الرحلة الثالثة للمملكة المتحدة (اليتيمة) 1414هـ ـ 1993م
الرحلة الثالثة للمملكة المتحدة (اليتيمة) 1414هـ ـ 1993م
تمهيد:
هذا، ومن المناسب أن أضيف إلى ما سجلته في الرحلة السابقة لبريطانيا في هذا الكتاب: ما سجلته بعد ست سنوات، حيث اشتركت في الدورة التي أقامتها الجامعة الإسلامية في بريطانيا، إذ لا داعي لجعل المعلومات الأخيرة في كتاب مستقل، لقلتها، ولارتباطها بالمسلمين في بلد واحد..
كانت أول نواة لسلسلة في: (المشارق والمغارب) هي تلك الرحلة التي حلقت بي الطائرات فيها حول العالم في مشارقه ومغاربه، وشملت كلاً من: بريطانيا وأمريكا واليابان وهونغ كونغ وباكستان، ويمكن الاطلاع على ما سجلته عن كل دولة منها في الكتاب الخاص بها، وقد نشر بعضها في أعداد مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ابتداء من العدد الأول من السنة الثانية عشرة لسنة 1400هـ، 1979ـ1980م.
كانت سنة 1398هـ ، ولم يكن يدور بخاطري أن تحصل هذه النواة، ومن باب الأولى السلسلة، مع أني كنت شد يد الرغبة في الانطلاق إلى آفاق الأرض، لمعرفة أحوال المسلمين الذين كنت أسمع عنها عن طريق طلبة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، الذين وفدوا إليها من كل فج عميق، وكنت شديد الصلة بهم، لقيامي بشؤونهم ما يقارب عشر سنين، وعندما انتقلت لوظيفة عمادة كلية اللغة العربية لم تنقطع صلتي بهم، كما كنت أطلع على أحوال المسلمين عن طريق وسائل الإعلام، وبعض الكتب أو البحوث.
وكنت كذلك تواقاً للتمتع بجمال الأرض برها وبحرها، وجبالها وسهولها، وأنهارها وغاباتها، ولكني لم أكن أظن أني سأحظى برحلة أطوف فيها حول العالم، تبدأ من أرض الحرمين الشريفين، وتمر ببريطانيا، ثم أمريكا، ثم اليابان، فـ(هونغ كونغ) فباكستان، فأرض الحرمين مرة أخرى وكانت هذه الرحلة شبيهة بطفل بدأ يحبو ويتعرف على الأشياء من حوله، ثم تبعتها رحلات أخر شملت غالب القارات وما يقارب ستين دولة، وأحمد الله على توفيقه وإلهامي تسجيل مذكراتي في كل تلك الرحلات التي أرجو أن ينفع الله بها ويثيبني عليها.
وآخر رحلة قمت بها كانت لجمهورية الصين الشعبية في هذا العام: (1416هـ ـ 1995م) الذي أسجل فيه هذه اليتيمة ـ وإن كانت أسبق في الزمن على رحلة الصين ـ وخلال هذه الأعوام التي قاربت العقدين من الزمن، كانت الجامعة تبعث أساتذتها للقيام بدورات تقام لتعليم اللغة العربية والثقافة الإسلامية، لمدرسي هذه المواد في المدارس الإسلامية، في كثير من بلدان العالم، ويعرض علي ـ كغيري ـ المشاركة فيها، فكنت أعتذر مع اعترافي بفائدة تلك الدورات للمسلمين، وأختار الجولات الدعوية لأحقق رغبتي الشديدة في الجولات العالمية، وقد بينت أسباب تلك الرغبة في مقدمات تلك السلسلة، والاشتراك في الدورات يقيد المشترك بدولة واحدة، بل بمكان معين فيها، لأن طبيعة العمل تقتضي ذلك.
اليتيمة:
وفي هذه السنة 1414هـ ـ1993م ـ كغيرها من السنوات ـ عُرِضَت علي المشاركة في الدورات، فاعتذرت، ولكن أحد الإخوة من المدرسين كُلِّف تنظيم دورة في بريطانيا [وهذه هي الزيارة الثالثة لبريطاني، الأولى كانت سنة 1398هـ والثانية سنة 1407هـ].
فأحب أن أرافقه وألح عليَّ في ذلك فاستجبت له [هو فضيلة الدكتور محمود محمد الأمين باب، أحد أساتذة كلية الدعوة، وهو أحد الطلاب الذين ناقشتهم في رسائل الدكتوراه، ولد في المدينة المنورة سنة 1369هـ دراسته كلها كانت في المدينة، الابتدائية والمتوسطة في مدارس وزارة المعارف، والثانوية في معهد الجامعة الإسلامية الثانوي، والعالية ـ الليسانس ـ في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية، والماجستير في كلية الدعوة فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في المدينة ـ قسم الإعلام ـ سنة: 1403هـ والدكتوراه في قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية ـ شعبة الدعوة التابعة لكلية الدعوة وأصول الدين ـ بعنوان: منهج الإعلام الإسلامي في توثيق العلاقات في الأمة الإسلامية سنة: 1406هـ] فكانت هذه الرحلة اليتيمة.
ومع يتمها، فقد حاولت أن أحقق شيئاً من رغبتي فيها، فكنت أقتطع بعضاً من أوقات راحتي لزيارة بعض المؤسسات والمراكز الإسلامية، وأقابل بعض المسلمين الجدد وغير المسلمين، في داخل مدينة برمنجهام وفي خارجها، كما أني زرت دولة أخرى لم أزرها من قبل، وهي أيرلندا الجنوبية، كما سيأتي ذلك كله.
الأربعاء: 24/1/1414هـ 14/7/ 1993م
في تمام الساعة الثانية بعد الظهر، أقلعت بنا الطائرة السعودية من مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وهبطت بنا في مطار (هيثرو) بلندن في الساعة الثامنة مساء أي الساعة الخامسة بالتوقيت العالمي.
ظهر السبب فبطل العجب:
قبل 16سنة في الرحلة النواة، دهشت لسرعة إنجاز أعمال الجوازات والجمارك في هذا المطار، وسجلت دهشتي تلك في حينه، وذكرت كثرة المسافرين وما يقابله من كثرة الموظفين الذين ينهون الإجراءات بتلك السرعة، وفي هذه المرة وقفنا في صف الانتظار أكثر من ساعة، فتعجبت، وكنت أظن أن هناك أمراً ما عطَّل الموظفين عن العمل ، ولكن عندما اقتربت من الموظفين التفت يمنة ويسرة، فلم أر إلا اثنين فقط من موظفي الجوازات، فعرفت السبب، وربطت ذلك بالبطالة التي تشكو منها دول الغرب اليوم، وعندما ظهر السبب بطل العجب .
مكره أخاك لا بطل!
استقبلنا في المطار فضيلة الأخ الدكتور صهيب بن عبد الغفار حسن أمير جمعية أهل الحديث المركزية في بريطانيا في الوقت الحاضر [وهو باكستاني الأصل ومن زملائي في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ووالده الشيخ عبد الغفار حسن من أساتذتنا في الجامعة، وقد كتبت عن حياته نبذه في هذا الكتاب من هذه السلسلة، وكان التنسيق للدورة قد تم مع هذه الجماعة (جماعة أهل الحديث)].
وكنا نعرف أن الدورة ستقام في مدينة برمنجهام التي تبعد أكثر من ساعة ونصفها بالسيارة شمال لندن، ولكنا كنا نظن أننا سنبيت هذه الليلة في لندن، لنأخذ راحتنا من تعب الرحلة الطويلة، فإذا نحن نقوم برحلة أخرى برية إلى مدينة برمنجهام، فشحذنا هممنا وشددنا عزمنا ـ ومكره أخاك لا بطل ـ وقد نزلنا في فندق يسمى: سِلْ فْرِيْج Sel Frige))، هذا غرفهُ ضيقة وأجرته مرتفعة وفي كل غرفة اثنان منا.
الخميس 25/1/1414هـ 15/7/1993م
سألت عن الفنادق القريبة فذكر لي حياة ريجنسي فذهبت إليه وبعد أخذ ورد مع موظفيه تم النزول فيه بأجر أقل من الفندق السابق وهو فندق فخم وغرفهُ واسعة وسبب نزولي فيه تخفيض الأجرة والترقية لأني أحمل بطاقة عضويته.
افتتاح الدورة:
في الساعة الحدية عشرة صباحاً اجتمعنا في مقر مركز جمعية أهل الحديث في مدينة (برمنجهام) بما يزيد على خمسين شخصاً ممن تقدموا للاشتراك في الدورة، ولم نجد منهم من عنده مقدرة ضعيفة على التحدث باللغة العربية إلا ثمانية أشخاص، مع أن الدورة تقام ـ في الأصل ـ لمدرسي اللغة العربية والدراسات الإسلامية، والباقون لا يعرفون الحروف الهجائية العربية.
وقد ألقيتُ محاضرة في افتتاح الدورة ترجمت باللغة الإنجليزية، تضمنت الأسس الأربعة الآتية:
الأول: الإخلاص. الثاني: العلم. الثالث: العمل. الرابع: القدوة الحسنة.
زيارة سفير المملكة في لندن:
الجمعة 26/1/1414هـ 16/7/1993م
وفي صباح هذا اليوم سافرنا إلى مدينة لندن لزيارة سعادة سفير المملكة العربية السعودية الدكتور غازي القصيبي، وإشعاره بوصولنا ومهمتنا، فصلينا الجمعة في السفارة، ثم اجتمعنا بالسفير وسمعنا منه بعض الملحوظات المتعلقة بمهمتنا.
ثم زرنا مكتب الدعوة والإرشاد في لندن، والتقينا الدكتور سعد بن عبد الله الغديان الذي رحب بنا وأبدى استعداده للتعاون معنا.
زيارة المسجد الجامع والمركز الإسلامي في برمنجهام:
السبت 27/1/1414هـ 17/7/1993م
وفي صباح هذا اليوم زرنا هذا المركز، والتقينا المسؤول عنه، وهو: الدكتور محمد عبد الرحيم الذي جاء إلى بريطانيا سنة: 1971م.
دَرَسَ في مجلس العلوم الإسلامي في بنغلادش، ثم في جامعة دكا في كلية الاقتصاد سنة 1966م. و عمره قارب خمسين عاماً.
مجلس أمناء المركز يتكون من 24 عضواً، وعدد أعضاء الجمعية الرسميين: 200عضو. وعدد الأعضاء المساعدين: 2000عضو.
ويوجد المجلس الإسلامي الأوربي في لندن، الذي يرأسه محمد عبد الرحيم، أسس منذ أربع سنوات، وكان قبل ذلك في برمنجهام، تشرف عليه البعثة الإسلامية، وبعد انفصال بنغلادش انفصل عنها وسمي: دعوة الإسلام سنة: 1978م.
وسألتهم عن عدد من دخل في الإسلام عن طريق المسجد؟ فقالوا: دخل عشرون شخصاً في الإسلام منذ أنشئ المركز سنة 1973م. [يوم الأحد 28/1/1414هـ 18/7/ 1993 يوم إجازة، اغتنمنا الفرصة لأخذ راحتنا فيه].
بدء الدورة:
الاثنين 29/1/1414هـ 19/7/1993م
بدأت الدورة صباح هذا اليوم في مركز جمعية أهل الحديث، وقد تم تقسيم المشتركين قسمين:
القسم الأول: من يفهمون ـ في الجملة ـ الحديث باللغة العربية وعددهم ثمانية، وهؤلاء تلقى عليهم الدروس والمحاضرات في مبادئ الإسلام واللغة العربية باللغة العربية، وكانوا من نصيبي.
والقسم الثاني: من لا يفهمون الحديث باللغة العربية، وهؤلاء يعلمون حروف الهجاء العربية، وكانوا من نصيب الدكتور الدهلوي.
وكانت المحاضرات اليومية كما يأتي: [عدد المحاضرات أربع كل يوم، وقد اجتهدنا في موضوعات المحاضرات، لعدم وصول الكتب المقررة في الدورات، ولم أذكر هنا مادة قراءة القرآن التي لم تنقطع في جميع الأيام، وكذلك مادة اللغة العربية التي سيأتي ذكر الطريقة التي سرت مع الطلاب عليها، لعدم وجود أي كتاب يمكننا تقرير شيء منه عليهم].
أركان الإيمان:
الثلاثاء 1/2/1414هـ 20/7/1993م
الإيمان بأن الله هو الخالق الكون، الإله الواحد المستحق للعبادة والإيمان بأسمائه وصفاته.
الإيمان بالملائكة :
الأربعاء 2/2/1414هـ 21/7/1993م
الإيمان بالكتب المنزلة إجمالاً وتفصيلاً، وبخاصة القرآن الكريم الذي هو خاتمها والمهيمن عليها.
زيارة أمانة معاذ والمعهد العلمي اليمنيين:
حضر بعض مسؤولي أمانة معاذ اليمنية التي يتبعها المعهد العلمي، المحاضرة التي ألقيتها بعد مغرب الجمعة 4/2/1414هـ 23/7/1414م، كما حضروا المحاضرة التي ألقيتها في بيت الطلبة بعد العشاء من تلك الليلة، فألحوا عليَّ أن أزور الأمانة والمعهد، فقمت بزيارتهم.
وقد سرني مقر الأمانة الذي تبرع بشرائه بعض المحسنين من أغنياء اليمن، وهو هيال سعيد رحمه الله ووفق أولاده لاتباع نهجه الذي يثني عليه به كل من وجدته، مع أني لم يسبق لي أن التقيته، وهو بناء كبير واسع يعتبر قلعة من قلاع التربية والتعليم والدعوة، التي نسأل الله أن يوفق القائمين على الأمانة ومؤسساتها لمزيد من الخير والعناية بأبناء اليمن الذين يعيشون في أجواء الغرب، حتى ينتشلوهم من حمأة معتقداته وأفكاره، ويحموهم من الضياع والذوبان في تلك المجتمعات.
وبعد أن تجولنا في تلك القلعة المباركة، تناولنا طعام الغداء في منزل المسؤول عن الأمانة، في تلك الأيام، وهو الأخ فؤاد الصباحي.
جولة محزنة وشكوى مؤلمة:
قال لي الأخ فؤاد: أود أن نمر ببعض الحارات لترى بعينك أين يعيش اليمنيون، وأثر ذلك عليهم وعلى أسرهم وأبنائهم، وكنت أظن أنه يقصد سوء السكن، من حيث تدني مستواه وما يحيط به من قاذورات وأوساخ مادية، وعدم اهتمام الحكومة بهم، فلما مررنا ببعض شوارع تلك الحارات وجدتها أحياء بها مقصورات جميلة، وشوارعها نظيفة، فبدأ يشير إلى بعض شرفات تلك المقصورات، فإذا بها نساء متزينات يتلفتن إلى المارة في الشوارع ويشرن بأيديهن ورؤوسهن مرحبات بهم، وهن عاريات إلا (...) ويقول لي الأخ فؤاد: إن هؤلاء النساء زوانٍ ينتظرن من يستجيب لهن من المارة، وقد خصصت الدولة لكل أسرة يمنية مسكناً بجانب واحدة منهن.
والأسر اليمنية تشمل شباباً من الذكور والإناث، قد فسد أغلبهم إلا من شاء الله، ونحن في الأمانة ـ يعني أمانة معاذ والمعهد ـ نحاول إنقاذ من استطعنا منهم، إما بالدراسة المنتظمة حسب الإمكان، وإما بدعوتهم للاشتراك في بعض النشاطات الثقافية والاجتماعية والرياضية، ولكن الأمر أكبر من طاقتنا.
فلم يسعني إلا أن أتنهد تنهيدة كاد قلبي يطير معها من صدري وأحوقل، وماذا عسى أن أقدر عليه غير ذلك وغير الدعاء. والذين لديهم القدرة على المساعدة غالبهم غير مبالين بما يجري من مآس وأحزان، ولو أن الحكومات في الشعوب الإسلامية، وأغنياء تلك الشعوب اهتموا بهؤلاء فبذلوا ما تيسر من الأموال، لإيجاد مرافق تعليمية ومدرسين ودعاة لأنقذوا كثيراً من هؤلاء الضحايا، ولكن:
والحقيقة أنه لولا وجود قلة قليلة من حكومات الشعوب الإسلامية [مثل المملكة العربية السعودية، والكويت وبعض دول الخليج]، وبعض الأغنياء في تلك الشعوب [في المملكة وبعض دول الخليج أيضاً، ومثل الشيخ هيال سعيد في اليمن].
يتعهدون المسلمين والأقليات المسلمة في العالم لكانت المصيبة أعظم وأشد.
الخميس4/2/1414هـ 22 /7 / 3 199م
محاضرة اليوم كانت في: الإيمان بالرسل عليهم السلام، إجمالاً وتفصيلاً، وبخاصة نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم.
زيارة المركز الإسلامي:
وهو يقع في: (سبارك بروك) في مدينة برمنجهام:
في هذا اليوم زرت المركز الإسلامي (SPARK BROOK) في مدينة برمنجهام، والتقيت مدير المركز: محمد خالد الذي يبلغ من العمر: 43 سنة، تلقى دراسته في باكستان، وأخذ الماجستير في العلاقات العامة بين المسلمين والمسيحيين، وخاصة الأمة في القرآن والكنيسة والإنجيل، من جامعة برمنجهام، ولا زال يواصل دراسته فيها.
وقال: إن هذا المركز أنشئ قبل 14عاماً تحت إشراف نثار أحمد الذي توفي قبل أربع سنوات. وعدد أعضاء المركز 30 شخصاً، ويؤدي دوره بإشراف البعثة الإسلامية في بريطانيا ومدير اللجنة في هذه المنطقة (برمنجهام)محمد صديق.
ورئيس البعثة هو: طفيل حسين شاه والمقر المركزي في لندن.
محاضرة عامة للناطقين باللغة العربية:
الجمعة 4/2/1414هـ 23/7/1993م
كانت محاضرة اليوم في: الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره.
وبعد المغرب ألقيت محاضرة في مقر مركز جمعية أهل الحديث، بعنوان: (الطريقة النبوية في الدعوة والتربية) من الساعة التاسعة والنصف إلى الساعة الحادية عشرة.
ومحاضرة في بيت الطلبة العرب.
وموضوعها: (فقه الدعوة) من الساعة الحادية عشرة والربع، إلى الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل.
السبت 5/2/1414هـ 24/7م1993م
وكانت محاضرة اليوم في: أركان الإسلام: الشهادتان، معناهما، مقتضاهما، شروطهما. نصيب المسلمين اليوم من تحقيق تلك الموضوعات.
المؤسسة الإسلامية في (لستر):
الأحد 6/2/1414هـ 25/7/1993م
في هذا اليوم زرت المؤسسة الإسلامية في مدينة لستر، والتقيت الدكتور مناظر أحسن مدير عام المؤسسة، وأخذت منه بعض المعلومات عنه وعن المؤسسة، التي سبق أن زرتها من قبل.

تعريف موجز بالدكتور مناظر حسين:
تاريخ الميلاد: ولد الدكتور في 1أغسطس، سنة 1946م.
المؤهل: بكالوريوس وماجستير في التاريخ الإسلامي، من جامعة باكستان الشرقية، جامعة راجا شاهي، سنة 1967م، ودخل جامعة لندن سنة 1968م، ونال شهادة الدكتوراه منها سنة 1972م، وموضوعها: الحالة الاجتماعية في العصر العباسي الأول، وطبع الكتاب في إنجلترا في أشهر دار نشر.
الوظائف: قام بالتدريس في المدرسة العالية في باكستان الشرقية قبل الانفصال، وبعد أن نال شهادة الدكتوراه من لندن، انضم إلى المؤسسة الإسلامية، وهو أستاذ زائر بجامعة سوكوتو في شمال نيجريا، كما ألقى محاضرات في المعهد العالي (كلية الدعوة) التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في المدينة المنورة لمدة ثلاثة أشهر.
التحق بالمؤسسة الإسلامية، للمساعدة في نشاطاتها، وهو الآن مديرها العام.
مؤلفاته: ألف ستة كتب، منها: الإسلام والمسلمون، ومراجعة كتب العالم الإسلامي، وهي مجلة يرأس هو تحريرها.
أهداف المؤسسة:
والمؤسسة ذات أهداف علمية، ولكنها تقوم بنشاط دعوي مع المسلمين الجدد، حيث تقوم بتدريبهم على تَعَلُّم الإسلام وتعليمه، كما تقوم بتعريف غير المسلمين الإسلام.
نشاط المؤسسة بين المسلمين الجدد:
أعدت المؤسسة جدولاً لأسمائهم وعناوينهم، وقد بلغ عددهم في هذا الجدول: عشرة آلاف كلهم من البريطانيين، والمستشرقون يقولون: إن عددهم في بريطانيا كلها خمسة آلاف فقط..!
وقد وظفت المؤسسة رجلاً وامرأة من المسلمين البريطانيين، للقيام بمهمة إحصاء المسلمين الجدد، وما عندهم من معلومات عن الإسلام، حتى تقوم المؤسسة بما يمكن تقديمه لهم من المساعدة في تعليمهم الإسلام.
وتعقد المؤسسة للمسلمين الجدد دورة لمدة أربعة أيام كل ثلاثة أشهر، توجه لهم الدعوة، ويحضر في كل دورة عدد يتراوح ما بين خمسين وستين شخصاً، والهدف من ذلك تعليمهم وحل ما أمكن من مشكلاتهم، وتؤلف لهم كتب تهتم بتلك المشكلات، وأحياناً يقوم بتأليف تلك الكتب من تقدمت معرفته بالإسلام جيداً منهم.
وسبب اهتمامنا بالمسلمين الجدد من أهل البلد أو دعوة من لم يسلم إلى الإسلام، أن الإسلام لا يستقر غالباً في بلد، إلا إذا دخل فيه أهل البلد أنفسهم.
ويوجد هدف آخر لتأليف الكتب والدعوة، وهو أن شباب المسلمين الذين ولدوا في بريطانيا، إذا رأوا بعض أهل البلد يدخلون في الإسلام يتأثرون بهم في ذلك أكثر مما يتأثرون بنا.
كما تقوم المؤسسة بتعريف غير المسلمين بالإسلام، حيث تدعو موظفي وزارة الداخلية والشرطة من البريطانيين لمدة يومين في كل شهر، ويفهمون الإسلام بالأسلوب المعاصر المناسب لهم، ويجلس المسلمون معهم ويُزَوِّرونهم المساجد، ونحاول تصحيح أفكارهم عن الإسلام، وبعد رجوعهم إلى منازلهم يكتبون للمؤسسة رسائل يعترفون فيها أنهم كانوا يفهمون الإسلام فهما غير صحيح، وهذا نهج إعلامي تقوم به المؤسسة لتصحيح الأفكار عن الإسلام.
ومن أمثلة تأثير هذه الدورة: أن رئيس شرطة كبريال حضر إحدى الدورات لمدة يومين، وكان يعمل في إدارته شرطيان باكستانيان، وعندما باشر عمله في مكتبه دعاهما ـ وكانا لا يصليان ـ فخافا من أن يكون دعاهما لمخالفة حصلت منهما، فلما حضرا لديه أخبرهما أنه اشترك في الدورة، وعرف أن المسلم يجب أن يصلي خمس مرات في اليوم، وقال لهما: لم لا تصليان أنتما؟ فقالا: إن ملابسهما ليست نظيفة، فقال: أنا أخصص لكما غرفة خاصة بالصلاة، فأصبحا يصليان، وهذا دليل على تأثير هذه الدورة على من يحضرها من غير المسلمين في الجملة.
وقد اشترك في هذه الدورات أكثر من أربعمائة من الأعيان، كل دورة يحضرها ما بين عشرة وخمسة عشر، ويكتبون بعد رجوعهم خطابات يشكرون فيها المؤسسة، ويبدون سرورهم بذلك.
وتدريب المسلمين الجدد على تعلم الإسلام وتعليمه، لا تقوم به إلا هذه المؤسسة [يعني في بريطانيا، وفي غير بريطانيا قليل، ومن هذا القليل: دار الأرقم في سنغافورة لكن دعوة غير المسلمين تطورت ـ نسبياً ـ فيما بعد في كثير من البلدان، مع كثرة العقبات أمامها].
والمؤسسة تراسل الذين يحضرون هذه الدورات من غير المسلمين، وهم يتصلون عن طريق الهاتف، يسألون عن بعض ما يعترضهم من مشكلات.
ولدى المؤسسة ثلاثون موظفاً يقومون بأعمالها، وكان لديهم دَيْن قد بقي من قيمة هذه المؤسسة يبلغ مليونين، دفعوا مليوناً وبقي عليهم مليون، وهم في أمس الحاجة إلى المساعدة في ذلك.
هذه المعلومات أدلى بها المدير العام للمؤسسة: الدكتور مناظر أحسن في مكتبه.
ثم تجولنا بعد ذلك في مباني هذه المؤسسة المباركة، التي توسعت مبانيها ومساحة أرضها، وزاد نشاطها وموظفوها، وقد كانت عندما زرتها في المرة الأولى في مبنى صغير، موظفوها يعدون بالأصابع، وقد هالني نشاطهم في تلك الفترة مع قلتهم وضيق مكاتبهم، كما وصفت ذلك في الرحلة السابقة من سلسلة: في المشارق والمغارب. [كانت الزيارة الأولى في 7/1/1408هـ].
وهي الآن في خارج المدينة في موقع جميل، تحيط بها المزارع والأشجار، وتحتوي على مبان إدارية وسكنية وثقافية واجتماعية، وهي منظمة تنظيماً جيداً ومرتبة ترتيباً يمكن الباحث من الاستفادة من كل وحداتها، ويمكن أن تقام فيها دورات تدريب تعليمية أو مهنية أو رياضية محدودة، مقابل إعانة مالية لصيانتها وتجهيزها... تلك هي المعلومات الشفوية عن هذه المؤسسة، ويحسن إضافة المعلومات المسجلة في منشور خاص باللغة العربية لمعرفة المؤسسة معرفة اشمل. [إن المعلومات التي تعمدت إثباتها هنا، مع ما سبق مما سجلته عن هذه المؤسسة في زيارتي السابقة لها، هذه المعلومات الأخيرة فيها بيان للتطور الذي وصلت إليه هذه المؤسسة، وهو ما تمنيته لها في الرحلة السابقة، ولا أزال أتمنى لها المزيد من التوفيق في خدمة هذا الدين ونشره بين الناس].
الإسلام في أوربا:
يؤثر الإسلام في أوربا بشكل كبير على مستقبل الأمة الإسلامية، بل وعلى مستقبل البشرية جمعاء، ومن ثم كانت الحاجة لنقل رسالة الإسلام، إلى أوربا أكثر وجوباً وإلحاحاً من أي وقت مضى.
فمن جهة أصبح العالم كله اليوم يخضع ـ بشكل أو بآخر ـ للهيمنة الغربية، الأمر الذي يحتم على المسلمين أينما وجدوا، أن يَجِدوا في مواجهة التحدي الغربي حتى يتمكنوا من توطيد دعائم الإسلام.
ومن جهة أخرى أصبح الإسلام ثاني أوسع الأديان انتشاراً في المملكة المتحدة وأوربا، إذ يقطن المملكة المتحدة وأيرلندا ما يقارب مليوني مسلم، ثلثهم من الأطفال والناشئة، وخمسهم من الشباب... كما يبلغ عدد المسلمين القاطنين في القارة الأوربية ـ ككل ـ حوالي 25 مليون نسمة، وبهذه الأعداد الهائلة من المسلمين، أصبح الحضور الإسلامي في هذه الديار بارزاً لأول مرة في التاريخ المعاصر، وهذا بحد ذاته مؤشر على ولوج المسلمين لعهد جديد في هذه الديار.
التحدي الكبير:
بينما تستعد المجموعة الأوربية لوضع اللمسات النهائية لوحدتها الاقتصادية والسياسية، وبينما تقف البشرية على أعتاب القرن الحادي والعشرين، يتحتم على المسلمين والتجمعات الإسلامية المستقرة بالغرب تأدية دورهم الحاسم في صياغة مستقبلهم بإخلاص وتفان، حتى يتسنى لهم مواجهة التحديات التي يتعرضون لها.
والمؤسسة الإسلامية ـ بإذن الله تعالى ـ هي إحدى تلك المشروعات الفريدة التي أسسها المسلمون، لتضطلع بهذه المهمة... بل إن المؤسسة الإسلامية تجربة فريدة من نوعها في هذا المجال على الصعيد الأوربي عموماً والبريطاني خصوصاً.
استجابة فريدة:
إن المؤسسة الإسلامية منظمة ذات طابع متميز في مجالات البحث والتعليم والدعوة، والتدريب التربوي، ولهذا فهي مؤسسة فريدة من نوعها على الصعيد الأوربي.
تقع هذه المؤسسة في قرية (ماركفيلد) قرب مدينة (لستر) على بعد 110 ميل (أميال) شمال العاصمة لندن.. وهي بحق مؤسسة عالمية في طبيعتها ونطاق عملها وتنوع نشاطاتها، إذ يفذ إليها العاملون والعلماء والباحثون والشباب والدارسون من جميع أنحاء العالم، بل إن عالميتها هذه تتجسد حتى في جنسيات الإخوة العاملين بها، فمنهم الباكستاني والهندي والجزائري والفلسطيني والبريطاني والبنغلاديشي، وغيرهم من الجنسيات الإسلامية الأخرى.
تحدي الدعوة:
وضعت المؤسسة الإسلامية لنفسها ثلاثة أهداف رئيسية من أجل القيام بواجباتها وأعباء الدعوة إلى الله، في هذه الديار، وهذه الأهداف هي:
أولاً: تنمية فهم أعمق وأفضل للإسلام بين المسلمين أنفسهم، استعداداً لمواجهة التحديات التي تواجه الإنسانية اليوم.
ثانياً: رعاية الشباب المسلم من الجيل الثاني وما بعده، ممن تربوا وترعرعوا ودرسوا في ديار الغرب، وذلك من أجل المحافظة على هويتهم وجذورهم وفهم عقيدتهم، إعداداً لهم ليقوموا بمهمة التغيير الشامل للمناخ الأخلاقي والاجتماعي والفكر الغربي.
ثالثاً: تشجيع البحث وإنشاء أدبيات متخصصة في مجالات القرآن الكريم، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتاريخ الإسلامي، والتشريع الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي، وقضايا العصر.
كتب الأطفال:
تبلورت فكرة إصدار كتب للأطفال، استجابة لحاجة الناشئة من المسلمين الذين يعيشون ويدرسون في الغرب، ومن أجل النجاح في مثل هذه المهمة، كان من الضروري إعداد القصص التي هم بأمس الحاجة إليها، وهذا يعني تقديم قصص تتمحور حول القيم والعقائد الدينية، والمفاهيم الإسلامية الأخرى التي تنسجم مع الروح العامة، لتعاليم ديننا الحنيف.
وقد أصدرت المؤسسة ـ فعلاً ـ بعض هذه الكتب لمساعدة الناشئة في أن يكونوا مسلمين حقاً ومواطنين صالحين في هذا العالم.
كما تجدر الإشارة إلى أن كتب الأطفال التي أصدرتها المؤسسة الإسلامية، تضاهي في شكلها ومضمونها كتب الأطفال الأخرى المتاحة في الأسواق، وهذا حتى تكون قراءتها ممتعة تجذب انتباه الأطفال، وتزيد من معرفتهم، وتشيع حب الاستطلاع لديهم، وتبث فيهم روح الرحمة والأخوة والمساواة.
ومعظم هذه الكتب متوافرة في المدارس المحلية الحكومية والخاصة، وما زال الطلب عليها مستمراً من هذه المدارس.
كما تم ترجمة بعض هذه الكتب إلى اللغات الأوربية الأخرى، مثل الألمانية والفرنسية والأسبانية والبرتغالية والدنماركية والإيطالية، ومنحت المؤسسة كذلك ترخيصاً بترجمة بعض كتبها إلى لغات الملايو، والبهاسا والبنغالية، والسويدية، والنرويجية، والسواحلية، والهوسا، ولغات أخرى.
دراسات الاقتصاد الإسلامي:
تعتني (وحدة الاقتصاد الإسلامي) التابعة للمؤسسة الإسلامية بدراسة المشكلات والقضايا المتعلقة بتطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي في العصر الحديث.
وقد بلغت إصدارات هذه الوحدة حوالي 20 كتاباً، كما تخطط لإصدار سلسلة (الدليل الاقتصادي) في حوالي 25 كتيباً، تعالج مختلف مباحث الاقتصاد الإسلامي، في السنوات القليلة القادمة إن شاء الله.
إلا أن نشاطات هذه الوحدة لم تقتصر على إصدار الكتب، إذ نظمت عدة ملتقيات عن الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية، بالتعاون مع جامعة لفبره ومعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية التابع لجامعة لندن، ومركز الدراسات الإسلامية التابع لجامعة أكسفورد... حيث شارك في هذا الملتقى الذي عالج قضية البنوك الإسلامية، ممثلون عن الكويت والسعودية وبريطانيا وألمانيا وبلجيكا واليابان.
وتقوم هذه الوحدة بالاشتراك مع الجمعية الدولية للاقتصاد الإسلامي بإصدار مجلة (بحوث الاقتصاد الإسلامي) كما يجري حالياً وضع برامج تعليمية لدارسي علم الاقتصاد الإسلامي التطبيقي
وقيد البحث والدراسة مشروع آخر، للتعاون مع بعض الجامعات البريطانية، لتدريس مادة الاقتصاد الإسلامي، كجزء من المقرر الدراسي العام لأقسام الاقتصاد في هذه الجامعات.
وحدة الحوار بين الأديان:
الإسلام والمسيحية أكبر الأديان انتشاراً في العالم، وأتباعهما يتعاملون معاً في مجالات كثيرة، في كل أنحاء العالم تقريباً.
ومن المهم جداً أن يبحث المسلمون ويدرسوا الجوانب المتعددة التي تربط العلاقة الجامعة بين أصحاب هاتين العقيدتين.
وتتمثل مهمة هذه الوحدة في متابعة وضبط مثل هذه العلاقة، ودراسة أوجه التداخل والاحتكاك التي تعتري مختلف أوجه التعامل بين الطرفين.
وقد نشرت هذه الوحدة أكثر من عشرين بحثاً وتقريراً، في هذا المجال... عالجت بعض هذه البحوث العلاقات التي تربط بين المسلمين والمسيحيين في إندونيسيا، والهند، وبنغلاديش، وباكستان، وقبائل الفولاني بإفريقيا، ودول الخليج وألمانيا... إلخ، كما تصدر الوحدة نشرة شهرية باللغة الإنجليزية (FOCUS )، وهي نشرة فريدة في نوعها في العالم الإسلامي، وتغطي هذه النشرة العلاقات التي تربط بين المسلمين والمسيحيين من كل جوانبها، بدءً بالحوار، وانتهاءً برصد ومتابعة نشاطات الإرساليات التنصيرية في العالم الإسلامي، وتصدر هذه النشرة باللغة العربية أيضاً تحت عنوان: (الأضواء).
وحدة الصحوة الإسلامية:
تنوي هذه الوحدة دراسة الحركات والمنظمات ونشاطات الجاليات الإسلامية في الغرب، والتغيرات الاجتماعية السياسية التي تحدث في العالم الإسلامي، كما يشمل مجال عمل هذه الوحدة نظرة الغرب للإسلام عموماً، ومختلف الحركات الإسلامية خصوصاً.
ومن المقرر أن تصدر هذه الوحدة نشرة تعنى بأخبار الحركات الإسلامية، وعدد من الأبحاث والكتب التي تلقي الضوء على التطورات والتوجهات الحديثة في العالم الإسلامي.
وحدة آسيا الوسطى:
للجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى ماض عريق جداً... فقد كانت مهداً من مهاد الحضارة الإسلامية، الذي رضع من جنباته علماء مشهورون في كل الاختصاصات العلمية، ومن بينهم الإمام البخاري والإمام الترمذي، رحمهما الله.
ووحدة آسيا الوسطى تهتم بدراسة أوضاع المسلمين، في هذه المنطقة خاصة، بعد التغيرات السياسية الهائلة، التي نجمت عن تفككات الكتلة الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفيتي.
كانت هذه الوحدة تصدر مرة كل شهرين، بعنوان: 0SOVIET MUSLIM BRIEF)، مع ترجمتها العربية التي تصدر بعنوان: (المسلمون في الاتحاد السوفيتي)، وتعتمد هذه النشرة في جمع معلوماتها على المصادر الصادرة باللغة الروسية أساساً، وهي بذلك تعطي صورة داخلية صادقة عن وضعية المسلمين في آسيا الوسطى، وتفاعلاً مع المستجدات الحديثة في هذه المنطقة، أصبحت هذه النشرة تصدر بعنوان: (SENTRAL ASIA BRIEF)، مع ترجمتها العربية التي تصدر بعنوان: (المسلمون في آسيا الوسطى).
وحدة السمعيات والبصريات:
لا حاجة بنا إلى التأكيد على أهمية الوسائل السمعية والبصرية، في مجال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.. ووحدة السمعيات والبصريات التابعة للمؤسسة الإسلامية، تساهم مساهمة فعالة في هذا المجال، حيث إنها تتابع كل البرامج التلفزيونية التي تهم الإسلام والمسلمين، وتسجلها وتحتفظ بها في إرشيفها الخاص، حتى يتمكن الباحثون من دراسة كيفية معالجة الإعلام (المرئي منه خصوصاً) للقضايا الإسلامية والمسلمين القاطنين بالغرب، كما تحتوي الوحدة على بنك للشرائح الفيلمية (سلايدات) فريدة من نوعها، حيث إنها تحتوي على عشرة آلاف شريحة، تصور الطبيعة والحضارة الإسلامية، والهندسة المعمارية الإسلامية، والخط العربي وغيرها من المواضيع المهمة.
ولأهميتها فقد استعملت هذه الشرائح قطاعات واسعة من الطلبة والأساتذة والمنظمات والهيئات الإسلامية.
أما المواد السمعية والبصرية التي أنتجتها المؤسسة الإسلامية فتشمل ما يلي:
ـ (الإسلام... طريق السلام) برنامج مختصر وشامل عن الإسلام (شريط كاسيت مرفق بشرائط مصورة).
حياة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وهو شريط فيديو مؤثر عن حياة نبي الإسلام ورسالته.
شرائط فيديو عن (الهجرة في الماضي والحاضر) والدعوة الإسلامية في الغرب.
أشرطة كاسيت صوتية تحوي قصصاً للأطفال، كانت المؤسسة الإسلامية قد نشرتها في السابق على شكل كتب.
كما يتم تقديم المساعدة بصفة مستمرة لجمعيات الطلبة المسلمين والمنظمات الأخرى المهتمة بتنظيم المعارض للمسلمين وغير المسلمين في مختلف الجامعات البريطانية. إضافة إلى ذلك تقوم الوحدة بتدريب الشباب المسلم المهتم بتطوير مهاراته في المجال السمعي والبصري.
المجلات الدورية:
بدأت المؤسسة الإسلامية منذ عام 1980م بإصدار مجلة: (THE MUSLIM WIRLD BOOK REVIEW) التي تعنى بدراسة وعرض أحدث الإصدارات التي تعالج الإسلام وشؤون العالم الإسلامي، ففي هذه المجلة يقوم علماء مرموقون بإثبات قائمة بأهم الكتب التي تعالج قضايا الإسلام والعالم الإسلامي، ومراجعتها ونقدها نقداً علمياً موضوعياً.
ويزخر كل عدد من أعداد هذه المجلة بالمعلومات والمقترحات ووجهات النظر الرصينة، لطائفة من العلماء الذين ينتمون لبلدان مختلفة من العالم، كما يعتبر ملحق هذه المجلة الذي يصدر بعنوان: INDEX OF ISLAMIC LITERATURE أداة نافعة للباحثين، حيث إنه يقدم ببلوجرافيا دقيقة وشاملة لأحدث ما صدر في مجال الدراسات الإسلامية.
وحدة المسلمين الجدد:
هذا برنامج فريد آخر من برامج المؤسسة الإسلامية... إذ يتراوح عدد البريطانيين الذين اعتنقوا الدين الإسلامي ما بين 10 إلى 15 ألف مسلم جديد، ومع هذا فالقلة القليلة منهم فقط مندمجون مع الجاليات الإسلامية في هذا البلد، ولهذا السبب فهؤلاء المسلمون الجدد منسيون ومهملون، ولا يتلقون أي عون على المشكلات الجديدة التي يتلقونها بعد إسلامهم، وبسبب هذا الإهمال يفقد كثير منهم علاقاتهم مع المسلمين ولسوء الحظ، وبعضهم يترك الإسلام بسبب شعورهم بخيبة الأمل، بينما يترك بعضهم الآخر الإسلام عملياً، وإن كانوا نظرياً مسلمين.
ويحاول هذا المشروع مواجهة مثل هذا التقصير بطريقة جادة، إذ أن المؤسسة الإسلامية مقتنعة كل الاقتناع بأن الطريقة الوحيدة لمواجهة مثل هذه المشكلات هي تعليم وتدريب هؤلاء المسلمين الجدد، لأهمية هذا الأمر البالغة بالنسبة لمستقبل الإسلام في هذه المنطقة.
ويهدف البرنامج إلى جمع معلومات وافية وشاملة، عن المعتنقين الجدد للدين الإسلامي، كخطوة أولى نحو تقويم حاجياتهم التربوية والاجتماعية والمادية، ومن ثم إيجاد الموارد الكافية لتغطيتها، ويأمل البرنامج أن يكون هذا النوع من التربية خير عون لهؤلاء المسلمين الجدد، على تعلم الإسلام بثقة ويسر، حتى يصبحوا دعاة للإسلام في بريطانيا.
وحدة التعليم والتدريب التربوي:
افتتح هذا القسم في أواخر عام 1990م، بهدف تنظيم دورات تربوية وتعليمية للمسلمين وغير المسلمين، وتلعب هذه الوحدة دوراً كبيراً في تثقيف غير المسلمين الذين يتعاملون مع المسلمين، في إطار أعمالهم اليومية، كرجال الشرطة والعمال الاجتماعيين وإطارات الصحة، وقد أقام هذا القسم لحد الآن: 15 دورة تدريبية، حضرها أكثر من 200 شخص.
كما ينوي هذا القسم أن يقيم دورات تدريبية مماثلة، بمعدل دورة كل أسبوعين أو ثلاثة إن شاء الله تعالى.
مركز مارك فيلد للمؤتمرات:
منذ افتتاحه في شهر فبراير شباط أصبح [مركز مارك فيلد للمؤتمرات] محطة دعوية وتربوية لإقامة الدورات التعليمية والتدريبية بشكل مستمر، فمركز المؤتمرات هذا مفتوح على مدار السنة للأنشطة الإسلامية والإفطارات الرمضانية، والندوات الثقافية واللقاءات الاجتماعية للرجال والنساء والأطفال، كما يستعمل هذا المركز لإقامة مخيمات صيفية للشباب المسلم.
وقد ساهمت [أسهمت] المؤسسة الإسلامية من خلال مركزها هذا، في كثير من الأنشطة الخاصة بالشباب والطلاب والجاليات المسلمة في الغرب، بهدف دعم مسيرة العمل الإسلامي ونشر الإسلام، كما اشترك بعض أعضائها في المؤتمرات والندوات الإسلامية المحلية والدولية، بالإضافة إلى توفير الرعاية والتوجيه والإرشاد، للمنظمات الإسلامية داخل بريطانيا وخارجها.
المساجد ومراكز التجمعات:
تساهم (تسهم) المؤسسة الإسلامية باستمرار، في إنشاء عدد من المساجد والمدارس ومراكز التجمعات وإدارتها، وقد أسهمت المؤسسة لحد الآن في إقامة أكثر من عشرين مركزاً من هذه المراكز.
كما أقامت المؤسسة بنفسها جامعاً ضخماً ومدرسة ومركزاً للجالية في "سبارك بروك" في مدينة برمنجهام، وفي ثلاثة مواقع أخرى من نفس المدينة، ويستفيد حالياً من هذا المشروع الضخم حوالي ألف طفل مسلم وأعداد هائلة من المصلين.
نشاطات الشباب:
لا يمكن الاستغناء عن مهارات الشباب المسلم وطاقاته، في عملية تنمية الدعوة إلى الله في ديار الغرب، وإدراكاً من المؤسسة الإسلامية لهذا الأمر، عملت منذ تأسيسها عام 1973م على دعم الأنشطة الدعوية والتعليمية والتربوية الموجهة للشباب المسلم، هذا ورغبة منها في توطيد دعائم هذه العلاقات الخاصة التي تربط بين المؤسسة ومنظمات الشباب انتقل بعض الشباب الذين ينتمون لجمعية الشباب المسلم والرابطة الوطنية للشباب المسلم، للعمل مع المؤسسة رسمياً.
وتقوم المؤسسة بعدد كبير من النشاطات والبرامج والمعسكرات التربوية، لمجموعات صغيرة من الشباب، يركز فيها على تعليم مبادئ الإسلام، وتنمية الشخصية الإسلامية المتكاملة، المبنية على الإيمان العميق والفهم الدقيق والعمل الجاد... كما تقوم جمعية الشباب المسلم بإصدار مجلة بعنوان:TRENDS، تعتني بقضايا ومشكلات الشباب.
ومن جهة أخرى تقوم المؤسسة بتوجيه المناهج، لتنمية مواهب الشباب، وتنظيم المؤتمرات لهم التي تهدف إلى رفع وشائج الأخوة والاعتزاز بالانتماء لهذا الدين الحنيف.
أما الإنجاز الآخر الذي حققته المؤسسة الإسلامية، فيتمثل في إنشاء منظمة للفتيات المسلمات على مستوى المملكة المتحدة.
الخلاصـــة:
قدمت المؤسسة الإسلامية خدمات جليلة لقضايا الدعوة والتعليم والتربية الإسلامية، خلال العشرين سنة الماضية، وأفاد من الكتب التي أصدرتها الملايين من القراء والعلماء والأطفال وغيرهم... كما تابعت التطورات والتقلبات التي مر بها الموقف الإسلامي في أجزاء مختلفة من العالم، ورصدت التحديات والتهديدات التي تواجه المجتمع المسلم، وبنت جسوراً مع أصحاب العقائد الأخرى والجماعات الفكرية المختلفة، وأتاحت لكل هؤلاء فرصة التعرف على رسالة الإسلام كما هي، من غير تحريف ولا مداهنة.. وهي رؤية لم يقدمها لهم أحد من قبل في القارة الأوربية، وأصدرت المؤسسة الإسلامية بحوثاً في مجالات متعددة، مثل القرآن والسنة والسيرة والتاريخ والاقتصاد، والعلاقات الإسلامية المسيحية، وتحديات الصحوة الإسلامية ومستقبلها...
كما درست المجتمع الغربي المعاصر، وأقامت حواراً بين الإسلام والعالم الغربي، هذا علاوة على مساعدة الجالية المسلمة التي تقطن بريطانيا وأوربا.
إن المؤسسة الإسلامية لتتطلع إلى المستقبل، بأمل وثقة بأن مستقبل الإسلام في هذه الديار، سيكون مشرقاً: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون..} والله المستعان على فعل الخيرات ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. [انتهت النشرة المعرفة بالمؤسسة الإسلامية، وليس بها تاريخ يحدد الوقت الذي صدرت فيه، إلا أنها ـ حتماً ـ بعد زيارتي الأولى للمؤسسة، سنة 1408هـ لأنها تتحدث عن المقر الجديد وعن نشاطات لم تكن موجودة قبل بناء هذا المقر، وهي ـ حتماً ـ قبل زيارتي هذه الأخيرة سنة 1414هـ].
زيارة دار العلوم العربية الإسلامية:
عند رجوعنا من زيارة المؤسسة الإسلامية مررنا بدار العلوم العربية الإسلامية، وهي تقع بين برمنجهام ولستر.
مدير الدار هو: الشيخ يوسف بن سليمان بن قاسم مطارة.
ولد في قرية ناني نَرُوليسورت كجرات في جنوب الهند، بتاريخ 1366هـ.
تلقى الدراسة المتوسطة في كجرات، ثم التحق بجامعة مظاهر العلوم في سهارن فور.
ومن مشايخه الشيخ محمد زكريا، الذي قرأ عليه صحيح البخاري.
ثم سافر سنة: 1968م من الهند إلى بريطانيا للزواج من إحدى قريباته، وبقي في بريطانيا من تلك السنة بأمر من شيخه المذكور، ليقوم بتأسيس الجامعة، مع أنه كان لا يرغب في البقاء في الغرب لكثرة المفاسد.
وفي خلال خمس سنوات تمكن من شراء المستشفى الذي أنشئت على أرضه الجامعة سنة 1972م بمائة وثمانية آلاف جنيه إسترليني، دفعت السعودية ثلث هذا المبلغ (40 ألف جنيه) والباقي تبرع به بعض أهل الخير، وعندما بدأنا إنشاء مباني جديدة تبرع الملك فهد بريع مليون جنيه إسترليني.
عدد طلاب الجامعة: 360طالباً 95% منهم من المقيمين في بريطانيا، وهم ثلاثة أقسام:
ثلثهم لا يدفعون شيئاً، وثلثهم يدفع كل منهم 600جنيه في السنة، وثلثهم يدفع كل منهم 1200جنيه في السنة، وكلهم يسكنون في داخل الجامعة.
عدد الأساتذة الآن: 40 أستاذاً، وكلهم رجال، ويوجد مسلم إنجليزي، أسلم منذ 15سنة.
وتوجد جامعة الإمام محمد ذكريا للبنات في (بريد فورد) وعددهن: 210طالبة، وعدد المعلمات 15 معلمة، و(مدينة العلوم للبنين) في برمنجهام، وعددهم: 140طالباً، وعدد المعلمين 12 معلماً.
والتعليم نوعان: إسلامي وعصري يجمع بين موادهما يومياً..
عدد الطالبات اللاتي تخرجن: 45 طالبة.
والشيخ زكريا ولد في كاندلة يوبي في شمال الهند سنة 1315هـ وتلقى تعليمه في الهند في جامعة مظاهر العلوم، ثم قام بالتدريس فيها، إلى أن هاجر إلى المدينة سنة 1970م، ومنح الجنسية السعودية، وتوفي بالمدينة سنة 1403هـ ، وهو ولد أخي محمد إلياس مؤسس جماعة التبليغ الذي كان يستشيره ـ أي يستشير ابن أخيه ـ.
وللشيخ زكريا مائة كتاب أغلبها في الحديث، منها: لامع الدراري على جامع البخاري، والكوكب الدري على جامع الترمذي، والفيض السمائي على سنن النسائي، وساعد شيخه في تأليف بذل المجهود في شرح سنن أبي داود، وله أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك وكلها باللغة العربية وقد تم طبعها.
كانت محاضرة اليوم بعنوان: العبادة:
الاثنين 7/2/1414هـ 26/7/1993م
معناها، شمولها، أثرها في حياة الفرد والأسرة والدولة.
الخلافة التي كلف الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام وذريته القيام بها.
نصيب الأمة الإسلامية اليوم منها.
حوار مع الأخ عبد الشكور بن أبي بكر البريطاني المسلم:
وكان المترجم الأخ عدنان بن سيف من اليمن، يقيم في مدينة برمنجهام.
س: يا أخ عبد الشكور نريد أن تعطينا نبذة مختصرة عن حياتك، من حيث العمر، والحالة الاجتماعية، والوظائف التي شغلتها، والمستوى التعليمي...؟
ج: عمري ثلاثون سنة، ولدت سنة 1961م، متزوج امرأة ماليزية، أقوم بالتدريس في مدارس حكومية، ومن ضمن المواد التي أُدَرِّسها: اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها، وقمت بالتدريس في دبي ثلاث سنوات، بالمدارس الابتدائية، درَّست مادة الرياضيات وغيرها.
أما عن دراستي فكانت في جامعة برمنجهام، وكان التخصص في التربية والتعليم مستوى (بكالوريوس).

س: ما ديانتك السابقة قبل دخولك الإسلام؟
ج: الديانة هي النصرانية، ولكنا لم نكن ملتزمين بالدين، وأذكر أننا ذهبنا إلى الكنيسة مرة واحدة، وكان عمري في حدود عشر سنوات أو اثنتي عشرة سنة، ولم أذهب بعد ذلك إلى الكنيسة أبداً.
س: ما السبب في عدم التزامك بالديانة النصرانية؟
ج: لأن أبي كان يقول لنا: لا نصدق ولا نؤمن بهذا الدين، فإذا كان أبي لا يؤمن ولا يصدق، فأنا كذلك لا أؤمن ولا أصدق. ((فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)).
س: ألا يوجد سبب غير هذا؟ ولماذا كان أبوك لا يؤمن بالدين النصراني؟
ج: في ذلك الوقت لم يكن عندي سبب غير هذا، بالإضافة إلى أن الناس الذين يذهبون إلى الكنيسة، لم يكونوا يذهبون لممارسة الشعائر الدينية، وإنما يذهبون للمباهاة والمماراة، وكانت أعمالهم تناقض أقوالهم، يقولون شيئاً ويفعلون غيره.
س: بعد أن كبرت هل فكرت أن الكنيسة يمكن أن تكون طيبة، ويمكن الاستفادة منها؟
ج: كنا ندرس عن عيسى عليه السلام، وعن الإنجيل أشياء لا تكاد تصدق، ولا ينبغي أن تنطلي على من يتمتع بشيء من الذكاء، وكنت أشعر بأنني أعرف أحسن من هذا، هذا شيء، والشيء الثاني أن الملتزمين بالنصرانية ليس لهم دور في الحياة، أعني أنهم منعزلون.
س: هل وجدتَ في النصرانية بعض العقائد أو الأشياء التي لا يقبلها عقلك؟ ومثل ماذا؟
ج: لم أفكر في هذا إلا بعد الإسلام، أما قبله فلا، لأنا كنا في مرحلة الشباب مشغولين في الدنيا بما يهتم من أجله الشباب.
س: هل كنت تحس في نفسك أنك تحتاج إلى دين؟
ج: لما دخلت الكلية، بدأت أفكر في الأسئلة الكبيرة، وبأن هناك شيئاً غائباً عني لا أدري ما هو؟ وكان في ذهني أني لا أريد أن أكون مثل من حولي، بل كنت أريد أن أكون شيئا آخر، وما أدري ما هو؟ وكنت أبحث ولكن لا أدري أنني أبحث ولا أدري عما أبحث.. عن معنى الحياة، أو عن الحقيقة، أو عن الحرية؟ عن شيء عميق، لا أدري!! وكنت أحب الجري، أجري من مدينة إلى أخرى، وكنت أحب البادية، فلما رجعت وجدت أهلي يجلسون على ما كانوا أمام التلفاز، ولم يفعلوا شيئاً، وأفكر ولكن لم يكن عندي دليل أو كتاب غيره يهديني.
س: في أي وقت من عمرك عرفت شيئاً يسمى الإسلام؟
ج: عندما كان عمري ست عشرة سنة ـ أثناء الدراسة ـ عرفت أناساً من الهند.. ولكن لم أكن أفرق بين المسلمين والهندوس، بل أعتبر الجميع أجانب عني، لا شيء عندهم أستفيد منه.
س: هل سمعت شيئاً عن الإسلام من الإنجليز، سواء في الصحافة أو الإذاعة أو من قبل المستشرقين؟
ج: كان لي زميل يبحث مثلي، وكان شيوعياً، سافر إلى تركيا، وأعجبه الوضع، وكتب إليَّ يصفهم ـ يعني الأتراك ـ بأنهم أناس طيبون، فيهم نبل وراحة نفسية وكرم، بينما الأوربيون يملكون الطائرات، وعندهم النساء، ولكنهم بؤساء..
ثم إنه أسلم، وعندما جاء ذهبت مع بعض الأصدقاء إليه، وصرنا نضحك عليه: هذا الذي كان شيوعياً أصبح مسلماً، وغداً ما ذا سيكون؟! وأثناء ذلك وجدتُ جماعة من المسلمين البريطانيين، وكان صاحبي هذا يراسلني، ويشرح لي عن الله سبحانه وتعالى، وعن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن الإسلام، ولكني لم أُوَفَّق للاستجابة لذلك، إلى أن دخلت الكلية، وعندئذ وجدت أحد الطلاب المسلمين ـ وإن لم يكن يصلي ـ كان يتمتع بأخلاق عجيبة، ذلك أنه كان يشاركني في طعامه، وشعرتُ بأني لم أكن أنا كريماً، بل (طماعاً) وفي يوم من الأيام كنت أقرأ كتاباً عن الهندوسية، قال لي ذلك الطالب المسلم: القرآن أحسن من هذا. فقلت: لماذا؟ قال: بس ـ يعني بدون تعليل ـ وكان يسألني: هل يجوز أن يأخذ صديقة؟ فقلت: نعم، وماذا فيه؟ وكان يفعل، ولكنه يشعر بالذنب، كان يعيش بين الكفر والإسلام (ممكن) [يقصد أن تصرفاته شبيهة بتصرفات الكفار، لأنه لم يلتزم بدينه، وفي نفس الوقت يظهر شيئاً من الولاء للإسلام، بدليل أنه دله على أن القرآن أحسن له من الهندوسية].
ولكن في نفس الوقت استفدتُ منه، وهو بريطاني، ثم ذهبت أنا وصديقي إلى نورك، وكان ذلك أول مرة ألتقي المسلمين وأتحدث معهم ويتحدثون معي، وصدَّقتهم فيما قالوا، ورأيتهم يصلون ويذكرون الله، ويأكلون معي ويأكل بعضهم مع بعض، ويجلسون على الأرض، فأحببتُ ذلك، ولكن نفسي ما أرادت [يعني لم تطعه نفسه في أن يدخل في الإسلام، برغم إعجابه بالمسلمين وحبه لعملهم].
ولكن بدأ الصراع في نفسي، وقبل أن أغادر المدينة شعرت بشيء في نفسي، وأتذكر حالهم ـ المسلمين ـ، وقد كنت أميل بطبعي إلى الأمور البسيطة، وأحببت فيما أحببت الأذان، ثم مشيت مع مسلم بريطاني، وتحدثنا عن الإسلام ما يقرب من ساعتين، ووجدت نفسي تغيرت، فهذه أشياء جديدة، ولما رجعت كنت أفكر في هذا، ومنذ تلك السنة تحدثت مع زملائي في الجامعة، وقررت أن أبحث أكثر عن الإسلام، لكن نفسي حدثتني أن أتريث حتى أكمل الدراسة... بعد هذه السنة حدثت عدة أمور غيرت تفكيري: من هذه الأشياء رؤيا رأيتها في المنام، رأيت أنني أقوم بزيارة صديقي الذي كان يريدني أن أحضر عرسه في نورك وعند قيامي بالزيارة المنامية، لم أر صديقي، ولكن رأيت أمير الجماعة الذي أخبرني بأن صديقي غير موجود، ولكنه في نفس الوقت احتضنني، فرأيت نفسي أبكي في المنام، وكان هذا الأمير هو الذي أسلمت على يده.
وبعدها رأيت رؤًى كثيرة، تفيد مجموعها على أنه لا بد من الاتجاه نحو الإسلام، وخلال تلك السنة كنت أبحث وأسأل كثيراً وأناقش، وممن ناقشتهم شخص اسمه عطا الله وهو مسلم، وكنت أناقشهم وأرغبهم في الإسلام، وقلت في نفسي: كيف ترغب الناس في الإسلام وأنت لم تتخذ الموقف الإيجابي؟ فلا بد أن تسلم ثم تدعو الناس إلى الإسلام، وأنا في تلك الحال كنت أشعر أنني مشرف على مسبح من على خشبة مرتفعة، أريد القفز وأتردد، أي كان الإسلام هو المسبح.
س: ما الشيء الذي جعلك تتردد؟
ج: إنما هي التبعات، ودخول الإسلام يستدعي جهاداً، بما تعني هذه الكلمة، فتبعات الإسلام تقريباً هي التي كانت السبب في ترددي، وكانت وسوسة من الشيطان، وإلا فإن ذلك الشعور كان كالسراب زال بمجرد دخولي الإسلام.
وفي هذه الفترة بدأت الأمور تضيق علي، والمشاكل تحيط بي، منها الوحدة التي كانت تلازمني من قبل وأنا أعاني من تلك الظروف.
دعاني الأخ حسن، وكان حاله أحسن، فهو يملك سيارة ومتزوج وحاله حسن، مع أن دخله متواضع، كان يبيع عطورات.
س: هل كان مثل هذا قبل أن تسلم ؟
ج: نعم، وكان لقائي بالأخ حسن عبارة عن نسمة هواء، شدت من أزري، وخلال زيارتي ولقائي به عزمني إلى مطعم وقال لي: هنا مطعم صاحبه مسلم، جَرِّبْ، وبالنسبة لي ما كنت أهتم بكونه مطعماً إسلامياً أم لا، فقال لي: كل إنه حلال، ثم أعطاني بعض النقود ومن الطِّيب الذي كان عنده، وبعد ذلك قلت له: لماذا لم تقرأ قرآناً، أو لماذا لم تسمعني شيئاً من القرآن؟ فأنا أريد أن أسمع. وتلا بعض الآيات لا أذكرها بالضبط، لكن كان معناها: من أخذ بهذا القرآن يدخل الجنة، ومن أدار ظهره عنه يدخل النار، هذه الآيات بقيت توقظني بعد ذلك، وأضحى خيار عدم الدخول في الإسلام خياراً صعباً، إنه الخيار الموصل إلى النار، ومن يقوى على النار؟!
وبعد ذلك بعث لي صديقي كتباً، وكنت أعاني من اكتئاب، فتركت المحاضرات في الكلية ورجعت إلى المنزل، وبدأت أتصفح الكتب، وسألت ربي أن يريني آية أو علامة، أو يهديني، وبينما أنا أريد أن أقرأ في الكتب إذا بالهاتف يرن، فرفعت السماعة، فإذا هو الأخ حسن يقول: إنه قد استأذن لي من الأمير (يقصد أميرهم الذي يوجههم في الشؤون الإسلامية) في الزيارة، إن كنتُ موافقاً، فشعرت بالارتياح وقلت: هذا ما كنت أريده ـ هداية الله ـ.
ونسيت أن أذكر أنه قبل يوم أو يومين وأنا في حالة من حالاتي ـ حالات الشباب ـ مع المخدرات، بدأت أذكر الذكر الذي كان المسلمون يتحلقون عليه، وبدأت أميز بين الضار والنافع، وانتابني شعور وألم وندم وعزم، على أن أذهب وأتخلص من المخدرات، وفعلاً رميتها إلى الحمام وأردت أن أذهب في هذا الوقت لكني كنت على الحالة التي ذكرت، فلم أستطع أن أسوق السيارة، وقررت ألاّ أسافر إلا الصبح، وبدأت أتحدث إلى زملائي في السكن بأن الحقائق أضحت واضحة لدي، وأنني أفهم ما يقوله العلماء، وبدأت أشعر في الصباح بزوال تلك الحال، وذكرت الدعاء، واتصلت بصاحبي وأخبرته بأني قادم إليهم، ثم أخذت ما استطعت من الغرفة وودعت الكلية، ولا أنسى أن أذكر أن صاحبي سافر إلى مدينة أخرى، وحينما استقليت الباص (الحافلة) شعرت أنني في رحلة غير عادية، ولما وصلت ما كنت أعرف البيت بالضبط، فكنت أنظر من ثقب البريد ـ المكان الذي يضع مراسلو البريد من خلاله الرسائل ـ وعلمت البيت بسبب تجمع كان فيه، من خلال تجمع الأحذية بكثرة، فلما رأيت مكوَّم الأحذية عرفت أن هؤلاء هم المسلمون.
ولقد كانت رحلة صعبة تلك التي بدأتها، إنه خروج عن المألوف، انتقلت إلى شيء آخر غير ما كنت أعهده: مرحلة التسيب والفوضى، أنام متى أريد، وأصحو متى ما أشاء، ومكثت ثلاثة أيام لا أتكلم بشيء، فقط كنت أسمع لا غير، كنت أشعر أن المسلمين الإنجليز أفضل مني بمئات المرات.
س: ما أدري إلى أي مدى تريد أن تواصل؟ [ خشيت أن يكون قد سئم من كثرة الأسئلة والإجابات عنها لطول الزمن، لأن الحوار عن طريق الترجمة يطول، فأحببت أن أجس نبضه، فإذا هو على استعداد في الاستمرار] استمر حديثنا حتى دخولك الإسلام.
ج: بقيت معهم أياماً، وكنت أصلى معهم، لكن كنت أتساءل وأقول: ماذا أصنع حتى أكون منهم ـ كلام في الشريط غير واضح ـ وفي بعض زياراتي سمعت أحداً يقرأ القرآن، فنزلت الدموع من عيني، لا أدري لماذا، وبعد ذلك خرجنا من المسجد ودخلنا السيارة وشعرت أنني حينئذ قد ودعت التضاربات إلى غير رجعة، وحينئذ التفتَ إليَّ صديقي وقال لي: إذا أردت أن تُسلِم فأنا عندي استعداد أن أرتب لك، وكان عرضه هذه كمن يعرض عليَّ الطعام.
نسيت أننا في الليلة التي سبقت ذلك قلت في نفسي: لا بد أن أقرر شيئاً، فإما أن أعود وخلاص [يعني يعود إلى حالته الأولى بدون إسلام] وإما أن أدخل الإسلام، وقررت أن أخرج وأدور وأتمشى قليلاً، ثم أقرر شيئاً، وخرجت ودرت قليلاً، ثم عدت ولم أقرر شيئاً، ثم عزمت أن أدخل (أي في الإسلام) والذي يحصل بعد ذلك يحصل، أي وليكن ما يكون.
والمهم أنني قلت لصاحبي: نعم. رتب لي اللقاء، ورتب لنا رسمياً اليوم الثاني أو الثالث، وهذا يذكرني الأخ عبد الصمد الذي يعمل معنا الآن في هيئة الإغاثة الإسلامية في بريطانيا، وكان أميراً للجماعة، فلما ذهبت إليه قال لي: علمت أنك تريد أن تُسلِم؟ قلت: مبادراً: نعم، وأسلمت، وقام المسلمون وسلموا عليَّ، وسألني أحد السريلانكيين قائلاً: لماذا أسلمت؟، فقلت: لا أدري، خاصة بعد أن سمعت الآية وبكيت أصبح خيار عدم الإسلام صعباً.
س: ثم دخلت الإسلام؟
ج: نعم أسلمت.
س: كم كان عمرك عندما دخلت الإسلام ومتى أسلمت؟
ج: أسلمتُ عام 1979م وعمري عندئذ 18سنة [كلام غير واضح في الشريط].
س: لو طلبت منك أن تفكر قليلاً، ثم تحدثنا عن حالتك قبل الإسلام، وحالتك بعده، بم تشبه نفسك في الحالتين؟
ج: قبل الإسلام كنت كالحيوان المتوحش، وبعد الإسلام كالأليف.. لم يسعفني الوقت حتى أشبه نفسي بشيء أحسن من هذا، لكن أقول بإيجاز: بأنني قبل الإسلام كنت أعيش لغير هدف، وبعده أصبحت أعيش لهدف، أعمل للآخرة، وأصبح كل شيء يصب في هذا الهدف.
س: كيف كان موقف أسرتك منك قبل الإسلام؟ وكيف موقفهم منك بعد أن أسلمت؟
ج: والداي لم يكونا يعرفان الصراع الذي حصل لي قبل أن أدخل في الإسلام، وظنا أن ذلك حصل لي فجأة بدون مقدمات، وقد قالت الوالدة: ما ترى أن فيه لك سعادة فافعله، وقال الوالد: هذا قرارك، وكنتُ أود لو أكملت الدراسة أولاً.
س: هل تعتقد أن الأوربيين لو فهموا الإسلام كما فهمتَه يدخلون فيه؟
ج: قد دخل في الإسلام أمثالي كثير، وهناك من هم بالطريق إلى الإسلام.
س: هل هناك من فهم الإسلام كما فهمتَه ورفضَه؟
ج: [...كلام غير واضح].. يعني كما ذكر القرآن..
س: ما هي الموضوعات الإسلامية التي تظن أنها تؤثر في الأوربيين أكثر من غيرها؟
ج: هناك أسباب كثيرة، أهمها القدوة الحسنة، وأذكر أن الأخ حسناً تأثر بالأتراك بسبب ذلك، وتأثر أبي بالمسلمين حين رآهم يأكلون سواسية، وهذا غير موجود في أوربا، وقد يؤثر في الشخص ما يجده من أن الإسلام قد سبق العلم الحديث فيما توصل إليه من قوانين في تخصصه مثلاً.
س: يعني أن كل واحد قد يتأثر بشيء؟
ج: نعم.
س: هل يهتم المسلمون الوافدون من الشعوب الإسلامية بالذين يدخلون في الإسلام في بريطانيا؟
ج: أولاً: ينبغي أن يعلم أن الإسلام هو اختيار الله لعبده، وأنه لا ينبغي أن ينتظر جزاءً من أحد، وأما المعاملة من المسلمين الأصليين ـ يقصد القدامى ـ فإنه بقدر ما يكون المسلم متمسكاً بإسلامه تمسكاً صحيحاً، فإن معاملته لإخوانه تكون معاملة كريمة، والعكس بالعكس، أعني أن اختلافهم في معاملاتهم يرجع إلى درجة التزامهم بالإسلام، وقد شكا لي بعض المسلمين الجدد من أن معاملة إخوانهم المسلمين، لم تكن بالدرجة التي ينبغي أن تكون، لكن المسلمين في الشعوب الإسلامية لمسنا منهم معاملة حسنة وترحاباً، لمست ذلك خلال زيارتي لباكستان، ولعل المسلمين الذين هاجروا إلى أوربا تأثروا بالأوربيين وحياة الأوربيين. [لقد ذكر الأخ عبد الشكور قاعدة عظيمة، هي أساس تعامل المسلم مع المسلم ـ بل تعامله مع غيره أيضاً ـ وهي أن حسن معاملة المسلم تكون بقدر تمسكه بالإسلام، ويبدو من كلام الأخ عبد الشكور أنه لا يريد أن يجرح مشاعر إخوانه المسلمين غير الأوربيين، ولذلك عزا تقصير من قصر منهم إلى تأثره بالأوربيين، مع ثنائه على المسلمين في الشعوب الإسلامية، ولا بد هنا من الإشارة إلى أمرين: الأمر الأول: جرت العادة أن الغرباء هم الذين يحتاجون إلى أهل البلد، وأهل البلد هم الذين يساعدون الغرباء في الأصل، ولكن الحالة هنا تنعكس عندما يدخل الأوربي في الإسلام، لأنه يصبح غريباً بين أسرته ومجتمعه، وكثيراً ما ينبذه حتى أصدقاء العمل والدراسة والشباب، ولذلك يحتاج إلى رعاية، كاليتيم الذي فقد أبويه ولا قريب ولا وصي له. الأمر الثاني: أن كثيراً ممن دخلوا في الإسلام يشكون شكاوى مرة من عدم اهتمام إخوانهم المسلمين الوافدين بهم. ويمكن من أراد معرفة شيء من ذلك أن يراجع كتابنا: حوارات مع مسلمين أوربيين].
وهناك أسئلة أخرى أجاب عنها الأخ عبد الشكور، ولكنها ليست واضحة في شريط التسجيل (كاسيت) ولكنها ليست كثيرة. [لم أكتب كلام الأخ عبد الشكور أثناء الحوار، بل سجلته في شريط (كاسيت) حرصاً مني على الاستماع لما يقول ومحاورتي له].
الركن الثاني من الإيمان: الصلاة.
الثلاثاء 8/2/1414هـ 27/7/1993م
كانت محاضرة اليوم بهذا بالعنوان السابق: (وقد تضمنت بيان: معنى الصلاة: وأنواعها، فرض عين، فرض كفاية، نوافل... أوقاتها. فضلها. أثرها في حياة الأفراد والأسر والأمة).
حوار مع الأخ المسلم البريطاني حامد لي:
وكان المترجم الأخ محمد عبد الهادي الهندي في فندق حياة ريجنسي وقد استغرق الحوار سبع ساعات: من الساعة الخامسة مساء إلى الساعة الثانية عشرة.

(الأسئلة والأجوبة في أول الشريط غير واضحة، وجرت عادتي أن أطلب ممن أقابله نبذة عن حياته، فلعل الذي لم يُتَمكَّن من كتابته هو ما يتعلق بذلك).
س: ما ديانتك، وهل كنت ملتزماً بها؟
ج: أنا ولدت في بيئة مسيحية، والمشكلة أن والدي لم يكن ملتزماً بهذه الديانة، أما والدتي فكانت ملتزمة بها، وكنت أذهب إلى المدرسة المسيحية مع أمي، ولكني لم أكن مقتنعاً بما أسمع عن المسيحية في تلك المدرسة، وبخاصة ما يتعلق بوجود الإله، ومشكلات أخرى.
س: ما الأشياء التي كان لا يقبلها عقله في هذه الديانة؟
ج: كنت في تلك الأيام شاباً، ولم يكن عندي تفكير عميق، والأمور التي كنت أسمعها في المدرسة عن المسيحية لم أقتنع بها، لأنها لم تكن تتعلق بحياتي اليومية التي أعيشها.
س: بعد أن بلغت سن السادسة عشرة فما فوق، هل شعرت أنك بحاجة إلى دين آخر غير المسيحية التي لم تقتنع بها؟
ج: لم أكن أهتم بالديانة في تلك الأيام أصلاً [هذا يعني عدم وجود حافز يدفعه إلى البحث عن دين أو التفكير فيه] لأني كنت أحاول أن أعيش كما أريد، وكنت أظن أن الدين هو شيء إضافي في الحياة، وليس ضرورياً، ولكني بعد كبرت وتفكرت اقتنعت أن الكون لا بد له من مدبر وهو الخالق، ولا يمكن أن يوجد هكذا (أي صدفة)، ثم اهتديت إلى هذا الجانب.
س: متى كان أول وقت سمعتَ فيه عن الإسلام بصفة عامة، أي سواء فهمته أم لم تفهمه، وما أول مصدر سمعت منه الإسلام، هل هو مصدر أوربي أو مصدر إسلامي، عن طريق الإذاعة أو التلفزيون أو الصحافة، أو المستشرقين، وهل ما سمعته عن الإسلام إيجابي أم سلبي؟
ج: أول ما سمعت عن الإسلام في الجامعة، عندما حدثت الثورة الإيرانية، وفي تلك الفترة قرأت بعض الكتب التي تتحدث عن الإسلام، وفهمت أن المسلمين لا يشربون الكحول، وكان هذا من الأسباب الرئيسة لميلي إلى الإسلام، ومن أهم الأسباب في ميلي إلى الإسلام قيام الإيرانيين ضد ظلم الأمريكان وطغيانهم.
س: كم كان عمرك عندما سمعت عن الإسلام، وهل بحثت عن دين آخر قبل سماعك عن الإسلام، كالهندوسية والبوذية..؟
ج: حاولت تحقيق مختلف المذاهب، وقرأت عنها أيضا عن البوذية والهندوسية، وتحدثت مع المسيحيين، وتأثرت بكرمهم وجودهم في الجملة، ولكني لم أكن مرتاحاً لما يعتقدونه في المسيح، وخلال دراستي في الجامعة ـ وبخاصة مرحلة الماجستير ـ التقيت بعض الطلاب الماليزيين، وهم الذين أعطوني بعض الكتب، فقرأتها وتأثرت بها.
س: هل تذكر أهم الموضوعات الإسلامية التي جذبتك إلى التعرف على الإسلام، غير ما ذكرته عن الإيرانيين والكحول؟
ج: تأثرت كثيراً بالعدل الاجتماعي في الإسلام، وكذلك الجهاد، كما تأثرت ببعض الكتاب الذين عندهم جرأة قوية فيما يكتبون، مثلاً: يكتبون حول وجود الله، وأين الله؟، وعندئذ قلت: إنهم يستندون في هذه الكتابة الجريئة على أساس، وإلا لما تجرؤا أن يكتبوا في مثل هذه الأمور، وأنا لم يكن لتفكيري أساس.
س: قبل أن تتعرف على الإسلام، هل كنت تتصور في ذهنك ديناً يمكن أن يكون صحيحاً غير المسيحية وغير الأديان التي اطلعت عليها ولم تقتنع بها؟
ج: لم يكن عندي تصور عام، لكن بعد أن أكملت الدراسة ذهبت إلى بعض المسلمين والتقيتهم، وكنت أشاهد كيف يؤدون الصلاة، ويهتمون بالمشاعر، هذه الأشياء أثرت في قلبي جداً، وفي تلك الأيام كان في نفسي نزاع حول ما شاهدته من دين الإسلام، وما كنت أنا عليه من قبل.
س: لو طلبت منك أن تفكر قليلاً لتعطيني مثالاً لحياتك قبل الإسلام وحياتك بعده، أي ماذا كنت تُشْبِه قبل إسلامك، وماذا تُشْبِه بعد إسلامك، ماذا تقول؟
ج: قبل الإسلام لم أكن مرتاحاً، لوجود مشكلات كانت تعترض حياتي دون أن أجد لها حلاً، وكنت أرى الناس ـ أيضاً ـ لا يجدون ما يريدون، فخلاصة القول يمكن أن أقول: إن الحياة كانت كنار جهنم، وأما بعد الإسلام فكأني ولدت من جديد، وأيضاً بعد الإسلام حصلت مشكلات، ولكن الحمد لله انتهت بالتدريج.
س: أين أعلنت إسلامك، وفي أي تاريخ؟
ج: لا أعرف التاريخ بالضبط، ولكن قد يكون عام1979 أو 1980م ففي مدينة: (مدنارد) في مسجد صغير، ذهبت إليه ونطقت بالشهادتين.
س: عندما دخلت في الإسلام، هل وجدت عناية من إخوانك المسلمين، سواء أكانوا من البريطانيين أو من الوافدين؟
ج: بفضل الله دون النظر إلى الجنسيات والخلفيات، كل واحد من المسلمين كان يحاول يساعد، ووجدتهم كلهم طيبين وكانوا مسرورين.
س: أنت تعرف أبناء وطنك من الأوربيين، وبخاصة البريطانيين، هل تظن أن كثيراً منهم لو فهموا الإسلام كما فهمته أنت، وعندهم نفس المشكلات التي كانت عندك قبل الإسلام، هل تظنهم سيدخلون في الإسلام لو فهموه فهما صحيحاً؟
ج: أرجو أن معظم الناس سيقبلون الإسلام، لو قدمناه لهم بصورة صحيحة، ولكن الناس لا يكونون على طبيعة واحدة، بل طبائعهم تختلف، فقد يقبل بعضهم الإسلام، وبعضهم لا يقبله ولو قدم لهم على صفة صحيحة.
س: ما العقبات التي ترى أنها تحول بين الأوربيين وبين الدخول في الإسلام؟
ج: هناك مشكلات وعقبات، وأهمها الدعايات الكاذبة من الإذاعات والتلفزيونات والمجلات التي تنشر الأخبار عن المسلمين والإسلام، وأيضاً المشكلات الاقتصادية، وأيضا عدم تقديم المسلمين أسوة صحيحة، لأنهم يقدمون للمجتمع الغربي أسوة غير إسلامية. [وهذا هو مكمن الخطر، وهو والقدوة السيئة التي يراها الناس في كثير من المنتسبين إلى الإسلام أفراداً وأحزاباً وجماعات ودولاً، فإن ذلك من أهم الأسباب التي نفرت العالم من هذا الدين].
س: هنالك مشكلات يعاني منها العالم كله، ومشكلات يعاني منها الغرب بشكل خاص، في أوربا وفي أمريكا.. ما أهم هذه المشكلات في نظرك، وهل رأيت في الإسلام ما يحل لهم تلك المشكلات لو اتجهوا إليه؟
ج: نعم أنا واثق أن هناك مشكلات كثيرة، يواجهها المجتمع الغربي، وأرى أنهم إن قبلوا الإسلام يمكن أن يحلها، لأن الشهادتين مفتاح رئيس لحل مشكلاتهم، وأيضاً كيف يعرفون الإسلام؟ عن طريق الأصدقاء المسلمين والإعلام، خاصة إذا ركزنا على بعض الأمور التي هي من ميزات الإسلام، ولا توجد في أي ديانة أو مذهب من المذاهب، مثل: الأُخُوَّة والروابط الأسرية، لأن هذه مشكلات كبيرة يواجهها الغرب، وحلها موجود في الإسلام.
س: ذكرتَ مشكلتين تقف أمام انتشار الإسلام في الغرب، وهما عدم القدوة الحسنة عند المسلمين أنفسهم، وتشويه صورة الإسلام من قبل أجهزة الإعلام، وأنا أضيف مصادر أخرى تغذي أجهزة الإعلام، وهي الاستشراق، ومناهج التعليم وكتبه الدراسية، ومراكز البحوث في الجامعات وغيرها، هل تظن أن هذا التشويه بسبب عدم فهمهم للإسلام، أو هو متعمد لتنفير الناس منه؟
ج: يمكن أن أقول: إنهم فهموا الإسلام، لأن كونهم لم يفهموه غير طبيعي، تعلموا الإسلام، وعندهم شهادات عليا ولم يفهموا الإسلام! هذا غير صحيح، إنهم فهموا الإسلام، ولكن لمخططات شيطانية، لا يريدون أن يقدموا صورة صحيحة للإسلام، بل يريدون أن يشوهوه بصورة متعمدة.
س: ذكرتَ أن الأخ يوسف إسلام كان يساعدك، وكنتَ معه، وأنا زرت مدرسته في سنة 1988م وأظن أني رأيتك، فوجهك ليس بغريب علي، والأخ يوسف إسلام يحاول من فترة طويلة أن تعترف الحكومة البريطانية بمدرسته، لتساعده على استمرارها، كما اعترفت بمدارس تابعة لأديان أخرى، كاليهودية ـ مثلاً ـ وصرفت لها نفقات، فلماذا لم تعترف الحكومة البريطانية إلى الآن بالمدارس الإسلامية؟
ج: هذا السؤال يصوره ما يفعله الصرب في البوسنة والهرسك، إذ نرى الاعتداء على المسلمين بالقتل والتشريد وتدمير المنازل عمداً، ولا نرى الدول الغربية تحرك ساكناً في الدفاع عنهم، والحكومة البريطانية أيضاً لا تريد للمسلمين خيراً، لأنها غير مرتاحة لوجودهم.
س: هذا جواب سؤال آخر كنت أريد إيراده، وهو: لماذا تقف الدول الغربية هذا الموقف من المسلمين في كشمير وبورما وفلسطين والفلبين وغيرها، والحقيقة أن جوابك صالح للسؤالين.
ج: الخلاصة الأسباب عديدة، ولكن هناك أمراً رئيساً، وهو أن الكفار لا يحبون الإسلام، وهذا شيء طبيعي، وهناك أمر آخر أزعج الحكومة البريطانية، وهو أن المسلمين عندما وفدوا في أول الأمر إلى هذه البلاد جاءوا يلتمسون العمل للحصول على لقمة العيش، وكانت الحكومة تظن أن هذه الحالة ستستمر، ولكنها رأت المسلمين بعد ذلك وكأنهم دعاة إلى الإسلام، يبنون المساجد والمدارس.. فكأنهم بذلك يتدخلون فيما لا يعنيهم، ويهتمون بالتمسك بالدين ويتميزون عن المجتمع الغربي، كما يحصل ذلك في لباس الحجاب، فهذه من الأسباب التي تخيف الغرب.
س: ما النصيحة الني توجهها للمسلمين في أوربا، حتى يتجنبوا الأمور التي تثير الدول الغربية، وفي نفس الوقت يحافظون على الإسلام؟
ج: ينبغي أن يأخذ المسلمون أصول دعوتهم من القرآن الكريم، فالحكمة من أصول الدعوة، وأرى أن يتخذها المسلمون أصلاً ينطلقون من خلالها في دعوة الآخرين، فأرى ـ مثلاً ـ أن من الحكمة ألاّ يقوم المسلمون بمظاهرات هنا، مثل ما فعلوا في قضية سليمان رشدي، لأن هذا يجعل الدول الغربية تقف منهم موقفاً غير جيد، وهكذا.
س: لو أنك تتحدث إلى المسلمين في التلفزيون، فما النصيحة التي توجهها لهم؟
ج: ينبغي أن تكون كلمات المتحدث إلى الآخرين من المسلمين مناسبة، فمثلاً: لا ينبغي أن يقولوا: دمروا الغرب، ونحو ذلك.
س: إذا كنت تتحدث إلى العالم الإسلامي، وقد قصروا في تبليغ دينهم، ماذا تقول لهم؟
ج: أرى أن يبدؤوا بما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم العقيدة ثم السيرة النبوية، وحين بعث صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن أمره أن يبدأ بالعقيدة... وبعض الإخوة يبدءون بالمسائل الفقهية، وهذا خطأ.
س: الحرية في الغرب ـ كما يقال ـ فيها تنفس لمن يريد أن يدعو إلى الله تعالى، والوسائل متوافرة في الغرب ومتاحة أكثر من البلدان الأخرى، فهل دعوى الغرب وجود الحرية صحيحة يمكن المسلم أن يستفيد منها كغيره، أم أنها بالنسبة للمسلمين محدودة، وبخاصة استغلال وسائل الإعلام في نشر محاسن الدين؟
ج: ينبغي أن تكون عندنا وسائل أخرى جانبية، أما موجات إذاعية ومحطات فيها صعوبة. (بقيت بعض الجمل تتعلق بالسؤال الأخير غير واضحة في الشريط).
الركن الثالث من أركان الإسلام: (الزكاة)
الأربعاء 9/2/1414هـ 28/7/1993 م
كانت هذه هي محاضرة اليوم.
وقد اشتملت على بيان فرضها. أصنافها (زكاة الأموال، وزكاة النفوس: زكاة الفطر، مقاديرها، مصارفها، الصدقات، هل في المال حق سوى الزكاة؟).
حوار مع الأخ المسلم البريطاني المهندس أكرم بون هام:
وقد جرى الحوار في مكتبه بشركة هندسية، المترجم محمد عبد الهادي، ومقابلة عبدالغفار الجمايكي (متأثر بالشيعة) والمسيحي: كيث رينولد، وأحد اليهود؟
أراد الله تعالى ألاّ يُحفَظَ نص هذه المقابلات اليوم، فقد اختفى الصوت في الشريط الذي تم به التسجيل، وليس في ذاكرتي ما أستطيع تسجيله، بعد مضي أكثر من ثلاث سنوات على تلك المقابلات، وبخاصة ما يتعلق بالأخ المسلم البريطاني المهندس (أكرم بون) الذي هو من أفضل المسلمين البريطانيين الذين قابلتهم في رحلاتي، وهو شاب يغلب على ظني أنه لا يزيد عمره عن ثلاثين عاماً، وتخصصه في الهندسة المدنية، وقد حضر جلسة عشاء ومذاكرة قبل ليلتين من حواري معه، في منزل أحد الإخوة الباكستانيين، وأعجبته تلك المذاكرة والإجابة عن الأسئلة التي ألقيت، فرغب في أن تكون مقابلتي له في مكتبه، من أجل مناقشة الأخ المسلم الجمايكي عبد الغفار المتأثر بالشيعة، فيما يتعلق ببغض كبار الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك مناقشة اليهودي الذي يورد عليهم بعض الشبهات حول الإسلام، ولا يستطيعون الرد عليه، وهما ـ أي الجمايكي واليهودي ـ مهندسان من زملاء الأخ أكرم في الشركة.

وقد قابلت الأخ أكرم وأخذت معلومات عنه وعن إسلامه، كما هو الحال في مقابلاتي لأمثاله، وتعتبر تلك المعلومات مفقودة، والله المستعان.
أما الأخ الجمايكي فالحمد لله لم أنته من مقابلته إلا بعد اقتنع بفساد مذهب الرافضة في كثير من عقائدهم وبخاصة: سب الصحابة وبغضهم، وقد سُرَّ بذلك الأخ أكرم أيما سرور.
فبهت الذي كفر!
أما اليهودي، فلم تكن المقابلة معه لأخذ معلومات عن حياته وديانته وموقفه من الإسلام، وإنما كانت حسب رغبة الأخ أكرم، للإجابة عن الشبهات والأسئلة التي كان يلقيها عليهم.
فقد قال له الأخ أكرم: هذا شيخ من مشايخ المسلمين، يمكنك أن تسأله عما يدور بخاطرك من شبهات حول الإسلام.
فقال: أنا لست متخصصاً في الإلهيات، ولكن لا بأس أن أسأل بعض الأسئلة، وكان يبدو شامخ الأنف مختالاً.
اتجه إليَّ قائلاً: ألستم تدخلون كنائس النصارى وبِيَعَ اليهود، وتصلون فيها، وتدخلون مدينة الفاتيكان، حتى إن أحد المسلمين اعتدى على البابا؟
قلت: بلى، نحن ندخل الكنائس والبيع، وأما الاعتداء الذي حصل على البابا أو يحصل على غيره، فنحن لا نرضى به ولا نقره.
قال: إن الذي يهمني هو كونكم تدخلون الكنائس والبيع، ولا يمنعكم أحد من دخولها، ولكنكم أنتم لا تأذنون لليهود والنصارى أن يدخلوا مكة والمدينة، فلماذا تفعلون ذلكم، أليست هذه هي العنصرية بعينها؟
قلت: نحن لنا الحق في دخول كنائس النصارى وبيع اليهود، ولكن النصارى واليهود لا حق لهم في دخول الحرمين الشريفين..!
فنظر إلى زميله (أكرم) وقال: أرأيت، أسمعت؟ ألا يكفيكم هذا دليلاً على عنصرية المسلمين، وبخاصة العرب منهم، الذين يمثلهم هذا الشيخ المسلم، وقد جاء من المدينة مقر محمد؟ (صلى الله عليه وسلم).
قلت له: ألا تسألني عن السبب في ذلك، لعلي أكون على حق؟
قال: وما هو هذا السبب الذي يحل لكم ما يحرم على غيركم؟
قلت: عندنا سببان: أحدهما يؤهلنا لدخول معابدكم، والآخر يحظر عليكم دخول الحرمين الشريفين.
أما السبب الذي يؤهلنا لدخول معابدكم، فهو أننا نعترف بأنبياء الله ورسله جميعاً، ومنهم رسولا الله موسى وعيسى عليهما السلام، والضيف الذي يعترف للمُضيف بمنزله، له الحق في أن يكون ضيفاً في ذلك المنزل، فالكنائس والبيع نحن نعترف بالأنبياء الذين ينتسب إليهم أهلها.
وأما السبب الذي يَحظُر عليكم دخولَ الحرمين الشريفين، فهو أنكم تنكرون رسالة صاحبهما، فهل يجوز لك أن تدخل منزلي، ضيفاً عليَّ فيه وأنت لا تعترف لي بأنه منزلي؟!
الآن تستطيع أن تعلن إيمانك بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وتأخذ تأشيرة رسمية من سفارة المملكة العربية السعودية، وتذهب إلى كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة، فهل عندك الجرأة على إعلان إيمانك بأن محمداً رسول الله؟
فرفع رأسه إلى السماء، ثم نكسه إلى الأرض، وحاول ألاّ ينظر إلى أحد من الحاضرين، واحمر وجهه واصفر، ثم نهض غير ملتفت إلينا قائلاً: أنا مشغول، ليس عندي وقت للمناقشة الآن.
عندئذ قال له الأخ أكرم: تعال، وسل أسئلة أخرى غير هذا السؤال. فلم يلق لذلك بالاً. والحمد لله رب العالمين الذي وفقني لهذا الجواب على ذلك السؤال الذي لم أكن أتوقعه {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. [البقرة: 258].
الصيام في الإسلام:
الخميس 10/2/1414هـ ـ 29 /7/1993م
كانت محاضرة اليوم عن الصيام ومشروعيته، والمفروض منه، وعلى من يجب، ومن يعذر بتركه، ويؤمر بقضائه، ومن يعذر ولا يؤمر بقضائه، وماذا عليه من كفارة؟ ومفسداته، ونوافل الصيام وأوقاتها…
ثم زرنا حديقة الحيوانات المفتوحة وجلنا فيها بالسيارة جولة سريعة.
الحج والعمرة:
الجمعة 11/2/1414هـ ـ 30/ 7/1993م
وكانت محاضرة اليوم تتعلق بالركن الخامس من أركان الإسلام، وهو الحج، وكذلك العمرة.
وقد تضمنت المحاضرة العناصر الآتية:
1 ـ تعريف الحج والعمرة.
2 ـ حكم كل منهما.
3 ـ أركان الحج.
4 ـ شروطه.
5 ـ مبطلاته.
6 ـ النيابة في كل من الحج والعمرة.
فروض العين وفروض الكفاية:
السبت 12/2/1414هـ ـ 31/7/1993م
هذا هو موضوع محاضرة اليوم، وهو الكلام على فروض العين وفروض الكفاية.
وقد تضمنت المحاضرة ما يأتي:
1 ـ تعريف فرض العين وحكمه.
2 ـ تعريف فرض الكفاية وحكمه.
3 ـ الأخلاق الإسلامية وأثرها ودرجتها عند الله.
مؤتمر ختم النبوة:
وفي عصر هذا اليوم حضرنا مؤتمر ختم النبوة، الذي تقيمه جمعية ختم النبوة في مقرها العام: المسجد المركزي للديوبنديين في مدينة برمنجهام، سنوياً.
وهو يوافق هذا اليوم، وتدعو لحضوره عدداً من العلماء من داخل بريطانيا وخارجها.
الضيف البارز في المؤتمر: الشيخ علي الحذيفي:
وممن دعي لحضوره فضيلة الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي إمام المسجد النبوي، وكان هو الضيف البارز في المؤتمر، وقد اجتمع عدد كبير من في داخل الجامع الذي ازدحم بالناس حتى لا يستطيع أحد أن يجد فيه موضع قدم، وكذلك في خارجه، حيث امتلأت الساحات والشوارع المحيطة بالجامع.
وقد بدأ الشيخ الحذيفي بقراءة ما تيسر من القرآن، ثم ألقى كلمة تحدث فيها عن نعمة الإسلام الذي ربط الله به بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، والذي بتقوى الله يتفاضل فيه الناس، كما تحدث عن وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي توزن به محبة الله ورسوله، كما تطرق لموضوع كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وكذب كل من ادعى النبوة بعده.. وتتالى الخطباء والمحاضرون في هذا الموضوع، الذي كانت المحاضرات فيه تهاجم منهج القاديانيين، الزاعمين أن النبوة لم تختم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان من بين الحاضرين أحد زملائي في الدراسة بالجامعة الإسلامية: الشيخ عبد الرزاق إسكندر المسؤول عن مدارس البنوري في كراتشي.
تبرك مخيف ووظيفة إنقاذ مؤقتة:
وعندما أراد الشيخ الحذيفي الخروج من المسجد، طلب مقدم البرنامج من الناس الهدوء وإفساح الطريق ليتمكن الشيخ من الخروج، لعلمه بأن الناس يتسابقون في مثل هذه المناسبة للتبرك بإمام من أئمة الحرمين الشريفين، فهاج الناس وماجوا، وكأن المقدم طلب منهم اغتنام فرصة وجود الشيخ ليجهزوا عليه وعلى ثيابه لنيل البركة، فأخذوا يتدافعون نحوه بمجرد ما رأوه يتحرك للخروج، حتى كاد يسقط أرضاً، وهنا اضطررت لتولي حارس إنقاذ ـ وكنت لابساً بدلة "سفاري" فطلبت من الشيخ أن يطوي مشلحه ويجعله تحت إبطه، وأن يتبعني مباشرة، واندفعت أمامه أدفع المعترضين، وأضرب الأيدي الممتدة، ووراءه بعض الإخوة ينافحون عنه، حتى خرج الشيخ بعد جهد جهيد، ودخل سيارته بسلامة الله وحفظه، بعد أن خفنا من قضاء الجماهير عليه وتمزيق ثيابه للتبرك به!
نكتة نتف شعر اللحية!
وبعد اطمأن الشيخ علي الحذيفي، ذكرته بنكتة من نكات التبرك المخيف، وخلاصتها أن تباغضاً حصل بين رجلين، وكانا مسافرين، وكان أحدهما ذا لحية كثة، ويظهر عليه الوقار في لباسه وفي سمته، مثل الشيخ الحذيفي، فأراد خصمه أن ينتقم منه، وحضرت صلاة الجمعة، فصليا مع أهل قرية يغلب عليهم الجهل، وبعد صلاة الجمعة وقف خصم الرجل الملتحي وقال للناس: لقد رزقكم الله بوجود ولي صالح، قد لا ترونه مرة أخرى، فاطلبوا منه البركة، وخذوا منه شيئاً من شعر لحيته، وبعض قطع من ثيابه، حتى إذا ذهب من قريتكم تبقى عندكم آثاره تتبركون بها، فتواثب أهل المسجد يتسابقون: فلم يبقوا له شعرة من لحيته، وقطعوا ثيابه، حتى كاد يخرج عارياً منها... قلت للشيخ: لقد سلمك الله مما ابتلي به ذلك الرجل، فاحمد الله على سلامتك...
الأحد 13/2/1414هـ ـ1/8/1993م
الشيخ علي الحذيفي ألقى محاضرة في المركز الرئيس لجمعية أهل الحديث في برمنجهام، بعد صلاة الظهر، حث فيها على التمسك بالكتاب والسنة، والاجتماع على الحق، والرجوع إلى تفسير العلماء للقرآن الكريم، وإلى أقوال أهل العلم في كل فن من الفنون، والاجتهاد في التحصيل العلمي والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة.. والمحافظة على الأولاد من الضياع في هذه البلدان بالتربية والتعليم.
الاجتهاد وأهله والتقليد وأهله:
الاثنين 14/2/1414هـ ـ 2/8/1993م
كانت هذه محاضرة اليوم، وهي آخر محاضرة منهجية في الدورة.
فقد لمست من إخواننا المنتسبين إلى جمعية أهل الحديث الذين كنت أٌقوم بتدريسهم في هذه الدورة، النقد المتكرر للمقلدين من أتباع الأئمة ـ أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ـ وفهمت من ظاهر كلامهم، بأن على كل واحد أن يكون مجتهداً، والحال أنني أحاول أن يفهموا تفسير بعض الآيات التي أستشهد بها في العقيدة أو في بعض الأحكام الفقهية، وكذا بعض الأحاديث، فكان يصعب على بعضهم فهم ذلك باللغة العربية، فأحاول أن يفهموا ذلك بلغتهم فأطلب ممن فهم أن يترجم لمن لم يفهم وقد يفهم بمشقة وقد لا يفهم.
لذلك خصصت هذا اليوم للكلام عن الاجتهاد وأقسامه وشرط كل قسم، وبينت لهم أن كثيراً من الذين درسوا في الكليات الإسلامية من أهل الحديث وغيرهم، ليسوا أهلاً لأن يقال عنهم: إنهم مجتهدون، فكيف بكم أنتم الذين لم تدسوا في كليات، ولم تدرسوا كتباً على أيدي مجتهدين يؤهلونكم للاجتهاد.
وبيَّنت لهم أن للاجتهاد آلات وقواعد وشروطاً، ذكرها العلماء وعلى رأسهم الإمام الشافعي في "الرسالة"، لا يجوز لمن لم يحرزها دعوى الاجتهاد.
وقد حصل نقاش طويل في هذا الموضوع الذي لم يألفوا الكلام عنه، وقد اقتنعوا بعد أن ضربت لهم بعض الأمثلة التي اختلف فيها العلماء، وأوجه استدلالاتهم وترجيحاتهم، وكيف هي دقيقة، لا يفهمها حق الفهم إلا المجدون من طلبة العلم، فضلاً عن الاجتهاد المستقل فيها، كما ذكرت لهم آراء كبار العلماء في الاجتهاد والتقليد، وبعض الكتب التي اهتمت بالخلاف وذكر أسبابه، ككتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية، وأسباب الخلاف لولي الله الدهلوي، وحرضتهم على قراءة بعض كتب الفقه على مشايخهم، ليعرفوا قدر الفقه وأهله، ويعرفوا أن الاجتهاد لطلبة العلم الصغار صعب المرتقى.
ثم اجتمعت بالأخ صهيب حسن بعد انتهاء الدورة، وقدمت له تقريراً شفوياً بما دار في هذا الموضوع، وقلت له: يجب أن تهتموا بطلابكم، وتفهموهم هذه المعاني، فشكا من مقلدي المذاهب الذين يرفضون الأخذ بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، إذا خالف ما عليه أئمتهم، وأنهم يخشون على طلابهم من التأثر بذلك ويحبون أن يتمسكوا بالكتاب والسنة، فقلت له: فرق بين التسليم للدليل إذا بان، وبين أن يقع الطالب في الغرور، فيزعم أنه مجتهد وهو لا يفهم بعض مسائل الطهارة، فوعد بدراسة هذا الأمر، ولعله فعل شيئاً.
الثلاثاء15/2/1414هـ ـ 3/8/1993م
جرت في هذا اليوم امتحانات المشتركين في الدورة، وزودوا ببعض التوجيهات، وألقوا هم بعض الأسئلة وأجيبوا عنها.
اختتام الدورة:
الأربعاء 16/2/1414هـ 4/8/ 1993م
وفي هذا اليوم أقيم حفل توزيع الشهادات، في الساعة الحادية عشرة صباحاً في مقر جمعية أهل الحديث المركزية.
قدم مسؤولو الجمعية شكرهم للجامعة الإسلامية، والأساتذة الذين أقاموا الدورة.
ثم ألقينا كلمات مختصرة، شكرنا فيها الجمعية وما قدمته لنا من تسهيلات كانت سبباً في نجاح الدورة، وشرحنا للأساتذة الخطوات التي ينبغي أن تتبع في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، كما حرضنا المشتركين في الدورة على مواصلة تعلم اللغة العربية والدراسات الإسلامية.
ووعد المسؤولون في الجمعية أن يبدؤوا في استقبال الراغبين في تعلم اللغة العربية من يوم الثلاثاء القادم، وتوزيع الكتب التي وصلت متأخرة من الجامعة الإسلامية عليهم. [هي كتب الدورات التي جرت العادة أن يدرس الأساتذة المشتركين فيها، أرسلت في البريد، ولم تصل إلا بعد اقتراب انتهاء الدورة].
تقويم مختصر للدورة:
أولاً: الإيجابيات:
1 ـ الدورة نجحت نسبياً، وحصلت فيها فوائد مباشر، وهي ما يتعلق بالمشتركين فيها، ولعل في الاطلاع على عناوين الموضوعات اليومية التي سبق ذكرها ما يدل على ذلك.
2 ـ حصل للمشتركين في الدورة تشجيع على تعلم اللغة العربية والمبادئ الإسلامية، كما حصل بها تشجيع للجمعية التي أقيمت بها الدورة على مواصلة تعليم اللغة العربية، كما سبق وعدهم بذلك.
3 ـ حصلت فوائد أخرى غير مباشرة ـ ليست في خطة الدورة ـ وهي الزيارات التي تمت لبعض المؤسسات الإسلامية، والمحاضرات التي ألقيت فيها أو في بعض المساجد.
4 ـ مقابلة بعض المسلمين الجدد ومذاكرتهم والحوار معهم، حيث صُححت لهم بعض الأفكار ووضح لهم زيف بعض الشبهات التي يوردها عليهم بعض أعداء الإسلام.
5 ـ كثير ممن لم يكونوا يفكرون في تعلم اللغة العربية والثقافة الإسلامية، أظهروا خلال الدورة وبعد انتهائها رغبتهم في الدراسة، وهو حافز مفيد لهم.
ثانياً: بعض السلبيات:
1 ـ لم يعلن للمسلمين عن الدورة إعلاناً كافياً، بحيث يعرف عنها كل الجمعيات والمراكز والمدارس الإسلامية وأئمة المساجد، ولهذا لم يحضر بها مشتركون متقدمون في فهم اللغة العربية والدراسات الإسلامية من المدرسين لتينك المادتين ومن أئمة المساجد وخطبائها، الذين يفيدون الناس بالدروس المسجدية والخطب المنبرية والمحاضرات، لتكون الدورة محققة لأهدافها، ومن أهمها تقوية هؤلاء، وغالب الذين حضروا بدئ معهم بتعليمهم الحروف الهجائية، والذين انتقوا على أساس أنهم يفهمون اللغة العربية ويُدَرَّسون بها، لم يكونوا على المستوى المطلوب، بل كان بعضهم يصعب عليه نطق الكلمات وفهم معناها بعد جهد جهيد من الشرح، إضافة إلى ضحالة ثقافتهم الإسلامية التي تمكنهم من استيعاب الدروس.
2 ـ ولهذا اسْتُدْرِكَ الأمرُ فأقام المسؤول عن الدورة دورة أخرى لم تكن في الحسبان، في لندن بتوجيه من بعض المسؤولين السعوديين في مكتب الدعوة، لوجود عدد كبير ممن عندهم استعداد لاستيعاب التدريس باللغة العربية.
3 ـ كثير من المؤسسات التي زرناها ـ مدارس أو جمعيات ـ تأسفوا عندما علموا بالدورة ولم يدعوا للمشاركة فيها، مع أن لديهم من عنده مقدرة على استيعاب الدروس، وبعضهم مدرسون، وبعضهم أئمة مساجد.
4 ـ الدورات التي تقام في مؤسسات تعليمية، كالجامعات والمدارس أو المراكز التي تجمع بين التعليم والدعوة، تكون أنجح من الدورات التي تقام في مراكز لا توجد بها مدارس.. وهذه كانت صفة جمعية أهل الحديث.
5 ـ عدم وصول كتب الدورات في وقتها، جعلنا نجتهد في اختيار الموضوعات التي لم يكن بين أيدي المشتركين كتب يراجعونها فيها.
6 ـ من العجائب أنه لا يوجد في مكتبة مركز أهل الحديث الذي أقيمت الدورة فيه أي كتاب في النحو، لا مختصر ولا مطول، ما عدا الكافية لابن الحاجب بطبعة هندية قديمة، لا تصلح أن تكون بأيدي كثير من الطلاب المتخرجين من كليات عربية، فكيف بمن لا يستطيع نطق جملة واحدة مفيدة نطقاً سليماً، وكذلك كتب الأدب لا يوجد منها شيء، ولهذا اضطررت إلى أن أملي بعض القواعد على المشتركين من الذاكرة، وأطبق لهم تلك القواعد على بعض الآيات القرآنية، ولا يوجد قاموس عربي في المكتبة، حتى يُدَرب المشتركون على استخراج معاني الألفاظ الغريبة ـ وكل ألفاظ اللغة العربية عندهم غريبة ـ .
7 ـ وهناك سلبية أخرى عندنا نحن الذين أقمنا الدورة، وهي السفر رأساً إلى مقر الدورة في وقت إقامتها، اعتماداً على مكالمات هاتفية مع الجهة التي نسق لإقامة الدورة في مركزها، والمفروض أن يتقدم فوج أو شخص واحد قبل إقامة الدورة بأسبوع، ليرتب أمورها قبل إقامتها، وهذا ما يفعله غالب المسؤولين عن الدورات فيما أعلم.
من سعة الدنيا إلى ضيقها..!
وبعد انتهاء الحفل الختامي للدورة، انطلقنا إلى مدينة لندن عن طريق البر بالسيارة، وقد طلبت من الشيخ صهيب أن يكلف من يحجز لي في أحد الفنادق المريحة ليلة واحدة، لآخذ قسطاً من الراحة، لأني سأسافر يوم غد إلى مدينة "دبلن" عاصمة أيرلندا الجنوبية، ونحن اليوم على سفر، وقد كنت نزلت في مدينة برمنجهام في فندف حياة ريجنسي في غرفة شبيهة بشقة، لسعتها وسعة مرافقها، مع جودة الخدمة ورخص الأجرة، فقد كانت أجرة الغرفة في الليلة الواحدة 115جنيهاً إسترلينياً، ولكن نظراً لطول المدة التي قضيتها في الفندق، ولحملي بطاقة جوازه الذهبي حسبوا لي الغرفة بخمسين جنيهاً، وكنت أراها غالية، ولكنها كانت أرخص من غيرها في الفنادق الأخرى التي هي أقل درجة، وكانت الغرفة في الأدوار العليا، أظنها في الدور السادس والعشرين، والجهات الثلاث في الغرفة من الزجاج، يتمتع الساكن بجمال المنظر.
وعندما نزلت في الفندق الذي حُجِز لي فيه بلندن، أحسست كأني نزلت في لحد: غرفة صغيرة ضيقة وسرير صغير، لا تجد لك مكاناً تصلي فيه، وحمام لو كان الساكن في الغرفة أكثر متانة مني، لم يستطع الدخول من بابه، والفندق درجة أولى خمسة نجوم، والأجرة في الليلة الواحدة 170جنيها، بعد التخفيض 30% يعني أن أجرة غرفة هذا الفندق ـ نسيت اسمه، ولا أعادني الله إليه ـ التي هذا وصفها تزيد عن أجرة غرفة فندق حياة التي سبق وصفها تزيد بمائة وعشرين جنيها؟!
وعندما قارنت بين غرفة هذا الفندق وفندق حياة، أحسست كأني خرجت من سعة الدنيا إلى ضيقها، مع الفرق الكبير في السعر، وتذكرت المثل العربي "أحَشَفاً وسوءَ كِيلَة؟!"
السياحة مباحة مقبولة، ولكن قلة الحياء غير مقبولة:
والسبب في غلاء الفنادق في لندن، كثرة الزوار وبخاصة الخليجيين، فقد كانت قاعة الفندق مليئة بالناس الذين ينتظرون فراغ الغرف، ليسكنوا، بل كان بعضهم ينتظرون في ممرات بعض الأدوار التي قيل لهم: إن غرفهم التي فرغت من الساكنين قبلهم تنظف وتعد لهم.
وخرجت مع الشيخ شريف أحمد الهندي، الذي يعمل مع مكتب الدعوة في بريطانيا لتناول طعام العشاء في بعض المطاعم، فوجدنا الخليجيين قد ملئوا تلك المطاعم، وزملاؤهم ينتظرون صفوفاً، ليحلوا محل من ترك مقعده، ونظرنا إلى الدكاكين والأسواق، فإذا هي مليئة بهم، لو أراد أحد دخول الدكان ما وجد له موطئ قدم، كل ذلك يعتبر مقبولاً، فالناس في إجازة..
ولكن الشيء غير المقبول هو قلة الحياء في كثير من النساء العربيات المسلمات اللاتي فُقْنَ فيها نساء الغرب: الملابس القصيرة والشعور المتدلية ومساحيق التجميل المتنوعة، والروائح العطرية القوية التي تلاحقك أينما كنت، والضحكات المتبادلة بين الشباب والشابات، وكأنك في مسرح من مسارح أوربا..!
كان ذلك على مقربة من كابوس احتلال الكويت وحربه التي كنا نظن أنها ستكون درساً يهدي التائهين إلى صراط الله المستقيم.
لقد يئسنا من الحصول على العشاء، لأنا نريد طعاماً حلالاً، وأبناء الحلال العرب وبناته أيضاً يريدونه، وإن كان الحرام من غير الطعام مرغوباً فيه عند كثير منهم كالرغبة في الطعام الحلال، وقد تمكنا من الحصول السندوتش. [شاطر ومشطور وبينهما طازج!].
أجمل أماكن السياحة: القرى والأرياف الأوربية:
وإني لأتعجب من ازدحام السائحين، وبخاصة العرب في هذه المدن الصاخبة، مثل لندن، مع أن المدن الصغيرة والضواحي والأرياف في غاية الجمال والهدوء، وأنا إذا ما احتجت للبقاء في لندن وأمثالها، أحاول أن أجد مكاناً بعيداً ولو نسبياً من أماكن الزحام، ومع ذلك لا أرتاح إلا في المدن الصغيرة والأرياف، ولي مع لندن فصل لا أنساه في أول رحلة لي إلى بلاد الغرب، سجلته في رحلتي الأولى إلى بريطانيا في 2/7/1398هـ.