نشاطها بعض العراقيل الإدارية، وهي مسجلة في وزارة الشئون الاجتماعية. ويوجد كثير من الأطفال المشردين في الشوارع من المسلمين وغيرهم ولكن غير المسلمين أكثر.
أثر الأحياء الشعبية في تدمير الأسر:
أنشأ النظام العنصري إقامة أحياء شعبية، تتكون مبانيها من عدة أدوار، وفيها شقق صغيرة جداً تسكن في كل شقة عائلة، والشقق متلاصقة، وغالب سكان هذه الأحياء فقراء وليس عندهم وظائف، وقد أدى ذلك إلى كثرة الجرائم وتشرد الشباب وتعاطي المخدرات، وتدمير الأخلاق، ويوجد في تلك الأحياء مسلمون.
ويتحاشى الناس الدخول في هذه الأحياء خشية من الإجرام، وبخاصة في الليل.
وقد مر بي الأخوان: محمد الأعمش ومحمد نور بجانب هذه الأحياء، ورأينا كيف يتسكع الشباب في شوارعها!
رياح شديدة وأمطار غزيرة:
في هذه الليلة ـ ليلة الخميس ـ اشتدت الرياح وهطلت الأمطار بغزارة، ابتداء من الساعة الثامنة مساء إلى شروق الشمس. وكنت أسمع هبوب تلك الرياح الشديدة وأنا في الطابق الثلاثين من الفندق الذي يقف شامخاً بين مبان قصيرة من الجانب الذي تقع فيه غرفتي.
زيارة إذاعة صوت الكيب:
الخميس 18/3/1420هـ ـ 1/7/1999م
قمنا صباح هذا اليوم بزيارة صوت الكيب، وهي قريبة من الفندق الذي سكنت فيه، واجتمعنا بمدير المحطة:


الإمام علي بن حسن بن علي.
ولد سنة: 1952م. وأصله من زنجبار. أخذ بعد تخرجه من الثانوية المحاسبة.
كان رئيسا للمؤسسة الإسلامية في منطقة: (بلهار). وكان نشاطه يتركز على الشئون الاجتماعية. وهو الآن مدير هذه المحطة.
أهداف المحطة:
المحطة إسلامية، وأهم أهدافها نشر الدعوة الإسلامية، وتوخي مصلحة المسلمين.
وهي تبث على موجة (FM). عدد موظفيها: (25 موظفاً).
برامجها: غالبها إسلامية، وتغطي الأنشطة الاجتماعية، والأخبار الدولية والرياضية، وجميع الجوانب المتعلقة بالمجتمع. وهي لا تتبع مؤسسة بعينها.
أثرها في المجتمع: قاموا بدراسة أثبتت أنه يستمع لها كل يوم (120 ألف شخص).
مصادر معلوماتها: للمحطة مندوبون من الصحفيين يراسلونهم، في فلسطين، وتركيا، والسعودية، وأوربا، وأمريكا.
أقسام المحطة:
1 ـ الإدارة.
2 ـ قسم الأخبار.
3 ـ قسم الدعاية والإعلان، وهو مصدر دخل المحطة.
4 ـ قسم البرامج.
وطلبوا من الحكومة التصريح لهم بالبث المرئي، وينتظرون الرد.
ويرغبون أن تسمح لهم الهيئة العامة للإعلام بالبث على موجة: (SW)
وكان من الموظفين الحاضرين:
أحمد بن محمد صالح.
وأصله من ماليزيا. ولد في 5 ديسمبر سنة 1959م
تخصصه: بكالوريوس علوم. وهو مدرس، وإداري في النشاط الرياضي. وعمله في المحطة: منسق برامج.
شفيق بن مورتِن.
ولد في 17 فبراير سنة 1954م. أحد والديه من ألمانيا، والآخر من إنجلترا. [هذه المعلومات إجابات عن أسئلة وجهتها إليه].
التخصص: فنون، ودبلوم عال في التربية والتعليم. أسلم قبل 17 سنة.
كيف تعرف على الإسلام؟
كان له دور في النشاط ضد العنصرية، وظهر له أن المسلمين يحترمون أي إنسان، ويرون المساواة بينهم. وكان المسلمون في عهد العنصريين يهتفون ضدهم في المظاهرات بالتكبير، كما تهتف: أمانديلا (القوة) وكانت هتافاتهم بالتكبير تخيف السلطات.
وكان له أصحاب من المسلمين يتحدثون عن الإسلام. ومن أهم الموضوعات التي جذبته إلى الإسلام الجوانب الروحية.
وزوجه بنت "الشيخ إبراهيم هندركس" وهو ولد "الشيخ محمد صالح حجي" الذي ذهب إلى مكة في أول القرن العشرين ودرس على أيدي العلماء هناك، ودرس على الحضارمة من آل باعلوي الذين نفوا إلى جنوب أفريقيا، وكانوا علماء يحفظون القرآن والمتون في الفقه الشافعي، وينشرون الدعوة. وتوفي في سنة: 1946م.
وعند الأخ شفيق بنت اسمها "أُلفة" وعمرها خمس سنوات، وأخوها اسمه "ليث" وعمره سنتان.
المسلمون في جنوب أفريقيا:
وقال الأخ شفيق: إن المسلمين خليط من بلدان العالم، وكانوا معزولين منذ أكثر من (300 سنة) والآن حصل انفتاح، قد يكون في مصلحتهم وقد لا يكون، ولكنه طور جديد. ولا بد للمجتمع الإسلامي هنا من نظرة جديدة لمستقبلهم، يخططون على أساسها لهذا المستقبل.
الحكومة ديمقراطية، والمسلمون أقلية معتبرة، وعندهم الآن حرية كاملة: شخصية ودينية وسياسية. والنظام العنصري كان يزعم أن الدين باطل، والآن الدين معترف به.
دعوة الأفارقة السود إلى الإسلام:
وسألت عن دعوة السود إلى الإسلام؟
فقال الأخ أحمد بن محمد صالح: الحركة الإسلامية للدعوة مركزها في مدينة "دربن" والمسئول عنها "إبراهيم دادا" [زرته في دربن كما سيأتي]. والمسئول المحلي في كيب تاون هو "إبراهيم إسماعيل" ولهم جهود كبيرة في مناطق السود.
ومجلس القضاء الإسلامي له برنامج في الإذاعة بلغة السود، يقوم به إسماعيل جمانة.
ودعوة السود تعود إلى عهد الإمام عبد الله هارون، وهو الذي أسس مركزاً لدعوة للسود في مسجد الجامعة.
وقال الأخ شفيق: نحن مسلمون يجب أن نصارح أنفسنا أن جهودنا في الدعوة ضعيفة جداً، والسود يحزنهم ذلك ويصرحون بحزنهم إذا تحدثت معهم.
وقال الأخ أحمد: إن العلاقة مع السود كانت مجرد علاقة عمل، وكان يوجد في تلك العلاقة نوع من الظلم لهم.
ومما أصاب المسلمين بالضرر شيئان:
الأول: أسلوب منظمة الجماهير ضد المخدرات، حيث غلب عليهم العنف، وشوهوا بذلك صورة الإسلام.
الثاني: مؤتمر وحدة المسلمين، الذي طلب المسئولون فيه من المسلمين عدم الدخول في الانتخابات، وهذه الدعوة إلى المقاطعة ليست فيها مصلحة للمسلمين.
وقد شارك 90% من المسلمين في الانتخابات، وكان لمشاركتهم أثر.
وقال الأخ شفيق: إن تأخر المسلمين وبطأهم في العمل له تأثير سلبي على النشطين منهم، فقد كان يوسف داد ـ وهو مشهور ـ نشيطاً في أيام الانتفاضة، ولكنه اعتنق الشيوعية بسبب نشاط أعضائها ومات على المذهب الشيوعي. [لو كان قوي الإيمان فقيهاً في دينه، لاستمر في جهاده ومات على إيمانه].
وأحمد كَنْزَادا كان شيوعياً وسجن مع مانديلا، ثم رجع إلى الإسلام، وحج قبل سنتين. [على عكس يوسف السابق الذكر].
الفرق بين الحياتين:
قلت للأخ شفيق: ما الفرق بين حياتك قبل الإسلام وحياتك بعده؟
قال: الإنسان إذا نطق بالشهادتين، هذا وحده يكفيه، لأنه اعترف بالتوحيد، وتغيرت إنسانيته وشخصيته، وإن كان إسلامه ضعيفاً، لأن الفرص إلى ذهابه إلى الجنة أكثر من فرص ذهابه إلى النار. [ليس قصد الأخ شفيق أن ذلك يكفيه، فلا يحتاج إلى العمل بأوامر الله وترك نواهيه، وإنما مراده أنه إذا دخل في الإسلام وخرج من دائرة الكفر رُجِي له النجاة].
مستقبل المسلمين.
سألت شفيقا عما يتوقعه للمسلمين من مستقبل بعد الانفتاح السياسي؟
قال: إذا استيقظ المسلمون ونشطوا واستغلوا الديمقراطية، فمستقبلهم مشرق إن شاء الله، ومن بوارق الأمل أنهم يتمتعون بحرية لا توجد لغيرهم من الأقليات في كثير من البلدان، ومن الأمثلة: هذه المحطة.
والديمقراطية التي نعيش فيها تدل على احترام الأديان، وهذه فرصة لنشر الدعوة.
وهذا الاحترام لا يمنع المسلم من أداء أعماله والاحتفاظ بشخصيته ودينه، كما يمنح غير المسلم ذلك.
وهذا مثال ودليل على لزوم المحبة بين الناس كلهم، واحترام الإنسانية. [التسامح بين الناس والمعاملة الحسنة، أما محبة المسلم غير المسلم فلا].
جنوب أفريقيا وفلسطين:
قال الأخ شفيق: إن اليهود في جنوب أفريقيا أقوياء جداً في الاقتصاد وغيره، وعندما حصل الانفتاح والانتخابات بعد الانتصار على الحكومة العنصرية، ضعفوا قليلاً، بسبب صلة ياسر عرفات بـ(مانديلا) ولكنهم الآن بدءوا يستردون قوتهم.
قلت: كيف تقارن بين مانديلا وياسر عرفات؟
قال: ياسر عرفات لا شيء بجانب مانديلا!
وقال: إن البيض كانت لهم شركات كبيرة جداً، وبعد الانتخابات اتجهت الحكومة إلى عدم السماح بقيام شركات كبرى تؤثر على غيرها في البلاد، فبدأ البيض ـ وكذا اليهود ـ يحولون شركاتهم الكبيرة إلى شركات صغيرة، والنتيجة واحدة، لأن تلك الشركات الصغيرة تابعة لأصلها، وهي الشركات الكبرى.
ما فاتتني زيارته في كيب تاون:
لم أتمكن من زيارة بعض الأماكن، والاجتماع ببعض الشخصيات، لازدحام العمل اليومي المضروبة مواعيده ـ غالباً ـ كما يتضح من تصفح الزيارات والمعلومات المسجلة في تاريخ كل يوم.
الأماكن التي فاتني الوقوف عليها:
1 ـ جزيرة روبن التي اشتهرت بسبب اعتقال الزعماء السياسيين أو سجنهم فيها قديماً وحديثاً، وكان من آخر الزعماء الكبار الذين سجنوا فيها الرئيس "مانديلا".
2 ـ الاطلاع على قبور الزعماء المسلمين الذين نفاهم العنصريون البيض من جزر الملايو قديماً، وكانوا سبباً في نشر الإسلام في هذا البلد، ومنهم المجاهد المشهور الشيخ يوسف.
3 ـ بعض المتاحف الوطنية.
أما الشخصيات التي لم أتمكن من الاجتماع بهم فمنهم:
1 ـ الشيخ محمد أمين فقير.
2 ـ الأستاذ علي موساجي.
3 ـ وكنت طلبت لقاء آخر مع الدكتور"يوسف داكوستا" الذي اجتمعت به، وأردت أن أستكمل بعض المعلومات التاريخية عن الإسلام والمسلمين، ووافق على طلبي، ولكني لم أتمكن من ضرب موعد آخر معه.
وقد يكون فاتني الاجتماع بشخصيات مهمة لا أعرفها ولم تدرج في جدول زيارتي. وحسبي أني اجتهدت قدر طاقتي، وحسب الوقت المتاح لي، والله وحده المستعان.
زيارة متحف الأسماك:
الجمعة: 19/3/1420هـ ـ 2/7/1999م
أغراني الإخوة في جوهانسبرج وفي كيب تاون بزيارة "متحف الأسماك" في كيب تاون، فذهبنا اليوم إلى المتحف في الساعة التاسعة والنصف، واسمه "أكور يوم AQUAR IUM ) وفيه نماذج من الأسماك الصغيرة والكبيرة إلى سمك القرش، وهي ذات ألوان وأشكال متنوعة، وكلها تدل على كمال قدرة الله الذي خلق. وفي المتحف أنواع من الأسماك المتحجرة. وهنا تذكرت متحف الأسماك الذي زرته في مدينة شيكاغو سنة: 1405هـ ـ 1985م الذي يفوق هذا المتحف بكثير.
هذا مع العلم أن الفضائيات التلفزيونية تبث عن طريق ما سجل في الفيديو من عجائب المخلوقات الحيوانية ـ ومنه الحيوانات البحرية ـ وغيرها ما يصعب الوقوف عليه لكل أحد على طبيعته، وإن كان الوقوف المباشر أفضل وأكمل.
في جامعة غرب الكيب:
ذهبنا ـ بعد زيارة متحف الأسماك ـ إلى جامعة غرب الكيب، حيث كنا على موعد مع "الأستاذ محمد عبد الله هارون" الذي اشتهر والده (عبد الله هارون) بالعلم والدعوة والقدوة الحسنة.
مع محمد عبد الله هارون:
ولد الأخ محمد في 15 أكتوبر سنة 1955م.

دراسته الثانوية كانت في كيب تاون. ودراسته الجامعية في كلية الآداب في جامعة دربن. قسم الدراسات الإسلامية، تخرج سنة: 1977م.
من أساتذته الدكتور سلمان الندوي، وهو موجود في الجامعة إلى الآن وكذلك الأستاذ حبيب الحق الندوي، وقد توفي في السنة الماضية، وكان يرأس قسم اللغة العربية والفارسية والأردية. [وقد اجتمعت به في دربن كما يأتي].
التحق الأخ محمد بمعهد اللغة العربية في جامعة الرياض سنة: 1979 ـ 1980م وكان من أساتذته الدكتور عمر الصديق، ورئيس المعهد الدكتور إسماعيل الصيني.
ثم التحق بجامعة جنوب أفريقيا في (بريتوريا) عن طريق المراسلة، في اللغات السماوية (العربية والعبرية) وتخرج منها سنة: 1984م.
ثم أكمل الماجستير في جامعة كيب تاون في الدراسات الدينية، سنة: 1986م.
ونال شهادة الماجستير في اللغة العربية من جامعة الحرية في أمستردام، وقد أنشئ بها معهد الدراسات الإسلامية الحديث.
وقام بالتدريس في جامعة غرب الكيب، وفصل من العمل في آخر شهر يونيو من هذا العام 1999م بسبب قلة طلاب اللغة العربية، وكان ثالث ثلاثة في قسم الدراسات الإسلامية، ويواصل البحث الآن عن وظيفة.
وسألته عن سبب قلة الدارسين في هذا القسم؟
فقال: أكثر الذين يلتحقون به من المسلمين، وقد قويت الدراسات الإسلامية والعربية الآن في المساجد والمؤسسات الإسلامية، فانصرف الطلاب إليها، لأنهم يستفيدون منها أكثر من الجامعة.
تأسيس جامعة الكيب: وقد أسست هذه الجامعة في عام: 1960م. وكانت خاصة بالملونين. ثم أصبحت في منتصف الثمانينات مشتركة للبيض والسود والملونين. فيها سبع كليات: الآداب، العلوم، طب الأسنان، الصحة، العلوم الاجتماعية، والأديان, عدد الأساتذة فيها: 160 تقريباً.
وعدد الطلاب: عشرة آلاف طالب تقريباً.
نبذة عن الشيخ عبد الله هارون: طلبت من الأخ محمد أن يعطيني نبذة عن والده رحمه الله.
فقال: والدي اسمه الكامل: "عبد الله بن عماد الدين هارون". أصل الجد من إندونيسيا، والجدة من أوربا. ولد سنة: 1924م في كيب تاون. التحق بمدرسة الفلاح في كيب تاون، ولم يكمل فيها دراسته.
سافر إلى مكة لطلب العلم سنة: 1936م. تلقى العلم على يد الشيخ علوي مالكي، بقي في مكة أربع سنوات، وعندما بدأت الحرب العالمية الثانية رجع إلى كيب تاون. واستمر في الدراسة على يد الشيخ إسماعيل حنيف الأزهري، وهو من علماء كيب تاون، وقد ألف عدة كتب بلغة الأفريكانس ـ بالحروف العربية ـ وهي لغة البيض والملونين.
وكان الشيخ عبد الله يحفظ 20 جزءً من القرآن الكريم. وكان يقوم بتدريس الطلاب مبادئ الإسلام في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، والذي شجعه على القيام بالتدريس الشيخ إسماعيل حنيف. وكان يساعد خالته في التجارة.
تزوج في بداية سنة 950م وأنجب ثلاثة أولاد: شاملة ومحمد ـ وهو الذي أدلى بهذه المعلومات ـ وفاطمة.
وفي سنة 1955م أصبح إماماً في مسجد الجامعة، في منطقة: (كْلِيْرْ مونْثْ) ولم يكن يأخذ راتباً على إمامة المسجد، وكان يوزع الحلويات. وكان يحتك بالسود ويدعوهم إلى الإسلام، وأسلم كثير منهم. وقد أصبح معروفاً بين الناس، لأنه كان قدوة حسنة، لذلك أراد الناس أن يعرفوا دينه واحترموه.
وكان يقوم بالدعوة بين السود، مع حركة الدعوة الإسلامية، ومقرها في جوهانسبرج، وهيئات أخرى. وقد سجنته الحكومة البيضاء بسبب نشاطه لأنه كان يعمل مع جبهة سياسية للسود، وهي غير الحزب الديمقراطي، وقد أسست تلك الجبهة سنة: 1959م، وكان يساعد الجبهة بالمال الذي كان يجمعه لأسر المسجونين. وتوفي في السجن في 27 سبتمبر سنة 1969م. ويرى المسلمون أن الحكومة قتلته، وسبب هذا الاتهام أن آثار التعذيب التي وجدت في جسمه.
التفرق موجود والتعاون شبه مفقود!
سألت الأخ محمداً عما يراه من مستقبل المسلمين؟
فقال: المؤسف أن الهيئات الإسلامية لا تتعاون فيما بينها، ومشكلات الملونين نقلت إلى المسلمين السود، يحاول بعضهم إنشاء هيئة خاصة بهم.
والهنود والملونون عندهم أموال، والسود ليس عندهم أموال، ولذلك يحاولون الاستقلال بأنفسهم لشعورهم بأن الهنود والملونين لا يهتمون بهم. ويعتمد مستقبل المسلمين في هذا البلد على تعاونهم مع الآخرين، وكيفية نشاطهم في استعمال الوسائل الإعلامية وغيرها. وخلافات المسلمين في كثير من الأمور ـ وبخاصة في العيد والصيام ـ تؤثر سلبياً في غير المسلمين.
وأحمد قاسم يتكلم ضد العلماء ولا يتعاون معهم [هذه هي حالة المسلمين تقوم جماعة، فتنشق عنها أخرى، ثم يتهم زعماء كل جماعة أن الزعماء الآخرين لا يريدون التعاون معهم، أحمد قاسم ـ كما سبق ـ أنشأ مؤتمراً لاتحاد المسلمين، وقال: إنه دعا الآخرين للتعاون معه فرفضوا! أين يكمن الداء؟ يبدو أنه في الحرص على الزعامات والمصالح الشخصية، والله اعلم بعباده]. ويتهمه مجلس القضاء الإسلامي بالأفكار الشيعية، وأرى ـ هذا من كلام محمد هارون، وهو ما يصرح به أحمد قاسم وجماعته ـ أننا لا نستطيع اتهامه بذلك، وإن كانت ثورة إيران أثرت على الجميع، [في النشاط السياسي]. ولكن كثير من المسلمين لم يغيروا فكرهم إلى الفكر الشيعي.
وداعاً كيب تاون؟
قضيت في مدينة الكيب عشر أيام، كلها عمل، لم أقعد يوماً واحداً بلا لقاءات ومواعيد، وحاولت الاجتماع بجميع المؤسسات الإسلامية، وزعماء المسلمين وعلمائهم، وبذل الأخوان: محمد نور ومحمد الأعمش قصارى جهدهما في مساعدتي ـ بتحديد المواعيد، والمصاحبة، والترجمة، والتنبيه على بعض الأمور التي أجهلها...
ولكن الزمن المحدد للبقاء في هذه المدينة قصير، وبعض العلماء الذين تقررت زيارتي لهم جاءتهم ظروف طارئة فاعتذروا، وكان بعضهم مسافراً، فكان ضيق وقتي من جانب، وأعذارهم من جانب سبباً في عدم تحقيق الرغبة الكامل، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، ولعلي قد تمكنت من زيارات غالب المؤسسات الإسلامية ـ على تنوعها ـ المشهورة، والعلماء والزعماء المشهورين.
أما مدينة الكيب، فإن جمالها الطبيعي ـ من بحار هادرة، وخلجان متداخلة، وسلاسل جبال متواصلة، ومبان عالية متناسقة، ومقصورات جميلة ذات حدائق مبهجة، ومزارع واسعة مثمرة، وأزهار ذات ألوان للناظرين إليها سارة، وطقس ممتع ذي هواء عليل، ومساجد مآذنها في السماء عالية يرجع طرْف عدوها عنها كليل، وحفظة لكتاب الله يتلونه تلاوة مؤثرة، يهدي به الله من اتبع رضوانه إلى مصالحه في الدنيا والآخرة.
إن ذلك كله وغيره يغري الزائر لمدينة الكيب بعدم مغادرتها السريعة العاجلة، ولكن الحياة كلها إقامة يسيرة وارتحال، ومكث قصير وانتقال، ولا يمكن أن يبقى على ظهرها مخلوق دائماً على حال.
والذي أوجد "كيب تاون" وما فيها من جمال، هو الذي أوجد "دربن" التي سأكون فيها غداً ـ إن شاء الله ـ على أحسن حال.
ملحوظتان:
الملحوظة الأولى: لا يزال البيض هم المسيطرين على شئون البلاد عامة، ولذا ترى عدداً كبيراً من العاملين السود يديرهم رجل أبيض أو امرأة بيضاء.
الملحوظة الثانية: الداعمون للنشاط الإسلامي بالمال ـ في داخل البلد وخارجه ـ تنقصهم دراسة المؤسسات الإسلامية والعاملين فيها، والمقارنة بين تلك المؤسسات وأولئك العاملين، ليضعوا أموالهم في المواقع التي يتحقق بها البلاغ المبين بالدعوة والتعليم ووسائلهما.
ولهذا ترى بعض المؤسسات الصغيرة النشيطة، مع تفقه أفرادها في الدين وقدرتهم على إقامة الحجة والبرهان على ما يدعون إليه، ويظهر عليهم الإخلاص في دعوتهم، ولا ينقصهم إلا المال وأدوات التعليم ووسائل الدعوة المادية، مثل الاتصالات والمواصلات والكتب والطابعات والمباني المدرسية والمساجد، ولا يتحدثون عن أنفسهم وأعمالهم.
وتجد مؤسسات أخرى عندها قلاع من المباني المدرسية والمساجد الكبيرة، ونشاطهم قليل جداً، والأموال تتدفق عليهم، ولهم ضجيج إعلامي بتفخيم أعمالهم والمبالغة في الثناء على أنفسهم، وهم كما قال المثل: "أسمع جعجعة ولا أرى طحينا!"..
السفر إلى مدينة دربن:
ودعني الإخوة: محمد الأعمش، ومحمد نور، والشيخ أمين الله في مطار كيب تاون، وأقلعت الطائرة في الساعة الخامسة والنصف مساء، وبعد ساعة هبطت في مطار لا أدري في أي مدينة، فسألت جاري: أي مدينة هذه؟
قال: بورت إلازبيث، ثم فتحت مجلة الخطوط الموجودة في جيب المقعد، فوجدت اسم المدينة بالحروف الإنجليزية، هكذا "PORT ILAZABETH" وتقع على ساحل المحيط الهندي. وبعد أن نزل ركاب وصعد آخرون أقلعت الطائرة بعد مضي نصف ساعة.
الطعام الحلال:
كان المضيفون قد قدموا وجبة خفيفة للركاب بعد إقلاع الطائرة من مطار كيب تاون، فلم أتناول شيئاً لأني لم أكن في حاجة إلى طعام، وبعد إقلاعها من مطار بورت إلازبيث قدم المضيفون وجبة أخرى، فتناولت الصحن الذي قدم لي، وسألت المضيفة: هل هو حلال؟ قالت: لا. وأخذته بسرعة وجاءت بصحن آخر، وقالت: هذا حلال. وعندما رفعت غطاءه وجدته مكوناً من السمك السلطة الخضراء. والطعام الحلال في جنوب أفريقيا معروف لدى جميع العاملين في المطاعم والفنادق والطائرات والبواخر وغيرها. والسبب في ذلك حرص المسلمين من قديم الزمان على اجتناب الطعام الحرام، حتى بعض الفسقة من المسلمين يتحرون الطعام الحلال ولو تناولوا الشراب الحرام، ونظراً لحرص الشركات والفنادق وأهل المطاعم على الحصول على الربح، ووجود المسلمين في كل المناطق في البلاد، ووجود مطاعم لهم توفر الحلال، ووجود مرجع للمسلمين يصدر التصريحات للمطاعم بأن هذا حلال وهذا حرام، فقد اضطرت جميع الشركات التي تبيع الطعام أن توفر الطعام الحلال، لذلك لا يخشى المسلم في هذا البلد من معرفة الحلال والحرام من الطعام، فمجرد كلمة حلال كاف في أن يقال لك: نعم أو لا.
في مطار دربن:
هبطت الطائرة في مطار دربن في الساعة الثامنة مساء، وبهذا تكون مدة الطيران الفعلي بين كيب تاون ودربن ساعتين.
وجدت في استقبالي الأخ عبد الوهاب خان، مدير مكتب لجنة مسلمي أفريقيا في دربن، والأخ يوسف ـ وهو طالب في شعبة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ـ وحسن المغربي، وهو مترجم في مكتب لجنة مسلمي أفريقيا.
اختلاف العهدين:
كنت حجزت في فندق رويال في دربن، قبل أن أسافر من جوهانسبرج إلى كيب تاون، وعندما سألت الأخ عبد الوهاب: كيف الفندق؟ قال: إنه ممتاز.
وعندما دخلت الغرفة وجدتها ضيقة وبها سريران وفي الطوابق السفلى، قلت: أريد سريراً كبيراً وأريد في أحد الطوابق العليا، واتصلوا بالموظفين في الفندق، فقالوا لهم: لا توجد إلا هذه الغرفة فارغة، ونظرت إلى دليل الخدمة الموجود على الطاولة، فإذا اسم الفندق: "هولدي إن" قلت لهم: من حجز لي في هذا الفندق؟ قالوا: نحن، قلت: ألم يقل لكم الأخ فريد أنني قد حجزت في فندق رويال؟ قالوا: لم يقل لنا. قلت: هذا رقم الحجز في الفندق فاتصلوا به ووجدوا الحجز فيه مؤكداً. وذهبنا إلى الفندق الآخر، وظهر أن العهدين مختلفان فـ(ألـ) العهدية عندي غير: (ألـ) العهدية عندهم.