1- في مدينة جوهانسبرج
1- في مدينة جوهانسبرج
استقبال مريح في مطار جوهانسبرج:
كنت متعباً جداً لطول السفر، وكنت أفكر في الوقوف الطويل المعتاد أمام موظفي الجوازات، ثم في انتظار الحقائب.
ولكني قبل أن أقف في صف الركاب أمام موظفي الجوازات، رأيت رجلاً أبيض طويلاً ضخم الجثة يرفع لوحة كتب عليها لقبي (ALAHDAL) فاقتربت منه وحركت رأسي له إشارة إلى أني صاحب هذا اللقب، فقال: "COME WITH ME " أي اتبعني.
وأخذ الجواز وناول موظف الجوازات فختمه، ثم ذهب بي إلى قاعة استقبال فخمة، حيث وجدت الأخ محمد فريد شونارا والشيخ أحمد فيصل في انتظاري، وكان الرجل الذي استقبلني موظفاً في شركة تقدم الخدمات للأعضاء المشتركين معها.
ثم أوصلني الإخوان إلى الفندق المذكور سابقاً، وهو يقع في منطقة راقية نظيفة، تقع بها الفنادق الكبيرة والمؤسسات المهمة، وهي من المناطق التي يملكها القابضون على عصب الحياة في البلد، وهو الاقتصاد والتجارة والمال، وبالمنطقة البنوك والمؤسسات التجارية، وبالقرب من الفندق يقع مبنى الإذاعة الصهيونية.
لذلك كانت هذه المنطقة التي يطلقون عليها اسم (SANDATON) من المناطق الأكثر أمناً من غيرها.
وكانت الحراسة في المنطقة شديدة، وهي حول الفندق وعلى منافذه وفي ممراته أشد، بسبب احتفال أهل البلد بانتقال الرئاسة إلى زعيمهم الجديد، وكثرة الضيوف من رؤساء الحكومات والوزراء الذين وفدوا للمشاركة في الاحتفال من دول العالم.
وكانوا قد قالوا لي - قبل أن يحجز لي مدير محطة الخطوط السعودية في هذا الفندق (هيلتون): إن أجرة الفندق إذا أمكن الحصول على حجز الإقامة فيه أكثر من ثلاثمائة دولار في الليلة الواحدة، ولكنها ـ بعد ذلك - أصبحت أقل من سبعين دولاراً، مع العلم أن الفندق حديث الإنشاء جديد التأثيث، سريع الخدمات متوفر المرافق.
وقد طلبت من الإخوة أن يدعوني أرتاح بقية هذا اليوم.
وبعد صلاة المغرب زارني الأخ محمد بن عبد الحق وادي أحد طلاب جنوب أفريقيا في شعبة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكنت قد اتصلت به هاتفياً قبل سفره إلى بلاده، وطلبت منه أن يساعدني في الترجمة عند قدومي إلى جوهانسبرج.
كما جاءني الشيخ أحمد فيصل، واتفقنا على أن نلتقي غداً في مكتب لجنة مسلمي أفريقيا للاطلاع على جدول الزيارة الذي وضعه مدير المكتب "محمد فريد شونارا".
يوم الثلاثاء 2/3/1420هـ ـ 1999م
جاءني الأخ أحمد فيصل في الصباح مع السائق الماهر: عبد الله ملاوي الذي استؤجر على حسابي، مقدار الأجرة 25 دولاراً في اليوم، للذهاب إلى مكتب لجنة مسلمي أفريقيا للاطلاع على جدول الزيارات والبدء في العمل.
وقد طلب مني الأخ أحمد فيصل أن نمر بمنزله ليريني مكتبته، وهو يسكن في منزل مستأجر صغير، ولذلك فرق كتبه في عدد من الغرف، وهو يشكو من ضيق أمه بكتبه، لضيق المنزل، ولجهلها بحاجة الطالب إلى كثرة المراجع تقول له: ما حاجتك إلى هذه الكتب كلها، خذ لك كتاباً أو كتابين وأخرج بقية الكتب!
هذا مع أن كتب الأخ فيصل ليست كثيرة، إذا قورنت ببعض المكتبات الشخصية، ونظر فيها إلى حاجته، وهو - كما بدا لي ـ مجتهد في طلب العلم الشرعي، وعنده طموح في أن يصبح قادراً على الإفتاء بالراجح من أقوال العلماء على ضوء الكتاب والسنة، بخلاف ما يراه من جمدوا على فتاوى علماء الحنفيين الذين يسيطرون على المسلمين بفتاواهم في هذا البلد.
في مكتب لجنة مسلمي أفريقيا:
اجتمعت بالأخ محمد فريد شونارا مدير المكتب الذي قد بدأ اتصالاته بالمؤسسات الإسلامية والعلماء، لتحديد مواعيد لقاءاتي بهم.
وقد تم تحديد زيارة اليوم لبعض المدارس في إحدى المدن التابعة لمنطقة جوهانسبرج، وهي: (لينسيا LENASIA ) وهي تقع جنوب غرب مدينة جوهانسبرج على بعد 37 كيلاً، واتُّفِق مع الطالب في السنة الأولى من كلية القرآن في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة "إبراهيم بن حسن أبْرَمْجِي" أن يصحبني إلى تلك المدارس، ليعرف المسئولين عنها بالضيف والغرض من زيارته، ويقوم بالترجمة بينه وبينهم.
والأخ إبراهيم عمره: 21 عاماً، حفظ القرآن الكريم وعمره 10 سنوات في "دار العلوم زكريا". [غالب المدارس يسمونها بأسماء مؤسسيها].
في مدرسة نور الإسلام:
الاجتماع بمدير المدرسة:
وقد بدأنا بزيارة مدرسة نور الإسلام، واجتمعنا بمدير المدرسة الأستاذ "أحمد بن إبراهيم بيات" الذي يبلغ من العمر 51 عاماً.
تخصصه: دراسات عليا في التربية. وعنده أربعة أولاد.





أنشئت المدرسة سنة: 1988م.
وكانت خاصة بالبنات، وكان عددهن قليلاً.
ثم فتحت مدرسة ثانوية للبنات.
وفتحت مدرسة للبنين والبنات ـ في فصول مستقلة - تشمل جميع المراحل الدراسية من الابتدائية إلى الثانوية.
كان عدد طلاب المدرسة 18 طالباً في البداية.
والآن عدد الطلاب: 261 طالباً وطالبة، عدد الطلاب 133، وعدد الطالبات: 128.
وعدد المدرسين: 5 وعدد المدرسات: 12.
ومنهج المدرسة يشمل المواد الإسلامية ومواد المدارس الحكومية.
والاختبار في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية يأتي من قبل وزارة التعليم.
ويمكن لطلاب المدرسة أن يواصلوا دراستهم في الجامعات الحكومية.
وعندهم رغبة في بعث بعض طلاب المدرسة إلى بعض الجامعات العربية، ليعودوا مدرسين للغة العربية والمواد الإسلامية باللغة العربية.
ويوجد في المدرسة 8 طلاب من السود غير المسلمين، لأن الحكومة تقدم مساعدات قليلة لمثل هذه المدارس التي تجمع بين المنهجين، تشترط دخول طلاب غير مسلمين فيها.
توجد في جنوب أفريقيا 55 مدرسة خاصة على غرار هذه المدرسة، وبعض المدارس أكبر من بعض.
وذكر مدير المدرسة أنه يوجد في العالم كله سبعمائة مدرسة من نوع هذه المدرسة، منها مدرسة يوسف إسلام في بريطانيا.
ويتم اجتماع للمسئولين عن المدارس الخاصة في جنوب أفريقيا مرة كل سنة.
ويتم اجتماع المسئولين في المدارس العالمية المماثلة مرة كل سنتين، لتبادل الخبرات واستفادة بعضها من بعض.
ويتأثر الطلاب غير المسلمين بأخلاق زملائهم المسلمين، وبأخلاق المدرسين والمدرسات، وينقلون لآبائهم ما فهموه من مبادئ الإسلام.
أسباب إنشاء المسلمين لهذه المدرسة وأمثالها:
السبب الأول: تأثر أبناء المسلمين بغيرهم عندما كانوا يدرسون في المدارس الحكومية في الصباح قبل عشرين سنة.
السبب الثاني: أن أبناء المسلمين كانوا إذا عادوا من المدارس الحكومية يضطرون أن يدرسوا في المساجد بعد الظهر المواد الإسلامية، فيرهقهم ذلك مع قلة الفائدة. [أكثر أبناء المسلمين لا زالوا على هذا الحال، لقلة المدارس الخاصة الشبيهة بهذه المدرسة، ولعدم قدرة بعض الآباء دفع الرسوم المطلوبة فيها، أو لتساهلهم في هذا الأمر مع يسر حالهم].
السبب الثالث: عدم دراسة أبناء المسلمين في المدارس الحكومية يحرمهم من مواصلة دراستهم الجامعية، ويحرمهم من تولي وظائف في الدولة. [توجد مدارس دينية لا يدرس طلابها في المدارس الحكومية].
وتأخذ المدرسة رسوماً من أسر الطلاب الملتحقين بها.
وقال المدير: إن الهنود كانوا يسكنون وحدهم، والسود يسكنون وحدهم والبيض يسكنون وحدهم، في أيام التفرقة العنصرية، والآن يتجاور بعض السود الفقراء مع الهنود.
وسألته عن الاهتمام بدعوة غير المسلمين؟ فقال: يوجد شيء من الاهتمام بذلك، ولكنه قليل.
وسألته: هل يفهم المسلمون كلهم فروض العين؟
قال: يفهمون، ولكن عملهم بها ليس كاملاً، ويتأثر بعضهم بالكفار.
وعدد السكان في هذه المنطقة ـ التي فيها المدرسة ـ 27500 نسمة، 50% منهم تقريباً مسلمون.
وكان مع المدير مساعده: رشيد أحمد شوبْدا، وعمره: 45 عاماً.
وبعد هذا اللقاء اجتمع المدرسون والمدرسات والطلاب والطالبات، ورحب المدير بالضيف وعرف الحاضرين به وببلده، وعندما سمعوا ذكر المدينة أطلقوا أصواتاً خفيضة للتعبير عن سرورهم وحنينهم ثم طلب مني أن ألقي كلمة توجيهية، ففعلت، ثم قدم بعضهم أسئلة، وأجبت عنها.
في مدرسة المسلمين في (لينسيا LENASIA):
واجتمعنا بمدير المدرسة الشيخ "محمد بن إبراهيم نانا باي" (قال لي: معنى ناناباي: أخوك الصغير).

ولد سنة: 1950م وتعلم في جامعة العلوم الإسلامية في كراتشي ـ التي أسسها الشيخ البنوري ـ ومديرها الآن الشيخ عبد الرزاق اسكندر. [وهو زميلي في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة].
وهي مدرسة دينية بحتة يدرس طلابها في الصباح في المدارس الحكومية، وبعد الظهر يدرسون فيها العلوم الإسلامية.
أنشئت المدرسة سنة: 1960م وكان عدد طلابها 24 طالباً.
وعدد طلابها الآن: 2500 طالب وطالبة أكثرهم من الطالبات.
وعدد المدرسين 59 مدرساً، وعدد المدرسات 110 مدرسات.
في المدرسة الإسلامية في منطقة (روشتي ROSHNEE):
مدير المدرسة "إدريس خميسة" لم يكن موجوداً، وعمره: 45 سنة، وليس عنده أولاد.

وجدنا نائب المدير، واسمه "سليمان أحمد". عمره 54 سنة.
تخصصه: دراسات عليا في التربية والتعليم. ويقوم بالتدريس منذ 32 عاماً.
عنده ابنان وبنت.
أنشئت المدرسة سنة: 1988م وكان عدد طلابها 86 طالباً، وعدد المدرسين: 6.
وهي مدرسة خاصة تجمع بين المنهجين: الإسلامي والحكومي.
والآن عدد الطلاب: 450 طالباً.
الأبناء: 220 من، والبنات: 230.
عدد المدرسين:
ويوجد في المدرسة مدرسون ومدرسات من غير المسلمين، لتدريس المواد غير الإسلامية.
وفي المدرسة: 35 فصلاً. وفيها فصل خاص بتعليم الكمبيوتر، فيه 25 جهازاً.
وكان أحد المدرسين حاضراً هذا اللقاء، وهو عبد السلام خان، عمره: 36 عاماً، عنده ثلاثة أولاد، تعلم اللغة العربية في جامعة "دربن" ويقوم بتدريس اللغة العربية في المدرسة باللغة الإنجليزية.
وقد دخلت إحدى المدرسات في الإسلام.
وكان يوجد في المدرسة طلاب غير مسلمين، ولكنهم تركوا المدرسة، لأنهم لا يريدون دراسة المواد الإسلامية.
وقد دخل طالبان في الإسلام بعد ستة أشهر من التحاقهما بالمدرسة.
عدد المسلمين في منطقة المدرسة: 7500 أسرة.
وعدد غير المسلمين ـ وهم من الهنود الوثنيين ـ 200 أسرة.
دعوة غير المسلمين:
بدأ نشاطهم في دعوة غير المسلمين قبل سنة من الآن.
كانوا أولاً يذهبون إلى مناطق السود لتقديم المساعدات المادية لهم، كالطعام والملابس.
والآن يذهب عدد من الطلاب والطالبات والمدرسين والمدرسات، وبعض الدعاة كل أسبوع إلى منازل السود للدعوة.
ولم يدخل أحد في الإسلام إلى الآن.
وقالوا: إن الشيعة بدءوا ينشطون في البلد، ولكنهم لم يدخلوا في هذه المدينة إلى الآن.
مساكن الهنود ومساكن السود:
كنا نسير في الطريق بين مناطق هذه المدارس، فنرى في جانب من الطريق مساكن الهنود: مقصورات ـ فلل - أنيقة نظيفة تشتمل بعضها على حدائق صغيرة، تبدو على أهلها حالة النعمة، ونرى في الجانب الآخر مساكن السود الصغيرة المبنية من الخشب وصفائح الزنك، وحالة البؤس والشقاء.
تجوال في يوم إجازة:
الأربعاء: 3/3/1420هـ ـ 1999م
هذا اليوم هو يوم إجازة سكان جنوب أفريقيا، الذي يتسلم فيه الرئيس الجديد "مبيكي" الرئاسة من الرئيس القديم "مانديلا" ولهذا لم تحدد لي فيه مواعيد لقاء مع أحد.
لذا طلبت من الأخ أحمد فيصل أن نقوم بجولة في بعض معالم المدينة.
حديقة الحيوان في جوهانسبرج (THE JOHANNESBURG ZOO):
وقد بدأنا بزيارة حديقة الحيوان، وهي حديقة واسعة يتجول فيها كثير من الناس على عربات صغيرة ـ بعضها أوسع من بعض - يستأجرونها ويقودونها بأنفسهم.
وكنت أرغب في المشي السريع، لأجمع بين رؤية الحيوان وقسط من الرياضة، ولكن الأخ أحمد ـ مع رغبته في خدمة ضيفه وبالرغم من كونه مشغولاً هذه الأيام بامتحانات طلابه في مدرسة إسلامية يقوم بالتدريس فيها ـ لم يكن يأتني ـ غالباً ـ دون أن يصحب معه طفليه: "ساجد" الذي يبلغ من العمر سنتين وستة أشهر تقريباً، وأخته "ساجدة" التي تبلغ سنة وستة أشهر كذلك.

وقد أخذهما اليوم معه عندما ذهبنا إلى الحديقة في الساعة التاسعة والنصف صباحاً، والغريب أن كلا منهما كان يحمل معه كيساً من القماش ـ يعرقل سيره - ولا أدري عن محتواه، وكان الأب مضطراً إلى المشي مع ولديه رويداً رُويدا، وعندما شعر بأنهما يبطئان بسيرنا حاول جر ساجدة التي تقف هنا وتتلفت هناك، وهي تأبى إلا تنفيذ رغبتها، وهو يجاملها ويصبر على عنادها، ولعل السبب في ذلك خوفه من شكواها إلى أمها المغربية، والمغاربة مشهورون بسرعة الغضب وشدته.
وعندما رأيت بطأ سير الرجل وطفليه أخذت أسرع الخطا، فحفزه ذلك على حمل ساجدة وكيسها ومحاولة اللحاق بي.
وكان يحاول أن يذكر لي أسماء بعض الحيوانات باللغة الإنجليزية، ولكن ساجداً وساجدة يحولان بينه وبين ذلك، لهذا كان يناديني قائلا: شيخ! ـ أي يا شيخ - ثم يتركني ويقول: ساجد أو ساجدة! منكراً عليهما تصرفاتهما، وهكذا مضى أحمد فيصل في الحديقة يكرر: شيخ ـ ساجد ـ ساجدة!
وعندما تعب من حمل ابنته ويئس من طاعتها لأوامره اشترى لطفليه عصيراً بارداً وجلس معهما على مقعد خشبي تحت شجرة ليسقيهما ويرتاح معهما.
ولم يكن في الحديقة جديد من الحيوانات بالنسبة لي، لأني قد زرت حدائق حيوانات في كثير من بلدان العالم التي زرتها تفوق هذه الحديقة، ومن الحيوانات التي رأيناها في هذه الحديقة: الفيلة والزرافات والقرود والأسود والفهود والأفراس...
إلى مركز مدينة جوهانسبرج والصعود على أعلى عمارة في إفريقيا:
(THE CARLTON CENTER)
ثم خرجنا من الحديقة قاصدين مركز المدينة ـ ورأى الأخ أحمد أن يمر بمنزله ليترك طفليه عند أمهما ليتخفف منهما، وربما خوفاً عليهما من الإجرام الأسود كما شعرت بذلك فيما بعد ـ وذهبنا إلى وسط المدينة الذي تقع فيه البنايات الشاهقة، المحيطة بأعلى عمارة في المدينة - بل في أفريقيا كلها كما قيل لي - وتتكون من 50 طابقاً.
لا بد من دعاء نبي الله يونس بن متى!
عندما وقفت بنا السيارة بجانب العمارة لننزل، قالي الشيخ أحمد فيصل: قل قبل أن تنزل: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} وانزل بسرعة، قلت: لقد أمرتني بحق ـ وقلت ذلك ـ ولكن لماذا في هذا المكان بالذات؟
قال: إن السود يكثر تجمعهم هنا، وكثير منهم مجرمون، ينهبون الأموال وقد يقتلون الشخص الذي لا يستسلم لهم!
وعندما نزلنا رأيت ما ذكره الأخ أحمد ماثلاً للعيان ن فالشوارع مزدحمة بالسود الذين لا تكاد ترى عينك فيها غيرهم، وهم يتخاصمون فيما بينهم بأصوات عالية، وبعضهم يحملون عصياً، ولا يبعد أن يحمل بعضهم أسلحة نارية يخفونها، وهم يكثرون من التلفت هنا وهناك بنظرات مخيفة، لذلك أخذت بنصيحة صاحبي فكنت أكرر: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}.
وهنا فقط سلمت حقيبتي لرفيقي!
كنت دائماً أحمل حقيبتي التي تحتوي على عُدَّة زياراتي ومقابلاتي: الدفتر والأقلام والمصورة ـ الكاميرا ـ وكثيراً ما يحاول المرافقون مساعدتي بحمل الحقيبة، فلا أسلمها لأحد حرصاً على أن أكون دائماً متيقظاً لوجودها في يدي خشية أن أغفل عنها أو أنساها.
ولكني ـ هنا ـ طلبت من رفيقي أن يحمل حقيبتي، خوفاً من أن يختطفها أحد هؤلاء السود، وقلت لصاحبي: انتبه أنت للحقيبة، وسأنتبه أنا للمصورة وإنما سلمته الحقيبة لدلالة لباسه على كونه من أهل البلد، بخلاف لباسي الذي يدل على أنني زائر أجنبي، وذلك يغري المجرم بالإقدام على إجرامه!
وصعدنا إلى الدور الخمسين عن طريق المصعد الكهربائي السريع، ومن هناك رأينا كثيراً من أحياء المدينة وأطرافها، والتقطت لها بعض الصور.
ولله في خلقه شئون!
لقد أصبحت هذه العمارة والعمارات الكبيرة المجاورة لها ـ من فنادق وأسواق وشركات والتي ما كان يجرؤ على دخولها والاقتراب منها إلا أهلها من البيض، أو خدمهم أو المتسوقون والسائحون ـ أصبحت فارغة من سكانها وتجارتها وسائحيها، ولا يوجد في بعض شققها من البيض إلا النادر من فقرائهم مع خوفهم الشديد من اعتداء السود عليهم.
وأصبح السود وحدهم يتجولون في شوارع مركز مدينة جوهانسبرج ويسرحون ويمرحون، ولله في خلقه شئون!
ثم رجعنا إلى الفندق بعد أربع ساعات وثلاثين دقيقة في جولتنا اليوم: ثلاث ساعات في الحديقة، وساعة وثلاثين دقيقة في العمارة المذكورة.
إمهال لا إهمال!
لقد كان البيض يعاملون السود ـ وغيرهم ـ وهم أهل البلاد معاملة لا يعاملون بها أحقر الحيوانات.
إنهم يربون الكلاب في منازلهم ومكاتبهم، ويعدون لها الملابس ويمهدون لها أماكن نومها، ويحضرون لها الطعام الخاص، وينظفون أجسامها، ويمشطون شعورها، ويحتضنونها، وقد تبيت معهم على سررهم، ويمنحونها الأغطية والمدافئ التي تقيها من البرد.
وتأبى نفوسهم بل تتقزز أن يجاورهم "الإنسان الأسود" في السكن أو في المركب أو في الدكان أو في المدرسة، بل في الكنيسة التي [التي يزعمون أنها مكان عبادة لله!] بل في المقبرة التي تبلى فيها الأجساد وترم!
كان البيض يستخدمون السود في الأعمال الحقيرة ـ ولا زالوا ـ ويستأثرون عليهم بخيرات بلادهم ـ ولا زالوا ـ ولكنهم ـ البيض ـ تركوا الآن كثيراً من أحيائهم ومساكنهم ومعارضهم التجارية، وقصورهم الشاهقة، وفنادقهم الممتازة، وانتقلوا إلى ضواحي المدن هرباً من اعتداء مَن كانوا يهينونهم عليهم، ينشدون الأمن والرعب يهز قلوبهم هزاً.
وأصبح السود - الذين حال البيض بينهم وبين العلم الرقي والتقدم ـ يصولون ويجولون في الأحياء البيضاء التي كانت محرمة عليهم، كما أصبح ساستهم يحكمون بلادهم، بعد أن استعبدهم البيض أكثر من ثلاثة قرون.
ولولا أن هيأ الله للبيض الرجل "الأسود" العاقل الرزين "مانديلا" الذي ذاق في سجونهم ومعتقلاتهم الذل والهوان طول حياته، فعفا عنهم وصفح وحث أبناء بلده على العفو والصفح، لولا ذلك لأكل السود قلوب البيض وأكبادهم، ولم يتركوا لهم مالاً ولا عرضاً، ولأجلوهم من بلادهم فخرجوا منها صاغرين.
وفي هذا عبرة وعظة للطغاة الظالمين الذين إذا تولوا في الأرض تكبروا وأهلكوا الحرث والنسل، وأخذتهم العزة بالإثم، فإن الله تعالى يمهل ولكنه لا يهمل، وإنه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
الأثر يدل على المسير!
وإن الأثَرَة التي عامل بها البيض غيرهم ـ وبخاصة السود ـ والاستبداد الذي مارسوه ضدهم لماثلان للعيان.
فالمباني الراقية والمقصورات الجميلة الواسعة، ذات البساتين والحدائق الغناء المبهجة، والمساكن الهادئة التي لا تعلو فيها الأصوات، ولا يسمع فيها ضجيج السيارات، علامة على أن سكانه ـ غالباً ـ من البيض. [هذا الاحتراز المقصود به أنه قد يوجد اليوم ـ بعد تسلم السود الحكم ـ بعض رجال الدولة من قد يكون له مثل تلك المساكن، وللهنود وضعهم الخاص إذ يوجد كثير منهم أغنياء].
وأما السود فلا يسكنون إلا في الأماكن النائية عن المدن، وإنك لتسير في الشارع البعيد عن المدينة فترى على يمينك المقصورات الراقية الدالة على نعيم سكانها المادي، وترى على يسارك تلك الزرائب الضيقة المبنية من صفائح الزنك والخشب، تتكدس في المسكن الواحد منها أسرة كاملة يبدو على أفرادها البؤس والشقاء، وهم اليوم يعتبرون أنفسهم محظوظين، لأنهم استطاعوا أن يسكنوا في أماكن كان محظوراً عليهم المرور بها.
القيادة الجديدة وتبعاتها:
نعم أصبحت القيادة الظاهرة للدولة في جنوب أفريقيا بيد أهلها "السود" القيادة التنفيذية، والقيادة التشريعية، والقيادة الاجتماعية، فهل ستكون هذه القيادة مؤهلة للسير ببلادها إلى الرقي والتقدم، ويكونون ـ فعلاً ـ هم القادة صورة ومعنى؟ أو صورة لا معنى؟
لقد بنى البيض البلاد بناء مادياً واضحاً ـ وإن كانت معاملتهم لمن سواهم ظالمة ـ يظهر ذلك البناء في كل المرافق، من مواصلات واتصالات وغيرها، وثبتوا فيها النظم الإدارية، وأهلوا لإدارة البلاد قومهم تأهيلاً فائقاً.
وتسلم السود بلادهم عامرة لا تحتاج مرافقها إلا إلى الحفظ والصيانة والتحسينات.
ولكن عامة الأفارقة السود ينقصهم التعليم والتأهيل والتدريب، وفقد هذه الأمور مؤذن بخراب البلاد وفساد العباد، ولهذا فإن على قادتهم مسئوليات عظيمة لا يمكن أن ينجحوا في حكم بلادهم، ورفع مستوى أمتهم إلا إذا قاموا بتلك المسئوليات، وتتلخص في خمس مهمات:
المهمة الأولى: أن يجتهدوا في تعليم قومهم وتأهيلهم وتدريبهم، ليستمروا في بناء بلادهم بإدارة ذات كفاءة عالية ونظام دقيق، في أي موقع من مواقع أعمالهم، هذه هي المهمة الأولى التي يجب أن ينهضوا بها لأمتهم.
وينبغي أن لا يستعجلوا فيمكنوا أحداً من تولي عمل دون أن يكون مؤهلاً له لما في ذلك من الإسراع بإفساد مرافق البلاد.
المهمة الثانية: أن يسلكوا في حكم بلادهم مسلكاً ديمقراطياً سليماً، تتمكن به الأحزاب والقبائل من تداول السلطة بطرق سلمية سليمة، وأن ينبذوا التنافس الحزبي والصراع القبلي اللذين يحدثان التقاتل والتشاحن المنتشرَين في كثير من البلدان الأفريقية، فتصاب البلاد بسبب ذلك بالدمار والخراب، وتسفك فيها الدماء وتنتهك الحرمات.
المهمة الثالثة: القيام بالأمانة في مسئولياتهم والبعد عن الخيانة في أملاك الدولة وميزانيتها.
المهمة الرابعة: العدل بين جميع السكان، لأن الدول لا تدوم ولا يستقيم أمر رعاتها ورعاياها بدون العدل.
المهمة الخامسة: الحذر من أن يكونوا حكاماً في الصورة دون المعنى، ويبقى البيض هم الحكام من وراء ستار، بسبب قوتهم الإدارية والاقتصادية والمالية.
وإن من أشد الفئات خطراً على بلادهم أن يسيطر اليهود ومؤيدوهم على اقتصاد البلاد وإعلامها وثقافتها، لأنهم بسيطرتهم على ذلك تجعلهم يتحكمون في مصير البلاد بأسرها فيبقى أهل البلاد حكاماً بالاسم، ويكون غيرهم حكاما بالفعل...
زيارة أخوين صوماليين في الفندق:
هذا وقد زارني بعد صلاة المغرب في الفندق الأخ "قَرَني عبده محمد" الصومالي، البالغ من العمر 32 سنة، وهو من الطلاب الذين تعلموا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، تخرج في كلية الدعوة وأصول الدين سنة: 1402هـ، ويقوم بالتعليم في "مدرسة البيان الإسلامية" للجالية الصومالية في جوهانسبرج.
وهو ـ في الأصل ـ داعية متعاقد مع وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية.
وكان يرافق الأخ قرني طالب صومالي، وهو "محمد حسن مهدي" في قسم الكمبيوتر بجامعة: (أكسفورد OXFORD BROOKES) وعمره 25 عاماً.
مع مدير مدرسة المسلمين (يحيى بن عبد الله بام):
الخميس 4/3/1420هـ ـ 17/6/1999م
في صباح هذا اليوم قمنا بزيارة مدرسة المسلمين في مدينة "لينيسيا" واجتمعنا بمديرها: الشيخ "يحيى بن عبد الله بام".
ولد سنة: 1955م
تعلم في دار العلوم قي الهند في مدينة: "سهار نغور" وكان تخرجه منها سنة 1983م
من أساتذته المشهورين شيخ الحديث الشيخ زكريا رحمه الله، وتلميذه الشيخ يونس، والشيخ صديق باندوي رحمه الله، والشيخ أبرار الحق وكان من أبرز طلاب الشيخ أشرف علي ثانوي.
أسست المدرسة سنة: 1988م. وكان عدد طلابها: 100 طالب وطالبة. وعدد أساتذتها 6.
وقد بلغ عدد طلابها هذا العام: 1200 طالب وطالبة.
وعدد الأساتذة: 62 أستاذاً.
وهي تشمل المراحل الثلاث: الابتدائي والمتوسط والثانوي.
وهي مدرسة خاصة يجمع منهجها بين المواد الإسلامية والمواد الحكومية.
وتدرس فيها اللغة العربية باللغة الإنجليزية. كما تدرس فيها اللغة الأردية.
دعوة غير المسلمين:
يدخل عشرة في المائة في المدرسة من السود غير المسلمين مجاناً، ويدخل بعضهم في الإسلام.
وقد زار بعضُ أساتذة المدرسة وطلابها السودَ في منازلهم وقدموا لهم مساعدات وبعض الكتب الإسلامية.
وقد دخل بعض المتخرجين من طلاب المدرسة الجامعة، وأصبح لهم مسجد يصلون فيه.
هذا وقد ألقيتُ كلمة توجيهية للطلاب والمدرسين بناء على طلب من مدير المدرسة.
مع مدير مدرسة الأقصى (محمد سالجي) وأساتذتها:
ثم زرنا قبيل الظهر مدرسة الأقصى واجتمعنا بمدير المدرسة وأساتذتها، واسم المدير "محمد سالجي".


ولد سنة: 1940م. نال شهادة الماجستير في التربية والتعليم. وكان مدرساً في إحدى المدارس الحكومية.
أسست المدرسة سنة 1998م. وهي شاملة للمراحل الثلاث.
ومنهج المدرسة يجمع بين المواد الإسلامية والمواد الحكومية.
عدد طلابها: 840 طالباً وطالبة. خمسة منهم غير مسلمين.
عدد أساتذتها: 45 مدرساً ومدرسة. منهم مدرس ومدرسة غير مسلمين، والْمُدرسة عندها رغبة في الدخول في الإسلام.
أغلب سكان المنطقة مسلمون.
عدد المسلمين في لينيسيا 50 ألفاً تقريباً، وعدد غير المسلمين 30 ألفاً.
وللمسلمين مشاركة في البرلمان وفي الحكومة.
أعضاء برلمان الدولة (500) عشرون منهم ـ تقريباً - من المسلمين.
وعدد الوزراء المسلمين خمسة، منهم وزير الداخلية، ووزير العدل، ووزير الإحصاء، ونائب وزير الخارجية.
هذا وقد طلبوا مني إلقاء محاضرة، فلبيت الطلب، وقد ترجمها الأخ إبراهيم سَلُّو الذي رافقني في غالب زياراتي في منطقة جوهانسبرج، وكانت المحاضرة تدور حول الفقرات الآتية:
الفقرة الأولى: أنه لم يعد يوجد دين إلهي في الأرض إلا دين الإسلام.
الفقرة الثانية: مسئوليتنا عن هذا الدين في التمسك به وتطبيقه، لنكون قدوة حسنة لغيرنا.
الفقرة الثالثة: وجوب قيامنا بالبلاغ المبين الذي هو وظيفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في حياته، ووظيفة أمته بعد لقاء ربه.
وكان من بين المدرسين الحاضرين مدرس ومدرسة غير مسلمين، وكان الرجل شديد الإنصات والإصغاء، أما المرأة فقد ذكر أنها ترغب في دخول الإسلام.
ثم ألقوا أسئلة كثيرة في التربية والتعليم وكيفية تطبيق الإسلام في هذا البلد الذي يغلب فيه غير المسلمين.
مع مدير مكتب رابطة العالم الإسلامي (عبد الخالق ميتر):
ثم رجعنا إلى مدينة جوهانسبرج لزيارة مكتب رابطة العالم الإسلامي، وهو يقع في مبنى لجنة مسلمي أفريقيا.
واجتمعت بمدير المكتب: "عبد الخالق ميتر".

عمره 42 سن. درس العلوم الإسلامية والمواد الحكومية إلى المرحلة الثانوية. ثم التحق بكلية التجارة وتخرج فيها.
أعماله: بعد تخرجه من المرحلة الثانوية اشترك في نشاط "حركة الشباب الإسلامي" في مدينة "دربن" سنة 1976م.
ثم عمل في جوهانسبرج في "حركة الدعوة الإسلامية" وهي حركة قديمة جداً.

ثم عمل في جمعية الزكاة في جنوب أفريقيا، لتقديم المساعدات للفقراء.
ثم اتصل بلجنة مسلمي أفريقيا، وعمل في إدارتها.
ثم انتقل إلى مكتب رابطة العالم الإسلامي منذ ثمان سنوات.
كان مكتب الرابطة في مدينة "لينيسيا" لمدة 12 سنة، وانتقل إلى مدينة "جوهانسبرج" قبل ثمان سنوات.
كان أول مدير للمكتب: "عبد الله بيشي" الذي فتح المكتب ثم تركه، لأنه لم يناسبه البقاء في هذا البلد.
ثم جاء الدكتور "عبد الله سرحان" وبقي سنة تقريباً ثم ترك المكتب. [أثنى كثير من المسلمين على الدكتور عبد الله سرحان وعلى نشاطه وإخلاصه، وذكر بعضهم أن تركه للمكتب لم يكن برغبة منه، وإنما حصلت له مضايقة، والله أعلم بسببها!].
ثم خلفه المدير الحالي "عبد الخالق ميتر".
وقال الأخ عبد الخالق: إن البرامج التي يريد المكتب القيام بها كثيرة، ولكن الإمكانات المادية غير كافية.
ويعمل في المكتب أحد المسلمين السود، وهو "فاروق بن ساخو بيلا" البالغ من العمر: 27 عاماً.
وكان دخوله في الإسلام عام 1986م بعد أن قرأ بعض الكتب الإسلامية واقتنع بأن الإسلام هو الدين الصحيح.
وطلب الأخ فاروق قاموساً باللغة العربية ليستفيد منه في فهم مفرداتها.
وقد تلقى تعليمه الإسلامي في دار العلوم في"نيوكاسل" وقد تعاقد مع الرابطة للعمل داعية في هذا المكتب من سنة: 1999م
(سلمني مدير المكتب ورقة باللغة الإنجليزية تحتوي على معلومات عن المكتب).
زيارة مؤسسة إخوان الإسلامية:
كان قد حُدد لنا موعد بعد الظهر، مع بعض المسلمين السود الذين يسكنون في قرية تسمى: (ديب كلوف DIP KLOOF) في منطقة مشهورة يسكنها السود، وهي منطقة (ساويتو SOWATO ) وتقع في الجنوب الغربي لمدينة جوهانسبرج.

وقد جاء اثنان منهما إلى مقر لجنة مسلمي أفريقيا، وهما: "سيد علي" و"عمر دومة" يسيارتهم الخاصة واصطحبانا إلى مقرهم.
نُورانِ بجانبنا حُرِمْنا منهما!
وعندما كنا نسير في الطريق أشار الأخ سيد على إلى جهة اليمين فرأينا بحيرة صغيرة، وبجانبها مبان كبيرة، وقال: هذه محطة كهرباء تقع في منطقتنا "ساويتو" وكانت تضيء منازل البيض ومؤسساتهم البعيدة من هذه المحطة، ومنازلنا بجوارها ولكنا كنا محرومين من التمتع بنورها!
وهذا أحد نماذج استبداد البيض بخيرات بلادنا.
وهكذا كان نور الإسلام بجوارنا في أرضنا، ولم نكن نتمتع به، لأن الهنود لم يكونوا يقومون بتبليغه إلينا، مع أن الأفارقة لا يقولون: إنهم لا نريد هذا الدين، ولكن الإسلام لم يصل إليهم مع أنه يجاورهم، ولو أنه وصل إليهم لما تأخروا عن الدخول فيه!
قلت له: ألم يحل بينكم وبين الاختلاط بالهنود البيض؟
قال: بلى.
قلت: فالذنب ـ إذًا ـ ليس ذنب الهنود ولا ذنبكم، وإنما هو ذنب البيض الذين عزلوا بعضكم عن بعض.
ثم قلت له: ألم يتحسن الوضع الآن عما كان عليه الأمر في عهد العنصريين؟
قال: بلى، ولكن الهنود إذا أرادوا مساعدة الأفارقة في الدخول في الإسلام يستطيعون أن يساعدوهم بنشاط أكثر مما هم عليه الآن، لأنهم يفهمون الإسلام أفضل منا، وعندهم إمكانات أفضل منا بكثير.
ثم قال: إنه من المؤسف أن الأفارقة كانوا يفهمون أن الإسلام إنما هو دين الهنود فقط، وليس ديناً لغيرهم، كما هو حال الدين المسيحي، لأنهم لم يكونوا يرون من المسلمين إلا الهنود، ولو فهموا أن الإسلام جاء للناس كلهم لدخل كثير منهم في الإسلام. والآن عندما حصل الانفتاح في بلادنا، وجاء إليها الصوماليون وغيرهم، وهم مسلمون، عرف بعض الأفارقة أن الإسلام ليس خاصاً بالهنود، ولكن الوافدين من المسلمين لم يأتوا إلى جنوب أفريقيا للدعوة إلى الإسلام، وإنما جاءوا لأمور أخرى، كالتجارة ونحوها. [ليس عيباً أن يذهب المسلمون إلى أي بلد من أجل التجارة واكتساب المال من وجه حلال، فذلك أمر مشروع، ولكن العيب في عدم قيامهم بالدعوة مع التجارة، فقد كان لتجار المسلمين الفضل الكبير ـ بعد توفيق الله ـ في دخول شعوب جنوب شرق آسيا وكثير من بلدان أفريقيا في الإسلام، بسبب القدوة الحسنة والدعوة إلى الإسلام].
قلت: هكذا أراد أعداء الإسلام في كل مكان أن يُفْهِمُوا غير المسلمين أن الإسلام خاص بفئة أو جنسية معينة أو قومية من الناس، وليس دينا عالمياً لكل البشر، مثل الماليزيين والإندونيسيين، وقومية "خْوِي" في الصين، مع أن الإسلام هو دين الناس أجمعين، ولا يقبل الله من أحد بلغه الإسلام ديناً غير دين الإسلام.
كان هذا الحوار كله مع الأخ سيد وزميله ونحن في الطريق إلى مؤسستهم، لأن الوقت الذي قضيناه في الطريق أكثر من ساعة.
وكان المترجم بيننا الأخ إبراهيم سلو.
وصلنا إلى "مؤسسة إخوان الإسلامية".
وهل تدري ما مرافق هذه المؤسسة؟
إنها غرفة من الطين والخشب وألواح الزنك، لا يزيد طولها عن ثلاثة أمتار، ولا يزيد عرضها عن مترين، وهي مفروشة ببساط مهترئ!
ويقع بينها وبين منزل مديرها - المكون من غرفتين صغيرتين - حوش صغير، وفي هذه الغرفة يتعلم الأطفال مبادئ الإسلام، وفيها يتعلم الكبار ـ في وقت آخر ـ أمور دينهم، وفيها تقام الصلوات، وفيها يتناول الطلاب بعض الوجبات التي تقدم لهم.
وفي إحدى غرف مدير المدرسة تقوم زوجة المدير بطبخ الوجبة للطلاب.
عدد الطلاب والطالبات ـ وغالبهم صغار السن ـ عشرون طالباً وطالبة، ويأتي غيرهم في وقت آخر.
يدرس الطلاب في الصباح في المدارس الحكومية، وبعد الظهر يحضرون إلى المؤسسة ـ الغرفة ـ ليدرسوا أمور دينهم.
وسكان المنطقة كلهم من السود، ومنازلهم متشابهة في تواضعها، وإن كانت أفضل بكثير من منازل السود في البوادي.
ويقوم بتدريس الطلاب والطالبات شاب من المنطقة تيسرت له الدراسة في السودان.
معلومات موجزة عن الأخوين: سيد علي وعمر دومة:
الأخ سيد علي عمره: 53 سنة، وعنده خمسة أولاد.
دخل في الإسلام سنة: 1971م.
وسبب إسلامه: أنه كان يحب القراءة، وقرأ كثيراً من الكتب التي تتحدث عن الإسلام.
وقرأ كتاباً ـ غير إسلامي - في التاريخ، ذكر فيه أن رجلاً يدعى محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: إنه نبي، وقد يكون ادعاؤه غير صحيح، وكان عنده زوجات كثيرة.
فحفزه هذا الكلام على أن يلتمس كتباً تتحدث عن محمد (صلى الله عليه وسلم).
وكان يعمل مع مسلم في شركة، وكان المسلم يصلي الجمعة، وتوزع أوراق عن الإسلام في المسجد، ولدى ذلك الرجل منشورات عن الإسلام، فقرأ سيد بعضها، وقرأ معلومات عن موسى (صلى الله عليه وسلم) وعرف العلاقة بين موسى وبين محمد والإسلام، وسأل ذلك المسلم عن الإسلام فعرف أنه لا يفهم الإسلام فهماً جيداً.
فذهب إلى مسلمين ماليزيين في منطقة: "نيوكلي" وتعلم عند الإمام إسماعيل، ودخل في الإسلام في شهر سبتمبر عام 1971م.
وكان يوجد في قرية (DIP KLOOF) رجل مسلم كبير السن بينه وبين سيد علاقة جيدة، فسأله سيد: هل يوجد هنا مسلمون؟ فقال له: يوجد ثلاثة من ملاوي، ولكنهم لا يهتمون بالإسلام.
وكان سيد يرغب أن يعثر على مسلمين ليجتمع بهم ويتعاون معهم في الدعوة إلى الإسلام، فزار الثلاثة الملايويين، ووجدهم لا يعرفون الإسلام معرفة جيدة، وقال لهم: أنا أقوم بتدريس الإسلام من يوم الاثنين إلى يوم الجمعة، مساء، ويومي السبت والأحد صباحاً ومساء، وبدأ يدرس أبناءهم، ويدرس الكبار من المسلمين، وتحدث مع بعض كبار السن من غير المسلمين ودخل بعضهم في الإسلام. وقد أسلم على يديه ما يقارب 300 شخص.
وعدد المسلمين في ساويتو ألف تقريباً، ولهم علاقة بالمؤسسة.
أما الأخ "عمر دومة" وهو مدير المؤسسة، فعمره: 49 ستة.
ودخل في الإسلام سنة: 1982م.
وقال: إن منهجهم الآن في المؤسسة أنهم يحاولون تعميق معنى الإسلام والعمل به في نفوسهم ونفوس أبنائهم، وقد أخذوا بعض الكتب الإسلامية لتدريس أبنائهم الطلاب.
وقال: إن عدداً من السود يدخلون في الإسلام، ولكنهم لا يعرفون إلا قليلاً من الإسلام، لعدم وجود من يقوم بالدعوة بينهم ويتابع تعليمهم.
مع المستشرق بروفيسور (فرنسيس بيرج):
يوم الجمعة: 5/3/1420هـ ـ 1999م
كنا في مكتبه في قسم الدراسات الإسلامية ـ وهو تابع لدائرة دراسات اللغات السامية ـ في جامعة: "رند أفريقيا".
وكان معه الدكتور "فادي جرجس" اللبناني الذي هاجر إلى جنوب أفريقيا سنة: 1989م، فراراً ـ كما قال ـ من الأحوال السيئة في بلاده وهو يدرس في نفس القسم، وقد قام بالترجمة بيننا.


والدكتور بيرج من المهتمين بالمقارنات اللغوية، ولذا اتجه إلى التخصص في الحضارة الأكاديمية من الحضارات القديمة.
وهو مسئول في الكلية عن تعليم اللغة العربية واللغة العبرية.
وظائفه:
كان مدرساً في جامعة بريتوريا لمدة 25 عاماً.
وهو يدرس الآن: علم الدفاع عن الأديان، من وجهة نظر إسلامية.
قلت له: متى سمعت عن الإسلام في حياتك؟
قال: لقد نشأت في منطقة "ناتال" وهي منطقة يكثر فيها المسلمون والعلماء، ولهذا كان سماعي عن الإسلام مبكراً.
قلت له: ماذا تفهم عن الإسلام، هو دين حياة أو هو فقط للشعائر التعبدية الظاهرة؟
قال: أنا عدت إلى المراجع الإسلامية الأصلية، والذي فهمته من تلك المراجع أن الإسلام يجمع بين الدين والدنيا بين العبادة والسياسة، والمنحى الأخلاقي في الإسلام منحى شامل.
قلت: هل ترى المنهج الإسلامي إذا طبقت شريعته في هذا العصر سينجح؟
قال: أنا أؤمن أن الحياة تسير بقوانين إلهية، وهي متمثلة في شرائع الإسلام والمسيحية، والشريعة الإسلامية لا شك يمكن تطبيقها في هذا العصر. [هكذا أقحم المسيحية مع الإسلام، مع أن كتب الأناجيل ليس فيها شريعة يمكن تطبيقها في حياة الناس العامة].
أما المسيحية الأولى ـ الكتاب المقدس ـ فالمنحى الأخلاقي مثل عظة الجبل في إنجيل متى في الفصلين: الخامس والسادس، فيهما تفسير مسيحي للوصايا العشر.
وقد أنشئ القسم في سنة 1994م من السنة الأولى في الكلية.
وقد كان قبل ذلك موجوداً من سنة 1970م في الدراسات العليا.
والمواد التي تدرس في القسم، هي: القرآن، والتفسير، والحديث، والسيرة، والشريعة، وانتشار الإسلام، والإسلام والسياسة، ودراسات إسلامية.
وغالب الأساتذة في القسم مسلمون، وعددهم أربعة، وهم متعاقدون.
وغالب الطلاب ـ كذلك ـ مسلمون. وعددهم: 22 طالباً 10% غير مسلمين. وفي الدراسات العليا 7 في مرحلة الدكتوراه، و12 في مرحلة الماجستير، و6 يحضرون دراسات متعمقة.
وسألته عن مراجع القسم لهذه المواد والدراسات؟
فقال: الحاجة تقتضي المراجع المكتوبة باللغة الإنجليزية، وأصحابها غير مسلمين.
قلت: الأصل أن تدرس الموضوعات الإسلامية عن طريق الكتاب المسلمين وليس، عن طريق غير المسلمين.
قال: نحن نشجع الطلاب على الرجوع إلى المصادر الإسلامية الأصلية.
قلت له: هذا لا يكفي، لأن المراجع كتبها غير المسلمين تكون مضامينها صادرة من وجهة نظرهم، وهي قد تختلف كثيراً عن المضامين الإسلامية الصحيحة.
ثم سألته: بماذا تفسر تفرق المسلمين؟
قال: يوجد وجهان لفهم الإسلام: فإسلام محلي، وإسلام عالمي، أي مجتمع داخلي ومجتمع خارجي. [الإسلام في حقيقته إسلام واحد، والمسلمون هم الذين ينقسمون في فهمهم لبعض الموضوعات الإسلامية، ولكن المستشرقين وأتباعهم ينسبون التقسيم للإسلام، ويجعلون اختلاف المسلمين اختلافاً في الإسلام نفسه].
توجد تيارات مختلفة؛ الدين عامل وحدة ومصلحة، ولكنه لا يزيل التيارات الأخرى العاملة.
فلو قسمت المسلمين وجدتهم إثنية أو عرقية أو لغوية، أو مالية: فقير وغني. هذه فكرة عامة.
ولو طبقوا دينهم ليزيل الخلاف، فذلك ممكن من الناحية النظرية لا من الناحية العملية، حتى في العصور الأولى كان هناك خلافات ونزاعات.
قلت له: ما ذا ترى في مستقبل العرب واليهود؟
قال: ما دامت أمريكا تناصر اليهود فسيبقى اليهود أقوياء.
قلت: ولو توحد العرب؟
قال: الحركة الصهيونية إلى سنة: 1948م كانت بدون بلد.
والعرب إذا تكتلوا ربما استطاعوا إزالة إسرائيل كبلد، لا من حيث الحركة الصهيونية.
قلت: ما سبب إصرار أمريكا على دعم اليهود ووقوفها ضد العرب، مع أن مصالحها في المستقبل البعيد عند العرب؟
قال: أمريكا تعرف ذلك، وهي تحاول أن توجد توازناً في قوى المنطقة، وقد دخلت في حرب الخليج لمصلحة بعض العرب ضد بعض. [في الظاهر لمصلحة بعض العرب، وأما في حقيقة الأمر فإن الواقع يدل على أن العرب قد خسروا خسائر فادحة، وأن المصلحة الحقيقية عادت إلى اليهود، حيث ازداد تمزق العرب، وانهار اقتصادهم، وقضي على أكبر قوة عسكرية كانت تخيف اليهود، وهي قوة الجيش العراقي الذي استدرجت أمريكا نظام العراق ليغزو به الكويت بعد استدراجه للحرب مع إيران، من أجل القضاء على ذلك الجيش].
قلت: لماذا لم يفكر البيض في العناية بالسود وتعليمهم وهم أهل البلد، والبيض أقلية؟
قال: منذ بداية الاحتلال كانت هناك اصطدامات بين الفريقين، ومنطلق التمييز كان تقسيم الناس جماعات وإعطاء كل جماعة الحماية ضد الأخرى.
ولم يكن التمييز مبنياً على العرق فقط، بل هناك أيضاً اختلافات حضارية واجتماعية.
وكان الخوف من التمازج بسبب الخوف من فقدان القوة والمركز الاقتصادي والهوية الشخصية.
النظم الاجتماعية كانت ضد مبدأ التمييز، لأن الحياة لا تسمح ببقاء التمييز واستمراره. ويمكن للبيض أن يتعلموا من المسلمين في كيفية محافظتهم على أنفسهم وهويتهم منذ 350 عاماً. وكان الفرق الاجتماعي والحضاري كبير وشاسع، ولكن عن طريق التمدن بدأت الفوارق تزول.
قلت: كيف تقارن بين حالة جنوب أفريقيا التي احتلها البيض ونهجوا فيها منهج التمييز الظالم، وبين فلسطين واحتلال اليهود لها ومعاملتهم للعرب؟
قال: كان البيض يظنون أن محاصرتهم للسود في مناطق خاصة بهم سيكون في مصلحتهم دائماً، ولكن القوة الاقتصادية والاجتماعية كانتا ضد هذا المبدأ.
وانطلاقاً من هذا المبدأ فإن إسرائيل لا يمكن أن تبقى على هذا الحال. ووضع إسرائيل أصعب من وضع البيض في جنوب أفريقيا. وإضافة إلى العامل العرقي هناك في فلسطين عامل الدين.
الدين في جنوب أفريقيا ليس عاملاً مؤثراً جداً، وبإمكانك النظر إلى القادة السياسيين، بحيث اختاروا مسلمين في مراكز الدولة الحساسة، كما بإمكانك النظر إلى دولة ملاوي في جنوب أفريقيا، حيث المسلمون أقلية، ومع ذلك حصل قائد مسلم على نسبة مرتفعة في الانتخابات، كان رئيساً للجمهورية، وسيجددون له الرئاسة الآن.
قلت له: لو كنت قاضياً وطلب منك أن تحكم أي الأديان أفضل للناس عامة، ماذا تقول؟
قال: من الطبيعي أن يجيب كل واحد بأن الأفضل الدين الذي يعتقده، لكن ما دمت طلبت إجابتي على فرض أني قاض أنا لا أشجع على دين واحد، بل أترك الحرية للناس في اختيار الدين الذي يريدون. ولكن هناك ديانات أخرى، وموقفي موقف تسامح وقبول وإعطاء فرص للناس، ومن نحن كبشر حتى نقارن ونرجح، والمسيحية والإسلام يؤكدان عامل الوحي، مع وجود فروق شاسعة، بإمكاننا محاولة فهمها، لكن من الصعب التوفيق بين الدينين.
في الإسلام إصرار على شريعة الله العظمى، وفي المسيحية إصرار على التجسد.
الإسلام يؤكد أن الله هو الأعلى، والمسيحية تؤكد على التجسد واقتراب الله من البشر. وأنا كشخص لا يمكنني الحكم على الأديان. وفي الشكل النقي الأصلي يمكن لكل دين أن يكمل الآخر.
قلت له: الإسلام كامل في نفسه، لا يحتاج إلى غيره ليكمله، وقد قال الله تعالى في كتابه: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.
قلت له: في الإسلام الله واحد فقط.
قال: من حيث المبدأ المسيحيون لا إشكال عندهم في وحدانية الله.
قلت: المسلمون عندهم إشكال: كيف يكون الثلاثة واحداً؟
قال: حتى في الإسلام، عندما تقول: قال الله، أو فعل الله، فيه إشكال أيضاً، لأن الإنسان هو الذي يقول وهو الذي يفعل.
قلت: المسلمون يعتقدون أن ذات الله عز وجل لا تشبهها ذوات المخلوقين، وإذا قلنا: قال الله أو فعل الله، فقول الله وفعله صفتان له، وصفاته كذاته لا يمكن أن تشبهها صفات المخلوقين، فهو واحد متصف بصفات، ولا يلزم من اتصافه بصفات أن يكون متعدداً.
قال: المسيحية الأولى لا يمكن فيها تنازع بين الله وبين الإنسان.
قلت له: ماذا تعرف عن إنجيل برنابا؟
قال: ليس لديه دراسات في هذا الإنجيل، وفيه ما يدل على أنه متأخر الكتابة.
وهنا اقترب وقت صلاة الجمعة فلم نستطع استمرار الحوار، وقد أهداني نسخة من الإنجيل باللغتين العربية والإنجليزية، وكان معي إبراهيم سلو.
محاضرة قبل صلاة الجمعة في مسجد نور الإسلام:
كان خطيب مسجد نور الإسلام قد طلب من الأخ إبراهيم سلو أن ألقي محاضرة قبل خطبة الجمعة في الحاضرين، وقد جرت عادتهم أن يلقي الخطيب محاضرة قبل خطبة الجمعة بنصف ساعة أو أكثر بلغة المصلين، ثم يلقي خطبة الجمعة باللغة العربية، أكثرها من نصوص القرآن والسنة، وتكون في الغالب قصيرة جداً.
وقد تضمنت المحاضرة التي ألقيتها الموضوعات الآتية:
1 - تهنئة المسلمين بمحافظتهم على دينهم في هذا البلد منذ زمن طويل.
2 - حثهم على التفقه في الدين، والإخلاص لله والعمل بما يعلمون.
3 - وجوب حرصهم على تربية أبنائهم وأسرهم على دين الله.
4 - تبليغ الإسلام إلى غيرهم من الأفارقة والبيض والملونين.
5 - اجتماع كلمتهم على الحق.
وقد ترجم المحاضرة الأخ إبراهيم سلو. استغرقت المحاضرة مع الترجمة نصف ساعة تقريباً. وقد تلا الخطيب في خطبة الجمعة بعض الآيات الدالة على هذه المعاني، وكذلك بعض الأحاديث.
حوار مع الأخ المسلم محمد ياسين جون بيك JOHN PEAK
كنا على موعد لتناول الغداء في منزل الأخ إبراهيم سلو بعد صلاة الجمعة.
وهناك وجدت مسلماً أبيض جديداً، كان قد أسلم على يد ابن عم إبراهيم سلو، جاء معه لتناول الطعام معنا. فاغتنمت الفرصة وأجريت معه ـ كما جرت عادتي ـ حواراً عن ديانته السابقة وإسلامه.


ولد في 15 مايو 1954م في زيمبابوي. ديانته: كان أبواه نصرانيين بروتستانتيين من بريطانيا. وعندما كان طفلاً سكن مع بعض أقاربه، وكانوا يهوداً. وعندما كان عمره 17 سنة لم يتمسك باليهودية، وإنما كان يجاملهم في عاداتهم. وكان مسيحياً إلى ما قبل ستة أشهر من الآن. تمسك بالنصرانية ما بين 30 و35 من عمره.
قلت: هل كنت مقتنعاً بعقيدة التثليث؟
قال: كانت أكبر مشكلة عنده هذه العقيدة، ولم يكن يستطيع أن يسأل القسس، لأنهم يغضبون من هذا السؤال.
وسبب المشكلة عنده أن الثلاثة لا يمكن أن تكون واحداً، فإذا اجتمع ثلاثة رجال فلا يمكن أن يكونوا رجلاً واحداً، فكيف يكون الله الخالق، وعيسى المخلوق وروح القدس واحداً وهم ثلاثة؟
وكذلك يقولون: إن عيسى صلب، ويقولون: هو ابن الله، فكيف يصلب وهو ابن الله ولا يدافع عنه؟!
قلت: متى سمعت عن الإسلام؟
قال: عندما كنت في زيمبابوي كنت أعرف عن الإسلام في الجملة، وكنت أمر بالمسجد وأنا في القطار وأرى الناس يصلون، فأسأل: ما هذا المكان، ومن هؤلاء الناس الذين يدخلون فيه؟
وفي نيوكلي قبل 18 ستة كنت أتعجب وأتساءل عن عبادة هؤلاء الناس؟
وسألت بعض المسلمين لأعرف شيئاً عن الإسلام، ثم ذهب ذلك المعنى عن ذهني.
ثم التحق بالشركة التي بعثته إلى أحمد يعقوب - وهو ابن عم إبراهيم سلو ـ وحصلت بينهما علاقة جيدة، وأصبح يزوره باستمرار.
وفي شهر رمضان السابق زار أحمد وسأله عن كيفية صيامهم من الصباح إلى المساء؟
ورأى المسلمين يطهرون قلوبهم بالصيام، لأن أخلاقهم طيبة.
وفي يوم عيد الفطر مات صديق له مسلم، فحضر جنازته وشعر في قلبه وقت الدفن بشيء ما يدخل في قلبه، وقد كان قلبه قبل ذلك فارغاً.
وعندما رجع وذهب إلى أحمد وشعر بأنه يرغب في الإسلام كما يرغب العطشان في الماء البارد، فطلب من أحمد أن يساعده في الدخول في الإسلام بتعليمه ذلك.
وقدم له أحمد أشرطة القرآن الكريم فسمع ذلك، وكان يبكي عندما سمع، وهو لا يعرف شيئاً من معناه.
وعرف أحمد أنه يريد ـ فعلاً ـ الدخول في الإسلام، ففتح له منزله ليكون معه ومع أسرته ليرى كيف يطبق المسلمون الإسلام، وكيف يتعاملون فيما بينهم؟
وقرأ بعض الكتب الإسلامية (مقررات دراسية) ومما قرأ موضوع الطهارة فأعجبه ذلك، وفهم أن الطهارة تكون للجسم والقلب، وهو يداوم على الوضوء الآن.
وفي شهر رمضان ذهب إلى قريب له ووجد عنده بعض الكتب، ومنها ترجمة معاني القرآن باللغة الإنجليزية، فقرأ الكتاب واستفاد منه، كما أن الله هداه بالاتصال بأحمد، وقد كان يشعر بأنه مثل المفلس.
قلت: أي الموضوعات الإسلامية جذبك أكثر من غيره؟
قال: قدم لي أحمد تفسير سورة مريم مترجمة، فأعجبني ذلك جداً.
وقال لي أحمد: ماذا يشكل عليك؟ وقدم لي فصلاً من التوراة، وفيه أن الله واحد، وأن عيسى مخلوق، ففهمت ذلك وأعجبني، مع أن النصارى لم يؤمنوا بذلك، وأعجبتني سهولة حياة المسلمين التي تصلح لكل الناس: الأغنياء والفقراء والمساكين.
قلت: ما الفرق بين حياتك قبل الإسلام وحياتك بعده؟
قال: كنت مثل المفلس، وكانت حياتي مملة ليس فيها جديد، وبعد الإسلام صرت أعامل الناس باحترام، ولا أنسى اليوم الذي دخلت فيه في الإسلام!
وأشعر أنني قبل الإسلام شبيه بورقة سقطت من شجرتها، وأما الآن فأشعر بأنني شبيه بنبتة صغيرة تنمو وتكبر.
زيارة إذاعة (راديو) الإسلام:
كنا على موعد لزيارة "راديو الإسلام" في "لينيسيا" وقد وجدنا مدير الإذاعة الشيخ: "حيدر علي إبراهيم" البالغ من العمر 39 سنة.

تعلم في "جامعة الفاروقية" بشاه فيصل كالوني في كراتشي بباكستان، تخرج سنة 1982م، وهو طويل القامة قوي العضلات كث اللحية، جيد الثقافة. وهو الذي أخذت عنه هذه المعلومات.
وهو الذي فكر في تأسيس هذه الإذاعة، عندما صرحت الحكومة الجديدة ـ التي خلفت حكومة التفرقة البيضاء ـ بحرية كل جماعة في إظهار ما عندها من دين أو ثقافة أو عادات، وأذنت لثمانين جمعية بتأسيس إذاعات.
والإذاعة تابعة لجمعية العلماء في منطقة "ترانس فال".
وهي على الموجة القصيرة. وتصل في الصباح ما بين 70 ـ 80 كيلا، وفي الليل تصل إلى 400 كيل.
أسست الإذاعة سنة 1994م، وبدأ النشر في يناير 1997م.
برامج الإذاعة: القرآن، والتفسير، والوعظ، وأناشيد إسلامية، وأخبار العالم ـ تؤخذ الأخبار من الإنترنت ـ وكلها باللغة الإنجليزية. وتنقل فيها صلاة التراويح.
ويوجد يوم الأحد برنامج خاص لدعوة غير المسلمين بلغاتهم.
عدد الموظفين في الإذاعة: 14 موظفاً.
ويسمع الإذاعة ما بين 50 ألفاً إلى 100 ألف.
وسألته عن الأثر الذي أحدثته الإذاعة في المدة السابقة؟
فقال الأثر جيد جداً، فقد ترك بعض المستمعين من المسلمين بعض المنكرات، كالأغاني. وصرح بعضهم بأنهم تعلموا عن طريق الإذاعة في ثلاثة أسابيع ما لم يتعلموه طول حياتهم.
ورئيس الجمعية هو "الشيخ عباس علي جينا" ويقيم في "دار الخلافة" في: "بريتوريا - توريم" وهي المنطقة التي يسكنها المسلمون هناك. وعمره الآن 65 سنة.
تعلم في "دار العلوم" في "ديوبند" وفي "جامعة العلوم الإسلامية" التي أنشأها الشيخ "محمد يوسف البنوري رحمه الله" في كراتشي. [يلاحظ أن كبار علماء الهنود في جنوب أفريقيا تعلموا في المؤسسات العلمية في الهند والباكستان، وهذا أحد الأسباب الرئيسة التي أبقت على التعليم الإسلامي عندهم حياً قوياً، وحافظت على تمسكهم بطريقة تلك المؤسسات التعليمية في شبه القارة الهندية وعلى تربية أبنائهم على الإسلام، وكثرة المساجد والكتاتيب].
وقد كانت دولة جنوب أفريقيا في عهد البيض مقسمة إلى أربع مناطق، والحكومة الجديدة جعلتها تسع مناطق.
وتوجد في خمس مناطق من المناطق التسع جمعية علماء.
وعدد مساجد تلك الجمعيات 300 مسجد، في كل مسجد مدرسة ابتدائية قرآنية.
وكل إمام مسجد هو العالم الذي يدرس العلوم الإسلامية، وعدد العلماء في تلك الجمعيات: 450 عالماً.
وهذه الجمعية ـ التي تتبعها الإذاعة ـ أسست قبل سبعين سنة.
وفي منطقة "دربن" توجد جمعية علماء "كوازولو ناتال".
وفي كيب تاون "جمعية العلماء" ـ المجلس الإسلامي ـ وهذه الجمعيات الثلاث أسست جمعية واحدة، اسمها "اتحاد العلماء الإسلامي" ورئيس هذا الاتحاد الشيخ "نظيم محمد" في كيب تاون. [اجتمعت به في منزله، في مدينة "كيب تاون" وسيأتي الحديث عنه في مكانه].
وللجمعية نشاطات وخدمات متعددة: الطباعة والنشر. وتعليم أبناء المسلمين في المدارس القرآنية.
مدارس تعليم الأولاد التي تبدأ من سن السابعة إلى سن السابعة عشرة.
توفير كتب المواد الدينية: القرآن، التجويد، الأخلاق، العقائد، الفقه، الحديث، التاريخ الإسلامي، وهي باللغة الإنجليزية، ويمدون بهذه الكتب المدارس الإسلامية في البلدان الأخرى.
ترائي الهلال، حيث يقوم أئمة المساجد بحث المسلمين في كل مسجد على ذلك في كل شهر، ويخبر المسلمون بذلك.
الإفتاء، عندما ترد الاستفتاءات، وقد خصص للإفتاء ثلاثة من العلماء يردون على تلك الاستفتاءات، فإذا كانت الفتوى خطيرة تحتاج إلى اجتهاد اجتمع العلماء كلهم ويتدارسون الحكم ويصدرون فتوى جماعية.
الإغاثة ومساعدة المحتاجين.
تقديم النصيحة للأسر فيما يتعلق بشئونهم ومشكلاتهم.
إقامة الحفلات والاجتماعات المتعلقة بالسيرة النبوية، والرد على البدع والخرافات والفرق الكافرة.
تجهيز الجنائز ودفنهم.
ويتبع الجمعيات الخمس 90% من المساجد في المناطق الخمس.
وسألت الأخ حيدر عن نشاطهم في دعوة غير المسلمين؟
فقال: يوجد مركز لدعوة غير المسلمين في منطقة من مناطق السود، وتطبع نشرات وتوزع عليهم.
خطر بدل الغلط في الأفعال!
بعد يوم طويل من العمل خارج الفندق، وإرهاق شديد من صباح اليوم إلى مسائه، والرغبة الشديدة في الراحة من التعب، رجعنا إلى الفندق، وكنت طلبت نقلي من الطابق الثاني إلى الخامس، لأتمتع بالمناظر من علِ، وقد قلت مرة في مناسبة قديمة في منظومة "جوهرة الإسلام":
وعندما رأتني موظفة الاستقبال قالت: قد هيأنا لك الغرفة (511) في الطابق الخامس، وهذا الفَرّاش يرافقك لنقل أمتعتك من غرفة (216) إلى غرفتك الجديدة، وكان الأخ إبراهيم سلو لا زال معي جزاه الله خيراً.
وصعد معنا الفراش ماشياً أمامنا ونحن نتبعه، وحاول فتح باب الغرفة بالبطاقة، فلم يفتح، ونزل ـ ونحن واقفان أمام الغرفة ـ إلى موظفي الاستقبال شاكياً البطاقة التي لم يستجب الباب لفتحها.
والظاهر أنهم أعطوه بطاقة قادرة على فتح أي غرفة وهو ما يطلق عليه بعض الناس "مفتاح حرامي!" وهو عند الإنجليز "ماستر" فجاء وفتح الغرفة، وكانت مفاجأة مفجعة! لم نجد في الغرفة أي أثر لأمتعتي، لا حقائب ولا غيرها، وأسرعت إلى صندوق الأمانات الموجود في دولاب الغرفة ـ وفيه كل مستلزمات سفري ـ الجواز والتذاكر والشيكات والنقود، والكمبيوتر ... فوجدت الصندوق مفتوحاً وهو خال يباب، ففزعت فزعاً شديداً، وسألنا الفراش ما هذا؟ فقال: لا أدري!
واتصل الأخ إبراهيم بموظفي الاستقبال، وسألهم أين أمتعة الضيف، لم نجدها في الغرفة؟! ففزعوا هم أيضاً، ولكنهم حاولوا أن يطمئنونا قائلين: لعل متاعكم حفظ في المخزن!
وتأخروا في رد الجواب، وصعدنا إلى الغرفة الجديدة لاحتمال أن يكونوا قد تجرءوا ونقلوا الأمتعة إليها، فلم نجد فيها شيئاً، فقلت للأخ إبراهيم: ألا ترى أنه يجب استدعاء الشرطة بسرعة؟ ليس من العادة ولا نظام الفنادق العالمي أن يدخل موظفو الفندق ويأخذوا أمتعة الضيوف بدون حضورهم أو إذنهم، وبخاصة صندوق الأمانات الذي يوجد فيه عدة السفر المهمة، وهو مقفل بستة أرقام سرية. وأنا لا أشك في أن أمتعتي سرقت.
وبعد ربع ساعة ـ تقريباً ـ جاء الفراش مبدياً أسفه واعتذاره والخجل بادٍ على وجهه، قائلاً: صُرِي ـ آسف ـ أنا أخطأت الغرفة التي فتحتها ليست غرفتكم!
لقد هدأت أعصابي ونظرت إلى الأخ إبراهيم مبتسماً ابتسامة تعجب وسرور، وقلت له: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) والحمد لله لقد صبرنا عن استدعاء الشرطة، وإن كان الجزع قد أخذ مني كل مأخذ!
ثم نزلنا إلى غرفة (216) وفتح الباب، فإذا كل شيء في مكانه.
عندئذ قلت للأخ إبراهيم: قل لهذا الرجل "الفراش": لا حرج فيما حصل، والإنسان معرض للخطأ، وبدأت أشفق عليه من تأنيب الموظفين له، أو عقابه، ثم ذكرت قول ابن مالك في القاعدة النحوية في باب البدل:
ولكن غلط القاعدة النحوية يسير ومباح، أما الغلط في الفعل كفتح غرفة فارغة بدلاً من غرفة مليئة، فما أخطره وأشقه على النفس!
وقد يقال: إذا كان الفراش قد غلط في الغرفة، فكيف يغلط صاحب الغرفة ولا ينتبه لرقم غرفته، والجواب من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الممرات متشابهة، وعندما يكون النزيل وحده يخرج من المصعد ويتأمل في أرقام غرف الممر ليذهب إلى الممر الذي فيه غرفته، أما في مثل حالتي فكنت أتبع الفراش وأنا موقن أنه لا يذهب إلا إلى غرفتي فتبعته أنا ورفيقي دون تأمل.
الوجه الثاني: أنه بعد فتح الغرفة وما حصل من عدم وجود الأمتعة فيها أصبت بصدمة لم أفكر بعدها بغلط أو عدمه حتى أنظر إلى رقم الغرفة.
الوجه الثالث: قرينة قول الموظفين: احتمال وضع الأمتعة في المخزن.
وعلى كل حال فقد حمدت الله على سلامة أمتعتي، وهكذا الأسفار لا بد فيها من المنغصات أكثر من الإقامة، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في السفر: ((السفر قطعة من عذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعد إلى أهله)).
زيارة دار العلوم ـ زكريا:
السبت: 6/3/1420هـ ـ 19/6/ 1999م
كنا على موعد لزيارة هذه الدار في الساعة الثامنة صباحاً، لتناول طعام الإفطار أولاً، ثم التعرف على الدار وشيخها، جئنا وقد مدت سفرة الطعام، وقد حضر بعض الدعاة من بعض الدول العربية، وهم من جماعة التبليغ، فأفطرنا وتعارفنا وتذاكرنا بعض شئون الدعوة، ثم مر بنا بعض المسئولين في الدار على بعض الفصول الدراسية:


منها قاعة المسجد الكبيرة التي تعد مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم في غير أوقات الصلاة، ووجدنا فيها عدداً من الطلاب المكبين على مراجعة ما حفظوه من القرآن أو على مواصلة الحفظ، وهم من أجناس متنوعة، غالبهم من الهنود من جنوب أفريقيا، وبعضهم من السود، وبعضهم من الدول العربية، وبعضهم من بعض دول أوربا.
وقد بقينا معهم ما يقارب ساعة إلا ربعاً، استمعنا لعدد منهم وهم يتلون بعض الآيات من حفظهم، وكان لذلك وقعه في نفوسنا، حيث يوجد هذا العدد من الناشئة في هذا البلد النائي يجتمعون في بيت من بيوت الله مرابطين فيه لحفظ كتاب الله، والإشراف على تربيتهم تربية إسلامية، وبعض هؤلاء الأبناء بعثهم آباؤهم من بلدان عربية، حرصاً منهم على تنشئتهم في جنوب أفريقيا على التربية الإسلامية وخشيتهم عليهم من سوء التربية في بلدانهم العربية!
ثم مررنا بفصول أخرى يدرس طلابها القراءات السبع، وبعضهم يدرسون العلوم باللغة العربية أو اللغة الأردية، وبعضهم يدرسون العلوم المعاصرة باللغة الإنجليزية، وبعضهم يدرسون الحديث وأمهات السنة.
ثم رجعنا إلى مكتب الشيخ "شَبِّير بن يوسف السالوجي" وهو مدير هذه الدار.
مع الشيخ شَبِّير السالوجي:
ولد الشيخ شبير في 26 مارس عام 1951م في جنوب أفريقيا.
تعلم في جامعة العلوم الإسلامية في كراتشي بباكستان.
سألته عن أولاده فقال: أولادي من صلبي خمسة، وأولادي في المدرسة خمسمائة.
وأنشئت دار العلوم ـ زكريا سنة 1983م.
كان عدد طلابها عند إنشائها عشرين طالباً، وكانوا يدرسون في منزل صغير، وعدد أساتذتها ثلاثة.
وعدد الطلاب الآن: 520 طالباً، وهم من اثنتين وثلاثين دولة.
وعدد الأساتذة: سبعة وعشرون أستاذاً.
أقسام الدار: والدار تشتمل على الأقسام الآتية:
تحفيظ القرآن الكريم.
قسم القراءات برواية حفص، والقراءات العشر.
اللغة العربية واللغة الأردية في العالية.
مدة الدراسة بالعربية سبع سنوات، يدرس فيها التفسير والفقه. والحديث، ثم دورة الحديث دراسات عليا.
وفي السنة الأخيرة يدرس الطلاب السنن الست كاملة.
وبعد ذلك يتخصص طالبان أو أكثر في الإفتاء.
وفي اللغة الإنجليزية يدرس الطلاب الرياضيات وطرق التربية والتدريس.
تعليم وتزكية: العلم وسيلة إلى العمل بما برضي الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي. ولذلك قررت الدار أن يقوم كل مدرس يومياً بتوجيه طلابه إلى التطبيق العملي فيما يتعلمونه، كما يوجهونهم إلى القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالرفق والمحبة، ومدة هذا التوجيه اليومي خمس عشرة دقيقة. ويصلون التهجد قبل صلاة الفجر. ويخرج طلاب فصلين أو أكثر في سبيل الله ـ على طريقة جماعة التبليغ.
دعوة غير المسلمين: يخرج بعض الطلاب والأساتذة جماعات يوم الأحد إلى مناطق السود ويدعونهم إلى الإسلام. وقد تسلمت المدرسة أرضاً واسعة، وفيها مسجد، وسيبنى في الأرض خمسون منزلاً صغيراً لإسكان العائلات الصغيرة من السود، من أجل دعوتهم إلى الإسلام، وسيعد منهج خاص لتعليم الكبار.
وهذا البرنامج خاص بمن يريد الدخول في الإسلام، وبعد أن يسلم يسكن سنتين ثم يذهب لدعوة قومه ويأتي غيره.
وهنا تحدثت مع الشيخ في موضوع البلاغ المبين، ومسئولية المسلمين كلهم عنه، كل في حدود طاقته: العالم بعلمه، والغني بماله، والحاكم بجاهه وسلطانه. وأن الحجة لا تقوم على الناس إلا بالبلاغ المبين.
فقال الشيخ: هذا صحيح، وقد قد قال الشيخ محمد إلياس: كثير من الناس انقطعوا عن الاتصال بالعلماء، ولا بد من ربط التجار بالعلماء، وعن طريقهم يمكن إمداد الدعوة والتعليم.
ودخول السود في الإسلام ممكن، ولكن المهم المتابعة حتى يثبتوا على دينهم.
وسألت الشيخ شبير عن مستقبل المسلمين السود؟
فقال: إن الشيعة الآن يقومون بنشاطهم في دعوة السود، ويعطونهم الأموال، ويحرضونهم ضد الهنود، ونخشى كثيراً من التشيع، وقد أصبح بعض الشباب من الشيعة، ويسبون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي عن أصحابه.
قلت: وما موقف العلماء هنا من نشاط الشيعة؟
قال: لقد اجتمع العلماء وخططوا لإقامة مدارس صغيرة للسود.
وتخصيص قسم خاص لإغاثتهم.
كانت عندي أسئلة كثيرة أريد طرحها على الشيخ شبير ـ وبخاصة ما يتعلق بالبلاغ المبين ـ ولكن الشيخ كان يعد نفسه للسفر إلى القاهرة، ومع ذلك خصص لي وقتا جيداً لمقابلته.
مع الشيخ إسماعيل نائب مدير دار العلوم آزاد وِِِلْ:
صلينا الظهر في مسجد هذه الدار، وهو جامع كبير، ثم أخذنا نائب مدير المدرسة ـ الشيخ إسماعيل ـ إلى منـزله، حيث أعدوا طعام الغداء، وهو الذي أخذت منه هذه المعلومات، بسبب غياب المدير. وطلبت منه أن يعرف المدرسة ومديرها، فقال:
مدير المدرسة هو الشيخ عبد الحميد بن إبراهيم إسحاق.
عمره الآن: 55 سنة.
بدأ دراسته هنا في المعهد الإسلامي شمال جوهانسبرج، ثم ذهب إلى الهند وتعلم في دار العلوم في ديوبند، وتخرج منها سنة: 1970م.
ورجع إلى جنوب أفريقيا، وأنشأ هذه الدار سنة: 1971م.
نائب مدير المدرسة: هو الشيخ إسماعيل بن محمد إسحاق.
وعمره: 44 سنة.
بدأ دراسته في جنوب أفريقيا، ثم ذهب للدراسة في كجرات بالهند في الجامعة الإسلامية في شعبة القراءات، ودرس على الشيخ "أحمد الله بهاري" القراءات العشر.
وعنده ستة أولاد. وكان في المدرسة عند تأسيسها طالب واحد فقط، وأستاذ واحد هو المؤسس. وعدد طلاب المدرسة الآن: خمسمائة طالب. وعدد الأساتذة: خمسة وثلاثون أستاذاً. وتوجد مدرسة أخرى خاصة بالبنات في نفس القرية، وهي تشمل المراحل الثلاث: الابتدائي والمتوسط والثانوي، ومنهجهما إسلامي فقط.
وطلابها قد درسوا في المدارس الحكومية الثانوية فما دونها. والطلاب الصغار الذين يحفظون القرآن يدرسون في الصباح في مدارس الحكومة. وقد حفظ القرآن كاملاً مائتا طالب تقريباً.
ثم يدرسون اللغة الأردية، وهي التي تدرس بها المواد كلها، وتشرح الكتب العربية بالأردية. ثم يدرسون العلوم العربية، ثم المواد الأخرى. والذي يكمل دراسة علوم الدين يمنح شهادة الفضيلة. وتمنح المدرسة شهادة القراءة برواية حفص، وشهادة القراءات السبع لمن أتمها. كما تمنح شهادة الإفتاء، وقد تخرج خمسة من المفتين. وفي نهاية السنة يبين للطلاب ما يجب أن يفعلوا مع أسرهم.
وكان من الحاضرين الشيخ حسن بن سليمان، وعمره: 43 سنة.
بدأ دراسته في جنوب أفريقيا، ثم درس في الهند في دار العلوم: "فلاح الدارين" في كجرات، تخرج سنة: 1985م.
وهو الآن يقوم بتدريس الفقه والتفسير والحديث في هذه الدار. وله ولدان.
وكان من الحاضرين أيضا الشيخ محمد سعيد بن محمود المفتي.
وعمره: 46 سنة.
بدأ تعليمه هنا، ثم تعلم في الجامعة الإسلامية في كجرات، وفي دار العلوم في ديوبند، وتخرج سنة: 1980م. ويقوم بتدريس الحديث والإفتاء، وهو الذي يرد على فتاوى المستفتين. وله سبعة أولاد.
و كان من الحاضرين: الشيخ فضل الرحمن بن آدم، وعمره 47 سنة.
تخرج في الجامعة الإسلامية في كجرات بالهند سنة 1973م. ويقوم بتدريس القرآن والتجويد في المدرسة. وقد جرت بيننا مذاكرات طويلة في موضوع البلاغ المبين، ونشر الدعوة الإسلامية بين غير المسلمين، وتعليم اللغة العربية التي اعترف غالب من اجتمعت بهم من العلماء بالتقصير في تعليمها.
يلاحظ أن علماء الأحناف يظهرون التزامهم بما يتفق عليه غالب علمائهم في كثير من الأحكام والمواقف، فتسمع العالم منهم يقول: قال علماؤنا، وهذا رأي علمائنا، وقد يكون للعالم رأي راجح عنده، ولكنه لا يصرح به في الغالب. وهذا الموقف جعل أتباعهم من الطلاب والعوام يحترمونهم.
وإذا خرج أحد من طلابهم أو من الطلاب الذين يدرسون في بعض الجامعات في خارج البلاد عن رأيهم، أصدروا فتوى ضده تحذر منه، فيسقطه ذلك بين المسلمين، ويصبح معزولاً بينهم.
عبد الله ملاوي ومدينة الذهب (GOLD REEF CITY):
الأحد: 7/3/1420هـ ـ 20/6/1999م.
ليس عندي اليوم الأحد ـ وهو يوم إجازة - إلا موعدان؛ أحدهما سياحي، وهو زيارة مدينة الذهب في مدينة جوهانسبرج، وكنت أظن أن الشيخ أحمد فيصل ـ الذي رافقني إلى حديقة الحيوان كما مضى ـ سيرافقني إلى مدينة الذهب، ولكنه لم يحضر ـ ولعله زهد في الذهب ـ ولكن السائق عبد الله ملاوي جاءني وحده، وهو لا يفهم ـ غالباً ـ إلا اسمي، وأنا لا أفهم ـ غالباً ـ إلا اسمه، لأن كلاً منا اسمه: (عبد الله!) وذهبت معه.
ودفعنا قيمة تذاكر الدخول، وعندما دخلنا أخذ صاحبي يتلفت هنا وهناك وأنا أتبعه وأتلفت مثله، وينظر إلي وجهي ليرى ما في نفسي من رضا أو غيره، ثم أخذنا ندور فرأينا ألعاباً كهربائية تدور بالأطفال وأسرهم، ودكاكين تبيع المشروبات ... ومطاعم ... ورأينا عربة قطار بعض أجزائها مُذَهَّبة، يبدو أنه كان وسيلة نقل في مناجم الذهب الذي سميت المنطقة باسمه.
وأحس عبد الله أنني متضايق من عدم وجود من يشرح لي ما يمكن أن نراه في هذه المدينة، فقال لي: آسف! هذه أول مرة أجيء فيها إلى هذا المكان.
فقلت له: فلنعد إلى الفندق، وعدنا.
ولم يُقْبِلْ إقبال!
وكنت على موعد اليوم مع الأستاذ الجامعي "إقبال جاز بال" بأن يأتيني إلى الفندق في الساعة الحادية عشرة صباحاً.
وأنا أرغب كثيراً في الاجتماع بأساتذة الجامعات، لأنهم أكثر ثقافة من غيرهم، وأقدر على إعطاء المعلومات عن البلد وسياستها واقتصادها وعاداتها.. وانتظرت مجيء إقبال إلى الساعة الثانية بعد الظهر، ولكن إقبالاً لم يقبل!
مع رئيس منظمة أمة الإسلام آدم عباس مبانيا في الفندق:
بدأ بعض المسلمين الذين لم يكونوا مسجلين في برنامج زيارتي يسمعون عن وجود أستاذ من الجامعة الإسلامية يزور المؤسسات الإسلامية في جنوب أفريقيا والعلماء، وظن بعضهم أنني جئت مندوباً من الجامعة ـ مع أني قد أخبرت كل من اجتمعت به أن زيارتي خاصة، ولا صلة لي بأي مؤسسة ـ وبدءوا يتصلون بي في الفندق، منهم من يطلب مني موعداً لزيارة مؤسسته، ومنهم من يطلب مني موعداً ليزورني في الفندق، وكنت غالباً أعتذر للفريقين، لازدحام أوقاتي بالمواعيد، ولكن الأخ الأوغندي "شيخ شعيب" وهو متخرج من الجامعة الإسلامية بالمدينة اتصل بي ملحاً علي في أن أحدد له موعداً ليقابلني هو ورئيس منظمة أمة الإسلام "آدم عباس مبانيا" الذي يعمل معه شيخ شعيب.
فقلت له: لا بأس أن تحضرا إلى الفندق بعد المغرب، فجاءا.

آدم عباس مبانيا رئيس منظمة أمة الإسلام:
شاب طويل بشوش، إذا تكلم تفاعل مع كلامه بحركات تتناسب مع معانيه، كنت أشعر بذلك عندما يتكلم وأسمع ترجمة كلامه.
عمره: 32 سنة. تخرج في جامعة: ناتال في العلوم السياسية سنة: 1994م.
وقال: إنه يعمل في التجارة، ويقوم بالدعوة.
سألته عن عدد أعضاء منظمته؟
فقال: المسئولون الإداريون سبعة أشخاص.
وعدد المسلمين التابعين للمنظمة عشرة آلاف في جنوب أفريقيا كلها.
وعندهم غرفة واحدة في ساويتو يعلمون فيها أبناء المسلمين السود، وعددهم تسعون طالباً، وللمنظمة في جنوب أفريقيا كلها عشرون مدرسة صغيرة، كلها غرف صغيرة. ويدرسون القرآن والحديث واللغة والإنشاء. وأحيانا يدرسون الكبار.
سألته متى دخل في الإسلام؟
قال: سنة 1986م. كان لأسرته اتصال بالمسلمين، فرغبوا في الإسلام ودخلت الأسرة كلها في الإسلام.
وقال: إننا نقوم بدعوة غير المسلمين عن طريق ترتيب مؤتمرات وزيارة الكنائس.
سألته كم عدد الداخلين في الإسلام شهرياً؟
قال: يدخل في الإسلام شهرياً أربعة أشخاص تقريباً، والمشكلة أن الذين يدخلون في الإسلام لا توجد لهم مساكن بين المسلمين، فإذا أسلموا رجعوا إلى مساكنهم القديمة وهم لا يفهمون الإسلام، فيعملون أعمالاً تخالف الإسلام، ولو كان لهم مساكن تجاور المسلمين لكثرة الداخلون في الإسلام، وبقوا ثابتين عليه عاملين به.
سألته عن أصناف الداخلين في الإسلام؟
قال: الغالب من الشباب والنساء، وأكثرهم من المثقفين ومن النصارى. والناس عندهم استعداد لسماع الدعوة الإسلامية إذا وجدت الإمكانات، وسيدخلون في الإسلام. والمنصرون يتابعون من دخل في النصرانية، لما عندهم من الإمكانات، بخلاف المسلمين.
والناس عندهم أمل في المسلمين أكثر من أملهم في النصارى، ولكنهم ينتظرون ماذا سيفعل المسلمون، بخاصة بعد انتهاء الحكم العنصري الذي كان يحول بينهم وبين الاختلاط بالمسلمين.
وكان الأخ آدم ساخطاً على المسلمين الهنود وهاجمهم مهاجمة شديدة متهماً لهم بأن معاملتهم للسود هي معاملة عنصرية أشد من معاملة البيض لهم، وقال: نحن نختبر المسلم الصادق بأن يأتيه الشاب المسلم الأسود ليخطب ابنته، فإذا زوجه فهو مسلم صادق، وإلا فهو مدع للإسلام وليس صادقاً.
وقال: إن الهنود عندهم إمكانات ويستطيعون أن يساعدوا السود بالدعوة إلى الإسلام، وببناء المساجد والمدارس، ولكنهم لا يريدون ذلك.
وقد حاولت أن أخفف من غلواء الأخ آدم، وحثه على محاولة التفاهم مع الهنود، وعدم الهجوم عليهم.
ومع ذلك فقد كلمت العلماء الهنود في هذا الأمر واعترفوا بالتقصير في دعوة السود وتحسين صلتهم بهم، وأنهم يحاولون الآن تلافي هذا الأمر.
هذا مع العلم أنه يوجد الآن بعض المراكز الإسلامية المهتمة بالسود، كما سيأتي في هذه المذكرات... كنت أود أن أزور مقر هذه المنظمة، لأطلع بنفسي على نشاطها، لأتمكن من الحديث عنها بصورة متيقنة.
هذا وقد جاء الأخ شيخ شعيب بعد رجوعي من الجنوب بأسبوع يطلب مني تزكية للتجار والأغنياء والمؤسسات الإسلامية، لمساعدة المنظمة بالأموال التي تمكنها من القيام بنشاطها، مع العلم أنني قلت لهما عند لقائنا: أنا لا صلة لي بالأغنياء والتجار، ولا مانع عندي من الكتابة لكم كتابة عامة، بحسب ما سمعت منكم، لعدم وقوفي المباشر على منظمتكم.
وإضافة إلى ذلك فإن الناس لا يساعدون كل من جاءهم يطلب المساعدة، وإنما يساعدون من جاء يحمل مشاريع عليها أدلة تثبت صحة قولهم. [وكنت في شك من المعلومات التي أدلى بها رئيس هذه المنظمة، لما فيها من المبالغات، ثم اتضح لي أنها منظمة وهمية، لا حقيقة لها، وأن صاحبها كان يحاول الاحتيال للحصول على المال، واستغل الشيخ شعيباً ليعبر عن طريقه إلى مآربه، وقد تركه الشيخ شعيب الذي عاتبته على تزكيته، فاعتذر بأنه لم يكن يعرفه من قبل، وأنه كذب عليه، فلما تبين كذبه تركه!].
خواطر وملحوظات:
[من عادتي تسجيل خواطري أو ملحوظاتي في الوقت الذي تعن لي، وقد تعرض لي خواطر أخرى في أوقات أخرى تدخل فيها جزئيات من الخواطر السابقة بصفة مفصلة أو موجز ة لمناسبة ما].
الذي ظهر لي أن اهتمام المسلمين الهنود في جنوب أفريقيا بالمسلمين الأفارقة السود ضعيف جداً، وأشد ضعفاً منه الاهتمام الواجب بدعوة غير المسلمين وأهم الأسباب في هذا الضعف في الجانبين ما يأتي:
السبب الأول: إحساس المسلمين الهنود بالخطر على أنفسهم وأسرهم وأبنائهم، وخوفهم من الذوبان في غير المسلمين الذين هم الكثرة الكاثرة. ولهذا يوجهون جهودهم إلى إقامة المؤسسات الإسلامية من مساجد ومدارس ومراكز لتعليم أبنائهم وأسرهم، وما عدا ذلك قد يوجهون له قليلاً من الجهد الذي لا يؤثر على هدفهم الأساسي، وهو ما سبق.
السبب الثاني: أن المستعمرين الأوربيين فصلوا فصلاً تاماً بين فئات السكان البيض وغيرهم من عامة السكان ـ ومنهم المسلمون الهنود ـ وبين الأفارقة السود، ولهذا بقي كل صنف على ما هو عليه فترة طويلة.
السبب الثالث: شعور الهنود بأن دعوة الأفارقة غير المسلمين والاهتمام بمتابعة من أسلم منهم يحتاج إلى إمكانات كبيرة قد لا تتوافر لهم.
السبب الرابع: ـ يذكره بعض المسلمين السود ـ وهو أن الهنود لا يريدون للسود إيجاد مراكز ومساجد ومدارس مستقلة عن توجيهاتهم، خشية أن يصبحوا مستقلين عنهم في التربية والتعليم والتمذهب بمذاهب أخرى غير المذهب الحنفي، فيصبحوا أكثرية إسلامية يضايقون المسلمين الهنود في المذهب.
إن بعض المسلمين قد وفدوا إلى جنوب أفريقيا من خارجها، وهم قد تعلموا في بعض الجامعات العربية، ومنهج تلك الجامعات في المذاهب وفي بعض الأفكار قد يختلف عما عليه علماء الهنود، ويخشى هؤلاء من بروز الوافدين الذين قد يصبحون متبوعين من قبل المسلمين السود أو من بعض الشباب من أبناء الهنود، فيضعف بذلك تأثيرهم في المسلمين الذي هو الآن السائد في البلد، بحيث إذا أصدروا فتوى أو حذروا المسلمين من أحد غير علمائهم قبل ذلك تركهم عامة المسلمين وسقط مخالفهم في أعين الناس.
ولهذا يجد الزائر تنافراً بين علماء الأحناف والوافدين إلى البلاد من غيرهم، وكل منهم يحذر من الآخر ويشكو منهم إما صراحةً وإما ضمناً.
إن هذه الأمور أشعرتني بالخطر على مستقبل المسلمين في هذا البلد، وألخص ذلك فيما يأتي:
إن البلاد هي ـ في الأصل ـ بلاد الأفارقة السود، ومهما طال الزمن فإن المستقبل ـ غالباً ـ هو مستقبلهم في بلادهم، ومما يدل على ذلك أن الاستعمار الأوربي العنصري، ظل مسيطراً عليهم زمناً طويلاً، ثم كانت العاقبة في حكم بلادهم لهم. وإن كان الاقتصاد والمال بيد البيض.
فإذا لم يحصل وفاق ووئام بين المسلمين الهنود والمسلمين السود، فإنه يخشى على المسلمين الهنود من تصاعد الحقد الأفريقي عليهم، حتى يصل في النهاية إلى الهجوم والطرد للمسلمين الهنود، وابن البلد المنتمي إلى الكثرة قد يكون اليوم ضعيفاً، ولكنه قد يصبح غداً قوياً، وبخاصة مع وجود الحرية السياسية والانتخابات التي تغير الحكومات والزعماء بين وقت وآخر.
وإذا كانت الحكومة السوداء الحالية تحترم المسلمين ـ في الجملة ـ وتضع بعضهم في مراتب عليا مهمة، فإن ذلك قد لا يدوم، إذا لم يخطط المسلمون الهنود ـ وغيرهم ـ ما يقوي صلتهم بالأفارقة السود.
وإن أعظم سبب لقوة الصلة بين الفريقين هو مساعدة المسلمين السود على التمسك بدينهم عن طريق بناء مساجد ومراكز إسلامية وتدريب دعاة منهم تدريباً يمكنهم من القيام بالدعوة النافعة.
ويجب أن يراعي المسلمون الهنود مستقبل ذراريهم في هذا البلد، لأن وضعهم الآن وضع جيد جداً، وعندهم حرية ممتازة في عقيدتهم وعبادتهم وتربية أولادهم، وعندهم حرية في دعوة غيرهم إلى الإسلام، وكلما كثر الداخلون في الإسلام كان ذلك أكثر تحقيقاً لمصالحهم، ووضعهم الاقتصادي والمالي جيد، وإذا لم يهتموا بالسود اهتماماً يجعلهم يحترمونهم ويستمرون في احترامهم، فإنه يخشى على مستقبل ذراريهم من المضايقة وفقد الحرية الموجودة الآن.
ويجب أن يتذكر الهنود ما يجري للمسلمين في البوسنة والهرسك وكوسوفا بل ما يجري في بعض البلدان الأفريقية.
الواجب على المسلمين الهنود أن يساعدوا المسلمين السود في تربية أبنائهم وإقامة مساجد ومراكز لهم، بصرف النظر عن المذهب الفقهي الذي قد يتبعه هؤلاء ما دام مذهباً سنياً، فإن عدم مساعدتهم بسبب اتباعهم مذهباً آخر غير المذهب الحنفي قد يوجد مشكلات، وقد يغتنم ذلك الشيعة ويبذلون المال والمنح الدراسية وغيرها، فيصبح كثير من المسلمين السود أتباعاً للشيعة، وفي ذلك خطر شديد على أهل السنة على أي مذهب كانوا من المذاهب السنية.
ينبغي للمؤسسات الإسلامية في الدول العربية كلها ـ وبخاصة في المملكة العربية السعودية ودول الخليج ـ أن تمد يد العون للمسلمين السود ولدعوة غير المسلمين منهم، وذلك بالأمور الآتية:
الأمر الأول: إقامة مساجد ومراكز إسلامية لهم في أماكن تجمعاتهم، ليقيموا فيها شعائر دينهم، ويعلموا أبناءهم.
الأمر الثاني: أن يبعثوا لهم من يعلمهم ويعلم أبناءهم الإسلام واللغة العربية، ويساعدهم على دعوة غيرهم إلى الإسلام.
الأمر الثالث: بناء مساكن صغيرة للمسلمين الجدد قرب المساجد والمراكز الإسلامية، ليتمكنوا من التفقه في دينهم ويثبت إيمانهم ويستمروا في عملهم بالإسلام.
الأمر الرابع: أن يساعدوا الدعاة منهم بإيجاد وسائل اتصال مباشرة، وغير مباشرة، مثل السيارات والإذاعات والكمبيوترات والمطابع وغيرها.
الأمر الخامس: إيجاد خدمات صحية كمستوصفات ثابتة أو متنقلة.
فِطَر الأفارقة السود أقرب إلى قبول الإسلام، سواء كانوا نصارى أو وثنيين، ولا يمنعهم ـ غالباً ـ من الدخول في الإسلام إلا عدم البلاغ المبين.
في جوهانسبرج مرة أخرى:
[قدمت هذه المعلومات مع تأخر تاريخها من أجل اتصال كل المعلومات المتعلقة بجوهانسبيرج في مكان واحد].
الاثنين 29/3/1420هـ ـ 12/7/1999م
نزلت في فندق (مايكل إنجلو THE HOTEL MICHEAL ANGELO) [تحيط بهذا الفندق الأسواق الكبيرة المحتوية على كل ما يريده المتسوق، وهي مزدحمة بالرواد الذين يأتونها في كل الأوقات، وقد اختار لي الموظفون غرفة في جانب من الفندق بعيد عن تلك الأسواق المزعجة، ولو كنت قريبا منها لما استطعت البقاء فيه ساعات].
وعزمت على البقاء في الفندق لأرتاح وأرتب أمتعتي، وقد التقطت من شرفة الغرفة صوراً لبعض الأحياء في مدينة جوهانسبرج.
وأخبرني الأخ محمد فريد شونارا أنه ضرب لي موعداً صباح غد الثلاثاء مع الشيخ "إبراهيم ميا".

خاطرة:
المؤسسات الإسلامية في جنوب أفريقيا تُذَوِّب الدعاة الدارسين في الخارج في الجامعات والمعاهد الإسلامية في نشاطها والالتزام بمناهجها، وتحظر عليهم الخروج عما تسير عليه من تقليد أو تصوف أو أسلوب تعليم ... فإذا لم يستجيبوا استجابة كاملة لذلك نبذتهم وأثارت حولهم الشبهات عند اتباعها، ويحتاجون عندئذ إلى أحد أمرين: إما إظهار الموافقة والعمل مع إحدى تلك المؤسسات التي تظل تراقبهم حتى تطمئن على صدقهم معها، وإما الإصرار على ما هم عليه والاستقلال بعمل خاص بحيث يبدءون في الدعوة والتعليم أو في أحدهما من الصفر مع احتمال إخفاقهم، لعدم وجود الإمكانات التي يستعينون بها على عملهم، أو بسبب تنفير المؤسسات الإسلامية التي خالفوها منهم، فلا يجدون من يستجيب لدعوتهم من المسلمين.
والغالب أنهم يضطرون إلى الاندماج مع المؤسسات القائمة، مع إقرارهم لمناهجها دون نقد لها ولو في الظاهر.
إن المؤسسات الإسلامية في جنوب أفريقيا ـ وفي غيرها أيضاً ـ شبيهة بالدول الاستبدادية ـ وكذلك بعض الأحزاب ـ التي تحرص على فرض هيمنتها على رعيتها في كل المجالات العقدية والفكرية والسياسية والاقتصادية، وحماية تلك الرعية من أي مبدأ مخالف يفد به أي وافد، خوفاً من تأثر رعيتها بتلك المبادئ وخروجهم عليها وحرصاً على استمرار سلطتها التي تظن أنها لا تبقى إلا بحماية تلك المبادئ التي فرضتها عليهم.
والحقيقة أن هؤلاء الدعاة الذين يدرسون في الخارج، في حاجة إلى شيء من المداراة والحكمة والتدرج المناسب في نشر أفكارهم التي يعتقدون وجوب العمل بها والدعوة إليها، والفقيه البصير الحكيم يستطيع تخطي العقبات للوصول إلى هدفه دون أن ينطح برأسه الصخور، مثل النهر الجاري الذي يتجنب الهضاب والصخور ويتتبع المنافذ المجاورة لها.
الاجتماع بسكرتير جمعية العلماء الشيخ إبراهيم بهام:
الثلاثاء 30/3/1420هـ ـ 12/7/1999م
كنا على موعد مع الشيخ (إبراهيم بن إسماعيل بهام BHAM ) السكرتير العام لجمعية العلماء بـ"ترنسوال" في جوهانسبرج، ولم نتمكن من الجلوس معه طويلاً، لأنه كن مصاباً بزكام حاد، وكان قبل وصولنا في المستشفى.
عمره 39 عاماً، وكان مولده في "بريتوريا".
درس على يد الشيخ لطف الرحمن ـ وهو من بنغلاديش ـ ثم ذهب إلى باكستان ستة: 1973م للدراسة في جامعة العلوم الإسلامية التي أنشأها الشيخ البنوري في كراتشي وحفظ القرآن الكريم، وبقي هناك عشر سنوات.
ومن أساتذته الدكتور عبد الرزاق اسكندر، [كان من زملائي في الدراسة بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة]. ومفتي ولي حسن، وحبيب الله مختار. وتخرج سنة: 1983م.
وقام بعد رجوعه من باكستان بإمامة أكبر مسجد، وهو مسجد الحميدية قرب مقر جمعية العلماء هذا، يصلي في المسجد يوم الجمعة ألف مصل، وكان بناؤه سنة: 1908م.
وهو مدير في جمعية العلماء منذ عشر سنوات. ومدير مجلس اتحاد العلماء في جنوب أفريقيا هو الشيخ نظيم محمد.
عدد العلماء في جنوب أفريقيا: ألف عالم تقريباً.
وقد أنشئت الجمعية سنة: 1923م وكان رئيسها الأول مفتي إبراهيم سنجافي، في جوهانسبرج، ثم ذهب إلى منطقة (مياس فارم MIAS FARM ) ومعناها: حديقة المياه ودَرَّس هناك، وانتقل المكتب إلى نفس المنطقة.
وفي سنة: 1985م انتقل المكتب إلى جوهانسبرج مرة أخرى في منطقة: (فورد سبورج FORDSBURG ).
وفروع الجمعية كثيرة جداً في جنوب أفريقيا. ويتبعها راديو الإسلام في" لينسيا". وتتبعها سبعون مدرسة "كتاتيب" لأبناء المسلمين، وتوجد 55 مدرسة إسلامية خاصة تجمع بين المواد الإسلامية والمواد الحكومية.
أهداف الجمعية: التعليم والدعوة والإرشاد، والاتصال بالدولة في حقوق المسلمين.
والمذاهب الموجودة في جنوب أفريقيا: المذهب الحنفي، وهو الأكثر انتشاراً في جنوب أفريقيا، ما عدا كيب تاون، فإن انتشار المذهب الشافعي فيه أكثر، ويوجد المذهب السني، وهو مذهب البرلويين. [هكذا يسمون أنفسهم: أهل السنة، وقد سبق التنبيه على مذهبهم الغالي الذي يصادم الكتاب والسنة التي ينتسبون إليها، من دعاء الموتى والتبرك بالقبور وزعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بشراً، وتكفير من يدعي أنه بشر].
وسألت الشيخ إبراهيم: هل بلغت معاني فروض العين بالتفصيل إلى جميع المسلمين في جنوب أفريقيا؟
فأجاب: إن 80% تقريباً من الهنود قد بلغهم ذلك، أما غيرهم فأقل من ذلك، وقد يكون نسبتهم 40%.
قلت: وهل وصل معنى "لا إله إلا الله" على حقيقته إلى غير المسلمين في جنوب أفريقيا؟
فأجاب: البيض كانوا يظنون أن المسلمين يعبدون الكعبة، والآن معرفتهم أحسن، وكذلك السود. والكثير وصل إليهم الإسلام بصورة مشوهة منفرة. والقليل جداً وصل إليهم على حقيقته.
قلت: وهل لديكم خطة لدعوة غير المسلمين؟
قال: لا توجد خطة منظمة.
قلت: هل من السهل دخول السود في الإسلام؟
قال: دخول سكان البادية منهم سهل.
قلت: كيف ترى مستقبل الإسلام في جنوب أفريقيا؟
قال: الإسلام مغروس في البلاد، ويجب إكمال البناء.
وحصل حوار حول تقصير العلماء والمؤسسات الإسلامية في دعوة غير المسلمين، وفي كثير من الفتاوى الاجتهادية القديمة التي يحتاج المسلمون في البلد إلى إعادة النظر فيها.
وقال: إن العلماء سيجتمعون قريباً، وسيناقشون موضوع دعوة غير المسلمين وبعض الموضوعات الأخرى. وقد ظهر لي من الحوار مع الشيخ إبراهيم أنه على علم جيد، وعنده انفتاح على بعض الجوانب المعاصرة، وقبول للحوار في المسائل الاجتهادية، أي إنه معتدل في التقليد وليس جامداً كما عليه كثير من العلماء هناك.
زيارة مركز التوحيد الإسلامي:
الاثنين 20/6/1420 ـ 1999م
ذهبنا صباح هذا اليوم إلى مركز "التوحيد الإسلامي" ويقع في منطقة: "كْراس ميري GRASMERE" على بعد 40 كيلو متر من جوهانسبرج وكان يرافقني الأخ إبراهيم سلو.





الشيخ عبد السلام بن جاد بسيوني:
وقد أسس هذا المركز الشيخ عبد السلام بن جاد بسيوني المصري.
وقد اصطحبنا للمرور بفروع المركز، وهي متقاربة في نفس المنطقة.
وكان المركز الرئيس هو آخر محطة لنا في هذه الزيارة، حيث صلينا فيه الظهر، وطلب مني الشيخ عبد السلام إلقاء محاضرة للطلاب والأساتذة، تضمنت الحث على الاجتهاد في طلب العلم والعمل به والدعوة إليه.
وفي مكتب المركز أخذت المعلومات الآتية من رئيسه:
ولد الشيخ عبد السلام في محافظة الشرقية بمصر، سنة: 1950م.
تخرج في كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر سنة: 1976م.
ثم تخرج في معهد الأئمة والدعاة التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة، سنة: 1964م. ونال شهادة الماجستير من "جامعة دار الإحسان "في بنغلاديش" سنة: 1995م. ونال شهادة الماجستير في الدراسات الإسلامية في جوهانسبرج، بعنوان: "واقع الدعوة الإسلامية في سيراليون".سنة: 1996م.
أعماله: بدأ القيام بالدعوة في "سيراليون" غرب أفريقيا متعاقداً مع رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وبقي هنالك مدة تسع سنوات من سنة 1981م ـ 1990م مشرفاً على دعاة الرابطة، وعددهم عشرة.
وعندما انتشرت الأمراض في سيراليون، وكانت الخدمات الصحية سيئة، فكر في أمر أولاده، وطلب نقله إلى البرازيل في أمريكا الجنوبية، ولكن الشيخ بدر الدين نصحه أن يغير طلبه إلى الانتقال إلى جنوب أفريقيا، لأن الحاجة إلى الدعوة فيها أشد ومجال الدعوة فيها أفضل.
فوافقوا على طلبه وجاء إلى جنوب أفريقيا سنة: 1990م.
وكان مدير مكتب الرابطة في ذلك الوقت الدكتور "محمد مونيات"، وهو هندي، وأحيل إلى التقاعد لكبر سنه.
وبدأ الشيخ عبد السلام الدعوة في مركز نور الإسلام ـ وهو تابع للهنود في نفس المنطقة ـ قام بتدريس اللغة العربية والقرآن الكريم، كما كان يقدم درساً بعد صلاة العشاء يومياً في التفسير والموضوعات العامة. بقي على ذلك مدة، ولكنه شعر بأنه لا يقدم جديداً للدعوة.
فقرر البدء بالدعوة في منطقة "كراس ميري" المذكورة سابقاً، وفي يوم الجمعة 1رجب 1413هـ 25 ديسمبر 1992م اجتمع عدد كبير من السود ـ وهم غير مسلمين ـ وكان حديثه باللغة العربية، وتُرجِم إلى اللغة المحلية، وقد اعتنق الإسلام في ذلك اليوم: (630) شخصاً.
وقد دل ذلك على أن المنطقة ذات خصوبة للدعوة، والناس يقبلون على الإسلام. فأخذ الشيخ عشرة أولاد من أبناء الحي ليدرسهم ويدربهم على الدعوة الإسلامية، ويكونوا نواة للدعوة، ثم تكاثروا وأصبح عدد الدارسين الآن مائتاً طالب، وهم من مناطق متعددة. ثم كونت لجنة تأسيسية، وأخرى تنفيذية للمركز، وعدد أعضاء اللجنتين "13 عضواً"، وهم من العلماء والتجار، وللمركز الآن ستة فروع، غالب المناطق التي أنشئت فيها لم تصل إليه الدعوة من قبل.
ويضم المركز أربعة أقسام:
القسم الأول: يقوم بتعليم العلوم العربية والعلوم الشرعية، ومدته ست سنوات، يكون المتخرج منه صالحاً للقيام بالدعوة والإمامة، وتعليم اللغة العربية. وطلاب هذا القسم يتعلمون العلوم العصرية في مدرسة رسمية مجاورة للمركز. والمركز مسئول عن الإنفاق الكامل على الطلاب.
القسم الثاني: يقوم بتعليم الداخلين في الإسلام ـ كباراً وشباباً ـ يعلمون مبادئ الإسلام لمدة شهر في المركز، ثم يعودون إلى مساكنهم.
القسم الثالث: قسم الحضانة الإسلامية، وهو يضم أبناء المسلمين وغيرهم، وهؤلاء يتعلمون كل يوم في المركز ثم يعودون إلى أهلهم.
القسم الرابع: خاص بتعليم الأخوات الداخلات في الإسلام، يُعَلَّمْن مبادئ الإسلام، وحرفة الخياطة لمدة ثلاثة أشهر مجاناً، ويحصلن على شهادة تخرج ليتمكن من العمل في المنازل أو في الشركات.
أما فروع المركز الأخرى، فالدراسة فيها يومية في الصباح لتعليم الصغار وفي المساء لتعليم الكبار.
وبعضها لقسم الحضانة في الصباح، ولتعليم طلاب المدارس الحكومية في المساء.
ويقدم لهم المركز وجبتي غذاء: وجبة في الصباح وأخرى في المساء.
وقد بلغ عدد الدارسين في المركز وفروعه: "1450 دارساً".
ويشارك في العمل في المركز الشيخ أحمد حبيب، والشيخ بشير أحمد، والشيخ سلامة السيد، مع مجموعة المعلمين.
والنفقات تأتي من أبناء المسلمين الهنود، وتبلغ في الشهر: 80 ألف راند. [اسم لعملة جنوب أفريقيا، وقيمة الدولار في الوقت الحاضر (6 راند)].
وبلغ عدد الداخلين في الإسلام من آخر سنة 1992م إلى الآن (8400) شخص.
ويرجع الطلاب الذين يتخرجون من المركز إلى أهلهم، ويقومون بالدعوة بينهم، وكل المراكز التي فتحت كان من أسبابها تدريب هؤلاء الطلاب الذين ينطلقون في قوافل الدعوة.
وقد زار المركز الدكتور أحمد محمد على رئيس بنك التنمية الإسلامي، سنة 1995م. وزاره الدكتور محمد عبده يماني، والشيخ الشريم، والشيخ السديس إماماً المسجد الحرام.
عقبات في طريق الدعوة:
سألت الشيخ عبد السلام عن العقبات التي تعترض الدعوة؟
فأجاب:
1 - عدم الانسجام بين المسلمين وغير المسلمين.
2 - ما زال كثير من الناس يظنون أن الإسلام دين خاص بالهنود.
3 - قلة الدعاة الأكفاء.
4 - قلة الإمكانات المادية المعينة على القيام بالدعوة، مع العلم أن كثيراً من المسلمين السود عندهم استعداد لفتح مراكز في مناطقهم، والذي يمنعهم من ذلك عدم الإمكانات.
5 - عدم وجود إعلام إسلامي، ولا يصل صوت راديو الإسلام إلى مناطق البلد كلها، إلا قليلاً في الليل.
6 - قلة المنح الطلابية لتعليم أبناء المسلمين.
الاستعمار والإسلام في جنوب أفريقيا:
وذكر الشيخ عبد السلام لمحة موجزة عن دخول الاستعمار والإسلام إلى جنوب أفريقيا، فقال:
بدأ الاستعمار من عهد البرتغاليين قبل ثلاثمائة سنة، ثم جاء بعدهم الهولنديون، ثم الإنجليز، وبقي الجنس الأبيض من مختلف البلدان الغربية، ويتراوح عددهم ما بين 4 -5 ملايين، وفي يدهم عصب الحياة. [الاقتصاد والمال والخبرة الإدارية بكل أصنافها]. وعدد الملونين ـ وهم الذين توالدوا من تزاوج أجناس متنوعة ـ يقارب أربعة ملايين. وعدد الهنود يتراوح ما بين مليون ومليونين. وعدد السود أكثر من 35 مليوناً. [هذه الأعداد مجرد تخمين، ويحتاج في ضبطها إلى إحصاء دقيق، وقد سبق في المقدمة العدد الرسمي لعام 1995م].
والإسلام دخل البلد عن طريق الشيخ يوسف الذي جاء من الجزر الملايوية، [كثير من الناس يظنون أن أول من أدخل الإسلام إلى جنوب أفريقيا هو الشيخ يوسف والحقيقة أن بعض المسلمين من جزر الملايو وصلوا قبله، ولكن الدعوة إلى الإسلام انتشرت بين المسلمين في عهده واشتهر هو أكثر من غيره، لأنه كما ذكر بعض العلماء في إندونيسيا، مع كونه عالماً، كان من أولاد الملوك، وكانت تمسك المسلمين بالإسلام وتماسكهم أقوى]. وهو من المجاهدين، نفاه المستعمرون الهولنديون إلى كيب تاون قبل 300 عام، ويمكن معرفة ذلك عن طريق مجلس القضاء الإسلامي، من الشيخ نظيم محمد رئيس المجلس، والشيخ إبراهيم جبريل، وهو متخرج من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة والشيخ محمد فقير. [اجتمعت بكل منهما على حدة في كيب تاون ـ كما يأتي ـ وقد أصبح إبراهيم جبريل هو رئيس المجلس الآن].
تزايد الأخطار الاجتماعية والإجرامية بعد الانفتاح:
ذكر الشيخ عبد السلام أن الحكومة السوداء بعد الانفتاح، اتجهت إلى إباحة بعض ما كان محرماً قانوناً في عهد التفرقة، مثل الدعارة، والزواج الشذوذي ـ زواج الرجل بالرجل، وزواج المرأة بالمرأة ـ وأصبح الساقطون يمشون عراة يعرضون وهم كذلك على شاشة التلفزيون، وفي ذلك هدم للأخلاق والشئون الاجتماعية.
ومنعوا قتل المُعْتَدَى على ماله وعرضه مَن قام بالاعتداء، إذ أصبحوا يسجنون من دافع عن نفسه وماله بقتل المُعتدِي، وإذا جُرِح السارق أو المعتدِي تقوم الدولة بعلاجه مجاناً في أرقى مستشفيات الدولة، وفي ذلك تشجيع خطير للإجرام والمجرمين.
وقد تحاول الحكومة الجديدة ـ بعد الانتخابات الأخيرة ـ إصدار قوانين تبيح تلك الأمور رسمياً، وبخاصة أن حزب المؤتمر فاز في الانتخابات فوزاً ساحقاً، وذلك يمكنه من إصدار ما يريد من القوانين عن طريق البرلمان بالأغلبية المريحة.
وللشيخ عبد السلام خمسة أولاد، وهم:
1 -طارق. وعمره 12 سنة.
2 -بلال. وعمره 11 سنة.
3 -طلال. وعمره 10 سنوات.
4 -الزهراء. وعمرها 6 سنوات.
5 -باهي. وعمره سنة واحدة.
الثلاثاء 9/3/1420هـ ـ 22/6/1999م
كنت حاولت زيارة السفير السعودي في وقت سابق، ولكن السفارة كانت مشغولة بمناسبة احتفالات حكومة جنوب أفريقيا بتسلم الرئيس الجديد الحكم من الرئيس القديم "مانديلا" وسمعت أن الأمير ماجد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة كان في زيارة لجنوب أفريقيا، لذا تأخرت زيارتي إلى هذا التاريخ.
وقد حدد سعادة السفير الساعة العاشرة من صباح اليوم للزيارة.
مع السفير السعودي وبعض موظفي السفارة في بريتوريا:
هو الدكتور" سعود بن محمد بن حسين زيدان" ولد في 29 من شهر شوال من عام: 1372هـ.

أخذ الشهادة الثانوية من مدارس الثغر النموذجية بجدة. ودرس علم الاقتصاد في أمريكا. والدراسات العليا في العلوم السياسية في نيويورك. توظف في الخارجية بجدة سنة 1399هـ، وانتقل إلى وفد المملكة الدائم في الأمم المتحدة من سنة: 1399 ـ 1408هـ. ثم انتقل إلى الخارجية في الديوان العام في الرياض، من سنة: 1408 ـ 1417هـ.
ثم انتقل إلى جنوب أفريقيا لافتتاح السفارة قائماً بالأعمال، وفي 1420 ـ أي في هذا العام ـ عين سفيراً في بروتوريا.
عنده خمسة أولاد: ابن وأربع بنات.
سألته عن الصلة بالمسلمين في البلد؟
فقال: تعرفت على أغلب الجمعيات الإسلامية. والإسلام قوي في البلد، والسر في ذلك أن الاضطهاد العنصري أدى خدمة للإسلام والمسلمين ووحدهم في أماكن استطاعوا أن يكونوا أقوياء، اقتصادياً وسياسياً، وحرصاً على نشر الدعوة. [كان نشر الدعوة في العهد العنصري خاصاً بالمسلمين في الغالب].
والأفارقة السود جعلتهم التفرقة ينظرون إلى المسيحية التي هي دين العنصريين في البلد نظرة ريبة، وإن كان غالبهم قد دخلوا صورياً في ذلك الدين، بسبب الجهود النصرانية التي أيدتها الحكومة. ولذلك فهم مهيئون للدعوة الإسلامية.
قلت له: ما العقبات التي تراها تعرقل سير الدعوة إلى الإسلام؟
قال:
1 - تشتت كلمة المسلمين وعدم تعاونهم وترابطهم.
2 - عدم وجود متابعة لمن يدخل في الإسلام.
وأهم عائق بالنسبة للسفارة أنها لا تستطيع القيام بنشاط دعوي مباشر خشية اتهامها بالتدخل في شئون المسلمين الداخلية.
والذي يسهل التغلب على تلك العقبات: محاولة جمع كلمة المسلمين، والعلماء يتحملون مسئولية ذلك. ولا شك أن الإسلام سيزدهر في هذا البلد، ولكنه يحتاج إلى تعاون وصبر ومثابرة. [التقيت سعادة السفير مرة أخرى في جبل المائدة في كيب تاون ن كما سيأتي].
الاجتماع بمدير مكتب لجنة مسلمي أفريقيا:
الأربعاء 10/3/1420هـ ـ 23/6/1999م
كنت على موعد صباح هذا اليوم، مع الشيخ "محمد بن عبد الحق إبراهيم شونارا" في المكتب الرئيس لجنوب أفريقيا في جوهانسبرج. وقد أدلى بالمعلومات الآتية رداً على الأسئلة التي ألقيتها إليه:

ولد في 3/11/1949م، في جوهانسبرج. وهو مهندس تخرج من" كلية سلطان".
زاول التجارة لمدة سنتين. ثم دخل في مجال العمل الإسلامي في تاريخ 10 ديسمبر عام 1970م.
1 - كان عضواً عادياً في حركة الشباب المسلمين في جنوب أفريقيا.
2 - ثم ترقى في الحركة، فأصبح عضواً برتبة "رفيق". ثم برتبة: "نقيب"ثم برتبة" ركن "ثم برتبة "منفذ وطني".
3 - ثم أصبح مديراً للحركة في منطقة: "ترنسفال"
4 - ثم مديراً وطنياً للحركة في جنوب أفريقيا.
وكان نشاط الحركة يشمل المجالات الآنية:
1 - المجال الطلابي في المدارس الثانوية والجامعات.
2 - البدء بدعوة السود إلى الإسلام.
3 - القيام بأعمال اجتماعية، كتوزيع الملابس والأغطية في الشتاء، وتوزيع الطعام ولحوم الأضاحي.
4 - تأسيس بنك إسلامي صغير يسمى: "جامع".
5 - إنشاء المؤسسة الطبية الإسلامية، أعضاؤها من الأطباء المسلمين.
6 - إقامة المخيمات، وعقد المؤتمرات والندوات الشبابية.
وأنشطة أخرى تتعلق بالمسلمين في جنوب أفريقيا. كان هذا إلى سنة: 1985م.
وكانت لهم علاقات بالمؤسسات الإسلامية في الخارج، مثل الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وقد جاء بعض الأساتذة السعوديين لإلقاء محاضرات. وكذلك اتصلوا برابطة العالم الإسلامي، واتحاد الطلاب المسلمين في كل أنحاء العالم. وكانت صلتهم قوية بالجماعة الإسلامية في باكستان.
دخول الإسلام في جنوب أفريقيا:
كان دخول الإسلام إلى جنوب أفريقيا من بلدان شتى:
أولها: المسلمون الذين جاء بهم الاستعمار من أرخبيل الملايو في سنة: 1600م، حيث نفوا قادتهم السياسيين الذين كانوا يحاربونهم ليطردوهم من بلادهم، وكان بعضهم من كبار العلماء والشخصيات البارزة، وجاءوا بأتباعهم عبيداً يخدمونهم في كيب تاون. وقد نشر أولئك العلماء وأتباعهم الإسلام، وصاهروا المواطنيين، وهم إحدى فئات جنوب أفريقيا حسب تصنيف الحكومات العنصرية، وتسمى هذه الفئة بـ"فئة الملونين".
ثانيها: المسلمون الذين جاءوا من الهند سنة: 1850م أحضرهم الإنجليز للعمل في حقول السكر في منطقة "دربن" [ذكر بعض المؤرخين ـ كما سيأتي في معلومات كيب تاون ـ أن الهنود ـ أيضاً ـ جاء بهم الإنجليز عبيداً، كما جاء الهولنديون بالملايويين عبيداً، إلا أن الهنود حافظوا على جنسهم فلم يصاهروا غيرهم].
ثم جاء بعد ذلك التجار المسلمون من الهند إلى دربن، ثم زحفوا إلى الشمال بالتدريج، وأخذوا يؤسسون مجتمعاتهم الإسلامية. وهؤلاء كانوا أقل من البيض في الاقتصاد، ولكنهم أقوى من السود في ذلك. وبسبب الحجر عليهم في السكن في أماكن معينة، لم يستطيعوا نشر الإسلام بين الأفارقة السود. [لقد ناقشت كل من احتج من الهنود بهذه الحجة على عدم نشر الإسلام بين السود، بأنه كان في استطاعتهم نشر الإسلام بين السود الذين كانوا يخدمونهم ـ ولا زالوا ـ في منازلهم وشركاتهم ودكاكينهم، وكانوا من الرجال والنساء والكبار والصغار، وهم كثيرون نسبياً، ولو أسلموا أو أسلم أكثرهم لكان لهم تأثير على قومهم الذين يختلطون بهم، وقد اعترف غالب من ناقشته بالتقصير في هذا الأمر، ولعلهم يتداركون الآن ما فاتهم من قبل].
ثالثها: المسلمون الذين أتوا من زنجبار، وبلدان أفريقية أخرى، وبخاصة من"ملاوي" بعد الانتخابات سنة: 1994م.
وسألت الأخ محمد شونارا عن الجمعيات الإسلامية في جنوب أفريقيا؟
فقال: الجمعيات الصغيرة كثيرة، ولكن الجمعيات الكبرى هي الجمعيات التي وضعنا لك برنامج زيارتها.
المذاهب الفقهية في جنوب أفريقيا:
كان يوجد مذهبان فقهيان في جنوب أفريقيا: هما المذهب الحنفي الذي يتبعه الهنود، والمذهب الشافعي الذي يتبعه الملايويون، والسود كانوا يتبعون أحد المذهبين. والآن بدأ بعض المسلمين يتبعون المذهب المالكي، بسبب مجيء بعض المغاربة إلى البلد. ويوجد قليل جداً من أهل الحديث السلفيين.
أسباب الاختلافات بين المسلمين:
الجماعات الإسلامية هنا ـ وفي غير هنا ـ متفرقة تراهم من الخارج كأنهم متحدون، ولكنهم في الداخل في تفرق شديد، والتفرق حاصل بين العلماء، وبين الجهال. والسبب في ذلك الحرص على المنافع الخاصة، والتضحية بالإسلام.
وقال الأخ أحمد فيصل ـ وكان حاضراً هذا الاجتماع وكان هو المترجم ـ : إن بعض الأسباب يعود إلى اختلاف المذاهب، وبعضها يعود إلى القوميات، وبعضها يعود إلى الاتجاهات المتباينة، كالصوفية وغيرها.
معلومات عن لجنة مسلمي أفريقيا في جنوب أفريقيا:
أسس مكتب اللجنة في جنوب أفريقيا قبل عشرين سنة (سنة 1987م) وهو المسئول الأول عنها.
ولها ثلاثة فروع:
الفرع الأول في جوهانسبرج. والفرع الثاني في كيب تاون. والفرع الثالث في دربن. [ وقد زرتها كلها].
نشاط اللجنة:
جمع التبرعات.
بناء المساجد في أفريقيا.
طباعة منشورات إسلامية.
جمع تبرعات الأضاحي وتوزيع لحومها على المحتاجين.
إفطار الصائم في مناطق الجفاف.
بناء المستشفيات، وحفر الآبار.
مساعدة الطلاب بالمنح الدراسية.
مساعدة المؤسسات الإسلامية في أفريقيا.
وقد جمعوا لمساعدة الصوماليين أيام المحنة مليون دولار.
برنامج دعوة السود.
للأخ "شونارا" رأي في كيفية دعوة السود، وهو العمل مع قليل منهم مع الاهتمام بتربيتهم واستمرارهم على الإسلام، بدلاً من دعوتهم عن طريق تقديم الإعانات المادية، مثل الطعام والكساء، ويعلل رأيه هذا بأن الذي يستجيب للدعوة إلى الإسلام عن طريق الطعام، قد يترك الإسلام إذا قدم له أهل دين آخر مساعدات مادية أكثر، وينتقد بعض الدعاة الذين يسلكون في دعوتهم سلوك الإعانات المادية.
وهذا نص ترجمة كلامه ـ ترجمة الأخوين أحمد فيصل وإبراهيم سلو ـ: (تحاول بعض المؤسسات الإسلامية دعوة السود بطريقة إطعامهم، ولو أدخلناهم في الإسلام بطريق الإطعام لدمروا الإسلام، بسبب عدم إبلاغهم الإسلام الصحيح، لأنهم يستقبلون الإسلام بسبب الطعام، وإذا حصلوا على طعام أكثر سيميلون إلى من أطعمهم أكثر، كالنصارى.
وقد دخل بعض السود الذين هم الآن في الحكومة، ولا يظهرون إسلامهم بسبب خوفهم من المشكلات، والذين يسلمون بدون فهم صحيح لحقيقة الإسلام لا يصلحون للإسلام.
وكل يوم يدخل عدد من السود في الإسلام، بسبب حبهم للمساعدة، وهم لا يفهمون شيئاً من الإسلام ولا يطبقونه في حياتهم.
برنامج المكتب في دعوة السود:
عندنا الآن عشرون طالباً في"مركز الفرقان" ونحب أن نعمل مع عدد قليل مع التعليم والتربية، لأن ذلك خير من أن يكونوا كثيرين بالاسم دون الفعل.
وفي السبعينات أعطينا المسلمين السود كتب المودودي وكتب محمد قطب وغيرهم، فأصبحوا أعضاء نافعين في الحكومة.
وسألته عما يشعر به المسلمون السود تجاه المسلمين الهنود؟
فقال: بعضهم يحقدون على الهنود، وبعضهم لا يحقدون، وسبب حقد هؤلاء أنهم يرون الهنود عندهم أموال وإمكانات ولا يهتمون بالمسلمين السود، حيث يبني الهنود مساجد كبيرة ومراكز إسلامية ضخمة، ينفقون في ذلك الملايين، ومع ذلك لا تجد من المصلين في تلك المساجد في صلاة الفجر صفاً واحداً كاملاً، وليس للسود مساجد يقيمون فيها شعائر دينهم وتعليم أبنائهم، وإذا وجدت لبعضهم مساجد صغيرة لا يهتم بها الهنود.
وإن من أكبر المشكلات أن يبنى مسجد واحد في منطقة الأغنياء يكلف من النفقات خمسة عشر مليون راند يعادل: 250000 دولاراً أمريكياً ـ كما هو الحال في "منطقة هاوتن" ولا يوجد بقربه من المسلمين ما يبلغ مائتي مصل، والذي دفع ذلك المبلغ لا يعلم بذلك.
عدد سكان جنوب أفريقيا (40 مليون نسمة) ونسبة المسلمين 2% من عدد السكان.
تعليق الكاتب على تقديم الدعاة مساعدات مادية للمدعوين:
غالب من اجتمعت بهم من الدعاة يشكون من قلة الإمكانات المادية، التي يرون أنها لو قدمت للسود على سبيل الهدايا والإغاثة للمحتاجين لكان في ذلك مصلحة لانتشار الدعوة بينهم، لأن كثيراً منهم لا يجدون الضروري من الغذاء والكساء، والإحسان إليهم يجعلهم يحبون المسلمين ويشعرون باهتمامهم بهم، فإذا تكررت زياراتهم وتقديم المساعدات لهم كثر إقبالهم إلى سماع الدعوة والتأثر بها، ثم الاستجابة لها والدخول في الإسلام طوعاً لا كرهاً.
وكل الدعاة متفقون على أنه لا بد من متابعة التعليم والتربية لمن يدخل في الإسلام حسب الطاقة، حتى يستمر على التمسك بالإسلام.
وبعض العلماء قد لا يرى إدخال عدد كبير منهم بدون قدرة على متابعتهم بالتعليم والتربية، خشية من أن يرتدوا عن الإسلام بدون ذلك.
والذي أراه في هذا لموضوع ـ وأزعم أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وسلم قد دلت عليه ـ أن الواجب على المسلمين اتباع سبيلين رئيسين في الدعوة إلى الإسلام:
السبيل الأولى: الاجتهاد في الدعوة إلى الإسلام ونشرها بين البشر في كل مكان يستطاع الوصول إليه، بأي وسيلة من الوسائل المتاحة المشروعة، ولا يجوز تأخير إيصال الدعوة إلى أي إنسان أو أي يلد يمكن الدعاة أن يوصلوا دعوتهم إليه، لأن في ذلك مخالفة لقاعدة إسلامية عظيمة، وهي عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يجب على الدعاة إلى الله ـ إلا ما كان واجباً على رسولنا صلى الله عليه وسلم وهو ـ البلاغ المبين، فإذا بلغوا دين الله إلى الناس فدخلوا في الإسلام وجب على الدعاة، إذا استطاعوا أن يبينوا لهم أصول الإيمان والإسلام، وفروض العين بالتدريج، فإن لم يستطيعوا ـ لأي سبب من الأسباب ـ فعليهم أن يدلوا الداخلين في الإسلام إلى مراكز المسلمين ومساجدهم ويحثوهم على الاتصال بها لاستكمال معرفة ما تجب عليهم معرفته من دينهم، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
وقد سلك الرسول صلى الله عليه وسلم هذه السبيل، فكان يطوف بالناس في مكة وفي مشاعر الحج وفي الأسواق والقرى، لتبليغ الناس هذا الدين، وكان يأتيه في المدينة الرجل على ناقته فيسأله وهو واقف على ناقته عن أركان الإسلام، ويدخل في الإسلام وينطلق راجعاً إلى قومه داعياً لهم إلى ما تعلمه.
ونطق الإنسان بالشهادتين يدخله في دائرة الإسلام، وإذا مات على ذلك نجا من التخليد في النار، وقد يكون نطقه بالشهادتين مع معرفة القدر الضروري من معانيهما سبباً في مواصلة المسلم البحث عمن يعلمه ما يجهله.
ولا أرى مانعاً شرعياً من تقديم الدعاة إلى المدعوين المحتاجين ما يسد حاجتهم من طعام أو كساء أو مسكن أو غير ذلك، بل إن ذلك لمطلوب شرعاً في الإسلام، بل لا يوجد ما يمنع من صلة بعضهم بالمال والهدايا، إذا رجي من ذلك اقترانُهم من المسلمين وتأثرهم بسلوكهم وقبول دعوتهم، وما الذي يمنع من الإحسان إليهم لقصد استمالتهم إلى الدخول في الإسلام. [محل هذه المسألة بحث البلاغ المبين الذي أرجو أن يهيئ الله لي كتابته].
السبيل الثانية: تعليم الدعاة وتدريبهم على الدعوة إلى الإسلام وبعثهم إلى القرى والمدن والبلدان، للقيام بالدعوة إلى الله، وهؤلاء يمكنهم متابعة من أسلم وتربيته وتفقيهه في الدين، وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع خلص أصحابه في دار الأرقم..
والواجب الجمع بين السبيلين حسب القدرة.
وقد وجدت بعض المراكز الإسلامية في جنوب أفريقيا تقوم بذلك، وبعضهم يقومون بإحدى السبيلين، كما سيأتي ذلك في مكانه، وقد مر بعضه سابقاً.
والذي ظهر لي أنه توجد خلافات وأحقاد بين بعض الدعاة، فيكره كل خصم طريقة خصمه في الدعوة، وقد صارحت بعضهم بذلك ونصحت لهم، أسأل الله أن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يرزقنا وإياهم الإخلاص في العمل، إنه سميع مجيب.
الاجتماع بالأخ أحمد فيصل:
هو الشيخ أحمد فيصل بن إبراهيم بن علام محمد إبراهيم.
ولد في اليوم الثاني من شهر أكتوبر سنة 1964م في منطقة: "نيجل" على بعد 100 كيلو متر من مدينة جوهانسبرج.
تعلم في المدرسة الثانوية في" سْتَنْدُتُنْ". ودرس شهرين في دار العلوم في" نيوكاسل" اللغة العربية. ثم ذهب إلى الهند وبقي في مدينة "جلال أباد" شمال الهند لمدة أسبوعين. ثم رجع إلى جنوب أفريقيا، وقضى ست سنوات في "دار العلوم ـ أزاد ول" لدراسة العلوم الإسلامية، ثم عمل صباحاً في مؤسسة نشر الإسلام بين السود في مكتب صغير، ترسل منه كتب إسلامية إلى السود في السجون. وكان يقوم بالتعليم بعد الظهر في مدرسة للأطفال.
ثم ذهب إلى باكستان سنة 1990، فدَرَس في دار العلوم في كراتشي ستة شهور، وتخصص في الفقه وعقود البنوك الإسلامية. ثم ذهب إلى مدرسة دار العلوم في كراتشي، وتخصص في الحديث على الشيخ "عبد الرشيد نعماني" لمدة أربعة أشهر، ومنحه إجازة التخصص في الحديث.
ثم رجع إلى جنوب أفريقيا، وقام بتدريس الأطفال ـ في المساء ـ القرآن الكريم، ومبادئ الإسلام ثمان سنوات. وفي الصباح يقوم بالترجمة في مكتب لجنة مسلمي أفريقيا، منذ خمس سنوات. وعنده أربعة كتب مطبوعة، وهي:
ترجمة "أهمية الزكاة".
ترجمة بحث عن "الأوراق الاقتصادية" إلى اللغة الإنجليزية، نشر البحث العربي في مجلة عربية.
محاضرة ألقاها في كيب تاون عن أهمية البنوك الإسلامية.
ترجمة جزء من كتاب "إيقاظ الهمم" لابن عطاء الله.
وألف عشرة كتب في عقود البنوك الإسلامية، ولم تطبع.
ويكتب مقالات إسلامية قصيرة في "مجلة النصيحة" وهي تابعة لمدرسة إسلامية.
تطلعات لاجتهاد جديد ينقذ من حرج جمود التقليد:
الشيخ أحمد فيصل عنده طموح قوي لطلب العلم، ظهر لي ذلك من كثرة انتقاله السريع من مدرسة إلى أخرى في داخل جنوب أفريقيا وفي خارجها، وانتقاله من تخصص لدى عالم إلى تخصص آخر لدى عالم آخر.
وهو ينكر على علماء الحنفية جمودهم على فتاوى جاهزة قديمة، وهي من المسائل الاجتهادية التي لا يوجد نص صحيح صريح يلزم المجتهد الأخذ بها، وقد لا تكون مناسبة لحاجات الناس في هذا العصر.
وقد أشار إلى ذلك بقوله: يوجد ضعف كبير في فهم الإسلام، بسبب أنهم لا يأخذون إلا بما فهموه من كتب الحنفية، مع أن الأوضاع تغيرت وتحتاج إلى اجتهاد جديد.
وأنا الآن أحاول أن أقرأ جميع المذاهب، وأريد أن أتضلع في علم أصول الفقه الذي هو الأصل في الأحكام، وأنشر الفكر الأساسي، وهو الأخذ من الكتاب والسنة بين العلماء، وأقوم بتأليف كتب على ضوء الكتاب والسنة، للمدارس الإسلامية.
وأريد أن انشر فتاوى صحيحة على "الإنترنت".
أسباب اختلاف العلماء والجماعات الإسلامية:
وسألت الأخ أحمد عن أسباب الخلاف بين العلماء وبين الجمعيات الإسلامية في جنوب أفريقيا.
فأجاب باختصار:
السبب الأول: التعصب المذهبي.
السبب الثاني: ضعف فهم كثير من العلماء للشريعة الإسلامية.
السبب الثالث: التعلق بفتاوى بعض العلماء، أو بما في كتب المذاهب. وقال الأخ أحمد: إن الخلاف يوجد بين أهل المذهب الواحد، وليس بين المذاهب المتعددة فقط، وضرب مثالاً لذلك بالخلافات الحاصلة بين أحناف مصر، وأحناف الهند، وأحناف تركيا، لكل طائفة عالم خاص يقلدونه.
لا إفراط ولا تفريط ولا بد من الحكمة في الاجتهاد:
قلت للأخ أحمد: إن ما تتطلع إليه من الاجتهاد في طلب العلم، والرجوع إلى المصادر الإسلامية من الكتاب والسنة وأصول الفقه وأصول الحديث، لبناء الاستنباط والفتوى على أساس سليم، ومحاولة إصدار فتاوى جديدة فيما يحتاج إليه الناس لإخراجهم من الحرج بسبب فتاوى اجتهادية قديمة، وتأليف كتب مدرسية على ضوء الكتاب والسنة.
إن كل ذلك من الأمور التي لا ينبغي التقصير فيها بل الواجب السعي ما أمكن لتحقيقها. ولكن يجب مع ذلك مراعاة الأمور الآتية:
الأمر الأول: استكمال آلة الاجتهاد الني ذكرها العلماء في كتب أصول الفقه، وفي الكتب الخاصة بموضوع الاجتهاد، والشروط التي يجب توافر الحد الأدنى منها، حتى تكون الاجتهادات سليمة، وأدلتها قوية تجعل العلماء يولونها عنايتهم، إضافة إلى تلمس أقوال العلماء في المذاهب كلها في نفس المسألة، أو فيما ماثلها، فقد توجد فتاوى لعلماء سابقين تناسب حالة الناس المعاصرة، والاستئناس بأقوال العلماء السابقين من أي مذهب يدعم إصدار الفتوى ويجعل العلماء المعاصرين ينظرون إلى الفتوى نظرة احترام، بخلاف ما إذا صدرت الفتوى منك وحدك لم يسبقك إليها أحد، فإن العلماء المعاصرين قد يهاجمونك ويتهمونك بالشذوذ والخروج على الإجماع.
الأمر الثاني: الاتصال بالعلماء الذين تتوسم فيهم التجاوب في مسائل الاجتهاد التي ترى أنها تستحق البحث فيها هذه الأيام، وعرض المسألة بتصور واضح، والفتوى السابقة فيها ـ إن وجدت فتوى ـ والحرج المترتب على تلك الفتوى، وطلب رأيهم في ذلك قبل أن تبدي رأيك، فقد يرون رأيك في أن المسألة تحتاج إلى اجتهاد، وفي هذا خطوة جيدة للوصول إلى الهدف.
ثم يمكنك بعد ذلك عرض رأيك ودليله، وقد يوافقونك على ذلك أو يحاورونك حتى تتوصلوا إلى نفس رأيك أو رأي آخر يلتقي مع الهدف الذي أردته، وذلك أدعى لقبول العلماء الآخرين لصدور الفتوى، أو سكوتهم عن المعارضة.
الأمر الثالث: مراسلة العلماء المسلمين في الأقطار الإسلامية، والمؤسسات الفقهية، كمجمع الفقه في رابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه في جدة التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها، فقد يوافقونك على رأيك فيكون ذلك مقوياً لفتواك. وحاول أن تتجنب الصدام مع العلماء المتبوعين قدر الاستطاعة، لأنهم إذا أجمعوا على إصدار قرار ضدك سقطت في أعين الناس وانفضوا عنك.
السفر من جوهانسبرج إلى كيب تاون:
الأربعاء 10/3/1420هـ ـ 23/6/1999م
أوصلني الأخ إبراهيم سلو ـ والسائق عبد الله ملاوي ـ إلى المطار، وأخذنا بطاقة الصعود، وكانت عندي ثلاث قطع حقيبتان وصندوق فيه كتب، وضعت الصندوق على ساحب الأمتعة، وأبقيت الحقيبتين في يدي قالت الموظفة للأخ إبراهيم ـ وقد عرفت أن صاحبه لا يجيد اللغة الإنجليزية ـ: الممر من هنا إلى بوابة الطائرة بعيد فهل يحتاج الراكب إلى مساعدة؟ قال لها: لا.
فلت: ولم لا؟ قل لها نعم، لأن ذلك يخفف عني ثقل الحقائب، إضافة إلى سرعة الوصول إلى الطائرة، فاستدرك وقال لها: نعم.
فقالت انتظرا إلى أن يبدأ الركاب بالدخول فانتظرنا.
الشيخ والطفلة!
قعدنا ننتظر وكانت بجانبنا طفلة بيضاء لا يزيد عمرها عن أربع سنوات، ومعها موظفة سوداء من موظفي المطار تشرف عليها وهي ترسم في أوراق خاصة، وكان بين حين وآخر يأتي موظف أو موظفة لطمأنتنا أنهم مهتمون بالشيخ والطفلة.
وعندما ذهب غالب الركاب إلى بوابة الطائرة، جاءت موظفة فارعة الطول، وطلبت مني ومن الطفلة أن نتبعها، وأخذت إحدى الحقيبتين ـ وهي أثقلهما ـ وكانت تتخطى الركاب ونحن نتبعها، وكانت المسافة طويلة إلى بوابة الطائرة. وكانت تداعب الطفلة ـ وهي ترطن باللغة الإنجليزية بسرعة ـ وتضحك معها، أما الشيخ فكانت تلتفت إليه أحيانا وتهز له رأسها، لعلمها أنه لا يفهم من لغتها شيئاً.
وسَلَّمَتْ الأمانتين:
عندما وصلت إلى باب الطائرة كتبت اسمي واسم الطفلة في ورقة وسلمتها لمشرفة المضيفات وطلبت منها التوقيع على الورقة. وتسلمتنا الأخيرة وأوصلت كل واحد منا إلى مقعده.
وبعدما أقلعت الطائرة (كان إقلاعها في الساعة السابعة عشرة) جاءت إحدى المضيفات ـ قبل أن يوزعوا الطعام على الآخرين ـ بطبق خاص من الطعام، وقالت لي: هذا لك، ثم نطقت بكلمة: "حلال" وعندما فتحت الصحن وجدت خبزاً محشواً بالخضار (سندوتش).
وبعد ساعة تقريباً جاء أحد المضيفين وربت على ظهري مبتسماً وذكر هبوط الطائرة والركاب والبقاء ـ ولا أدري ماذا يريد؟ ـ إلا أنه دار بخاطري أنه يريد أن يساعدني عند النزول من الطائرة، وهبطت الطائرة في الساعة التاسعة عشرة ـ أي إن مدة الطيران كانت ساعتين ـ فقمت أريد الخروج مع الركاب ـ أما الطفلة فلم تتحرك من مقعدها ـ وعندما وصلت باب الطائرة قالت لي المضيفة: تفضل اقعد قليلاً. قلت: أريد أن أذهب (I GO) فقالت: انتظر دقيقة.
ثم جاءت المضيفة الأخرى بالطفلة وأقعدتها بجانبي، ولم يبق من الركاب إلا الشيخ والطفلة، وذهبت السيارات بالركاب، وكنت خائفاً أن يمل من ينتظرني في المطار ويظن أنني تأخرت في جوهانسبرج، وبعد خمس دقائق جاء موظف من المطار في سيارة خاصة وتسلم الراكبين بالتوقيع على ورقة فيها اسماهما، ونقلنا إلى قاعة تسلم الأثاث، وكان أبو الطفلة حاضراً فأخذ طفلته وذهب، وبقي الشيخ بدون أب، ولكن الموظف لم يفارقني، وكنت أنتظر صندوق الكتب، وبعد أخذي الصندوق وخروجي رأى الأخ محمد نور يرحب بي، فتركني.
ولقد تمنيت بعد هذه القصة أني لم أطلب المساعدة، أو أني طلبت مساعدة حمل الحقيبة فقط في مطار جوهانسبرج، لأني سافرت كثيراً ولم أحتج إلى عناية مثل عناية الأطفال.
ومع ذلك أنبه على ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن الاهتمام بمساعدة المحتاج كان من الأمور المعتادة في عهد الحكم العنصري، وهي سنة حسنة ينالون عليه ثواب الثناء عليهم في الدنيا، وإن كثرت سيئاتهم الأخرى.
الأمر الثاني: أن الشيخ الكبير السن بدون لغة تخاطب مع أهل البلدة التي يزورها يصبح في حكم الصبي الصغير يحتاج إلى العناية والمساعدة.
الأمر الثالث: تمنيت عندما رأيت هذه المعاملة أن يكون في مطارات المسلمين وموانئهم ما هو أفضل من ذلك، استجابة للنصوص الواردة في مساعدة المحتاج.
وقد وجدت في استقبالي الأخوان: محمد نور ـ الطالب في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية ـ والأخ محمد الأعمش المغربي ـ ويسميه محمد شونارا: "محمد لَمِيْشْ".