رحلات المملكة المتحدة (بريطانيا) وآيرلندا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 13 صفحة
صفحة 3 من 13 الرحلة الأولى 1398هـ ـ 1978م فترة انتظار السفر إلى أمريكا

الرحلة الأولى 1398هـ ـ 1978م فترة انتظار السفر إلى أمريكا

الرحلة الأولى 1398هـ ـ 1978م فترة انتظار السفر إلى أمريكا

خريطة المملكة المتحدة (بريطانيا)
خريطة المملكة المتحدة (بريطانيا)

راح حتى زبيد ورجع بأخس العبيد!

[أي سافر إلى مكان بعيد، مثل بلدة زبيد للحصول على أجود العبيد، ولكنه لم يرجع إلا بأسوأ العبيد].
هذا مثل يدور على السنة أهل تهامة في اليمن، حفظته في صغري، ويراد به أن بعض الناس يكلف نفسه مشقات من أجل الحصول على مطلب نفيس، ولكنه يعود بأبخس المطالب وأردئها.
وقد كان بعض المتاجرين في بني الإنسان الأحرار يسافرون من منطقة إلى أخرى، لاختطاف بعض الأولاد من الذكور والإناث، أو شرائهم بثمن بخس ممن يستخدمهم، ثم بيعهم من بعض الأغنياء والموسرين في بعض البلدان، وكان بعض هؤلاء المتاجرين يتكلفون عناء السفر ومشقاته ثم يعودون ببضاعة مزجاة من البشر المسمين بالعبيد.
فأصبح الناس يضربون بذلك المثل لكل من عانى مشقة للحصول على أمر مهم فلم يصبه، بل أصاب ما هو أدنى منه بكثير.

وهكذا كان فندق لندن!

نعم سافرنا من الجزيرة العربية التي كانت الفنادق فيها قليلة تلك الأيام، ولكنها مع قلتها كانت نظيفة، وكنت أظن أن أسوأ فندق في الغرب سيكون أفضل من فنادقنا في نظافته المادية، لما وقر في أذهاننا من الحضارة المادية الراقية في الغرب، ولكن فندق لندن صَدَقَنا الحديث، وقال لنا بلسان حاله: صححوا تصوركم! فـ"ما كل بيضاء شحمة ولا سوداء تمرة!".
هكذا سميته فندق لندن، أما اسمه الحقيقي فقد أنسانيه كرهُه الشديد عندي ـ أي كره الفندق ـ لسوء مناظره وخبث روائحه وكثرة أوساخه، وكثرة المرضى من نزلائه، هل تصدق أن فندقاً هذه أوصافه يوجد في لندن عاصمة المملكة المتحدة؟! إي وربي صَدِّق فالكاتب كان من نزلائه، وله قصة يرويها هنا ليحذر نزلاء لندن الجدد من العرب، وخاصة من يصر على ارتداء زيه العربي هناك.

قصة الفندق والناصحون المتسولون!

فلقد قابلتنا فتاة لابسة زي موظفي المطارات وبيدها جهاز لاسلكي سألتني سؤالاً باللغة الإنجليزية لا أدري ما هو فأحلتها لفضيلة زميلي الدكتور، فإذا هي تسأل: أتريدون مساعدة مني؟ فأجاب: نعم! نريد أثاثنا ـ كان ذلك قبل وصولنا إلى قاعة تسلم الأثاث ـ ونريد موظفي الخطوط السعودية لنتفاهم معهم فرافقتنا إلى مكان الأثاث ودلتنا على عربة النقل الصغيرة وأوصلتنا إلى موظفي الخطوط السعودية.
وهنالك سلمتنا لموظف في علاقات الركاب ـ وأظنه مدير العلاقات ـ وتسلمنا منها بابتسامات وترحيب واهتمام إنها محسنة سلمتنا إلى محسن وبدون أي مقابل مادي ظهر لنا إلى الآن.
وأخذ زميلي يتفاهم معه ومع بعض زملائه عن السكن الملائم وعن وسيلة الموصلات وبدؤوا يتحدثون عن الفندق الفذ في لندن الذي لا يوجد الأمان إلا فيه، وكل الفنادق سواه لا يأمن الإنسان فيها على نفسه ولا على ماله، إنه فندق يجمع بين الأكل الإفرنجي والطعام العربي، وهو الفندق الذي يفضل السعوديون وغيرهم من الشرقيين النزول فيه.
وسألناه عن المواصلات؟ فأشار إلى سائق بجانبنا وقال: هذا سائق الملحق العسكري السعودي! وهو الذي يوصلكم إلى الفندق، فظننا أن السفارة السعودية بلغت في العناية برعايا بلدها حد استقبال كل وافد سعودي إلى هذه البلاد لمساعدته عندما يصل لعدم معرفته بالبلد ولغة أهل البلد، وقلنا: الحمد لله رب العالمين!
وبعد قليل سأل زميلي الموظف المبتسم المعني بنا: ما اسمك؟ ومن أين أنت؟ فذكر اسمه المسيحي، ولا أذكره الآن، ولكنه فلسطيني، فوقع الشك في نفسي وبدأت أحافظ بشدة على الحقائب ولا سيما التي فيها الجوازات وخرجنا مع السائق، فوجدنا حافلة صغيرة تنتظرنا فرفعنا أثاثنا وركبنا، ووجدنا شخصاً آخر يرافقنا في السيارة، ومعه زوجته المشلولة والظاهر أنه قد وصف له هذا الفندق كما وصف لنا.
وبعد أن أخذ السائق طريقه بدأ يذم فنادق لندن كلها التي لا يأمن الإنسان فيها على نفسه وماله. وأن هذا الفندق الذي ستنزلون به هو الفندق الوحيد الذي يطمئن فيه النزلاء. ودخل في نفسي الشك، ورأيت فندقاً على يميني فسألته كيف هذا الفندق؟ ـ عن طريق ترجمة زميلي ـ فأجاب: الليلة في هذا الفندق بعشرين جنيها [كان للجنيه قيمتها في تلك الأيام]. أتريد أن أنزلك فيه وهو غال غير مؤتمن؟ وكان الجواب لا. وفي نفسي: أن نعم خير من لا، ولكن دون جزم.
وعندما وصلنا بجوار تلك العمارة القديمة أخذنا نساعد صاحبنا زوج المرأة، منا من يأخذ له المظلة، ومنا من يأخذ له حقيبة اليد، وهو يحاول بجهد إسناد زوجته حتى تدخل إلى إدارة الفندق، وسلم السائق ركابه بالعدد لأحد العاملين في الفندق. وذهب دون أن يتسلم منا الأجرة!

وأتى تأويل الحفاوة والاهتمام!

وأخذت أقلب النظر في ممرات الفندق الفذ، وفي مكاتبه وفي بعض الحجر المجاورة، وبدأت أشم الروائح الكريهة، وأرى بعض النزلاء الذين قد لا يقدرون على استئجار مكان آخر غيره لفقرهم وطول إقامتهم للعلاج، وأرى أشخاصاً آخرين ينظرون كما أنظر وهم متقززون من هذا النزل الكريم.

إيثار الخداع!

وبعد قليل اصطحبنا العامل الذي تسلمنا من القائد بالعدد إلى إحدى الغرف التي وصفها بأنها خير غرف الفندق، وأنه آثرنا بها لأنا مشايخ علم كما قال: وكان لباسنا يوحي بذلك، فأنا سعودي ألبس الثوب والغترة، ولبست العقال لأول مرة في حياتي حفاظاً على غترتي لشدة الهواء، وزميلي سوداني وله عمة كالبرج وأكمام كالخرج، والعلم عند الله! وعندما رأينا الغرفة الطويلة العريضة ذات الأسرة الأربعة قلنا للرجل: إنا نريد غرفة بسريرين فقال: لا يهم إننا نحسبها لكم بسريرين، إي والله لقد وصلت الفريسة إلى الفم ولا يمكن لجائع إفلات فريسته، ثم تركنا وذهب!

نظرات اشمئزاز!

فأخذ كل منا ينظر إلى البسط والأغطية ويقلبها وينظر إلى الوسائد وأكياسها، وإلى أرجاء الغرفة وما تحتوي عليه جدرانها من بقع تتقزز منها النفوس، ثم أخذنا نفتش لنجد بيت الماء خارج الغرفة وهو مشترك، وعندما دخلته أسرعت بالخروج منه، فسألني الزميل هل توضأت بهذه السرعة؟ فقلت له: أدخل وتوضأ قبلي، لأعد نفسي للدخول مرة أخرى!
وبعد إجبار أنفسنا على الوضوء صلينا المغرب والعشاء حتى لا نتوضأ مرة أخرى، وأخذنا نفكر ماذا نفعل؟ هل ننام في هذه الغرفة؟ وهل يا ترى يأتينا النوم فيها؟ ومن أين نأكل؟ ونظرنا من بعيد إلى المطعم فوجدنا غرفة كبيرة، يطبخ النزلاء فيها لأنفسهم ويلتمسون الأكواب للشرب فلا يجدونها.

لا بد من مخرج!

فقلت لزميلي: عندي صديق يسكن في ضواحي لندن، وقد أعطاني بعض إخوانه رقم هاتفه قبل مغادرتنا المملكة، وما كنت أريد إزعاجه في الليل وهو يسكن خارج المدينة ولا أدري كيف ظروفه، ولكن لا بد من حل ولا نعرف غير الاتصال بصديقنا لينقذنا من هذه الورطة.
اتصل الزميل بالصديق: محمد أشرف حياه وأخبره أن صديقك – فلاناً ـ موجود في المكان الفلاني، فتردد الصديق في معرفة المكان، ولكنه كان ذكياً فطلب رقم هاتف الفندق وقيده عنده.

الشارع ألطف من الفندق!

وخرجت أنا من الفندق لأقف بجوار بابه على الرصيف والهواء شديد البرودة، وأحس بالتعب والبرد، ولكني أشم هواء لا توجد فيه أوساخ الفندق وروائحه، وأنظر إلى الشارع لعل الصديق يصل بين لحظة وأخرى، وكنت مع الشارع كما قال الشاعر:

بليت بلى الأطلال إن لم أقف بهاوقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه

نعم: الشارع نظيف والفندق قذر، في الشارع هواء طلق نسبياً، وفي الفندق روائح منتنة، فالصبر على البرد والقيام في الشارع خير.
وكنت كلما رأيت شخصاً قادماً إلى الفندق فيه بعض القسمات التي أتخيلها في صديقي ظننته إياه، وطال الانتظار والصديق صهري، ولكني لم أجتمع به من قبل، وعندما تعبت جلست على مقعد أكل عليه الدهر وشرب في أقرب ممر للباب، وتعب صديقنا في التماس الفندق الفذ الذي لا يدري أهل لندن عنه شيئاً، ولما لم يستطع الاستدلال عليه ذهب إلى موظفي الهاتف فأعطاهم رقم الهاتف وطلب منهم عنوان الفندق فدلوه عليه إنه يقع في قلب لندن، وفي مكان مشهور جداً إنه قرب حديقة: هايد بارك.

وجاء الفرج!

وبعد انتظار طويل قريب من اليأس وصل محمد أشرف إلى الفندق، قال: أيوجد هنا عبد الله قادري؟ فلم أتمالك أن اعتنقته قبل أن يجيبه أحد، وكان ينظر إلى نواحي الفندق القريبة منه نظر تعجب، وكنت أقرأ في نظراته العبارة التالية: صهري عبد الله قادري، القادم من بلاد غنية، كالمملكة العربية السعودية، ذو الوظيفة الجيدة، عميد كلية اللغة العربية ينزل في هذا المكان الذي لا يصلح مأوى إلا للمعدمين؟! ولكنه لذكائه لم يفصح عما في نفسه فطلب منا أن نصعد إلى الغرفة ليكون الحديث مقصوراً علينا.
إنه لم يقدر على الاستمرار في الترحيب، كما هي عادة الأصدقاء والأحبة الذين يستقبلون صديقاً حبيباً، فبدأ يسأل كيف نزلتم في هذا المكان؟ فأخبرناه بقصتنا، وكان الوقت الساعة الثانية عشرة بتوقيت بريطانيا الصيفي.

قصة العشاء وفرش الملابس!

فسألنا: هل تعشيتم؟ فقلنا: لا، ونحن في أمس الحاجة إلى الطعام ولم نقدر أن نذهب إلى أي مطعم خشية أن نصادف حراماً، ولا نثق في أطعمة هذه البلدان، وكنا مشغولين بالوضع الذي حل بنا في هذا الفندق.
فاتفق مع زميلي على أن يذهبا للبحث عن طعام حلال، وأن يدعاني أرتاح في الغرفة، وحقاً لقد كنت مضطراً للراحة، فأبعدت الغطاء الذي كان على أحد الأسرة وفرشت بعض الثياب الخاصة بي على البساط والوسادة، واضطجعت بعد تردد شديد وجسمي يكاد يقفز من على السرير، ولكن لشدة التعب وعدم النوم في ذلك اليوم الطويل أغاثني الله بالنوم فكان كما قال الله تعالى: { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً } أي راحة.
وبعد زمن غير قصير سمعت طرقاً بالباب، ففتحت فإذا الصديق والزميل قد جاءا فنظرت إلى الساعة فإذا هي الثالثة صباحاً، فسألت: أهذه المدة كلها كنتما في بحث عن الطعام؟ فذكرا أنهما ركبا قطاراً وذهبا إلى مكان بعيد فيه شخص يبيع الطعام الحلال، وكان عبارة عن خبز محشو باللحم (سندوتش) فأكلنا ونام صديقنا معنا بدلاً من مطالبته الملحة قبل ذلك بمرافقته لننام في منزله، لأن منزله بعيد عن المدينة ولم يبق على الفجر إلا قليل.

بينونة كبرى!

الاثنين: 21/7/1398هـ ـ 26/6/1987م
وفي صباح يوم الاثنين الموافق 21/7 حزمنا حقائبنا ونزلنا إلى إدارة الفندق لنحاسبه ونودع الفندق إلى غير رجعة إن شاء الله، فقد عزمنا على طلاق ذلك الفندق طلاق البينونة الكبرى.
وفي الإدارة اتفقنا على الاتصال بالحاج أحمد بابا السوداني هاتفياً، إذ كان اسمه ضمن الأسماء التي سجلناها مع رقم هاتفه، وهو في إنديانا بولس، وكان الاتصال تقريباً في الساعة التاسعة فلم نجد الحاج، وإنما أجابتنا زوجته وذكرت أنه مسافر، وكان أهل إنديانا لا زالوا نائمين في الليل، فذكرنا لها أننا سنصل إلى نيويورك غداً الثلاثاء، ولا نعرف هناك أحداً، ونحب أن يقابلنا أحد الأصدقاء، فقالت إنها ستعمل جهدها. ولقد وفت بوعدها كما سيأتي الكلام عند وصولنا إلى نيويورك.

جولة في بعض نواحي لندن:

واتفقنا على أن نتجول هذا اليوم في لندن لنزور بعض المراكز الإسلامية فقال لنا أخونا محمد أشرف: نذهب أولاً إلى محطة القطار الرئيسية لإيداع الأثاث هناك، ثم ننطلق لزيارة المناطق التي تريدون زيارتها، ففعلنا.

إلى أين يجري الناس ولماذا؟!

فذهبنا إلى المحطة المذكورة ونزلنا في الطوابق السفلى لنرى عالم الذر الكبار يموج في كل اتجاه، لقد رأينا الناس يجرون جرياً غير عادي عندنا، كل طائفة تيمم جهة، وبعضهم يقف ويتأمل في كتابات الجدران ثم ينطلق مهرولاً، فقلت في نفسي: لعل حرباً عالمية قد قامت، أو حرائق قد شبت، ولكن رأيت صاحبنا محمد أشرف يعمل مثلهم يقف ويتأمل في كتابة الجدران ثم ينطلق ونحن مضطرون أن نتبعه، وعرفنا بعد ذلك أن الناس منطلقون إلى أعمالهم وإذا لم يجروا فإن القطار يفوتهم ويأتي قطار آخر، ولكن بعد أن تمضي بعض الدقائق التي تعتبر فائتة من وقتهم، ويقف الناس في طوابير ليأخذوا تذاكر الركوب، ولكن ينتهي الطابور بسرعة دون ازدحام أو محاولة المتأخر أن يتقدم على من قبله كما هو الحال في بلدان ما يسمى بالشرق الأوسط.
وهناك آلات خاصة لمن هو أكثر عجلة لا يريد الوقوف بالطابور يستطيع أن يرمي فيها نقوده المطلوبة ويضغط على مفتاحها فتعطيه البطاقة، ولكنها أغلى من البطاقة التي تؤخذ من البشر.
والسلالم صاعدة وهابطة بعشرات الناس تسعى بهم سعياً حثيثاً، ولكنهم لا يكتفون بسرعة تلك السلالم، بل يجرون هم أيضاً عليها إنهم يسابقونها لأنها بطيئة في نظرهم، وذلك من أجل أن يدركوا ما هو أسرع منها وهو القطار، ولا يقف على درجات تلك السلالم إلا العجزة ومن لا ارتباط لهم بالوقت، وكنا من هذا الصنف الأخير وكنت أخشى في أول الأمر أن تلحق إحدى السلالم الأخرى فتطحن رجلي ولكن الله سلم. [لم تكن تلك السلالم موجودة في مطاراتنا تلك الفترة].

زحام وهدوء!

ومع تلك الجموع الكثيرة وتلك الحركات السريعة، كان الهدوء يسود الناس والنظام يسير معهم، لا تسمع صوتاً ولا ضوضاء، بل لا يلتفت أحد لأحد ولا يسأل أحدٌ أحداً، وإنما يسيرون على حسب التعليمات المكتوبة على اللوحات في الجدران.
وذهب بنا محمد أشرف إلى مكان إيداع الأثاث لقاء أجر قليل من النقود وأخذ بطاقة تَسَلُّمٍ بذلك، ثم نزلنا فوقفنا لحظات جاء بعدها القطار فركبنا.
وأخذت أنظر إلى الناس فإذا هم ما بين قارئ في جريدة أو كتاب أو متحفز للنزول في المحطة القادمة، وهناك أماكن في القطار يحظر فيها التدخين وأخرى يباح فيها، كل راكب يستطيع أن يكون في المكان الذي يناسبه.

إلى دار الرعاية الاجتماعية:

وكنا متوجهين إلى دار الرعاية الاجتماعية في لندن، فخرجنا من أنفاق القطار من الطوابق السفلى إلى ظهر الأرض فوقفنا لحظات، فإذا الحافلة ذات الطابقين [وكانت تلك الأيام من الأشياء الغريبة عندي، لأنها لم تكن توجد في المملكة، وقد قررت بريطانيا في عام 2004م إحالة هذا النوع من وسائل النقل إلى التقاعد بعد مضي خمسين سنة على وجودها، واستبدال غيرها بها من وسائل النقل التي يسهل على العجزة والمعاقين ومن يصحبون في تنقلاتهم أطفالا، بخلاف الوسائل ذات الطابقين، فإن في صعود المذكورين إليها صعوبة، وسيتم إلغاء تلك الوسيلة في مطلع عام 2005م وسيبقون منها عدداً قليلاً لمن أظهروا ندمهم على إلغائها، لأنها أصبحت عندهم جزءً من تاريخ بريطانيا... انظر: http://www.middle ـ east ـ online.com/features/?id=25004 (لندن ـ من اندرو غالي وخريستوف شميدث: بقيت حافلات لندن الحمراء ذات الطابقين على مدى خمسين عاماً وسيلة نقل عملية لسكان المدينة المكتظة، إلا انه وبعد نصف قرن من تشغيلها فقد اقتربت نهاية الطريق لتلك الحافلات التي تعد علامة مميزة للعاصمة البريطانية. وكان رئيس بلدية لندن كين ليفينغستون قال انه سيتم التخلص تدريجيا بحلول عام 2005 من 500 حافلة هي التي تبقت من تلك الحافلات لتحل محلها حافلات قادرة على حمل مزيد من الركاب ولا تتطلب سوى شخص واحد لتشغيلها. إلا أن مؤيدي تلك الحافلات التي يعتبرونها كنزاً وطنياً تماماً مثل ساعة "بيغ بين" و"قصر بكنغهام" مصممون على أن يكون خروج الحافلات الحمراء من الشوارع مترافقا مع احتفال كبير. واحتفالا بمرور خمسين عاماً على تشغيل تلك الحافلات في عطلة نهاية الأسبوع الحالي فقد نظم محبو تلك الحافلات عددا من النشاطات بما فيها خروج أكثر من 100 منها في موكب كبير حول منتزه فينسبيري بارك شمال لندن. وفيما سيتم بيع معظم تلك الحافلات أو تحويلها إلى خردة خلال الأشهر الستة القادمة، ففقد قررت سلطة النقل في لندن الاحتفاظ بثلاثين من تلك الحافلات لنقل السياح في قلب العاصمة البريطانية].
توقفت الحافلة فركبناها ونزلنا في المكان الذي يظن أن المقر قريب منه، فدلنا بعض أهل الحارة على منزل فطرقنا بابه فخرجت امرأة سورية محتشمة تخاطب زميلي وصديقي باللغة الإنجليزية، فلما رأتني ألبس اللباس العربي انطلقت عقدة لسانها ورحبت بنا فسألناها عن المسؤول عن الدار؟ فقالت: إن هذا المنزل تابع لها (أي للدار) ولكن خاص بتعليم بعض الأطفال وأشارت لنا إلى مكان الدار في الجهة التي أتينا منها فرجعنا أدراجنا نلتمس الدار، فإذا أنا أرى مكتبة تجارية تحتوي على كتب عربية كثيرة فقلت للأخوين ندخل هذه المكتبة لعلنا نجد من يدلنا على الدار، فدخلنا وسألنا مدير المكتبة فقال إنكم الآن في الدار فتفضلوا على الرحب والسعة.
واتصل بالأخ المسؤول عن الدار فجاء فوراً، وكان على خلق فاضل وسمت المسلم الفاضل ـ ولا أزكي على الله أحداً ـ فتعرف علينا ورحب بنا وطلب منا أن نبقى حتى نتناول طعام الغداء فاعتذرنا لضيق وقتنا وقد وعدنا بعض الجهات بالزيارة، فتوضأنا وصلينا معهم الظهر وشربنا الشاي، ثم تجولنا في المكتبة التي تحتوي على كتب إسلامية كثيرة، ومنها كتيبات صغيرة للأطفال والمبتدئين في اللغة العربية، وأشرطة لتعليم اللغة الإنجليزية، ومصاحف مسجلة في أشرطة، ويشتمل المركز على مسجد وبجانبه دورة مياه كاملة للوضوء، وقاعة لبعض الألعاب الرياضية الخفيفة ومكان للاستقبال، ويفد إليهم بعض الطلبة المغتربين للصلاة معهم والمذاكرة والقراءة وهم يقومون بمجهود يشكرون عليه على رغم قلة الإمكانات. [سيأتي مزيد من المعلومات عن دار الرعاية في زياراتي القادمة لبريطانيا من هذه السلسة].

مستنقع آسن يجمع الغافلين عن الله!

بعد ذلك ودعناهم وذهبنا إلى منطقة (وستئند) ذات المباني القديمة، المزدحمة بالسكان والسائحين الأجانب، وهي ـ كما قال محمد أشرف ـ مشهورة بالمراقص والمسارح ودور السينما والفساد الذي لا ينبغي وصفه بالتفصيل.

تائهون لفقدهم ذكر الله!

وقبل وصولنا إلى مركز المنطقة المذكورة وجدنا في طريقنا طائفة من البشر مختلطة من الرجال والنساء، لا يعرف الفرق بينهم إلا بلحى الرجال الذين أطلقوا شعورهم ولبسوا ملابس رثة، وتبدو القذارة على ثيابهم والحسرة على وجوههم، وهم يحملون أدوات الموسيقى ويوقعون عليها ويضربون الدفوف ويرقصون ويغنون، وكنت لا أفهم من كلامهم إلا هوم هوم هوم (Home) ثلاث مرات، فسألت: ماذا يريدون من ذكر المنزل؟ فقيل لي: إنهم يقولون في أغنيتهم كيف السبيل إلى عودتنا إلى منازلنا والناس مجتمعون حولهم، منهم من يسمع صامتاً، ومنهم من يضحك، ثم شرح لنا محمد أشرف حالهم، فقال: إن هؤلاء كانوا من أولاد الأغنياء ذوي الأموال الطائلة والقصور العالية والسيارات الفخمة، تعبوا من عيشتهم المادية وخرجوا يلتمسون في الشوارع وعلى الأرصفة وفي الحدائق العامة وغيرها شيئاً يريحهم، فلم يجدوا ذلك أيضاً ويريدون أن يعودوا إلى البيوت، ولكنهم قد جربوها فهم يسألون عن سبيل العودة إلى بيوتهم مع وجود الطمأنينة والرضا.

عندي ما يعيدهم إلى منازلهم:

فقلت؟ لزميلي الدكتور ـ وهو الذي يترجم بيني وبين محمد أشرف ـ: قل له يدعوهم إلي فعندي بإذن الله السبيل الذي يعيدهم إلى منازلهم مع وجود الرضا والطمأنينة. وكنت جاداً في ذلك ومتيقناً أنهم لو سمعوا مني شرح كلمة التوحيد وبعض ما تقتضيه من طاعة الله والصلة به لتحولوا من ضائعين إلى مرشدين، ولكن أخانا محمد أشرف أجاب بأن هؤلاء وصلوا إلى درجة من الاقتناع التي لا تسمح لهم بأن يسمعوا من أحد من المجتمع أي نصيحة، لأنهم لم يصلوا إلى هذه الحال إلا بعد أن يئسوا من إصلاح هذا المجتمع، وهم ذووا عنف فقد يضربون من ينصحهم، فحوقلت ودمعت عيناي حسرة على انحطاط المسلمين الذي خسر به العالم كما قال الأستاذ الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟! وبدأت أتأمل عنوان هذا الكتاب من جديد مع أني قد قرأت الكتاب مراراً، وبدأت أشعر بعاطفة المؤلف وتخيلت أنه أسال دمع عينيه مع حبر قلمه عندما كتب عنوان هذا الكتاب.
واصلنا السير إلى مركز منطقة (وستئند) فرأيناها فعلاً تختلف عن الأماكن الأخرى التي مررنا بها في المدينة.
وكان أشرف يقرأ بعض الإعلانات المكتوبة على بعض المباني ويخبرنا بمعناها، وإنها لأحط من أن أسجلها هنا بقلمي.

هنا ينفق قادة الفسق أموال الشعوب العربية والإسلامية!

وقال لنا الأخ محمد أشرف: إن أموال الأثرياء في الشرق الأوسط تنفق بين هذه الجدران، وإن هذا المكان من أهم الأماكن التي ينطلق منها تحطيم أخلاق المسلمين في كل مكان، وإن اليهود هم الذين يسيطرون عليه.
ولقد ضقنا ذرعاً بالمناظر القذرة والمشكلة أني كنت أرتدي اللباس العربي، والعرب الساقطون معروفون بالتردد على هذا المكان، لذلك أشعرت الأخ محمد أشرف أننا في حاجة إلى ترك هذا المكان والذهاب إلى المركز الإسلامي.
وفي هذا المكان القذر رأينا بعض المطاعم التي كتب عليها أنها تقدم الطعام الإسلامي، فتعجبت وسألت أشرف: أحقاً هذا أم أنها مصيدة لمن بقي عندهم شيء من الصلاح يترددون على مثل هذا المطعم فتصطاد هم حبائل الشيطان؟ فأجاب: إن هذا هو الصحيح.

في المركز الثقافي الإسلامي:

ثم ذهبنا إلى المركز الثقافي الإسلامي الذي يحتوي على مسجد كبير بطابقين: أحدهما للرجال والآخر للنساء، وبه دورات مياه واسعة ونظيفة ومجهزة، ومكتبة، وبه مكاتب إدارية بها موظفات من النساء، قيل لنا: إنهن مسلمات بريطانيات ولا بُدَّ لهن من عمل وعملهن في مكاتب المركز أولى من عملهن في أماكن أخرى.
وهناك بقينا فترة ننتظر حتى جاء أخونا الكريم الدكتور سيد متولي الدرش إمام المسجد، وعندما رآنا رحب بنا وأدخلنا معه إلى مكتبه، وبدأنا التعارف كما زرنا الأخ مدير المركز الدكتور زكي بدوي، وكانت الجلسة مع الأخ الدكتور سيد طويلة عرفنا من خلالها بعض أعمال المركز، والحقيقة أنها في نظري محدودة جداً على رغم أن منظر المسجد والمكاتب الإدارية يعطي انطباعاً بأعمال أكثر.
وذكر لنا الأخ سيد أن الجاليات الإسلامية في بريطانيا كثيرة، وأنها في أمس الحاجة إلى مد يد العون لها بفتح مدارس لأبنائهم، وبناء مساجد، وأئمة ومدرسين ودعاة.
وذكر أن هناك من يقوم بشيء من الدعوة والتبليغ، كالباكستانيين الذين يبذلون جهوداً طيبة، ولكنهم ليسوا على المستوى المطلوب في فهم المشكلات المعاصرة والأحزاب المعادية للإسلام وشبهاتها، وفي نفس الوقت عندهم تعصب للمذهب الحنفي ولا يتعاونون مع من يخالفهم في آرائهم.
وطلب منا الدكتور سيد أن نبلغ المسؤولين في المملكة العربية السعودية أنه ينبغي أن تبذل جهود أكثر في الدعوة إلى الله، ومن أهم وسائلها: المدارس والمدرسون والأئمة المزودون بالعلم والمربون على أساليب الدعوة، فوعدناهم بأننا سننقل ذلك. [أقدم في جميع رحلاتي الرسمية والشخصية، تقارير عن أحوال المسلمين وما يحتاجون من مساعدات للجامعة الإسلامية، وقد أبعث ببعض التقارير إلى بعض المؤسسات الإسلامية غير الجامعة الإسلامية، كرابطة العالم الإسلامي، والرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد قبل أن تتولى بعض صلاحياتها وزارة الشؤون الإسلامية و الأوقاف والدعوة والإرشاد، وبعض المؤسسات الإسلامية في الكويت].

جولة سريعة في بعض معالم لندن:

بعد ذلك اتصل أخونا محمد أشرف حياة بصديق له، يدعى شاهان حسين الذي يدير إحدى محطات القطار في لندن وأخبره بوجودنا، والظاهر أنه كان علم ـ في الجملة ـ بمصاهرتي الأخ أشرف فقال له شاهان: انتظروني سآتيكم بعد قليل، وجاءنا فعلاً بسيارته، وأخذنا للتجول في بعض الأماكن المشهورة في لندن.
وكان مرورنا سريعاً، وقد لا ننزل من السيارة في بعض الأماكن، فمررنا بحديقة هايد بارك التي خصص جزء منها لحرية الكلمة والنقد، إذ يأتي إليه من يريد ويلقي ما يشاء من الكلام حتى يفرغ كل ما في جعبته، دون أن يمس بأذى، ولو كان كلامه في الملكة أو رئيس الوزراء أو أعضاء البرلمان أو غيرهم، وليس له كل ذلك خارج هذا الجزء من الحديقة، وبالمناسبة فقد كان فندق لندن قريباً منها.
ولكثرة الخطباء والمتحاورين في هذه الحديقة، وكثرة الأفكار التي يدور حولها الحوار والخصام سميتها: حديقة حراج الأفكار كما سيأتي في الرحلة الأوربية الطويلة التي شملت بريطانيا سنة1978م.
ثم ذهبنا إلى مبنى مجلس الوزراء وتجولنا حوله، وكذلك مباني البرلمان ثم مقر الملكة الذي لا يوجد على حائطه حراس، وإنما حارس أو حارسان في باب القصر، والناس يحومون حوله ويصورون "والظاهر أنه لا بد من حراس غير ظاهرين" وهناك وقفنا على جسر ووتر لو.
ومررنا بالبرج الذي أقيم عليه تمثال نلسن تخليداً لذكراه وتحيط به تماثيل أخرى لبعض زعماء بريطانيا، كما تحيط به تماثيل الأسود، والمياه تتدفق من كل جانب.
ولا أدري متى يسمع صوت المسلم الذي يحطم تلك التماثيل وهو يقول: { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً..} [الإسراء: 81]. اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم عندما فتح مكة؟

إلى منزل أشرف:

وبعد جولة في شوارع لندن اصطحبنا الأخ محمد أشرف إلى منزله في مدينة لوتن ـ إحدى ضواحي لندن في الشمال منها ـ وتبعد عنها بثمانين كيلو متراً وكان قائدنا الأخ شاهان حسين الذي بلغت سرعة قيادته في بعض الأماكن أكثر من مائة وأربعين كيلو متر في الساعة.
وهناك نزلنا ببيته الصغير ذي الطابقين: الطابق الأول فيه غرفة الاستقبال والمطبخ، والثاني فيه غرف النوم ودورة المياه، وأخذ يقدم لنا أبناءه: عمر وإخوانه وأخواته فسلموا علينا كأنهم يعرفوننا من قبل وتحلقوا حولنا، فذكروني أنا وزميلي الدكتور بأنبائنا الذين تركناهم قبل يومين، وسنغيب عنهم أكثر من شهر، وكأن الأولاد أحسوا بعواطفنا فلم ينفضوا عنا، لا سيما عندما عرف الكبار منهم صلة الرحم والمصاهرة بيننا، وبدأنا المذاكرة مع الإخوة في أمور الإسلام ووجوب التمسك به وحفظ الأبناء من تيار الكفر الجارف، وأن العمر الحقيقي للمسلم هو الذي يقضيه في طاعة الله.

على من تقع المسؤولية؟

فاعترف الإخوة بذلك، ولكنهم قالوا: نحن رجال أعمال لا نعرف الإسلام معرفة تمكننا من تعليم أبنائنا، وليس عندنا الأوقات الكافية لنكون معهم، فلا بد من مساعدة الجاليات الإسلامية هنا بالمدرسين وأئمة المساجد والكتب التي تشرح مبادئ الدين الإسلامي، ولا بد من تكرار الزيارات لنا من العلماء لتذكيرنا وإرشادنا بما يمكننا القيام به، وإنا نحملكم هذه المسؤولية لتنقلوها إلى المسؤولين في المملكة العربية السعودية التي لم تبق دولة في العالم مثلها في التمسك بالإسلام والدعوة إليه، وقد أغناها الله بالإمكانات التي تستطع بها أن تغزو العالم كله بالإسلام، فوعدناهم بأننا سننقل رغبتهم ولكنهم يجب أن يعملوا شيئاً بأنفسهم، وإن كان من الواجب مساعدتهم.
وقدم لنا أخونا طعام العشاء الذي أعد في المنزل، ويذهب الأخ أشرف على دراجته النارية إلى مكان بعيد لشراء اللحم الحلال، فكنا نتناول طعاماً لا نفرق بينه وبين طعام بيوتنا.
وبعد مذاكرة ونقاش حول الأمور الإسلامية استأذن الأخ شاهان حسين ليعود إلى لندن ويدعنا ننام في بيت محمد أشرف، وكنا قد تعبنا في نهار ذلك اليوم حيث كنا نجري كما يجري البريطانيون أو أقل قليلاً، وتنقلنا بالقطار لجهات متعددة ولم نذق النوم منذ أن صلينا الفجر، بل إننا في اليوم السابق كله لم ننم، وفي الليلة الماضية نمنا قليلاً جداً لذلك كله كان نومنا عميقاً طول الليل.

وداع الصغار:

الثلاثاء: 22/7/1398هـ ـ27/6/1978م
وفي يوم الثلاثاء الموافق 22/7 نهضنا من النوم متأخرين فصلينا الفجر وكان قد أعد لنا طعام الإفطار، فأفطرنا، ومر بنا أولاد محمد أشرف الصغار يودعوننا للذهاب إلى المدرسة.

من دخل بلادنا حمَّر!

وكنا قد تأخرنا قليلاً عن موعد الحافلة التي تقف عند باب المنزل لتوصلنا إلى محطة القطار الدنيا، فخرج محمد أشرف يجري قبلنا ونحن نجري أيضاً، ولم نكن نألف الجري في شوارع بلداننا، والناس يجرون من كل جانب رجالاً ونساءً وأطفالاً لإدراك الحافلة في شارع مجاور لمنزل أشرف.
وهنا تذكرت قصة الحجازي الذي أرسله ملك الحجاز إلى ملك حمير في اليمن، فوجد الملك على قمة جبل، فناوله الرسالة ووقف، فقال الملك للرسول: "ثِبْ" فوثب من على قمة الجبل فلقي حتفه، فقال الملك لحراسه: لماذا قفز هذا الحجازي وأهلك نفسه؟ فقالوا له: إن كلمة "ثب" في لغتهم معناها "اقفز" وقد امتثل أمرك بلغته فقفز، وكلمة ثاب في لغة حمير معناها رجع أو قعد... ونحن رأينا البريطانيين يجرون فجرينا معهم، وألفنا الجري وهو تقليد مفيد للمحافظة على الوقت، ولصحة الجسم، وليس فيه الهلاك الذي حصل للحجازي.

عمارة وخسارة!

ولكن هل ترى هؤلاء المهرولين للحفظ على أوقاتهم، حقا يحافظون على أوقاتهم؟
نعم: إنهم لا يفوتون أوقات الأعمال، ولا الأوقات المعدة للطعام، ولا الأوقات المعدة للنوم، ولا الأوقات المعدة للقراءة في غيرها، بل كل عمل يعطونه وقته، ولذلك ترى ثمارا عظيمة مادية لأعمالهم ونكران ذلك يعتبر حماقة وظلما.
ولكن القوم ـ وهذه حقيقة كسابقتها ـ بدون أعمار في نظر الإسلام، لأن العمر الحقيقي هو الذي يفنى في طاعة الله، ومن طاعة الله تلك العمارة المادية الضخمة للدنيا، من شق شوارع وبناء جسور وتيسير مواصلات تحت الأرض وعلى ظهرها وفي جو السماء، وفي أعماق البحار ومن دقة في المواعيد، وسرعة في المعاملة، وغير ذلك مما يشهد به الواقع، ولكن هذه الأمور كلها لا تكون طاعة لله إلا على أساس الإيمان به وطاعته في أمره ونهيه، وإقامة العدل في الأرض، ومحبة الخير للبشرية ودعوتها إلى ما ينفعها أي الإسلام الكامل لله، وهذا ما يفقده القوم، لذلك أقول: إنهم محافظون على أوقاتهم، ولكنهم ضيعوا أعمارهم!

مقارنة مخجلة!

وقفنا خمس دقائق تقريبا ولا يزال نفسنا يشتد بسبب الجري، فإذا الحافلة تقف بجانبنا فصعدنا وأخذنا مقاعدنا، وإنهم على سرعتهم تلك لا تجدهم يتزاحمون مطلقا في جميع معاملاتهم، فالأول يأخذ مكانه ولا يتقدم عليه أحد، وهكذا الذي يليه دون أن يمس اللاحقُ السابقَ، أو يكلمه كلمة واحدة، بخلاف الحال في بلدان المسلمين ـ ومنها البلاد العربية ـ فإنك تجد العدد القليل يتزاحم ويدفع كل واحد منهم الآخر، وقد يكذب بأنه أسبق من غيره، لذلك تجد الصف الطويل في بلاد الغرب ينتهي بسرعة مذهلة، وترى أقل من ذلك بكثير في الشرق يضيعون وقتهم في التدافع والخصام والكذب وتحطيم أبواب الناقلات.
سارت الحافلة، وأخونا محمد أشرف يشرح لنا بعض المعالم على يمين الطريق وشمالها: هذا مصنع كذا، وهذا مبنى كذا وهذا مرقص، وهذا بار، والأرض كلها خضراء ما عدا الطريق، والحيوانات تنتشر في المزارع.

محطات القطار.

وعندما وصلت الحافلة إلى المحطة أخذ الناس في الخروج منها والدخول إلى محطة القطار مسرعين، فما هي إلا لحظات حتى قطعنا التذاكر ووقفنا على جانب خط القطار، فإذا هو مقبل يجر عرباته الكثيرة فوقف ودخل الناس من كل باب وكل واحد أخذ مكانه، من شاء أن يرتاح من رائحة التدخين فله أجنحة خاصة، ومن شاء أن يدخن فله أجنحة أخرى…
وهكذا نجد مواصلات الغرب في القطار وفي الطائرة وفي الباخرة وفي السيارة يخصصون أماكن منها لغير المدخنين، إنهم يحترمون ـ على الأقل ـ المال الذي قدمته من أجل راحتك فيرون أن من العيب عليهم أن يقلبوا لك ظهر المجن فيزعجوك. [وقد منعت بعض الدول الغربية التدخين في المواصلات العامة، كالطائرات والقطارات، وسيارات النقل والأجرة العامة، وفي المطارات ـ مثل مطار سنغافورة ـ وكانت مواصلات البلدان العربية كلها لا تخصص أماكن لغير المدخنين في تلك الأيام].

في قاعات المطار:

وصلنا إلى المحطة الرئيسية للقطار التي كنا بالأمس أودعنا فيها حقائبنا فتسلمنا الحقائب بمجرد إبراز البطاقة، وذهبنا إلى المطار إلى الشركة التي تم الحجز فيها من المدينة المنورة قبل سفرنا بأسابيع، فضغطت الموظفة على مفتاح الكمبيوتر فأعطاها المعلومات الكافية عنا فأخذوا الحقائب، والحقائب لا توزن في جميع دول الغرب إلا إذا كانت كثيرة تحتاج إلى الشحن، وذهبنا نتجول في أسواق المطار فاشترينا بطاقات تذكارية وكتبنا رسائل بها إلى الأولاد، ثم ذهبنا نلتمس لعلنا نجد بعض الصحف العربية لنتابع أخبار اليمن الشمالية التي اغتيل رئيسها يوم سفرنا من المدينة إلى جدة يوم السبت الموافق19/7.
فلمحت جريدة عربية، فأخذتها دون أن أنظر إلى عناوينها لأننا كنا على وشك التوجه إلى بوابة خروجنا.

لوعة الفراق..!

وكان الأخ محمد أشرف يحس بلوعة الفراق، وكنا نرى ذلك على وجهه، وفعلا ودعنا وودعناه، وعيناه تغرورقان وأوصانا بالحذر على نقودنا وجوازاتنا وتذاكر سفرنا في الغرب، لأنه يعج بالمجرمين، فشكرناه على ذلك ودخلنا إلى الباب المحدد لرحلتنا، وكنا نظن أننا سنخرج إلى باحة المطار لتستقبلنا حافلة تنقلنا إلى الطائرة، ولكن فوجئنا بوجودنا في مقدمة الطائرة والمضيفة تنظر في بطاقات الدخول وتشير إلى مقعدينا، فعرفنا أن الطائرة تقف بجانب ممر مصنوع بدل السلم، لا يسمح للشمس أن تلفح الراكب، ولا للمطر، وهو هناك كثير، أن يبلل ثيابه. ولعلنا نجدها قريباً في مطاراتنا. [أرجو أن يعذرني القارئ على إعجابي بهذه الأمور في تلك الأيام، إذ لم أرها قبل ذلك، ولهذا كانت غريبة علي، وقد وجدت عندنا بعد ذلك، والحمد لله].
دلتنا المضيفة على مقعدينا أنا وزميلي، وقد وضعوا بطاقة وراءنا بمقعدين أو ثلاثة كتب عليها ممنوع التدخين، وفاء بالشرط الذي اشترطناه.

عناية المضيفين بالركاب:

وكان إقلاع الطائرة من مطار لندن الدولي في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الثلاثين ظهراً، وكان الاتجاه إلى الغرب مع ميل قليل إلى الجنوب، والرحلة كلها كانت فوق المحيط الأطلسي: (بحر الظلمات سابقاً).
وبدأ المضيفون يقدمون للركاب الهدايا التذكارية، وهي عبارة عن محفظة من البلاستيك بها قارورة عطر وجوارب متينة يلبسها الراكب بدلا من النعلين لطول المسافة، وأشياء أخرى، وعندما بدأت أتصفح الجريدة فوجئت بأن زعيم اليمن الجنوبية سالم ربيع علي قد قتل وأن معارك تدور رحاها بين أعضاء الحزب الشيوعي الحاكم في عدن، فذكرت بيت الشعر المشهور:

حجج تهافت كالزجاج تخالهاحقاً وكل كاسر مكسور

وبدأ المضيفون يسألوننا بصفة خاصة عن الطعام الذي نريد، لأنا قد طلبنا من قبل طعاماً حلالاً، وأخذ زميلي يشرح ما نريد وما لا نريد والمضيفة تصغي وتفهم منه كلمات وتشكل عليها أخرى فتستفسر عنها، وإذا ظنت أنها فهمت منه ذهبت، ثم يأتي المضيف الآخر ليطمئن على صحة ما نقلت له ويؤكد اهتمامهم بتقديم ما نريد، وإنهم ليتفاهمون معنا وهم يتعجبون من خوفنا وشكوكنا في طعامهم وشرابهم، وكنت أقول لزميلي أخبرهم أننا مسلمون وأن ديننا يحرم علينا ما فيه ضرر بأجسامنا أو عقولنا كالخنزير والخمر، وكانوا إذا ذكر الإسلام أبدوا اهتماماً بنا وهزوا رؤوسهم تعجباً.

كرماء بالخمر بخلاء بالسكر..!

وقدم الطعام، وجاء دور الشراب، فكانت قوارير الخمر وكؤوسها تحدث رنينا، والمضيفون والمضيفات يترددون على الزبائن كلما رأوا كأساً فارغة ملؤوها لصاحبها ليشرب مرة أخرى، وهم يقدمون للراكب أجود أنواع الخمر في مثل هذه الرحلات الطويلة، لا سيما ركاب الدرجة الأولى، كما أنهم يسقونهم حتى لا تبقى بهم حاجة للسقي.
أما نحن فقدموا لنا كوبي ماء وكوبي شاي، وانتهى الأمر فبقي المضيفون متضايقين من الحالة التي نحن عليها، وهي أن الركاب أخذوا حقوقهم وزيادة، أما نحن فشرابنا ماء وشاي فقط، فكانوا يترددون علينا ويقولون ماذا يمكننا أن نقدمه لكم، هل تحبون أن نعطيكم شيئاً؟ فيجيب زميلي ثنكيو، أي شكراً.
وهنا وقعت نكتة بين الزميل وبين المضيف: الغربيون لا يكثرون من السكر في الشاي، وزميلي سوداني ـ أصلاً ـ مصري ـ مهاجراً ومصاهرة، يحب أن يكون السكر كثيراً، فجاء المضيف بكوب الشاي ومعه علبة فيها أكياس السكر فأعطى الزميل كيساً، فقال له: أعطني آخر فأعطاه فقال: وآخر فأعطاه، وما كان موجوداً غير الآخر فأعطاه وقال له: المطعم قد أقفل فلا تطلب كيساً آخر، مع دهشته لأخذ هذه الكمية الكبيرة في نظره لأنه لم يزر مصر ولا السودان كما يبدو.

إنعام وكفران!

وبعد تناول طعام الغداء وإكثار الركاب من الشرب أخذت الصيحات تتعالى والأصوات ترتفع، فخشينا أن يقوم هؤلاء الناس كلهم يتضاربون فيما بينهم وقد لا نسلم منهم، إذا غابت عقولهم، ولكن الله صرفهم عنا فذهبوا إلى الدور الثاني في الطائرة وتركوا لنا المكان.
ثم أخذت المضيفة تنزل أغطية النوافذ لعرض فيلم الرحلة، وأنا من طبيعتي أحب أن أرى مناظر خلق الله على طبيعتها، فأسرعت بقفل نصف النافذة الأعلى وأبقيت نصفها الأسفل وعندما مرت بقربي خشيت أن تحرمني تلك الفتحة، فقلت لزميلي أخبرها أني أحب أن أتمتع بمنظر البحر والسحاب والْجُزُر إن وجدت فأخبرها فتركتني وشأني.

البوصلة أخافت المضيف..!

وكانت بيدي بوصلة أعرف بها الاتجاه وبها مفاتيح الزميل، ورآها المضيف وأظنه من رجال الأمن، فلما رآني أنظر إليها بين آونة وأخرى شك في أمرها، ولعله ظنها من المفرقعات الموقوتة فجاء إلى زميلي يسأله ما هذا الذي بيد رفيقك؟ فأجابه الدكتور فاطمأن وسكت..!
كان هذا قبل خمسة وعشرين عاماً، فكيف لو حصل الآن بعد 11 سبتمبر؟!
وعندما بدأنا نقترب من مدينة نيويورك بدت بعض الجزر ذات الأشكال الهندسية العجيبة، وبدت بها مرتفعات ووديان وكانت كلها خضراء.