المذكرات اليومية 1416هـ ـ 1995م والنتائج والتوصيات
المذكرات اليومية 1416هـ ـ 1995م والنتائج والتوصيات
رغبة وأسباب:
1 ـ لقد كانت رغبتي في زيارة الصين الشعبية أشد من رغبتي في زيارة أي بلد آخر من بلدان العالم، مع اشتياقي الشديد لزيارة كل بلدان العالم بل ومدن كل بلد.
2 ـ وهذه الرغبة الشاملة ـ لزيارة بلدان العالم ـ نبتت نواتها في نفسي منذ بدأت طلب العلم، عندما درست الجغرافيا [سنة: 1376هـ]. التي كان ينفر من دراستها غالب زملائي في معهد صامطة العلمي، حتى إن إدارة المعاهد العلمية في الرياض أصدرت قراراً بتخيير الطلاب في دراسة الجغرافيا والحساب والهندسة أو عدم دراستها، وسُمِّي الطلاب الذين رفضوا دراسة تلك العلوم (متخصصين)، وكان أستاذ الجغرافيا [واسمه: فكري، وهو مصري]. لا يجرؤ على القول بأن الأرض كروية ـ فضلاً عن القول بأنها تدور! ـ وعندما سألته ذات يوم ـ فيما بيني وبينه ـ كيف نتصور كروية الأرض؟ قال لي: هل تكتم السر إذا أريتك الكرة الأرضية التي تتمكن بها من هذا التصور؟ قلت: نعم. قال: فتعال عندي في المنزل، فاستأذنته في أن يحضر معي أحد زملائي [هذا الزميل هو الأخ علي بن عبد الله الأهدل الذي تخرج معي في المعهد، ثم ذهب هو لكلية الشريعة بالرياض، وأنا ذهبت إلى الجامعة الإسلامية، وبعد تخرجه تعوقد معه للتدريس في المعاهد العلمية، ومنها المعهد العلمي في سامطة، ولا زال حياً]. ـ وهو يعرف أنه من الراغبين في ذلك ـ فأذن لي فذهبت أنا وزميلي إليه، فأخرج لنا الكرة الأرضية التي كان يريد إحضارها إلى المعهد، ولكنه عندما بدأ يتحدث عن كروية الأرض، ثار عليه جميع طلاب الفصل منكرين، أخفاها في منزله، وأخذ يشرح لنا كروية الأرض وقتاً طويلاً ـ وكان زميلي أسرع فهماً لها مني، لأنه درس مبادئ الجغرافيا في المرحلة الابتدائية بجدة.
وأما أنا فلم أكن أعرف عنها شيئاً ـ وكان من ضمن أسئلتي له، عندما رأيت صورة المياه البحرية التي تأخذ مساحة واسعة من اليابسة:كيف لا يسقط الماء من على وجه الأرض مع أنه يوجد كثير منه في الجانب الأسفل منها؟ فذكر لي أن العلو والسفل نسبيان.
ومع ذلك التصور ثم دراسة القارات والدول وتصورها في الخارطة، بدأت تحدثني نفسي بما كنت أظنه من المستحيلات، وهو زيارة بعض تلك البلدان والاطلاع على العجائب التي كنا نسمع عنها ونقرأ، فيما يتعلق بالجبال والغابات والبحار والجليد والأرض التي لا يرى أهلها الشمس إلا نادراً، وألوان البشر والحيوانات المتنوعة...!
3 ـ ثم اختفت تلك الرغبة الميؤوس من تحقيقها، إلى أن بدأت طلب العلم في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. [سنة: 1382هـ ـ 1962م].
حيث كان زملائي من شتى أقطار العالم، وكانوا كل عام يزدادون وتزداد الأقطار التي يفدون منها، وكنت أسمع عن أحوال المسلمين في تلك البلدان الإسلامية أو غيرها، كما كنت أسمع عن وصف تلك البلدان وما فيها من كثرة الأمطار والأنهار والغابات والوحوش.... فعاودتني الرغبة في الاطلاع على عجائب مخلوقات الله في أرضه، وبخاصة أن بعض زملائي كانوا يسافرون في الإجازة الصيفية ثم يعودون للدراسة فتتجدد المعلومات وتشتد الرغبة، ولكن تحقيقها كان عندي شبيهاً بالأحلام الممتعة.
4 ـ ثم مضى الوقت وانتهيت من الدراسة وأصبحت مدرساً في المعهدين التابعين للجامعة (المتوسط والثانوي)، وبدأ بعض المسؤولين والأساتذة في الجامعة يسافرون إلى بعض البلدان في إفريقيا وغيرها، وبدأت أقرأ عن رحلاتهم التي لم يسجلها منهم تسجيلاً فيه شمول ـ نسبي ـ ووصف للرحلة إلا أحد المسؤولين في الجامعة. [وهو الشيخ محمد بن ناصر العبودي الذي ألف أول كتاب له في الرحلات، وهو (في إفريقيا الخضراء) وقد زار بعد ذلك غالب دول العالم، وكتب رحلاته وطبع الكثير منها].
وهنا ازدادت الرغبة وزاد التفكير في الرحلات إلى الخارج، وبدأ الأمل في تحقيق تلك الرغبة ينمو، فأنا من مدرسي المعهدين بالجامعة، وصلتي بالجامعة قوية، ويمكن أن يأتي وقت يقال لي فيه: هل ترغب أن تسافر إلى البلد الفلاني؟ فيكون الجواب سريعاً بالإيجاب.
5 ـ وجاء تكليفي بعد ذلك من قِبَل سماحة شيخي العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الذي كانت وظيفته الرسمية في تلك الفترة، نائب رئيس الجامعة [وكان رئيس الجامعة ـ رسمياً ـ سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، مفتي المملكة العربية السعودية]. القيام بالإشراف على شئون الطلاب في الجامعة الإسلامية، فإذا أنا أعيش ليلاً ونهاراً بين طلاب العالم الإسلامي الذين زادت جنسياتهم بعد فترة عن مائة جنسية، وكان لاختلاطي بهم ومعرفة الكثير عن بلدانهم ومشكلاتها، حافزاً آخر على الرغبة في الأسفار، حيث كانوا يقدمون بحوثاً في الندوات والرحلات الكثيرة التي كانت تنظم لهم، للتعريف بتلك البلدان وأحوال المسلمين فيها وما يجد فيها من أحداث، واستمر ذلك مدة تقارب عقداً من الزمان.
أول رحلة في حياتي إلى خارج أرض الحرمين:
6 ـ وكان أول سفر لي إلى خارج المملكة سنة 1392هـ ـ 1972م إلى جمهورية مصر العربية من أجل مواصلة دراسة الماجستير ـ انتساباً في جامعة الأزهر. [ذهبت في الإجازة الصيفية مرتين، وبعد الانتهاء من الامتحان أعود إلى عملي].
وعندما أقلعت الطائرة السعودية من جدة إلى مصر فوق البحر الأحمر أخذت أتأمل في البحر والسحب فأدهشني المنظر وأخذ بلبي، وذهبت أفكر في مناظر العالم الفسيح، وبعد فترة راعني منظر آخر جديد لم أره من قبل، وهو نهر طويل يمتد من الجنوب إلى الشمال يتلوى مثل الثعبان، تكتنفه من الجانبين خضرة مستمرة، والنهر والخضرة يقعان في وسط صحراء، فسألت المضيف: ما هذا؟ فقال: ألا تعرف نهر النيل؟ قلت: أسمع عنه ولكني لم أره، قال: هو هذا.
وكنت من وقت خروجي من مطار المدينة إلى جدة ثم من وقت خروجي من مطار جدة فوق البحر الأحمر، أنظم أبياتاً من الشعر من بحر الرجز أصف فيها مشاعري في الرحلة، وأسجل ما يعرض لي، وهذه أول مرة أطل من نافذة الطائرة من الجو، فالطائرة التي أقلتني من جيزان سنة 1382هـ كانت من نوع يسمى "داكوتا" وكانت المرة الأولى في حياتي أركب فيها الطائرة، وكنت طول الوقت أتقيأ لمدة ساعتين ونصف الساعة أو أكثر، فلم أكن أجرؤ على النظر من النافذة.
وهذا نص الأبيات التي نظمتها في رحلة القاهرة:
* [وقد وُسِّعَ كثيرا، حتى أصبح يستقبل الطائرات الدولية الآن].
* [كانت الرحلة من جدة إلى القاهرة في اليوم الثاني، والمبيت في الفندق على حساب السعودية].
* [كان منح التأشيرة في الجواز شرطا في السفر تلك الأيام].
* [السحب].
وصفت هذه الرحلة، مع أن بينها وبين أول رحلة دعوية ست سنوات، وبينها وبين رحلة الصين هذه، أربع وعشرون سنة، ليدرك القارئ مدى رغبتي في الرحلات وعاطفتي الجياشة مع المناظر، رمالاً وجبالاً، وغابات وصحارى، وأنهاراً وبحاراً، ومباني ومدناً.. وسيجد القارئ ذلك واضحاً في جميع هذه السلسلة من الرحلات..
وكانت هذه الرحلة المصرية المحدودة، من الأسباب التي ضاعفت الرغبة في رحلات أوسع.
وحقق الله الرغبة:
نعم حقق الله الرغبة: ففي سنة 1398هـ حيث دعاني فضيلة الأخ الكريم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد، نائب رئيس الجامعة، وكنت عندئذ عميداً لكلية اللغة العربية والآداب في الجامعة [قبل أن يغير اسمها كلية اللغة العربية فقط]. وكان رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، فعرض عليَّ السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لحضور (مؤتمر علماء الاجتماع المسلمين) الذي سيعقد في إنديانا بولس، فلم أتأخر عن الرد الإيجابي لحظة واحدة، إلا أنني قلت له أمهلني لأحدد خط السير، وذهبت لقراءة الخارطة العالمية ـ المسطحة والكروية ـ ثم حددت خط السير كما يلي:
المدينة، جدة، لندن، نيويورك، إنديانا بولس، ديترويت، شيكاغو، لوس أنجيلوس، طوكيو، هونغ كونغ، كراتشي، جدة، المدينة.
ورجوت الشيخ أن يوافق على هذا الخط، لنتمكن بعد حضور المؤتمر من زيارة هذه المناطق للاطلاع على أحوال المسلمين فيها، فتمت الموافقة وكانت رحلات عالمية ممتعة، كما كانت فاتحة لرحلات وطئت قدمي فيها جميع القارات ما عدا قارة أمريكا اللاتينية، زرت خلالها ما يقارب خمسين دولة، وما شاء الله من المدن، وركبت فيها الطائرات والبواخر والقطارات والسيارات.. وبعض البلدان زرتها أكثر من مرة.
وقد سجلت جميع زياراتي في هذه الرحلة العالمية في مذكرات يومية، وقد أفردت هذه الرحلة مع الرحلة الثانية للولايات المتحدة الأمريكية في المجلد الأول من هذه السلسلة، وعنوانها العام: (في المشارق والمغارب) ولقد كانت كتابة هذه الرحلة شبيهة بالطفولة ثم تلتها رحلات مراهقة ثم الشباب ثم الكهولة، ولعلها تستمر إلى آخر الشيخوخة، أعني بذلك من حيث الكتابة واللقاءات والاقتراحات وغيرها، وسيعرف ذلك من يطلع على المذكرات مسلسلة، كان ذلك خلال أكثر من عشرين سنة. [وتم تحديثها وجمع معلوماتها وتنقيحها وطباعتها بالكمبيوتر وإدراج صور الأماكن التي زرتها، وهي المجلد الأول من هذه السلسلة (في المشارق والمغارب)].
حنين شديد وأسباب:
وكنت في كل تلك السنين أفكر ـ والشوق يملأ جوانحي ـ في زيارة الصين الشعبية، ولو أنني خيرت بين زيارتها والكف عن زيارة بقية البلدان لما ترددت في اختيار زيارة الصين، مع أني لا أرغب في انقطاع الرحلات.
وكأني بالقارئ قد خطر بباله أن يقول: ولم كل هذه الرغبة التي جعلتك تفضل ترك زيارة بلدان كثيرة لتزور بلداً واحداً؟
وأبادر فأجيب: بالأسباب الآتية:
السبب الأول: شُح المعلومات الواضحة قديماً عن هذا البلد، وأقصد بالواضحة أنَّك نادراً ما ترى أمام عينيك في المكتبات كتاباً ـ باللغة العربية ـ عن الصين، لأن الصين باسمها الصريح لم يدخلها الفاتحون فاتحين، كما دخلوا غيرها من البلدان المجاورة لها، ولذا تجد الكتاب يقولون ـ مثلاً ـ لقد وصل الفتح الإسلامي إلى حدود الصين شرقاً، وإلى بحر الظلمات غرباً، لذلك لا يفكر في البحث عن معلومات عن الصين إلا الباحث الذي يضطر إلى أن ينقب في المراجع القديمة التي قد لا تخطر ببال القارئ العادي.
السبب الثاني: شُح المعلومات عن هذا البلد حديثاً، فقد عزلته الحكومة الشيوعية عن العالم عزلاً قد لا يكون سبق له مثيل حتى في أيام بناء السد المعروف عند الصينيين وغيرهم بـ(سور الصين العظيم) وسيأتي الحديث عنه.
السبب الثالث: مضي فترة طويلة من حياتي في المدينة المنورة، لم أر حُجَّاجاً أو أسمع عن حجاج وفدوا من الصين، وهذا من أثر العزلة المذكورة.
السبب الرابع: ما نسمع من بعض وسائل الإعلام من اضطهاد إخواننا المسلمين ومضايقتهم، وهدم مساجدهم وقتل علمائهم وحرق مصاحفهم... وقد أخذتُ بعض المعلومات من بعض الإخوة الصينيين في هونغ كونغ في رحلاتي المتكررة لها، حيث كانت نقطة عبور لي في عدد من الرحلات.
السبب الخامس: ما نسمعه عن الصين من أنها بلد العجائب والغرائب، ومن أهم غرائبها سورها العظيم الذي قال عنه بعض الناس: إنه سد ذي القرنين الذي وراءه يأجوج ومأجوج.
السبب السادس: أن الممنوع تشتد الرغبة فيه أكثر من غيره، كما قيل: "وحب شيء إلى الإنسان ما منعا".
ولم يُعرَض عليَّ السفر إلى الصين طيلة المدة التي قضيتها في الجامعة موظفاً (35سنة) بخلاف غيرها من البلدان.
خوف ومسوغات:
وكنت مع تلك الرغبة الشديدة في زيارة الصين في خوف شديد من زيارتها للمسوغات الآتية:
المسوغ الأول: عدم وجود علاقات بين الصين وبين حكومة المملكة العربية السعودية تلك الأيام، فلا سفارة للصين عندنا، ولا سفارة لنا في الصين وسفر مواطن من بلده إلى بلد آخر لا علاقة له بوطنه مخاطرة قد لا تحمد عقباها، إضافة إلى صعوبة الحصول على تأشيرة. [وقد أنشئت فيما بعد علاقات تدريجية حتى صارت على مستوى السفارات].
المسوغ الثاني: كثرة الاضطرابات والقلاقل التي كانت تحصل في الصين وكانت تنشرها وسائل الإعلام العربية باستمرار.
المسوغ الثالث: ما كنا نسمع من موقف الحكومة الشيوعية من رقابة صارمة على الأجانب وملاحقتهم أينما حلوا وارتحلوا، وعدم السماح لهم بالاختلاط بالصينيين، لا في السكن ولا في الفنادق ولا في الأسواق، وماذا عسى أن يرغبني في سفر إلى بلد هذا شأنه، وبخاصة أن هدفي الأول من الزيارة هو الاجتماع بالمسلمين ومعرفة أحوالهم وتسجيلها كما أفعل في رحلاتي كلها، وموقف الحكومة من المسلمين بالذات كان موقف ريبة وحذر أكثر من أي طائفة أخرى؟
المسوغ الرابع: عدم معرفة أحد في البلد، لا من الصينيين ولا من غيرهم، بخلاف الحال في البلدان الأخرى في الشرق أو الغرب، فقد تعرفت قبل سفري على من يساعدني في كل البلدان التي زرتها، وحصلت على عناوين وأرقام هواتف في أوربا وأمريكا وأستراليا واليابان وغيرها، أما الصين فلا أعرف لها رأساً من ذنب!
المسوغ الخامس: ـ وهو ناتج عن المسوغ السابق ـ صعوبة التفاهم مع الناس باللغة، مَن الذي سيترجم بيني وبين صاحب الفندق، أو صاحب المطعم، أو موظف المطار، أو سائق سيارة الأجرة، أو موظف الحجز في المطار، وبخاصة أن غالب الصينيين لا يتكلمون إلا بلغتهم، والذي تعلم اللغة الإنجليزية ـ مثلاً ـ حوَّلها إلى لهجته حتى أصبحت كأنها لغة صينية. [لمست هذا من الصينيين في هونغ كونغ].
وأنا ليس عندي إلا كلمات قليلة لا تسمن ولا تغني من جوع لدى أهلها الأصليين، فكيف بالصينيين؟
المسوغ السادس: أن هؤلاء القوم ملحدون، لا تحل ذبائحهم للمسلم إجماعاً، وهم لا يتورعون كما سمعنا من أكل شيء يوجَد على ظهر الأرض أو في بطنها، من كلب وقط وخنزير وثعبان وعقرب وحشرات وفأر وجرذ... فماذا أصنع إذا لم أجد من ينقذني من هذه الورطة؟
المسوغ السابع: ما كنت أسمع عنه من صعوبة المواصلات، وأن الذي لا يحجز مبكراً في تنقلاته براً بالسيارة أو القطار، أوجواً، أو بحراً، قد لا يتمكن من السفر إلا بعد مشقة وانتظار.
المسوغ الثامن: أني قد أجد من يرافقني ويساعدني من الإخوة الصينيين الذين تعرفت عليهم في هونغ كونغ في بعض هذه المهمات دون بعض. [كالترجمة. وإن كان الآن يوجد في المركز الإسلامي في هونغ كونغ من يجيد اللغة العربية (الإمام ونائبه) كما سيأتي].
ولكني أحتاج إلى نفقات لي ولهم: سكناً وركوباً وطعاماً... ومن أين لي ذلك؟
المسوغ التاسع: عدم وجود نفقة كافية، لرحلة مجهولة العواقب.
هذه المسوغات ونحوها ـ وكل مسوغ منها كاف في الخوف من هذه الرحلة ـ جعلتني أتريث كثيراً في السفر إلى الصين في وقت مبكر.
تصميم واستعداد:
1 ـ في سنة 1415هـ أخذت قراراً من الجامعة بإجازة تفرغ علمي لمدة سنة [وهذه هي المرة الثالثة التي حق لي فيها التفرغ، حسب النظام، وبين كل مرة وأخرى خمس سنوات]. قضيت غالبها في كتابة بعض البحوث، وقضيت بعضها في زيارة لدولة كينيا في إفريقيا، وقد سجلت مذكراتي عنها في كتاب، [وهو المجلد الثامن عشر من هذه السلسلة (المشارق والمغارب)]. وهو جاهز للطبع، وبدأت من أول هذه السنة أقتطع من راتبي مبلغاً شهرياً لرحلة الصين.
2 ـ كما اتصلت ببعض أساتذة الجامعة الإسلامية الذين أقاموا دورات في بعض مناطق الصين لتدريس اللغة العربية، والذين زاروها لاختيار طلاب منها للالتحاق بالجامعة، للسؤال عن الأوضاع هناك، وأخذ بعض ما عندهم من العناوين وأسماء الأشخاص الذين يمكنني الاتصال بهم.
3 ـ اتصلت برابطة العالم الإسلامي ـ وبخاصة الشيخ محمد بن ناصر العبودي الأمين المساعد للرابطة ـ الذي زار الصين رسمياً وكتب عنها، فبعث لي ببعض العناوين، وكتب لي توصية لبعض المسؤولين في الجمعية الإسلامية الصينية.
4 ـ طلبت من بعض الأساتذة في الجامعة الإسلامية الذين لهم معرفة بالطلبة الصينيين فيها، أن ينتخبوا لي أحدهم ممن يجيدون اللغة العربية وعنده نشاط ومعرفة ببلدان الصين، ليستقبلني عند قدومي إلى بكين ويرافقني ـ لأني قررت السفر في الإجازة الصيفية من سنة 1416هـ.
والطلاب يسافرون في الإجازة الصيفية إلى بلدانهم ويعودون على نفقة الجامعة، ولم أتمكن من الحصول على المطلوب بالصفة التي أريد، وإنما وجدت طالباً أسلم حديثاً ـ قبل ثلاث سنوات تقريباً ـ وهو قليل المعرفة بالبلاد، وأقل معرفة بالمسلمين، ولغته العربية لا بأس بها في الجملة، فاتفقت معه على أن يقابلني في بكين عند قدومي. [اسمه العربي (إبراهيم) واسمه الصيني (TANG HAI TANG KE DE) وسيأتي الكلام عنه، حيث أجريت معه مقابلة وسجلت معلومات عن حياته وعن دخوله في الإسلام، وقد كان هو رفيقي في الرحلة كلها، وكانت استفادتي منه في تحقيق هدف الرحلة ضئيلة، لعدم معرفته بالناس كما سيأتي.. ووجود شيء خيرٌ من لا شيء].
5 ـ بعثت بخطاب عن طريق الفاكس إلى الإخوة في هونغ كونغ (المسؤولين عن المركز الإسلامي) قبل السفر بشهر أو أكثر، طلبت منهم فيه المساعدة بإعداد عناوين والاتصال بمن يعلمون استعداده لمرافقتي ممن يجيد العربية، وإعداد خطة سير للمناطق التي يرون أنها جديرة بالزيارة، وإشعار المسلمين فيها بذلك، وأخبرتهم بهدفي من الزيارة وبوقت نزولي في هونغ كونغ، وطلبت منهم الحجز في فندق مناسب، وكانت المعرفة بيننا قديمة واللقاء متكرراً وهم راغبون في زيارتي للصين، إذ قد أخذت منهم عن الصين بعض المعلومات سنة 1400هـ وسنة 1409هـ، وقدمت تقريراً بذلك إلى الجامعة الإسلامية، واقترحت الاهتمام بقبول الطلبة الصينيين، ونفع الله بذلك، وجاءني الجواب من الإخوة في هونغ كونغ، بأنهم على استعداد للتعاون.
6 ـ ما مضى يبين للقارئ أنني بذلت جهداً كبيراً ومبكراً في الاستعداد لهذه الرحلة، لم أبذله لرحلة أخرى في أسفاري الكثيرة، وهو يدل على الخوف من عواقب هذه الرحلة، كما مضى.
الإخوة الذين عنيتهم في هونغ كونغ هم الأخ يوسف يو، رئيس المركز الإسلامي في هونغ كونغ، ونائبه أبو بكر، والأخ علي تنج، إلا أن هذا الأخير لم يُبَلّغ وهو من أنشط المسلمين الصينيين في هونغ كونغ في خدمة المسلمين الوافدين إليها.
أهدافي من الرحلات:
لرحلاتي كلها هدفان عامان:
الهدف الأول: التعرف على أحوال المسلمين.
من أجل مذاكرتهم في شئون الدعوة والتعليم، وما يعترضهم من مشكلات، وما الحلول التي يتخذونها لحلها، أو ما يمكن أن يقترح لذلك. وهذا هو أهم الهدفين.
ويدخل في هذا الهدف الأمور الآتية:
الأمر الأول: مقابلة زعماء الجمعيات أو الجماعات الإسلامية، وتدوين ما يدلون به عن نشاط مؤسساتهم، وكذلك مديرو المدارس وأئمة المساجد، وعلماء البلد المهتمين بالدعوة والتعليم أو أحدهما، وغيرهم ممن لهم ثقل في البلد وخبرة بشؤون المسلمين.
الأمر الثاني: إلقاء أسئلة بحث البلاغ المبين، على كل من رأيت إمكان الاستفادة منه في هذا الباب، كل فيما يخصه، وتدوين الإجابات مفصلة للرجوع إليها عند الحاجة.
الأمر الثالث: مقابلة من يمكنني مقابلته من المسلمين الجدد في كل بلد، لأخذ معلومات مفصلة ـ في الغالب ـ عن كل واحد منهم، عن حياته وأسباب دخوله في الإسلام، وفهمه له وصلته بالمسلمين، وموقف أهل بلده منه وبخاصة أسرته إن لم تكن قد اهتدت مثله...
الأمر الرابع: مقابلة غير المسلمين من أساتذة وباحثين ومستشرقين وغيرهم، وإلقاء أسئلة تتعلق بفهمهم للإسلام، ومصادر معرفتهم له، وقواعد بحثهم التي يسيرون عليها، والشبهات التي يثيرونها أو تثار من غيرهم على الإسلام، ومناقشتهم في ذلك حسب الإمكان.
وقد استخلصت من مقابلاتي لهذين الصنفين ـ مسلمين جدد وغير مسلمين، وغالبهم من أوروبا ـ في رحلاتي الأوربية جزءين طبعاً، عنوان أحدهما: حوارات مع مسلمين أوربيين، والآخر بعنوان حوارات مع أوربيين غير مسلمين. [وهي مبثوثة في هذه السلسلة].
الأمر الخامس: عقد ندوات في المؤسسات الإسلامية، وإلقاء محاضرات تتعلق بشئون الدعوة والتعليم، وجلسات خاصة مع زعماء المسلمين، لإبداء الاقتراحات المناسبة للعمل الإسلامي ـ دعوةً وتعليماً وتعاوناً بين الجماعات والجمعيات الإسلامية ـ وتقديم تقارير عن أحوال المسلمين في البلدان التي أزورها، للمؤسسات الإسلامية المعنية بالدعوة والتعليم في المملكة العربية السعودية، واقتراحات لما يمكن أن تقوم به تلك المؤسسات، وبخاصة الجامعة الإسلامية، التي تتم أسفاري ـ غالباً ـ بانتداب منها، ورابطة العالم الإسلامي، والرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، قبل إحداث وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد.
الهدف الثاني: تحقيق رغبتي في زيارة بلدان العالم.
للتعرف عليها والاطلاع على ما فيها من جمال أودعه فيها الخالق سبحانه وتعالى، من بحار واسعة، وأنهار جارية، وغابات ملتفة، وأشجار مثمرة، وجبال شاهقة، ومناخ منعش، ومدن عامرة بقصور عالية تناطح السحب السائرة، وبالجملة (النظر في ملكوت الله الذي يزيد الإيمان بقدرته وعظمته تعالى). والذي يطالع مذكراتي: (في المشارق والمغارب) سيرى هذين الهدفين بارزين فيها.
اليوميات بداية ونهاية:
بداية الرحلة في يوم الأربعاء: 21/2/1416هـ ـ 19/7/1995م
ونهايتها في يوم الخميس: 21/3/1416هـ ـ 17/8/1995م
من جدة إلى بانكوك:
الأربعاء 21/2/1416 هـ ـ 19/7/1995م
أقلعت بنا الطائرة من مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة في الساعة: 21/15، وهبطت في مطار الملك خالد الدولي بالرياض في الساعة: 30/22 ولم تقلع إلا في الدقيقة العاشرة بعد منتصف الليل.
الخميس 22/2/1416هـ ـ 20/7/1995م
وكان وصولنا إلى مطار بانكوك الدولي في الساعة: 15، 7 بتوقيت المملكة وهو يوافق 15/11 بتوقيت بانكوك، أي إن مدة الطيران كانت سبع ساعات وخمس دقائق.
وكانت مدة الانتظار في مطار بانكوك (ترانزيت) ثلاث ساعات وخمساً وأربعين دقيقة.
الأثر يدل على المسير:
بعد أن استرحت في قاعة استقبال ـ في مكتب الدرجة الأولى ـ حان وقت صلاة الظهر، توضأت، ثم أخذت أسأل الموظفين في المكتب عن القبلة، فلم يجبني أحد، فسألت عن جهة شروق الشمس وغروبها، فبدت علامة التعجب على وجوه القوم! وقد نسيت آلة تحديد القبلة في هذه الرحلة فقط، فقلت لإحدى الموظفات: أريد أن أصلي (PRAYER)، فتهللت وجوه الجميع، وأخذوا يقهقهون من شدة الفرح بفهم ما كنت أريده من الأسئلة السابقة، فقالت لي الموظفة: نعم نَعم الآن فهمنا، تعال معي، وفتحت باب إحدى الغرف، فإذا هي مُصَلَّى، وبها سجادة موجهة إلى القبلة، ومصحف، وقد علقت على الجدار في جهة القبلة قطعة قماش كتبت عليها آية الكرسي كتابة جميلة، فسررت بذلك كثيراً، كما سُرَّ الموظفون.
لو اهتم المسلمون بدينهم لنالوا احترام الناس لهم:
وهنا أود أن أُذَكِّر بأن الأمة الإسلامية لو تمسكت بدينها في سفرها وحضرها، لاحترم الناس دينها وراعوا مشاعرها، وعاملوها بمقتضى ذلك الدين، فلم يكن يوجد بالمطارات الأجنبية قبل فترة من الزمن مصلى للمسلمين، لا في الدرجة الأولى ولا في غيرها، ولكن تصاعد الصحوة الإسلامية ووجود بعض المسافرين المسلمين الذين يلحون على موظفي المطارات في معرفة جهة القبلة ومكان يصلون فيه، جعل الناس يعدون مثل هذه المصليات، فذلك أثر من آثار هذه الصحوة المباركة: و(الأثر يدل على المسير)..
وإيغال في التقصير!
ولو أن الشركات الإسلامية التي تتعامل مع الشركات الأجنبية ـ سواء كانت جوية أو تجارية أو غيرها ـ اشترطت على تلك الشركات التعامل معها على أساس توفير ما يحتاجه المسلمون في أسفارهم ـ براً أو بحراً أو جواً ـ أو إقامتهم في الفنادق، من طعام حلال ومترجمين لمن لا يجيد اللغات الأجنبية، لما تأخرت تلك الشركات عن تحقيق ما يطلب منها، لأنها في حاجة إلى التعامل مع الشركات الإسلامية، ولكن غالب المسلمين الذين في استطاعتهم فرض هذه الشروط على شركائهم من غير المسلمين، موغلون في التقصير في حق أمتهم ودينهم ولغتهم، ليس عندهم اهتمام بكل ذلك، إما خجلاً من إظهار إسلامهم الذي يحقق فيهم قول الله تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ }، [سورة فصلت، آية: 33]. وإما كرها لهذا الدين وكل ما يمت إليه بصلة.
من بانكوك إلى هونغ كونغ:
وكان الإقلاع من مطار بانكوك إلى هونغ كونغ، على الطائرة التايلندية في الساعة: 00،15 وهبطت في مطار هونج كونج في الساعة: 12, 17 بتوقيت بانكوك الذي ينقص عن توقيت هونج كونج بساعة واحدة، أي إن مدة الطيران كانت ساعتين واثنتي عشرة دقيقة من بانكوك إلى هونغ كونغ. [هذا وقد ذكرت ما سجلته من معلومات في هونغ كونغ التي مررت بها ذاهباً إلى الصين وراجعاً منها في الجزء الخاص برحلات هونغ كونغ في المجلد الثالث من هذه السلسلة، وعنونت له بالزيارة الرابعة لـ(هونغ كونغ) فليراجع هناك].
من هونغ كونغ إلى بكين:
الأحد 25/2/1416هـ ـ 23/7/1995م
ودعني الأخوان إمام المسجد في المركز الإسلامي الأخ "عثمان" والأخ "علي تنج" ـ وسيأتي التعريف بهما ـ في مطار هونغ كونغ، وأقلعت بنا الطائرة الصينية: في الساعة: 30، 12 ظهراً، وكنت ضمن ركاب درجة رجال الأعمال، وهي مزحومة ـ فعلاً ـ برجال الأعمال من الصينيين والأوربيين، الذين لا يدعون آلاتهم الحاسبة إلا لتناول الطعام والشراب، وكان بجانبي رجل أعمال صيني، وكنت أشاركهم في العمل على الآلة، [المفكرة الرقمية العربية]. إلا أنهم يسجلون في آلاتهم مبالغ الدولارات وحسابات التجارة ومواعيد الأعمال التجارية المالية، وأنا أسجل ملحوظاتي حول مقابلاتي وتنقلاتي واستفساراتي فيما يتعلق برحلتي وتحقيق أهدافها.
ابن الوزير والفأر!
كان صاحبي الصيني يلتفت إليَّ خلسة بين وقت وآخر، وأنا ألحظه دون أن أظهر له أي انتباه، ثم أخذ ينظر إلى كتابتي في المفكرة الرقمية، بدون تحفظ، فلم يشف غلته، ثم التفت إلي قائلاً: (معذرة EXCUSE ME).
قلت له: تفضل.
قال: هل هذه أول زيارة لك إلى الصين؟
قلت: نعم.
قال: وما الهدف من زيارتك؟
قلت: قضاء إجازة.
قال: ما عملك؟
قلت: مدرس.
قال: هل تعرف أحداً في بكين؟
قلت: لا.
قال: وأين تنزل؟
قلت: أي فندق.
قال: هل ستزور مدنا أخرى في الصين؟
قلت: ربما.
قال: من أين أنت؟ FROM WHERE?.
قلت: من السعودية.
قال: في دبي؟! FROM DUBAI
قلت: على مقربة منها!
ثم حاولت أن أتشاغل عنه بالالتفات من النافذة إلى الأرض، لشدة ما أحسست به من الفضول، ولقد ندمت على الانفتاح معه في الكلام، لأني أتعب كثيراً في تلمس المفردات الإنجليزية التي كنت أخلط فيها عباساً بدباس، كما أني أتعب كذلك في فهم عبارات صاحبي، وقد أفهم من كلمةِ زيدٍ عمراً، ومن كلمةِ خالدٍ بكراً، ولكن الرجل كان يصبر كثيراً ويكرر لي الكلمات بتأني لأفهم منه، على خلاف أبناء جنسه الذين يسرعون في الكلام ويطوونه طياً في مخارج حروفهم الصينية العجيبة، كما كان يصبر كثيراً علي حتى أجمع له بعض المفردات، ولعل له مأرباً تجارياً أو أمنياً جعله يستمر في مخاطبتي ويصبر!
أقول: ندمت لأن عادتي أن أريح نفسي في أسفاري، إذا لم أكن محتاجاً إلى الرطانة الصعبة، فأقول لمن يتكلم معي: (SPEAK ENGLISH NO)
وكان هذا الرجل من أحق الناس بهذه الحيلة.
دلالة الحوار:
خرجت من هذا الحوار بما يأتي:
أولاً: أن هذا الرجل، إما كثير الفضول، وإما أنه من رجال المخابرات الصينيين أو غيرهم، وإما أنه كان يطمع في أن أكون رجل أعمال أحتاج إلى عميل أو وسيط لينال مني شيئاً، ولعل الثلاث مجتمعة فيه.
ثانياً: ذكرني قوله مستفهماً، بعد أن ذكرت له: أني من السعودية ـ : من دبي؟ بقصة تحكى لمن عرف شيئاً فَنسب كلَّ شيء إليه، ذلك أن ملِكاً سجن أحد الوزراء لجريرة صدرت منه، وكان للوزير ابن متعلق به، فاستأذن من الملك في أن يرافقه ابنه في السجن، فأذن له، وعندما دخل غرفته في السجن رأى ابنه الصغير دويبة تتحرك في الغرفة، فسأل أباه: ما هذا؟ قال له: فأر، فسكت، ثم كان كلما قدِّم لهما طعام مع اللحم ـ تارة يكون لحم ضأن، وتارة لحم دجاج، وتارة لحم بقر، وتارة لحم جمل ـ يسأل الولد أباه: هل هذا هو لحم الفأر؟!
وقد ذكر ابن خلدون رحمه الله حكاية ابن الوزير، في سياق من ينكر أحوال الدول لمجرد أن بعضها ليس بمعهود عنده: "إياك أن تستكثر مثل هذا من أحوال الدول بما أنك لم تره، فتكون كابن الوزير الناشئ في السجن. وذلك أن وزيراً اعتقله سلطانه ومكث في السجن سنين، رَبيَ فيها ابنه في ذلك المحبس، فلما أدرك وعقل سأل عن اللحم الذي كان يتغذى به؟
فقال أبوه: هذا لحم الغنم، فيصفها أبوه بشياتها ونعوتها، فيقول: يا أبتِ تراها مثل الفأر، فينكر عليه ويقول: أين الغنم من الفأر؟
وكذا في لحم الإبل والبقر، إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفأر، فيحسبها كلها أبناء جنس الفأر...". [المقدمة ص: (323) نشر دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة].
فهذا الرجل يبدو أنه لم يسمع من البلدان العربية إلا دولة دبي، لأنها بلد تجاري مشهور، ولذلك جعل السعودية من دبي أو العكس، واتضح لي بعد ذلك أن كثيراً من الصينيين لا يعرفون من العالم شيئاً، بل ربما بعضهم لا يعرفون بعض مدن بلدهم، فلعل غالبهم أبناء وزراء لا يعرفون من اللحوم إلا لحم الفأرة!.
سهولة لم أتوقعها في مطار بكين:
وهبطت بنا الطائرة في مطار بكين الدولي في الساعة: 15. 00، وكنت قد حملت معي كمية من التمر، بدلاً من الكتب التي جرت عادتي أن أملأ حقائبي بها، من مؤلفاتي وغيرها لأهديها للمسلمين في البلد الذي أقصده، لأن كل من سألته عن أحوال الصين وموقف الحكومة من الزوار، يبالغ في تحذيري، وبخاصة من حمل الكتب، فلم أحمل معي أي كتاب سوى المصحف الذي وضعته في جيبي خشية مصادرته، وكنت أتوقع تفتيشاً دقيقاً يتعبني في ترتيب متاعي، الذي أصبحت بعض حقائبي تشكو إلى بارئها منه.
وكنت كتبت معلومات الجوازات في البطاقة، مثل كتابة الطفل الذي يبدأ التعلم في أول مراحله، واتضح لي بعد المرور بموظفي الجوازات، ثم بالجمارك أن الصين تحاول أن تثبت للناس أنها بدأت تسير ـ في الجملة ـ في المعاملة الغربية المتسامحة التي لا تضايق الناس في دخولهم وخروجهم في الجوازات والجمارك.. [ولكن دول الغرب الآن بدأت تتراجع عن هذه المعاملة، بزعم مكافحة الإرهاب، وتضايق البريء والمريب على السواء وبخاصة إذا كان من المسلمين بعد تفجيرات نيويورك]. فلم يطلب مني موظفو الجمرك أي شيء.. وهنا ندمت على عدم حملي بعض الكتب التي ظهر لي شدة حاجة المسلمين الصينيين إليها، ولات ساعة مندم.
انتظار وترقب ومشروع احتياطي:
خرجت من قاعة المطار ونظرت يمنة ويسرة لأرى الأخ الصيني إبراهيم، وهو وحده الذي أعرفه إذا رأيته، وصهره مصطفى صالح، فلم أر أحداً، وخشيت أن تتكرر قصة هونغ كونغ، وإذا حصلت في الصين فالأمر أشد وأنكى، فلا أعرف الفنادق، ولا قيمة العملة، وكنت أتصور أن الفنادق عندهم كلها صينية، والسكن فيه قد يكون مختلطاً، وكيف ستكون نظافتها، وكيف الأمن فيها وفي غيرها؟ كل هذه الأسئلة وردت عليَّ خلال خمس دقائق تقريباً.
وقلت في نفسي: لا أغادر المطار إن لم أجد أحداً، بل إن تيسر لي الاتصال بالأخ مصطفى، وإلا فقد دار بخاطري مشروع: (آخر الدواء الكي) وهو أن أطلب من موظفي المطار أن يحجزوا لي على أول طائرة تسافر إلى هونغ كونغ.
وإذْ كان الذهن يسبح في ذلك الخيال، والبصر يكاد يخترق وجوه الغادي والرائح، لمحت أربع أعين تدور تصور وجوه الناس، مثل كمرة الفيديو، فكانت عيون مصطفى وإبراهيم، وكان يبدو على وجه كل منهما ـ وهما يتلفتان ـ شيء من القلق، فلما أشرت لهما تغير المنظر، ورأيت عليهما البشر والسرور، وبخاصة إبراهيم الذي أكدت عليه كثيراً في منزلي بالمدينة قبل مدة طويلة، كما سررت أنا أيضاً، وذهبت عني تلك الخيالات والأوهام.