1 - في مدينة بكين
1 - في مدينة بكين
مظاهر مغرية، ومخابر مؤذية!
كنت طلبت من الأخ مصطفى عن طريق الهاتف من هونغ كونغ أن يحجز لي في فندق من فئة الدرجة الأولى ذات النجوم الخمسة، ويسأل إن كان يوجد تخفيض لبعض البطاقات التي أحملها، وسألته: ماذا صنعت في أمر الفندق؟ قال: يوجد فندق صيني من فئة الدرجة الأولى، ينزل فيه ضيوف السفارة السعودية، وخدماته طيبة، وهو نظيف، وعندما اقتربنا منه، قال: هذا هو الفندق، فما رأيك فيه؟ قلت يبدو أنه فندق ممتاز، وعسى أن يكون المخبر كالمنظر، وهو فندق كثير الأدوار يشبه في طوله بعض الأبراج ويسمى: يو يانغ هوتيل (YANG HOTEL YU) ودخلنا الغرفة، فإذا المنظر أقل بكثير من المخبر، ولكنه مقبول، لأن الفنادق الأخرى كما قال الأخ مصطفى غالية، ولا فرق كبيراً بينها وبين هذا الفندق.
قال الأخ مصطفى: ما رأيك في أن نذهب إلى مطعم خاص بصناعة: البيتزا، تتناول الطعام ثم تعود لتأخذ راحتك؟ قلت: لا بأس، فذهبنا وتناولنا الطعام، وكان لذيذاً وأصنافاً.
وعندما رجعنا قال لي الأخوان: هل نصعد معك؟ قلت: لا حاجة، فذهبا، وأنا صعدت إلى الغرفة، وأدخلت البطاقة في فتحة الباب (المفتاح بطاقة ـ كارد ـ كما هو الحال في كثير من الفنادق الآن ـ فلم يفتح الباب برغم محاولتي المتكررة، فتلفت لأجد عاملاً في الدور الذي أنا فيه فلم أرَ أحداً، وتلفت لأجد هاتفاً لأتصل بموظفي الاستقبال فلم أجد هاتفاً في الممر، فاضطررت إلى النزول بنفسي، وأخبرتهم بأن الباب لم يفتح، فنظروا في البطاقة وأدخلوها في الكمبيوتر، ثم أعادوها إلي وقالوا: الآن يفتح، وعللوا عدم الفتح أولاً بعلة لا أدري ما هي.
فصعدت وحاولت أن أفتح فلم يفتح، واضطررت للرجوع إليهم مرة أخرى، وقطبت وجهي وصرخت فيهم متكلماً بكلمات عربية وأخرى إنجليزية، أفهمتهم فيها أني متعب، وأن الفندق سيئ، فصعد معي أحدهم بمفتاح من حديد، وحاول فتح الباب فلم يفتح، واضطروا إلى خلع يد الباب، وقلت لهم غيروا لي الغرفة، فرطنوا بكلام فهمت منه أنه لا توجد غرفة غير هذه الآن.
ودخلت أريد أن أنام ـ وكنت مرهقاً ـ والباب مردود غير مقفل، وكنت خائفاً من أن يقتحم علي الغرفة من لا يخاف الله ـ بل لا يؤمن به ـ ولا يرحمني! ولكن التعب كان أقوى من الخوف، فوضعت جنبي باسم ربي.
وعندما بدأت السباحة في بحر النوم أفزعني طرق بالباب، فاستعذت بالله وقمت، فقلت: من؟ فرطن لي بالصينية، واضطررت ـ مع خوفي أن أفتح ـ لأن استئذانه يدل على أنه غالباً من الفندق، وإلا لدفع الباب ودخل، فإذا هو نجار يريد إصلاح الباب، وأخذ يطرق، ويخزق، وأنا قاعد مهموم محملق.
واتصلت بالأخ مصطفى أشكو بثي وحزني، واتصل بهم يحثهم على تغيير الغرفة أو السرعة في الإصلاح ليخففوا عني، فوعدوه خيراً وأرهقوني عسراً.
ثم ترك النجار الباب والأدوات وذهب، فأخرجت الأدوات من الغرفة ورددت الباب واضطجعت، فإذا هو يطرق الباب بعد ربع ساعة، ومعه أحد موظفي الاستقبال الذي جاء يستأذن له ويعتذر لي، فأسلمت أمري لله، ولم يفرغ من عمله إلا في الساعة العاشرة ليلاً، وعزمت على أن لا أبقى في هذا الفندق، وأظن أن أجرته أكثر من مائة دولار أمريكي.
هذا بالإضافة إلى عدم نظافة أثاثه، مع أنه كما قال لي الأخ مصطفى جديد لم يفتتح إلا قبل أربع سنوات.
ولعل هذا الوصف ينبئك بالفرق بين المنظر والمخبر في هذا الفندق.
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً!
الاثنين 26/2/1416 هـ ـ 24/7/1995م
في الساعة الثامنة صباحاً جاءني الأخ إبراهيم، لنذهب إلى مكتب هيئة الإغاثة، لنلتقي الأخ مصطفى ونرتب معه جدول الزيارة، وكنت قد عزمت على ترك الفندق والانتقال إلى فندق آخر، وقال الأخ مصطفى إن الفنادق الأخرى، مثل (هيلتون) لا تقل أجرتها عن 180 دولاراً أمريكياً، فقلت للأخ إبراهيم: نمر بفندق هيلتون، وهو قريب منا، قال: ولكن الأخ مصطفى يقول: إنه غال جداً، قلت: نمر به ونسأل، ثم قلت: اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت إذا شئت تجعل الْحَزْن سهلاً.
وعندما سألنا الموظف عن الأجرة قال: هي مائة وثمانون، فراجعناه إلى أن رضي بمائة وخمسين دولاراً أمريكياً.
وكانت عندي بطاقة يخفض بها بعض الفنادق في البلدان الغربية وغيرها، ولم أكن أتوقع أنهم هنا يخفضون بها، فقلت للموظف عندما صعد معنا ليرينا الغرفة: ألا تخفضون بالبطاقة الفلانية؟ قال: إذا كنت تحملها نخفض لك 50% فوراً.
والحمد لله، فقد أبدلني الله بفندق أمس المقلق فندقاً فخماً نظيفاً واسع الغرف جيد الخدمات، يمتاز بالهدوء التام، وكانت أجرته بعد التخفيض: 75 دولاراً فقط في الليلة.
مع مندوب هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية في بكين:
ذهبنا بعد أن تسلمت الغرفة في فندق هيلتون إلى مكتب هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية في بكين، وقابلت المسؤول عنه الأخ مصطفى بن أحمد صالح.

الأخ مصطفى من مواليد سنة 1964م في مدينة جنين ـ فلسطين.
درس الثانوية ومعهد المعلمين في فلسطين، ثم درس العلوم السياسية في جامعة بكين في كلية السياسة الدولية، تخرج سنة 1990م ودرس سنة أخرى إضافية بعد التخرج مباشرة.
السبب في مجيئه إلى الصين أنه كان يبحث عن وسيلة لإكمال دراسته، فحصل على منحة من مكتب التربية والتعليم التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى الصين، وقد رافقه خمسة طلاب.
وعند قدومه بدأ دراسته في معهد اللغات الأجنبية لمدة سنة، ثم تابع الدراسة في الجامعة، وقد واجه صعوبة شديدة في تعلم اللغة الصينية، حتى كاد يترك الدراسة ويعود إلى بلاده بسبب ذلك.
سألته عن معاملة الصينيين؟ فقال: الصينيون يميلون في عاداتهم إلى الشرق، وعندهم لطف في المعاملة، ويتصف كثير منهم بالخبث، ويبدو عليهم كره الأفارقة وغرابتهم لديهم!
وقد مسختهم الشيوعية في العادات والتقاليد، وبخاصة المرأة التي كان يغلب عليها البقاء في المنزل، وكانت مستعبدة ـ أيضاً ـ وبعد الحكم الشيوعي انعكست الأمور وانقلبت الموازين، فأصبحت المرأة هي التي تسيطر، وبخاصة في المدن. وأفق الصينيين بصفة عامة ضيق.
والطلبة العرب لا يتجاوز عددهم 300 طالب، غالبهم على منح دراسية، والحياة المعيشية غالية.. [بالنسبة لعامة الناس في البلد ودخلهم، أما الأجنبي الزائر فقد تكون المعيشة رخيصة له، وكذا ذوو الدخل المرتفع].
وقد حاول الطلاب العرب إيجاد كيان للحفاظ على هويتهم، وبعد جهد جهيد، وبدعم من مصطفى الطحان وأحمد توتونجي أنشئ اتحاد الطلبة المسلمين بصفة غير رسمية، وكان هو ـ أي مصطفى ـ مسؤول الاتحاد، والمسؤول عنه الآن أحد الطلبة اليمنيين.
وفي آخر سنة دراسية للأخ مصطفى جاء إلى بكين وفدُ هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، برئاسة الدكتور فريد قرشي الذي عرض عليه العمل مع الهيئة، فوافق وعمل فترة بصفة غير رسمية، ثم فتح المكتب رسمياً، وفي وجود هذا المكتب فرصة طيبة للمسلمين في الصين.
الصينيون يعتقدون أن المسلم وجد هكذا مسلماً، وأن غير المسلم ليس مهيئاً ليكون مسلماً، ولا هو مطلوب منه الدخول في الإسلام. [والسبب في ذلك فقد البلاغ المبين الذي كلف الله الأمة الإسلامية القيام به في الأرض، وهذا موجود في بلدان أخرى، مثل ماليزيا، إذ يعتقد الصينيون هناك وغيرهم أن الإسلام خاص بالملايويين، وأن من دخل في الإسلام من غيرهم لا بد أن يتقيد بكل عاداتهم في اللباس وغيره].
ترابط الأسر الصينية:
والأسرة الصينية مترابطة بالمقارنة مع الدول الغربية، والأولاد يبقون تحت إشراف آبائهم في البيوت، والبنت التي لم يسبق لها الزواج لا يتم زواجها إلا بموافقة وليها، ولم تصل الأسر إلى التفكك الذي وصل إليه الغرب، وكان الاحتشام قبل الانفتاح هو الغالب، إلى درجة أنها كانت تربط نهودها حتى لا تظهر للناس، وتقص شعرها كما يفعل الرجال، وأول فلم ظهر فيه رجل يُقَبِّل امرأة بعد عهد ماو تسي تونج أغضب الشعب لغرابته.. والجوار عندهم جيد.
والأمية منتشرة في الصين، وبعض الناس لا يزالون يعيشون في الكهوف.
والأخ مصطفى شاب هادئ الطبع، حسن الخلق، ثقافته الإسلامية جيدة، اجتماعي، يحاول نشر المعاني الإسلامية عن طريق المسلمين الصينيين أنفسهم، وبخاصة الشباب الراغب في الدعوة والتعليم، ووسيلة الأخ مصطفى إلى ذلك إيصال المصحف والكتب الإسلامية باللغة العربية أو الإنجليزية أو الصينية، وهذه أكثر فائدة لمسلمي الصين، لأن الغالب منهم لا يجيدون غير لغتهم.
في الأسواق الشعبية:
الثلاثاء 27/2/1416 هـ ـ 25/7/1995م
في صباح هذا اليوم تجولنا في أسواق بكين الشعبية التي تكثر بها المصنوعات الصينية، من أقمشة وملابس شعبية جاهزة، من الصوف والقطن والحرير وغيرها، وكذلك المواعين، والعاب الأطفال... وأسعار السلع المسجلة عليها قابلة للهبوط إلى أكثر من الضعفين لمن يعرف أوضاع هذه الأسواق، أما السائحون، وهم كثر في هذه الأسواق، فإن أرباح السلع التي يشترونها تزيد عن الضعفين.

ومن الأمثلة على ذلك أني رأيت معاطف من جلود الغنم تصلح للوقاية من برد الشتاء، سعر المعطف المسجل عليه (1680 يوان = 168دولار أمريكي، سعر الدولار (10يوان صيني) قلت للأخ إبراهيم: سلهم عن آخر سعر لهذا المعطف، فقال لي: أنت لا تهتم بهم عندما أبايعهم، وأخذ يماكس صاحبة الدكان إلى أن وقف السعر على 600يوان فقط، أي 60 دولاراً بدل 160دولاراً، وقال الأخ إبراهيم: لو ماكستهم وحدك لما باعوك بأقل من 1600يوان! وهذا الأسلوب في الأسواق الشعبية يخالف أسلوب الباعة في الأسواق الكبيرة (الشركات الكبرى) فإن السعر المسجل على السلع لا يخفض إلا بمقدار معين، بشرط أن تُشتَرَى كمية معينة من السلعة، أي كلما كانت الكمية أكثر كان التخفيض بمقدار تلك الكثرة، والسوق المذكور ليس بعيداً من ميدان: (تيان آن من).
ميدان السيطرة على الصين!
كنت أسمع أجهزة الإعلام الغربية تكثر من ذكر هذا الميدان في معرض الأحداث الخطيرة التي تحصل في الصين، من الاستعراضات العسكرية، والاحتفالات القومية، والملصقات الجدرانية، وإعلان الأنظمة الحكومية المتغيرة، والسياسات المتجددة، والحملات الثقافية.
ومن على منصته أعلن ماو تسي تونج جمهورية الصين الشعبية (الشيوعية) وفيه تقام المظاهرات المؤيدة للدولة أو المعارضة لها، وبخاصة المظاهرات الطلابية التي حصلت سنة 1409هـ ـ1989م وكانت من أخطر الصدامات التي حصلت في هذا الميدان، بعد قيام الحكومة الشيوعية.
وقد اشتهر الميدان بحركة طلابية مماثلة، سنة 1919م.
وعندما مررنا اليوم بهذا الميدان ـ الذي يبلغ طوله من الشمال إلى الجنوب: 880 متراً، وعرضه من الشرق إلى الغرب: 500 متر، ويقوم على مساحة تبلغ 50 هكتارا. [راجع كتاب: بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة، ص: 20]. عرفت سبب خطره وأهميته، وعرفت سبب اختيار الطلاب الاعتصام به والمظاهرة فيه، فهو ميدان تحيط به مراكز القرار الحكومية القديمة والحديثة، إذ تقع بوابة السلام المشهورة باسم الميدان نفسه: (بوابة: تيان آن من) في شماله، وهي تنتصب أمام المدخل المؤدي إلى المدينة المحرمة (القصر الإمبراطوري).

وعلى جانبي الميدان شيدت المباني الحكومية: كقاعة الشعب الكبرى التي هي مركز النشاط السياسي، التي تعقد فيها مؤتمرات المجلس الوطني لنواب الشعب، ومقر اللجنة الدائمة لهذا المجلس، ومقر رئيس الجمهورية، ومقر مجلس الدولة (مجلس الوزراء) ومقر اللجنة المركزية العسكرية، ومقر النيابة العامة الشعبية العليا، والمحكمة الشعبية العليا، ومقر جهاز الأمن المركزي (توجد وزارتان تحملان اسم الأمن، وهما: وزارة الأمن العام، ووزارة أمن الدولة).. [موجز أحوال الصين، ص: 115 ـ 117].
ويقف في وسط الميدان النصب التذكاري لأبطال الشعب الذي يبلغ طوله: 37ر4 متراً، وعلى مساحة من الميدان أقيم ضريح ماو تسي تونج الذي لو وزعت الأموال التي أنفقت في بنائه على أهل بكين لوسعتهم.

هذا هو ميدان (تيان آن من) الذي اختار الطلاب الصينيون الاعتصام به والمظاهرة فيه.
إنه ميدان إحكام الطوق والسيطرة على الصين كلها، والذين يعتصمون فيه ويتظاهرون في ساحاته لا بد أن يكونوا شجعاناً، ولا بد أن تكون شجاعتهم ثمرة معاناة ومشقات لم يعودوا يحتملونها، ويرون أن الموت خير من قبول الخنوع لها، وأن صرخة واحدة في هذا الميدان الخطير خير من بث صرخات مستمرة عن طريق قنوات فضائية، لما في تلك الصرخة من دلالة على إرادة كسر الطوق المحكم الذي طال أمده.
ويأتي رد الفعل من قبل أجهزة الميدان مناسباً لخطر الميدان، فتستدعى فرق الجيش من أطراف الدولة، وتهرع قوافل الدبابات والمصفحات، ويُرَش المعتصمون بوابل من نيران السلاح كما يرش الذباب بالمبيدات... . بل تقاد الدبابات على أجسادهم فتسحقهم سحقاً، يا له من ميدان خطير!
المدينة المحرمة:
هي القصر الإمبراطوري المعروف بـ(غوغنغ) عند الصينيين، ومعناه: القصر القديم.

وقد بدئ في إنشائه في سنة (1406م) في عهد أسرة (يونغ) وكان أول الأباطرة المقيمين فيه: الإمبراطور (يونغ) واستمر الأباطرة في تشييده حيث أقام فيه 24 إمبراطوراً خلال: 491 عاماً، وآخر إمبراطور أقام فيه هو(بو يي).
وسمي بالمدينة المحرمة بسبب حظر دخوله على عامة الناس، ولم يؤذن بدخول الجمهور هذا القصر، إلا بعد قيام الجمهورية عام: 1911م.
وصف موجز للمدينة المحرمة:
هي مبان كثيرة بلغت: (9999 بناية) يحيط بها سور ذو فتحات، يبلغ ارتفاعه: عشرة أمتار، ويبلغ طوله من الشرق إلى الغرب: (760 متراً) ومن الشمال إلى الجنوب: (960 متراً). وقد شيد على كل ركن من السور برج مراقبة مكون من ثلاثة طوابق.
وحفر خارجه خندق بطول: 52 متراً.
ويعرف الجزء الأمامي من القصر بـ(البلاط الخارجي) وهو الذي كان يستقبل فيه الإمبراطور كبار موظفيه، ويدير منه حكم البلاد.
ويقع وراء هذا الجزء: البلاط الداخلي، وهو محل معيشة الإمبراطور وحاشيته.
وتقع خلف البلاط الداخلي: الحديقة الإمبراطورية، وهي خاصة بأفراد الأسرة الإمبراطورية، يقضون فيها أوقات متعتهم.
والحقيقة أنه من الصعوبة بمكان وصف السائح لهذا القصر، لكثرة مبانيه وسعتها، وتنوع زخارفها، وكثرة قاعاتها.
ولقد كنا نمشي مشياً سريعاً في ردهات تلك المباني، ولا نقف إلا قليلاً لمشاهدة بعض القاعات، حتى تعبنا، وخرجنا قبل أن نكمل دخول أكثر البنايات التي فتحت أبوابها أمام الزوار!. [راجع: بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة لـ(ليو جيون ون) ترجمة محمد أبو جراد، الطبعة الأولى، صفحة: 28 وما بعدها. دار النشر باللغات الأجنبية. بكين].
عواصم الصين القديمة:
1 ـ اسم بكين القديم (جنغ دو).
2 ـ نانكين في شرق الصين قرب شانغهاي.
3 ـ شيئان عاصمة مقاطعة شانشي في وسط الصين.
زيارة الحاج يحيى لنسون بمنزله:
[وكان شجاعاً في ترحيبه بزيارتي، لأن المراقبة الأمنية شديدة على أمثاله، إذ يُتهمون بالاتصال غير المأذون به بالأجانب، وقد اعتذر كثير من الأساتذة عن الاجتماع بهم، مع أن الاجتماعات التي أعقدها مع المسلمين في العالم كلها عادية].

كانت المقابلة في منزله بعد مغرب هذا اليوم، بمساكن أساتذة المعهد المركزي للقوميات والأديان في بكين. ولد الحاج يحيى في شهر 11 سنة 1930م في مقاطعة يوناَّن. [ذكر مؤلف كتاب: بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة ـ الذي نشرته دار النشر باللغات الأجنبية في بكين ـ أن هذا المعهد أسس لتدريب القادة والاختصاصيين من أبناء الأقليات القومية، وأن مما يهتم به المعهد، إضافة إلى التدريب، البحوث التاريخية، والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، وأنه عندما افتتح كان عدد الطلاب الملتحقين به 200 طالب، وقد بلغ عددهم إلى وقت طبع الكتاب ـ سنة 1988م ـ 2600 طالب، وعدد الأقليات القومية: 56 قومية، وهم من عدا قومية الهان الحاكمة، ص: 181 وما بعدها. وراجع عن القوميات في الصين: كتاب الصين، تأليف: تشين شي، نشر دار النجم الجديد الطبعة الأولى سنة 1992م. والظاهر أن الهدف من إنشاء هذا المعهد تطويع أبناء الأقليات القومية عن طريق التعليم والثقافة لانسجام سياسة تلك القوميات مع سياسة القومية ذات الأغلبية الحاكمة. وتلهية تلك القوميات بمزاولة بعض عاداتها التي لا تمكنها من الاستقلال الفكري والاجتماعي والسياسي، وإقناع أجيال تلك القوميات ـ وبخاصة المسلمين ـ أن عقائدها وطقوسها إنما هي عادات لا منفصلة عن القومية، كما قال الحاج يحيى: (والحكومة تحاول أن تفرق بين القوميات والأديان، فالقومية شيء والدين شيء آخر، ونتج عن ذلك أن بعض المسلمين تركوا دينهم، واكتفوا بالانتساب إلى القومية بالمفهوم الذي أرادته الحكومة...)].
طلبه العلم:
درس قبل خمسين سنة على يد الأستاذ (ماجين) مترجم معاني القرآن الكريم إلى اللغة الصينية، وهو أزهري، وقد تعلم ـ أي ماجين ـ في دار العلوم في القاهرة توفي سنة 1978م وعمره 73 سنة، وكانت دراسته عليه في قرية مشهورة تسمى (شادا نج) ومدة تلك الدراسة ثلاث أو أربع سنوات.
وبعد هزيمة اليابان واصل ـ الحاج يحي ـ دراسته في المدارس الحكومية باللغة الصينية في مدينة كومي نج CUMING في الكلية، وبعد تخرجه كان يرغب في مواصلة دراسته للغة العربية والثقافة الإسلامية في بعض البلدان العربية، ولكنه لم يتمكن لعدم وجود علاقات بين الصين والبلدان العربية آنذاك.
وظائفه وأعماله:
ثم قام بالتدريس في الجامعة، وتخصص في تاريخ قومية (خْوِيْ) أي تاريخ الإسلام، وقام بالتدريس في المعهد الثانوي أكثر من عشر سنوات، أدى فريضة الحج سنة 1985م
وبعد قيام الثورة الماوية، اشترك مع أستاذ مؤرخ يدعى جمال الدين يايسوي في كتابة التاريخ، وهو من أشهر علماء المسلمين في التاريخ، وهو نائب رئيس الجمعية الإسلامية الصينية، وعمره الآن 86 سنة الآن.
وممن ألف في تاريخ المسلمين باللغة العربية والصينية، نور الدين لاتونج، ولكن كتبه لم تطبع لخلاف ديني مع الحكومة. [نعم، لا تأذن الحكومات الظالمة بكتابة حقائق التاريخ، لما في ذلك من مخالفة لنهجها، أو لما تخشاه من فضح سلوكها السياسي مع بعض رعاياها، ولهذا تجد كثيراً من كتب التاريخ يغلب عليها التزييف، أما الكتب التي تتضمن حقائق التاريخ فمصيرها الضياع أو الحفظ في الصناديق أو على الرفوف].
أحوال المسلمين في الصين وموقف الحكومة منهم:
وعدد المسلمين في الصين، حسب الإحصاء الرسمي 18 مليوناً، ولكنه هو يقدر عددهم بـ( 30 مليوناً) والسبب في قلة الرقم الرسمي أن كثيراً من المسلمين لا يقدمون أنفسهم لموظفي الإحصاء بأسمائهم الإسلامية.
ومن القوميات الموجودة في الصين قومية (ماندونج) وكانت تحكم الصين، وآخر إمبراطور كان منها، ويسمى (سانتونج) وانتهى حكمه سنة 1911م.
المسلمون في عهد (ماو) كانوا لا يستطيعون التظاهر بالإسلام خوفاً من بطشه بهم، ولكن الصالحين منهم حافظوا على دينهم سراً، فلما هلك أظهروا دينهم.
وكان عدد المساجد قبل قيام الثورة (الماوية) سنة 1966م ثلاثين ألف مسجد، ولكن كثيراً منها أغلق بعد الثورة، وكان الضباط الشيوعيون يأمرون الشباب التابع لهم بإخراج الأئمة من المساجد، بحجة أنهم يقولون ما لا يفعلون، وقتل بعض الأئمة في المنطقة الشمالية في مقاطعة (لنشا)، وأغلقت كل المساجد، ما عدا قليلاً منها بقي للدعاية والنفاق.
وقد توفي (ماو) سنة 1976م. وفي سنة 1979م بدأ الوضع يتحسن.
والعلماء في الصين قسمان: علماء رسميون، وصلتهم بالحكومة قوية، والقسم الآخر علماء مستقلون، وحريتهم محدودة. [بل هم كذلك في غالب البلدان بما فيها البلدان الإسلامية، ولكن ليس كل عالم موظف في الحكومات، وهو ما يعنى بـ(موظف رسمي) يداهن في الحق، وإن اقتضت الضرورات التقاة أحياناً، فللضرورات أحكامها].
والحكومة تحاول أن تفرق بين القوميات والأديان، فالقومية شيء والدين شيء آخر، ونتج عن ذلك أن بعض المسلمين تركوا دينهم، واكتفوا بالانتساب إلى القومية بالمفهوم الذي أرادته الحكومة، وقد حصل بسبب ذلك خلاف بين العلماء، لأن بعض العلماء يحاولون ربط القومية بالإسلام، بحيث لا ينفصل المسلم عن دينه ويكتفي بالانتساب إلى القومية، ولكن الخلاف ليس بشديد.
والنشاط الإسلامي مقصور على المساجد والمدارس التابعة لها، وبعض الطلاب الصينيين يدرسون الآن في الخارج، ولذلك بدأت نهضة إسلامية جيدة نسبياً.
ومعظم المسلمين يعرفون فروض العين، وبعضهم لا يعرفونها معرفة صحيحة، وأهل القرى أكثر معرفة من أهل المدن الصغيرة، وأهل المدن الصغيرة أكثر معرفة من أهل المدن الكبيرة، وكلما كثر المسلمون في مناطق سكنية متجاورة، كانت معرفتهم للإسلام أكثر وكلما تفرقوا كانت معرفتهم أقل.
وقد حاولت الحكومة أن تحاصر الدين، وبخاصة الإسلام، عن طريق الدستور والقانون، حيث سمحوا بحرية التدين، ولكن منعوا الدعوة إلى الدين، وسمحوا ـ بل دعموا ـ الدعوة إلى الشيوعية.
وأما جمعية المسلمين الصينيين، فكان الهدف من إنشائها هو تضييق معاني الإسلام وتشويهه، وقد كانوا يفتون بجواز تربية الخنزير... ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره، فقد علم المسؤولون في الجمعية أن كثيراً من المسلمين يَعُون حقائق الإسلام، ولا يرضون بتحريفه، لذلك اضطروا إلى أن يحسنوا مواقفهم، فقد فتحوا معهداً للدراسات الإسلامية، وتحولوا عما كانوا يعلنونه في مجلتهم من معان خاطئة، وبدؤوا ينظمون الحج للمسلمين من سنة 1984م.
نسبة الجهال في الصين 30 في المائة.
ونسبة التعليم في المسلمين أكثر من القوميات الأخرى.
أنشئ هذا المعهد في بكين قبل أكثر من 90 سنة. [هذا ما قاله الحاج يحيى، وفي كتاب (بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة ـ إعداد ليو جيون ون، ترجمة: محمد أبو جراد: أن المعهد تأسس في سنة: 1951م، وعلى هذا فإنه لم يمض على المعهد إلا أربعة وأربعون عاماً إلى السنة التي قابلت فيها الحاج يحي، وهي سنة 1995م، فلا أدري السبب في هذا الفرق الكبير، هل حصل خطأ من المترجم لكلام الحاج يحيا، أو أن هناك اعتباراً آخر بين القولين، بحيث يكون المعهد أسس أولاً قبل 90 عاماً ثم توقف، أو أنه أنشئ في الأساس مدرسة، وليس معهداً عالياً، ثم تطور أخيراً إلى معهد عال؟].
نسبة الدارسين المسلمين فيه في الدراسات العليا أكثر من 2%.
وعدد الأساتذة المسلمين فيه ثمانون أستاذاً تقريباً.
وعدد الطلبة المسلمين يقارب 300 طالب، بعض هؤلاء الطلاب لا يعرف شيئاً مطلقاً عن الإسلام، وبعضهم لا يؤمن بالإسلام، ويأكلون في المطاعم الصينية مثل الصينيين غير المسلمين.
وتوجد صلات بين الأساتذة في المعهد وبين بعض الأساتذة في بعض الجامعات العربية.
أما مستقبل الإسلام في الصين لا يعلمه إلا الله، ولكن يبدو أنه سيقع ضغط على المسلمين، كما وقع من قبل، ومع ذلك توجد طائفة من المسلمين تحاول إقامة الإسلام وتقوية المسلمين.
والمسلمون ـ مع قلة عددهم ـ ينتشرون في غالب أجزاء الصين، [الصين: 2375 جزءً، المسلمون يوجدون في 2340 جزْء]. وكانت السلطات تمنع المسلمين من الصوم في الجامعة، وكذلك صلاة الفجر، ولكنهم الآن لا يمنعونهم من ذلك.
إلى سور الصين العظيم:
الأربعاء 28/2/1416هـ ـ 26/7/1995م
في الساعة السابعة صباحاً، أخذنا سيارة أجرة، وذهبنا للاطلاع على ما أمكننا من أجزاء أطول سد وأعجبه في العالم، وهو ما يسمى بسور الصين العظيم، والمسافة من بكين إلى أقرب جزء من السد تزيد على مائة كيلو متر، والاتجاه إلى هذا الجزء نحو الشمال الغربي لبكين، والزمن ساعتان وثلاثون دقيقة تقريباً، في حالة عدم الزحام الشديد.
بلد الدراجات:
لو أن أحداً سمى الصين: (بلد الدراجات) لصحت تسميته لها بذلك، فلا تكاد تجد في مدنها ـ شوارعها العامة والفرعية، والأسواق المركزية والشعبيه، والشركات الكبيرة والصغيرة، والأماكن السياحية والمنتزهات، والإدارات الحكومية، وأماكن العبادات، والطرق الرابطة بين المدن وضواحيها طالت أم قصرت ـ لا تكاد تجد مساحة تخلو من الدراجات بكثرة مدهشة السائرة منها والواقفة، وقد انفردت بشوارع خاصة بها محاذية للشوارع المخصصة للسيارات، مثل خطوط الخدمات الموجودة في بعض البلدان، إلا أنه يحظر على غير سائقي الدراجات استعمالها.
ذكرت هذا بمناسبة ما رأيت في طريقنا اليوم من قوافل الدراجات العادية من نقطة انطلاقنا، من الفندق في وسط بكين إلى مكان السد: يسوقها رجال ونساء صغارٌ وكبار، حتى إنك لترى عجائز من الجنسين يصعب عليك تصور أنهم قادرون على قيادتها، وهم يقودونها لمسافات طويلة، ويبدو أن من أسباب بقائهم على قيد الحياة يتحركون في الأرض هو قيادتهم للدراجات، لأن الذين في سنهم أو أقل في البلدان الأخرى، غالبهم إما في المستشفيات، وإما في دار العجزة، وإما على سررهم بين أسرهم، أو قد سبقوا الجميع إلى عالم البرزخ.. [والبرزخ شامل لكل من وافاه الأجل، سواء أدفن جثمانه كاملا في قبر، أم أحرق ودفن رماده أم ألقي في بحر أو نهر أو بر!].
أما السيارات فلا تجد في الطريق إلا سيارات الأجرة الصغيرة، وسيارات النقل الكبيرة، التي تنقل الأجانب من السائحين، أو عمال الشركات، وكذلك سيارات النقل الصغيرة التي هي عبارة عن دراجات نارية تجهز بصناديق أكبر من حجمها، لنقل المحتاجين إليها من أهل البلد.
حوار مع سائق السيارة يَنْ شُوْ يِيْ (YAN SHOU YI):
نظراً لطول الطريق إلى السور، قلت للأخ إبراهيم: ما رأيك لو حاورنا السائق حول الدين والإلحاد، لنعرف ما عنده ونعرفه بالإسلام؟ قال: هؤلاء لا يقبلون النقاش في أمر الدين، والأولى تركه.
قلت: سله عن مؤهله العلمي؟ فقال: إنه درس إلى أن أتم المرحلة الثانوية، وبدأ كل منهما يرطن لصاحبه بلغتهما، وبعد قليل قال الأخ إبراهيم: إن كنت تريد محاورته فلا أرى بأساً (ولعله اطمأن إليه بعد الحديث معه).
قلت للأخ إبراهيم: هل عندك قدرة على نقل المعاني التي سيكون فيها الحوار؟ قال: إن شاء الله.
قلت: أخبره أني جئت من بلاد العرب، وأني باحث في مقارنة الأديان وأرغب في حوار من أجد، فهل يمكنني أن أسأله بعض الأسئلة؟ قال: نعم.
قلت: هل فكر في الكون، من سماء وشمس وقمر وكواكب ونجوم وسحاب ومطر... وفي الأرض وما فيها من جبال ورمال، وبحار وأنهار وبحيرات، وغابات، وحيوانات، وغيرها، وما في كل ذلك من دقة ونظام عجيبين؟
قال: أنا لم أفكر من قبل، ولكن ما قاله هذا الرجل صحيح، الكون دقيق ومنظم.
قلت: من الذي خلق هذا الكون ووهبه هذه الدقة والإتقان والجمال؟
قال: الطبيعة.
قلت: وما هي الطبيعة؟ قال: كل شيء نراه طبيعة.
قلت: السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما طبيعة؟ قال: نعم.
قلت: بناء على ذلك نستطيع أن نقول: إن هذه الموجودات خلقت نفسها؟ قال: نعم.
قلت: هل يخلق الشيء نفسه؟ قال: نعم.
قلت: ولكن الذي يخلق ويوجِد من العدم، يجب أن تكون له صفات، هي شرط في كونه أهلا للخلق. قال: مثل ماذا؟
قلت: البحر ماء غير عاقل ولا عالم، وكذا النهر، والجبل صخور. . والغابات.. وكلها لا عقل لها ولا علم، والذي لا يعقل ولا يعلم لا يمكن أن يخلق، ثم إن كل شيء من هذه المخلوقات كان معدوماً، والمعدوم لا يقدر على خلق موجود.
قال: بعض أنواع الطبيعة لا تقدر على الخلق، وبعضها تقدر.
قلت: مثل ماذا؟ قال: مثل بوذا، خلق نفسه.
وهنا دار نقاش طويل، كان سببه سوء فهم في الترجمة ـ مع أن الأخ إبراهيم جزاه الله خيراً قد أجاد ترجمة المعاني الأخرى ـ واتضح بعد ذلك أنه يقصد من الخلق: كون بوذا دعا الناس إلى الخير والأخلاق الحسنة.. وطريقته هذه جعلته عَلَما يتبع الناس تعاليمه ويقدمون له القرابين، ولم يقصد أنه أوجد نفسه من العدم.
ثم قلت له: هل أنت من الذين يعبدون بوذا؟
قال: ماذا تقصد بالعبادة؟
قلت: إذا أصابتك مصيبة تدعوه وتستغيث به، وتقدم له القرابين من فواكه وبخور وغيرها.
قال: نفعل شيئاً من ذلك، لكن لا ندري عن العبادة، وأنا أومن بالخرافات. [يعني أنه ليس ملحداً].
قلت: هل تعترف بأن الشيء لا يخلق نفسه؟
قال: هذا يحتاج إلى دراسة حتى أتمكن من الجواب عليه.
قلت: سأضرب لك بعض الأمثلة ليتضح لك الأمر.
قال: تفضل.
قلت: هل يمكن أن تكون نعلك التي تلبسها في قدمك أوجدت نفسها؟
قال: مستحيل.
قلت: لماذا؟
قال: النعلان لا يقدران على إيجاد مصنع ومقوماته.
قلت: والسيارة التي تقودها؟
قال: من باب أولى.
قلت: والطائرة؟
قال: وهذه أشد؟
قلت: من هنا يتبين لك أن الشيء لا يخلق نفسه، وأن الذي يخلق الشيء، لا بد أن يكون أقدم في الوجود من ذلك الشيء، ولا بد أن يكون عنده علم بمادته وقدرة على إيجادها، وعلى تصميمها، حتى تكون متقنة.
قال: هذا صحيح.
قلت: وكذلك الإنسان لا بد أن يكون مخلوقاً لخالق غيره؟
قال: نعم.
قلت: ولو تعدد الخالقون سيختلفون في تدبير هذا الكون.
قال: كيف؟
قلت: أحد الخالقين يريد المطر ينزل في بلاد الصين، والآخر يريده ينزل في بلاد العرب، وأحدهم يريد من الشمس أن تشرق أولاً على أمريكا، والأخر يريدها أن تشرق أولاً على اليابان، وهكذا... فلا بد أن يكون الخالق واحداً.
قال: الظاهر أن هذا أيضاً صحيح.
قلت: والذي يخلق الخلق كلهم هو ربهم وسيدهم، ويجب أن يطيعوه.
قال: كيف يعرفون ماذا يريد أن يطيعوه فيه؟
قلت: هذا سؤال جدُّ عظيم، هل تريد أن تعرف جوابه؟
قال: نعم..
قلت: أليس الحكام إذا أرادوا من الشعب أن يفعل شيئاً، أو يترك شيئاً يكتبون له قوانين وينشرونها؟
قال: نعم.
قلت: وإذا لم يفعلوا، هل يجوز أن يعاقبوا الناس على فعل شيء أو تركه، وهم لا يعرفونه؟
قال: لا.
قلت: فالله الخالق قد بعث إلى الناس رسلاً، وأنزل كتباً، يعلمهم ماذا يجب أن يفعلوا، وماذا يجب أن يتركوا، وآخر هؤلاء الرسل هو محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله إلى الناس كافة، وكتابه القرآن لا يزال موجوداً إلى الآن، ويجب على كل من سمع عنه أن يؤمن به، فهل ترى هذا الأمر يستحق الدراسة والاهتمام؟
قال: كلامك معقول، ولكن يجب أن نجلس ونتفاهم زيادة حتى يكون الأمر أوضح.
قلت: ما رأيك لو بعثت لك بترجمة معاني القرآن باللغة الصينية، هل تحب أن تقرأه؟
قال: نعم.
قلت: إذَنْ سأبعث به لك مع هذا الشاب الصيني.
واتفقنا على ذلك، وأعطى الأخ إبراهيم عنوانه وهاتفه في مدينة بكين، ليوصل إليه الكتاب وغيره من الكتب، وأكدت على الأخ إبراهيم أن يخبر الأخ مصطفى صالح، ليختار له بعض الكتب المناسبة لترسل إليه، ولا أدري ماذا فعل الأخ إبراهيم؟ وعلى كل فقد أصبح هو محملاً مسؤولية الرجل، نسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق.
لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة والله يهدي من يشاء:
بعد هذا الحوار مع هذا الرجل، أقول: إن الدعوة إلى الإسلام تحتاج إلى رجال لا يتركون فرصة تسنح لهم بدون أن يستغلوها في دعوة من أمكنهم دعوته، ولا يجوز أن ييأسوا من أي شعب أو أي شخص، وما يقال: إن الشعب الفلاني لا يقبل الإسلام، وأن من الصعوبة أن يدخل أهل هذا الشعب أو ذلك في الإسلام... نعم من السهل دخول الناس في الإسلام، وإن كانت الشعوب تتفاوت، بحسب معتقداتها وعاداتها، ولكن يبقى عندنا أربعة أمور يجب ألاّ ننساها:
الأمر الأول: أن الله كلفنا تبليغ دينه، فإذا قدرنا على تبليغ أحد هذا الدين وجب تبليغه بالوسيلة الممكنة والأسلوب المناسب، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهل هناك حاجة أعظم من الحاجة إلى الإسلام الذي يترتب على الدخول فيه، أو عدم الدخول فيه النعيم الأبدي للداخل، أو العذاب السرمدي للرافض؟
الأمر الثاني: أن فطر الناس ـ ولو فسدت ـ هي في صف الدعاة إلى الله، فلا يجوز اليأس من دخول أحد في الإسلام، مهما كان عناده، ومهما كانت غفلته.
الأمر الثالث: أن الواجب علينا إقامة حجة الله على خلقه، وليس علينا هدايتهم، فالهداية من عند الله تعالى.
الأمر الرابع: أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى رجال يطرقون مسامع الناس بالحجج والبراهين الدالة على وجوب الدخول في هذا الدين، وتنبيههم من الغفلة ليقبلوا على دراسة هذا الدين، ليحي من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.
هذا، وقد وافق هذا الرجل بعد النقاش الطويل على أن الله موجود، وعلى الإيمان باليوم الآخر وبعث الأرواح والحساب، وتردد في الإيمان بالرسالة، ووافق على قراءة ما يأتيه من كتب عن الإسلام، وهذه كلها تدل بدون أدنى شك، على إمكان دعوة الناس في الصين إلى الإسلام، بالأسلوب المناسب، والحكمة، مع تجنب ما يثير الدولة التي تمنع الدعوة إلى الأديان قانوناً، وهي شديدة في المعاقبة والبطش.
بعد هذا الحوار الطويل، وصلنا إلى سور الصين العظيم..
وصف ما رأيناه من السور:
أوصلنا السائق إلى السور، وذهب ليقف سيارته في أحد المواقف المعدة لوقوف السيارات، والمكان الذي نزلنا به ممر بين جبلين تمر به السيارات الناقلة للسائحين ذاهبة وعائدة، وهو كذلك أحد الممرات التي ينفذ منها المسافرون من جنوب الصين إلى شمالها، أو من شمالها إلى جنوبها، كما يمر بها المشاة من السائحين شمالاً وجنوباً للتجول في الأسواق الشعبية الموجودة على جانبي الطريق قبل السور وبعده، وكذلك يصعدون إلى الأعلى، للتجول على السور نفسه في قمم الجبال الواقعة على جانبي الممر، حيث أعدت درجات من الحجارة والآجر الأحمر لتسهيل السير لمن يريد ذلك.
ويبدو لي أن ارتفاع البوابة لا يقل عن ثمانية أمتار، بل ربما يزيد.
وعندما صعدنا إلى أعلى السور ونظرنا إلى الجانبين، تيقنا أن الوصول إلى قمم تلك الجبال التي نصبت عليها أبراج المراقبة، مشياً على الأقدام يَحتاج إلى وقت طويل، بحيث يجيء الليل قبل أن نتَمكن من العودة إلى الأسفل، فقلت للأخ إبراهيم: سل الناس هل توجد هنا صناديق النقل الكهربائية الجبلية (تلفريك)، لنتمكن من الصعود بسرعة ونتجول على السور لنرى ما أمكننا رؤيته، ونلتقط له بعض الصور الفوتوغرافية، فكان الجواب: نعم.
فذهبنا على الأرجل حيث أشاروا لنا إلى مكاتب الشركة الخاصة بها، وكنا نظنها قريبة جداً، ولكنا لم نصل إليها إلا بعد نصف ساعة، ومكاتبها تقع على جانب واد على يمين الممر بعد تجاوزه إلى جهة الشمال، كما توجد غيرها أيضاً في أماكن أخرى على اليسار.
وأخذنا بطاقات الصعود من المكتب، وقيمة البطاقات للأجانب أضعاف قيمتها الخاصة بالمواطنين ـ تحقيقاً للمساواة الاشتراكية الأممية!
استغرق صعودنا إلى قمة الجبل خمس دقائق تقريباً، وعندما هبطنا في المحطة العليا، صعدنا على أقدمنا على الدرج حتى وصلنا إلى أحد أبراج المراقبة المشيدة على قمم الجبال. وللبرج مدخل واحد تقع على يمينه وعلى شماله شرفات بها فتحات يرى الناظر منها كل ما تمكن رؤيته في أسفل الجبل من كل الجهات، ويوصلك الدرج إلى شرفات أخرى في الأعلى، وهي شبيهة بالشرفات السفلى، وبعدها قاعة واسعة مربعة مبلطة مستوية السطح، يقال: إنها تتسع لستة خيول تكون بجانب المقاتلين [بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة، ص: 140]. وبها أيضاً فتحات أوسع وأمكن للرؤية، وفي أسفل الشرفات والقاعة الواسعة فتحات أصغر، يقال: إنها أعدت للرماية.

وهذه الأبراج أعدت لمراقبة تحركات الأعداء وإنذار جيوش الحراسة بذلك عن طريق أجهزة لاسلكي طبيعية وجدت في غابر الأزمان، وهي: الدخان المتصاعد في النهار، ولهب النار المتوهج في الليل!. [المرجع السابق ص: 140].
وعندما وقفنا على هذا البرج كنا إذا التفتنا إلى أي جهة من قمم الجبال ووديانها التي تظهر لنا، نرى السور وهو يمتد إلى قمة كل جبل، ويهبط إلى كل واد متلوياً مثل الثعبان، وكثير من قمم الجبال متجاورة أو متقاربة، وعلى قمم الجبال أبراج شبيهة بهذا البرج، ويقال: إن بعضها أكبر من بعض، ويبلغ طول هذا الجزء من السور القريب من العاصمة بكين خمسين كيلو متر.. [نفس المرجع ص: 138].


ولا تكاد تجد مكاناً خالياً من السائحين ـ من كل الأجناس ـ صاعدين وهابطين في الأدراج المؤدية إلى الأبراج.
وقد تجولنا في منطقة السور من الساعة الثامنة والنصف إلى الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً، وكان الجو بارداً برودة ممتعة في هذه الفترة، وكان رذاذ المطر يتعهدنا من وقت لآخر، ولو كان في أيام الشتاء لكستنا الثلوج ملابس بيضاء نقية، قد تكون أكفانا لمن وافاه الأجل هناك، لأن المنطقة جبلية وتقع في أقصى الشمال الشرقي للصين، وهي منطقة باردة على حدود منغوليا.
قراءة واستنتاجات:
عندما وقفت على أحد أبراج السور ونظرت إلى قمم الجبال ووديانها، ورأيت امتداده صاعداً على القمم وهابطاً إلى الوديان، على مسافات لا يبلغها البصر [يبلغ طول الجزء المجاور لبكين 50 كيلومترا. (بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة، ص: 138)]. أخذت أتأمل وأقرأ شيئاً من صفحاته، ودارت بخاطري آثار أخرى خلفها الأباطرة وراءهم ولا زال نظراؤهم يقصون أثرهم في ذلك، وإن اختلفت مقاصدهم، وقد وقفت عليها في بعض البلدان التي زرتها، كثير منها لأباطرة غير مسلمين كهذا السور وكأهرامات مصر، وبعضها لحكام مسلمين، مثل تاج محل في الهند، وقصر الحمراء في الأندلس (أسبانيا).
فخرجت من تلك القراءة ـ وهي قراءة عاجلة ـ بنتائج سجلتها في التنبيهات الثلاثة الآتية:
الاستنتاج الأول: شقاء الأمم بسبب عدوان بعضها على بعض.
وهذا الشقاء واضح جدا في بناء هذا السور في العصور المختلفة بهذا الامتداد الهائل في تلك المناطق الوعرة التي لولا أنه موجود فيها فعلاً ويراه الزائر يقظة لا مناماً، لما صدق أنه يمكن أن يبنى بصفته تلك، وبخاصة في تلك الأوقات التي يغلب أن تكون وسيلة النقل والبناء الفعالة فيها هو الإنسان وما يملكه من جمال أو بغال... فكم من البشر عملوا فيه؟ وكم من المال أنفق على بنائه؟ وكم من الأوقات قُضِيَت منذ بدء إنشائه إلى إتمامه؟ وكم من العاملين فيه هلكوا بسبب قسوة أجوائه ووعورة مسالكه؟ ثم كم من الجيوش رابطت فيه دفاعاً عن اقتحام الأعداء لقلاعه وممراته؟ وكم سقطت على جانبيه من جماجم هجوماً ودفاعاً؟!
قال لي بعض الصينيين: إن طوله يبلغ خمسة وعشرين ألف كيلومتر، ولكني لم أجد في المراجع التي وقعت بيدي ذكر هذا المقدار، والمقدار المذكور في المراجع ـ بل أقل منه ـ يكفي للدلالة على هذا التنبيه.
وتختلف تقديرات الكتاب لطول السور، والذي يبدو لي أن من أهم الأسباب اختلاف مقادير أطواله باختلاف الفترات التي شُيّد فيها، فإن طوله في بداية إنشائه يختلف عن طوله في الحقب التالية، وكل كاتب يطلع على مقدار طوله في فترة معينة يسجل ما اطلع عليه، دون دراسة أطوار بنائه.
إن تلك الجهود التي بذلت في تشييد هذا السور وأعماله، بكل أصنافها،كانت جديرة بإعمار الصين إعماراً يجعل سكانها كلهم في رغد من العيش، لولا الخوف من العدوان الذي يسفك الدماء ويهلك الحرث والنسل ويقضي على الأخضر واليابس!
الاستنتاج الثاني: أن أسوار الدفاع عن الأوطان هي الشعوب.
إن الشعوب ـ في الحقيقة ـ هي الأسوار التي تدفع العدوان عن أوطانها، فقد شيَّد سورَ الصين العظيم في بعض مراحله مليونُ شخص كما سيأتي قريباً ـ فكيف بالمراحل الأخرى المتعددة؟! ـ ولولا هذا العدد الهائل الذين صبروا على متاعبهم، وأرخصوا أرواحهم، ونسوا وراء ظهورهم أسرَهم وذراريهم، لما كان للأباطرة الذين يسرحون ويمرحون في قصورهم، ويتمتعون بأنواع النعم وأصناف الملذات. [انظر وصف آخر إمبراطور صيني للتباهي المفرط في أنواع الطعام الذي كان يقدم على مائدته، ولما يبلغ سن السابعة من العمر، وكذلك أنواع الثياب التي كانت تعد لغياراته المعتادة، وعدد العمال في إدارته، والخصيان الذين لا يغادرون قصره، كل ذلك في كتابه (من إمبراطور إلى مواطن ـ السيرة الذاتية، لآيشين جيولوه بويي: 1/48، 51،52،،71) دار النشر باللغات الأجنبية بكين].
في الوقت الذي يذوق فيه مشيدو السور شظف العيش ومرارة الآلام والأتعاب فلا يأمنوا من خوف أو يَطْعَموا من جوع!
الاستنتاج الثالث: أنه لا عزة لأمة لا تحمي أرضها من عدوها.
إن الأمم لا تبقى لها هيبتها وعزتها وكرامتها، إلا إذا صانت أرضها وحمت عِرضها من عدوان عدوها، وذلك يقتضي أن تعد العدة وتبذل النفوس والنفيس، وتصبر على المشقات والابتلاءات، وأن الأمة التي تفرط في شبر من أرضها لعدوها، لا يبعد أن تفرط يومًا مَّا في كامل وطنها، وتتنازل عن سيادتها ومجدها، لتذوق كل أنواع الصغار والإذلال من عدو حقود يتشفى بتحقيرها واستخذائها، وسِجِلّ التاريخ على ما نقول شهيد، وما أمر فلسطين وبيت المقدس منا ببعيد، وصفحات البلدان المحتلة حجة وبرهان!
زيارة حديقة الحيوان في بكين:
الخميس 29/2/1416هـ ـ 27/7/1995م
قمنا بزيارة حديقة الحيوان في بكين من الساعة التاسعة والنصف إلى الساعة الحادية عشرة صباحاً، جولة بدون توقف، وفيها (أسود، ونمور، وقرود، وزرافات، وحمر أهلية ووحشية، ودببة متنوعة ـ ومنها الدب الصيني الملون بالبياض والسواد، المسمى بـ(الباندا) وهو لا يوجد إلا في الصين ـ وحيات وثعابين، وغيرها. والحديقة بجوار متحف بكين.. [بكين ص: 85].

مسجد شارع البقر وسبب التسمية:
قمنا بزيارة مسجد شارع البقر، في الساعة الحادية عشرة والنصف، وهو مسجد مشهور.. [بكين ص: 133].


ويتسع لما يقارب 25 صفاً، في كل صف ستون مصلياً أي ألف ومائة مصل تقريباً. والشوارع الموجودة حول المسجد شوارع شعبية ضيقة يوجد حوله من السكان المسلمين حوالي 20 ألفاً، لم نجد فيه إلا أحد العمال الذي فرح بنا فرحاً شديداً، وأخبرنا بأنه حج في هذا العام واسمه يوسف.
زيارة الجمعية الإسلامية لمسلمي الصين:
كما قمنا بزيارة الجمعية الإسلامية لمسلمي الصين والاجتماع بنائب رئيسها عبدالرحيم أمين. وقد سبق الكلام على هذه الجمعية وغيرها.

مدينة بكين ( أ ):
بنيت قبل ثلاثة آلاف سنة. والذي خطط لبناء مدينة بكين وصمم قصورها ونظم تشييدها، هو المعماري المسلم، العربي الأصل: (اختيار الدين) الذي عين وزيرا للبناء والإسكان في عهد أسرة يوان، واستمر نسله في عمله بعد وفاته.. [كتاب الشخصيات الإسلامية في الصين ص 27].
مساحة المدينة 16800كم مربع
عدد سكانها 10510000
وعدد سكانها بدون ضواحيها 6690000
بها أربع قوميات هي: خان، خوي، مان، منغول
يبعد عنها البحر إلى الشرق 150كم
مدينة بكين (ب):
بها آثار قديمة أكثر من مدن الصين الأخرى.
حصلت فيها أحداث كثيرة منها الحركة الطلابية سنة 1919م، والحركة الطلابية سنة 1989م، وبها ست وستون جامعة ومعهداً عالياً، وأشهر جامعاتها وأقدمها جامعة بكين، وبها خمسمائة مركز بحث.
من مناطقها المهمة ميدان (تيان إن من) [بكين حاضرة الصين: ص: 20]. فيه مبنى البرلمان الذي بني سنة 1959م وجميع المباني الحكومية المهمة وقبر (ماو تسي تونج).. [بكين: 21، 24]. وبها البحيرة المشهورة (مي يون) (MI YUN)، ويقع في ضواحيها جانب من سد الصين العظيم، وبها المدينة الإمبراطورية المحرمة (GU GING).. [بكين: ص: 28 وموجز أحوال الصين ص: 292]. ومعبد الإمبراطور (TIAN TAN)، وبرج الصين المركزي للإذاعة والتلفزيون (CHINA CENTRAL RADIO & TV TOWER) طول البرج 386. 5 مترا).


فقد الخدمة المعينة على مهمتي في الصين:
الجمعة 1/3/1416هـ ـ 28/7/1995م
فقدت في الصين الخدمة التي كنت أنالها في البلدان الأخرى من المسلمين، سواء كانت في البلدان الغربية أو في جنوب شرق آسيا، أو في أستراليا، أو في إفريقيا، في (كينيا وجنوب إفريقيا).
والسبب في ذلك:كثرة المراكز الإسلامية وقوة نشاطها، وكثرة الدعاة من العرب أو الناطقين بالعربية، وكثرة الطلبة المسلمين، ومنهم العرب الموجودون في غالب تلك البلدان، وكثرة طلاب الجامعة الإسلامية المندوبون للدعوة إلى الله، بخلاف الصين في هذا كله.
السفر من بكين إلى مدينة (شيئان):
في هذا اليوم سافرنا من مدينة بكين ـ عاصمة الصين الجديدة ـ إلى مدينة شيئان ـ عاصمة الصين القديمة ـ ولقد ضقت بالانتظار في مطار بكين، لما فيه من الزحام الشديد الذي لا تكاد تجد لك فيه موطئ قدم، وبالصخب المصم للآذان، إضافة إلى قذارة الحمامات مع قلتها بالنسبة للموجودين في المطار، وعدم وجود وسائل التنظيف المعتادة بها.
وكان الإقلاع من مطار بكين: 27: 14 وكان الوصول إلى مطار شيئان45: 15 فكانت مدة الطيران ساعة وعشرون دقيقة. والمطار يقع في غرب المدينة.
إبراهيم: كيف أعيش؟!
عندما دخلنا قاعة تسلم الحقائب، جاءت حقائبي، ولم يجد إبراهيم حقيبته، فذهب إلى الموظفين يسأل عنها؟ فقالوا له بعد بحث: إن حقيبتك ذهبت على إحدى الطائرات المتجهة من بكين إلى مدينة شنغهاي.
فقال إبراهيم ـ والحزن بادٍ على وجهه ـ : أنا في مطار شيئان، وحقيبتي في مطار شنغهاي؟! وكيف أعيش؟ وكان السبب أن البطاقة التي وضعت على حقيبته من بطاقات رحلة من رحلات شنغهاي، بدلاً من بطاقة رحلة شيئان. فقلت له: ستعيش على أحسن حال إن شاء الله، فإن جاءت حقيبتك بسرعة فبها، وإلا اشترينا لك ما تحتاج إلي من ملابس من السوق.
ويبعد المطار عن المدينة 50 كم، والأرض من المطار إلى المدينة أرض سهلة منبسطة زراعية. المسافة بين المطارين ـ مطار بكين ومطار شيئان ـ 1000كم