في مدينة أدنبرا
في مدينة أدنبرا
الاتصال بالأخ بسطامي:
وحاولنا من المحطة الاتصال بالأخ بسطامي محمد سعيد بالهاتف لنستشيره في الفندق الذي ننزل فيه، بحيث يكون الاتصال معه ومع الإخوة في أدنبرا سهلاً، فلم نجده، وذهبنا إلى فندق هارْبْ (HARP HOTEL) وهو في جنوب المدينة. واتصلنا بالأخ بسطامي ـ وهو سوداني ـ فأخبرنا أنه كان قد حجز لنا في فندق قريب منهم، وهو من الفنادق العادية يملكه مسلم مغربي، ولكن سيلغي الحجز ما دمنا قد نزلنا، كما أخبرنا أنه رتب لي لقاء مع المستشرق المتقاعد الشهير "وليم مونتجمري" في هذا اليوم.
جاءنا الأخ بسطامي إلى الفندق، وتناولنا طعام الغداء في منزله، وهو قريب جداً من جامعة أدنبرا.
وبعد الغداء ذهبنا إلى الجامعة فوجدنا الأستاذ مونتجمري في انتظارنا، وهو رجل كبير السن قد استهلكته الأيام والليالي والعمل والمناقشات والتأليف، أصبح على عتبة القبر، ولو أحسن الله خاتمته، فنطق بكلمة التوحيد، وأقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد عرفها جيداً وكتب عنها كتباً، لكان ذلك خيراً له.


ولكن الرجل فيما يبدو كلما تقدمت سنه زاد حقداً على الإسلام وجانبه كثير من الإنصاف، وفي أجوبته القليلة ما قد يكون قرينة على ذلك، إضافة إلى ما ذكره لي بعض الإخوة عن كتبه.
وعندما أحس الرجل أن الأسئلة التي وجهتها إليه تتعلق بانتشار الإسلام وعظمته اكفهر وجهه وحاول الاختصار والتهرب والغمز الخفي.
حوار مع بروفيسور مونتجمري (MONTGOMERY):
وقد فضلت أن أثبت هنا ترجمته التي أعطانيها ليطلع القارئ، وبخاصة المسلم، على اهتمام المستشرقين بالاطلاع على الموضوعات الإسلامية المختلفة التي تندرج تحت الأصول الثلاثة:
الله جل جلاله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الإسلام... هذا مع كثرة الأعمال والوظائف التي تأخذ كثيراً من الوقت، كل ذلك ليس حباً في الإسلام، وإنما هو في الغالب للطعن فيه مباشرة، أو بالأسلوب الماكر الذي لا يظهر إلا لذوي الفهم الثاقب والعلم النافع من المسلمين.
ولد سنة: 1909م في 13 مارس.
درس في كلية واتسون في أدنبرا، ثم في جامعة أدنبرا، وجامعة أكسفورد، نال شهادة الماجستير سنة 1930 في العلوم العتيقة.
ودرس في كلية باليول بأكسفورد ما بين عام 1930م وعام 1933م.
ودرس علوم اللاهوت بأكسفورد، وعين قسيساً في كنيسة القديس بولس لندن.
وحصل على شهادة الدكتوراه سنة 1944م.
عمل محاضراً في جامعة أدنبرا، وعمل مع هيئة الأسقف الإنجليكاني في فلسطين من عام 1943م، وكانت مهمته إعداد بحوث عن الإسلام.
وعاد إلى أدنبرا سنة 1946م ودرس الفلسفة القديمة..
وفي سنة 1964م عين أستاذاً في قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية.
انتدب أستاذاً زائراً لعدد من الجامعات والمراكز: منها جامعة تورنتو في كندا في قسم الدراسات الإسلامية، والكلية الفرنسية في باريس، ومركز الدراسات العربية المعاصرة التابع لجامعة جورج تاون بواشنطن.
وكان رئيسا لجمعية المستشرقين البريطانيين.
وتقاعد سنة 1979م، وهو متزوج له ابن وأربع بنات.
وله مؤلفات كثيرة منها:
الجبر والقدر في فجر الإسلام، وعقيدة وسلوك الغزالي، ومحمد (صلى الله عليه وسلم) في مكة، ومحمد (صلى الله عليه وسلم) في المدينة، وحقيقة الإله، وعلاج مشاكل البشرية، والإسلام ووحدة المجتمع، والحق في الأديان، ودليل القرآن، وما هو الإسلام، والفكر الإسلامي السياسي، والوحي الإسلامي والعالم الحديث، وتعريف بالقرآن، والأثر الإسلامي في أوروبا خلال القرون الوسطى، عصر تكون الفكر الإسلامي، مجد الإسلام الغابر، الإسلام..، الإسلام والمسيحية اليوم، النبي المكي في القرآن. [أشكل عليّ عنوان كتابين في الترجمة فتركتهما، وتركت تواريخ تأليف هذه الكتب، فقد ذكر مع كل كتاب أو بحث تاريخه].
وعندما سألته: ما اختصاصك؟
قال: اللغة الإغريقية، واللاتينية، والعربية، والدراسات الإسلامية والفلسفة، وقال: إن عنده أكثر من عشرين كتاباً.
قلت: ما سبب اتجاهك للدارسات الإسلامية واللغة العربية؟
قال: بعد تقسيم الهند جاء شباب للدارسة في هذا القسم، وكانت تحصل مناقشات معهم في موضوعات إسلامية متنوعة، في أوقات الفراغ وتناول الوجبات كالفطور، فاهتم بذلك، وفي هذا الوقت كان أستاذاً للفلسفة، وزار كلكتا، وعمل ثلاث سنوات بالكنيسة الإنجليكانية، حيث كان يقوم بإعداد دراسات للأساقفة.
قلت له: متى سمعت عن الإسلام في حياتك؟
فقال: لا يذكر.
قلت: متى بدأ اتصال الإنجليز بالمسلمين أو المسلمين بالإنجليز؟
قال: في الحروب الصليبية في عهد الملك ريتشارد الذي عاصر صلاح الدين، وكان ملكاً كبيراً.
قلت: أول شخص أو طائفة من المسلمين دخلوا بريطانيا؟
قال: في بداية القرن التاسع عشر في عهد الخلافة العثمانية كان يوجد السفير التركي، وجاء بعده طلاب.
وبدأ بعث الطلاب المسلمين إلى أوروبا، قبل مائة وخمسين سنة من قِبَل محمد علي باشا، هذا في فرنسا، أما بريطانيا فهو غير متحقق إن كان جاء في هذه الفترة منهم أحد.
وقال: المعروف من الكتب أن الطلبة المصريين جاءوا إلى فرنسا للدارسة سنة 1820م.
وفي عهد الحكم العثماني [عندما ترجم لي الأخ عبد الخالق قال: الحكم التركي، أوقفه مونتجمري وقال: لا تقل التركي، فإن التركي معناه المعدم وتطلق الكلمة للاحتقار، ولكن قل العثماني فإنهم يعتزون بذلك].
كان لدول أوروبا سفراء، في تركيا ولتركيا سفراء في أوروبا.
قلت: هل يوجد أثر في بريطانيا يدل على وجود مسلمين في القديم؟
فقال: لا يعرف.
قلت: من أول مسلم بريطاني؟
قال: في القرن التاسع عشر الميلادي، أسلم واحد أو اثنان، ولا يعرف الأسماء، وقال: بعض الناس قد يظهرون الإسلام ولكن لا يعتقد أنهم مسلمون حقاً، منهم: ريتشارد بيرتون الذي زار مكة والمدينة في حوالي 1860م.
قلت: كم عدد المسلمين في بريطانيا؟
قال: مليون تقريباً [والمسلمون يقدرون بأكثر من مليونين] وأما البريطانيون فبضع مئات.
قلت: ما سبب قلة الداخلين في الإسلام من الأوربيين، وبخاصة البريطانيين؟
قال: الأفارقة غير متحضرين، والحضارة الإسلامية أعلى مما عند الأفارقة، والحضارة الإسلامية تنافس الحضارة الغربية، ولذلك يدخل الأفارقة بكثرة في الإسلام، إضافة إلى عداوة الأفارقة للأوربيين، بسبب الاستعمار، بخلاف الأوربيين فإنهم عندهم حضارة، ولذلك لا يرون في الإسلام ما يجذبهم إليه!
قلت: ما الأسلوب النافع لعرض الإسلام في أوروبا؟ [أسأله هذه الأسئلة وأنا أعرف شدة امتعاضه منها ولكن كنت أريد أن أحصل على ما في قلبه من حقد في أجوبته ليعلم الذين يحاولون إحسان الظن بكثير من المستشرقين دوافعهم الحقيقية، في وقت يقول فيه المستشرقون: أنهم يدرسون العلم للوصول إلى الحقيقة وليست دراستهم كما كانت من قبل استعمارية!!!].
قال: الذي يقدم الإسلام للغربي، يجب أن يعرف الثقافة الغربية، وأن يقدم الإسلام في صورة عصرية حديثة، وليس في صورته التقليدية، فإن صورته التقليدية منفرة [يقصد بصورته التقليدية ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويقصد بالعصرية ما استقاه الكتاب المنتسبون للإسلام من المستشرقين من التحريفات والتشويهات ومن ذلك فئة العلمانيين الذين لا يرون الإسلام صالحاً للتطبيق في هذا العصر].
ثم قال: توجد طرق مختلفة، ولكن علماء المسلمين لا يعرفون الفلسفة الغربية وطريقة التفكير الغربي، مثال ذلك: ما يتعلق بصلب المسيح الوارد في القرآن، هذه حقيقة تخالف ما عند الغربيين، وبعض المسلمين منهم محمود أيوب اللبناني حاول أن يثبت أن ما في القرآن لا يتعارض مع ما يفهمه المسيحيون، وهذه محاولة لتأويل ما في القرآن لمعرفة الرجل لفلسفة الغربيين وطريقة تفكيرهم. [وهذه من أمثلة الأسلوب العصري الذي يريده المستشرقون: التنازل عن صميم الإيمان الذي جاء به القرآن!].
وسألت الرجل: ماذا ترى في مستقبل الإسلام في العالم، وبخاصة في أوروبا؟
فأجاب: ـ ووجهه يتلون ـ يعتمد ذلك على ما تتمخض عنه الحرب في الخليج، لأن لهذه الحرب آثاراً واسعة، بعيدة المدى، لأن الخميني وعد وعوداً كثيرة، فإذا فشل في تحقيقها وخسر المعركة، فإن الناس سيتجهون ضده وضد ما يمثله من مبادئ، ويتجهون أكثر إلى العلمانية والشيوعية، وإذا حصل سلم فقد لا تحصل تحولات كثيرة، ولكن يمكن للدول الإسلامية أن تلعب دوراً، وعلى المسلمين أن يتعاونوا أكثر مع غير المسلمين وخاصة السياسيين. [صرح مونتجمري هنا بما يعتقده الغربيون وبخاصة المفكرين والسياسيين وهو أنه إذا ساد السلم بين المسلمين فإن المسلمين يمكن أن يلعبوا دوراً، ولم يفسر هذا الدور ولكنه مفهوم وهو الثقل السياسي والاقتصادي الذي تنافس به أوروبا، ولهذا نصح المسلمين أن يتعاونوا مع الغرب إذا ساد السلم وبخاصة مع السياسيين].
لقاء مع الأخ بسطامي محمد سعيد السوداني:
ولد سنة 1945م في مدينة القضارف.

وتخصص في العقيدة الإسلامية، أخذ الماجستير من جامعة الملك سعود (جامعة الرياض سابقاً)، قسم الدراسات الإسلامية سنة 1982م وموضوع الرسالة: مفهوم تجديد الدين.
وهو يحضر الدكتوراه الآن في جامعة أدنبرا، وموضوع البحث: الحاكمية في التصور الإسلامي.
كان مدرساً في مدارس السودان الثانوية، ثم عمل معيداً في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم معيداً في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، من سنة 1402هـ إلى 1405هـ (درس في شعبة اللغة العربية عندما كانت تشرف عليها كلية اللغة العربية وكنت عميداً آنذاك للكلية).
وجاء إلى أدنبرا مبعوثاً للدعوة من قبل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، في الرياض سنة 1406هـ.
المراكز الإسلامية في أدنبرا ثلاثة، وهي:
1 ـ المسجد المركزي الذي يقوم بإمامته والتدريس فيه الأخ بسطامي.
2 ـ مسجد روكزبرا.
3 ـ ومسجد بلوك.
وكانت الجمعيات الإسلامية في أدنبرا كلها في جمعية واحدة، وهي جمعية هذا المسجد، ثم حصلت بينهم خلافات، فانقسموا إلى ثلاث مجموعات: إحداها جماعة المسجد المركزي، واسمها الرسمي : مجلس أمناء المسجد المركزي في أدنبرا.
ويتكون هذا المجلس من عشرة أعضاء، يرأسهم الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض!
وللمجلس نائب مقيم في أدنبرا وهو اسكتلندي الأصل، أسلم قبل فترة ويسمى صلاح الدين كمنز (وسيأتي اللقاء معه قريباً) وهو يعمل موظفاً في إدارة البريد.
وأمين المال عبد الرحمن المطرودي، طالب في علم الاجتماع وهو سعودي. [وهو الآن وكيل وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية. هذا التعليق كتب في مطلع عام:1419هـ].
نشاط المركز:
يؤم المركز عدد من المصلين في كل الأوقات، وهو في قلب المدينة الجامعية، ولهذا فإن معظم رواده من الطلبة. وعدد المصلين في يوم الجمعة أكثر من ثلاثمائة.
تعقد فيه حلقات دروس للكبار رجالا ونساء.
وفيه مدرسة مسائية للأطفال.
وتلقى فيه محاضرات.
حوار مع الأخ المسلم البريطاني صلاح الدين:
ولد سنة 1947م.

كان نصرانياً ـ بروتستانتياً ـ.
درس علم اللاهوت في الجامعة، ولم يجد في النصرانية ما يحقق تطلعاته الروحية والدينية.
سألته: متى سمع عن الإسلام؟
فقال: عندما كان عمره ست سنوات رأى فيلماً عن الحروب الصليبية، ويقول: إن عاطفته كانت مع العرب، ولم يكن عنده وعي لصغر سنه وسمع عن الإسلام بوعي وعمره سبع عشرة سنة.
وعندما انتهى من دارسة الثانوية، ذهب في إجازة إلى اليونان ودرس كتاباً مشهوراً لمؤرخ يدعى (جبن) وهو يتعلق بقيام الإمبراطورية الرومانية وسقوطها، ولغة الكتاب إنجليزية أدبية رفيعة، وتحدث في نفس الكتاب عن قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس في الجزيرة العربية، وكيف انتشر الإسلام بسرعة مدهشة، وقرأ كتاباً لأديب بلجيكي في نفس الموضوع، فزاد اهتمامه بالإسلام وجذبه إلى معرفته، ولم يجد أحداً من المسلمين يدعوه أو يشرح له الإسلام.
كان يسكن في مقاطعة في جنوب بريطانيا تسمى: كند، وليس فيها مسلمون، ولكنه هو اهتم بالإسلام وعرف بعض الكتب وقرأها، ثم بدأ المسلمون يفدون ولكنه لم يختلط بهم.
سألته: ما الذي جذبه للإسلام؟
قال: عدم التعقيد الكلامي الموجود في النصرانية، مثل التثليث المحير للعقل الذي لا يستطيع تصوره، بخلاف الإسلام فإن العقيدة فيه سهلة معقولة.
في النصرانية يقال عن الإله: إنه بشر، وكل طفل يولد آثماً، وفي الإسلام الطفل يولد على الفطرة وهذا أقرب إلى العقل.
وقال: إنه استأنس بالإسلام، لأن كل الرسل ذكروا في القرآن، أما النصرانية فلم تعترف إلا بعيسى، وهي من صنع بولس.
أدرك الأخ صلاح هذه المعاني وعمره ما بين سبع عشرة سنة وعشرين سنة، واعتبر نفسه عندئذ مسلماً.
واتصل في الجامعة ببعض المسلمين وأراد أن يسلم فقالوا له: لا بد أولا من الختان، فكان ذلك سبباً في تأخر إعلانه الإسلام. [تأمل كيف يصل الجهل بالمسلمين عندما يأتيهم من اقتنع بالإسلام بجهده وليس بدعوة منهم فيحولون بينه وبين إعلان إسلامه بمثل هذه الفتاوى الجاهلة: لا بد من الختان قبل إعلان الإسلام! من أين لهم هذا، وقد كان الكفار يسلمون في المعارك ويقبل منهم إسلامهم].
وأعلن الشهادة وعمره خمس وعشرون سنة، بعد أن اقتنع بالختان، وقال: إنه كان يتعجب هل الختان هو الفرق بين المسلمين وغيرهم؟
وقال الأخ صلاح: إنه يشعر بعد إسلامه باطمئنان القلب والسعادة النفسية، وإن كان أهل بلده يرون أن هذا الدين دين أجنبي دخيل، كاليهودية، ونتيجة لموقف أهل البلد، ومنهم أسرته وزملاؤه وأصدقاؤه، فإنه يشعر بنوع من الصراع، بسبب أنه اختار الدين الصحيح فيجب أن يكون مسلماً، ولكن البيئة والثقافة والتفكير تتطلب منه أن يكون بريطانيا، وكذلك علاقاته الاجتماعية تؤثر عليه.
ومن الأمثلة التي ذكرها أن مظهره ليس كمظهر بقية المسلمين، غير الإنجليز، بل مظهره بريطاني، وهو يعمل في وظيفة تعتبر علاقات عامة تحتاج إلى تمثيل السلوك البريطاني.
يشعر بأنه انفصل عن المجتمع البريطاني، والبريطانيون اعتبروا ولاءه لبريطانيا مشكوكاً فيه، لأن المسلم ولاؤه للإسلام، والرجل الأبيض يجب أن يكون ولاؤه للنصرانية.
وقال: لو قامت حرب بين المسلمين والبريطانيين، لا يستطيع أن يقف في صف بريطانيا ضد المسلمين.
والمكان الطبيعي للعلاقات الاجتماعية في بريطانيا، هو الخمارات والبارات، وزملاؤه وأصدقاؤه يذهبون إلى هذه الأماكن في المناسبات كأعياد الميلاد، وهو لا يذهب.
ولذلك كله فهو يشعر بصراع عنيف في داخل نفسه، لأنه لم يجد البديل الإسلامي الذي يعوضه عما فقده، فالإسلام دين ولكنه ليس مجتمعاً في هذا البلد.
قلت له: هل في استطاعة المسلمين الموجودين في بريطانيا أن يكونوا بديلاً لأمثاله يأوي إليهم ويستأنس بهم؟ قال: يمكن ذلك ولكنه صعب جداً، وهو يحتاج أن يكون لدى المسلمين هنا ما كان عند أسلافهم، من الإيمان الصادق الذي جعلهم ينشرون الإسلام في البلدان النائية وهم تجار، وكذلك المسلمون البريطانيون ليس عندهم دوافع وقدرة على التأثير.
والإعلام الغربي يضخم مساوي المسلمين في بلدانهم كما في قضية فلسطين وإيران والعراق. والمسلمون الذين يأتون إلى الغرب لا يأتون لنشر الإسلام، وإنما يأتون لأغراض مادية كجمع المال وهو الغالب، أو طلب العلم، والإسلام بالنسبة لأغلبهم، ليس ديناً بقدر ما هو قومي (يعني سلوكهم يقتضي ذلك) هذا باكستاني وهذا بنغلاديشي، وهذا عربي ـ يعني أن القوميات الشعوبية متأصلة في المسلمين.
قلت له: هل تظن أن هذه الأمور هي سبب قلة دخول الغربيين في الإسلام؟
قال: نعم هذا سبب كبير جداً لمنع غير المسلم من الدخول في الإسلام.
فالغربي يرى أن النصرانية لا تحل مشكلاته، وكذلك لا يرى في تصرفات المسلمين ما يحل تلك المشكلات، فيظنون أنه لا فرق بين الإسلام والنصرانية، بل الإسلام أشد تشويهاً في نفوسهم.
والذي يريد أن يقرأ شيئاً عن الإسلام، لا يجد كتاباً سليماً متوافراً في المكتبات، وهذه عوامل كلها تصد عن الإسلام.
فلو استطعنا أن نعرف الناس بالإسلام لتغلبنا على عقبات كثيرة، ونحن في حاجة إلى جهود وسائل سهلة لإيصال المعلومات الإسلامية إلى الناس، كالنشرات والكتب التي تكتب بلغة مؤثرة.
والكتب الموجودة لغتها ليست مؤثرة، ويمكن أن يستفيد منها الذي عنده دافع لمعرفة الإسلام، ولكن غيره لا يجدها تجذبه لا في لغتها ولا في إخراجها.
وقال: الأفضل أن نجتهد في إيجاد مسلمين دعاة من نفس البريطانيين، لأنهم سيؤثرون أكثر بصفتهم من أهل البلد يجيدون اللغة والتخاطب، ويعرفون العادات التقاليد والعقلية البريطانية، واختلاطهم بالناس سهل غير مستنكر.
فإذا لم يوجد هذا فيجب أن يكون الداعية عنده شخصية قوية جذابة مؤثرة، وهذه مواهب فطرية وليست مصطنعة، ولا بد من معرفة واسعة للإسلام واللغة الإنجليزية، ولا بد من قدوة حسنة وخدمة الناس.
وقال: إن المسلمين يعرضون سلعهم من أجل أن يروجوها في السوق، ويجب أن يكون عرضهم للإسلام أكثر جودةً وإتقاناً، ولا بد من معرفة قطاعات الناس القابلة للإسلام كالأعمار والأعمال والصفات الاجتماعية المختلفة، ثم تأتي خطوة اختيار أنجع الوسائل لكل قطاع كما تفعل أجهزة الإعلام، وهذا مشروع يحتاج إلى نفقات.
وقال: حبذا لو بعثت وزارة الإعلام السعودية فريقاً من الدعاة والفنيين، لتغطية أحوال المسلمين وبث الوعي الإسلامي فيهم، وبخاصة جهاز التلفزيون. [هذا يبين خطورة البلاغ المبين وضرورته للعالم]. والأخ صلاح متزوج مسلمة ماليزية وعنده منها ثلاثة أولاد.
نفثات صدور محزنة:
إنك تشعر من كلام المسلمين الجدد الأوربيين بما يواجهون من مشكلات إذا دخلوا في الإسلام، وأهمها الضغط الاجتماعي الذي يشعرون فيه بالغربة بسبب إسلامهم، وفي نفس الوقت لا يجدون مجتمعاً إسلامياً يعوضهم عما فقدوه، من العلاقات الاجتماعية في بلدهم، وكثير من المسلمين الذين وفدوا إلى تلك البلدان لا يتصفون بالصفات الإسلامية الصادقة، والقليل منهم الذي يلتزم بالإسلام، ولا يهتمون بالمسلمين الجدد أو قد لا توجد عندهم الإمكانات التي تسهل لهم ذلك الاهتمام.
ومن هنا تجد هؤلاء المسلمين الغربيين ينفسون عن أنفسهم بالشكاوى المرة، إذا وثقوا ممن يتحدثون إليه، مما يعانون من مشقات، وما تلك الشكاوى إلا نفثات صدور كامنة تظهر في وقتها المناسب.! ولهذا فإن هؤلاء المسلمين الجدد في حاجة إلى خطة شاملة توضع لمتابعتهم ومساعدتهم، من قبل المؤسسات الإسلامية في الشعوب الإسلامية والمراكز الإسلامية في تلك البلدان. [وقد ازدادت هذه المشكلات الآن بعد التصرفات الحمقاء التي لم تفرق في تفجيراتها بين المعتدي وغير المعتدي].
عبد الرحمن المطرودي:
كانت هذه المقابلة في منزل الأخ عبد الرحمن بن سليمان المطرودي، مبعوث جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد أخذ درجة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة أدنبرا، وهو يحضر الدكتوراه في نفس الجامعة، في الأسس الإسلامية الاجتماعية في العناية بالعجزة والمعوقين، ويمكن أن يفرغ منها في هذا العام، وقد استضافنا على طعام العشاء، وقد كنت اجتمعت به سنة 1377هـ في جامعة أم درمان الإسلامية بمناسبة عقد ندوة الدارسات الإسلامية التابعة لاتحاد الجامعات العربية، كان ممثلاً لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وكنت ممثلاً للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.
الثلاثاء: 15/1/1408هـ.
خرجنا صباح هذا اليوم مع الأخ بسطامي، وتجولنا حول مدينة أدنبرا، وصعدنا إلى الجبل الذي يطل على المدينة، ويرى من فوقه كل أطراف المدينة كما يرى البحر.
ثم رجعنا إلى المسجد المركزي، فصلينا به الظهر، وطلب مني الأخ بسطامي إلقاء محاضرة في المصلين وأغلبهم طلاب، فألقيت كلمة مختصرة، تتعلق بتزكية المسلم نفسه بالإيمان والعلم والعمل الصالح، ووجوب القيام بتربية أبناء الجالية المسلمة في هذا البلد، حتى لا يذوبوا في المجتمع الغربي.
حوار مع أستاذين مستشرقين في جامعة أدنبرا:
كان عندنا موعد في هذا اليوم مع مستشرقين من أساتذة قسم الدراسات الإسلامية والعربية والشرقية، في كلية الآداب بجامعة أدنبرا. وهما: المستشرق أيان هوارد (IAN HOWARD). والمستشرقة كاورل هيلين برين (CAROLE HILLEN BRIN). ولد أيان سنة 1939م. وهو أستاذ مشارك، وتخصصه في الشيعة، وقليل من الفقه وبخاصة العبادات.
وولدت برين سنة 1943م، وتخصصها في التاريخ الإسلامي القديم من العصر النبوي إلى فتح القسطنطينية، وهي أستاذ مشارك.


كان البدء بسؤالهما عن جامعة أدنبرا؟
قالا: إنها أنشأت منذ أربعة قرون.
وعدد كلياتها سبع.
وعدد طلابها عشرة آلاف.
وعدد طلبة كلية الآداب ألف طالب.
وقسم الدراسات الإسلامية والعربية والشرقية أنشئ قبل خمسين سنة.
وكان يوجد في الكلية قبل مائة سنة أستاذ مستشرق، يعتبر عمله نواة لهذا القسم في الكلية ويسمى: وليم ميور، ألف سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وباسمه سمي هذا المبنى الذي فيه القسم.
وسألتهما عن مصادر القسم العلمية؟
فقالا: هي المصادر الإسلامية وكتب المستشرقين، ولا بد من اللغة العربية في الدراسة.
وسألتهما عن أصول البحث المعتمد عندهما في دراسة الإسلام؟
فأجاب هو: أول هدف لنا هو الوصول إلى الحق.
وقالت هي: نبدأ بجمع المصادر ونقرر ما نريد، ولا ننظر إلى الأمور إلا بمنظار الحق، والبحث الموضوعي صعب ولكنا نحاول.
وسألتهما متى سمع كل منهما عن الإسلام في حياته؟
فقال هو: أول ما سمعت عن الإسلام كان عمري خمس عشرة سنة في الكنيسة، عندما ذكر القسيس أن الطريقة التي يأخذ بها كثير من المسلمين في عبادة الله هي أرقى من طرق النصارى.
وقالت هي: إنها سمعت عن الإسلام عندما كانت في إيران مع زوجها وزارا المساجد، ودرست بعد ذلك اللغة العربية والفارسية والتاريخ الإسلامي ولم تسمع عن الإسلام في صغرها في المدرسة، لأنه في وقت دارستها لم تكن المدرسة تدرس تاريخ الأديان، أما الآن فيذكر الإسلام في الراديو والتلفاز والجرائد، وبخاصة بعد الحرب الإيرانية العراقية ومشكلات فلسطين.
وسألتهما: هل تعرفان أول بريطاني دخل في الإسلام؟
فقال هو: دخل رجل بريطاني في الإسلام قبل مائتين وخمسين سنة، ولكن لا يعرف اسمه، ويصعب تحديد أول مسلم وأول وقت دخل فيه الإسلام رجل أو امرأة في بريطانيا.
وقد كانت بريطانيا تحكم بعض الدول والشعوب الإسلامية كالهند مثلاً، ويحتمل أن يكون دخل في تلك البلدان بعض البريطانيين في الإسلام.
قلت: ما سبب اتجاهكما لدراسة الإسلام واللغة العربية؟
فأجاب هو: إنه كان مدرساً في عدن للغة الإنجليزية للعرب من سنة 62 ـ 1967م، ودَرَسَ اللغة العربية مع بعض أصدقائه العرب، ثم ذهب إلى لبنان واستمر في دراسة العربية، وبعد سنتين دخل الجامعة الأمريكية في بيروت وأخذ شهادة في الإسلاميات، ثم درس في جامعة كمبردج.
وقالت هي: إن السبب يعود إلى زيارتها مع زوجها لتركيا وإيران، وكانت موظفة فرغبت بعد الزيارة في دراسة اللغة العربية والتاريخ الإسلامي، فدرست ذلك في جامعة أكسفورد، وتابعت الدراسة في جامعة أدنبرا، وزارت مصر وسوريا والأردن والمغرب، ورأت أنه لا يوجد في الغرب من يعرف اللغة العربية والتاريخ الإسلامي كثيراً، وأنه لا بد من دراستها دراسة عميقة.
وسألتهما: ما سبب قلة دخول الأوروبيين في الإسلام؟
فقال هو: الغرب الآن يمر بمرحلة الإلحاد.
وقالت هي: ليس للغربيين أيديولوجية في الغالب، وهم في حياتهم لا ينتبهون للإيمان، ويمكن عند موتهم أن يؤمنوا، والذين يؤمنون بالله يؤمنون بالنصرانية، وذلك يكفيهم، ويوجد سبب آخر، وهو أن أكثر المسلمين في الغرب ليسوا مسلمين حقاً، لأنا نشاهد في الجرائد كل يوم أموراً قبيحة، والناس في الغرب عامة لا يعرفون من الإسلام إلا ما يرونه في إيران والعراق ولبنان، والدين عند الغربيين ليس مهماً.
والمسلمون يقولون: إنهم لا يحبون اليهود (هذا عدته من أسباب عدم دخول الغربي في الإسلام!).
قلت: هل تريان أن الغربيين في حاجة إلى معرفة الشؤون الاجتماعية في الإسلام؟
قال هو: توجد هنا مشكلة، وهي أن كل طائفة في أي شعب مسلم تقول عن عاداتها أنها إسلامية، والتعاليم الإسلامية تختلف عما يطبقه المسلمون في أعمالهم.
والمجتهدون من المسلمين تختلف اجتهاداتهم. وهذا يجعل الأخذ بالإسلام صعباً. [بينت له أن الاجتهادات في أمور جزئية أما الجوهرية فالغالب الاتفاق عليها].
قلت: ما الأسلوب المناسب لعرض الإسلام في الغرب؟
فقالت هي: عرض سيرة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) وتدريس القرآن، وعرض عمل المسلمين اليومي، والطلاب يحبون عادة ما يدرس في الكتب، ولا يتكلمون ضد الإسلام بكلام قبيح.
وقال هو: من الصعب عرض الإسلام على ناس لا دين لهم، وهذه الصعوبة يواجهها حتى النصراني، إذا عرض النصرانية، والمجتمع يسيطر عليه الإعلام.
قلت: هل تريان أن الإسلام قادر أكثر من غيره على محاربة الإلحاد؟
قالت هي: نعم.
وقال هو: عندما جاء النبي (صلى الله عليه وسلم) بالإسلام في جزيرة العرب كان قوياً ومؤثراً، ووقف أمام ذلك التراث، فإذا وجدت شخصية مسلمة قوية مؤثرة مثله، يمكن أن يكون الإسلام قادراً على ذلك.
قالت هي: يمكن أن تقوم بذلك مجموعة من المسلمين، والعالم الغربي يمر بحالة جزر، والعالم الإسلامي يمر بحالة مد.
والإسلام عنده هذه القدرة، وقد شاهدنا ذلك في العالم مثل أمريكا، وأقرب مثال لتأثيره على الملحدين إسلام جارودي (سيأتي الكلام عن جارودي فقد قابلته في باريس)، والإسلام ليس دين إرهاب وأنا أقول ذلك لطلابي، ويجب عليكم ـ تقصد المسلمين وهي تخاطبني ـ أن تبينوا للناس ذلك. [ولكن اليهود والمتعصبين من المسيحيين ألصقوا بالإسلام مصطلح الإرهاب بعد أحداث نيويورك ليسوغوا بذلك الهجوم الظالم على الإسلام والمسلمين بسبب قلة تهورت من أبناء هذه الأمة لم تفرق بين مصالح المسلمين والمفاسد التي نزلت بهم].
وقال هو: وهذا هو الذي ينشره الإعلام الغربي عن الإسلام، ولو كان لكم في الغرب جريدة على الأقل تنشرون فيها أفكاركم، لكان ذلك من أسباب معرفة الناس هنا للإسلام، وأن ما تنشره أجهزة الإعلام من تشويهه غير صحيح.
قلت: ما رأيكما في مستقبل الإسلام؟
قالت هي: الآن الإسلام قوي جداً، ويمكن أن يكون أقوى في غير أوروبا في العالم الثالث.
وقال هو: الإسلام الآن يقوم على مفترق الطرق، ويعتمد على استمرار المسلمين أقوياء في دينهم، ولكن إذا كانت الحياة الغربية تسيطر عليها في المستقبل، فإن مستقبل الإسلام سيكون مثل مستقبل المسيحية في الغرب.
إلى هنا انتهت المقابلة وقد استغرقت ساعة وخمس عشرة دقيقة.
وكانت المرأة أكثر صراحة من الرجل وأقرب صواباً، ولكنها لم تخف ـ ربما لصراحتها ـ حدبها وإشفاقها على اليهود.
وقد حصلت مناقشة مختصرة في هذا الأمر بعد المقابلة، وبينت لها موقف المسلمين من اليهود وأسبابه.
ثم عدنا إلى الفندق الذي انتقلنا إليه وهو المسمى: نزل مراكش (MARRAKECH HOTEL).
وقد زارنا في الليل الأخ عبد الرحمن المطرودي وأخوه الذي كان يقضي إجازته في أدنبرا، وكذلك الأخ بسطامي، وجرت مذاكرة في شؤون الدعوة استمرت ساعة ونصف الساعة تقريباً، ثم ودعنا الأخ المطرودي، واتفقنا على أن يأتينا الأخ بسطامي في الصباح لإيصالنا إلى محطة القطار لنعود إلى لندن.
العودة إلى مدينة لندن:
الأربعاء: 16/ 1/ 1408هـ.
جاءنا الأخ بسطامي، فأوصلنا إلى محطة القطار الذي تحرك بنا إلى لندن في الساعة السابعة والنصف تقريباً إلى مدينة لندن، وكان البحر على يسارنا لأن القطار كان يسير على الساحل الشرقي لاسكتلندا، ووقف القطار أربع وقفات قصيرة، في بعض المدن الصغيرة، لينزل بعض الركاب ويصعد آخرون. من تلك المدن مدينة تسمى: نيوكاسل، وكان وصولنا إلى لندن في الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً.
وقد استغرقت الرحلة من مدينة أدنبرا إلى لندن، خمس ساعات.
وبهذا أكون قد زرت في بريطانيا ثماني مدن، وهي: (لندن، برمنجهام، لستر، شيفيلد، مانشستر، ليفربول، غلاسغو وأدنبرا) وهي زيارات سريعة، وإن كانت لندن أوفر حظاً من غيرها.
حوار مع الأخ المسلم: يوسف إسلام في لندن:
الخميس: 17/1 / 1408هـ.
كان الأخ الشيخ صهيب بن عبد الغفار حسن قد حدد لي موعداً مع الشاب المسلم البريطاني: يوسف إسلام (YUSUF ISLAM).
وقد جاءني الأخ صهيب في الفندق (هوليداي إن) بسيارته، وذهبنا إلى يوسف إسلام.
اجتمعنا به في مدرسته الساعة السادسة والنصف صباحاً، وكان المترجم بيننا الشيخ صهيب.

كان الأخ يوسف إسلام ينتظرنا في المدرسة الإسلامية الابتدائية، التي أنشأها لأبناء المسلمين من ماله الذي رزقه الله به في جاهليته، مقدراً له سبحانه وتعالى أن يعيش في محيط تلك الجاهلية إلى أسفل دركاتها، ويجمع المال وينال الشهرة، بمؤهل من مؤهلات الشهرة العصرية الهابطة: الغناء والرقص والموسيقى، ثم يهديه ربه ليرتفع إلى قمة المؤهل الرباني الذي يرضي الله: الإسلام، ليزدري تلك الجاهلية ويمقتها، بعد أن سبر غورها، وكان بطلاً من أبطالها، وليعتز بدين الله وينذر نفسه وماله ووقته لنصرة هذا الدين وتربية أجياله، تربية مبنية على أسس تربوية تعليمية إسلامية، تجمع بين علوم الإسلام وتطبيقه، وعلوم الغرب النافعة، ليصوغ بذلك الإنسان الذي يعبد الله بكل نشاطه.
زرنا يوسف إسلام في أول عرين يتربى فيه أشبال الإسلام اليوم، لتكونوا أسوده في المستقبل في بريطانيا، الدولة العظمى التي لم تكن الشمس تغيب عنها، لارتفاع أعلامها الاستعمارية، على بقاع الأرض شرقها وغربها شمالها وجنوبها، والتي عجزت وشاخت بعد أن تراجعت عن كل شبر اغتصبته في الأرض، إلا ما شاء الله، إلى جحرها في جزرها الصغيرة المنزوية في جانب من جوانب الأرض النائية، ولعل الله تعالى يحقق آمال الأخ يوسف إسلام الذي بدأ الخطوة الصحيحة، لتثبيت الإسلام في تلك الديار، وهي تعليم أجيال المسلمين وتربيتهم، لينتشروا في مدراس بريطانيا وجامعاتها ومؤسساتها، حاملين للناس هدى الله في تصرفاتهم التي يظهرون فيها للعالم الغربي القدوة حسنة التي رباهم عليها هذا الدين، يراها الغربي بأم عينيه حية متحركة، ويعرف عندئذ أن هذا الدين الذي أضاعه أهله وشوهوا سمعته هو الدين الحق الذي به تسعد البشرية في الدنيا، وتنال رضا الله في الآخرة، وليس هو تلك المعاني المشوهة التي ملأ أعداء هذا الدين بها أدمغة أهل الغرب وبذلك تنكشف الحقيقة وتنقشع سحائب الكذب والتزوير.
كان وقت الأخ يوسف إسلام ضيقاً، لكثرة مشاغله، ولكنه آثرنا بشيء منه، فألقيت عليه بعض الأسئلة وأجاب عنها، وهناك أسئلة أخرى لم أتمكن من طرحها لضيق الوقت.
السؤال الأول: متى ولد الأخ يوسف إسلام وما ديانته السابقة؟
فأجاب: أنه ولد سنة 1948م. وقال: الديانة السابقة هي المسيحية.
وبعد أن تخرجت من المدرسة الثانوية، كان عندي شهادة في الرسم، وكنت أرغب في الموسيقى، فبدأت أتمرن عليها، وكان اهتمامي منصباً أكثر بمستقبلي ونبوغي في ميدان ما، ولم يكن يهمني التخصص الدراسي فاهتممت بالموسيقى.
السؤال الثاني: متى سمعت في حياتك عن الإسلام؟
فقال: كان أبي من قبرص اليونانية، وكانت الأحاديث عن الأتراك والصورة عن الإسلام مشوهة، وكلما يفعله الأتراك كان سيئاً قبيحاً عندنا، والأتراك مسلمون، والعيب الذي يوصفون به يوجه إلى الإسلام، لذلك لم يكن عندي انطباع طيب عن الإسلام.
وعلى كل حال فقد اكتسبت شهرة في مجال الموسيقى: اسم طيب محبوب أموال طائلة، ولهذا أصبحت حياتي حياة منحرفة... وهذا أدى بي إلى المرض، فمرضت مرضاً خطيراً هو مرض السل، وعندما ابتليت بهذا المرض وقفت جميع نشاطي، وخاصة الموسيقى، وبدأت أفكر في الدين، بدأت أفكر في المبدأ والمعاد، وكان عمري آنذاك عشرين سنة.
ثم عدت إلى مجال الموسيقى، ولكن بدأت أناشيدي تهتم أكثر بالحياة وبالمجتمع ومشكلاته، أو بالأحرى كنت أبحث عن الاطمئنان.
والفترة الثانية من حياتي بعد هذا المرض، أصبحت فيها مقعداً لمدة سبع سنوات، وفي هذه الفترة كنت دائماً أبحث عن الحق، ولهذا درست البوذية، وكانت عندي رغبة في علم النجوم، ولكني لم أجد الاطمئنان في هذه المذاهب، فكنت مستمراً في البحث عن الحق.
وعندما كان عمري ثمانية وعشرين سنة، أعطيت نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم، وهذه هي المرة الأولى في حياتي اتصل فيها بمعاني القرآن الكريم، وكان ذلك في سنة 1976م.
وقد كنت قرأت كتباً كثيرة، ولكن لفت نظري أن هذا الكتاب ليس عليه اسم المؤلف، ثم اكتشفت أن المبادئ الأساسية في الإسلام ـ مع عالميتها ـ عميقة عمقاً لا يوجد في غيرها من الأديان والمذاهب الأخرى، وهذا الأمر جرني إلى الاقتراب من الإسلام.
وبعد دراستي لترجمة معاني القرآن الكريم بسنة، صار عندي اطمئنان بأن الإسلام هو الدين الحق، ولذلك أسلمت.
السؤال الثالث: هذه الشهرة التي نالها يوسف إسلام، لا بد أن تكون قد جعلت ناساً كثيرين يعجبون به ويحبونه بسبب حبهم لفنه، فهل تأثر أحد من هؤلاء بإسلامه فأسلموا؟
قال: لا. ثم قال: عدد قليل جداً، بعد سنة أو سنتين من إسلامه، ولكن معظم الناس ذعروا من إسلامه. [قلت: إن إسلام هذا الرجل الذي غطت شهرته آفاق الغرب، وربما الشرق أيضاً من وسائل إقامة الله الحجة على عباده بأن هذا الدين حق ويجب أن يبحثوا كما بحث، وبخاصة الفئة التي ارتبطت به فناناً واتخذته مثلاً يحتذي وقدوة تتبع].
السؤال الرابع: هل تظن أن فئة الفنانين، مثل المغنين والموسيقيين الذين ينهجون مثل ما كنت تنهج، عندهم معرفة بالإسلام ولو قليلة؟
قال: معظمهم لا يعرفون شيئاً الإسلام.
السؤال الخامس: ما صفات الداعية المسلم المؤثر في العقلية الأوروبية؟
قال: هناك أمران مهمان لتأثير الداعية في الأوربيين:
الأمر الأول: القيادة الحكيمة القوية، هي التي تؤثر في عقلية الغربيين، فقادة الهنادكة الذين يأتون هنا، وكذلك القسيسون الكبار يلتف حولهم الغربيون، لأنهم يرون أنهم شخصيات قوية يمكن أن تأخذ بأيديهم وترشدهم إلى الطريق. [أين هي تلك القيادة؟]
ومثل هذا قد يوجد عند بعض المتصوفة أو المشايخ الذين يلتف حولهم الناس لكونهم قادة أقوياء، هذا شئ معروف عند الأوروبيين الغربيين، فهم يبحثون عن مثل هذه الشخصيات القوية التي ترشدهم.
وعندما أتحدث عن المشايخ أو القادة الأقوياء، لا أقصد ذلك الشيخ الذي يأمرك فقط أن تغير حالتك الظاهرة، مثل توفير اللحية (ولحية الأخ يوسف تملأ صدره)، أو تقصير السروال عن الكعب، لا أقصد فقط تغيير الأشياء الظاهرة، وإنما أقصد الشخص الذي يرشدك في النواحي العلمية، وخاصة فيما يتعلق بالغيب، الرجل الذي يؤثر فيك من ناحية الآخرة [تختلف نظرة المسلمين في الغرب من شخص إلى آخر فيما يرون أنه موضوع مؤثر ولكنهم يتفقون أن سهولة العقيدة في الإسلام ووضوحها أساس في جذب الناس إلى هذا الدين ولكن التربية الإيمانية العبادية كذلك أساس في الإقناع والاستمرار على التمسك بالإسلام، ولهذا تجد كثيراً من الأوروبيين يسلمون على أيدي بعض الدعاة، فإذا نطقوا بالشهادتين وعلموهم بعض مبادئ الإسلام الأخرى كالصلاة بدؤوا يتحدثون إليهم عن أنظمة الإسلام السياسية وغيرها قبل أن يقوى إيمانهم ويربوا التربية العبادية كالإكثار من الذكر والنوافل من صلاة وصيام وغيرها، فينحازون إلى المتصوفة لما يجدون عندهم من روحانية تملأ نفوسهم ولو كانت عن طريق البدعة، مع أن الأذكار المشروعة الصحيحة في الإسلام لا تحصى مقيدة ومطلقة، فينبغي أن يعنى الدعاة بذلك].
فهم يبحثون عن مثل هذا الشخص، ولهذا عندما أشرت إلى الصوفية قصدت أن هؤلاء الناس إنما أثروا في الناس من هذه الناحية، أما الاهتمام بالمظاهر فقط، فلا أظن أنه يجذب الكثيرين إلى الإسلام.
الأمر الثاني: الذي أهتم به كثيراً هو إبلاغ رسالة القرآن مباشرة، وأنا أسلمت عن طريق القرآن، وليس عن طريق الكتب التي ألفت عن الإسلام، فإيصال معاني القرآن مباشرة إلى الناس هو الأهم.
وإيضاح رسالة الإسلام بطرق أخرى، أقصد بذلك الكتب التي ألفت ـ مثلاً ـ عن الاقتصاد في الإسلام، أو العائلة في الإسلام، أو المجتمع في الإسلام، مثل هذه الكتب على مستوى عقلي معين، وقد لا تجذب الناس إلى الإسلام كثيراً.
والذي أقصده أن توضح رسالة الإسلام العالمية، بطريق القرآن وتوضيح آيات منه بدون هذه الأشياء، وهذا موضوع واسع يمكن أن نتحدث عنه في فرصة أخرى.
السؤال السادس: الأوروبيون البيض قليل دخولهم في الإسلام، مع أن غيرهم ـ كالأفارقة والآسيويين ـ يدخل كثير منهم في الإسلام، فهل هناك سبب يفسر ذلك أو عقبات تعترض دخول الأوروبي في الإسلام؟
فقال: الرجل الغربي عنده مجالات للدارسة والتعليم وتحصيل العلوم والتكنولوجيا أكثر، وكلما ازداد علماً ازداد شكاً، ولهذا عنده ارتياب في كل شئ، ولا يوجد مثل ذلك عند الآخرين الذين يعيشون في الطبيعة ومع العوائل، وهم ينجذبون إلى الإسلام أكثر، فهذا هو المانع الكبير، إن الرجل كلما تعلم كثيراً ابتعد عن الطبيعة، ولذلك حدث عنده هذا الارتياب، وهذا يؤدي إلى الشك في كل شئ، حتى الدين والأسرة، وهذا ما يؤخر تأثير الإسلام... وهذا هو السبب في رأيي.
قلت له: الذي يبدو من القرآن الكريم أن الإنسان كلما تعمق في العلوم الكونية كان أقرب إلى الإيمان بالخالق.
قال: نعم هذا إذا تعمق أحد في العلوم كثيراً، فقد يهتدي إلى هذا الشيء، فقد رأينا مثل الرجل الشهير: إنشتاين.... وفريد كويل قد مجدوا الله لأجل تعمقهم في العلم، هذا صحيح يحدث من أمثال هؤلاء، ولكن الآن كل شخص يتعمق في فرع خاص من فروع العلم، وعندئذ يصبح طريقه ضيقاً جداً، وكلما ضاق طريق اختصاصه، كثر اهتمامه بهذا الفرع بالذات، فيبتعد عن مجال الكون الواسع، حتى لا ينظر إلى الشمس التي تشرق كل يوم، ولا ينظر إلى هذه الصورة المشرقة، فهذا الرجل عندما يبتعد عن مجال الكون الواسع تصبح حالته حالة شخص عادي، لا يهتم بالحياة ولا يهتم بالله. [يَرِد على هذا أن بعض التخصصات الدقيقة قد تعمق الإيمان كتخصص بعض الأطباء في علم الأجنة].
وقد يكون هناك سبب آخر، وهو أن المسلمين تركوا العلوم للغربيين، والغربيون تعمقوا فيها، والمسلمون أصبحوا يقتبسون منهم.
ولو كان المسلمون هم الذين طوروا هذه العلوم التي أساسها كان عندهم، لطبقوا تعاليم الإسلام على هذه العلوم وصبغوها به واستنتجوا منها نتائج وأثروا في الناس، أما الآن فلا يحدث هذا، ونحن خلفاء من قبل الله على هذه الأرض، وكان المفروض نحن نقوم بهذه التحقيقات والنتائج والتجارب في العلوم، ولكن تكاسلنا فحدث هذا التخلف الذي جعل الناس لا يهتمون بنا ولا بديننا.
السؤال السابع: في العالم الآن مشكلات كثيرة.. عقدية وأخلاقية واجتماعية وعسكرية وسياسية... فهل ترى بعد أن درست الإسلام وأنعم الله عليك بنوره، هل ترى أن الإسلام قادر على حل كل تلك المشكلات العالمية وبخاصة في الغرب؟
قال: طبعاً، الكفر لكونه ضد منهج الله، يعطي حلولاً ناشئة منه وهذه لكونها هي التي تطبق في الأرض تحجب الحلول الإسلامية.
ولكن الإسلام الذي هو قائم على التوحيد، لو طبق لحل تلك المشكلات، وهناك مشكلات قد حلها الإسلام أساساً، مثلاً: الاقتصاد ومشكلاته محلولة في الإسلام، لأن الإسلام حرم الربا، وكذلك مشكلات السكر، لأن الخمر محرمة في الإسلام، وكذلك مشكلات تلويث البيئة، لأن الإسلام يحرم الإسراف (والضرر).
وأعتقد أن النواة الأولى للمحافظة على الإسلام تبدأ من البيت "الأسرة" ثم المدارس الإسلامية، حتى يتربى الأولاد في جو إسلامي، يعني هناك أشياء لو حصلت المحافظة عليها من البداية، فإنها تؤثر في المجتمع كله...
السؤال الثامن: هل ترى أن المسلمين والمؤسسات الإسلامية أقاموا الحجة على الناس في تبليغ الإسلام؟
أجاب: لا.. نحن مقصرون في هذه.
السؤال التاسع: هل عائلات البريطانيين مفككة؟
قال: إنها مفككة جداً، لماذا؟ لأن الاعتماد في المدارس على الطفل نفسه، المناهج تعلم الطفل الفردية، فهو منفصل عن الآباء والأمهات، ولذلك فإنه لا يهتم إلا بنفسه، والإشراف على المدارس هو للحكومة، والحكومة بنفسها إنما نشأت من هذا التصور، فلا يهتم من تربى على هذه الفردية بالآخرين، فهذا هو الذي جعل العائلات مفككة في الغرب.
قلت: هل الأكثر التفكك الأسري أو الارتباط؟
فقال: 85% من الأولاد يتركون عائلاتهم بعد عمر ست عشرة سنة.
معلومات عن المدرسة الإسلامية:
عدد طلابها ستة وتسعون، بعضهم من أولاد البريطانيين المسلمين، وكلهم من خمس وعشرين جنسية.

عدد الأساتذة عشرة.
وقد اعترفت الحكومة بالمدرسة، ولكنها لا تمنحها المساعدة إلا إذا توسعت في البناء وفي عدد التلاميذ، تمنحها الحكومة بعد ذلك 80% من التكلفة كلها. [في الفترة الأخيرة اعترفت الحكومة البريطانية بالمدرسة، وأصبحت لها كامل الحقوق التي تتمتع بها المدارس المعترف بها، لجماعات الأديان الأخرى].
والمدرسة أنشئت قبل أربع سنوات، وتسمى: المدرسة الإسلامية الابتدائية (ISLAMIC PRIMARY SCHOOL) والرسوم المقررة على التلميذ في السنة الواحدة 880 جنيهاً إسترلينياً، ولكن الذين يدفعون هذه الرسوم قليلون، والوقف هو الذي يتولى أكثر المصاريف.
ولحقيقة أن مظهر الطلبة والطالبات في لباسهم وفي أدبهم، وكذلك المعلومات التي يتلقونها من أساتذتهم، كل ذلك يبشر بالخير وتجعلني آمل أن يكون الأخ يوسف إسلام قد بدأ ببناء قلعة للإسلام في أوروبا، ليس البناء المادي فقد سبق بناء مساجد ضخمة في أوروبا وفي لندن بالذات، ولكن بناء شباب مسلم يفقه دين الله ويربى عليه من صغره، أسأل الله أن يبارك في جهوده ويرينا ثمرتها في القريب العاجل، وأن يوفق القادرين من المسلمين حكاماً أو أغنياء، أن يقوموا بواجبهم في إعانة هذه المدرسة وأشباهها لأن نفعها محقق بإذن الله، وهي أولى بالعناية من بناء مساجد مهجورة، إلا في بعض المناسبات.
مجلس إدارة المدرسة:
1 ـ يوسف إسلام . 2 ـ جميل شريف.
3 ـ منير ميري. 4 ـ عبد العزيز أحمد.
5 ـ سيد حبشي. 6 ـ شريف شهيم.
7 ـ مسرات أحمد. 8 ـ سمير العطار.
9 ـ يوسف جمعة. 10 ـ عبد الناصر مرهون.
وكل الأمور المتعلقة بشؤون المدرسة تتم بإقرار إدارة المدرسة طبقاً للشريعة الإسلامية.
ومنهج المدرسة قسمان: مواد إسلامية: تحفيظ القرآن، والأدب والعبادات، والسيرة النبوية. والمواد الأخرى النظامية: اللغة الإنجليزية، الرياضيات، والفنون والمهارات، واللغة العربية، والدراسات الاجتماعية والجغرافيا، التربية الرياضية، وتتبع طريقة التدريس التي تسير عليها المدارس الحديثة.
وتوجد تعليمات لأولياء الأمور في نشرة خاصة بالمدرسة، تحثهم على العناية بالآداب الإسلامية في زي أبنائهم وبناتهم، ولكن البنات لهن زي خاص أعدته المدرسة للبنات.
هذا وقد سجل الأخ يوسف إسلام أناشيد بصوته، على شريط كاسيت يعلم الأطفال فيه مبادئ الإسلام وأركانه، وهو منتشر في كثير من المراكز الإسلامية في أوروبا، حتى إن أحد المستشرقين قابلته في مدينة ستوكهولم في مقر الرابطة الإسلامية سمع الشريط في مكتبة الرابطة وتأثر به كثيراً وكان يهتز لمقاطعه وكلماته. [وقد مضى ذكر ما جرى بيني وبين هذا المستشرق في مكانه].
ثم مررنا بمكتب الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ووجدنا فيه بعض القائمين بأعماله، ومديره غائب.
وممن وجدنا الأخ راشد أيوب الإصلاحي الذي تخرج في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، عندما كنت عميداً لتلك الكلية وهو من الهند.
وذكر الأخ راشد أنهم يبعثون نشرات تتعلق بالبشارات بالرسول صلى الله عليه وسلم في العهد القديم والعهد الحديث، وفيما يتعلق بالمسيح في القرآن وكتب اليهود والنصارى، دارسة مقارنة إلى عناوين الناس وغيرهم، كما يبعثون بطاقة لكل من يريد الاستفسار عن شئ من أمور الإسلام، يملأ البطاقة باسمه وعنوانه حتى يردوا على استفساراته.
ويحاولون توزيع بعض الكتب والنشرات على الناس، في محطات القطارات، ويرمون بعضها في المنازل.
وقد وافق سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، على تزويد المكتب بألفي جنيه، لاستئجار قاعات لإلقاء محاضرات وإقامة ندوات، لنشر الدعوة بين غير المسلمين، فيما يتعلق بالعقيدة في المسيح والحلول الإسلامية لمشكلات الغرب.
وللأخ راشد صلة مباشرة ببعض الأساقفة في الكنائس، ويسمع منهم ويناقشهم ويعطيهم كتباً تشرح معاني الإسلام الشاملة، وتثبت من كتبهم أن عيسى عليه السلام ليس بإله.
وذكر الأخ راشد أن بعض الفتيات البريطانيات أسلمن قبل أشهر، بسبب ما عرفن من الإسلام من وقاية من بعض الأمراض المنتشرة، بسبب الممارسات غير المشروعة، وأن الإسلام يمنع تلك الممارسات، ولا حق للرجل أن يتصل بغير زوجته..
حوار مع أخوين مسلمين: أحدهما أمريكي، والثاني بريطاني:
1 ـ الأخ عمر عبد الرحمن جونستون.

في الساعة الثامنة مساء جاءني الأخ عبد الخالق مظفر حسين الذي رافقني في زيارة المدن البريطانية في الشمال، ومعه الشابان المذكوران من أجل الاجتماع بهما وتوجيههما والإجابة عما عندهما من أسئلة، وكنت نازلا في فندق هوليداي إن.
الأخ عبد الرحمن جونستون من أمريكا الشمالية، من مدينة دالاس في ولاية تكساس.

ولد الأخ عمر سنة 1956م في ولاية واشنطن، وهي في الشمال الغربي للولايات المتحدة الأمريكية، قرب الحدود الكندية، وهي غير واشنطن العاصمة.
تخصصه في اللغات، يجيد ـ غير اللغة الإنجليزية ـ اللغة الفرنسية، واللغة العربية، واللغة الإيطالية، ويدرس اللغة البنغالية.
وقد قضي عشر سنوات في لندن، أكمل دراسته هذه السنة في لندن، وسيبدأ دراسة المناهج والتربية وكيفية تعليم اللغات في أكسفورد (دبلوم)، من أجل تدريس اللغات في المدارس الثانوية.
كان دينه قبل الإسلام النصرانية (بروتستانتية).
سمع عن الإسلام عندما كان صغيراً في الكنيسة، وعمره عشر سنوات، والذي سمعه في ذلك الوقت كان من مقارنة القسيس بين الأديان أن المسلمين يعبدون الله، وهو واحد، وعندهم نبي اسمه محمد ويقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وقال الأخ عمر: أنا كنت أعرف من أهلي أن الله واحد، وعندما سمعت لا اله إلا الله تعجبت من ذلك، لأني لم أكن أعرف تعدد الآلهة عند غير المسلمين. [عدم هذه المعرفة إنما هو لقلة اطلاعه، وإلا فغالب النصارى المدعين للتدين، يقولون بالتثليث وربما يقصد بعض فرق النصارى].
وقرأ في المدرسة قليلاً عن الإسلام، وكذلك بقية الأديان. وعندما درس اللغة العربية عرف الإسلام، وعرف أنه لولا الإسلام لما بقيت اللغة العربية.
وذهب إلى مصر وسكن مع بعض المصريين المسلمين، ورأى تربيتهم وكيف يعيشون ويصلون، وبدأ يدرس القرآن وشيئاً من مبادئ الإسلام.
وبدأ من جديد يدرس الإنجيل ويحضر الصلاة في الكنيسة بالإسكندرية، وكان قد انقطع عن الكنيسة ثلاث عشرة سنة، وعندما قرأ الإنجيل لم يجد فيه شيئاً يجذبه، والكنيسة تعتبر كأنها ناد، وزار القسيس في بيته في الإسكندرية،و قال له: الحمد لله لا يوجد هنا عندنا مسلمون يمكنك أن تشرب الخمر وتأكل الخنزير، فتعجب من ذلك..!
ودخل الأخ عمر في الإسلام دون أن يشهر ذلك.
وبعد ستة أسابيع بدأ يحضر المسجد.
وقال: إن الذي جذبه إلى الإسلام التوحيد ووضوحه، وكان يدرس القرآن باللغة العربية، وعرف من قراءته أن هذا القرآن ليس من كلام البشر، وكان يحفظ منه بعض الآيات كسورة الفاتحة والفلق.
وقال: إنه لم يكن يعرف مصيره، ولا يعرف له هدفاً قبل الإسلام، وكان يشعر أنه في حاجة إلى معرفة الله الذي يؤمن به معرفة صحيحة، تقبلها فطرته ويريد أن يعرف دينه معرفة واضحة سهلة، وكان له أصدقاء غير صالحين، ولم يكن يشعر بالطمأنينة.
أما بعد الإسلام فإنه يشعر بسعادة وطمأنينة، وأحس أن كل شئ تغير في حياته، وأصبح له أصحاب صالحون ملتزمون بالإسلام، قابلهم في المسجد في مصر.
وهو الآن يقرأ باللغة العربية، وقد أعد بحثاً في موضوع الاقتصاد في البيوع والزكاة وتحريم الربا، ومراجعة بعض كتب التفاسير والحديث وبعض كتب الفقه.
وكان يحضر حلقات في مركز يسمى: المنتدى الإسلامي، ولكن هذا المركز ابتعد مقره عن منزله، فلم يتابع حضور حلقاته.
ويرغب أن يجد بعض المسلمين الذين عندهم علم ليدرس معهم الإسلام.
1 ـ الأخ محمد عبد الله روبرت.
وهو بريطاني من مقاطعة اسكتلندا:

ولد سنة 1965م في اسكتلندا.
ودينه في الأصل النصرانية (بروتستانتي).
سمع عن الإسلام وعمره سبع سنوات، ذهب إلى مدينة قريبة من مدينته، وسكن فيها سبع سنوات، وكان فيها مسلمون كثيرون من عدة بلدان: باكستان والعراق وإيران...
واختلط في المدرسة بكثير من الطلبة المسلمين، وسكن في منطقة يسكن فيها مسلمون باكستانيون، ورأى في تصرفاتهم شيئاً لم يكن يراه في غير المسلمين، وكان عمره أحد عشر سنة.
وقرأ كتاب ألف ليلة وليلة، ورأى فيه ما هو خيالي ليس مطبقاً في الحياة.
وكان يؤمن أن الله واحد، وقرأ الإنجيل، فلم ير فيه ما يقنعه، أما التوراة فكان فيها شئ مقبول أحسن من الإنجيل.
وفي عيد الميلاد رأى قصصاً وأساطير، وكان يرى أمامه تصرفات ظالمة تخالف ما يسمع من الدعوة إلى الرحمة واحترام الحقوق.
ودرس في التاريخ منزلة الدولة الرومانية، والدولة العثمانية والدولة اليونانية.
وعندما كان عمره أربع عشرة سنة عاد إلى اسكتلندا وليس في البلدة مسلمون.
وعندما كان عمره سبع عشرة سنة كانت حياته سيئة جداً، حتى تناول الحشيش والأفيون بكثرة، وقرأ من كل دين شيئاً، ولم يكن يعرف الحلال والحرام، ولكنه كان يظن أن بعض الأشياء طيبة وبعض الأشياء ليست طيبة (يعني كان يتمنى أن يجد من يبين له ما هو نافع وما هو ضار).
وكان عنده كتاب في السحر، وفيه فصل يتحدث عن الإسلام، وذكر في هذا الفصل: أشهد أن لا إله إلا الله والله أكبر، وصاحب الكتاب إنجليزي، وكان يتعامل مع الجن وهو مشهور بالسحر في الغرب، وقع هذا المؤلف يوماً في خطر وهو يتعامل مع الجن، فقال: "أشهد أن لا اله إلا الله والله أكبر" وذهب عنه الخطر، ولكنه لم يسلم، وكان حفظ هذه الكلمة من بعض المسلمين الصوفيين ومات سنة 1958م، وقد ألف كثيراً من كتب السحر.
قال الأخ محمد: هذا الكتاب الوسخ كانت فيه هذه الكلمة "لا إله إلا الله والله أكبر" وهي كلمة نظيفة طاهرة تتلألأ أمامي نوراً في هذا الكتاب، والمؤلف نفسه يقول في هذا الكتاب: اشرب الأفيون، فإنك إذا استعملته تعرف الحقائق والأديان، ولا تعرف ذلك بدونه!
وعرف الأخ محمد عبد الله أن هذا الرجل الساحر لا خير فيه لأنه ـ أي الأخ محمد ـ استعمل المخدرات وخف وزنه وصار متعباً جداً، وبعد ذلك ترك الأفيون. [تأمل كيف وجد كلمة التوحيد في كتاب السحر الذي عبر عنه أنه وسخ، وأن هذه الكلمة كانت تلألأ نوراً، وأثرت فيه، إنه يجب على المسلمين أن يوصلوا هذه الكلمة على حقيقتها إلى كل البشر بكل وسيلة ممكنة].
وعندما قرأ هذه الكلمة "لا اله إلا الله والله أكبر" اشتاق إلى أن يعرف مصدرها، وسأل فعرف أن مصدرها هو القرآن، وبدأ يخفف من تناول الحشيش، إذ كان يأخذ (30جراماً) في الأسبوع، وعزم على ترك الحرام.
ثم عمل بيده ليأخذ رزقه حلالاً ويقوى جسمه.
وقرأ الحروف العربية، وتكلم مع بعض المسلمين في تلك المدينة، وطلب منهم أن يدلوه على المسجد، وكان يريد القرآن ويجد ما يشرح له الإسلام.
والمسلمون الذين اجتمع بهم لم يكونوا يصلون، وكانوا يبيعون الحرام، وكانوا يتعجبون منه لماذا يسأل عن المسجد ونحن لا نصلي ولا نلتزم بالإسلام؟ ولم يدلوه على المسجد.
وبدأ يكتب لا اله إلا الله، وكان يكره البقاء في هذه المدينة، بسبب ما يرى من السوء، وبخاصة عرض زملائه الحشيش عليه.
فذهب إلى مناطق جبلية، ليعمل هناك، ويبتعد عن زملائه، ويحصل على الهدوء، فكان يقطع الحجار ويحملها ويصطاد السمك من البحر، واستقر في الجبال، وكان يشرب الخمر ثم تركها، لأنه أحس بضررها وأنها لا خير فيها.
وقرأ أشياء عن الإسلام وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يعرف شيئاً عن حياة المسلمين، وقرأ كتاباً ألف قبل أكثر من مائة سنة، وهو يتحدث عن مراكش والمراكز العلمية بها، ويسمى هذا الكتاب: المحمدية.
بعد ذلك عزم أن يزور بعض البلدان الإسلامية، ليعرف حياة المسلمين وتصرفاتهم، وكان إذا نام يتخيل في نومه مراكش ويرى فيها أشياء طيبة، وكان في حاجة إلى مال للسفر، ولم يتمكن من شراء تذكرة ليسافر إلى مراكش.
وبعد عيد الميلاد ذهب إلى أمستردام، وقابل بعض المصريين وعلموه سورة الفاتحة وسورة الإخلاص، وعلموه الوضوء وأخبروه أن الحشيش حرام في الإسلام، ولم يكن مسلماً حقيقة، وإنما نطق شهادة: "لا إله إلا الله" عند بعض المصريين في دكان، فقال له: أنت مسلم واسمك محمد عبد الله، وأعطاه مصحفاً صغيراً.
ثم رجع إلى مدينة غلاسغو، وذهب إلى المسجد المركزي فيها سنة 1986م وطلب منهم أن يعلموه، فقالوا له: يمكن أن تنام في المسجد وأعطوه كتاباً للمطالعة، وطلبوا منه أن يصلي معهم جماعة.
ثم سافر إلى مراكش في هذه السنة 1987م.
وفي الطريق قرأ كتاباً عن الصلاة والتوحيد، وصلى في المسجد في مدينة أغادير، وقابله شاب ملتح، وقال له: من أين؟ وبعد أن تعرف عليه اهتم به واستضافه وتحدث معه كثيراً عن الإسلام.
وقال له: اسكن معي أخاً لي ولا تذهب إلى الفندق، فسكن معه وعلمه الإسلام باللغة الفرنسية، ورأى في مدينة أغادير كل شئ جديداً ورأى إخوة صالحين، ورأى آخرين يشربون الخمر كالغربيين.
وقال للإخوة: أريد أن أذهب إلى مراكش، فذهب ووجد بها مساجد كثيرة جداً، منها الكبير ومنها الصغير، وقابل كثيراً من المسلمين الطيبين.
فتنة فتاوى جهلة المسلمين!
ودخل أكبر مسجد في مراكش، فرآه المؤذن يلبس بنطلوناً ضيقاً فطرده من المسجد، فقال له: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله! فقال له: أين الصك الذي يثبت أنك مسلم، فأجابه بقوله: أين وجدت في القرآن أن الذي يدخل في الإسلام لا بد أن يحمل صكاً يثبت إسلامه؟!
وقال له صديق له: اذهب إلى المحكمة وأعلن إسلامك وخذ صكاً، فذهب إلى الحاكم ونطق بالشهادة، وعلمه الحاكم بعض مبادئ الإسلام وأعطاه شهادة بذلك، وكان قبل أن يأخذ هذه الشهادة يصلي في الفندق بسبب منع المؤذن له من دخول المسجد، وأخبر أصدقاءه أنه يعرف أركان الإسلام الخمسة، وعندما أخذ الصك وبدأ يصلي في المسجد انتهت إقامته فرجع إلى بريطانيا.
والتقى جماعة التبليغ وعلموه أشياء طيبة، وأمروه بالخروج معهم وقابل الأخ عمر في المركز الثقافي الإسلامي في لندن، وأصبح صديقاً له، وتنهد الأخ محمد وقال: الحمد لله هذه نهاية قصة طويلة.
والأخ عمر لم يشجع الأخ محمد على السير مع جماعة التبليغ، فسألته عن السبب وما الذي ينتقده على جماعة التبليغ؟
فأجاب الأخ عمر: إنهم يقولون: نخرج في سبيل الله، ولكنهم لا يخرجون من المساجد، ويظنون أن الخروج في سبيل الله هو التنقل في المساجد فقط.
وقال الأخ عمر: إن الجماعات الإسلامية في بريطانيا تابعة لأوطانهم، كل جماعة على حدة، وهم يعملون لأنفسهم قوميات، ولا توجد جماعة تهتم بالمسلمين عامة، وهم يأتون إلى بريطانيا بسبب ظروف سياسية واقتصادية أو دراسية.
وينتقد الأخ عمر هذا التفرق والانزواء بين الجماعات الإسلامية، وعدم اجتماعهم في نشاطاتهم، وقال: إنهم في المؤتمرات تجد كل جماعة تتكتل فيما بينها، والمحاضرات التي تلقى باللغات المختلفة، وكل جماعة تلقى عليهم المحاضرة بلغتهم.
ويجعلون للبريطانيين محاضراً مستقلاً، والمفروض أن تكون المحاضرات والندوات كلها باللغة الإنجليزية، لأنهم كلهم يعرفونها. [لا شك أن ما يشكو منه الأخ عمر موجود في الجملة، لكن الكلام في المؤتمرات باللغة الإنجليزية فقط فيه صعوبة لعدة أمور: فقد يأتي إلى المؤتمر محاضر لا يجيد الإنجليزية ويجيد اللغة العربية أو الأردية أو الإندونيسية وفي المؤتمر عدد من الذين لا يفهمون هذه اللغة فتكون فائدتهم في تلك اللغة، وقد يكون بعض الحاضرين لا يجيدون فهم اللغة الإنجليزية فيحتاجون إلى من يتحدث بلغتهم، كما أن الإنجليز لا يفهمون في الغالب إلا لغتهم فيحتاجون إلى متحدث بلغتهم ولكن يبقى عليهم أن يندمجوا فيما بينهم ويختلطوا بأهل البلد في غير هذه الحالات].
والشيء الطيب أن الشباب المسلم الذين ولدوا في بريطانيا من أبناء الجاليات، لا يهتمون بالتحزب وسوف يكون مستقبل الإسلام لهم في بريطانيا.
وتصرفات الجاليات الإسلامية عبارة عن عادات وتقاليد جاءوا بها من بلادهم، ولكن الجيل الجديد بدأ يعرف أن تلك التقاليد ليست من الإسلام، وليسوا مرتاحين لها ويتطلعون إلى معرفة الإسلام الصحيح.
كما أن تلك العادات والتقاليد لا تستطيع الوقوف أمام الحضارة الغربية، بل ستذهب وتزول، وإنما الذي يقف أمام الحضارة الغربية هو الإسلام الصحيح، فستذهب العادات وأهلها ويبقى الإسلام وأهله، وهم الجيل الجديد.
المسلمون إذا لم يأخذوا مكانتهم المركزية في هذا البلد، لا يكون لهم شأن، كما هو شأنهم الآن، ولكن أبناء الجاليات الإسلامية هم الذين يستطيعون أن يحتلوا هذه المكانة، والأمل معقود عليهم ـ بعد الله ـ ويجب الاهتمام بهم كثيراً وهم كثيرون.
وهذا من أهم أسباب تعلم الأخ عمر ـ كما قال ـ اللغة البنغالية ليحاول تعليم البنغاليين الذين يكثرون في منطقة سكنه.
وسألت الأخوين: عمر ومحمد ما صفات الداعية المؤثر في أهل الغرب؟
فقال الأخ محمد:
1 ـ إتقان اللغة إتقاناً تاماً.
2 ـ معرفة الثقافة والحضارة في البلد.
3 ـ عدم ارتداء الزي الغريب عن أهل البلد.
4 ـ أن لا تظهر بينهم بمظهر الغريب عنهم فيما لا يمنعك دينك عنه.
وقال الأخ عمر: أول ما يحتاج إليه الداعية في الغرب (وفي غير الغرب أيضاً): الحكمة كيف يخاطب الغربيين، لأن العقلية الغربية غير مهيأة للحديث عن الدين، لأن أفكارهم مناقضة للدين، فلا يريد كثير منهم الحديث عن الدين لنفورهم منه، وبعضهم يرى أن الأديان لا فرق بينها، ولا حاجة إلى التزام دين معين، فعلى الداعية أن يكون قادراً على إقناع الغربي بأنه لا بد من دين، وأن الدين الحق هو الإسلام، فيصحح أولاً مفاهيم عن الدين من حيث هو، ثم بعد ذلك يوضح أن الإسلام هو الدين الحق.
وقال الأخ محمد: الدين عند النصارى مثل السحر فيه طقوس ميتة لا علاقة لها بالحياة، فإن تبين لهم أن الدين له علاقة بالحياة وفهموا ذلك، فإنهم يستفيدون.
والنصراني يذهب إلى القديس ويعطيه نقوداً ليحصل على الغفران، والحقيقة أنه يبعد عن الله ويتقرب إلى الناس.
وقال الأخ عمر: ويجب أن يكون الداعية صبوراً، ويكون قدوة حسنة، وأن يعرف أدب المناظرة، وكيف يتكلم الإنجليز، وكيف يفهمون ويعطون الفرصة لما يريدون إبداءه من آراء.
وقال الأخ محمد: وأن يكون صادقاً يحترق قلبه احتراقاً لدعوته، (يعني قوي العاطفة) أما الكلام الجاف فلا ينفع، وأن يكون ذكياً يعرف ماذا يدور في أذهان المخاطبين.
المخلصون من مسلمي الغرب مصدر تبصير لدعاة الإسلام:
إن الدعاة إلى الله في حاجة ماسة أن يختلطوا بالمسلمين من أهل البلدان الأوروبية والغرب بصفة عامة، ويأخذوا منهم آراءهم وأفكارهم قبل الإسلام وبعده، وذكر الإيجابيات والسلبيات التي يرونها في المسلمين، سواء أكانوا مقيمين في الغرب أم يأتون زواراً أو طلاباً، والأساليب التي يرونها نافعة، والأخرى التي يرونها غير نافعة، والموضوعات التي يحتاج الدعاة إلى الله أن يعرفوها معرفة جيدة أو يهتموا بها، لأن الغربيين يحتاجون إلى طرقها ومناقشتها، ولأن هؤلاء المسلمين من أهل البلد أعرف بكل ذلك وكثير منهم ناصحون، وإذا طلب منهم ذلك لا يترددون في الإدلاء به، وهذا ينفع الدعاة إلى الله أو المؤلفين الذين يريدون أن يكتبوا كتباً موجهة لغير المسلمين، كما أن المسلمين المهتمين بدعوة غير المسلمين في الغرب، أعني المقيمين هناك، مثل جماعات المراكز الإسلامية، يعرفون ماذا يريد منهم المسلمون من أهل البلد، أو ماذا ينفع في دعوة غير المسلمين، وفي ذلك كله ما يحقق النجاح للدعوة الإسلامية.
فالمسلمون الغربيون الناصحون، وأهل المراكز الإسلامية الصالحون في الغرب مصدر تبصير لمن يريد أن يقوم بالدعوة إلى الله في الغرب.
لقاء سريع مع بعض أعضاء جماعة أهل الحديث:
كنا مررنا أنا والأخ صهيب، بمكتب رابطة العالم الإسلامي في لندن بعد ظهر هذا اليوم فوجدنا عدداً من أعضاء جماعة أهل الحديث مجتمعين هناك، ومن بينهم أمير الجماعة في مدينة برمنجهام: فضل كريم عاصم والأمين العام للجماعة محمود أحمد ميربوري، وهو من الذين تخرجوا في الجامعة الإسلامية من المدينة المنورة، والشيخ ساجد مير الذي جاء من باكستان زائراً، وقد حل محل الشيخ إحسان الهي ظهير الذي اغتيل قبل ثلاثة أشهر تقريباً، ويبدو أنه يقوم في علاقاته العامة في الجماعة في داخل باكستان وخارجها مقام الفقيد رحمه الله.
وكذلك كان يوجد الأخ محمد مدني وهو أيضاً متخرج من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.
وسألت الجميع السؤال الذي ألقيته على كثير من رجال الدعوة ورؤساء المراكز الإسلامية الذين قابلتهم في أوروبا، وهو: هل تظنون أن الحجة قد قامت على أهل أوروبا وبخاصة بريطانيا بتبليغهم دعوة الإسلام؟
فأجاب الجميع: لا، ما عدا الأخ محموداً فقال: نعم الحجة قامت عليهم، وقد نوقش في ذلك فكان موقفه غير ثابت.
وأكثر المسلمين الذين يقومون بالدعوة في أوربا ممن التقيتهم اعترفوا بأن الدعوة في صفوف غير المسلمين ضعيفة جداً بل إن بعضهم يرى أنه لا ينبغي أن يشغل الدعاة أنفسهم بدعوة غير المسلمين ما دام المسلمون في الغرب في حاجة إلى الإصلاح، وسيجد القارئ هذا وغيره في مواضع متعددة من هذا الكتاب وغيره من السلسلة.
كما أن كل من وجدتهم من الدعاة والمسؤولين عن المراكز الإسلامية في أوروبا يرون أن الحجة لم تقم على غير المسلمين بالبيان الذي أمر الله به، ما عدا أفراداً قلائل قد تكون الحجة قامت عليهم ببحثهم هم أو حضورهم إلى المسلمين في الغالب.
ولا أذكر في جولتي هذه من قال: إن الحجة قامت على غير المسلمين إلا اثنين: أحدهما الدكتور حسن أبو العلا مستشار البنك الإسلامي في كوبنهاجن بالدنمارك، والثاني محمود أحمد مير بوري هذا.
ولا أقصد من هذا صدور حكم مني في هذا الشأن وإنما هو ذكر للواقع فقط.
الذهاب إلى الجامع الكبير:
الجمعة:18 /1/1408هـ.

ذهبنا إلى الجامع الكبير في لندن، ويسمى: المركز الإسلامي، لصلاة الجمعة.
وبدأ الإمام خطبته في الساعة الواحدة والربع، وكانت الخطبة تدور حول بعض معاني الهجرة النبوية، ومن ذلك الأخوة الإسلامية التي ربطها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، ومنها إيجاد سوق خاصة بالمسلمين في المدينة، وعدم الركون إلى سوق اليهود، حتى يتمكن المسلمون من التعامل المشروع ويستفيد بعضهم من بعض، بدلاً من استغلال اليهود لهم.
ثم دعا الخطيب الحاضرين إلى اتخاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة، في أعمالهم وتصرفاتهم، وأن ينبذوا الخلاف والفرقة فيما بينهم، ويتركوا العصبيات المقيتة التي انتقلوا بها معهم في هذا البلد من بلدانهم.
قلت: هذه دعوة طيبة يجب التأكيد عليها، ولكن الخطب وحدها ليست قادرة على تحقيقها، فالمسلمون في حاجة إلى قادة مخلصين يقودونهم إلى هذه الغاية، لا يعملون لتحقيق غايات شخصية ولا حزبية، وإنما لتحقيق رضا الله، ويجب أن يكون هؤلاء القادة على وعي كبير وثقافة واسعة وفقه عميق للإسلام ومقاصده.
أما أن يجتهد الوعاظ ـ واجتهادهم لا بد منه ـ ويدعوا وينصحوا المسلمين، وقادتهم الذين يحركونهم ضد كل دعوة تجمع شمل المسلمين، فإن تلك الخطب والمواعظ تذهب أدراج الرياح، وإن أثرت في نفوس بعض السامعين ممن لا تأثير لهم في جماهير الجماعات الإسلامية.
وكان عدد المصلين كثيراً جداً، بحيث امتلأت قاعات المسجد وساحاته وملاحقه.
وهذه الأعداد التي تزدحم في هذا الجامع وغيره من الجوامع الكبيرة والمساجد المنتشرة في لندن وغيرها من مدن بريطانيا وبعض أوروبا، لو أنها تطبق الإسلام في مواقعها: الأسرة في منزلها، فيراها الجيران من غير المسلمين، والطالب والأستاذ في الجامعة، ليراهما زملاؤهما من غير المسلمين والطبيب والممرض في المستشفى، والعامل في المصنع والموظف في المكتب، والتاجر في الدكان، فيرى غير المسلمين في أولئك جميعاً قدوة حسنة في سلوكهم، لو أن ذلك يحصل لكان للإسلام شأن آخر، كما كان له ذلك الشأن في إندونيسيا وماليزيا والهند وإفريقيا وغيرها، عندما كان تجار المسلمين يبدون للناس معاني الإسلام في سلوكهم.
جولة في السوق:
السبت: 19/1/1408هـ.
في هذا اليوم تجولنا في السوق لشراء بعض الأشياء، وكان معي الإخوة محمد أشرف حياة وشاهان حسين، والأخ عبد الخالق مظفر حسين والأخ شريف أحمد حافظ، كما مررنا ببعض أطراف حديقة هايد بارك وجسر ووترلو وبيت الملكة.
ومررنا بمقر الجمعية الإسلامية في شمال نيوهام بلندن، وهذه الجمعية (NEWHAM NORTH ISLAMIC ASSOIATION) يرأسها الأخ شاهان حسين، وقد أنشئ مسجدها ـ لم ينشأ بناءً ـ وإنما اشْتُرِيَ وعدل فيه بعض التعديلات، سنة 1974م.
وعدد المستفيدين من هذه الجمعية ألفان من المسلمين، وعدد الأولاد الذين يدرسون فيها أكثر من مائة وثمانين يوزعون على خمسة فصول وعندهم ثلاثة مدرسين، ومدرستان.
وهم في حاجة إلى مدرس ـ يجيد اللغة الإنجليزية والأردية.
والمسجد بناء قديم فيه بعض المرافق والفصول الدراسية للبنين والبنات كل على حدة ويخشى على هذا المبنى من السقوط.
وقد صلينا فيه الظهر.
واستضافنا الأخ شاهان لتناول طعام الغداء في منزله.


اتصال من داعية:
الأحد: 20/1/1408هـ.
اتصل بي صباح هذا اليوم بالهاتف أحد المسلمين المهتمين بالدعوة من مدينة صغيرة في جنوب لندن تسمى: إيست بورن (EAST BOURNE) وهي مدينة ساحلية، وقال: إن عدد المسلمين الذين يحضرون لصلاة الجمعة أكثر من خمسة عشر، ولكن عددهم أكثر بكثير من ذلك في المدينة ولهم أولاد في المدارس، وليس لهم مقر يعلمون فيه أولادهم اللغة العربية ومبادئ الإسلام، ويستأجرون غرفة في مبنى تابع لمستشفى لتدريس أولادهم.
وقد استأجر أحد الباكستانيين مبنى له فيه مطعم وخصص غرفة للدراسة والصلاة، ولكن صاحب المبنى المؤجر، وهو يهودي، عندما علم بذلك أصر على طرد الباكستاني من المبنى ما لم يمنع المسلمين من صلاة الجمعة فيه وتعليم أولادهم.
وهم يرغبون أن يساعدهم بعض المحسنين بخمسين ألف جنيه إسترليني لشراء بيت يخصص للصلاة وتعليم الأولاد.
ويوجد كثير من العرب السائحين في هذه المنطقة في الصيف.
ووعدت الأخ المذكور أني سأنقل هذا الطلب إلى الجهة المختصة وأخبرته أن الجامعة الإسلامية ليس عندها إمكانات مادية تساعد بها، وإنما يمكنها مساعدة أبناء المسلمين بالمنح الدراسية.
وأنا أسجل هذه الأمور في هذا الكتاب وأمثاله لأمرين:
الأمر الأول: ليعلم المسلمون المشقات التي تواجه من يترك بلاده، ويسكن في بلاد غير إسلامية في المحافظة على دينه ودين أبنائه مشقة مادية، كعدم وجود المقر ومشقة عدم وجود المدرس الذي يقوم بتدريس الأولاد، وغير ذلك، مع ضغط المجتمع غير المسلم وعاداته التي لا ينجو منها أحد إلا ما شاء الله.
الأمر الثاني: أن يطلع القادرون على مساعدة إخوانهم في تلك البلدان بما يقدرون عليه مالاً أو دعاة أو كتباً أو غيرها تحقيقاً لأمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى.
زيارة سوق (حراج) الأفكار!
لم أكن مهتما بحديقة هايد بارك، بحيث أخصص لها زيارة خاصة بها وقد مررت ببعض جوانبها عند الذهاب أو الإياب من مكان إلى آخر عدة مرات، ولكن الإخوة قالوا لي لا ينبغي أن تغادر لندن قبل أن تذهب إلى المكان المخصص للخطباء والدعاة إلى الأديان والمذاهب، وهذا اليوم (الأحد) هو الذي يجتمع فيه الناس ويتناظرون ويتجادلون ويخطبون.

فقلت: لا بأس، لنذهب ولنر بعض عجائب المخلوقات وقد التقيت في هذا اليوم بالأخ عثمان غانم اليمني الذي كنت أعرفه عندما كان طالباً في جامعة الرياض ثم عندما أصبح ملحقاً ثقافياً لليمن في المملكة العربية السعودية، إذ كان يزور الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة للتعرف على أحوال طلاب اليمن فيها، وكان في بريطانيا لأخذ دورة في اللغة الإنجليزية، وكذلك كان معنا الأخ راشد أيوب المنتدب للدعوة في لندن من قبل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد والأخ عبد الخالق مظفر حسين وذهبنا إلى الحديقة، وعندما أقبلنا من بعيد رأيت الناس جماعات جماعات، تقل أو تكثر وعندما وصلنا رأيت العجب العجاب، كل مجموعة يوجد في وسطها شخص عنده سلم صغير، يصعد إلى أعلى درجة فيه، ثم يبدأ يخطب ويدعو إلى مذهب معين أو دين معين، ويرد على دين آخر أو مذهب أو أكثر، والناس يلتفون حوله، منهم من يسمع فقط، ومنهم من يدافع عنه إذا ما أراد أحد أن يعارضه، ومنهم من يناظره ويجادله ويخاصمه وقد يستبان ويتغاضبان، إلا أن يد هذا لا تمتد إلى ذاك، والشرطة واقفون ينظرون ليطبقوا النظام، وهو أنه إذا اعتدى أحد على أحد بالضرب قاده إلى الإدارة الأمنية.
فترى المسلم يشرح للناس الإسلام ويدعوهم إليه ويذكر لهم أنه حق ويقيم الحجج على ذلك ويهاجم النصرانية واليهودية.

وكان من أبرز من يقوم بالدعوة إلى الإسلام رجل أسود يسمى مراد الدين، ذكر لي الإخوة أنه مندوب البلاليين في أمريكا في يده ترجمة معاني القرآن ويشرح للناس بعاطفة جياشة وهو أكثر الخطباء ازدحاماً وقال لي الإخوة إنه قدير على إبراز معاني الإسلام [حسب فهمه] باللغة الإنجليزية كما أنه شديد الهجوم على المسيحية واليهودية، وكان كلما حاول أحد أن يسكته ليرد عليه أو يسأله أسكته، ولكن ينقصه التعمق في الإسلام.
وهناك مسلمون من أهل السنة لهم خطيب يرد على الشيعة وله أنصار يدافعون عنه وأمامه شيعة يجادلونه.
وهناك مسلمون من الشيعة لهم خطيب كذلك.
وهناك مسلمون مختلفون في السياسة، بعضهم يؤيد الشرق وآخر يؤيد الغرب ولكل منهم خطيب وأنصارهم ومعارضوهم.
وهناك عملاء لحكام يخطبون ضد حكام آخرين ولهم مؤيدون ومعارضون..
وهناك عرب قوميون يخطبون ضد اليهود واليهود يعارضونهم وقد تميزوا بقبعاتهم السوداء الصغيرة على رؤوسهم.
وهناك عراقي يخطب ضد إيران وإيرانيون يعارضونه، وإيراني يخطب ضد العراق، وعراقيون يعارضونه، والصياح مشتد والسباب محتدم بينهم.

وترى النصراني واقفاً يدعو إلى نصرانيته، ويهاجم الإسلام واليهودية، واليهودي يدعو إلى مذهبه ويهاجم غيره.
وترى النصراني الكاثوليكي يسب النصراني البروتستانتي والبروتستانتي يسب الكاثوليكي.
وترى مندوب إحدى منظمات الإغاثة يدعو لإغاثة المحتاجين في أفريقيا، وآخر يدعو لإغاثة المحتاجين في الفلبين، وترى أساليب شتى للخطباء، فهذا يتكلم بحماس شديد ويبدو عليه الجد، وذاك يتكلم بهدوء كأنه في بركة من الثلج، وترى آخر مهذاراً يكثر من الكلام الذي يضحك به الناس من النكات وغيرها.
وترى الخطباء منهم من كثر الناس حوله بالمئات، وآخر عنده عشرات، وثالث عنده ثلاثة، وبعضهم لا يوجد لديه إلا واحد فقط، ومن هذا الصنف الأخير رجل عجوز عمره يقارب الثمانين، كان واقفاً على سلمه ويتحدث وليس أمامه إلا امرأة عجوز في سنه تكاد تسقط من الإعياء، ولعلها تطمع أن يخطبها بعد أن يكمل خطبته، لتؤنس به وحدتها.
والناس يطوفون على هؤلاء الخطباء، فيقفون عند هذا فترة قد تطول وقد تقصر، ثم يمرون بآخر فيسمعون منه ما شاء الله وهكذا.

والذي لا يجد من هؤلاء الخطباء من يلتف حوله ليسمع منه، لا يستطيع أن يخطب وحده، فيتتبع الزائرين، فإذا رأى بعضهم من أعداء دينه أو مذهبه أخذ يكيل لهم الشتائم والسباب. [يعرفون ملامح الناس: هذا عربي وهذا هندي، وهذا إفريقي].

وقد كان لنا نصيب من هذا الصنف، فقد كان أحد النصارى حاملاً لافتة كتب فيها اسم طائفته، وهو رجل طويل ملتحٍ فلما رآنا مررنا بجانبه ولم نلتفت إليه جرى وراءنا وقال: أنتم تقولون: إن القرآن يحرم الزنا فأجابه عبد الخالق: نعم: فقال: ولماذا يزني المسلمون؟ وحاول الأخ عبد الخالق أن يتكلم معه، ولكنه نفخ فيه وشرد.
والحديقة واسعة وجميلة وبها مناظر طيبة، فإذا مل الإنسان من الخطباء ذهب في أرجائها يتنزه.
لقد وجدتْ بريطانيا للناس متنفساً يذهب إليه العاقل والمجنون، الغني والفقير، صاحب الحق وصاحب الباطل، الصاحي والسكران، ويتحدث كل منهم بما شاء، يعلم الناس الحق، ويدعوهم إلى الباطل، يسبهم إن كان سفيهاً، ويناظرهم إن كان صاحب جدل وحجة، ليس لأحد في هذا المكان أن يصد أحداً عن الدعوة إلى مذهبه إلا بالكلام، فما دام في الحديقة وفي المكان المأذون فيه، فله أن يقول ما شاء، ولكل واحد أن يعترض عليه بما شاء، إلا أنه ليس لأحد أن يعتدي على آخر بالضرب ونحوه، فإن فعل فالشرطة له بالمرصاد.
إنها حديقة هايد بارك: (سوق عرض الأفكار أو سوق حراج الأفكار). فمن أراد أن يسمع الأفكار العالمية فليذهب إليها.
الاثنين: 21/1/1408هـ.
هذا اليوم لم أخرج فيه من الفندق إلا لتناول طعام الغداء مع الأخ عبد الخالق، وكنت أرتب نفسي للسفر، وأكتب التقرير الذي يجب أن أقدمه إلى رئيس الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، حسب المتبع..
السفر إلى باريس:
الثلاثاء: 22/1/1408هـ.
جاءني الأخ عبد الخالق مظفر حسين جزاه الله خيراً إلى الفندق، ورافقني إلى مطار هيثرو العالمي بلندن، وساعدني حتى انتهت الإجراءات وودعني وعاد مشكوراً.
وقد أقلعت الطائرة البريطانية في الساعة الحادية عشرة إلا عشر دقائق.
وكان الجو صحواً، وعندما ارتفعت الطائرة أخذت أنظر من النافذة، فرأيت جمالاً في طبيعة الأرض: المزارع التي تتناثر بينها القرى في الأرياف، والأرياف في الحقيقة هي التي يمكن للسائح أن يتمتع بجمالها ويرتاح فيها، بخلاف المدن التي يكثر فيها الصخب وتزدحم المباني والناس ووسائل الموصلات، فإن النفس لا ترتاح فيها، هذه طبيعتي أنا، فإني عندما كنت أسافر من مدينة إلى أخرى بالقطار أو بالسيارة، أرى المناظر الجميلة التي كنت أود أن أنزل بها لو كان عندي وقت، كما كنت أرتاح في المدن الصغيرة التي تقل بها الضوضاء.