الصين الشعبية ـ القسم الأول
الصين الشعبية ـ القسم الأول
معلومات عامة عن الصين:

غالب معلومات القسم الأول من هذا الكتاب مأخوذة من ثلاثة كتب ألفها صينيون، وهي باللغة العربية، تمكنت من الحصول عليها بعد بحث شديد في إحدى المكتبات التي تبيع الكتب المطبوعة باللغات الأجنبية، في مدينة بكين، في: (28/2/1416هـ ـ 26/7/1995م)، وهذه الكتب هي:
1 ـ (بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة)، إعداد: ليو جيون ون، دار النشر باللغات الأجنبية، بكين، الطبعة الأولى سنة 1988م.
2 ـ (موجز أحوال الصين)، تأليف: تشي ون، دار النشر باللغات الأجنبية ـ بكين الطبعة الأولى.
3 ـ (الصين)، تأليف: تشين شي، دار النجم الجديد ـ بكين الطبعة الأولى عام 1993م. وبها إحصاءات رسمية، وبعض الصور الفوتوغرافية.
ومراجع أخرى غيره سيأتي ذكرها في أماكنها.
فمعلومات هذا الكتاب قسمان:
القسم الأول: مأخوذة من مراجع مطبوعة باللغة العربية لمؤلفين صينيين أو عرب، أو من تقارير كتبها صينيون أو عرب.
القسم الثاني: هو مذكراتي اليومية التي كتبتها أثناء مقابلاتي مع بعض المسلمين الصينيين مشافهة، أو ترجموها لي من بعض الكتب الجغرافية الصينية.
سبب التسمية:
لعل اسم الصين أخذ من اسم أول أسرة حكمت هذا البلد حكماً إمبراطورياً قوياً وعينت حدوده وقسمته إلى ولايات ومقاطعات إدارية، بعد فترة الدول المتحاربة، واستمر حكمها من: (221ق. م ـ 206ق. م).
واسم هذه الأسرة: (تشي إن ـ ch`in). [راجع كتاب: المسلمون في الصين ـ الملف الضائع: (ص: 65)].
موقع الصين ومساحتها:
تقع الصين في الجزء الشرقي من قارة آسيا، وعلى الساحل الغربي من المحيط الهادي.
وتبلغ مساحة اليابسة في الصين: 6 ر9 ملايين كيلو متر مربع، فهي ثالث دولة في العالم من حيث المساحة (بعد روسيا وكندا).
حدود الصين:
يحدها من الشرق كوريا ـ بقسميها: الجنوبي والشمالي، ومن الشمال: منغوليا، ومن الشمال الشرقي: روسيا، ومن الشمال الغربي: قازاخستان، وكيرجستان، وطاجكستان، ومن الغرب والجنوب الغربي: أفغانستان، وباكستان، والهند، ونيبال، وسيكيم، وبهوتان، ومن الجنوب: ميانمار، ولاوس، وفيتنام، ويبلغ طول حدود الصين البرية: 8 ر22 ألف كيلو متر تقريباً.
وتواجه عبر البحار كلا من: كوريا، واليابان، والفلبين، وبروناي، وماليزيا، وإندونيسيا، من جهة الشرق والجنوب الشرقي.
تبلغ عدد جزرها المنتشرة في مياهها البحرية: (5000جزيرة)، ويعد الصينيون جزيرة تايوان ـ وهي أكبر تلك الجزر، وتبلغ مساحتها: 36 ألف كيلو متر مربع ـ من مقاطعات الصين الشعبية. [تعد الصين من مقاطعاتها جزيرة تايوان، ويرى حكام تايوان أنها فعلاً إحدى مقاطعات الصين، ولكنهم يدعون أنهم هم الحكام الشرعيون للصين كلها، وأن وجود حكومتهم في جزيرة تايوان وجود مؤقت (المجلد الثالث عشر: سنغافورة وبروناي وتايوان، في المشارق والمغارب)].
ومن تلك الجزر جزيرة هينان، وتبلغ مساحتها: 34 ألف كيلو متر مربع.
تضاريس الصين ودرجاتها:
يغلب على سطح الصين الهضاب والجبال والتلال، حيث تبلغ تلك المرتفعات: 60% من أراضيها البرية.
وتضاريسها إجمالا أربع درجات:
الدرجة الأولى: هضبة تشينغهاي ـ التبت.
ومساحتها 2ر2 مليون كيلو متر مربع، في الجنوب الغربي من الصين، ويقع قسمها الأساسي على الحدود الصينية الهندية والحدود الصينية النيبالية، وهي أعلى وأكبر هضبة في العالم، ولذا أطلق عليها: (سقف العالم).
ويبلغ متوسط ارتفاعها 4000م فوق سطح البحر، وبها جبال هيمالايا [وتعني باللغة السنسكريتية: موطن الثلوج]. التي بها أعلى قمة في العالم (جبل إيفرست المشهور الذي يفد إليه هواة التسلق من جميع العالم) ويبلغ ارتفاعه: 13 ر8848 متراً فوق سطح البحر. [في الصين أكثر من مائة جبل يزيد ارتفاع كل منها على 7000 متر، وأكثر من 1000جبل يتجاوز ارتفاع كل منها 600متر].
الدرجة الثانية: تقع في حافة شرق وشمال هضبة تشينغهاي.
وتتكون من أحواض تشونقار، وتاريم، وسيتشوان، وهضبة منغوليا الداخلية، وهضبة التراب الأصفر، وهضبة يونَّان ـ جويتشو، وينخفض ارتفاعها انخفاضاً شديداً إضافة إلى هضبة تشنغيهاي السابقة، حيث يبلغ ارتفاعها من 1000إلى2000 متر فوق سطح البحر.
الدرجة الثالثة: تقع في شمال شرق الصين.
وتتكون من جبال: شينغآن العظمى... ويبلغ ارتفاعها من: 500 إلى 1000متر فوق سطح البحر.
ويمتد في هذه المنطقة سهل شمال الصين الشرقي، وسهل شمال الصين، وسهول نهر مجرى نهر اليانغتسي التي تزين حوافها التلال المنخفضة.
الدرجة الرابعة: تقع في شرق الدرجة الثالثة.
وهي منحدرات ممتدة في منطقة بحرية ضحلة المياه، تتكدس فيها كمية كبيرة من الغرين الذي يحمله النهر القاري إلى مصبه في البحر.
مناخ الصين وتنوعه وسبب ذلك:
نظراً لمساحة الصين الواسعة، حيث تمتد من خط عرض: 53 ْ شمالاً إلى خط عرض 4 ْ شمالاً، ومن خط طول: 135 ْ شرقاً إلى خط طول: 73 ْ شرقاً، واختلاف تضاريسها وسطحها، من مرتفعات شاهقة إلى سهول منخفضة، ومن مناطق تجاور مياه البحار والأنهار والبحيرات العذبة والمالحة إلى مناطق صحراوية جافة، ومن مناطق مكسوة بالغابات والمزارع إلى مناطق جرداء، أقول: نظراً لذلك كله فإن مناخ الصين يختلف اختلافاً كثيراً باختلاف تلك التضاريس.
ولذلك تجد الفصول الأربعة في الصين واضحة غاية الوضوح، حيث تهب الرياح شمالية باستمرار، ويقل سقوط الأمطار في الشتاء، كما تهب جنوبية باستمرار، مع غزارة سقوط الأمطار في الصيف.
ومعظم أقاليم الصين تقع في المناطق المعتدلة، ويقع جزء منها في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية جنوباً، وفي الشمال يقترب من المناطق المتجمدة التي يكون الصيف فيها دافئاً قصيراً، والشتاء بارداً طويلاً، وفي الشرق يكون الجو معتدلاً رطباً، أما في الشمال الغربي فالطقس يتقلب فيه تقلباً شديداً حتى في اليوم الواحد، ولذا يقولون فيه: يلبس الفراء في الصباح، ويلبس الحرير الخفيف عند الظهر، وفي بعض مناطق يونَّان يكون الطقس معتدلاً في غالب السنة، ولذا يسمون عاصمة الولاية: (كومنغ): مدينة الربيع.
ولعل في الجدول الآتي ما يوضح الفرق في درجات الحرارة في مناطق الصين المختلفة:
المدينةمتوسط الدرجة في ينايرمتوسط الدرجة في يوليوالفرق السنويبكين4,8تحت الصفر25,830,6شنغهاي3,52824,5تشنغداو1ر1تحت الصفر23,724,8قوانغتشو13,72828,3ووهان2,729,126,4أورومتشي15,823,939,7سنيانغ13تحت الصفر24,937,9
الأنهار والبحيرات:
الأنهار والبحيرات كثيرة جداً في الصين.
أولاً: الأنهار الرئيسة في الصين.
عدد الأنهار التي تزيد مساحة كل منها عن 100كم مربع 1500 نهر، وهذا بخلاف الأنهار التي هي أقل من ذلك.
أما الأنهار الرئيسة في الصين، فهي:
1) نهر اليانغتسي YANG ZI. وهو أطول أنهار الصين، وثالث أطول نهر في العالم، وينبع من الجنوب الغربي لقمة (قلاداندونغ) المكسوة بالثلوج، ويخترق مناطق كثيرة. وهو شريان مهم للمواصلات حيث يربط بين عدة مدن حتى يصب في بحر الصين الشرقي قرب مدينة شنغهاي، ويبلغ طوله: 6300كيلومتر.
2) النهر الأصفر. وهو ثاني أطول نهر في الصين، ويعد حوضه مهد الحضارة الصينية القديمة، حيث توجد في منطقته آثار قديمة كثيرة، ويبلغ طوله: 5464 كيلو متر، ويمر بمقاطعة شاندونغ في أقصى الشرق، حيث يصب في بحر بوهاي.
3) نهر اللؤلؤ. وتمده ثلاثة روافد، وينبع من جبال وومنغ في مقاطعة يونَّان، وهو أكبر نهر في جنوب الصين، ويبلغ طوله 2197 كيلو متراً، ويصب في بحر الصين الجنوبي، وكمية مياهه تساوي ثمانية أضعاف مياه النهر الأصفر، وإن كان في الطول أقل منه بكثير.
وبالإضافة إلى الأنهار الطبيعية الكثيرة في الصين، توجد قناة مشهورة بدأ شقها في القرن الخامس قبل الميلاد، وهي تمتد من بكين شمالاً إلى هانغتشو في مقاطعة تشجيانغ جنوباً، ويبلغ طولها 1801 كيلو متر، وكانت تعد طريقاً مائياً رئيساً للأسر الحاكمة في الحقب الماضية.
ثانياً البحيرات:
كذلك تكثر في الصين البحيرات العذبة والمالحة، وهي تغطي أكثر من 80.000كيلومتر مربع.
وعدد البحيرات التي تزيد مساحة كل منها عن 100كيلو متر مربع يربو على 130 بحيرة.
أما البحيرات التي تزيد مساحتها عن كيلو متر مربع واحد، فإن عددها يتجاوز 2800 بحيرة.
وأكبر البحيرات العذبة: بحيرة (بويانغ) في جنوب نهر اليانغتسي، ومساحتها 3583 كيلو متراً مربعاً.
وأكبر البحيرات المالحة: بحيرة (تشنغهاي) في الغرب، ومساحتها 4583 كيلومتراً مربعاً.
الثروة النباتية والحيوانية:
أولاً: الثروة النباتية:
بلغت أصناف النباتات في الصين: (اثنين وثلاثين ألف صنف)، منها ما يزيد عن (2000 صنف) للتغذية، ومنها ما يزيد عن (2800 صنف)من الأشجار، إضافة إلى ما لا يحصى من أصناف الأعشاب الطبية ومواد الأدوية الثمينة.
وتزرع الصين النباتات الاقتصادية، كالقطن وقصب السكر والبن والأرز ونخل الزيت وشجر الكاكاو والفلفل الأسود، والأنواع الكثيرة من الشاي، وتكثر بها الفواكه المتنوعة، ومن الأشجار النادرة شجرة (ميتاسكوايا)، وهي شجرة ضخمة قد يصل ارتفاعها إلى (35 متراً)، ومن الأشجار التي تُزرع شجر السرو، وغير ذلك.
وقد أنتجت في سنة 1992م أكثر من 442 مليون طن من الحبوب.
ثانياً: الثروة الحيوانية:
أما الحيوانات، فإن الصين أغنى دول العالم بها، ففيها (2091)من أنواع الحيوانات الفقارية التي تعيش على اليابسة، وتقدر بـ10% من مجموعها في العالم.
ومن أنواع الحيوانات المشهورة الخاصة بالصين: (الباندا العملاقة) [صورتها في ص: 10موجز أحوال الصين]. وتعيش في المناطق الجبلية النائية، وتعد من الكنوز الوطنية الثمينة. [وقد شاهدتها في حديقة حيوان بكين، كما سيأتي ذكرها في مذكراتي اليومية].
وبها: 1186 نوعاً من الطيور، وتقدر بـ13,5% من مجموع أنواعها في العالم، بعضها من الطيور النفيسة النادرة، مثل الكركي الأحمر.
وقد أقامت الأقسام المسؤولة عن حماية الحيوانات والنباتات (24) منطقة محمية طبيعية بلغت مساحتها 44 مليون هكتار، للحفاظ على هاتين الثروتين، وبخاصة النادر منهما.
الثروات المعدنية:
تحتل الصين المرتبة الثالثة في مجمل احتياطها من المعادن، وقد اكتشف بها إلى سنة 1993م: 148 معدنا، منها:
الفحم، والنفط، والغاز، والحديد، والتنجستين، والقصدير، والزنك، والرصاص، والزئبق.....
الصناعات الخفيفة والثقيلة:
نمت الصناعة في الصين نمواً سريعاً، حيث أصبح معدل الزيادة السنوية في الصناعة ما يربو على: 13%.
تشتمل صناعة الصين على الصناعات الخفيفة، والثقيلة:
أولاً: الصناعات الخفيفة.
فالصناعات الخفيفة: بلغت 22 صنفاً، منها الورق، والأدوات اليومية، والأطعمة والمصابيح، والجلود والفراء، والقراطيس، والأشغال اليدوية. . وتصدر كثيراً منها إلى الخارج.
ثانياً: الصناعات الثقيلة.
ومن الصناعات الثقيلة: الغزل والنسيج والصوف والكتان والحرير والصبغ والملابس...
ومنها صناعة الوقود والطاقة، كالفحم والنفط والكهرباء، وقد حققت في سنة 1993م الاكتفاء الذاتي من النفط، بل بدأت في تصديره.
وتقدمت في صناعة الحديد والصلب الذين بلغ إنتاجهما حتى سنة 1992م ثمانين مليون طن، ويتوقع أن يبلغ إنتاجهما مائة مليون طن مع نهاية القرن العشرين الذي لم تبق منه إلا خمس سنوات. [كانت كتابة هذه السطور في: (29/7/1416هـ ـ 21/12/1995م].
وتصنع السيارات والسفن والجرارات الكبيرة والمتوسطة والماكينات الدقيقة وأجهزة توليد الكهرباء، بل أصبحت قادرة على صنع الطائرات ـ المقاتلة والقاذفة وطائرات الاستطلاع وطائرات الشحن وطائرات الهليكوبتر وطائرات الركاب ـ وأصبحت تصدر الطائرات المدنية لعدد من الدول.
وقد أنتجت الصواريخ الناقلة للأقمار الصناعية وأطلقتها، من ذلك إطلاقها القمرين الصناعيين الأستراليين الذين صنعتهما الولايات المتحدة الأمريكية. [الصين: ص: 22].
وأطلقت ما بين سنة: 1970و1992م:33 قمراً صناعياً. [وتغزو الصين الدول الغربية وغيرها بكثير من صناعاتها، وهي تتقدم بصورة مطردة في صناعاتها الخفيفة والثقيلة، لذلك تخشى الدول الغربية وبخاصة أمريكا التي تريد السيطرة الكاملة على العالم، تخشى من سرعة تفوقها المنافس لها، وليت الدول العربية والإسلامية تتجه باستثماراتها للصين واليابان لئلا تنفرد بها الولايات المتحدة الطاغية في هذا العصر].
النقل والمواصلات:
أولاً: السكك الحديدية.
وتتكون السكك الحديدية الصينية من خطين رئيسين:
الأول: يربط شرق البلاد بغربها، حيث يمتد من (جيانغسو) في الشرق إلى (أورومشي) في الغرب، تتفرع عنه سكك فرعية هنا وهناك.
الثاني: يربط شمال الصين بجنوبها، حيث يمتد من (هاربين) شمالاً إلى (غوانغتشو) جنوباً، متخذاً بكين مركزاً رئيساً.
كما بنيت خطوط حديدية مهمة في جنوب غرب الصين، حيث تكثر الجبال العالية.
وقد بلغت مسافة السكك الحديدية ـ إلى عام 1992م ـ ما يقارب (54) ألف كيلو متر.
ثانياً: الطرق البرية العامة.
وقد بلغت مسافتها ـ إلى سنة 1992م: (054ر1) مليون، ما بين طرق سريعة وطرق عادية، وهي تربط بين المحافظات كلها ـ ما عدا محافظة: موتوه في التبت.
والسيارات تابعة للشركات الحكومية، منها الحافلات الكبيرة التي تنقل موظفي الشركات، ومنها التي تنقل المسافرين من مدينة إلى أخرى، ومنها سيارات الأجرة الصغيرة والكبيرة التي تنقل الركاب في داخل المدن، ولا يركب سيارات الأجرة الصغيرة ـ في الغالب إلا الوافد من خارج البلد لأن غالب أهل البلد لا يستطيعون دفع أجرتها، لقلة رواتبهم. [الآن أصبح المواطنون من التجار يركبون سيارات الأجرة].
ولا توجد سيارات يملكها أفراد، إلا كبار رجال الدولة [الآن التجار يملكون السيارات، ولكنهم يدفعون عليها ضرائب مستمرة شهرياً وسنوياً]. الذين كانوا من قبل يستعملون الدرجات كغيرهم من أبناء الشعب، وإلا سائقي سيارات الأجرة الذين يمضون مدة طويلة يعملون مع الشركة التي تملك السيارة، ثم يحق لهم تملكها بشرط دفع ضريبة مستمرة للدولة.
ثالثاً: الملاحة النهرية.
وقد بلغ طول الممرات المفتوحة للملاحة في الأنهار الصينية 110 آلاف كيلو متر، وفي ذلك تسهيل لحركة النقل المختلفة.
رابعاً: النقل البحري.
إن للصين أكثر من عشرين ميناءاً رئيساً، تشتمل على ما يقرب من 1100مرسى، تنقل السفن العاملة في هذه المواني ما يزيد عن مائة مليون طن من صادرات الصين ووارداتها من أنواع البضائع كل سنة.
خامساً: الطيران المدني.
وعدد شركات الخطوط الصينية المحلية (14شركة) إلى عام 1992م. ومركزها الرئيس (بكين) العاصمة. [ينبغي أن يعلم أن الشركات كلها في الصين حكومية].
ولها فروع في المناطق الأخرى، وقد بلغت خطوطها إلى سنة 1992م: 526 خطاً، منها 58 خطاً دولياً.
سادساً: الدراجات العادية.
لو أن أحداً سمى الصين: (بلد الدراجات) لصحت تسميته لها بذلك، فلا تكاد تجد في مدنها ـ شوارعها العامة والفرعية، والأسواق المركزية والشعبيه، والشركات الكبيرة والصغيرة، والأماكن السياحية والمنتزهات، والإدارات الحكومية، وأماكن العبادات، والطرق الرابطة بين المدن وضواحيها طالت أم قصرت ـ مساحة تخلو من الدراجات بكثرة مدهشة: السائرة والواقفة.
وقد خصص لها شوارع خاصة محاذية لشوارع سير السيارات، مثل خطوط الخدمات الموجودة عندنا، إلا أنه يحذر على غير سائقي الدراجات استعمالها، ولقد مشيت في وسط أحد تلك الشوارع عندما رأيت فراغاً نسبياً فيه، ظناً مني أنها غير محظورة على المشاة ـ بل لم أكن أعلم أنها محظورة على سير السيارات ـ فإذا مرافقي الصيني (إبراهيم يصيح بي: يا شيخ يا شيخ احذر احْذر!) وإذا دفعة من الدراجات تكاد تصدمني، وهم يسيرون متلاصقين في الطريق كتلاصق المصلين الحريصين على السنة في صلاة الجماعة، لضيق الشارع بهم، وكلهم يصيحون بي بكلمة واحدة، وينظرون إلي نظرات تعجب واستنكار، وكان ذلك في ميدان (تيان آن من).
الاتصالات في الصين:
البرق والبريد والهاتف: إن ترامي أطراف الصين تستدعي شبكات من الاتصالات البريدية، والبرقية، والهاتفية، وقد بلغت مكاتب البريد إلى عام 1992ما يقارب (55) ألف مكتب، وأنشئت شبكة تحويل للهواتف الآلية البعيدة المدى في (1521) مدينة ومحافظة، وتم ربط خطوط هاتفية في كثير من المدن بالخارج....
أصل سكان الصين:
يكتنف أصل سكان الصين غموض شديد إلى الحد الذي جعل بعض الكتاب يرى أنه: (ليس من الناس من يعرف من أين جاء الصينيون، أو إلى أي جنس ينتسبون، أو متى بدأت حضارتهم في الزمن القديم). [ليعلم القارئ أني لا ألتزم دائماً نقل المعلومات من المراجع بالنص، بل قد أنقل النص كاملاً وأضعه بين قوسين، وقد أختصره وأشير إلى ذلك بوضع نقاط في مكان الاختصار هكذا... وقد يكون النص المحذوف طويلاً في صفحات متعددة، وقد أنقل المعلومة بالمعنى وأشير إلى صفحاتها].
واستنتج بعضهم بوساطة الاكتشافات الأثرية أن أصلهم من منغوليا الجنوبية التي أجدبت وجفت وآضت إلى صحراء قاحلة، فانتشر سكانها في كل من سيبريا والصين، ويرون أن سكان الصين ليسوا أمة واحدة، وإنما هم خليط من أجناس مختلفة الأصول ـ كالأمم الأوربية ـ غير متجانسة في الأخلاق والفنون، وأنهم يعادي بعضهم بعضاً في العادات والمبادئ الخلقية والنظم الحكومية.
أسباب الجهل بسكان الصين وأسباب عزلتها:
ويعزو كتاب الحضارات سبب الجهل بسكان الصين إلى عزلتها الطبيعية الناشئة عن تضاريسها الكثيرة المرتفعات والجبال الوعرة، والغابات الكثيفة، والشعاب البعيدة الغور، والصحاري القاحلة الواسعة والأنهار العظيمة، والأقوام المتوحشة، والبحار التي تحتضن حدودها الشرقية والجنوبية... [قصة الحضارة: (4/ 12 ـ 14). ول ديورانت، ترجمة محمد زيدان، الطبعة الثالثة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة].
ويمكن أن يضاف إلى ذلك الحواجز الصناعية، وهي الأسوار التي كانت تبنى على حدود الممالك الصينية قبل وحدتها، ثم بناء السور العظيم بعد توحيد تلك الممالك. [راجع قصة الحضارة (4/ 19)].
ومن أهم أسباب عزلة الصين عن العالم أن سياسة حكامها في الماضي والحاضر، دأبت على تقوية تلك العزلة بكل الوسائل المتاحة، ولا يغيرون سياستهم تلك إلا إذا اضطروا إلى ذلك التغيير، إما لحاجتهم الملجئة لهم إلى ذلك، كما يحاولون الآن الاستفادة من التقدم الصناعي الغربي ومن تسويق بضاعتهم إلى العالم، لتقوية اقتصادهم الذي يقصدون من ورائه إحراز القوة العسكرية التي تزيد من هيبتهم ـ العددية التي قاربت المليار ونصفه ـ وإما لفرض ذلك عليهم من دول أجنبية، كما حصل في عهود الاستعمار الغربي المتكرر وحروب الأفيون والغزو الياباني.
وقد عَمِلتْ تلك العزلة في سكان الصين عملَها، حتى أصبحت من طبيعتهم، ولا يزال غالبهم إلى اليوم لا يعرف عن العالم شيئاً، ولا يهش لزائر أجنبي، بل إن كثيراً منهم لا يعرف من بلاده غير منطقته التي يعيش فيها.
وعلى كل فإن سكان تلك المناطق كلها هم من نسل (يافث بن نوح) (. قال ابن كثير رحمه الله: (وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن هانئ وأحمد بن حسين بن عباد أبو العباس، قالا: حدثنا محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي، حدثني أبي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ولد لنوح سام وحام ويافث، فولد لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والسقالبة، ولا خير فيهم، وولد لحام القبط والبربر والسودان)) ثم قال: لا نعلمه يروى مرفوعاً إلا من هذا الوجه، تفرد به محمد بن سنان عن أبيه، وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه. ورواه غيره عن يحيى بن سعيد مرسلاً ولم يسنده، وإنما جعله من قول سعيد... [راجع البداية والنهاية لابن كثير:(1/ 108)، (2/ 100)].
وإذا علم أن العرب وفارس والروم من أولاد سام، وأن القبط والبربر والسودان من أولاد حام، فالظاهر أن الصينيين وسكان المناطق الشرقية المجاورة لها يدخلون في الترك ويأجوج ومأجوج، الذين هم أبناء يافث، لأنهم أقرب إليهم من أبناء العمَّين الآخرين مكاناً وشكلاً، وهذا الحديث ـ وإن تُكُلِّمَ فيه ـ فهو أولى بالقبول من روايات تاريخية لا سند لها.
هذا مع العلم أنه لم يبق على وجه الأرض من البشر ـ بعد الطوفان الذي أهلك الله به الكائنات ـ في عهد نوح إلا من هو من ذريته، كما قال تعالى: { وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ }. [الصافات: 77].
أما السقالبة ـ وتكتب بالسين والصاد ـ فقال عنهم في القاموس المحيط: (جيل تتاخم بلادهم بلاد الخزر بين بُلْغَر وقسطنطينية).
وقال في لسان العرب: (قال أبو منصور:السقالبة جيل حمر الألوان، صهب الشعور، يتاخمون الخزر وبعض جبال الروم..).
وقال في موسوعة المورد عن الصقالبة: (اسم جامع أطلقه العرب على السلاف SLAVS بعامة...) وقال عن السلاف: (مجموعة من شعوب شرق أوربا... يقسم السلاف عادة إلى الشعوب السلافية الشرقية، وأهمها الروس والأوكرانيون والبيلوروسيون، والشعوب السلافية الغربية، وأهمها البولنديون والتشيكيون والسلوفاكيون، والشعوب السلافية الجنوبية، وأهمها الصرب والكرواتيون والسلوفينيون والمقدونيون والبلغار...). [تُرَاجع مادة (صَقْلَبَ) في كتب اللغة. وفي الموسوعة المذكورة].
عدد سكان الصين:
بلغ عدد سكان الصين في سنة 1949م: (67ر541 مليون) وبلغ في سنة 1990م: (381ر017ر160ر1) أي مليار، ومائة وستين مليون، وسبع عشرة ألفاً، وثلاثمائة وثمانين نسمة. [موجز أحوال الصين، تأليف: تشي ون، ص: 19 ـ 20، دار النشر باللغات الأجنبية ـ بكين، سنة 1990م].
وبلغ عددهم حسب الإحصاء الرسمي في شهر 9/1994م ملياراً وثلاثمائة وتسعة ملايين وثمانمائة وخمسة وتسعين ألفاً ومائتين وأربعاً وعشرين نسمة (224 ر 895 ر309 ر1) [في السنة الماضية، أي قبل زيارتي للصين بسنة واحدة، ولما يعلن إحصاء رسمي جديد للسكان، وهذا الإحصاء تضمنه كتاب جغرافي باللغة الصينية، موجود في مكتبتي، وقد ترجم لي ذلك الأخ إبراهيم الصيني، مرافقي في الرحلة والطالب بالجامعة الإسلامية بالمدينة].
القوميات التي يتألف منها سكان الصين:
يتألف سكان الصين الآن من ست وخمسين قومية، أكثرها عدداً قومية (هان) وهي التي تحكم الصين، وتعتبر القوميات الأخرى أقليات. [الصين ص 18].
الأديان المشهورة في الصين:
يتعجب كتاب الحضارات من تناقضات الصينيين الذين اجتمع فيهم الإيمان بالخرافات الغالية، والانصياع لأحكام العقل المتأملة، بسبب التأثر القوي بما يمليه عليهم فلاسفتهم مختلفي الاتجاهات:
(لم يقم المجتمع الصيني على العلم، بل قام على خليط فذٍّ عجيب من الدين والأخلاق والفلسفة، ولم يشهد التاريخ شعباً من الشعوب أشد من الشعب الصيني استمساكاً بالخرافات، أو أكثر منه تشككاً، وأعظم منه تُقًى، أو أكثر انصياعاً لحكم العقل، أو أقوى منه دنيوية، ولم توجد على ظهر الأرض أمة تماثل الأمة الصينية في التجرد من سيطرة الكهنة، ولم يسعد قوم غير الهنود بآلهتهم أو يشقوا بهم، بمثل ما سعد بهم الصينيون أو شقوا، ولسنا نستطيع أن نفسر هذه التناقضات إلا بأن نعزو لفلاسفة الصين نفوذاً لا نظير له في التاريخ...) [قصة الحضارة، (4/ 256)].
ولنلخص ما ذكره بدر الدين حي الصيني الأزهري عن ديانات الصين قبل وصول الديانات التي سماها: الأجنبية. [بدر الدين و. ل. حيّ هذا ذكر عن نفسه في كتابه: (تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر) أنه خرج من الصين التي احتلها الشيوعيون في أول عهد شبابه، ودرس في الجامعة الملية الإسلامية بدلهي وتعلم اللغة الأردية، من سنة 1927م إلى سنة 1933م، واتصل بكبار علماء المسلمين وقادتهم في الهند، ومنهم شاعر الإسلام محمد إقبال، والعلامة الكبير السيد سليمان الندوي... ثم سافر إلى القاهرة، والتحق بكلية اللغة العربية بالأزهر الذي كان يرأسه الشيخ مصطفى المراغي، وتعرف كذلك على كبار العلماء، ومنهم الدكتور عبد الوهاب عزام، والأستاذ مصطفى صادق الرافعي... وبقي هناك من سنة 1934م إلى سنة 1941م، ألف خلالها أول كتاب له باللغة العربية: (العلاقات بين العرب والصين) ثم سافر ضمن الوفد الصيني وأقام في نيويورك من سنة 1953 إلى سنة 1955م جمع خلالها كثيراً من مادة كتابه: (تاريخ المسلمين في الصين) وبعد أن أصبح مستشاراً للسفارة الصينية في جدة، عدل بعض التعديلات في هذا الكتاب بتوجيه من بعض العلماء، ذكر منهم الشيخ أحمد صلاح جمجوم والشيخ محسن باروم. ذكر ذلك في (مقدمة الكتاب المذكور)].
قال بدر الدين: (كان للصينيين دين قبل وصول الديانات الأجنبية إليهم مبني على الأوهام والخرافات.. يتخذون الأجسام السماوية والظواهر الطبيعية معبودة لهم غير معتقدين بخالق جبار.. فالحكماء الذين ظهروا في الصين بعد زمن الخرافات... لا أحد منهم قد أتى بكتاب سماوي.. إلا أن كلامهم يدل على عقيدة بذات ما وراء الطبيعة...)
ثم ذكر بعض الديانات الأجنبية التي دخلت الصين، ومحيت آثارها، ومنها المانوية التي وصلت إلى الصين في القرن السابع الميلادي، والمجوسية التي وصلت إلى الصين قبل الإسلام بقرن.
ثم النسطورية التي وصلت إلى الصين في سنة: 635م. [العلاقات بين العرب والصين، (ص: 141) الطبعة الأولى، 137 ـ 1950، مكتبة النهضة المصرية].
الكنفوشيوسية (CONFUCI UISMA ):
وهي ـ في الأصل ـ تقاليد وطقوس قومية ورثها الخلف عن السلف، وقد صاغها صياغة جديدة، واجتهد في إحيائها والدعوة إليها الفيلسوفُ الصينيُّ المشهور: (كانفوشيوس CONFUCIUS) المولود سنة: 551 قبل الميلاد، والمُتَوَفَّى سنة: 479 قبل الميلاد، أي إن عمره: (72 سنة).
ومعبودات هذه الديانة ثلاثة:
السماء:
والسماء ـ لدى الصينيين ـ اسم مشترك للقبة الزرقاء المحيطة بالأرض، والإله الذي يطلقون عليه: (الملك العلي) ويعتقدون أنه حي عليم قدير، يصرف السماوات والأرض وما بينهما، ويعتقدون القضاء والقدر.
وعبادة السماء مخصوصة بالمَلِك، الذي يسمونه: (ابن السماء) ولا يشاركه في ذلك الرعية، ويرتبون على ذلك الاختصاص احترام الملك وطاعته، إذا قام بمصالحهم التي هي إرادة الإله، وخلعه أو قتله إذا قصر في تلك المصالح، لأنه بذلك عصى الإرادة السماوية.
الملائكة:
وهم قسمان:
القسم الأول: ملائكة الكائنات العلوية، كالشمس والقمر والكواكب، وهذا القسم تابع للسماء التي يختص بعبادتها الملك.
القسم الثاني: ملائكة الكائنات الأرضية، كالجبال والأنهار، وعبادتها خاصة بالأمراء، ولا حق لبقية الرعية في عبادتها.
الأرواح:
والصينيون كلهم ـ الملك والأمراء والرعية ـ يعبدون أرواح آبائهم وأجدادهم، ويعتقدون بقاء أرواحهم وأنها تعيش معهم في الدنيا، ويوجد في كل بيت معبد للأرواح، ولا يعتقدون وجود جنة ونار، وإنما الجزاء يكون في الدنيا.
أهداف تعاليم كونفوشيوس:
وقد كان تجديد الأخلاق المبني على المعرفة، المنظم لحياة الفرد والأسرة والمجتمع، المقامة على أساس صالح قويم هو هدف الفيلسوف (كونفوشيوس) من تعاليمه التي دعا إليها ودَوَّنها، ليزيح عن أمته الفوضى التي كانت تعيشها، ونشأ عنها عدم احترام أمراء الإقطاعيات للملك وعدم تنفيذ أوامره، مع احتدام الحروب فيما بينهم.
(ولُحْمة هذا الدين الإحسان بالوالدين والاحترام للكبار، وسداه المحافظة على التقاليد القومية والموسيقى، وبيان ذلك أن المثل الأعلى عند (كونفوشيوس) المروءة، وهي عبارة عن الفطرة السليمة والعواطف المعتدلة التي طبع الإنسان عليها، فما يبديه الإنسان في طفولته لوالديه وإخوته الكبار، هو ينبوع العواطف المعتدلة التي يجب عليه أن يبديها لأفراد المجتمع الإنساني، كما جاء في كتاب الحوار: [لكونفوشيوس نفسه، وهو كتاب يحترمه الصينيون احترام المسلمين لأنبيائهم]. (الإحسان بالوالدين والاحترام للإخوة الكبار هو أساس المروءة...). [كل ما مضى عن الكنفوشيوسية من كتاب (نظرة عامة إلى تاريخ الصين وأحوال المسلمين فيها، (ص:15)].
ومما ينقل عن كونفوشيوس قوله: (إن القدامى الذين أرادوا أن ينشروا أرقى الفضائل في أنحاء الإمبراطورية، قد بدءوا بتنظيم ولاياتهم أحسن تنظيم، ولما أرادوا أن يحسنوا تنظيم ولاياتهم بدءوا بتنظيم أسرهم، ولما أرادوا تنظيم أسرهم بدءوا بتهذيب نفوسهم، ولما أرادوا أن يهذبوا نفوسهم بدءوا بتطهير قلوبهم، ولما أرادوا أن يطهروا قلوبهم عملوا أولاً على أن يكونوا مخلصين في تفكيرهم، ولما أرادوا أن يكونوا مخلصين في تفكيرهم بدءوا بتوسيع دائرة معارفهم إلى أبعد حد مستطاع، وهذا التوسع في المعارف لا يكون إلا بالبحث عن حقائق الأشياء.
فلما أن بحثوا عن حقائق الأشياء أصبح علمهم كاملاً، ولما كَمُلَ علمهم خلصت أفكارهم، فلما خلصت أفكارهم تطهرت قلوبهم، ولما تطهرت قلوبهم تهذبت نفوسهم، ولما تهذبت نفوسهم انتظمت شئون أسرهم، ولما انتظمت شئون أسرهم صلح حكم ولاياتهم، ولما صلح حكم ولاياتهم أضحت الإمبراطورية كلها هادئة سعيدة). [قصة الحضارة:(4 /54)].
الطاوية TAOISM:
تنسب هذه الديانة إلى الفيلسوف الصيني: (لوتس LUTES) ولد قبل كونفوشيوس بخمسين عاماً، وقد قابله كونفوشيوس واحترمه.
ومبادئه أخلاقية فلسفية محضة، لا تستند إلى دين، وأساسها السحر والرقى، وهدفها طرد الشياطين ومعالجة الأمراض بالطلاسم، واكتساب الحياة الخالدة في الدنيا بالرياضة البدنية والنفسية وعبادة الأولياء عندهم. [نظرة عامة إلى تاريخ الصين وأحوال المسلمين فيها (ص: 15 وما بعدها)].
البوذية BUDDLISM:
وهي منسوبة إلى مؤسسها (جوتَما GAUTAMA) الذي اعتقد أتباعه أنه (البودا BUDDHA) الأخير من البودوات الذين وصلوا إلى مرتبة المكاشفة، ولد في الهند سنة: 560 قبل الميلاد، وتوفي سنة: 480 قبل الميلاد. أي إن عمره ثمانون سنة.
كان أبوه ملكاً، وكان في أول أمره ـ كأبناء الملوك ـ مترفهاً يعيش في رغد من العيش، ثم زهد في الدنيا وتقشف واعتزل في أحد الجبال يفكر في أسباب الشقاء، وأسباب السعادة، ثم خرج على الناس يعظهم، ويدعوهم إلى أفكاره لينقذهم من الشقاء.
ملخص أفكار بوذا:
أولاً: إن الشقاوة ناشئة عن الشهوات، وهذه ناشئة عن عدم إدراك الإنسان شخصيته الحقيقية.
ثانياً: أن السبب الرئيس للنجاة من الشقاوة، هو أن يدرك الإنسان شخصيته الحقيقية وشخصيته الزائفة، لأنه بتلك المعرفة يستطيع أن يطفئ شهوته المسببة للشقاوة.
ثالثاً: أن أصول النجاة من الشقاوة، والفوز بالسعادة أربعة، وهي:
1 ـ معرفة شقاوة الحياة الدنيا.
2 ـ معرفة أسباب تلك الشقاوة.
3 ـ وجوب إطفاء تلك الأسباب.
4 ـ معرفة طرق إطفاء الشهوات.
رابعاً: أنه يجب على أتباع هذه الديانة العطف والإخاء وإزالة الحزن والكآبة.
خامساً: أن هناك محرمات لا يجوز فعلها، وقسم هذه المحرمات قسمين:
القسم الأول: ما هو محرم على الرهبان، وهي:
1 ـ التمتع بالأطياب والزهور.
2 ـ الغناء وسماعه والرقص ومشاهدته.
3 ـ الجلوس على السرر العالية الكبيرة.
4 ـ تناول الطعام قبل أوانه.
5 ـ اقتناء الذهب والفضة والجواهر.
القسم الثاني: ما هو محرم عليهم وعلى غيرهم، وهي:
1 ـ قتل الإنسان والحيوان.
2 ـ السرقة.
3 ـ الزنا.
4 ـ شرب الخمر.
الإيمان بالغيب:
وكان بوذا ملحداً دهرياً لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر.
وانقسم أتباعه قسمين:
القسم الأول: ـ وهم الأقل ـ يعتقدون أنه بشر، وأن تعاليمه خلقية يقصد منها تهذيب النفوس، وينكرون عبادة الأصنام.
القسم الثاني: ـ وهم الأكثر ـ يعتقدون أنه إله، ويعبدون تماثيله.
وقد وصل القسم الثاني إلى الصين عن طريق تركستان الصينية، سنة: 68م. [نظرة جامعة إلى تاريخ الإسلام في الصين وأحوال المسلمين فيها (ص 17 وما بعدها)].
الديانة اليهودية:
الذي يبدو أن اليهودية لا وجود لها في الصين، لا في القديم ولا في الحديث. [الإسلام في الصين، لفهمي هويدي، ص: 237].
وقد سألت مراراً في المناطق التي زرتُها عن أي وجود للديانة اليهودية، فكان الجواب بالنفي من كل من التقيته من الصينيين، وقال لي أحد أئمة المساجد في مدينة شنغهاي: إنه يوجد مركز تجاري لليهود في مقاطعة: تشنغهاي، ولا يعلم لهم غيره. [أما فيما يتعلق بالديانة اليهودية فالظاهر أن الأمر كما ذُكِر لا وجود لها في الصين، وأما الوجود اليهودي السياسي والاقتصادي، فلا بد أن يكونا موجودين قبل هذه الفترة ـ بطريق غير مباشرة ـ لأن بلدان الغرب لها صلات بالصين، وما من بلد غربي إلا وفيه يهود من ذوي التخصصات المتنوعة، ولابد أن يكون بعضهم قد ذهب إلى الصين في مهمة ما من مهمات بلده الغربي الذي يعيش فيه، ولابد أن يعير بني قومه اليهود اهتمامه فيما يمكنه تحقيقه لهم، وقد تم الاتصال السياسي والاقتصادي، بل والعسكري المباشر في الفترة الأخيرة بين الدولة اليهودية الصهيونية والصين، وإذا لم توجد الديانة اليهودية في الصين فستوجد الجمعيات السرية هناك كالماسونية ونواديها، وقد يتسع باب التعاون بين الدولتين مستقبلا، ويسعى اليهود لتوطين جالية سرطانية هناك لمتابعة مصالح دولتهم، كما هو شأنهم في كل الدول المهمة في العالم].
وقال لي الأخ محمد نوح: [يوم 26/12/1417 هـ في منزلي بالمدينة]. إنه قرأ في بعض كتب الأديان في الصين: أن اليهود وجدوا في وسط الصين قبل الميلاد بأربعمائة سنة، في (خنان)، وكان عددهم قليلاً، ولم يزدد عددهم، بل إنهم انقرضوا، ولم يعرف الصينيون عنهم شيئاً في الصين.
الديانة النصرانية:
دخلت المسيحية الصين عام 636م على يد النساطرة، وأظهر الإمبراطور (ناي دزونج) شيئاً من التعاطف وحماية للداعين إليها من اضطهاد أهل البلاد، وظل المنصرون اليسوعيون، والبروتستانت الذين كانت تؤيدهم الأموال الأمريكية، يبذلون جهوداً مضنية في نشر هذه الديانة في الصين، ومع ذلك كانت النتيجة ضئيلة جداً إذا قورنت بطول الوقت وكثرة الأموال والجهود التي بذلت لنشرها. [قصة الحضارة، (4/264)].
وذكر أحد المؤرخين الصينيين أنه دخل عدد قليل من النسطوريين سنة 635م ـ تنقص سنة عما في قصة الحضارة ـ 235 وأن انتشار هذه الطائفة في الصين لم يتم إلا بمضي ثلاثمائة سنة، ولم يدخل المبشرون المسيحيون من الفاتيكان بأعداد كبيرة إلا في القرن الثالث عشر الميلادي، ومع ذلك لم يكن نجاحهم كبيراً.
وفي سنة 1582م وصل المبشر اليسوعي الإيطالي (مايتوريكي).
وبعد المعاهدة الصينية الروسية سنة 1727م وصلت إلى الصين بعثات أرثوذكسية من روسيا، ولكن تلك البعثات كلها وجدت مقاومة... [موجز أحوال الصين (ص: 345 ـ 347)، راجع أيضا الإسلام في الصين (ص: 235) لفهمي هويدي].
قلت: ولكن النصارى جادون في نشر ديانتهم، ويتخذون لذلك كل الوسائل المتاحة لهم، وبخاصة الشركات التجارية، والنشاطات التعليمية، والمنشآت الطبية ـ المستشفيات ـ والسياحية ـ كالفنادق ـ وقد اغتنموا فرصة الانفتاح الأخير واتخذوا من هونغ كونغ مركزاً لانطلاقهم إلى تلك النشاطات، كما ذكر لي ذلك بعض علماء المسلمين في الصين.
هل خَََلََت جميع العصور في الصين من رسالة سماوية قبل الإسلام؟
ليس عندنا ما نجزم به من أن رسولاً معيناً قد بعث في بلاد الصين وما جاورها من البلدان، ولكن عندنا ما نقطع به بأن كل الأمم في الأرض قد بعث الله إليها من يقيم عليها الحجة، إما بإرسال رسول مباشر إليها يدعوها إلى الاهتداء بهدى الله، وإما بإيصال ذلك الهدى إليها عن طريق بعض أتباع الرسل، فقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم بذلك في آيات كثيرة.
قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ}. [النحل: 36].
وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ}. [فاطر: 24].
وقال تعالى: { وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً (164) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }. [النساء: 164، 165].
وقال تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }. [الإسراء: 15].
ولعل الرجل الصالح ذا القرنين ممن أقام الله تعالى به الحجة على أهل الصين وغيرهم من أهل المشرق والمغرب، فإن الآيات التي نزلت في شأنه من سورة الكهف [الآيات: (83 ـ 98)]. تدل على أن الله تعالى مكنه بأسباب من عنده حتى جال في الأرض كلها، حتى وصل إلى أول قوم تطلع عليهم الشمس، وآخر قوم تغرب عنهم الشمس، وكان يصلح أحوال الناس ويعين المظلومين على الظالمين، بدليل قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً}.
وقوله بعد ذلك: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً (94) قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (96) فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً}. [راجع قصته في كتب التفسير والتاريخ، ومن كتب التاريخ "البداية والنهاية " لإمام ابن كثير، ومن كتب التفسير كتاب"الجامع لأحكام القرآن" للإمام القرطبي رحمه الله].
ولا ينافي ذلك وجود فترة رسل في بعض نواحي الأرض مع بقاء بعض تعاليم الرسل السابقين المُتَوارثة، وبخاصة ما يتعلق بأصول الإيمان ـ ولو بصفة إجمالية ـ وأصول الحقوق ـ كحفظ النفوس وحفظ المال وحفظ العقل وحفظ النسل ـ وأصول الأخلاق ـ كالصدق والأمانة ونصرة المظلوم... ـ وتكون الحجة قائمة على الأمم بما تمكنوا من معرفة مصالحه ومفاسده، وما عدا ذلك فهم معذورون فيه، لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
وما نراه من دعوة الحكماء والفلاسفة في العصور المختلفة، إلى الأخلاق الفاضلة، والتعاون على الخير، والرحمة بالمخلوقين، والأمر بالعدل والنهي عن الظلم، كل ذلك وغيره يدل على أنه من بقايا رسالات سماوية وصلت إلى أولئك الحكماء والفلاسفة ـ وإن كانت العقول تستحسن الخير وتستقبح الشر في الجملة ـ .
وكثير من تعاليم كونفوشيوس وبوذا مما يحمل تلك المعاني ـ وبخاصة بعض المحرمات ـ يغلب على الظن أنها من بقايا تعاليم الرسل التي وصلت إليهم، مثل: تحريم قتل الإنسان والسرقة والزنا وشرب الخمر، وكذلك الدعوة إلى بعض أنواع الزهد.
وإذا رجعنا إلى (2500) قبل الميلاد لدراسة بعض أفكار الحكيم الصيني (صون تزو) وجدناه يحرص الحرص الشديد على احترام المعابد وعقد قائد الحرب الشورى مع أركان جيشه فيها، كما يؤكد احترام قوانين السماء والالتزام بما تفرضه الشرائع من مقاصد القتال التي تزجر عن الإفساد والعبث والوحشية، حيث قال: (ليست صنعة الحرب أن تنسف قوانين السماء، أو تعيث في الأرض فساداً، أو تتحكم في رقاب العباد ـ من الجنود في القوات المسلحة الذين يتولى القائد إمرتهم، أو من السكان العزل من السلاح الذين يتولى الدفاع عنهم. [راجع (ص: 5) من: مقدمة عمر حليق القصيرة لكتاب فن الحرب، لصون تزو].
حتى الحرب تضبطها أعراف وشرائع، فمقاصد القتال العسكري هي صيانة النظام والقانون لا الفتك بالشرائع.
فالجيش الذي لا يتحلى قواده وجنده بالوازع الوجداني والإنساني وما تفرضه الشرائع والقوانين من حلال أو حرام، سيجلب على نفسه الهزيمة، عاجلاً أم آجلاً، وإن حقق لنفسه انتصاراً هنا أو انتصاراً هناك.
فصنعة القتال العسكري ليست وحشية، لا تعرف سوى البطش والأذى، بل هي تضحية فردية وجماعية تتوخى صيانة الشرائع وضبط الأمن والقانون...). [فن الحرب (ص: 115). إعداد الدكتور عمر حليق ].
تُرى هل تصدر هذه الأفكار من رجل يُعِدُّ كتاباً في تدابير القتال وآدابه لملك من ملوك الصين، وهو ـ أي صاحب الكتاب ـ خالي الذهن من بقايا دين سماوي، مع العلم أن غالب الملوك الذين لا يلتزمون بشرائع إلهية، ولا يتورعون عن ظلم أعدائهم ـ بل ظلم رعاياهم ـ إلا إذا عجزوا عن ذلك الظلم؟!
لغة الصينيين:
أصل اللغة الصينية رموز لا صلة فيها بين اللفظ والشكل، كانت منقوشة على دروع السلاحف وعظام الحيوانات التي استعملت في القرن السابع قبل الميلاد، تحولت عنها اللغة الرسمية المستعملة الآن، وهي لغة الأغلبية الحاكمة ـ الهان ـ ، ولكل كلمة مقطع صوتي، حيث يستعمل في المعاملة اليومية ما بين (5000 ـ 8000) مَقْطَع صيني، وهي التي تستخدم في كل أنحاء البلاد.
ومن القوميات التي تستخدم هذه اللغة قوميتا (هْوِي) و(مان)، وتستخدم كل قومية من القوميات الأخرى، وعددها: (53 قومية) لغتها الخاصة. [موجز أحوال الصين (ص: 337 ـ 340). وراجع كتاب قصة الحضارة (4/316)].
سور الصين العظيم: تاريخ بناء السور والغرض من بنائه:
كانت بلدان الصين وما جاورها في قديم الزمن ممالك متحاربة، لكل مملكة حدودها التي لو غفل عنها حكامها عدا عليها حكام الممالك المجاورة لها، أو القبائل المتوحشة التي تعيش على السلب والنهب، ولهذا كانت كل مملكة تلجأ إلى بناء الأسوار الفاصلة بينها وبين الممالك المجاورة لها، كما تُشَيِّد على تلك الأسوار أبراج مراقبة وحراسة لحمايتها وإنذارها بهجوم أعدائها، ويقال: إن هذا المشروع، وجد في القرن السابع قبل الميلاد. [بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة، ص: 138. الصين ص: 22 (صورة للسد)].
وعندما وحَّد تلك الممالكَ لإمبراطورُ الأولُ من أسرة (تشين) في سنة 221 قبل الميلاد، رُبِطت تلك الأسوارُ والقلاع، ومُدَّتْ حتى بلغ طولها ألفي كيلو متر (2000) استخدم في ربطها وتمديدها قرابة مليون شخص هلك منهم أعداد كثيرة.
وفي عهد أسرة (هان) ـ التي امتد حكمها من 206 قبل الميلاد إلى 220م [موسوعة المورد: (5/67)]. ـ أضافت إلى السور خمسمائة كيلو متر (500) من جهة الغرب حتى وصل إلى مقاطعة قانصو، وكان مبنياً من الحجارة والطين.
ثم اندفع المنغول الذين كانوا من أهم الأعداء الذين وضع السور لصدهم عن الهجوم على الصين، فتخطوا السور وقلاعه، واحتلوا الصين وحكمتها أسرة (يوان) من سنة: 1280 إلى سنة 1368م حيث سقطت هذه الأسرة واستولت على الحكم أسرة (مينغ) التي شيدت بناء السور في مناطق أخرى في جهة الشمال ـ لتوسع حدود الصين شمالاً حتى تجاوزت بعض مناطق السور القديم ـ حتى بلغ طوله في عهدهم: (6350) كيلو متر، ويبلغ متوسط ارتفاعه 8ر7أمتار، وعرضه عند القاعدة 5ر6أمتار، وعند القمة: 5ر5 أمتار. [بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة، ص: 139].
وهذا هو السور الموجود الذي يؤمه السائحون اليوم.
وهو يمتد من السواحل الشرقية للصين إلى سواحلها الغربية، وتسعى الصين الآن في صيانته، لأنه من الآثار السياحية التاريخية العظيمة التي يؤمها الزوار من كل أنحاء العالم، ويدر على البلد دخلاً مهماً، ويقال: إنه إذا لم تتم صيانته، فقد يختفي خلال مائة عام، بسبب عوامل التعرية.
هل سور الصين العظيم هو سد يأجوج ومأجوج؟
الجواب على هذا السؤال ـ قطعاً ـ أن سور الصين العظيم ليس هو سد يأجوجومأجوج. [وقد جزم بعض المفسرين المعاصرين أن سور الصين هو سد يأجوج ومأجوج، ولما كانت مواد السور وأوصافه وطوله تخالف مواد السد وأوصافه وطوله، حاول حمل استعمال الحديد والنحاس على إقامة أبواب في بعض مداخل السور لمنع الناس من المرور، ولمنع السيول من تهديم السد، فقال: (وكان هذا لقصد إقامة أبواب من حديد في مداخل الردم، لمرور سيول الماء في شعب الجبل، حتى لا يتهدم البناء، بأن جعل الأبواب الحديدية كالشبابيك تمنع مرور الناس ولا تمنع انسياب الماء من بين قضبها، وجعل قضبان الحديد معضودة بالنحاس المذاب المصبوب على الحديد) أ. هـ. من تفسير التحرير والتنوير (16/36) للإمام ابن عاشور رحمه الله وهو تكلف لا داعي له، فالقرآن قد نص على أن السد كان بين جبلين، وأنه هو المانع ليأجوج ومأجوج من الخروج من بلادهم إلى بلاد القوم الذين كانوا يعتدون عليهم وشكوا على ذي القرنين منهم، ولو أنه أتيح له رحمه الله رؤية سور الصين، وعلم المراحل التي مر بها بناؤه لما احتاج إلى هذا التكلف].
فسور الصين العظيم غير سد يأجوج ومأجوج، لستة أسباب جوهرية:
السبب الأول: اختلاف تاريخيْ بناء كل من السور والسد.
فبناء السور العظيم بدأ في القرن السابع قبل الميلاد، ومر بمراحل وتهدمات، وكان بداية بناء السور الحالي في القرن الرابع عشر. [بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة، ص: 139].
أما بناء سد ذي القرنين فكان بناؤه ما بين 539ق. م و529ق. م، ولم يعلم أنه جدد بعد ذلك. [مفاهيم جغرافية في القصص القرآني ـ قصة ذي القرنين، ص: 314، للدكتور عبد العليم عبد الرحمن خضر الطبعة الأولى دار الشروق، جدة].
السبب الثاني: أن باني السد معروف، وهو ذو القرنين.
و يذكر المؤرخون أن اسمه: "كورش" الذي ذكر الله قصته في القرآن الكريم. [المرجع السابق، ص: 251].
أما بناة سور الصين العظيم، فهم أباطرة الصين الذين تتابعوا على الحكم، وقد ذكرت كتب التاريخ الأسر الحاكمة التي بدأ بناء السور في عهدها والأسر الحاكمة التي انتهى بناء السور في عهدها كذلك. [بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة، ص: 138 ـ 140].
السبب الثالث: عجز مجاوري سد يأجوج ومأجوج عن بنائه.
فلم يَقُم ببنائه أهلُ البلد الذين تضرروا من هجوم عدوهم (يأجوج ومأجوج) عليهم، بل كانوا عاجزين عن القيام بذلك، ولهذا استعانوا بذي القرنين في بنائه. [لكن طلبهم من ذي القرنين أن يبني لهم السد يدل على أن بناء السدود لدفع غارات الأعداء كان موجوداً في تلك الفترة].
أما سور الصين العظيم، فقد بناه أباطرة الصين أنفسهم، لحماية ممالكهم من غارات أعدائهم عليهم، كما هو واضح من تاريخ بنائه الذي أوردتْه كتب التاريخ.
السبب الرابع: اختلاف مواد بناء كل من السد والسور.
فمواد السد، كانت ـ كما ذكر الله سبحانه وتعالى ـ من قطع الحديد والنحاس وما شاء الله من المواد المساعدة للإذابة والقوة ـ كالفحم ونحوه. [جامع البيان عن تأويل آي القرآن:(16/25) للإمام الطبري].
أما مواد سور الصين العظيم، فقد كانت أولاً من الحجارة واللبن، ثم أصبحت ـ كما هي حاله الآن ـ من الحجارة والآجر المتساوية الأحجام. [بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة، ص: 139].
السبب الخامس: أن سد يأجوج ومأجوج رَدْمٌ بني بين جبلين.
أي إنه حائط بُنِيَ بين سدين ـ جبلين ـ فقط، وكان بناؤه في ذلك المكان كافياً لصد عدوان يأجوج ومأجوج وإفسادهم في أرض المظلومين المعتدى عليهم، وذلك يدل على أنه الممر الوحيد الذي كان المعتدون ينفذون منه في غاراتهم العدوانية.
أما سور الصين العظيم فإنه قد شُيِّد بين الجبال وعلى قممها، وهي جبال كثيرة تمتد من شرق الصين إلى غربها، وطول هذا السور يبلغ الآلاف من الأميال، وهذا يدل على أن المنافذ التي كان يخشى مشيدو السور أن يعبر منها أعداؤهم كثيرة جداً، وليست منفذاً واحداً فقط ـ كما هو شأن السد.
السبب السادس: عدم استطاعة المغيرين صعود سد يأجوج ومأجوج.
فلم يكن باستطاعة المُغِيرين صعود سد يأجوج ومأجوج، ولا القدرة على فتح أي نَقْب ـ منفذ أو فتحة ـ للعبور منه، ولم يكن في حاجة إلى أبراج أو حُرَّاس للدفاع عنه.
أما سور الصين العظيم فإنه كان قابلاً لإحداث فَتَحات ومنافذ يعبر منها العدو، فكان في حاجة إلى حِراسة مستمرة، وحُرَّاس لا يغفلون عنه ساعة من نهار، ولذلك لا تكاد تجد قِمَّةً من قمم الجبال التي شيد عليها السور، بدون برج أُعِد لحراسته من إحداث منافذ يَغير منها العدو.
وبهذا يُعْلَم ـ يقيناً ـ لا شك فيه أن سور الصين العظيم لا صلة له بسد يأجوج ومأجوج، إلا إذا قُدِّر أنه اتصل بِجَبَلَيْه ـ أي السد ـ في موقع من مواقعه ـ أي مواقع السور ـ الكثيرة.
فأين هو سد يأجوج ومأجوج؟
إن وصف السد ـ وهو كونه بين جبلين، وكونه من الحديد والنحاس، وكونه بذاته كافياً لصد غارة المعتدين عند بنائه ـ قد يبدو منطبقاً على السد الموجود بين جبلين من سلسلة الجبال الممتدة من قرب مدينة (دربند). على ضفة بحر قزوين الغربية، إلى مرفأ (سوخوم). على ضفة البحر الأسود الشرقية، وهذه الجبال تُكَوِّن سلسلة متصلة بين البحرين المذكورين، تمتد من جنوب جمهورية (جورجيا) إلى شمالها، لا يفصل بينهما فاصل إلا فتحة واحدة عميقة، سُدَّت بقطع من الحديد والنحاس، وهذه الفتحة، هي التي رجح بعض المؤرخين والكتاب أن ذا القرنين (كورش الأخميني) هو الذي بناها، وتسمى بـ[مضيق داريال]، وأن هذه الفتحة هي التي كانت تغير منها القبائل المتوحشة (يأجوج ومأجوج) من الشرق على القبائل المظلومة في الغرب. [مفاهيم جغرافية في القصص القرآني، ص: 225 ـ 300، وبخاصة ص: 280. وقد اهتم صاحب الكتاب بنقل آراء المؤرخين والجغرافيين، وما يتعلق بالقبائل الموجودة على جانبي السد في عهد ذي القرنين وما كان يحدث من عدوان القبائل المتوحشة التي تقطن في الجانب الشرقي للسدين قبل مجيء هذا الإمبراطور العظيم (ذي القرنين) على القبائل التي تقطن في الجانب الغربي للسدين، وما نعمت به القبائل الأخيرة من أمن بعد ردم الفتحة الواقعة بين السدين].
ولا أرى مانعاً من هذا الترجيح إذا تعينت هذه الأوصاف لهذا السد وحده في الأرض، كما لا أرى القطع بأنه هو، قبل البحث الميداني في هذا العصر بالذات، لكثرة الوسائل المتاحة، التي يمكن الاستعانة بها لاكتشافه.
مشروع لاكتشاف السد:
ولو أن بعض الحكومات في الشعوب الإسلامية اهتمت بهذا السد، وخصصت له فريق عمل من ذوي التخصصات المناسبة له، من علماء الشريعة، وعلماء الجولوجيا، وعلماء التاريخ، وعلماء الجغرافيا، وذوي التخصص الإعلامي، وزودتهم بما يحتاجون إليه من مواصلات، ومن أهمها الطائرات المروحية وغيرها مما يتحقق به الهدف، وأضافت إلى ذلك التنسيق مع الدول التي يظن احتمال السد في أراضيها، لمنح الفريق حرية العمل والتنقل والتصوير، أقول: لو اهتمت بعض حكومات المسلمين بذلك لأمكن تعيين مكان السد ـ الذي لا بد أن يكون موجوداً ـ وليبدأ بالسد المذكور (سد داريال)، ولكن لا يُكْتَفَى به لاحتمال أن يوجد غيره.
مسوغات مشروع البحث عن سد يأجوج ومأجوج:
ولا شك في أن الاهتمام به أولى من الاهتمام بالتنقيب عن آثار الفراعنة والآثار الجاهلية في البلدان العربية وغيرها. [وإن كان التنقيب عن تلك الآثار لا يخلو من فوائد، ومن أهمها الاعتبار بقصص الأمم وغير ذلك مما يحتاجه المؤرخون وغيرهم، كما تشير إليه آيات القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} غافر (21)].
لأن في تحديد مكانه ومعرفته زيادة بيان لما ورد به القرآن الكريم والسنة النبوية، ولأنه من أمارات الساعة التي ينبغي الاهتمام بها، وللاعتبار بعاقبة الظلمة المفسدين في الأرض الذين يُحْوِجون الناس إلى إقامة مثل هذا السد لاتقاء شرهم، كما أن فيه عبرة لمن مكنهم الله في الأرض وهيأ لهم أسباب الملك والقوة، ليستعملوا ذلك في طاعة الله، وفي مصالح خلق الله ونصر المظلومين والمستضعفين على الظالمين والمتجبرين!
هل يمكن اكتشاف سد يأجوج ومأجوج؟
نعم، يمكن اكتشافه عقلاً، وعادة، وشرعاً:
1 ـ أما عقلاً: فلا مانع مطلقاً من السير في أرض الله والوصول إلى كل بقعة فيها بالوسائل المتاحة.
2 ـ وأما عادة: فقد اعتاد الناس الأسفار والانتقال من مكان إلى آخر في الأرض، بَعُدَ أو قربَ، وفي تلك الأسفار تمت اكتشافات كثيرة لما كان مجهولاً من الأرض، ومنها قارات كبرى،كأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، واستراليا، كما اكتشفت أماكن دقيقة وصغيرة في البحار والأنهار والجبال والشعاب.
واستخدم الناس لتلك الاكتشافات كل الوسائل المتاحة لهم، من المشي على الأقدام، إلى الركوب على الدواب بأنواعها، واستخدام آلات النقل البرية، من العربات التي تجرها الدواب، كالخيول، إلى الدراجة العادية، فالنارية، فالسيارة، فالمراكب القادرة على السير في المسالك الوعرة ـ جبلية أو مستنقعات وأوحال أو غيرها ـ كالدبابات والمصفحات..
كما استخدموا وسائل النقل البحرية والنهرية الصغيرة والكبيرة السريعة والبطيئة.
وجاء دور الوسائل الجوية، من المناطيد إلى الحوامات الصغيرة والكبيرة، إلى الطائرات العملاقة، عسكرية ومدنية.
ثم المراكب الفضائية، وما زُوِّدت بها تلك المراكب كلها من آلات تصوير مدهشة، تصور أدق التفاصيل في أصغر الكائنات الممكن تصويرها.
هذه الوسائل وغيرها جرت العادة باستخدامها لاكتشاف غالب ما يظهر في المعمورة، ومعنى هذا أن اكتشاف سد يأجوج ومأجوج ممكن عادة، ولا يوجد مانع عادي يمنع من اكتشافه.
الأدلة الشرعية على إمكان اكتشاف السد:
وأما شرعاً: فلا يوجد نص شرعي ـ لا من القرآن ولا من السنة ـ يدل على كونه من الأمور الغيبية التي لا يطلع عليها الناس، لأنه ليس من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، بل يستفاد من نصوص الشرع عكس ذلك، وهو معرفة الناس للسد ومعرفتهم ليأجوج ومأجوج، والأدلة على ذلك ما يأتي:
الدليل الأول: معرفة قبيلتي يأجوج ومأجوج وقت بناء السد.
لقد كانت قبيلتا يأجوج ومأجوج معروفتين للقبائل التي شكت من اعتدائهما عليها إلى ذي القرنين: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ... }. [الكهف:94].
الدليل الثاني: بلوغ ذي القرنين مكان السد.
فقد بلغ ذو القرنين المكان الذي كان يأجوج ومأجوج يعيثون فيه فساداً، وهو الذي بنى السد بإعانة أهل البلد المتضررين: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً}. [الكهف:95].
الدليل الثالث: أن خروج يأجوج ومأجوج من أمارات الساعة.
وعلاماتها، وأمارات الساعة تظهر للناس، وخروجهم يكون من ذلك السد، فلا بد أن يرى الناس خروجهم والمكان الذي يخرجون منه، وأخبر الله تعالى إن يأجوج ومأجوج ستُفتَح ـ أي يُفتَحُ السد الذي كان يحول بينهم وبين الخروج ـ كما قال تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ... } [الأنبياء: 96،97]. وفتحه من أمارات الساعة، وأمارات الساعة ليست كالساعة التي لا يعلمها إلا الله، ولو كانت لا تظهر للناس ولا يطلعون عليها لما صح أن تكون أمارات.
الدليل الرابع: إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بوجود فتحة في السد في عهده.
فقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم قبل موته أن رَدْمَ يأجوج ومأجوج ـ الذي قال الله تعالى فيه، بعد أن بناه ذو القرنين: { فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً } [الكهف:97]. ـ قد نُقِب وفُتِحَ شيء يسير منه، وهذا الفتح اليسير هو بداية ما أخبر الله به في سورة الأنبياء أنه سيحدث، ففي حديث زينب بنت جَحش، رضي الله عنهـا، أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل عليها فَزِعاً يقول: ((لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتِحَ اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثلُ هذه)) وحَلَّقَ بإصْبَعِه الإبهام والتي تليها. قالت زينب ابنة جحش: فقلت: يا رسول الله! أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم إذا كَثُر الخَبَث)). [اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: رقم الحديث: 1829، ص: 808].
وهو دليل على أن يأجوج ومأجوج قد استطاعوا أن يحدثوا في السد من النَّقْبِ ما يتمكنون به من نوع خروج منه.
من هم يأجوج ومأجوج؟
إن يأجوج ومأجوج قبيلتان من بني آدم، وهم من ذرية يافث بن نوح (، كانوا متوحشتين احترفوا الإغارة والسلب والنهب والقتل والظلم من قديم الزمان، وكانوا يقطنون الجزء الشمالي من قارة آسيا، شمالاً وغالب كتب التاريخ تشير إلى أنهم منغوليون تتريون، وأن موطنهم يمتد من التبت والصين جنوباً إلى المحيط المتجمد الشمالي، وأنهم عاصروا قورش الذي بنى سد دانيال. [مفاهيم جغرافية في القصص القرآني ـ قصة ذي القرنين (ص: 283، 288) الدكتور عبد العليم عبد الرحمن خضر].
كما ذُكِرَ أنهم مروا في إفسادهم في الأرض بسبعة أدوار، كانت بدايتها قبل (5000آلاف سنة) وآخرها: هجوم جنكيزخان على الحضارة الإسلامية، فهم أسلافه. [نفس المرجع: (مفاهيم جغرافية في القصص القرآني ص: 288 ـ 92)].
وقد ذكر بعض المؤرخين حكايات غريبة عن يأجوج ومأجوج، والصحيح أنهم كبقية بني آدم في الطول والقصر وغير ذلك. [راجع البداية والنهاية لابن كثير: (2/101)].
وقد بنى الصينيون سورهم العظيم لحماية أنفسهم من هجمات القبائل المنغولية التي لا زالت تقطن في شمال الصين وشمال غربه إلى الآن، وقد احتلوا الصين فترة من الزمن كما هو معروف.
وهذا يدل على أن يأجوج ومأجوج ليسوا هم الصينيين، ولكن ذلك لا ينافي تكاثر قبيلتي يأجوج ومأجوج واستيلائهما على الصين وغيرها من البلدان المجاورة في آخر الزمان، ويكون خروجهم جميعاً وفسادهم الأخير في الأرض عند نزول عيسى (، ويكون الصينيون وغيرهم معهم، ويكون إطلاق يأجوج ومأجوج على الجميع من باب التغليب، إما لكثرتهم وغلبتهم على سواهم، وإما لكونهم القادة عندئذ، وهذا أسلوب معروف في اللغة العربية، هذا مع العلم أن كثيراً من التتر والمنغول ـ الذين هم أصل يأجوج ومأجوج ـ أصبحوا من قوميات الصين الآن. [كتاب: الصين، تأليف: تشين شي، ص: 18 ـ 19، الناشر: دار النجم، بكين].
من هي القبائل التي شكت إلى ذي القرنين؟
أما القبائل التي استنجدت بذي القرنين لحمايتهم من يأجوج ومأجوج، فقد أشار القرآن الكريم على أنهم في جهة مشرق الشمس، وأنهم ضعفاء متأخرون في الحضارة، إذ لم يكن لهم من البنيان ما يسترهم من وهج الشمس، وأنهم لا يكادون يفقهون ما يقال لهم ـ ولكن الله هيأ لذي القرنين من الأسباب ما جعلهم يفقهون عنه ويفقه عنهم ـ .
ويرى بعض المؤرخين أنهم كانوا يقطنون في شمال أذربيجان وجورجيا وأرمينيا... ويطلق عليهم اليونانيون اسم: (كولش). [مفاهيم جغرافية، ص: 266 ـ 267].
هل خرج يأجوج ومأجوج بعد بناء السد وأفسدوا في الأرض؟
إن الحديث الصحيح الذي سبق ذكره، وهو: (حديث زينب بنت جَحْش، رضي الله عنهـا، أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل عليها فَزِعاً يقول: ((لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتِحَ اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثلُ هذه)) وحَلَّقَ بإصْبَعِه الإبهام والتي تليها. قالت زينب ابنة جحش: فقلت: يا رسول الله! أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم إذا كَثُر الخَبَث)). [اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: رقم الحديث: 1829، ص: 808]. يدل دلالة واضحة على أن السد قد فُتِح منه شيء يسير، وأن ذلك الفتح اليسير سيعقبه شر قريب يحصل من يأجوج ومأجوج على العرب، ويغلب على الظن أن شرهم الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم قد وقع بغزو جنكيز خان وقومه، وأنهم من نسل يأجوج ومأجوج.
وهذا الشر الذي حصل من يأجوج ومأجوج على العرب هو غير الشر الذي سيحصل منهم في آخر الزمان عند نزول عيسى (.
وقد نقل فضيلة الشيخ عبد العزيز المسند في كتابه [الصين يأجوج ومأجوج عالم مجهول] رسالة لفضيلة علامة القصيم، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي التي كتبها عن يأجوج ومأجوج، بعنوان "رسالة عن يأجوج ومأجوج تأليف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي".
يرى الشيخ رحمه الله في الرسالة، أن يأجوج ومأجوج هم من البشر، وأنهم قد خرجوا ورآهم الناس، وذكر أنهم الشعوب الموجودة القوية من الترك والأوربيين واليابان وغيرهم، ولم يعودوا غيباً عن أهل الأرض..
فقال في مطلع الرسالة:
"اعلم رحمك الله أن من تأمل ما ذكره الله في كتابه عن يأجوج ومأجوج، وما ثبت بسنة النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، وما اشتمل على [لعله: (عليه)]. الوحي من صفاتهم، وعلم ما ذكره المؤرخون في قصة ذي القرنين، وعرف الواقع والمحسوس، وما على وجه الأرض من أصناف بني آدم، فمن عرف ذلك تيقن يقيناً لا شك فيه أنهم هم الأمم الذين كانوا وراء البحار، كالترك واليونان ودول البلقان والفرنسيين والألمان والطليان والروس واليابان والأسبان، ومن تبعهم من أنواع الأمم والأمريكان وتوابعهم، فإنه دل الكتاب والسنة دلالة بينة صريحة أن يأجوج ومأجوج من أولاد آدم صلى الله عليه وسلم، وأنهم ليسوا بعالم آخر، كالجن ونحوهم من العوالم التي حُجِبَ الآدميون في الدنيا عن رؤيتهم والإحساس بهم".
وأكد ذلك بعد في نفس الرسالة بقوله:
"ومما يدل على أن يأجوج ومأجوج هم من الأمم الذين ذكرنا، ما وصفهم الله به في الموضع الآخر من كتابه في قوله تعالى: { حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ }. [الأنبياء: 96].
فهذا الوصف ينطبق عليهم كل الانطباق في هذه الأوقات، لأن الحدب هو المكان المرتفع، والنسلان هو الإسراع، فأخبر تعالى أنهم من كل مكان مرتفع ينسلون، أي يسرعون، وهذا شامل للبحار والبراري والجبال والهواء، وهذا حين أظهروا هذه الصنائع الهائلة من مراكب بحرية وبرية وهوائية، أسرعوا بها في أمواج البحار ومهامه القفار وقمم الجبال، بل علوا وأسرعوا في الجو والهواء الذي بين السماء والأرض، وهذا من آيات القرآن التي أخبر بها قبل أن تقع فوقعت على طبق ما أخبر، فإذا لم يكونوا من ذكرنا فمن هم الذين يصدق عليهم هذا الوصف؟ فإنهم قبل انفتاحهم منحازون في ديارهم، لا قدرة لهم ولا إرادة تحركهم للخروج على الناس، فلم تزل إرادتهم تقوى وقوتهم تزيد حتى انفتحوا وجاءوا من كل حدب يسرعون، ويزيد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخبر بما تحيله العقول، خصوصاً في الأمور المشاهدة، فلو فرض على وجه المحال وجود أمة عظيمة جداً أكثر من المعروفين الآن على وجه الأرض من أمم الآدميين بأضعاف مضاعفة ـ بل لا يبلغ الموجودون عشر معشارهم وأنهم الآن على وجه الأرض ولم يطلع الناس عليهم، مع أن الأرض التي يمكن السكنى فيها قد اكتشفت شبراً وذراعاً، فلم يبق موضع من الأرض يعيش فيه حيوان إلا وصل إليه علم الآدميين، خصوصاً بعد ظَهَرَة [ظَهَرَة كمَهَرَة: الكثرة]. الصنائع المُقَرِّبة المسهلة للوصول والحصول على معلومات الدنيا، حتى اكتُشِفَت جميع قارات الأرض: آسيا وأفريقيا وأوربا وأمريكا وأستراليا، ولم يبق شيء من الأرض لم يكتشف إلا جزء يسير في أقصى الشمال قد غمرته الثلوج، ولا يمكن أن يعيش فيه حيوان من شدة برده، وجزء يسير في أقصى الجنوب، جنوب أفريقيا، لا يعيش فيه أحد من شدة برده أيضاً، وهذا الجزء مع أنه يُعلَم أنه لا يعيش فيه الآدميون جزء يسير جداً بالنسبة إلى الأرض". انتهى كلام الشيخ. [ذكر الرسالة الشيخ المسند في كتابه (الصين ـ يأجوج ومأجوج عالم مجهول) عبد العزيز المسند: ص 75 ـ 83، الطبعة الأولى، مطابع الفرز دق التجارية الرياض].
وهنا تنبيهان:
الأول: أن الأجزاء اليسيرة التي لم يطلع عليها الناس في أقصى جنوب الأرض وأقصى شمالها، في الوقت الذي يتحدث عنه الشيخ، قد أصبح الآن غالبها أماكن نزهة للرحالة المغامرين والسائحين الذين تساعدهم الوسائل الحديثة على تلك المغامرات، وإن كان بعضهم قد يلقى حتفه أحياناً، واكتشف وجود سكان بها، ووجود حيوانات، يعيش بعضها مدفوناً في الثلوج ردحاً من الزمن، ثم ينهض ويتحرك لطلب رزقه مدة أخرى.
الثاني: أن ما أراد الشيخ الوصول إليه من أن يأجوج ومأجوج لا بد أن يكونوا موجودين وجوداً عادياً في الأرض كبقية الأمم هو صحيح لا شك فيه، فاليابسة كلها مكشوفة معروفة، والمناطق المحتمل عدم اكتشافها قليلة، وليست محل سكنى أمتين عظيمتين، كيأجوج ومأجوج.
والذي يظهر لي من كل ما مضى أن يأجوج ومأجوج هم من القبائل المنغولية التترية الذين يسكنون في شمال قارة آسيا، وأنهم قد أفسدوا في الأرض مراراً قبل بناء سد ذي القرنين، وأن من أعظم فسادهم بعد بنائه هو ذلك التخريب الذي حصل في زمن هولاكو والذي أهلكوا فيه الحرث والنسل ودمروا ما وصلت إليه أيديهم من الحضارات، ولا سيما حضارة الإسلام، وأنهم سيخرجون مرة أخرى ويعودون إلى الإفساد في الأرض عند نزول عيسى بن مريم (، بناء على حديث الإمام مسلم الذي أشار إليه الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله، فإنه ـ وإن لم يروِهِ الإمام البخاري ـ يجب العمل به ما دام يمكن الجمع بينه وبين النصوص الأخرى، وأن فتح جزء من السد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وخروجهم قبل مجيء عيسى ( لا ينافي خروجهم وفسادهم مرة أخرى في عهده كما دل عليه حديث مسلم، وأما السد فقد تجاوزوه، مع احتمال بقاء بعض أجزائه بل غالبها التي يمكن أن يتم دكَّها تماماً في آخر الزمان، ويكون دَكَّه من علامات الساعة، وإن لم يعد عائقاً ليأجوج ومأجوج من الحركة والإفساد في الأرض، وما جزم به الشيخ السعدي رحمه الله من أنهم قد خرجوا، وأنهم أمة من بني آدم فهو يقين لا شك فيه، ولعل في هذا ما يكفي في أمر يأجوج ومأجوج. والله تعالى أعلم.
ومن هو ذو القرنين؟
قبل أن نذكر أقوال العلماء والمؤرخين في شأن ذي القرنين، ينبغي أن نسوق الآيات التي تحدثت عنه، ونستخلص منها بعض صفاته وأحواله، لنرتب على ذلك تمييزه عن غيره واختيار أقرب الأقوال إلى أوصافه.
قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (84) فَأَتْبَعَ سَبَباً (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً (94) قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (96) فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً}. [الكهف].
ما يمكن أخذه من الآيات من أحوال ذي القرنين.
إن من أهم أحوال ذي القرنين الأمور الآتية:
الأمر الأول: أنه كان رجلاً مؤمناً بالله عاملاً بما يرضي به ربه.
كما هو واضح من معاملته لرعاياه واعترافه بما أنعم به عليه من تمكين، واعتبار ذلك من رحمة الله تعالى، لا من حول نفسه وقوته.
الأمر الثاني: تمكين الله له في الأرض وتهيئة الأسباب له.
فقد مكنه الله في أرضه وآتاه من الأسباب ما يقوي ملكه ويعينه على أداء مهماته التي أراد الله تعالى له القيام بها في الأرض: {وآتيناه من كل شيء سببا}.
الأمر الثالث: أنه سعى في تحصيل الأسباب المعينة له على عمله.
فقد كان ـ مع ما آتاه الله من مقومات الملك ـ لا يألو جهداً في اتخاذ الأسباب: {فأتبع سببا}.
الأمر الرابع: أنه اتجه في فتوحاته إلى كل الجهات الممكنة.
فقد اتجه من مقره الذي كان يقطنه، لتوسيع مملكته، لنشر العدل ونصرة المظلوم وقمع الظالم، إلى جهات ثلاث رئيسة:جهة الغرب {حتى إذا بلغ مغرب الشمس}. ثم جهة الشرق:{حتى إذا بلغ مطلع الشمس}. ثم جهة أو جهات أخرى غير الغرب والشرق ـ فيما يظهر، ويقال: إنها جهة الشمال ـ :{حتى إذا بلغ بين السدين}.
الأمر الخامس: أنه كان عادلاً يؤدب الظلمة ويكرم الصالحين.
فقد كان ينصر المظلوم على ظالمه، ويعين المحتاج ويعلم الجاهل، كما حصل مع القوم الذين شكوا إليه من عدوان يأجوج ومأجوج. كما قال تعالى عنه: {أما من ظلم فسوف نعذبه... وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاءً الحسنى}.
الأمر السادس: أنه كان زاهداً في أموال الناس.
وهذا واضح من رده على القبائل التي طلبت منه مساعدتها بإقامة السد، وعرضهم عليه خرجاً ـ جزاء عمله، فقال لهم ما حكى الله عنه: {قال ما مكني فيه ربي خير}.
الأمر السابع: تواضعه واعترافه بفضل الله عليه.
ويظهر ذلك من نسبة ما أوتيه من الأسباب والقوة والتمكين إلى ربه تعالى: {قال هذا رحمة من ربي}. [راجع: مفاهيم جغرافية: (ص: 17)].
أقوال العلماء والمؤرخين في ذي القرنين:
تباينت أقوال العلماء والمؤرخين في ذي القرنين، ويمكن تلخيصها فيما يأتي:
القول الأول: أنه نبي، ويروى هذا القول عن بعض الصحابة، رضي الله عنهم. [نفس المرجع (ص: 25)].
القول الثاني: أنه رجل صالح، أسلم على يد خليل الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم وطاف معه بالبيت. [نفس المرجع (ص: 25)].
القول الثالث: أنه شمر بن عمر الحميري. [نفس المرجع (ص: 131)].
القول الرابع: أنه إسكندر بن فيلبس اليوناني المقدوني. [نفس المرجع (ص: 24)].
القول الخامس: أنه أحد ملوك الصين. وأن السد هو سور الصين العظيم، وممن نصر هذا القول العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله، حيث قال: (وقد بنى ذو القرنين، وهو: (تسي شي هوانق تي) سلطان الصين هذا الردم بناءً عجيباً في القرن الثالث قبل المسيح، ومما احتج به على ذلك كون معظم ملوك الصين كانوا أهل عدل وتدبير للمملكة، ثم ذكر أن هذا الملك قد ساءت حالته في آخر عمره، وأفسد كثيراً، وقتل العلماء، وأحرق كتباً. [تفسير التحرير والتنوير: (6/ 22 ـ 35 )].
القول السادس: أنه ملك فارسي، يدعى: (كورش الأخميني). [(نفس المرجع ص: 225...)].
وإذا رجعنا إلى سبر هذه الأقوال وتمحيصها فإن هذا القول ـ السادس والقول الثاني ـ وهو كونه رجلاً صالحاً ـ يبدوان أكثر رجحاناً من الأقوال الأخرى، وإن كان القول السادس يمتاز بتعيين هذا الرجل الصالح.
وأما القول الأول، وهو كونه نبياً، فلا نجرؤ على القول بنفيه ولا إثباته، لأنه في كلا الأمرين يحتاج إلى نقل عن الشارع، ولا نقل معلوماً لنا.
أسباب ترجيح القول السادس:
وإنما كان القول السادس أكثر رجحاناً للأسباب الآتية:
السبب الأول: أن (كورش الأخميني) بلغ في فتوحاته مغرب الشمس ومطلعها ـ يعني أن اتجه في فتوحاته من مقره الذي كان يقيم فيه غرباً وشرقا ـ ويجب أن يعلم أن مطلع الشمس ومغربها نسبيان، فكل مطلع لها يعتبر مغرباً بالنسبة للأماكن التي تقع شرقه، وكل مغرب لها يعتبر مطلعاً بالنسبة للأماكن التي تقع غربه، والمقصود هنا أن ذا القرنين جال في مشارق الأرض ومغاربها وفتح البلدان التي كانت عامرة بالسكان في ذلك الوقت، واتجه بعد ذلك إلى مكان السدين حيث بنى بينهما ردمه. [نفس المرجع (ص: 236، 252 ـ 253)].
وأما غيره فلم يعلم أن أحداً منهم تحرك في فتوحاته شرقاً وغرباً تحركاً يستحق أن يطلق عليه: أنه بلغ مغرب الشمس ومطلعها، لا شمر بن عمر الحميري، ولا الإسكندر المقدوني، والحميري لم يعلم بأنه فتح بلاد التتر أو بلاد فارس، وإن ادعى بعض المؤرخين بدون دليل أنه بلغ مشارق الأرض ومغاربه، [نفس المرجع (137، 145 ـ 146 )] والمقدوني اتجه في فتوحاته من مقره في مقدونيا إلى الشرق ولم يتجه صوب الغرب. [(ص: 74، 78، 94،130، 167)].
السبب الثاني: أن كورش اشتهر بالصلاح والعدل والورع والزهد، وهو الذي يتفق مع ما ذكره القرآن عن ذي القرنين. [ص: (254 ـ 255)].
أما الإسكندر المقدوني، فكان ـ مع وثنيته ـ متكبراً جباراً، خليعاً، سفاكاً للدماء، مفسداً في الأرض، هداماً للمعابد، محرقاً للآثار الدينية، مؤثراً لنفسه على من سواه. [مفاهيم جغرافية: (ص: 82 ـ 87 130)].
وأما شمر بن عمر فلا يوجد ما يثبت أنه كان متصفاً بالصفات التي وصف بها القرآن الكريم ذا القرنين، وبخاصة الإيمان بالله... وإن ادعى بعض شعراء اليمن ذلك له، زاعماً أنه هو ذو القرنين، وأنه بلغ المشارق والمغارب. [نفس المرجع (ص: 145 ـ 146)].
وكذلك لم يثبت لأحد من ملوك الصين ما أثبته الله لذي القرنين، وكون بعضهم قد يشتهر بالعدل النسبي لا يدل على أنه كان مؤمناً منفذاً لأوامر الله تعالى مثل ذي القرنين.
السبب الثالث: أن (كورش الأخميني) امتد حكمه ثلاثين عاماً، من عام:559 قبل الميلاد إلى عام: 529 قبل الميلاد، وبناء سد (دانيال) الذي يبدو أنه هو سد ذي القرنين بني في تلك الفترة حيث توجه إلى الإقليم الذي بني به السد ـ جو رجيا ـ عام: 537 قبل الميلاد وقضى به ـ الإقليم المذكور ـ تسع سنوات متوالية، بنى فيها السد، وأدب قبيلتي يأجوج ومأجوج. [نفس (ص: 273)].
أما الإسكندر المقدوني فقد كان متأخراً عن تاريخ بناء السد المذكور، حيث عاش بين عامي: 355 قبل الميلاد و323 قبل الميلاد أي إنه توفي بعد وفاة (كورش) بستة أعوام وثلاثمائة عام. [نفس المرجع : (ص: 69)].
نعم يجتمع الإسكندر مع (كورش) في أن الله مكن له في الأرض ـ ابتلاء ـ ولكنه يخالفه في أمرين جوهريين:
الأول: أن (كورش) ـ كما يظهر من تاريخه ـ مسلم صالح مستقيم عدل محسن، والإسكندر بعكس ذلك كله.
الثاني: أن (كورش) هو الذي بنى سد (دانيال) وأوصاف السد تنطبق على سد ذي القرنين، وأما الإسكندر فليس هو باني السد المذكور، لأن تاريخه متأخر عن بناء السد.
والذين ادعوا أن الإسكندر هو الذي بنى السد لا دليل معهم إلا شبهة دعوى أنه ذو القرنين، وقد زالت الشبهة باختلاف أحواله مع أحوال ذي القرنين.
وهناك شبهة أخرى، وهي دعوى أن الإسكندر هو الذي بنى سور الصين العظيم، وظَنُّ أن سور الصين العظيم هو سد يأجوج ومأجوج، وذلك غلط من وجهين:
الأول: أن سور الصين العظيم لم يبدأ في بنائه إلا بعد وفاة الإسكندر بـ(102سنة) إذ بدئ في بنائه سنة 221 قبل الميلاد، والإسكندر توفي سنة (323) قبل الميلاد. [مفاهيم جغرافية: (ص: 129].
الثاني: أن سور الصين العظيم ليس هو سد يأجوج ومأجوج، كما سبق تحقيقه.
وأما شمر بن عمر فإنه متأخر عن ذلك بكثير، فقد امتد حكمه ما بين: 275 قبل الميلاد إلى 300 بعد الميلاد. [نفس المصدر (ص: 147)].
وأما السلطان الصيني الذي ذكر العلامة ابن عاشور أنه ذو القرنين، فلا يمت إلى ذي القرنين بصلة، وبناؤه هو ومن تلاه من سلاطين الصين لسور الصين العظيم، إنما كان للدفاع عن غارات القبائل المنغولية المتوحشة ـ التي منها يأجوج ومأجوج ـ على ممالكهم، فقد كان أولئك السلاطين قادرين على حماية ممالكهم ورعاياهم من المغيرين عليهم ببناء السدود، بخلاف القوم الذين طلبوا من ذي القرنين بناء السد، فقد كانوا عاجزين عن ذلك، والسلطان الذي زعم أنه ذو القرنين، كان ظالماً جباراً، وهو الذي وحد الصين، وربط السد الذي كان ـ في الأصل ـ يتألف من عدة سدود بعدد الدويلات الصينية قبل توحيدها، وكان أول من ناله ظلمُه والده الذي اضطره إلى الانتحار لسوء معاملته إياه، وأمه التي اضطهدها، ولذلك يَعُده المؤرخون الصينيون عدوهم الألد، وكان ظلمه مصاحباً له منذ صباه، حيث قعد على كرسي الإمارة وعمره اثنا عشر عاماً، وليس كما ذكر العلامة ابن عاشور من أنه لم يفسد إلا في آخر حياته. [قصة الحضارة: (4/ 97)] فكيف يقال عنه: إنه ذو القرنين الذي أطلق الله الثناء عليه إطلاقاً يدل على أنه استمر على صلاحه إلى وفاته؟!
وبهذا يظهر بأن أقرب الأقوال أن (كورش) هو ذو القرنين، مع احتمال أن يكون ذو القرنين غير هؤلاء جميعاً، كما أن أقرب الأقوال أن (سد دانيال) هو سد يأجوج ومأجوج، مع احتمال أن يكون غيره، ولكنا نجزم بأن الإسكندر المقدوني ليس هو ذا القرنين، وأن سور الصين العظيم، ليس هو سد يأجوج ومأجوج، لاختلاف أوصاف ذي القرنين مع أوصاف الإسكندر المقدوني، واختلاف أوصاف سد يأجوج ومأجوج عن سور الصين العظيم، والله سبحانه وتعالى أعلم. [وأكرر هنا ما اقترحته سابقاً من تكوين فريق عمل من ذوي الاختصاصات المناسبة، للوقوف على سد (دانيال) الذي يظن أنه سد ذي القرنين، والبحث عن غيره في المناطق التي يحتمل وجود السد بها مع تزويدهم بالوسائل التي تمكنهم القيام بهذه المهمة العظيمة].
نظام الحكم في الصين:
كانت الصين مقسمة إلى ممالك متحاربة من سنة 456 قبل الميلاد، وكان يحيط بكل مملكة سور وقلاع لحمايتها من أعدائها، إلى أن توحدت في إمبراطورية واحدة في سنة 221 قبل الميلاد في عهد (شي هونج دي). [قصة الحضارة: (4 / 19، 97)، بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة (ص: 138)، موجز أحوال الصين (ص: 35 ـ 37)].
واستمر نظام الحكم في الصين إمبراطورياً، وقد اعتلى ـ بل نُصِّبَ ـ آخر إمبراطور (ويدعى بويى) عرش الصين وعمره ثلاث سنين، وعندما قامت الجمهورية وأجبر على التنازل عن الحكم سُمِحَ له بالبقاء في القصر الإمبراطوري ـ المدينة المحرمة ـ بموجب المعاملة التفضيلية، وقد كتب ـ بعد أن طُرِد من القصر هو وأسرته وخدمه وخصيانه وودع صباه، وأصبح مشرداً يلتمس المأوى ـ كتاباً عن حياته، عنوانه: (من إمبراطور إلى مواطن ـ السيرة الذاتية) اعترف فيه بما كانت تمارسه له حاشيته من العبث والفساد والكبرياء والطغيان التي كانوا يرون أن من حقهم ممارستها في القصر، كما هي طبيعة الأباطرة الذين يمتصون دماء الأمم ويستعبدون الشعوب، إما بأنفسهم وإما بوساطة أوصيائهم.
الإمبراطور يصف عبثه وتعبيد الناس له!
ولندع الإمبراطور يصف ما كان يجري له من تأليه وهو صبي يلعب، وقد تنازل عن العرش، قال: (فقد تعودت منذ نعومة أظفاري أن أرى الناس يسجدون لي، ولا سيما الناس الذين يكبرونني بأكثر من عشرة أضعاف، وكان من بينهم كبار الموظفين السابقين في أسرة تشنغ وكبار العشيرة، وأناس في ثياب البلاط الخاص بأسرة تشنغ، ورجال الجمهورية في الزي الغربي.
وشيء آخر غريب بدا طبيعياً تماماً في ذلك الوقت هو الموكب اليومي، [يعني علم بعد أن انتهى ذلك الوقت، وأصبح مواطناً بعيداً عن القصر أن ذلك لم يكن طبيعياً!] فكل مرة كنت أذهب فيها إلى حجرة الدرس... أو أخرج للتنزه في الحديقة، كانت تصحبني حاشية كبيرة، وكل رحلة قمت بها إلى القصر الصيفي كلفت آلاف الدراهم الفضية الكبيرة، حيث يُطلَب من البوليس الجمهوري الاصطفاف على طول الطرقات لحمايتي، وكان يرافقني عشرات السيارات.
وكلما خرجت للتنزه في الحديقة لا بد أن يُنَظَّم موكب، ينطلق في المقدمة خَصِيٌّ من المكتب الإداري لم تكن وظيفته إلا وظيفة بوق السيارة. [ذكر في مكان آخر أن الخصيان الذين كان الأباطرة قبله يستخدمونهم في قصورهم لا يحصون عدداً، وأما هو فلم يبق معه منهم بعد خلعه في المرة الثالثة إلا عشرة منهم. كتاب من إمبراطور إلى مواطن (1/ 71)].
فكان يمشي على بعد عشرين أو ثلاثين ياردة أمام الموكب مردداً الصوت التالي: (تشير.. تشير..) تحذيراً لكل واحد يمكن أن يكون في ذلك الجوار كي يبتعد في الحال، ثم يليه خَصِيَّان رئيسيان يسيران مثل الأوز على كل جانب من جانبي الطريق، وخلفهما بعشر خطوات يمشي عمدة الموكب ـ يعني نفسه ـ وإذا كنتُ محمولاً في محفة، فسيكون ماشياً إلى جانبي اثنان من الخصيان الصغار لتلبية طلباتي في لحظتها، وإذا كنت ماشياً يسنداني، ومن ورائي خَصِيٌّ يحمل مظلة حرير واسعة، تتبعه مجموعة كبيرة من الخصيان... يحملون أشياء مختلفة: كرسي لاستراحتي، وغيارات من الثياب، ومظلات للمطر وأخرى للشمس.
وبعد هؤلاء الخصيان المقربين للإمبراطور يأتي خصيان من مكتب الشاي الإمبراطوري يحملون علباً فيها مختلف أنواع الكعك والمأكولات الشهية.... ثم يُتبَعون بخصيان الصيدلية ومواد العلاج الأولي... وفي نهاية الموكب يأتي الخصيان الذين يحملون القعادات والمباول. . وهذا الموكب المتعدد الألوان من عشرات الناس يواصل تقدمه في هدوء تام وانتظام...
أما نموذج التباهي المفرط الذي استنفد معظم الجهد والمال والمواد فهو وجبات الطعام، كانت هناك مصطلحات خاصة بأكل الإمبراطور، وكان من المحظور تماماً الخطأ في استخدامها، فالطعام لم يكن يدعى طعام، بل (يوي شان) أي الطعام الإمبراطوري، والأكل كان يدعى (جين يوي شان) أي تناول الطعام الإمبراطوري... وعندما كان يحين موعد الأكل.. كنت أصدر الأمر قائلاً: (تشوان شان) أي (استدعاء طعام الإمبراطور)، فيكرر خصيان الحضرة: (تشوان شان)..
وقد وصف الرجل العبث والإسراف الذي كان يُمارس في القصر في الطعام واللباس والمواكب، وكثرة الخدم والخصيان والموظفين وكل شيء فيه. [كتاب: من إمبراطور إلى مواطن (1/ 46) وما بعدها، والكتاب مليء بوصف العبث والفساد والطغيان من أجل طفل مخلوع من الملك، تمتع بذلك كله في بداية عهد الجمهورية، وذلك يشير إلى ما كان يفعله الأباطرة والملوك الحقيقيون!! ويصف الكتاب كذلك سيرته الذاتية من البداية إلى النهاية، وهو يقارب 580 صفحة من القطع المتوسط، ترجمة محمد نمر عبد الكريم، طبع دار النشر باللغات الأجنبية في بكين سنة 1985م].
وأقامت اليابان آخر أباطرة الصين وهو (بو يي) السابق ذكره رئيساً لجمهورية منشوريا، اسماً بدون مسمى، كما كان في القصر الإمبراطوري في الصين إمبراطوراً بدون إمبراطورية.! [راجع كتاب قصة الحضارة (4/ 288 ـ 320)].
الجمهورية الصينية:
استمر النظام الإمبراطوري ثلاثة آلاف عام، وكانت نهايته في سنة 1911م. [موجز أحوال الصين (ص: 53 ـ 55)] عندما أُعلن النظام الجمهوري الصيني، ولم تحدث هذه النهاية فجأة، وإنما حدثت بالتدريج، كما هي سنة الله في تغيير الأنظمة والدول وأصناف الحياة المتنوعة، وفقاً لما وضعه سبحانه وتعالى لتلك التغيرات من سنن وأسباب، كما قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}. [الرعد: 11].
وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}. [هود: 102].
وفي الحديث الصحيح: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)). [صحيح البخاري، برقم (4409) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. نعم هذه هي نهاية الطغاة الظلمة، والمفروض أن يعتبروا بما سطره التاريخ، ولكنهم عمي البصائر يلحق الدابرَ الغابرُ!].
الأسباب الظاهرة لسقوط الإمبراطورية الصينية:
والذي يتأمل ـ قليلاً ـ في تاريخ إمبراطورية الصين يظهر له بجلاء أن من أهم أسباب سقوطها ما يأتي:
السبب الأول: مفاسد التصرفات والتدابير.
إن المفاسد والتصرفات الإمبراطورية السيئة قد تكررت من الأباطرة في غالب الأحوال، وإن زعم بعض من الكتاب غلبة العدالة والحكمة على ملوك الصين وسلاطينها، ونقل ذلك لاحق المؤرخين عن سابقهم، سواء أكانت في عهد الإمبراطوريات المتعددة التي كانت تتقاسم مقاطعات الصين وتتحارب فيما بينها علي السيطرة عليها، أم بعد أن توحدت في إمبراطورية واحدة شملت غالب المقاطعات.
هذا مع العلم أن بعض المؤرخين قد يثني على إمبراطور معين في جانب من جوانب حياته، فيظن الناس أن كل تصرفاته محل ثناء وحمد، وقد يكون الذي أثنى على الإمبراطور من أعوانه المنتفعين من سلطانه جاهاً أو منصباً أو غيرهما، فيكتم ما وقع من القبائح ويذيع ما لم يثبت من المدائح، وقد يُضطَر لذلك اضطراراً دفعاً للأذى الذي قد يصيبه من الأباطرة إذا لم يفعل، وللضرورات أحكامها.!
ومن أهم تلك المفاسد: اهتمام كثير من الأباطرة بمصالحهم الشخصية، ليعيشوا في بحبوحة من الحياة المترفة، ويستأثروا بخيرات شعوبهم، ويقطفوا ثمار أعمالهم وكدحهم، فينعموا بجميع مُتَع الحياة في أفخم المنازل والقصور، وتعيش الشعوب قبل أن يوافيها الأجل في سراديب الكهوف ومباني المعابد والقبور.
ومن أهم تلك المفاسد: نصر القوي وظلم الضعيف، وعقاب الوضيع وترك الحبل على الغارب لذي الأبهة الشريف.
ومن أهم تلك المفاسد: تربع ذوي الجهل ـ ممن أفنت الشيخوخة أجسامهم وعطلت السنون الطويلة عن التفكير والتَّذَكُّر عقولَهم، والأطفال الذين لا عقول لهم ـ على عروش الملك والسلطان، ليديروا أمر الأمم العظيم الشأن، وفي قصة آخر إمبراطور من أولئك الأباطرة وما أثبته بنفسه في سيرته الذاتية أسطع دليل وأقوى برهان.!
السبب الثاني: نفاد صبر الرعايا على ظلم الأباطرة.
فقد نفد صبر الرعايا على ما أنزله بهم رعاتهم من المآسي والبلايا، وما قاسوه في ظل حكمهم من ظلم متعمد، فكان ذلك داعياً لسخط العامة وانقيادهم لمن ثار على الأباطرة وتمرد.
كان هذان السببان ينهكان جسم الإمبراطورية من الداخل، وهناك أسباب أخرى انقضت عليها فضاعفت ضعفها من الخارج.
السبب الثالث: هجوم المستعمرين الغربيين على الصين.
1 ـ فقد وصل البرتغاليون إلى أطراف الصين ـ وبالذات منطقة كانتون ـ عن طريق البحر في عام 1517م، واضطرت الصين إلى تسليمهم منطقة (مكاو)، ولا زالت بأيديهم إلى اليوم. [وقت كتابة هذه المعلومات].
2 ـ واحتل الأسبان، (فرموزا ـ تايوان ـ ) عام 1571م.
3 ـ وأعقب الهولنديون، الأسبان في احتلال جزيرة (فرموزا).
4 ـ الإنجليز، وقد وصلوا إلى (كانتون) عام 1637م.
وزادت من إضعاف النظام الإمبراطوري وانحلاله: حرب الأفيون، فقد علم البرتغاليون الصينيين شرب الدخان وشجعوهم على شرائه، ثم بدأ في مستهل القرن الثامن عشر استيراد الأفيون من الهند إلى الصين، وحاربت الصين تلك التجارة حرباً شعواء، وحرمت تجارته تحريماً باتاً في عام 838م، حتى اضطر الإنجليز إلى الانسحاب من كانتون إلى هونغ كونغ، وأرغموا الصين على التخلي عنها بموجب توقيع معاهدة بينهما، واشتدت عندئذ حرب الأفيون الأولى، واضطرت الصين أن تخصص بعض ثغورها للتجارة الأجنبية، مع خفض الضرائب، والتسليم بامتيازات أجنبية للإنجليز ثم لأمريكا وفرنسا، مما كان سبباً في ضعف النظام الإمبراطوري وانحلاله.
هذه الحرب كانت من أهم أهداف المستعمرين، ولكنها تعد ـ بذاتها ـ سبباً مهماً، لأن كثيراً من الصينيين تعاونوا مع المستعمرين في تشجيع تجار الأفيون، المستعمر يبيعه ليكسب، والصيني يشتريه ليغيب به عن هموم الفاقة والتعب، إضافة إلى ما يحصل عليه الموظف الصيني من الرشاوى والهدايا.
وجاءت حرب الأفيون الثالثة التي تعاونت فيها كل من بريطانيا وأمريكا وفرنسا وطلبت من الصين أن تجعل هذه التجارة مشروعة، وأن يفتح لها المجال في مناطق أخرى في الصين، مع وضع ضمانات لحماية المنصرين والتجار الأجانب في جميع أنحاء الصين.
وفي سنة 1900م دخلت جيوش الحلفاء بكين، بعد أن قامت جماعة من المواطنين الصينيين بحركة تمرد ضد الإمبراطورية التي أقنعتهم بتوجيه الضربة ضد الأجانب، فأخذوا يذبحون الأجانب ويشردونهم في كل أنحاء الصين، وانتصر الحلفاء عليهم وفرضوا على الصين غرامة حربية عظيمة، تنازلوا عن جزء منها واشترطوا أن ينفق ذلك على الطلاب الصينيين ليدرسوا في بلدان الحلفاء كأمريكا وبريطانيا وروسيا واليابان...
السبب الرابع: كسر طوق عزلة الشباب الصيني عن العالم.
ذلك الطوق الذي مكن الإمبراطورية من الاستمرار في السيطرة على الشعب وحكمه زمنا طويلاً. [قلت: الطوق الذي يعزل العقول عن الفكر الجديد أشد من سور الصين العظيم الذي يعزل الغزاة العظام عن اقتحامه].
ذلك أن آلافاً من الطلبة الصينيين غادروا الصين مزودين بأموال الغرامة الحربية، ليدرسوا في جامعات: بريطانيا، وألمانيا، وأمريكا، واليابان، وكانوا صغار السن سريعي التأثر بالأفكار الجديدة، وأدهشهم ما شاهدوا من وسائل الراحة وحرية الأفراد التي لم تكن تدور بخلدهم، وأخذ الآلاف منهم يعودون إلى بلادهم، وقد كفروا بعبادة الآباء، وانتشروا في مدن الصين يبذرون في عقول مواطنيهم الثورة على الأنظمة القديمة.
وساعدهم على ذلك ما رآه أهل البلد من نمط عيشة الأجانب من المُنَصِّرين والتجار والدبلوماسيين من وسائل الراحة والترف، حيث قوَّى ذلك عندهم الرغبة في نيل حظهم من رغد العيش، وهم يعلمون أنهم لا يصلون إليه إلا إذا حصل تغيير للنظام القديم في بلادهم، فكان ذلك من أهم الأسباب التي هيأت الفرصة للثورة على النظام الإمبراطوري، والتمكين لقيام النظام الجمهوري، وبخاصة بعد ضعف العقيدة الدينية وعبادة الآباء في نفوس كثير من الصينيين.
أبو الجمهورية الصينية:
وقد ساعدت هذه العوامل كلها أحد أبناء الصين، لينال شرف تأسيس أول جمهورية في بلاده، وهو المدعو بـ(صون يات صن).
فقد ولد في عام 1866م، وقدر له أن يتعلم في مدرسة مسيحية ذات منهج غربي وأساليب غربية بحتة يديرها أحد الرهبان في هنولولو ـ بجزر هاواي ـ واعتنق المسيحية، وعندما رجع إلى الصين التحق بالكلية الحربية البريطانية، فكان أول طالب صيني يتخرج منها، وقد أفقدته هذه الدراسات عقيدته الدينية الصينية، وأوغر صدره ما لاقاه هو وأبناء وطنه من إهانات الأوربيين الذين سيطروا على ثغور بلاده وجماركها، وعجز الحكومة الصينية عن حماية مصالح الشعب، لذلك اعتقد أن أول خطوة يجب اتخاذها لتحرير الصين من سيطرة الأجانب هي القضاء على الزمرة الإمبراطورية (أسرة المانشو).
فأخذ يجول في المقاطعات الصينية لجمع المال الذي يؤجج به نار الثورة، ولقي تجاوباً ومساعدات من النقابات التجارية والجمعيات السرية القوية التي يتوق قادتها إلى القضاء على الطبقة الحاكمة، ثم سافر إلى الغرب وزار مدن العالم يجمع التبرعات من تجار الصين، وفي أثناء ذلك وصلت إليه رسالة من قوات الثورة في بلاده تخبره بأنها قد استولت على جنوب الصين وأنها في طريقها إلى الاستيلاء على شمالها، وأنها قد اختارته رئيساً للجمهورية.
وعندما عاد وجد بعض المقاومة من الحكومة الصينية التي كانت تعيش على اسم عرش الإمبراطور المرتعش، ولكن الثورة شقت طريقها، فلفظت الإمبراطورية آخر أنفاسها، وأعلنت الجمهورية في سنة 1911م.
ورفع صون بات صن الذي أصبح أول رئيس للجمهورية الصينية شعار الثورة في المبادئ الثلاثة: (القومية، والديمقراطية، والإصلاح الاجتماعي). [القاموس السياسي، لأحمد عطية الله (حرف السين)].
وأخذت العقائد والأنظمة السياسية والاجتماعية والأساليب التعليمية القديمة تتغير، وبدأ سَدُّ عزلةِ الصين عن العالم يُفْتَح، كما بدأ قبله فتح شيء من سد يأجوج ومأجوج. [أقصد به السد المعنوي، وهو الحواجز التي وضعها حكام الصين على رعاياهم، بحيث لا يتصلون بالعالم، ولا يتصل العالم بهم، ولكن هذا الانفتاح الذي حصل بقيام جمهورية الصين الوطنية، سَدَّه قيام جمهورية الصين الشعبية....].
هزيمة خلف أبي الجمهورية وهربه إلى تايوان:
وتوفي أبو الجمهورية (صون بات صن) عام 1925م.
وخلفه على زعامة الحزب (المسمى: كيومتانج أي حزب الشعب الوطني، الذي تأسس عام 1905م) وقيادته العامة "تشيانج كاي شك" المولود سنة 1887م، واختير رئيساً للدولة سنة 1928م وأخذ يعمل لتوحيد الصين ومقاومة التوسع الياباني، ثم اضطر للهرب إلى جزيرة فرموزا (تايوان) سنة 1949م بعد أن مني بهزيمة كاسحة أمام الزحف الشيوعي وبذلك أصبحت الصين دولة شيوعية بزعامة ماو تسي تونغ، وتوفي تشيئانج كاي شك في عام 1975م.
جمهورية الصين الشعبية:
بدأ تأثر بعض المثقفين الصينيين بالأفكار الشيوعية اللينينية، بعدما قامت الثورة الاشتراكية في شهر أكتوبر سنة 1917م في روسيا، فقامت على إثر ذلك حركة ثورية في الصين، ظهرت بدايتها بإضرابات العمال ومظاهرات الطلاب في 4/5/1919م.... وفي 1/7/1921م أسس الحزب الشيوعي الصيني، وكان من مؤسسيه (ماو تسي تونغ) وأخذ الحزب ينمو ويقوى، وعندما غزت اليابان الصين تم التحالف بين الحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي الحاكم (كيومنتانج) الذي كان يتزعمه (تشيانج كاي شك)، ثم نشب الخلاف بين الحزبين لاختلاف سياستهما وولائهما، وقامت بينهما معارك انتهت بانتصار الحزب الشيوعي بقيادة ماو تسي تونج في 1949م، وهزيمة الحزب الوطني الذي فر زعماؤه وموالوهم إلى فرموزا (تايوان) وأقاموا دولتهم فيها زاعمين أنهم الحكام الشرعيون للصين كلها، وجزيرة تايوان إنما هي إحدى ولايات الصين اضطروا للبقاء فيها مؤقتاً، إلى أن يتمكنوا من العودة إلى البر الصيني الذي لا يزالون هم حكامه ـ في نظرهم ـ كما أن الحزب الشيوعي أيضاً يعتبر تايوان إحدى الولايات الصينية التي يجب أن تنضم إلى أخواتها من الولايات الصينية. وسيأتي الكلام عن تايوان.
وفي 1/10/ 1949م أعلن ماو تسي تونج من على منصة ميدان (تيان آن من) في بكين قيام جمهورية الصين الشعبية. [موجز أحوال الصين (ص: 57 ـ 69)].
نبذة عن ماو تسي تونج:
ولد ماو تسي تونج في أسرة فلاحية، في 26/12/1893م، وأمضى في الجيش بعد القضاء على الملكية نصف سنة، والتحق بمدرسة المعلمين وتخرج فيها، ثم أخذ يدرس الثقافات المتنوعة: الثقافة الإقطاعية الصينية والثقافة البرجوازية الغربية، وقرأ مؤلفات المفكرين والفلاسفة القدامى والمحدثين.
وبعد قيام حركة 4مايو/1919م أخذ في قراءة كتب وبحوث الثورة الماركسية، فجذبته إلى اعتقادها، وخاض غمار السياسة متحالفاً مع الحكومة الوطنية والحروب ضد اليابان، ثم أعلن الحرب ضد الحكومة الوطنية، حتى أقام جمهورية الصين الشعبية، كما مضى قريباً. [يراجع للاطلاع على حياة ماو تسي تونج وسياسته كتاب (ماو تسي تونج) الذي طبعته باللغة العربية دار النشر باللغات الأجنبية في بكين، سنة 1989م، تأليف تشونج وان شيئان].
خلافات الحزب الشيوعي:
انتصرت الثورة الشيوعية، وأخذ الرفاق في ترتيب شئون الدولة وتقاسم السلطة التي كان على قمتها (ماو تسي تونج) وأرسوا قواعد الاشتراكية التي شملت كل شيء في البلاد: الزراعة والصناعة والتجارة والحرف اليدوية، ووضعت لذلك الخطط ـ المتسرعة ـ التي لم تنفذ تنفيذاً كاملاً... (وشهدت الأمة نكسات في البناء الاشتراكي نظراً لأخطاء كثيرة في خط الحزب والحكومة، ولذا تعرض للهجوم عدد كبير من كوادر الحزب الشيوعي الذين تجرءوا على الإفصاح عما في قلوبهم وإنكار الأخطاء في أثناء: "القفزة الكبرى إلى الأمام").
ويبدو أن السبب في عدم تنفيذ تلك الخطط عدم اقتناع القائمين عليه، إما لشعورهم بالأضرار التي تلحق المواطنين من جراء ذلك التنفيذ، وإما لعجزهم عن ذلك، لقيام تلك الخطط على أسس مبالغ فيها غير قابلة للتنفيذ دفعة واحدة، توقاً إلى سرعة إنجاز التحول الاشتراكي، كما هي عادة الأحزاب والأنظمة الجديدة التي تحل محل أحزاب وأنظمة قديمة، حيث تحاول الأنظمة المستبدة الجديدة نسف كل أسس الأنظمة القديمة ـ دون التفات إلى صالحها من طالحها ـ ومحو أثرها من الوجود دفعة واحدة، وهذا يخالف سنة الاجتماع البشري، ويحدث الفوضى والاضطراب في حياة الناس، ولهذا راعى التشريع الإلهي سنة التدرج في أحكامه الشرعية، سواء ما أوجبه منها أو ما حرمه.
الثورة الثقافية أساسها وآثارها:
وقد اشتهر تاريخ (ماو) بالثورة المسماة بـ(الثقافية) التي كانت ناتجة عن أمرين خطيرين، ما نزلا بأمة إلا دمرت حياتها وأضعفتها وشتت شملها:
وهما الاستبداد الذي يتخطى صاحبه مشاورة أهل الحل والعقد في شئون الأمة ومصالحها العامة، والغرور الذي يصيب المستبدين حتى يظنوا أنهم أدرى بمصالح الأمة منها، فيتصرفون في أمورها بجهل وغفلة وإفساد متعمد، يوقعها في مصائب ونكبات في حياتها، يُعتدى فيها على كل الضرورات التي لا حياة لها إلا بحفظها.
وقد وصف كاتب صيني "الثورة الثقافية" التي طبقها (ماو) بقوله: (وفي عام 1966م وبسبب تقييمه [يعني ماو]. الخاطئ للوضع المحلي والدولي شن "الثورة الثقافية" التي تحولت إلى فوضى سياسية مفلتة العنان، ابتعدت إلى حد مفرط عن توقعاته وسيطرته، نتيجة لتلاعب زمرتي لين بياو وجياننج تشينج المعاديين للثورة، واستمرت "الثورة الثقافية" عشر سنوات، فألحقت أضراراً وخسائر فادحة بكثير من الأجهزة داخل الصين...). [ماو تسي تونج: سيرة حياة ـ تقييم ـ ذكريات، لمؤلفه تشنج ون شيئان، (ص: 16].
وقال كاتب آخر عن (ماو) وثورته الثقافية: (بدأت "الثورة الثقافية" في مايو 1966م ودامت ما يزيد عن عشر سنوات، وقد قلبت التنمية الصناعية رأساً على عقب، وأحدثت أضخم النكسات والخسائر في البلاد، منذ تأسيس الجمهورية الشعبية، وهذه الثورة أربكت العالم قاطبة قد شنها وقادها (ماو تسي تونج) رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني... وكانت هيبة (ماو تسي تونج ) قد وصلت إلى ذروتها.... وقد أصابه الغرور تدريجياً، فأخذ يتصرف تصرفاً عشوائياً، ونصب نفسه فوق لجنة الحزب المركزية، عازلاً نفسه عن الواقع وعن الجماهير...) ثم أخذ يصف ما جرى إثر ذلك بين أعضاء الحزب من تنازع وانقسامات وتناحر إلى أن قال: (وقعت الصين في حالة من الفوضى المُطْبِقَة وعاشت في حقبة من الرعب، وشلت الأجهزة الحزبية والحكومية من مختلف المستويات، جزئياً أو كلياً، وهوجم واضطهد الكوادر القياديون والمثقفون ذوو المعارف والخبرات...). [موجز أحوال الصين (ص: 78 ـ 84)].
وإذا كان ما ذكر من مآسٍ قد وقع على بعض أعضاء الحزب الحاكم، فما بالك بما وقع لعامة الشعب الذين يتصرف فيهم الطغاة المستبدون تصرف الذئاب ـ لا الرعاة ـ في الشياه؟!
وقد وصف طالب عربي مَخاطِر "الثورة الثقافية" فقال: (فهو ـ يعني الانقلاب الموصوف بـ( الثورة الثقافية) ـ عملية طغيانية واسعة النطاق، سوف تحيط الصين بمآس رهيبة، كما ستهدد العالم بأسره...). [عراقي في الصين الحمراء، لـ"فؤاد الصاحب"، دار النهار للنشر بيروت (ص: 24)].
كما بين في موضع آخر ما كانت (الثورة الثقافية) تريد تحقيقه، فقال: توخت "الثورة الثقافية البروليتارية" نسف جميع الثقافات في العالم، بدءاً بالثقافة الصينية نفسها. فقد صرح الزعماء الصينيون بأن (كل ما أبدعه الفكر الإنساني في العصور الماضية، على ما فيه من حقيقة وفائدة وجمال، ليس فيه ـ ولا يعقل أن يكون فيه ـ ما يشفي غليل أبناء العصر الاشتراكي). [عراقي في الصين الحمراء. (ص: 37)].
وقال ـ واصفاً ـ حرب اللافتات بين قادة الحزب الاشتراكي: (استعمل الصينيون بين حزيران 1966م وحزيران 1967م، من الورق لكتابة اللافتات، ما يساوي كمية الورق التي استعملها جميع دول العالم في طبع الكتب والجرائد والمجلات في الفترة نفسها، وكان حجم اللافتة الواحدة يتراوح بين متر مربع واحد وبين عشرات الأمتار المربعة...)، [عراقي في الصين الحمراء. (ص: 39 ـ 49)]. وحرب اللافتات حرب إعلامية تميزت بها الصين عن غيرها من الدول، إلى درجة أن الرئيس (ماو) خط بيده إحدى اللافتات المحرضة على بعض قادة الحزب. [موجز أحوال الصين ص: 80].
وقال في موضع آخر يصف بؤس عامة الناس ـ ولو كانوا أعضاء في الحزب ـ : "وفي مجال الحياة الخاصة والمعيشة لم أجد هناك ما يشير إلى وجود رائحة الديمقراطية، فحتى الزواج لا يتم بين الصديق وصديقته إلا وفق شروط سياسية خاصة، وإذا لبس أحدهم ملابس جديدة، دون الرجوع إلى المنظمة لأخذ رأيها في ذلك، فإن الانتقاد يوجه إليه على نحو يتناسب مع مكانته وعمله.
وإذا أقدم أحدهم على شراء الطعام من السوق، دون تناوله في المطعم الجماعي في المؤسسة، فإن النصيحة توجه إليه من قبل منظمته، باعتبار أنه تناول طعاماً يختلف عما تناولته الأكثرية في المطاعم الجماعية، مما يؤدي إلى الانحراف نحو الحياة الرجعية.
وإذا ذهب أحدهم إلى صديقه أو صديقته في أوقات الفراغ للتنزه، فإن ذلك يعتبر لبرالية، إذ أن المؤسسات الرسمية تنظم لأعضائها أربع زيارات جماعية للمنتزهات والمتاحف في كل سنة... [هذه المعاملة لم يعامل بها سكان الأدغال المتوحشون دوابهم].
والاهتمام بنظافة الجسم والملابس والطعام يعتبر في نظر القيادة الصينية من العادات التي يجب عدم الانتباه إليها كثيراً... وقد جاء في افتتاحية "جريدة الشعب اليومية" الناطقة بلسان الحكومة الصينية، والصادرة في 17 آب 1966م ما يلي: (على جميع الشبان الثوريين أن يعيشوا وسط الجماهير ويعملوا معها، وأن يتوسخوا باستمرار بالقاذورات والدهونات. [ظاهر هذا أن الهدف من ذلك هو أن يكون الشبان الثوريون قدوة للناس يرون فيهم التواضع معهم ومخالطتهم لاستمالة قلوبهم إلى الحزب، ولكن الحقيقة هي جعل أبناء الشعب كلهم ـ ماعدا القادة الكبار ـ متساوين في الفقر المدقع والعوز، حتى يحطموا فيهم أي تطلع للتمتع بالعيش الكريم الذي قد يسمع بأنه يوجد في بعض البلدان الأجنبية، ليتمكن القادة الكبار من الاستئثار برغد العيش فلا يزاحمهم فيه ملايين السكان، وليصرفوا الناس عن الدعايات الغربية التي تفضح استبداد الحكومة الصينية التي تحرم الشعب من التمتع بالقدر المناسب من المعيشة. ـ عراقي في الصين الحمراء. (ص: 52 ـ 54)].
ويعتبر الصينيون أقل شعوب الأرض استعمالاً للكهرباء، فالبيوت نصف مظلمة وهكذا الشوارع، وتشترك جميع مدن الصين في هذه الظاهرة... ولا يسمح للصيني بمراسلة أصدقائه في الخارج.. [عراقي في الصين الحمراء. (ص: 52 ـ 54)].
وقد توفي (ماو تسي تونج) في 9/9/1976م.
التقسيم الإداري:
يقوم تقسيم إدارة الصين الشعبية على أساس نظام المستويات الثلاثة، وهي:
1 ـ المقاطعات.
2 ـ المحافظات (المدن).
3 ـ النواحي (البلديات).
عدد المقاطعات: 23 مقاطعة، خمس مقاطعات ذاتية الحكم، وثلاث بلديات مدارة مركزياً، [موجز أحوال الصين (ص: 2)]. وهي مدينة (بكين) العاصمة، ومدينة (تيانجين) وتبعد عن بكين خمسين دقيقة بالقطار، وتقع في الجنوب الغربي، ومدينة (شانغهاي).

أجهزة الدولة:
[ولكل جهاز من هذه الأجهزة اختصاصاته، ويمكن مراجعة الكتابين: (موجز أحوال الصين) ص: 105 ـ 127، الصين ص: 29 ـ 43].
1 ـ المجلس الوطني لنواب الشعب.
2 ـ اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب
3 ـ رئيس الجمهورية.
4 ـ مجلس الدولة.
5 ـ اللجنة العسكرية المركزية.
6 ـ مجالس نواب الشعب المحلية، والحكومات الشعبية المحلية...
7 ـ المحاكم الشعبية، والنيابات العامة الشعبية.
المجلس الوطني لنواب الشعباللجنة الدائمة للمجلس الوطنيرئيس الجمهوريةاللجنة العسكرية المركزية( مجلس الدولة ( المحكمة الشعبية العليا( النيابة العامةبقية الوزاراتوالنظام الإداري الصيني نظام صارم، نظام قابض على ناصية الشعب قبضة حديدية محكمة، في كل شبر من أراضي الصين.
المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني ومهماته:
هذا المؤتمر يتكون من مندوبين عن الحزب الشيوعي الحاكم والأحزاب السياسية الديمقراطية، والديمقراطيين غير الحزبيين، والمنظمات الشعبية، والشخصيات العامة.
والظاهر أن الهدف من الإبقاء على هذا المؤتمر إظهار الحكومة الصينية للرأي العام وجود حرية سياسية ديمقراطية.
وقد عقد دورته الكاملة في عام 1949م بعد الاجتماع التحضيري، لوضع "البرنامج المشترك للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني". [كان عبارة عن دستور مؤقت].
وبعد انعقاد الدورة الأولى للمجلس الوطني الأول لنواب الشعب سنة 1954م أصبح المؤتمر ولجانه شبيهاً بمتحف من متاحف التاريخ السياسي، لأن الدستور أعطى المجلس الوطني وما تفرع عنه جميع الصلاحيات التي تسير الدولة.
وقد لخِّصت مهمات هذا المؤتمر في العبارة الآتية: (يقوم هذا المؤتمر مسترشداً بدستور جمهورية الصين الشعبية ولوائحه الخاصة به بالمشاورات، ويقدم الآراء والنصح في الشئون الهامة بالحياة السياسية في البلاد والجبهة المتحدة الوطنية). [موجز أحوال الصين: (ص: 131)].
الأحزاب السياسية في الصين:
الحزب الشيوعي الصيني هو الحزب الذي يسير شئون الدولة، وقد تأسس في عام: 1921م، وأعضاؤه يربون على 52 مليوناً. [موجز أحوال الصين (ص: 133)، الصين (ص: 44). وهذا الأخير طبع عام 1993م].
وهناك أحزاب ومنظمات سميت بالأحزاب الديمقراطية، لا أهمية لها في القرارات السياسية، وهي شبيهة بالمؤتمر الاستشاري بجانب المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني
عصابة الأربعة تطلعاتهم والقضاء عليهم:
بعد وفاة (ماو تسي تونج) تنفس غالب قادة الحزب الشيوعي الصعداء، لأمرين:
الأمر الأول: قوة نفوذه الذي طغى على جميع أجهزة الدولة، بما فيها المجلس الوطني لنواب الشعب الذي يعتبر أعلى سلطة في البلد، بحسب الدستور [صيغت بعد قيام جمهورية الصين الشعبية أربعة دساتير، وضع آخرها عام: 1982. الصين (ص: 33)]. كما سبق: (وكانت هيبة "ماو تسي تونج" قد وصلت إلى ذروتها.... وقد أصابه الغرور تدريجياً، فأخذ يتصرف تصرفاً عشوائياً، ونصب نفسه فوق لجنة الحزب المركزية، عازلاً نفسه عن الواقع وعن الجماهير). [ماو تسي تونج: سيرة حياة ـ تقييم ـ ذكريات، لمؤلفه تشنج ون شيئان، (ص: 16)].
الأمر الثاني: ما وصلت إليه البلاد من فوضى واضطراب في كل المجالات: السياسية ـ الداخلية والخارجية ـ والاقتصادية والاجتماعية، وتمادي (ماو) في تنفيذ خططه المؤدية إلى كل تلك المآسي، إضافة إلى شل حركة نشاط ذوي الخبرات والكفاءات الذين كانت البلد في أمس الحاجة إلى خبراتهم كما سبق ذلك: "وقعت الصين في حالة من الفوضى المُطْبِقَة وعاشت في حقبة من الرعب، وشلت الأجهزة الحزبية والحكومية من مختلف المستويات، جزئياً أوكلياً، وهوجم واضطهد الكوادر القياديون والمثقفون ذوو المعارف والخبرات". [موجز أحوال الصين (ص: 78 ـ 84)].
ولكن (ماو) خلف وراءه عصابة شرسة أرادت أن تحل محله، وتقبض على أزمة أمور الدولة، وتسير في نفس الخط الذي سلكه، عرفت بـ(عصابة الأربعة) وكانوا ذوي نفوذ قوي في عهد (ماو)، وعلى رأس تلك العصابة أرملته، وتدعى: "جيانج تشينج" و"وانج هونج وان" و"تشانغ تشون تشاو" و"ياو ون يوان".
(ولم يكن هؤلاء الأربعة يحبون ماو، بل كانوا يمكرون به، لأخذ السلطة، فلما مات أرادوا مواصلة المكر، ولكنهم هزموا). [ معلومة من الأخ محمد نوح].
وذكر الأخ محمد نوح [سيأتي التعريف به في المذكرات]. أن الرجل الذي خلف (ماو) في الحكم ادعى أن ماو استخلفه، وكان معه وزعم أن ماو قال له: كن رئيساً، وأنا أطمئن إليك، وكان معه صورة مرسومة تجمع بينه وبين ماو وهما يتصافحان، عندما قال له تلك الكلمة، ويسمى خليفته: (هوا قوه فين) وهو الذي قبض على عصابة الأربعة، ومكث سنتين في الحكم ثم اختفى، ولا يدري عنه أحد، ويبدو أنه نفي إلى مكان مجهول.
إلا أن المكتب السياسي وضع حداً لهذه العصابة، وأنهى حياتها السياسية.
وفي سبتمبر 1976م توفي ماو تسي تونج، وظنت عصابة الأربعة أن الوقت موات لها لأن تغتصب السلطة العليا في الحزب والدولة، وكانت قد زورت وصية وقدمتها على أنها وصية ماو تسي تونج التي كتبها وهو في النزع الأخير [ظناً منهم أن هيبته في حياته ستبقى بعد مماته]. في محاولة للاستيلاء على السلطة علانية، وفي أكتوبر 1976م اتخذ المكتب السياسي للجنة الحزب المركزية... إجراءات حاسمة لسحق عصابة جيانج تشينج المعادية للثورة، ولوضع حد لسنوات الثورة الثقافية المفعمة بالاضطرابات".
بلد واحد.. نظامان:
بلد واحد.. نظامان أطلقها الصينيون بعد قيام جمهورية الصين الشعبية، والقصد منها عودة بعض الولايات الصينية المستعمرة أو المنفصلة إلى الوطن الأم، ويقصد بها كلا من: "هونج كونج" و"مكاو" و"تايوان".
ومعنى ذلك أن هذه الولايات الثلاث، وإن كانت أنظمتها رأسمالية، وهي تختلف عن النظام الشيوعي، فإن ذلك لا يمنع من اندماجها في الوطن الأم فيما يتعلق بالشئون الخارجية والدفاع، مع بقائها على نظامها الرأسمالي، فتكون كل ولاية منها جزءًا من دولة الصين الواحدة، وقد نصت المعاهدة البريطانية الصينية فيما يتعلق بـ( هونج كونج) أن يكون لها نظامها الخاص فيما يتعلق باستقلالها في السلطة القضائية، والنظام الاجتماعي والنظام الاقتصادي الموجودين فيها حالياً، وتكوين حكومة محلية من المواطنين المحليين، دون تغيير في ذلك كله لمدة: 50 عاماً بعد عام 1997م!!
والسبب في إطلاق هذه العبارة هو طمأنة سكان الولايات الثلاث، الذين ينتابهم الخوف من أن تطبق الحكومة الصينية النظام الشيوعي الصارم على ولاياتهم، فتحرمهم بذلك مما كانوا يتمتعون به من حرية سياسية ديمقراطية واقتصادية ويصبحون ـ بعد أن كانوا أغنياء ورؤساء في الولايات المذكورة ـ فقراء مضطهدين، لا قيمة لهم، وكذلك طمأنة الدول الغربية التي لها مصالح في تلك الولايات.
أولاً: هونج كونج:
سبق أن بريطانيا استعمرت "هونج كونج" ووقعت الصين بموجبها اتفاقية مع بريطانيا تنازلت فيها الأولى للأخيرة عن "هونج كونج" عام 1842م وكانت آخر اتفاقية وقعت بين حكومة الصين وبريطانيا في عام 1897م على أن تؤجر الحكومة الصينية مع "هونج كونج" وتتبعها أكثر من 230 جزيرة صغيرة، وشبه جزيرة "كولون" كما يسميها الإنجليز، وهي متصلة بالبر الصيني، ويسميها الصينيون "جيولونج" لمدة 99 عاماً، تنتهي في 30 يونيو من سنة 1997م. [كتاب: الصين (ص: 54 ـ 55].
ولم يبق على هذا الموعد إلا سنة واحدة وخمسة أشهر وأحد عشر يوماً من وقت كتابتي لهذه السطور في 30/ 9/1416هـ ـ 19/2/1996م. وقد تسلمت الصين هونج كونج في موعدها.
وهي تقع على الساحل الجنوبي الشرقي للصين، وجنوب شرق "كانتون".
وتبلغ مساحة جزيرة "هونج كونج" وتوابعها: 1067كيلو متراً. [الصين (ص: 54)].
أما جزيرة هونج كونج فيبلغ طولها: 18 كيلومتراً، وعرضها: 3 ـ 8 كيلو متر، ولكنها على صغرها من أهم مناطق العالم في النشاط التجاري العابر، كما أنها توسعت توسعاً صناعياً مذهلاً. [موسوعة الغد ـ الموسوعة الجغرافية ـ (1/136)].
وبها ميناء بحري رئيس هام، وكذلك مطار لا ينقطع عنه صعود الطائرات العالمية وهبوطها، كما يزدحم بها السكان والسائحون والمهاجرون ـ هجرة قانونية أو غير قانونية.
وعدد سكانها الآن: ستة ملاين نسمة، غير المهاجرين بطرق غير قانونية، ونظراً لضيق مساحتها فإنها تزدحم ازدحاماً شديداً بالسكان، ولذا أخذت السلطات في ردم البحر لإيجاد مساحات تبنى عليها القصور الشاهقة التي تستغل للسكن ومكاتب الشركات، والمعيشة بها مرتفعة، وأجور الفنادق غالية جداً.
هذا، وقد بدأ كثير من رجال الأعمال والتجارة في مغادرة البلدة، أو في توظيف أموالهم أو تهريبها إلى غيرها من البلدان الأجنبية، ولا سيما سنغافورة، وبعض بلدان أوربا وأمريكا، وبعض دول جنوب شرق آسيا، خوفاً من غدر النظام الشيوعي بهم وخلفه الوعود التي قطعها على نفسه في المعاهدات المتعلقة بها.
والذي يبدو أن الحكومة الصينية ستحكم قبضتها على البلد بعد تسلمها، وأن تتخذ الوسائل الممكنة المتأنية لجعل إدارتها بيد الموالين للنظام الشيوعي من سكانها المحليين الذين قد أعدتهم لها من فترة طويلة، ولكنها سوف لا تغير نظامها الاقتصادي بسرعة، لأنها ستستفيد من بقائها سوقاً حرة فائدة كبيرة، لصادراتها ووارداتها، وللحصول على مبالغ طائلة من العملات الصعبة، وهي الآن تفتح أبواب السوق الحرة في مناطق في داخل الصين نفسها، وبخاصة في مدينة "شانغهاي".
والفئة التي يخشى من التضييق عليها والحد من حرية نشاطها، هي الفئة المسلمة التي لا يوجد من يدافع عنها ويحميها من المسلمين في الخارج، كغيرها من الأقليات المسلمة في العالم، بخلاف النصارى وغيرهم من ذوي الأديان الأخرى، فإن وراءهم دولاً ومؤسسات اقتصادية وسياسية تدعمهم، ولكن الله سيجعل للمسلمين مخرجاً، والله وحده المستعان.
ثانياً: ماكاو:
تقع "ماكاو" ـ وهي شبه جزيرة ـ في الجنوب الشرقي للصين، تبعد عن "هونج كونج" غرباً 40 ميلاً بحرياً وتضم جزيرتي "دانغستاي" و"لوهوان" وتبلغ مساحتها الإجمالية: 5ر17 كيلومتر مربع.
يقال: إن البرتغاليين نزلوا بماكاو في عام 1557م بدفع رشوة للأهالي، وفي سنة 1840م وفي عام 1887م أرغموا الحكومة الصينية على توقيع معاهدة تنص على أن (تحتفظ البرتغال بـ( ماكاو) والمناطق التابعة لها إلى الأبد، وتقوم هي بإدارة شئونها...) وبعد أن تم الاتفاق بين بريطانيا والصين على حل مشكلة "هونج كونج" بدأت المفاوضات بين الصين والبرتغال في حل مشكلة "ماكاو" انتهت بتاريخ: 13/4/1987م في بكين على بيان مشترك يعطي الصين حق تسليم "ماكاو" في 20/12/1999م. [أي بعد أقل من أربع سنوات بقليل من وقت كتابتي هذه الأسطر على الكمبيوتر، في 30/9/1416هـ 19/2/1996م وبعد سنة إلا أربعة أيام من وقت قيامي بتنسيق وتصحيح هذا الكتاب. كتبت هذا في 26يناير 1999م].
وهي متأخرة جداً في العمران والصناعة والتجارة بالنسبة لـ(هونج كونج) ويبلغ عدد سكانها الآن نصف مليون نسمة، وعدد البرتغاليين عشرين ألفاً. [سيأتي ما كتبته عنها في مذكراتي عندما زرتها في هذه الرحلة زيارة استغرقت بضع ساعات].
ثالثاً: تايوان:
سبق أن كتبت عن هذه الجزيرة بعض المعلومات، حيث زرتها مرتين:
المرة الأولى: سنة 1406هـ ـ 1986م.
والمرة الثانية: سنة 1409هـ ـ 1989م
وقد سبق أن حكومة الصين الوطنية بقيادة تشيانج كاي شك، اضطرت إلى الهرب من الصين إلى تايوان بعد أن انتصر الحزب الشيوعي عليها سنة 1949م.
ولا زالت حكومة تايوان، تعتبر نفسها هي الحكومة الشرعية للصين كلها، وأن تايوان ما هي إلا ولاية من ولايات الصين، اضطرت للنزوح إليها مؤقتاً، كما أن حكومة جمهورية الصين الشعبية تعتبر تايوان إحدى ولايات الصين التي يجب أن تعود إلى الوطن الأم، وأن الحكومة الموجودة بالجزيرة ليست شرعية، ولذلك قطعت علاقاتها بالدول التي اعترفت بها.
بل إن الجمعية العامة للأمم المتحدة أجازت في دورتها الـ(26) في شهر أكتوبر عام 1971م، قراراً بإعادة كل الحقوق الشرعية لجمهورية الصين الشعبية في الأمم المتحدة، وطرد سلطات تايوان فوراً من الهيئة المذكورة، واعترفت الولايات المتحدة الأمريكية في 1/1/1979م بأن حكومة جمهورية الصين الشعبية، هي الحكومة الشرعية الوحيدة للصين، وصرحت بإنهاء علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان، وهكذا فعلت دول أخرى كانت تقيم علاقات دبلوماسية مع تايوان. [ولكن الولايات المتحدة لا زالت تتعهد بحماية تايوان، وتستقبل زعماءها].
وفي هذا العام قامت الصين بمناورات عسكرية بالقرب من تايوان، وفي المضيق المسمى بمضيق تايوان، وحكومتها منزعجة من ذلك غاية الانزعاج. [المقصود العام الهجري. كتبت هذه الأسطر في أواخر شهر رمضان من سنة 1416هـ، والمناورات كانت في شهري ربيع الأول وربيع الآخر - يوافقهما شهرا يوليو وأغسطس من عام 1995م، وقد بدأت بتجارب على إطلاق الصواريخ في منطقتين واقعتين في الشمال الشرقي والجنوب الغربي لتايوان، بتاريخ:19 /10/1416هـ ـ 8/3/1996م، كما بدأت بمناورات جوية وبحرية بتاريخ: 23/10/1416هـ ـ 12/3/1996م وستستمر إلى 1/11/1416هـ ـ 25/3/1416م وقد حشدت أمريكا بعض قواتها في المنطقة، ولكن الصين لم تلق لها بالاً، وهي ماضية في مناوراتها مصرحة بأنها سترد الجزيرة إلى الوطن الأم بالقوة إذا تدخلت فيها قوات أجنبية، أو أعلن حكامها الانفصال رسمياً بعد انتهاء الانتخابات! ـ 12/ 3 القادمة ستقوم بمناورات أخر في نفس المضيق].
وقد لا يمضي وقت طويل على تدخل حكومة الصين الشعبية العسكري ـ إن لم يتم توحيد البلاد بأي صيغة يتفق عليها الطرفان عن طريق التفاوض ـ في تايوان، ولا يدان لحكومة تايوان في الوقوف أمام قوات الصين الشعبية، وإن كانت تحاول إعداد جيشها وتسليحه تسليحاً قوياً، ولكن أنَّى لسكان لم يزد عددهم عن عشرين مليون نسمة، أن يقف جيشهم أمام شعب قارب عدد سكانه ملياراً ونصف المليار من البشر!؟
يضاف إلى ذلك أن سكان تايوان منقسمون الآن فيما بينهم، إذ يرى بعضهم الانضمام إلى حكومة البر الصيني.
ولا يتوقع من الولايات المتحدة الأمريكية أن تتدخل تدخلاً مباشراً في حرب سافرة ضد الصين إذا قررت غزو تايوان، لأنها ـ أي الولايات المتحدة ـ تعاني مشكلات اقتصادية، ومعارضة قوية من الشعب الأمريكي للزج بأبنائه، في أتون الحروب، وإرهاقه بالضرائب التي لم يعد يطيق تحملها، إضافة إلى فقد كثير من الموظفين وظائفهم في الدولة وفي الشركات الخاصة. [ولا زال الأمريكان يتذكرون ما حصل لهم من هزيمة منكرة، وخسائر فادحة في الأرواح والعتاد، في الحرب الفيتنامية].
كما أن غالب دول العالم قد لا تؤيدها لو أرادت التدخل عسكرياً ضد الصين.
فالمشكلة الحقيقية تكمن في قضية تايوان، أما هونج كونج، وماكاو، فقد قرب وقت تَسَلُّم حكومة الصين الشعبية لهما رسمياً، كما مضى.
علاقة العرب بالصين قبل الإسلام:
ذكرت مصادر التاريخ قِدَمَ علاقة العرب بالصين وأنها كانت قبل الإسلام بقرون.
قال بدر الدين حيّ الصيني: (إن علاقة الصين بالعرب لم تكن وليدة لعصر الإسلام، بل ابتدأت قبل الإسلام بقرون، غاية الأمر أن عراها لم تكن أوثقت كما في زمن الإسلام، لكن العلاقة كانت موجودة على طريقة غير مباشرة أولاً، ثم تطورت إلى علاقة مباشرة عندما قرب ظهور الإسلام... واتفقت المصادر الثلاثة: الصينية والإيرانية والرومانية، على وجود العلاقة بين العرب والصين قبل الإسلام ببضعة قرون في شكل غير مباشر... [يقصد بالشكل غير المباشر: اتصال تجار العرب بالصينيين عن طريق التجار الإيرانيين والرومانيين، كما بين ذلك في (ص: 20) من الكتاب المذكور].
ومن المؤكد أن بلاد الصين كانت معروفة عند القرشيين قبل الإسلام، بدليل قوله (: ((اطلبوا العلم ولو بالصين)). [الحديث فيه كلام طويل للعلماء، منهم من حكم عليه بالوضع، ومنهم من حكم عليه بالضعف، ومنهم من رأى أنه قد يرقى إلى رتبة الحسن، قال ابن عراق رحمه الله: (قال الحافظ المزي الشافعي: وله طرق كثيرة عن أنس، يصل مجموعها إلى مرتبة الحسن... . وفي تلخيص الواهيات للذهبي: روي عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وجابر وأنس وأبي سعيد، وبعض طرقه أوهى من بعض، وبعضها صالح، والله أعلم. تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة (1/258) وحكم عليه الألباني بالوضع (ضعيف الجامع الصغير وزياداته، ص: 129، رقم: 906، 907)].
لأنه ( لم يرتحل إلى خارج بلاد العرب، وإذا صح ما قلنا فلا نشك في أن علمه باسم الصين، قد جاء من الأخبار السائرة في جزيرة العرب في وقته، وذلك لم يكن إلا بعلاقة القرشيين بالصينيين أولاً، ثم عرف هذا الاسم في بلاد العرب حتى شرفه صاحب الرسالة بذكره في الحديث). [العلاقات بين العرب والصين، (ص: 8، 20) الطبعة الأولى، مكتبة النهضة المصرية. سنة 1370هـ ــ 1950م.، الصين وفنون الإسلام، للدكتور زكي محمد حسن (ص: 7) مطبعة المستقبل، القاهرة].
وقال: (من الوثائق التاريخية الإسلامية علمنا أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين، قد قال في أحد أحاديثه المشهورة: ((اطلبوا العلم ولو بالصين)). ويبنى على هذا الحديث الكريم ثلاثة أمور تاريخية:
أولاً: أنه يثبت بهذا الحديث أن هناك نوعاً من الصلات، مباشرة كانت أو غير مباشرة، بين بلاد العرب والصين، قبل ظهور الإسلام، وبفضل وجود هذه الصلة أصبح اسم الصين معروفاً عند العرب، حين ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدأ يبشر برسالته من قلب جزيرة العرب إلى كافة الناس في العالم.
ثانياً: أن الصين كانت معروفة عند العرب بأنها عظيمة الشان، وعريقة في الحضارة والمدنية، ولها آداب رفيعة وحِكَمٌ عالية، غير أنها من الناحية الجغرافية بعيدة جداً من جزيرة العرب، التي فيها منزل الوحي ومهد الإسلام.
ثالثاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يشجع بحديثه هذا الصحابة وأتباع الصحابة، ومن دخل في دين الإسلام الحنيف فيما بعد على مخاطرة أنفسهم بالسفر إلى بلاد نائية، كالصين التي تقع في أقصى الشرق، لأجل طلب العلم والبحث عن الحكمة. [تاريخ المسلمين في الصين، (ص: 15) لبدر الدين و. ل. حيّ ـ وهو صاحب كتاب العلاقات بين العرب والصين السابق الذكر ـ ، دار الإنشاء للطباعة والنشر، طرابلس لبنان. وسبق تخريج الحديث].
متى وصل الإسلام إلى الصين؟
سبق أنه يكتنف أصل سكان الصين غموض شديد، وهذا الغموض يخيم ـ أيضاً ـ على أوضاع المسلمين في الصين، مما جعل الأمير "شكيب أرسلان" يقول في ذلك: (مسلمو الصين كأنهم ليسوا من هذه الدنيا، فالمعلومات عنهم قليلة، والروايات بشأنهم متناقضة، وإلى هذه الساعة لم يعرف المؤرخون كيف كان وصول الإسلام إلى الصين... كما أن الجغرافيين وعلماء الإحصاء إلى اليوم لم يتفقوا على عدد المسلمين الصينيين...). [حاضر العالم الإسلامي (2/219)]..
وأسباب الغموض في أصل سكان الصين ـ وقد سبق ذكر شيء منها قريباً ـ هي أسباب قلة المعلومات عن المسلمين الصينيين.
روايات دخول الإسلام إلى الصين وتقويمها:
بعد هذه المقدمة التي يُعْلَمُ منها صعوبة توثيق تحديد وصول الإسلام إلى الصين، نذكر ما ورد من الروايات في ذلك، ثم نذكر ما نراه أقرب إلى الصواب ـ في الجملة ـ :
الرواية الأولى: يزعم أصحاب هذه الرواية أن الملك الثاني من أسرة "تانجTang " الملقب "تاي تسونجTai Tsung " الذي تولى الحكم في الصين من سنة 627م إلى سنة 644م رأى في منامه حيواناً مفترساً يهاجمه، ولم يخلصه منه إلا رجل وقور يلبس طيلساناً وعمامة بيضاء بيده سبحة، وفسر له وزراءه ذلك بأن ثائراً سيخرج عليه، وأن الرجل الذي يخلصه منه هو نبي ولد في جزيرة العرب، فبعث الملك وفداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه إرسال بعثة تنشر الإسلام في الصين، فبعث ثلاثة: توفي اثنان منهم في الطريق، ووصل الثالث، فأكرمه وبنى له مسجداً في العاصمة ينطلق منه لنشر الإسلام.
وقد علق على هذه الرواية الشيخ محمد مكين بقوله: (ولكن المؤرخين لا يقيمون لهذه الرواية وزناً).
الرواية الثانية ـ وهي رؤيا منامية أيضاً ـ: أن الملك الأول من أسرة "صي Sui " الملقب "وِن تي Wen Ti " رأى نجماً باهراً، وفسر له بأنه ظهور رجل عظيم الشأن في بلاد العرب، فأوفد رسولاً للتحقق من ذلك، وطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسافر إلى الصين، فاعتذر وأرسل معه أربعة من أصحابه، منهم خاله "سعد ابن أبي وقاص" في سنة 587م... وأن الملك أمر ببناء جامع في "كانتون Canton " سماه "جامع الشوق ـ أو "الـحـنـين" أو "الذكرى" ـ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. "ثم غادر سعد الصين، وقيل: إنه توفي في كانتون ودفن في ضاحيتها!! وسيأتي الكلام عن هذا المسجد عند ذكر ما يتعلق بالمساجد في الصين.
الرواية الثالثة: أن رجلاً يدعى "ابن حمزة" خال النبي صلى الله عليه وسلم، وصل إلى الصين في سنة 632م، ومعه نسخة من القرآن الكريم، يصاحبه ثلاثة آلاف رجل من الجند، وأنهم أصدروا مرسوماً دينياً حددوا فيه الآداب الإسلامية العامة. [العلاقات بين العرب والصين (ص: 150 ـ 153)].
الرواية الرابعة: أن أحد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ممن هاجروا إلى الحبشة عام 615م تقريباً، ويدعى: "أسعد لبيب" لم تعجبه الإقامة في الحبشة، فسافر على باخرة إلى "كانتون Canton " وقام بنشر الإسلام بين التجار العرب الذين كانوا يسكنون بها، وبخاصة الحضارم ولم تكن الدعوة الإسلامية قد وصلت إليهم. [الدعوة الإسلامية في ماليزيا ـ ظهورها وانتشارها (ص: 54)، للدكتور وان حسين عزمي، والدكتور هارون دين، كلية الدراسات الإسلامية ـ الجامعة الوطنية الماليزية].
تهافت الروايات الأربع المذكورة وأسبابه:
وهذه الروايات الأربع بعيدة كل البعد عن الصحة، وذلك لسبعة أسباب:
السبب الأول: عدم ثبوت كل هذه القصص في السيرة النبوية ضمن الوفود التي قصدت المدينة المنورة للاجتماع بالرسول صلى الله عليه وسلم، في السنة التاسعة للهجرة، ولو وقعت هذه القصص أو إحداها، لكانت أولى بالإثبات من غيرها لغرابتها من حيث الوافدون الذين لم يعهد العرب وجود مثلهم في بلادهم، وغرابة وطنهم الذي يضرب به المثل في البعد، وغرابة هؤلاء الوافدين ووطنهم أشد من غرابة سلمان، رضي الله عنه ووطنه، وقد ذكرت قصته مفصلة غاية التفصيل.
السبب الثاني: عدم ثبوت وصول أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصين، لا في قصص الرسل الذين بعثهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والرؤساء والبلدان، ولا في تراجم الصحابة رضي الله عنهم.
ومرة أخرى أقول: إنه لو صح أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث أحداً منهم إلى الصين لكانت العناية به في السيرة النبوية، وكتب التاريخ المعتمدة وتراجم الصحابة أولى من العناية ببعثه الرسل إلى فارس والروم وغيرهما، ومن بعث الدعاة والأمراء إلى اليمن والبحرين وغيرهما، وعدم ذكر ذلك في هذه المصادر حجة قاطعة على اختلاق هاتين القصتين.
السبب الثالث: الكذب الصريح واضح في الرواية الثانية التي ذكر فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن أبي وقاص سنة 587م إلى الصين، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُبْعَثْ إلا في سنة 610م أي بعد التاريخ المذكور بثلاث عشرة سنة، فكيف يَبْعَث إلى الصين صحابياً يعلم الناس الإسلام قبل أن يشرفه الله بالرسالة؟!
السبب الرابع: عدم معرفة رجل يدعى ابن حمزة، وأنه خال النبي صلى الله عليه وسلم.
السبب الخامس: دعوى أنه اصطحب معه نسخة من القرآن، مع أن القرآن لم تكتب له نسخ قابلة للتوزيع، إلا في عهد عثمان رضي الله عنه، والسنة التي ذكر أنه وصل فيها إلى الصين هي السنة التي توفي فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل أن الصحابة الذين كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبعثهم للدعوة أو الجهاد كانوا يحملون معهم نسخاً من المصحف.
السبب السادس: دعوى أنه اصطحب معه ثلاثة آلاف من الجند، وهذا أمر لو حصل لكان مشهوراً في كتب السيرة والغزوات والتاريخ!.
السبب السابع: عدم وجود ذكر لاسم "أسعد لبيب" في مهاجري الحبشة في السيرة النبوية، وعدم الإشارة إلى رحلة أي صحابي منهم إلى الصين، وقد كانت هجرتهم إلى الحبشة بأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت إقامتهم بها إقامة سعيدة، لما لقوا من إكرام ملكها: "النجاشي" رضي الله عنه، ويبعد كل البعد أن يشذ أحد المهاجرين ويفارق صحبه تلك المفارقة، ويرحل تلك الرحلة الخيالية، دون أن تذكرها كتب السيرة النبوية.! بل الاسم من حيث هو غريب في أسماء القرشيين.!
الرواية الخامسة: أن أول وفد قدم إلى الصين، كان في عهد الخليفة الثالث "عثمان بن عفان" رضي الله عنه، في سنة 651م، ويقال أيضاً: إن وفداً آخر من العرب وصل بعد ذلك بخمس سنين، أي في ستة 655م، وهذه الرواية معقولة كما قال الشيخ محمد مكين رحمه الله. [ذكر هذه الروايات الشيخ "محمد مكين" الصيني، رحمه الله في محاضرتيه اللتين ألقاهما في القاهرة سنة 1351هـ، ونشرتا في مجلة الفتح في غرة رمضان، وفي 6 من ذي القعدة من السنة المذكورة كما في حاضر العالم الإسلامي (2/263)، وطبعتا ـ المحاضرتان ـ في كتيب، بعنوان (نظرة جامعة إلى تاريخ الإسلام في الصين وأحوال المسلمين فيها) المطبعة السلفية ومكتبتها للشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله. وقد نقلت من الكتيب المذكور هذه الروايات مع شيء من التصرف (ص: 6 ـ 9)].
وقال محمد يوسف لي هواين: (تفيدنا المصادر الصينية أن أول مندوب مبعوث من الخليفة "عثمان بن عفان" وصل إلى "تشانغآن" (شيئان اليوم، وعاصمة الصين آنذاك) في 25 أغسطس 651م... ـ وقال في الحاشية ـ : (اتفق المؤرخون الصينيون على أن سنة 651م... هي سنة دخول الإسلام إلى الصين). [المساجد في الصين (ص: 11 ـ 12). الطبعة الأولى ـ عام 1989م ـ بدار النشر باللغات الأجنبية بكين].
بل يقال: إنه من سنة 651 إلى سنة 800م بلغت السفارات العربية إلى الصين أربعا وثلاثين سفارة. [العلاقات بين العرب والصين (ص: 180)].
صعوبة تحديد زمن أو شخص لإدخال الإسلام إلى الصين:
ولا ينافي وصول هذا الوفد الذي يقال: إنه أول وفد وصل إلى الصين في عهد عثمان رضي الله عنه في ذلك التاريخ، وصول بعض أفراد من المسلمين قبله، لأن العرب كانوا يضربون في الأرض ـ براً وبحراً ـ للتجارة بحثاً عن الرزق، قبل الإسلام وبعده، وقد ذكر بعض الكتاب أنه تم اكتشاف ثلاث قطع من الأواني الخزفية في أحد القبور التي يرجع تاريخها إلى عهد أسرة (تانغ) وبالذات في عهد الإمبراطور (وو ده 618 ـ 626م) في ضاحية من ضواحي (يانغتشو)، وأن رسوماً خضراء وجدت على جدران إحدى تلك القطع تدل على معنى (الله أكبر) على حَدِّ حُكْمِ أحد العلماء اليمنيين، وهذا ـ إذا صح ـ يدل على وجود بعض أفراد المسلمين في تلك المنطقة من ذلك التاريخ. [الإسلام في الصين، تأليف: إبراهيم فنغ جين يوان (ص: 9)].
ولكن هل يمكن الجزم بوقت محدد لوصول الإسلام إلى الصين أو معرفة أول رجل وطئت قدماه هذه البلاد؟
علم مما تقدم عدم صحة رواية وصول أحد من الصحابة إلى الصين، ولكن كثيراً من المؤرخين يرون أن أول من وصل إلى الصين هو صاحب القبر الذي وجد في ضاحية كانتون، وأن صاحبه يدعى: سعد بن أبي وقاص. [اختلفت الروايات في اسمه: فبعضها يذكره هكذا "سعد بن أبي وقاص" وبعضها يزيد : خال النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها تذكره هكذا "وقاص"].
وأنه يوجد على قبره شاهد كتب عليه: (هذا أول مسجد في الصين بناه سيدنا وقاص رضي الله عنه، إذ دخل هذه الدار لإظهار الإسلام بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جدده المتأخرون مرة بعد مرة، وإلى الآن حفظه الله تعالى من الآفات "في الأحيان". [لعله يقصد "في كل الأحيان"].
وهو في الصين مبدأ الإسلام ومنبع العلوم، فينبغي على مسلمي الصين أن يزينوا ظهره بالعمارة الحسنة، ويصلحوا باطنه بإقامة الجماعة، ووضع مدرسة خصوصاً على مسلمي هذا البلد، فاعتبروا يا أولي الأبصار، اللهم انصرنا على أعداء الإسلام آمين ـ التوقيع: الوصي: سليمان عبد الكريم). [الإسلام في الصين (ص: 41 ـ 42)، عالم المعرفة ـ الكويت، عدد 43، شعبان/ رمضان 1401هـ ـ يوليه 1981م للصحفي المعروف فهمي هويدي وقد زار المؤلف الصين وزار هذا القبر، وذكر أن هذا النص كتب باللغة العربية على لوحة رخامية بغير إشارة إلى تاريخها، وذكر قبل ذلك أن أحد الصينيين، وهو عبدالرحمن ناجونج أن القصة التي يُزْعَم فيها أن هذا القبر للصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مختلقة، وأن غاية ما يمكن أن يقال في هذا القبر... إنه لواحد من التجار المسلمين الأتقياء الذين أقاموا بكانتون، وكان اسمه وقاص].
وقال بدر الدين حيّ الصيني: (وحاصل الكلام أن كتَّابَ الصين القدماء لم يتفقوا على سَنَةِ وصول الإسلام بحراً إلى الصين، كما أنهم لم يستطيعوا الاتفاق على من هو الأول الذي جاء بالإسلام عن طريق البحر إليها).. [العلاقة بين العرب والصين (ص: 152)].
وقال ـ بعد أن ناقش ـ دعوى أن هذا الضريح هو ضريح سعد بن أبي وقاص وفند تلك الدعوى: (وبناء على ما أوردناه من الأدلة والبراهين، نقول موقنين: إن صاحب الضريح في كانتون غير سعد بن أبي وقاص، ومن الممكن أن أحداً ممن سموا بذلك الاسم قد سافر إلى الصين في أواخر القرن الثامن الميلادي، فمات هناك ودفن بها، ويظهر أنه كان زعيماً من زعماء العرب المستوطنين في الصين، وكانت له مكانة عظيمة لدى الإمبراطور وفي أعين المسلمين هناك، فلذلك كانوا ولا يزالون يعظمون قبره، لكن نأسف أن التاريخ لم يخبرنا باسمه الحقيقي، ولا نعرف هل يظل هذا الاسم مجهولاً هكذا إلى الأبد، أو يصبح معلوماً يوماً من الأيام). [العلاقات بين العرب والصين (ص: 158)].
وقال في كتاب آخر: (وفي البحث عن العلاقة بين العرب والصين بذلتُ مجهودات غير قليلة في تحقيق: من كان المسلم العربي الأول الذي ذهب بالإسلام إلى الصين، لغرض التبليغ والدعوة، كما سعيت إلى الاهتداء إلى أسناد تاريخية تثبت بصورة قاطعة: من كان مؤسساً لجامع ذكرى النبي صلى الله عليه وسلم القائم إلى الآن في مدينة كانتون، بجنوب الصين، ومن مؤسس الجامع "سي ـ آن" أحد الجامعين الأقدمين بعاصمة الصين القديمة، غير أنني بالأسف الشديد لم أهتد إليها، لا من المصادر العربية، ولا من المصادر الصينية، أو من المصادر الإسلامية الأخرى.
فلذا أميل إلى الاعتقاد بأن اسم مبلغ الإسلام الأول في الصين، سيظل مجهولاً إلى ما شاء الله، لأن أحداً من العلماء أو المؤرخين ـ الصينيين أو المستشرقين ـ لم يستطع القول: إن فلاناً من الصحابة أو من أتباع الصحابة قد ذهب إلى الصين في سنة كذا وكذا، ودعا الناس وحاكم [تراجع هذه اللفظة في الأصل] الصين إلى دين الإسلام...). [تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر (ص: ج، د) من المقدمة].
وقد قال بعض الكتاب المسلمين الصينيين: (إن لتحديد وقت دخول الإسلام إلى الصين أثره الحاسم في دراسة تاريخ الإسلام في الصين، ولذلك أصبحت هذه المشكلة تلح في إيجاد حل لها، ولكنها ما زالت لغزاً إلى زمننا هذا لعدم توفر المعلومات التاريخية الدالة على ذلك...). [الإسلام في الصين، تأليف إبراهيم فنغ يوان، تعريب محمود يوسف لي هواين ـ دار النشر باللغات الأجنبية، بكين، الطبعة الأولى، سنة 1991م (ص: 4)].
وبهذا يُعْلَمُ أنه لا يوجد دليل يُعتَمَد عليه في تحديد وقت معين لدخول الإسلام إلى الصين، ولا على من أول من دخل الصين من المسلمين.
ومع ذلك فإنا لا نشك في أن الإسلام وصل إلى الصين في وقت مبكر جداً عن طريق التجار المسلمين، لأن السعي التجاري لم ينقطع في الغالب، لاسيما إذا تذكرنا أن "علاقة العرب بالصين كانت غير مباشرة قبل الإسلام بقرون، ثم أصبحت مباشرة قرب ظهور الإسلام عن طريق إيران والرومانيين". [العلاقات بين العرب والصين (ص: 8، 20)].
ويترتب على معرفة وصول الإسلام إلى الصين في وقت مبكر أمران:
الأمر الأول: التحقيق العلمي التاريخي.
والأمر الثاني: معرفة فضل أسلافنا الأبرار الذين لم يتوانوا عن إيصال هذا الدين إلى أقاصي الأرض التي تمكنوا من ورودها، في وقت لم يكونوا يملكون فيه من وسائل المواصلات ـ براً أو بحراً ـ ما يتيح لهم السفر الآمن وسرعة الوصول إلى الهدف، كما هو حاصل اليوم لأبنائهم الذين أهملوا تعاهد ما ورَّثوه لهم في كل أنحاء العالم، ولعل في ذلك ما يحفز همم من بقيت في نفوسهم بقية من غيرة على ذلك الميراث العظيم!
أما وفود المسلمين الرسمية فإن "الرواية الرابعة" التي ذكر فيها أن أول وفد قدم إلى الصين، كان في عهد الخليفة الثالث "عثمان بن عفان" رضي الله عنه، في سنة 651م، فلا يوجد ما يمنع قبولها، وهذه السنة توافق (سنة 30) من الهجرة النبوية، وقد وصلت قوة المسلمين آنذاك إلى أواسط آسيا من ناحية، وإلى السند من ناحية أخرى، وقد ذكرت هذه الرواية المصادر الصينية، وفيها أن أعضاء الوفد ذكروا أن ملكهم يسمى "أمير المؤمنين" إلا أنه يبقى في النفس شيء من عدم ذكر المصادر العربية لهذا الوفد وبعض الوفود التي تلته). [راجع الكتاب السابق العلاقات بين العرب والصين (ص: 158، 160)].
من هنا نعلم أن الإسلام قد وصل مبكراً إلى الصين عن طريق التجار المسلمين، سواء أكانوا من العرب أو من الإيرانيين، أو عن طريق وفود بعثها بعض الخلفاء، ولكن تعيين الوقت كسنة كذا وكذا، أو تعيين شخص أو أشخاص كانوا أول من أدخل الإسلام إلى الصين، هو صعب المنال.

عِلْمُ مَلِك الصِّين قوةَ المسلمين وبأسَهم سنة 22 هـ:
ذلك فيما يتعلق بوصول وفود المسلمين إلى الصين، أما معرفة ملك الصين بقوة المسلمين وبأسهم وفتوحاتهم التي أرهبته فقد كانت قبل ذلك.
فعندما تتابعت هزائم "يزدجرد" أمام جحافل الجهاد في آخر حياة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كتب يزدجرد إلى ملك الترك و"ملك الصين" يطلب منهما العون والمدد، ولكنهما لم يحتفلا بأمره عندما جاءهما رسوله، إلا أنهما ـ ملك الترك وملك الصين ـ أنجداه بعد دخوله أرضهما، لأن شرع الملوك يقتضي ذلك، ومع ذلك فقد هزمه رجال الله المجاهدون شر هزيمة، وتخلى عنه ناصروه. [مختصر من البداية والنهاية (7/13 ـ 132)، لابن كثير].
وبعد هزيمته بعث إلى ملك الصين يستنجده، فاعتذر إليه وعلل ذلك بخشيته على إزالة المجاهدين ملكه، إذا استجاب لنجدته!
قال ابن كثير رحمه الله: (ورجع كسرى "يزدجرد" خاسراً الصفقة، لم يُشْفَ له غليل، ولا حصل على خير، ولا انتصر كما كان في زعمه، بل تخلى عنه من كان يرجو النصر منه وتنحى عنه وتبرأ منه أحوج ما كان إليه، وبقي مذبذباً، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء: {وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} [النساء: 88]. وتحير في أمره ماذا يصنع؟ وإلى أين يذهب، وقد أشار عليه بعض أولى النهى من قومه حين قال: قد عزمت أن أذهب إلى بلاد الصين، أو أكون مع خاقان في بلاده، فقالوا: إنا نرى أن نصانع هؤلاء القوم. [يعنون المسلمين، لما لمسوا من معاملتهم، مع أنهم في حالة حرب معهم]. فإن لهم ذمة وديناً يرجعون إليه، فتكون في بعض هذه البلاد وهم مجاورينا [هكذا، والصواب: (مجاورونا) لأنه خبر المبتدأ]. فهم خير لنا من غيرهم، فأبى عليهم كسرى ذلك.
ثم بعث إلى "ملك الصين" يستغيث به ويستنجده، فجعل ملك الصين يسأل الرسول عن صفة هؤلاء القوم الذين فتحوا البلاد وقهروا رقاب العباد، فجعل يخبره عن صفتهم، وكيف يركبون الخيل والإبل؟ وماذا يصنعون؟ وكيف يصلون؟. [صفات فروسية، وصفات عبادية، وفي اجتماعهما يكمن نصر الله].
فكتب معه إلى "يزدجرد": إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يَحِقُّ عليَّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولُك صفتَهم، لو يحاولون الجبال لهدوها، ولو جئت لنصرك أزالوني ما داموا على ما وصَف لي رسولك، فسالمهم وارض منهم بالمسالمة!...). [البداية والنهاية (7/132). وقد بقي يزدجرد في بعض البلاد مقهوراً حتى قتل بعد سنتين من خلافة عثمان رضي الله عنه قرب مرو على يد رجل ينقش الأرْحِيَة (جمع رَحى) وهي الطواحين. نفس المصدر (7/ 164)].
وفر "فيروز بن يزدجرد" إلى إمبراطور الصين، فعينه رئيساً لحرسه في قصر "سي آن" عاصمة الصين القديمة، فبقي هناك إلى أن وافاه الأجل يائساً حزيناً. [العلاقات بين العرب والصين، (ص: 24) لبدر الدين الصيني].
وصول بعض المجاهدين المسلمين إلى الصين:
لقد زحف القائد المسلم العظيم: "قتيبة بن مسلم الباهلي" رحمه الله بجيوشه إلى خراسان ثم إلى ما وراء النهر، لإخضاع الأتراك الذين كانوا يتمردون على المسلمين عقب كل هزيمة تلحق بهم ـ الأتراك ـ من قبل قواد المسلمين الآخرين فأخضعهم، وواصل زحفه فاتحاً مدناً عدة حتى وصل إلى مدينة "كاشغر" وهي إحدى مدن الصين، ففتحها سنة(96هـ).
دعوة ملك الصين إلى الإسلام:
ومن هذه المدينة بعث "قتيبة" رسله إلى ملك الصين يدعوه إلى ما دأب على الدعوة إليه قواد المسلمين ـ امتثالاً لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو: الدخول في الإسلام، أو دفع الجزية الدال على الخضوع وعدم التمرد والخروج على جند الله من المسلمين، أو القتال الذي يكون النصر فيه غالباً للمسلمين إذا التزموا بتقوى الله وطاعته وتوكلوا عليه.
وقد ذكر ابن كثير، رحمه الله، قصة دخول هذا الوفد على ملك الصين وما دار بينهم وبينه، وهي قصة طويلة ولكنها طريفة، تستحق أن تنقل بنصها في هذا الموضع المناسب لها:
قال رحمه الله: (وفيها ـ أي سنة 96 هـ ـ فتح قتيبة بن مسلم، رحمه الله تعالى "كاشغر" من أرض الصين، وبعث إلى ملك الصين رسلاً، يتهدده ويتوعده، ويقسم بالله لا يرجع حتى يطأ بلاده، ويختم ملوكهم وأشرافهم، ويأخذ الجزية منهم أو يدخلوا في الإسلام.
فدخل الرسل على الملك الأعظم فيهم، وهو في مدينة عظيمة، يقال: إن عليها تسعين باباً في سورها المحيط بها، يقال لها: "خان بالق" من أعظم المدن وأكثرها ريعاً ومعاملات وأموالاً، حتى قيل: إن بلاد الهند ـ مع اتساعها ـ كالشامة في ملك الصين، والصين لا يحتاجون إلى أن يسافروا في ملك غيرهم، لكثرة أموالهم ومتاعهم، وغيرهم محتاج إلى ما عندهم من المتاع والدنيا المتسعة، وسائر ملوك تلك البلاد تؤدي إلى ملك الصين الخراج، لقهره وكثرة جنده وعدده.
والمقصود أن الرسل لما دخلوا على ملك الصين، وجدوا مملكة عظيمة حصينة، بقدر مدينة كبيرة. [الذي يطلع على بعض قصور أباطرة الصين، لا يدهش من هذا الوصف، فقصورهم ـ في عظمها واتساعها ـ مدن، وقد رأيت في القصر الإمبراطوري في بكين ما ينبئ عن تلك القصور، ولذلك يسميها الصينيون أنفسهم (مدناً) إذ يطلقون على القصر المذكور: (المدينة المحرمة)!].
فقال لهم ملك الصين: ما أنتم؟ ـ وكانوا ثلاثمائة رسول، عليهم "هبيرة بن الشمرج الكلابي" ـ فقال الملك لترجمانه: قل لهم: ما أنتم؟ وما تريدون؟ فقالوا: نحن رسل قتيبة بن مسلم، وهو يدعوك إلى الإسلام، فإن لم تفعل فالجزية، فإن لم تفعل فالحرب.
فغضب الملك وأمر بهم إلى دار، فلما كان الغد دعاهم، فقال لهم: كيف تكونون في عبادة إلهكم؟ فصلوا الصلاة على عادتهم، فلما ركعوا وسجدوا ضحك منهم، فقال: كيف تكونون في بيوتكم؟ فلبسوا ثياب مهنهم، فأمرهم بالانصراف، فلما كان من الغد أرسل إليهم، فقال: كيف تدخلون على ملوككم؟ فلبسوا الوشي [الوشي: النقش في الثياب] والعمائم والمطارف ودخلوا على الملك، فقال لهم: ارجعوا فرجعوا، فقال الملك لأصحابه: كيف رأيتم هؤلاء؟ فقالوا: هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك المرة الأولى، وهم أولئك.
فلما كان اليوم الثالث أرسل إليهم فقال: كيف تلقون عدوكم؟ فشدوا عليهم سلاحهم ولبسوا المغافر والبيض، وتقلدوا السيوف، نكبوا القسي [المغافر جمع (مِغْفَرَة) زَرَدُ يلبسه المحارب تحت القلنسوة، والبيض: السيوف، والقسي النبال] وأخذوا الرماح وركبوا خيولهم ومضوا، فنظر إليهم ملك الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة، فلما قربوا منه ركزوا رماحهم ثم أقبلوا نحوه مشمرين، فقيل لهم: ارجعوا ـ وذلك لِما دخل قلوب أهل الصين من الخوف منهم ـ فانصرفوا فركبوا خيولهم واختلجوا رماحهم، ثم ساقوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها. فقال لأصحابه: كيف ترونهم؟ فقالوا: ما رأينا كهؤلاء قط.
فلما أمسوا بعث إليهم الملك: أن ابعثوا إلي زعيمكم وأفضلكم، فبعثوا إليه (هبيرة) فقال له الملك حين دخل عليه: قد رأيتم عظم ملكي، وليس أحد يمنعكم مني، وأنتم بمنزلة البيضة في كفي، وأنا سائلك عن أمر، فإن تصدقني وإلا قتلتك. فقال: سل! فقال الملك: لم صنعتم ما صنعتم من زي أول يوم والثاني والثالث؟ فقال: أما زينا أول يوم فهو لباسنا في أهلنا ونسائنا وطيبنا عندهم، وأما ما فعلنا ثاني يوم، فهو زينا إذا دخلنا على ملوكنا، وأما زينا ثالث يوم فهو إذا لقينا عدونا.
فقال الملك: ما أحسن ما دبرتم دهركم، فانصرفوا إلى صاحبكم ـ يعني قتيبة ـ وقولوا له: ينصرف راجعاً عن بلادي، فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه، وإلا بعثت إليكم من يهلككم عن آخركم.
فقال له هبيرة: تقول لقتيبة هذا؟! فكيف يكون قليل الأصحاب مَن أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون؟! وكيف يكون حريصاً مَن خلَّف الدنيا قادراً عليها وغزا بلادك؟! وأما تخويفك إيانا بالقتل فإنا نعلم أن لنا أجلاً إذا حضر فأكرمها عندنا القتل، فلسنا نكرهه ولا نخافه.
فال الملك: فما الذي يرضي صاحبكم؟
فقال: قد حلف أنه لا ينصرف حتى يطأ أرضك، ويختم ملوكك، ويجبي الجزية من بلادك.
فقال: أنا أبر يمينه وأخرجه منها، أرسل إليه بتراب من أرضي، وأربعة غلمان من أبناء الملوك، وأرسل إليه ذهباً كثيراً وحريراً وثياباً صينية لا تُقَوَّم ولا يدرى قدرها.
ثم جرت لهم معه مقاولات كثيرة، ثم اتفق الحال أن بعث صِحافاً من ذهب متسعة، فيها تراب من أرضه ليطأه قتيبة، وبعث بجماعة من أولاده وأولاد الملوك ليختم رقابهم، وبعث بمال جزيل ليبر يمين قتيبة، وقيل: إنه بعث أربعمائة من أولاده وأولاد الملوك، فلما انتهى إلى قتيبة ما أرسله ملك الصين قبل ذلك منه، وذلك لأنه كان قد انتهى إليه موت الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين، فانكسرت همته لذلك..). [البداية والنهاية (9/147 ـ 149)].
استمرار علاقات المسلمين بالصين بعد توقف الفتوحات:
توقفت فتوحات العرب بعد موت "الوليد بن عبد الملك" وقتل "قتيبة" رحمه الله، بعد خروجه على سليمان بن عبد الملك في "فرغانة" في شهر ذي الحجة من سنة 96هـ وعمره (48سنة ). [البداية والنهاية (9/174)].
ولكن العلاقات بين المسلمين والصين لم تنقطع، بل إن بعض أهالي "تركستان الشرقية" وهي ما أطلق عليها الصينيون ـ بعد احتلالهم لها ـ "سينكيانج" وتعرف أيضاً بـ"التركستان الصينية" قد أسلموا ـ على الأرجح ـ في زمن "قتيبة" رحمه الله، ومنهم قوم "أويوغور" [معنى كلمة "أويوغور" في اللغة التركية: المعاهدة أو المرابطة]. الذين أسلموا في آخر القرن الأول الهجري ـ وهم شعب متفرع عن التتار.
وفي سنة 754م ثار أحد حكام الولايات الصينية، وهو "آن لوشان An lushan " على ملك الصين "سونج" فاستنجد بالمسلمين "الأويوغور" فأنجدوه وأنقذوا حكمه من الانهيار، واستمر حكم أسرته إلى منتصف القرن العاشر الميلادي، وكان الأصل بين الأويغور والصين الود والصداقة، وقد تسوء ـ أحياناً ـ العلاقات بينهم، ولكنهم سرعان ما يرأبون الصدع ويعيدون المياه إلى مجاريها.
قلت: وهذه الصلات الحسنة في الغالب، والسيئة أحياناً، تبين مدى العلاقات التي استمرت بين المسلمين من التتار ومن معهم من العرب، وبين الصين إلى أن احتل الصينيون بلاد المسلمين "تركستان الشرقية" وعاملوا أهلها أسوأ معاملة عرفها المسلمون، وبخاصة في عهد الثورة الشيوعية. وستأتي الإشارة إلى ذلك في المكان المناسب من هذا الكتاب.
ويقال: إن ملك الصين هذا، طلب النجدة من "أبي جعفر المنصور" فبعث إليه أربعة آلاف من المقاتلين الأشداء، ولما انتصر بهم على عدوه كافأهم على الإذن لهم بالإقامة في الصين وأكرمهم غاية الإكرام، وأنهم هم أصل المسلمين في الصين.
ويرى بعض الكتاب الصينيين المعاصرين أن في هذا القول نظراً، لأن الأوضاع في عهد أبي جعفر كان فيها من الاضطرابات الداخلية في تلك الفترة ما يصعب معه بعث جيش للنجدة في خارج البلاد الإسلامية. [راجع: العلاقات بين العرب والصين (ص: 26 ـ 41)].
ويرى بعض الكتاب العرب المعاصرين غير هذا الرأي، إذ يذكرون هذه القصة مؤكدين وقوعها. [تركستان الصينية (الشرقية)، محمود شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1393 هـ 1973م (ص: 17). حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة ـ جميل المصري (ص: 516)].
ويبدو لي أن ما أشار إليه الكاتب الصيني صحيح، فقد قيل: إن أبا جعفر المنصور بعث الجند لنجدة ملك الصين في سنة 139هـ/ 756م وقد كانت هذه السنة وما قبلها وما بعدها من أشد الأوقات اضطراباً في عهد المنصور، فقد خرج على المنصور عمه عبد الله بن علي سنة 137هـ وبعد أن هُزم عبد الله وسُجِن أظهر أبو مسلم العصيان والخروج على طاعة المنصور، فاستدرجه حتى قدم عليه وقتله في سنة 138هـ... [البداية والنهاية (10/ 76) وما بعدها].
وإذا كان المنصور قد بعث جيشاً في هذا الوقت العصيب لنجدة ملك الصين، فلا بد أن يكون قد اختار لقيادة ذلك الجيش من يرغب ـ المنصور ـ في نفيه من البلاد حذراً منه، أما الموالون له فهو أشد حاجة إليهم من ملك الصين، ويبعد أن يفرط فيهم ويُؤثر بهم غيره.
الطرق التي سلكها المسلمون إلى الصين:
للوصول إلى الصين من البلاد الغربية طريقان: [إذا أطلق لفظ البلاد الغربية أو الغرب في كتب الصين القديمة، فالمراد به ما وقع في غرب الصين، إلى البحر الأبيض واستنبول، راجع كتاب العلاقات بين العرب والصين لبدر الدين حيّ الصيني (ص: 10، 144)].
الأولى الطريق البرية:
وكانت أكثر تنظيماً وسلوكاً قبل ظهور الإسلام. [العلاقة بين العرب والصين (ص: 108 ) ولتفصيل أكثر عن الطريق البري راجع (ص: 120 ـ 129) من نفس الكتاب].
واستمرت كذلك بعد ظهوره، وإن أصبح البحر بعد ذلك أكثر استعمالاً. [نفس المرجع (ص: 108)].
قال حسين عزمي، وهارون دين: (لقد أثبت التاريخ أن للقوافل التجارية من شبه جزيرة العرب إلى الصين طريقاً برياً يسلكه التجار من قديم الزمان...) ثم نقلا عن المسعودي في مروج الذهب وصفاً للطريق البري المؤدي إلى الصين، ثم قالا: (مما تقدم يتضح لنا ما يأتي: أن الطريق البري من شبه جزيرة العرب إلى الصين موجود من قديم الزمان، وأن القوافل التجارية قد سلكتها من زمن بعيد، وكانت نقطة الانطلاق الأولى لهذه القوافل من أرض شبه جزيرة العرب هي: "البصرة" فهي بداية الطريق، ثم عبور الخليج الفارسي إلى "سيراف" وهي نقطة التجمع الأولى بأرض فارسية، ثم إلى "كاشغر" وهي أول مدينة صينية تدخلها القوافل التجارية بأرض الصين، وتقع في ولاية "سينكيانج"...). [الدعوة الإسلامية في ماليزيا (ص: 50)].
وقد اشتهر طريق البر هذا بـ(طريق الحرير) الذي كانت تجارته مزدهرة، إذ تصدره الصين إلى روما وبيزنطة، عن طريق الإيرانيين. [الصين وفنون الإسلام (ص: 7) لزكي محمد حسن، وموجز أحوال الصين (ص: 344) والإسلام في الصين (ص: 27) لفهمي هويدي].
وبهذا الطريق سلكت بعض وفودهم الرسمية، ومنها أول تلك الوفود الذي بعثه الخليفة عثمان رضي الله عنه [الإسلام في الصين (ص: 42)] وكذلك المجاهدون الذين فتحوا تلك المناطق القريبة من الصين، وبخاصة الجيوش التي قادها قتيبة بن مسلم الذي وصل إلى مدينة "كاشغر" وهي مدينة صينية. [حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة، (ص: 560) لجميل عبد الله المصري، دار أم القرى، طبع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط2 1409 هـ].
ويذكر بعض المؤرخين احتمال وجود طريق برية أخرى سلكها بعض المسلمين إلى الصين، غير طريق الحرير، وهي المنطقة الحدودية بين مقاطعة "يونَّان" الصينية و"بورما" جاء منها مسلمون من العرب والفرس ومسلمون من وسط آسيا. [المسلمون الصينيون ـ أسئلة وأجوبة ـ إعداد: شيو يوان ـ باللغة العربية ـ دار النشر باللغات الأجنبية، بكين، (ص: 1). الطبعة الأولى، سنة 1991م. وهو من الكتب التي اقتنيتها عندما زرت الصين، ولم أحصل عليها إلا بعد جهد جهيد].
الثانية الطريق البحرية:
قال الدكتور أديب مخوّل [عميد الكلية الجامعية وأستاذ الفلسفة في جامعة الفلبين]: (كان عرب جنوب شبه الجزيرة العربية ـ على الغالب ـ هم أول من مخروا عباب المحيط الهندي، وقبل قرون من ظهور الإسلام، كان البحارة العرب يعملون كوسطاء بين التجار الأوربيين والتجار الآسيويين... وعلى الرغم من أن الرومان.. وبعدهم الفرس (من نهاية القرن الخامس إلى السابع) كانوا ينافسون العرب في محاولة للسيطرة على تجارة المحيط الهندي... أصبح العرب مع غيرهم من المسلمين في القرن التاسع سادة التجار هناك... فقد كشفت السجلات الصينية القديمة أنه كان للعرب... في الصين سنة 300م أماكن استيطان في "كانتون Canton" إن العرب في العصور القديمة والوسطى ملكوا زمام التجارة البحرية بين مصر وإيران والهند من جهة، وبين الهند وشرق وجنوب شرق آسيا من جهة أخرى...
وقد أضحت في العصور الإسلامية أكثر استعمالاً من ذي قبل، وأول مواني العرب التجارية في زمن الإسلام: "البصرة" كما كانت قبل ذلك منطلق التجارة البرية، ومن المواني التي كان لها دور في اتصال العرب بالصينيين والعكس مدينة: "عدن" مع صغرها...). [الإسلام في الشرق الأقصى ـ وصوله وانتشاره وواقعه (ص: 15 ـ 19). دار العربية ـ بيروت، تعريب الدكتور نبيل صبحي. راجع أيضاً الدعوة الإسلامية في ماليزيا (ص: 35) وما بعدها. وكتاب موجز أحوال الصين (ص: 344)].
وقال بدر الدين الصيني: (وابن خرداذبة لم يترك "عدن" أيضاً، فإنه قال: إنها من المرافئ العظام.. ويؤيد هذا القول الإدريسي، إذ قال: إن مدينة "عدن" صغيرة، لكنها مشهورة بأنها مرسى التجارة التي تبحر منها إلى السند والهند والصين، وتأتي من الصين أنواع الصنائع... ويظهر من التاريخ أن بحر الهند كان تحت نفوذ ملاحة إيران قبل الإسلام، فلما ظهر الإسلام في جزيرة العرب وانتشر إلى الممالك المجاورة في بضعة عقود من السنين، وقويت سيطرته في البر والبحر، حلت ملاحة العرب محل ملاحة الإيرانيين في خليج فارس، كما أنها حلت محل ملاحة الروم في البحر الأبيض. [العلاقة بين العرب والصين (ص: 107 ـ 12، 235)، ويوصف طريق البحر بأنه طريق البخور، كما يوصف طريق البر بأنه طريق الحرير. كتاب المسلمون الصينيون (ص: 1) وكلاهما وصف تغليبِي، لأن البضائع لا تقتصر على هاتين السلعتين في كل من الطريقين].
وقال الشيخ محمد مكين: (وعلمنا من مبادئ تاريخ الشرق، للمؤرخ الصيني "فوا ين جانغ Chang Fu Yen" أن المسلمين كانوا هم الذين يقبضون على ناصية التجارة الدولية في الشرق والغرب، من أوائل القرن الثامن إلى أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، يبحرون بمتاجرهم من الخليج الفارسي، ويعبرون المحيط الهندي، حتى يصلوا موانئ الصين التجارية "كانتون" حاضرة ولاية: "كونغ تونغ Kwangtung " و"تسونجو Tsuanchao " ميناء ولاية "فوكين Fukien" و"يانغ جو Yang Chao" ميناء ولاية "كيانغ سو Kiangsu" و"هانغ جو Hang Chao" و"منينغ جو Ming Chao " مينائي "جيكيانج Chekiang".
وكانت التجارة في كانتون أكثر منها في سائر الموانئ. [نظرة جامعة إلى تاريخ الإسلام في الصين وأحوال المسلمين فيها، (ص: 9)].
المناطق التي استقر بها المسلمون في الصين:
ظهر لنا مما مضى أن المسلمين ـ عرباً كانوا أو غير عرب ـ كان لهم طريقان إلى الصين: طريق البحر، وطريق البر.
وكان استيطان غالب سالكي طريق البحر سواحل جنوب شرق الصين.
فالذين جاءوا عن طريق البحر ـ وكانوا في الغالب تجاراً، وقليل منهم من الوفود الرسمية ـ استوطنوا في السواحل الجنوبية الشرقية للصين وبخاصة مدينة "كانتون" التي كان المسلمون يسمونها: "خانفو". [تاريخ المسلمين في الصين (ص: 16 ـ 17) لبدر الدين الصيني].
وكان لهم محلة خاصة يسكنون بها، ولهم إمام يصلى بهم ويخطب ويدعو لسلطان المسلمين، كما كان لهم قاض منهم يحكم بينهم بأمر حاكم الصين، وكانوا ينتخبون منهم من يسمى بشيخ المحلة "الحارة" وتسمى في اللغة الصينية "فانفانغ". [الإسلام في الصين ـ تأليف إبراهيم فنغ جين يوان (ص: 15)].
ويتولى أمورهم باسم الملك الصيني، وله لباس رسمي خاص ـ رداء فضفاض ـ على الطراز الصيني، وإدارة خاصة تسمى بــ(مكتب شيخ الأجانب)، ووظيفته النظر في شئون المسلمين التجارية وما يتعلق بالخراج والضرائب التي تدفع للسلطة الصينية... وقد توغل بعضهم إلى المدن القريبة من الساحل. [تاريخ المسلمين في الصين (ص: 18 ـ 21) لبدر الدين الصيني. وكتاب: تركستان الصينية (ص: 53) لمحمود شاكر]. كما سبق قريبا ذكر المواني التي كان العرب يقصدونها، بل واستوطنها كثير منهم ومنها: "كانتون" حاضرة ولاية: "كونغ تونغ Kwangtung " التي كانت التجارة فيها أكثر من سائر الموانئ الصينية و"تسونجو Tsuanchao" ميناء ولاية "فوكين Fukien" و"يانغ جو Yang Chao" ميناء ولاية "كيانغ سو Kiangsu" و"هانغ جو Hang Chao" و"منينغ جو Ming Chao" مينائي "جيكيانج Chekiang". [نظرة جامعة إلى تاريخ الإسلام في الصين وأحوال المسلمين فيها، (ص: 9)].
وقد اشتُهر في موانئ الصين الجنوبية الشرقية سوقان تجاريان، سيطر عليهما المسلمون، وهما سوقا (كانتون) و(تشوان تشو)، وكان المسؤول عنهما ـ واسمه أبو علي إبراهيم الصيني ـ يلقب بــ(أبي السوقين)، ورقِّيَ إلى منصب "مدير عام إدارة المراقبة على الملاحة والتجارة البحرية" وهي إدارة اسْتُحدِثَت في الصين بسبب الازدهار التجاري الإسلامي الذي لم يسبق للصين أن حظيت به من قبل. [تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر (ص: 23)، لبدر الدين. وراجع كتاب الإسلام في الصين لفهمي هويدي (ص: 54)].
هكذا كان المسلمون الذين يهاجرون إلى أي بلد للتجارة يستوطنون في المناطق التي يعملون فيها، كما فعلوا في بريطانيا، كان يسكن غالبهم في الموانئ البحرية الكبيرة، وكما فعلوا في أمريكا حيث سكنوا في ميتشجان "ديترويت" بقرب عملهم في مصنع سيارات "فورد" حتى سميت منطقتهم لكثرتهم: "القرية العربية" وقد سجلت ذلك في رحلاتي للبلدين وفي كل الأحوال يهيئ الله لهم من يقيم لهم دينهم ويؤمهم ويبنون المساجد التي تكون من أقوى الروابط بينهم. [تاريخ المسلمين في الصين، ص: 22].
غالب سالكي طريق البر استوطنوا العاصمة تشانغ آن.
أما الذين جاءوا من طريق البر:
1 ـ فكان منهم التجار المسلمون من العرب والإيرانيين الذين وفدوا إلى الصين، قاطعين الجبال والأودية عن طريق آسيا الوسطى (تركستان) وكانوا ينزلون غالباً في عاصمة الصين القديمة "تشانغ آن". [راجع تاريخ المسلمين في الصين (ص: 22) لبدر الدين].
قال إبراهيم فنغ جين يوان: (وكان هناك طريقان، يدعى أحدهما: "طريق الحرير" ويمتد من تشانغآن (شيئان) عاصمة الصين آنذاك إلى غرب آسيا...
ومع انتشار الإسلام في مغارب العالم ومشارقه وظهور الدولة الإسلامية تَوَارَدَ التجار المسلمون إلى الصين براً وبحراً، ففي أوائل عهد أسرة تانغ كانت شوارع تشانغآن (شيئان) مزدحمة بالتجار المسلمين، من العرب والفرس، إذ كانت محلاتهم ومساكنهم تتناثر في كافة أنحاء المنطقتين التجاريتين: الشرقية والغربية من المدينة...). [الإسلام في الصين (ص: 12 ـ 13)، لإبراهيم المذكور].
2 ـ وكان منهم الجنود المسلمون من الأويغور الذين طلب الإمبراطور من أميرهم في تركستان نجدته بهم على عدوه "آن لوشان" الذي كاد يُفقِد الإمبراطور ملكه، فجاءه منهم في سنة 755م خمسة آلاف محارب، وبعد سنتين تبعهم أربعة آلاف فاستأصلوا شأفة عدوه، فكافأهم على ذلك بتخييرهم في العودة إلى بلادهم أو البقاء في أرض الصين، فبقي كثير منهم وتزوجوا صينيات فكثر نسلهم مع تمسكهم بدينهم، ويقال: إن الملك فرقهم في مدن الصين. [العلاقة بين العرب والصين (ص: 38، 41). لبدر الدين الصيني].
ولكن غالبهم بقى في العاصمة وما جاورها من مدن شمال الصين الغربي. [تاريخ المسلمين في الصين (ص: 22) لبدر الدين الصيني].
3 ـ وكان منهم الكتيبة المسلمة المكونة من أربعة آلاف مقاتل التي أنجد بها أبا جعفر المنصور هذا الإمبراطور نفسه ـ إذا صحت روايتها ـ وقد استقر أكثرهم في العاصمة "شيئان" وفي منطقة يونان، وتزوجوا من صينيات وأنجبوا وتكاثروا، حتى صار لهم شأن عظيم. [تركستان الصينية (ص: 17 ـ 18) لمحمود شاكر].
انتشار المسلمين في أنحاء الصين بعد الفتح المغولي:
4 ـ عندما شملت فتوحات المغول الصين، وأُسِّسَت أسرة (يوان) سنة 1277م هاجر كثير من المسلمين من العرب والإيرانيين إلى آسيا الوسطى والتركستان، ودخلوا في خدمة الجيش المغولي وتولوا مناصب مهمة، وكثر عددهم وانتشروا في أنحاء الصين، ودخل كثير من الصينيين في الإسلام، وبذلك انتشر المسلمون في كل بقاع الصين، وإن كان عددهم في بعض المناطق أكثر من غيرها. [تاريخ المسلمين في الصين (ص: 26) لبدر الدين].
أسباب انتشار الإسلام والمسلمين في مناطق الصين:
يَبِنُ لنا مما سبق أسباب انتشار المسلمين وتفرقهم في مناطق الصين كلها، ولنجمل هذه الأسباب فيما يأتي:
السبب الأول: تعدد منافذ الدخول.
فقد تبين أن لدخول الصين في الزمن القديم منفذين، منفذ عن طريق البحر، ومنفذ عن طريق البر.
فالذين جاءوا عن طريق البحر استوطنوا الموانئ البحرية وما جاورها في السواحل جنوب شرق الصين، والذين جاءوا عن طريق البر للتجارة أو السفارة أو النجدة استوطنوا الأماكن التي نزلوا بها وما جاورها في الغالب، وهي في شمال غرب الصين.
وهذا لا يمنع من عبور بعض سكان الموانئ إلى بعض مناطق الصين الأخرى، كما لا يمنع من عبور بعض سكان شمال غرب الصين إلى غيرها من المناطق أيضاً.
قال بدر الدين حيّ الصيني: (كان للتجار المسلمين حرية مطلقة في الانتقال بين بلدة وأخرى في داخل بلاد الصين، كما لهم حرية في الإقامة بأي مرفأ من المرافئ.
ولحفظهم من الوقوع في الخطر وتأمين أموالهم وأنفسهم (و).. [يبدو أن هذه الواو زائدة في الكلام، لأن قوله: (ولحفظهم. . ) متعلق بـ(كان) والمعنى يستقيم بدون الواو، أي إن الحكومة كانت قد وضعت لحفظهم قانوناً]. كانت الحكومة الصينية قد وضعت قانوناً خاصاً، يقضي بتسجيل المسافرين في داخل حدود الصين وما معهم من الأمتعة والأموال، وقانوناً آخر يقصد به مراقبة الفنادق بجميع المدن، وتُعنَى عناية خاصة براحتهم وتأمينهم إذا انتقلوا من مدينة إلى مدينة أخرى (و) [وهذه الواو كسابقتها يبدو أنها زائدة، لأن المقصود أن الحكومة تعنى بهم مدة إقامتهم]. مدة إقامتهم بها.. [العلاقات بين العرب والصين (ص: 137)].
السبب الثاني: توزيع المقاتلين على مدن الصين بأمر الملك.
فقد أمر ملك الصين بتوزيع المقاتلين الذين نصروه على الخارجين عليه على مدن الصين، بحيث أنشئت لهم في كل مَدينة مدينةٌ خاصة بهم.
السبب الثالث: نزوح المسلمين من دول الجوار إلى الحدود المجاورة.
فقد كثرت الفتوحات الإسلامية التي جعلت المناطق القريبة من الصين دولاً إسلامية، لأن اتصال بعض الشعوب المتجاورة ببعض من أسباب انتشار الأديان والدين الإسلامي أكثر قبولاً من غيره، وكل دولة من دول الجوار يتصل المسلمون فيها بما جاورها من بلاد الصين.
السبب الرابع: انتشار المسلمين في الصين بعد حكم المغول.
إن استيلاء المغول على بلاد الصين وتمكينهم المسلمين في مناصب عالية، وإدخال كثير منهم في الخدمة العسكرية، جعل المسلمين ينتشرون في بلدان الصين كلها، وكان بعض قادة المغول أنفسهم مسلمين، وقد أصبحوا هم حكام الصين في كل ولاياتها.
السبب الخامس: اختلاط الصينيين بالمسلمين:
فقد اختلط الصينيون بالمسلمين ودخل بعض الصينيين في الإسلام، عن طريق المصاهرة، بحيث تزوج المسلمون صينيات، ولا بد أن يدخلن في الإسلام قبل الزواج بهن، لأنهن لسن كتابيات حتى يحل زواج المسلمين بهن وهن على دينهن، بل هن وثنيات، كما دخل بعضهم في الإسلام عن طريق الدعوة إلى الله، لأن من طبيعة المسلمين ـ سواء كانوا تجاراً أو علماء ـ الاجتهاد في دعوة الناس إلى الإسلام بالقول أو بالقدوة الحسنة، ودخول الناس في الإسلام يزيد من انتشار المسلمين في المناطق كلها، ولهذا نجد المسلمين ـ إلى الآن ـ في غالب القوميات الصينية.
السبب السادس: ثبات المسلمين على دينهم.
إن المسلمين يثبتون على دينهم في الغالب، حيث لا يجيز الإسلام للمسلم أن يدعه ويدخل في دين غيره، بخلاف غير المسلمين، فإنه لا حرج عندهم في الانتقال من دين إلى آخر، وهذا الثبات يقوي انتشار المسلمين، من جهتين:
الجهة الأولى: استمرار تناسلهم وانتشار ذراريهم في مواطنهم وانتقالهم إلى أماكن أخرى طلباً للرزق، أو القيام بأعمال توكل إليهم.
الجهة الثانية: تأثر غيرهم بدينهم والدخول فيه.
السبب السابع: تناسل المسلمين الذي يفوقون فيه غيرهم.
حيث يجوز عندهم تعدد الزوجات، كما أنهم يتبارون في كثرة الأولاد امتثالاً لحث الإسلام لهم على ذلك، بل كانوا يضمون إليهم اليتامى والمشردين من أولاد الصينيين الذين يموت آباؤهم أو يهملونهم، فيربيهم المسلمون على الإسلام. [راجع لانتشار الإسلام والمسلمين في الصين الكتب الآتية: نظرة عامة إلى تاريخ الإسلام في الصين وأحوال المسلمين فيها (ص: 24) لمحمد مكين. حاضر العالم الإسلامي (ص: 560) لجميل المصري. تركستان الصينية (ص: 51) لمحمود شاكر].
اهتمام المؤرخين الصينيين بعلاقات المسلمين بالصين:
السجلات الصينية القديمة اهتمت بصلة العرب بالصين، وأماكن استيطانهم بها، واستمر ذلك الاهتمام بعد ظهور الإسلام. [الإسلام في الشرق الأقصى ـ وصوله وانتشاره وواقعه (ص: 17 ـ 21)].
وتذكر سجلات الصين القديمة المسلمين باسم "داشي" وهي تعني "التاجر" والأمويون يذكرون باسم "باي لي داشي" أي ذوي الملابس البيضاء، والعباسيون يذكرون باسم "خي لي داشي" أي ذوي الملابس السوداء. [وهذا دليل على حرص المسلمين على العمل، وطلبهم الرزق الذي يغنيهم عن الحاجة إلى ما في أيدي الناس، وتجنبهم للكسل، مما جعل الصينيين يغلبون في تسميتهم هذا الوصف، وهو: (التاجر)].
وقد ذكر بدر الدين الصيني: إن الأستاذ "بريتش نيدر Breitsch neider" ألف كتابا سماه: (علم الصينيين القدامى عن العرب) ثم قال: (فمن يريد التوسع في هذا الموضوع يستطيع أن يراجع هذا الكتاب، بدون أي تعب، ولم أدخل في أبحاثي فصلاً خاصاً عن علم الصينيين عن العرب، لأني أرى أن هذا الكتاب يغني عن هذا الفصل..). [علاقات العرب بالصين (ص: 46)].
تَمَنِّي الحداد تاريخاً لعلاقات المسلمين بإندونيسيا كما في الصين:
ولعناية المؤرخين الصينيين بعلاقات العرب قبل الإسلام وبعده ببلادهم، تمنى السيد علوي بن طاهر الحداد لو وُجِد لإندونيسيا تاريخ قديم يدل على وفود الخلفاء الراشدين إليها كما وُجِدَ ذلك في تاريخ الصين، فقال: (أقول: يا ليت شعري من أين نجد تاريخاً لإندونيسيا قديماً يدلنا على وفود الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم من الأمويين والعباسيين إلى جزائر إندونيسيا وملوكها وشعوبها، وما السبب في حفظ الصين لهذه الأخبار القيمة وضياعها في إندونيسيا؟!). [المدخل إلى تاريخ الإسلام في الشرق الأقصى (ص: 312 ـ 313) الطبعة الأولى ـ عالم المعرفة ـ جدة ـ سنة 1405 هـ ـ 1985م].
ويَتَّهِمُ السيدُ الحداد ـ وهو محق في اتهامه، وقد دلل على اتهامه هذا في نفس الكتاب المشار إليه، في (ص: 372 ـ 374) ـ المستعمرين والمستشرقين، بضياع تاريخ الإسلام في إندونيسيا حيث قال بعد ذلك: (وأنا أذكر أسماء الكتب الصينية، ليُعرَف الفرق بين تاريخ الصين الذي بقي محفوظاً، وتاريخ جزائر الهند الذي لعب به وشتته المستعمرون والمستشرقون...). [المدخل إلى تاريخ الإسلام في الشرق الأقصى (ص: 315).. ولد السيد الحداد في بلدة (قيدون) بحضرموت، جاء إلى إندونيسيا سنة 1341هـ، كما ذكر ذلك في نفس الكتاب المشار إليه هنا (ص: 373)، وكان من مؤسسي الرابطة العلوية بإندونيسيا، تولى الإفتاء في سلطنة (جهور) بماليزيا، توفي سنة 1382هـ. ذكروا بعض مؤلفاته في مقدمة كتابه المذكور].
وذكر بعضُ مؤرخي الصين أن الحكومة الملكية الصينية، اتخذت التقويم العربي تقويماً رسمياً، سنة: 1384م، وهي توافق: سنة 786هـ.
وقد كان بعض صغار السن من الصينيين يدونون في مذكراتهم ما يشاهدونه من شئون المسلمين، وبعض شعرائهم يمجدون الآثار الإسلامية في قصائدهم، وكتابهم يدونون ذلك كله. [المساجد في الصين (ص: 14 ـ 15)، لمحمد يوسف لي هواين].
وإن الروايات المنامية التي سبقت عن دخول الإسلام في الصين ـ مع أنها أقرب إلى الأساطير والخيالات ـ لتدل على عناية الصينيين بتدوين معلومات عن الإسلام في الجملة.
مواقف الأسر الإمبراطورية من الإسلام والمسلمين:
سنشير هنا إلى أهم الأسر الإمبراطورية التي تزامنت مع البعثة النبوية، وما تلا ذلك من الزمن، أما الأسر الحاكمة قبل ذلك فلا داعي لذكرها، إلا من حيث معرفة علاقة العرب بالصين قبل الإسلام، وقد سبق الكلام على ذلك ـ إجمالاً.
وسبق ذكر رواية بعث الرسول صلى الله عليه وسلم "سعد ابن أبي وقاص" رضي الله عنه إلى الصين في عهد الإمبراطور الأول من أسرة: "صي Sui " الملقب بـ"وِن تي Wen Ti " في سنة 587م، وأن هذه الرواية محض كذب وافتراء، لمخالفتها واقع التاريخ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُبعث إلا في سنة 610م أي بعد التاريخ المذكور بثلاث عشرة سنة.
المسلمون في عهد أسرة: تانغ Tang: (618م ـ 907م):
ولهذا كانت أول الأسر الإمبراطورية التي تولت الحكم في بداية البعثة النبوية، هي أسرة "تانغ Tang " في سنة 617م بعد انقراض أسرة "صي Sui" وبعد البعثة الشريفة بست سنوات.
ويرى بعض المؤرخين أن تولي أسرة: "تانغ Tang " بدأ في سنة 618م، ولعل السبب في هذا الاختلاف ـ وهو يسير ـ تقارب الزمن بين انتهاء أسرة "صي Sui" وابتداء حكم أسرة "تانغ Tang ". [راجع كتاب: الصين ـ تأليف: تشين شي (ص: 13) وكتاب الإسلام في الصين، لفهمي هويدي (ص: 40)].
وكان أول عاهل من هذه الأسرة هو: "تانغ كاو جو Tang Kao Tzu " الذي امتد نفوذه السياسي إلى سمرقند وبخارى..
وكان قائداً عسكرياً شجاعاً... وفي عهده وقعت حوادث خطيرة في البلاد العربية، كانت ذات تأثير بالغ في سياسة العالم:
منها: بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، التي سبقت تَوَلِّيَ هذا الإمبراطور بسنة واحدة أو أقل.
ومنها خلافة أبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما أعقبها من حروب الردة.
ثم خلافة عمر رضي الله عنه، والفتوحات الإسلامية التي كان من أهم آثارها سقوط الدولة الكسروية، وغير ذلك من الحوادث. [راجع كتاب العلاقات بين العرب والصين (ص: 30 ـ 32)، لبدر الدين الصيني].
أحداث إسلامية بارزة حصلت بعد البعثة في عهد هذه الأسرة:
وتتلخص هذه الأحداث فيما يأتي:
1 ـ قضاء الجيش الإسلامي على آخر ملوكِ الساسانيين "كسرى يزدجرد" واستنجاده بملك الصين واعتذاره إليه، وكان ذلك في عهد عمر رضي الله عنه.
2 ـ الوفود الإسلامية الرسمية إلى الصين، وكان أولها الوفد الذي بعثه الخليفة الثالث "عثمان رضي الله عنه" وما تلاه من الوفود التي بلغت سبعة وثلاثين وفداً.. [الإسلام في الصين (ص: 47)].
3 ـ وفد الدعوة والجهاد الذي بعثه قتيبة بن مسلم، رحمه الله.
4 ـ الكتيبة التي أنجد بها المنصور أحد أباطرة هذه الأسرة، عندما خرج عليه بعض ولاته.
5 ـ إنشاء المستوطنات التجارية للمسلمين، على ساحل الصين الجنوبي الشرقي للمسلمين، وأماكن أخرى لسكن المسلمين الوافدين عن طريق البر من التجار أو الوفود الرسمية إلى العاصمة "تشانغ آن". [سبق الكلام على هذه الأحداث بشيء من التفصيل، وذكر المراجع المستقاة منها].
وكانت العلاقات بين هذه الأسرة وبين المسلمين من العرب والأويغور وغيرهم علاقات احترام وتعاون في الغالب، وكان لنجدة المسلمين لبعض ملوكها على الخارجين عليه أثر طيب جداً، وإن كان قد شاب هذه العلاقة ما كدَّرها بسبب سوء تفاهم بين المسلمين وبعض كبار الموظفين الصينيين، سرعان ما قُضِيَ عليه وعادت المياه بينهم إلى مجاريها. [العلاقات بين العرب والصين (ص: 41 ـ 43)].
المسلمون علي عهد أسرة سونغ Sung (960 ـ 1279):
يوجد خلاف في بداية تواريخ الأسر ونهايتها بين الكتاب ـ أحياناً ـ وعلى سبيل المثال ذكر الشيخ محمد مكين تاريخ هذه الأسرة هكذا: (960 ـ 1275) بنقص أربع سنوات في النهاية، كتاب: نظرة عامة إلى تاريخ المسلمين في الصين (ص: 45)، وعند الشيخ بدر الدين حيّ، هكذا (950 ـ 1277) بنقص عشر سنوات في البداية، وسنتين في النهاية،كتاب: تاريخ المسلمين في الصين (ص: 18).
والظاهر أن من أسباب هذا الاختلاف أن بعض الكتاب يؤرخ بقيام أسرة "سونغ Sung" الشمالية التي كان حكمها مبكراً، فيكون التاريخ الذي يعتمده متقدماً، وبعضهم يؤرخ بقيام أسرة سونغ في الجنوب التي كان حكمها متأخراً، فيكون التاريخ الذي يعتمده متأخراً أيضاً، كما فصل ذلك (شِي يْوان) المذكور أعلاه. [ولا يزال في النفس شيء من اختلاف تواريخ الأحداث الصينية!].
هناك خمس أسر من الأسر الإمبراطورية الحاكمة تولت الحكم مدة قصيرة في الفترة: من 907 إلى 960م يغفل الكتاب عن المسلمين في الصين ذكرها، ويبدو أن السبب تعاقبها السريع على الحكم، مما جعل أثرها غير ذي بال في مسيرة المسلمين في الصين. [راجع كتاب: الصين (ص: 13)، تأليف: تشين شي، وكتاب: موجز أحوال الصين (ص: 42)، تأليف ـ تشي ون. ثم رأيت في كتاب: بهجة المعرفة ـ المجموعة الثانية (4/ 58) النص الآتي الدال على ما ذكرت: (تلت عهد أسرة "تانغ Tang " حقبة تدعى (عهد الأسر الحاكمة الخمس). وذلك بين 907 و960. إذ أخذت الدول، كما يقول شاعر صيني: تنشأ وتزول كما تذوب الشموع في الريح). الناشر: الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان].
كان وضع المسلمين في الصين في عهد هذه الأسرة شبيهاً بالوضع في عهد أسرة "تانغ Tang " من حيث احترامهم للمسلمين وإفساح المجال لتُجَّارهم، بل كان نشاط المسلمين التجاري في عهد أسرة "سونغ Sung" أوسع منه في عهد أسرة "تانغ Tang" وكذلك العلاقات السياسية وكثرة الوفود الرسمية، وزيادة عدد المسلمين، ومنحوا امتيازات كبيرة جداً حتى في شئونهم السياسية.
قال الشيخ محمد مكين: (ورد في مختصر تاريخ الشرق أنه كان في أسرة "سونغ Sung ".. عينت في مواني الصين مناطق خاصة بالجاليات الإسلامية، فيها جوامع وفنادق وأسواق، والإمام يتولى الأمور الدينية المحضة، والقاضي يحكم بين المتحاكمين، ووظيفة الإمام والقاضي مخصوصة بالعرب.
وعلى ما جاء في مذكرات بعض الأدباء الصينيين في ذلكم العصر، كان ملك الصين عين على المنطقة الإسلامية رئيساً مسلماً، ليقوم بإدارة شئونها السياسية والتجارية والدينية، وإذا كان المتخاصمان مسلمين، قضى بينهما بالأحكام الإسلامية، وإذا كان أحدهما مسلماً والآخر صينياً قضى بينهما بالأحكام الصينية، فكان للمسلمين في بلاد الصين امتيازات خاصة...). [راجع نظرة جامعة إلى تاريخ الإسلام في الصين (ص: 54)].
تنبيه:
من مصلحة المسلمين في البلدان غير الإسلامية أن يكونوا متقاربين في السكن، ليتعاونوا على إقامة حياتهم على مبادئ دينهم، كإقامة صلاة الجماعة في المساجد، وتعليم العالم منهم الجاهل، وليتناصحوا فيما بينهم، ويُعاد مريضهم ويحضروا جنازة ميتهم... ولكن الذي يظهر أن تخصيص الصينيين حارات خاصة بالأجانب تقليد متبع وهدفهم منه عزل الأجانب ـ قدر الاستطاعة ـ عن الاختلاط بأهل البلد لئلا يتأثروا بعقائد الأجانب وعاداتهم، وقد استمر الصينيون على هذا التقليد مع الدبلوماسيين والطلاب وغيرهم، ولكنهم اضطروا في الفترة الأخيرة إلى نوع من الانفتاح، وسيأتي الكلام عن عزلة الصين عن العالم.
وقال في ذلك شِي يْوان: (شهد انتشار الإسلام في عهد"سونغ" تطوراً جياشاً عن طريق التجارة البحرية، لا سيما أن أسرة "سونغ" شجعت التجارة الخارجية، فقد نشأت علاقات تجارية بين أسرة "سونغ" الشمالية (960 ـ 1127) وبضعة عشر بلداً، وكان التجار العرب في مقدمة الوافدين إلى الصين.
أما في عهد أسرة "سونغ" الجنوبية (1227 ـ 1279) فقد بلغت التجارة البحرية الصينية ذروة ازدهارها، إذ نسجت الصين علاقات تجارية مع أكثر من خمسين بلداً ومنطقة، وكان التجار العرب يحتلون مكانة هامة، وكان معظمهم من المسلمين مما أدى إلى انتشار الإسلام وتطوره في الصين. في عهدة أسرة "سونغ" لم يزدد عدد المسلمين الصينيين فحسب، بل شكلوا قوة لا يستهان بها، تركت آثارها وسجلت مآثرها في مجالات السياسة والثقافة والاقتصاد). [المسلمون الصينيون ـ أسئلة وأجوبة ـ (ص: 2). دار النشر باللغات الأجنبية ـ بكين، سنة 1991م. راجع أيضاً كتاب حاضر العالم الإسلامي ـ لجميل المصري (ص: 565)].
أما الوفود العربية الإسلامية الرسمية التي بعثها حكام المسلمين، إلى ملوك الصين في عهد هذه الأسرة، فقد بلغ عددها (49) تسعة وأربعين وفداً. [الإسلام في الصين (ص: 52). فهمي هويدي].
ثناء أسرة سونغ على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى دينه:
ومما يدل على احترام حكام هذه الأسرة للإسلام والمسلمين، أمر الإمبراطور الصيني ببناء الجامع الأعظم في العاصمة القديمة "تشانغ آن" ويطلق عليها الآن: "شيئان" والثناء الذي سجله على الحجر التذكاري لبناء الجامع، مراقبُ البلاط الملكي على الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال الشيخ محمد مكين، رحمه الله: (نُصِبَ سنة 742م في الجامع الأعظم الذي بني بأمر الملك في "سيانفو Sianfu". [غالب الكتاب الصينيون يكتبون اسم هذه المدينة بالحروف العربية هكذا "تشانغ آن" وهو يخالف ما كتب هنا]. عاصمة الصين القديمة، نُصُبٌ تذكاري حجري، حُفِرَ عليه مذكرة لمراقب البلاط الملكي "وانغ هونغ Wang Hung " جاء فيها: (إن حكيم العرب [محمد صلى الله عليه وسلم]. ولد بعد حكيم الصين "كونفوشيوس" ونشأ في جزيرة العرب، فكانت الفترة بينهما طويلة، والمسافة بين القطرين بعيدة، فما اتفقت سنتاهما مع اختلاف لغتيهما إلا لأن قلبيهما متحد، فاتحدت سنتاهما، وقد مضى الحكيم [قصده أن الرسول صلى الله عليه وسلم مات]. ولكن آثاره مازالت باقية علمنا منها أنه ولد عبقرياً يعلم أسرار السماوات والأرض، وأخبار الدنيا والآخرة، وعلَّم أتباعه أن يطهروا أبدانهم بالوضوء والغسل، ويربوا أرواحهم بكسر الشهوات، ويروضوا نفوسهم بالصيام، ويجتهدوا في الخير، ويبتعدوا عن المنكر، ويعاملوا الناس بصدق النية والوفاء، ويتعاونوا على عقد الزواج وتشييع الجنازة، وبالجملة ما من أصل من أصول المجتمع الإنساني إلا وقد أثبته، وما من قاعدة من قواعد الصحة والأخلاق إلا وقد شيدها). [نظرة جامعة إلى تاريخ الإسلام في الصين (ص: 21)].
تعقيب:
هكذا قاس ملك الصين محمداً صلى الله عليه وسلم، على كونفوشيوس الذي لا يوجد عندهم من يجلونه مثله، ولا يعلمون من أتاهم بمبادئ العدل والرحمة وحب الخير مثله، وهو قياس مع الفارق البعيد بين الرجلين، فمحمد صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله، وكل ما جاء به من تشريع فهو من عند الله، بخلاف كونفوشيوس الذي لم يدع النبوة هو لنفسه، ولم يكن يدع الناس إلى الإيمان بوجود خالق ولا باليوم الآخر، بل كان ينصح أتباعه بعدم الخوض في ذلك، ولكنه هو المثل الأعلى عند الصينيين الذين اتبعوه، فلا غرو أن يجعلوه مقياس دعاة الخير، وبخاصة عندما يرون شيئاً من توافق دعوة الرجلين ـ في الجملة ـ إلى الأخلاق الفاضلة والرحمة والعدل.
وقال جميل المصري عن حالة المسلمين في عهد أسرة "سونغ": (في عهد هذه الأسرة بلغت قوة المسلمين ونفوذهم حداً جعل حكام تلك الأسرة يقرون المسلمين على من يختارون من ولاة المسلمين عليهم، وأصبحت لهم حقوق وامتيازات خاصة، فتولوا المناصب التي تتطلب أمانة كبيرة، ومن ذلك أنه عندما اسْتُحْدِثَ منصبُ مدير عام الملاحة في مدينة "كانتون" كان هذا المنصب قاصراً على المسلمين وحدهم، ولكنهم بقوا في عزلة عن الصينيين، شيدوا لهم أحياء خاصة في كل مدينة كبيرة وميناء بحري، وأسست لهم مساجد ومدارس خاصة.
وأدى نشاط المسلمين التجاري إلى إنعاش الاقتصاد الصيني، فتمتعت جاليات المسلمين بتأثير كبير في المجتمع الصيني، وازدهرت "كانتون" و"تشوان شو" كمنطقتين إسلاميتين، ومن أشهر الآثار الإسلامية مسجد "ذكرى النبي" صلى الله عليه وسلم في "كانتون". [حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة (ص: 565) ,سيأتي الكلام على المساجد في مكانه].
المسلمون في عهد أسرة (يوان Yuan):(1280 ـ 1368):
سبق التنبيه على اختلاف الكُتَّاب في بداية تاريخ الأسر الحاكمة ونهايتها، وهو يحتاج إلى مراجعة وتحقيق. [راجع الكتب الآتية: موجز أحوال الصين (ص: 42)، الصين (ص: 13)، تاريخ المسلمين في الصين (ص: 26)، نظرة عامة إلى تاريخ الإسلام في الصين (ص: 45 ـ 46)، حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة (ص: 565)، المساجد في الصين (ص: 23) لمحمود يوسف لي هواين، وقد أشار إلى اختلاف التواريخ فيما يتعلق بالمساجد. الإسلام في الصين (ص: 58) لفهمي هويدي].
وقد أشار الشيخ محمد مكين إلى أحد أسباب الاختلاف في هذا الأمر في تاريخ وفد الخليفة عثمان رضي الله عنه. [نظرة جامعة إلى تاريخ الإسلام في الصين (ص: 8 ـ 9)، وكتاب المسلمون في الصين. . الملف الضائع (ص: 136) لجمال محمد العبد المنعم].
أطلق هذا اللقب (يوان) على إمبراطورية المغول التي أسسها "جنكيزخان" الذي اجتاحت جيوشه البلدان الإسلامية وغيرها من بلدان العالم، ومنها الصين. [امتدت الإمبراطورية المغولية من الصين إلى البحر الأدرياتيكي ونهر الفولغا وبولندا، راجع موسوعة المورد (4/ 202، 6/ 72)].
فقد كان هجوم المغول على بلاد المسلمين سبباً في هجرة كثير منهم من العرب والفرس وسائر القوميات إلى بلدان العالم، وكان للصين حظها من هذه الهجرة، إما هرباً من الغزو المغولي الذي عاث في الأرض فساداً وأهلك الحرث والنسل، وانتهك الحرمات واعتدى على الأعراض. [كما تفعل أمريكا الآن في البلدان الإسلامية، وبخاصة العراق وأفغانستان]. وإما انضماماً إلى صفوف الغزاة محاربين قهراً، مشاركة في وظائفهم السياسية والمالية والعسكرية، وبخاصة بعد أن دخل بعض قادة المغول أنفسهم في الإسلام واستعانوا بالمسلمين في غزوهم وتثبيت حكمهم.
فقد خاض المغول حرباً في الصين استمرت عشرين عاماً ضد إمبراطورية أسرة "سونغ" انهزمت في نهايتها هذه الأسرة وبدأ بعدها حكم أسرة: "يوان" التي شعرت ـ وهي أسرة أجنبية ـ بحاجتها إلى تقريب من تثق فيه من غير أهل البلد، فلم يكن أمامها إلا المسلمون الذين ـ إضافة إلى كونهم غرباء ـ كانوا مؤهلين لتولي شئون الدولة في كل المناصب السياسية والعسكرية والطبية والعلمية ـ كالطب والفلك وغيرهما ـ فمكنتهم من تسنم مناصب لم يكونوا نالوها قبل هذا العهد.
لذلك امتاز عهد هذه الأسرة بكثرة المسلمين الوافدين ـ إبان الفتح المغولي وبعده ـ إلى الصين وانتشارهم في كل أرجاء البلد، وعزمهم على الاستيطان في الصين، وعدم التفكير في العودة إلى أوطانهم، كما كان يفعل ذلك بعض إخوانهم الذين سبقوهم من التجار والوفود الرسمية، وكانت كثرتهم وانتشارهم في الأقاليم سبباً في دخول كثير من المغول ومن الصينيين في الإسلام، لما رأوا فيهم من القدوة الحسنة والتفوق في العلم والإدارة وغيرهما، مع التحلي بالأمانة والعدل والإتقان.
قال الكاتب الصيني إبراهيم فنغ جين يوان: (لم يعد الإسلام في عهد أسرة "يوان Yuan" غريباً لدى الصينيين، كما كان في عهد أسرتي "تانغ" و"سونغ" وقد أصبح موضع اهتمام لدى الحكام المنغول... من ذلك أن علماء الإسلام كانوا يتمتعون بالحماية القانونية ويعفون من الضرائب وأعمال السخرة... وكان للإسلام تأثيرات وسط الحكام المنغول، ومن ذلك أن الأمير "آنندا"... كان مسلماً مخلصاً، يقرأ الذكر الحكيم، ويتدرب على الخط العربي في المسجد طول اليوم، ويأمر بختن الأطفال المنغول، وينشر الإسلام وسط العسكريين، وبفضل جهوده أسلم (150 ألفاً) من الضباط والجنود... وعلى الرغم من أن المسلمين المقيمين في الصين في عهد أسرة "يوان" كانوا من العرب والفرس وأبناء القوميات في آسيا الوسطى على وجه العموم، إلا أن عدد أبناء المنغول وأبناء تانغوو وهان الذين اهتدوا بالإسلام، لم يكن بالقليل في ذلك العهد.
ويفيدنا "تاريخ الفاتحين في العالم" أن هناك عدداً من الوثنيين قد اعتنقوا الإسلام عن رضا ورغبة، إلى جانب عدد من الوثنيين أسلموا بعد أن أصبحوا عبيداً للمسلمين، وعدد من أبناء الوثنيين تحولوا إلى مسلمين، بعد أن شبوا وترعرعوا في حظيرة الإسلام، ولا تفوتنا الإشارة إلى أن معظم الوثنيين وأولادهم المذكورين آنفاً هم من أبناء "هان"... [وهذه هي القومية الغالبة في الصين، وهي التي تحكم البلاد في حقيقة الأمر اليوم].
ووفقاً لما سبق ذكره يجوز لنا القول بأن عدد مسلمي الصين في عهد أسرة "يوان" قد ازداد أضعافاً مضاعفة، وأن الإسلام قد دخل مرحلة متصاعدة في الصين، فقد تدفق المزيد من المسلمين إليها دون أن يكون لذلك أي علاقة بالفتوحات العسكرية).. [الإسلام في الصين (ص: 18 ـ 21) ـ دار النشر باللغات الأجنبية ـ بكين، الطبعة الأولى 1991م. وراجع كتاب: المسلمون في الصين (ص: 3)، إعداد شيو يوان، الطبعة الأولى سنة 1991م ـ دار النشر باللغات الأجنبية ـ بكين].
مظاهر مكانة المسلمين في عهد أسرة ( يوان):
حظي المسلمون في عهد هذه الأسرة بمكانة لم يسبق لهم أن تمتعوا بمثلها في ظل الأسر السابقة، حيث تولوا مناصب عالية في الدولة، وتمكنوا من المشاركة في بناء البلاد وتقدمها في شتى مجالات الحياة، ومن مظاهر مكانتهم وإسهامهم في تطوير البلاد الأمور الآتية:
المظهر الأول: تولي مناصب الدواوين في الدولة.
لقد تولى كثير من المسلمين مناصب الدواوين في العاصمة "بكين" التي بناها الإمبراطور "قوبلاي" ـ بعد ما دمرتها جيوش جده "جنكيزخان" ـ واتخذها عاصمة له، وتولوا تلك المناصب في غيرها من عواصم الأقاليم.
المظهر الثاني: تولي عدد منهم مناصب عليا في الدولة.
لقد تولى عدد من المسلمين منصب المساعد الأول والمساعد الثاني لرئيس الوزراء، كما تولى عدد منهم منصب المستشار السياسي، بل إن "قوبلاي" عين في حكومته وزيراً مسلماً يسمى "أحمد البناكتي".. [الإسلام في الصين (ص: 64) لفهمي هويدي]. بل وصل كثير منهم إلى مناصب حكام الولايات، وكان غالب حكام الولايات في بعض الفترات من المسلمين.
فقد كانت الصين كلها في عهد "قوبلاي" مقسمة إلى اثنتي عشرة ولاية، وكان حكام ثمان منها من المسلمين، كما كان وكلاء حكام الولايات في غالب الأحيان منهم.
كما شغلوا مناصب كتاب في كل الإدارات الحكومية.
المظهر الثالث: أن كثيراً منهم شغلوا مناصب عسكرية عليا.
فكانوا ضباطاً في الجيش، وعين بعضهم حاكماً عسكرياً على بعض المدن المهمة.
المظهر الرابع: إسهامهم في كثير من العلوم والإدارات.
فقد أسهموا إسهاماً عظيماً في كثير من العلوم، وتولوا مناصب إدارية رفيعة فيها، كعلوم الطب والفلك، فقد كانت مؤسسات الهيئة الفلكية والمستشفيات والمدفعيات تحت إشراف أخصائيين مسلمين وإدارتهم.
المظهر الخامس: مشاركتهم في الأعمال المتصلة بحياة الشعب.
فقد شاركوا في الأعمال المتصلة بحياة عامة الشعب، كالزراعة ونحوها من المهن المفيدة، فقد كان كثير منهم مهرة في تلك الأعمال التي كانت سبباً في الاختلاط بالدولة والشعب معاً.
المظهر السادس: تعليم أهل البلد الأدب والأخلاق والنظام.
وهذا المظهر هو أهم المظاهر، لما فيه من إصلاح حياة الشعب الاجتماعية، فقد كان سكان بعض الولايات [وهي يونَّان] (كما ذكر في تاريخ "يوان" في حالة بربرية، لا يعرفون الآداب والأخلاق، ولم يكن عندهم نظام للتعليم والتهذيب، فكان رجال الولاية ونساؤها يختلطون اختلاطاً حراً إباحياً ويحرقون موتاهم، وكانت القراءة والكتابة معدومتين عندهم، فالسيد الأجل. [سيأتي التعريف به في مكانه]. هو الذي أدخل الإصلاحات في الحياة الاجتماعية وعاداتها وعلم الأهالي الآداب والأخلاق والسلوك، ووضع الترتيبات للزواج بواسطة الوسيط بين الطرفين، ثم وضع نظاماً يقضي باستعمال التابوت في دفن الموتى. [السنة أن يدفن الميت في قبره بدون تابوت، ولعل السيد الأجل رغبهم في ذلك سداً لذريعة حرق موتاهم]..
وبعد هذا وذاك.. فقد وضع مشروعاً للري، وعلم الأهالي الحرث والزراعة....
ومن هذه الشواهد؛ وخصوصاً وجود المسلمين في المراكز العليا في حكومة الإمبراطورية المغولية في الصين، يسهل على الإنسان أن يفهم كيف وصل المسلمون إلى تلك الرتبة العالية، وكيف انتشر نفوذهم في أنحاء بلاد الصين في العصر المغولي. [راجع لهذه الفقرات كلها كتاب تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر (ص: 26 ـ 32) لبدر الدين الصيني].
أسباب انتشار الإسلام في الصين:
هذا فيما يتعلق بانتشار الإسلام في عهد أسرة "يوان" خاصة، وسبق الكلام على أسباب انتشار الإسلام في الصين بصفة عامة. [راجع كتاب الإسلام في الصين (ص: 58) لفهمي هويدي].
وقد لفت انتشار الإسلام وحصول المسلمين على تلك المكانة في عهد أسرة "يوان" نظر الكتاب والمؤرخين الذين أخذوا يبحثون عن السبب في ذلك، فتلخصت تحليلاتهم في ثلاثة أسباب:
السبب الأول: التوسع في المصالح التجارية بين الصين والبلدان الإسلامية ومنها البلاد العربية، فقد كان هذا التوسع سبباً في نمو العلاقات بين الجانبين.
السبب الثاني: أن المغول كانوا في الأساس بدون دين، بخلاف الأسر الصينية التي حكمت الصين قبلهم التي كانت تدين بالبوذية، فأرادوا ـ وهم أجانب عن الصين ـ إحداث توازن يمكنهم من البقاء في الحكم، وإضعاف قوة خصومهم الصينيين، فتساهلوا مع حملة الأديان الأخرى وبخاصة الإسلام، وفتحوا الأبواب لدخول المسلمين إلى الصين، وكان من ضمنهم الأتراك المعروفون بالشجاعة والجلاد في المعارك، ومنحوهم الحرية الدينية ومكنوهم في تلك المناصب. [والساسة يعرفون ما للدين من سيطرة على النفوس، ولذا تراهم عندما يحتاجون إلى الاستعانة بالدين يفتحون لأهله الأبواب حتى يقضوا به لباناتهم، فإذا استغنوا عنه أو توهموا أنه يهدد مصالحهم حاربوه وضيقوا على أهله الخناق، وهذا ما فعله النصارى مع المجاهدين الأفغان وغيرهم من شباب الإسلام الذين هزموا بجهادهم في سنوات معدودة الاتحاد السوفييتي الذي لم تستطع دول الغرب هزيمته خلال نصف قرن من الزمان، فلما تحقق لهم هدفهم أخذوا يطاردون المجاهدين العرب وغيرهم في كل مكان، وكان لذلك آثاره الخطيرة التي أدخلت العالم في فوضى واضطرابات لا يُدرى عن نهايتها، بعد حادث 11 سبتمبر والحملة الأمريكية الظالمة على الإسلام والمسلمين في كل مكان.!].
السبب الثالث: مركب من السببين المذكورين: التوسع التجاري والاقتصادي، وحاجة المغول إلى الاستعانة بالمسلمين أمام الصينيين وبوذيتهم.
حقد ووشاية ومعاملة ظالمة!
إنه برغم ما ناله المسلمون من حرية في دينهم ومكانة في حياتهم الاجتماعية والسياسية في عهد أسرة "يوان" فقد كدر صفو تلك الحرية وتلك المكانة موقف الإمبراطور المغولي "قوبلاي" الذي صدَّق وشاية ابن أخيه "أباقا" الذي أوغرت صدره زوجه النصرانية على المسلمين، فحرض عمه ضدهم وخوفه منهم، (فجردهم ـ قوبلاي ـ من حقوقهم وامتيازاتهم القديمة حتى في شئون أحوالهم الشخصية، وأجبرهم على أتباع أحكام (الياسا) التي وضعها جنكيزخان، بعد أن كان للمسلمين قضاة يتولون شئونهم، وأمر قوبلاي بإنزال الأئمة من المنابر، وأكره المسلمين على أكل اللحوم المخنوقة على طريقة المغول.
غير أن قوبلاي اكتشف بعد سبع سنوات من ممارسته لهذا الاضطهاد، أن المسلمين خرجوا تباعاً من الصين إلى جزائر الهند الشرقية، وامتنعوا عن التجارة مع الصين، وتوجهت مراكبهم إلى العراق ومصر، الأمر الذي أدى إلى نقص واضح في واردات حكومته، وهو ما اضطره إلى التراجع عن قراراته واحداً تلو الآخر..). [الإسلام في الصين (ص: 62) لفهمي هويدي].
وفي التاريخ عبر!
وإننا نأخذ من هذه القصة أربعاً من العبر:
العبرة الأولى: استمرار عداوة أهل الكتاب للمسلمين في كل زمان ومكان، وما كان سبب وشاية "أباقا" بالمسلمين إلا تحريض زوجه النصرانية له ضدهم.
العبرة الثانية: ما يتسبب فيه الوشاة الحاقدون من ظلم لأهل الخير، وبخاصة المسلمين، وهذه الوشايات تتكرر في جميع الأزمان.
العبرة الثالثة: سرعة تصديق طغاة الحكم للوشاة المحيطين بهم، واتخاذهم مواقف ظالمة ضد الموشَى بهم، بدون تثبت ولا تمحيص، وهو سلوك نهى الله عنه في كتابه نهياً صريحاً، فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. [الحجرات: 6].
وهذا ما نشاهده اليوم في كثير من بلدان المسلمين، فما بالك بغيرهم؟!
العبرة الرابعة: أن الموشَى به المعتَدَى عليه المظلوم، يجب أن يعمل ما في وسعه لإجبار عدوه على التراجع عن ظلمه والاعتراف بحقه، فالمسلمون الذين اعتدى عليهم "قوبلاي" بسبب وشاية "أباقا" قاطعوا عدوهم الظالم تجارياً واقتصادياً، فكان لمقاطعتهم أثرُها في معرفته قدرَهم واكتشافه لِكَذِبِ الواشي بهم المحرضِ عليهم، فأعاد لهم منزلتهم وعاملهم المعاملة الكريمة التي يستحقونها.
أما إذا خضع المظلوم لعدوه الظالم، وكافأه على ظلمه بتقويته سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وصناعياً وتجارياً، فإنه بسبب معاملته له في كل تلك المجالات معاملة تُفيض على عدوه من الثمار والأرباح مما يجعله يزداد قوة وسطوةً عليه وقهرًا له، فذاك ليس من شأن العقلاء وأباة الضيم، وإنما هو من شأن المعتوهين المستعبدين، فهل من مُعْتَبِر؟!
المسلمون في عهد أسرة: (مينغ) (1368 ـ 1644):
كانت أسرة "يوان" ـ على خلاف الأسر الصينية الحاكمة قبلها ـ قد فتحت الباب لتوسيع العلاقات التجارية والاقتصادية والدبلوماسية مع الدول الأجنبية الإسلامية وغير الإسلامية، لأنهم حكام أجانب يشعرون بالحاجة إلى ذلك الانفتاح، وكان المسلمون بسبب انفتاح تلك الأسرة وما نعموا به في عهدها من حرية، في تواصل مستمر مع إخوانهم المسلمين في خارج الصين، كما كانوا محافظين على تميزهم في أسمائهم ولباسهم وعاداتهم، وكان الصينيون ينظرون إلى ذلك التميز نظرة استنكار وسخرية، لأنهم رأوا أموراً غير مألوفة عندهم، إضافة إلى حقدهم على المسلمين الذين كانوا يسيطرون على مراكز عالية في الدولة، وهم أجانب.
فلما سقطت دولة أسرة "يوان" واستولت على الحكم أسرة "مينغ" وهي أسرة صينية الأصل، والصينيون معروفون بالميل إلى العزلة، انحسرت العلاقات الصينية بالخارج. [هذا المعنى نقله الصحفي المسلم فهمي هويدي في كتابه: الإسلام في الصين (ص: 81) عن المؤرخ الصيني المسلم / عبد الرحمن ناجونج، وهو يتعارض مع ما ذكره الصيني المسلم /بدر الدين في كتابه: العلاقات بين العرب والصين (ص: 209) حيث قال: (ونظرة خاطفة إلى الأمور الخارجية لهذا العهد تكشف لنا أن علاقات أسرة (منغ) بالدول الإسلامية قد اتسعت إلى أكبر حد لم يبلغه أي عصر من العصور السابقة، لأن دائرة علاقات (تنغ) و(سونغ) كانت منحصرة في الخلفاء بدمشق وبغداد، وفي أمراء العرب بما وراء النهر وخراسان، كما كانت علاقات (يوان) منحصرة في ملوك المغول بإيران وأواسط آسيا، وأما علاقات (منغ)... فكانت تتصل بمصر وعدة إمارات بشرق أفريقيا، فضلاً عن الرابطة التي قامت بينها وبين الممالك الإسلامية السابقة الذكر...!].
فكان ذلك سبباً في انقطاع صلة المسلمين في الصين بإخوانهم في البلدان الإسلامية، وخافوا من أن يجور عليهم الصينيون في هذا العهد المتغير، فأخذوا يغيرون كثيراً من مظاهر حياتهم التي كانوا يتميزون بها، رغبة في البقاء في الصين بصفة دائمة، فلبسوا اللباس الصيني، كما تسموا بأسماء صينية أو غيروا أسماءهم الإسلامية بالاختصار والحذف.. [إذ أصبح اسم مسعود ومحمد ومحمود (ما)، وأصبح حامد وحسن وحسين (حا)]. كما وثقوا صلتهم بالصينيين بالزواج والمصاهرة، وتعلم كثير منهم اللغة الصينية، "وأصبحوا صينيين تماماً في مظاهر الحياة وعاداتها بالاستثناء في العقيدة والعبادات الدينية".
عدم الصدام بين المسلمين وأسرة مينغ وأسباب ذلك:
كان يتوقع أن يحصل بين أسرة "مينغ" والمسلمين صدام، ولكن العلاقة بينهما كانت معتدلة،لم يحصل بينها وبينهم ما كان يخشى من صدام، ويرجع ذلك إلى خمسة أسباب:
السبب الأول: ما فعله المسلمون من الاندماج في الشعب الصيني بترك كثير من العادات التي كانوا يتميزون بها في عهد أسرة "يوان" فقد خفف ذلك من نفور الصينيين منهم.
السبب الثاني: السمعة الحسنة التي اكتسبها المسلمون في المدة السابقة.
السبب الثالث: ما كان يتمتع به المسلمون من خبرة في مجالات متنوعة، كما سبق، لحاجة الحكام الصينيين إلى الاستفادة منها.
السبب الرابع: وجود صلات طيبة بين أسرة "مينغ" وحكام البلاد الإسلامية في آسيا الوسطى، ومنهم آل تيمور في سمرقند، وكذلك بعض الإمارات الإسلامية المستقلة في سواحل الهند الممتدة إلى الخليج العربي، فقد كان لتلك الصلات أثرها الطيب في معاملة المسلمين في الصين.
السبب الخامس: وجود بعض الموظفين الكبار من المسلمين في مراتب عليا في الدولة كان لهم فضل في بناء الدولة وعظمة الأسرة. [تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر (ص: 33 ـ 36) لبدر الدين حيّ].
مظاهر علاقة المسلمين الطيبة بأسرة مينغ:
ومما يدل على طيب علاقة المسلمين بأسرة "مينغ" ثلاثة مظاهر:
المظهر الأول: اعتماد حكام هذه الأسرة على بعض كبار المسلمين في وظائف عليا مهمة في الداخل والخارج، ومن الأمثلة على الوظائف العليا في الداخل القائد المسلم "تشانج يو تشانج Chang Yu Chung " الذي كلفه الإمبراطور عمليات عسكرية مهمة، ورقاه من رتبة إلى أخرى حتى وصل إلى رتبة المستشار السياسي له.
وعندما توفي هذا القائد المسلم حزن الإمبراطور حزناً شديداً على وفاته، وتولى بنفسه ترتيب تشييع جنازته.
كما أبقى الإمبراطور علماء الفلك من المسلمين في عهد هذه الأسرة في تولي إدارة علوم الفلك بشعبها المتنوعة.
ومن الأمثلة على الوظائف العليا التي كانت لها أثر عظيم في خارج الصين الحاج "جهان ـ جنهو Jenhu ـ Ho " الذي يعده الصينيون أكبر بحار ظهر في الصين وأثبت تأثيره في تاريخها المديد، فقد خاض غمار البحار سبع مرات بقوات عسكرية، وصل فيها إلى جزائر جاوة وشبه جزيرة ملايا وما حولها من الجزر، كما وصل إلى جزيرة سيلان وسواحل الهند وشرق أفريقيا وعدن وزار مكة المكرمة، وكان الهدف من تلك الرحلات البحرية تقوية الصلة بين الإمبراطورية الصينية وتلك البلدان، وإظهار قوة الصين لحكامها.. [تاريخ الصين (ص: 37 ـ 39)، وكتاب العلاقات بين العرب والصين (ص: 231)].
المظهر الثاني: ما كان يظهره بعض أباطرة هذه الأسرة من احترام للمسلمين ومشاعرهم ومساجدهم، ومن ذلك استجابة الإمبراطور "منج تاي تسو Ming To Tou" لطلب القائد العسكري "تشانج يو تشانج Chang Yu Chung" بأن ينظم قصيدة ثناء على الإسلام لتنقش على لوح حجري نصب في الجامع الكبير الذي بني سنة 1467م في مدينة "نانكين" [مدينة "نانكين Nankeen" عاصمة مقاطعة (كيانغسو Kiangsu) في الجزء الشرقي من الصين، أسست عام 1368م]. ففعل الإمبراطور ذلك وأثنى على الإسلام ثناء بالغاً، وسميت قصيدته بـقصيدة (المدح بمائة كلمة).
ونص ترجمة تلك القصيدة: (وُلِد في جزيرة العرب النبي الأعظم الذي كتب اسمه في اللوح المحفوظ، وتلقى من الملك العلي كتاباً منقسماً إلى ثلاثين جزءً، وبعث رحمة للعالمين، فكان ملكاً مربياً للخلق كافة، وسيداً كريماً للرسل والأنبياء أجمعين، وكاشفاً للفيض الأقدس، حامياً للرعية، يصلي كل يوم خمس مرات، داعياً للعالم بالأمن والسلام، ويخاف من الملك الحق، ويشفق على الفقراء والمساكين، ويعين على الشدائد، ويعلم أسرار الدنيا والآخرة، ويشفع للأرواح وينقذها من النار، فقد غمر العالمين بفضله، وبهر المتقدمين والمتأخرين بسنته، وجمع الأديان فهذبها حتى صار ديناً ظاهراً حقاً، وإن محمداً لأفضل الأنبياء). [نظرة عامة إلى تاريخ الإسلام في الصين.. (ص: 22) للشيخ محمد مكين. ولا بد أن يكون قد تعلم معاني هذه العبارات ونحوها من المعاني المتعلقة بالرسول صلى الله عليه وسلم من المسلمين مشافهة أو قرأها فيما كُتِب عنهما بلغته].
المظهر الثالث: أن العلاقات الطيبة التي قامت بين أسرة "مينغ" وأمراء المسلمين الذين كانوا يحكمون الدول الواقعة غرب الصين، كانت سبباً في استمرار السفارات المتبادلة بين ملوك الصين وأولئك الأمراء إلى حد أن أحد أمراء المسلمين وهو ـ شاه رخ ـ أمير هرات بعث برسالة طويلة إلى ملك الصين سنة 1412م يشرح له فيها محاسن الإسلام ويدعوه إليه، ولم يرد ملك الصين على تلك الرسالة رد الساخط المتكبر، وإنما استمرت السفارات بينهما وتبادل الهدايا.
نص الرسالة العربية:
بعث الأمير (شاه رخ) برسالتين إلى ملك الصين يدعوه فيهما إلى الإسلام: إحداهما باللغة العربية، والأخرى باللغة الفارسية، ونصهما منقول في كتاب العلاقات بين العرب والصين. [(ص: 216 ـ 221) وراجع كتاب الإسلام في الصين (ص 83 ـ 86) لفهمي هويدي].
نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال رسول الله محمد (: (لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يُنْصَرُ من خذلهم ولا يطاعُ من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).
لما أراد الله تعالى أن يخلق آدم وذريته قال: كنت كنزاً مَخْفِيًّا فأحببتُ أن أُعرَف، فخلقت الخلقَ لأُعرَف.
فَعُلِمَ أن حكمته جلت قدرته وعلَت كلمتُه من خَلْق نوع الإنسان إيثار العرفان إعلاء أعلام الهدى والإيمان، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولوكره المشركون، ليُعَلِّمَ الشرائع والأحكام وسننَ الحلال والحرام، وأعطاه القرآن المجيد معجزة، ليفحم به المنكرين ويقطع لسانهم عند المنازعة والخصام، وأبقى بعنايته الكاملة وهدايته الشاملة آثاره إلى يوم القيامة، ونَصَبَ بقدرته في كل حين وزمان وفرصة وأوان، في أقطار العالمين من الشرق والغرب والصين ذا قدرة وإمكان وصاحب جنود مجندة وسلطان، ليروج أسواق العدل والإحسان، ويبسط على رءوس الخلائق أجنحة الأمن والأمان، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر والطغيان، ويرفع بينهم أعلام الشريعة الغراء، وأزاح من بينهم الشرك والكفر بالتوحيد في (الملة) الزهراء، فوفقنا الله تعالى بسوابق لطفه ولواحق فضله، أن نسعى في إقامة قوانين الشريعة الطاهرة، وإدامة قواعد الطريقة الزاهرة، وأمرنا بحمد الله أن نفصل بين الخلائق والرعايا في الوقائع والقضايا بالشريعة النبوية والأحكام المصطفوية، ونبني في كل ناحيةٍ المساجدَ والمدارسَ، ونعمر الخوانق والصوامع والمعابد، لئلا يَنْدَرِس أعلامُ العلوم ومعالمُها، وينطمس آثار الشريعة ومراسمُها، ولأن بقاء الدنيا الدنيَّة وسلطنتها واستدامة آثار الحكومة وإيالتها بإعانة الحق والصواب، وإماطة أذى الشرك والكفر عن وجه الأرض، لتوقع الخير والثواب، فالمرجو المأمول من الجانب العالي وأركان دولته أن يوافقونا في المذكورة، ويشاركونا في تشييد قواعد الشريعة المعمورة، ويرسلوا الرسل والقاصدين، ويفتحوا المسالك للسائرين والتاجرين، ليتأكد أسباب المحبة والوداد، ويتعاضد وسائل المودة والاتحاد، ويستريح طوائف البرايا في أطراف البلاد، وينتظم أسباب المعاش بين صنوف العباد والعباد.
والسلام على من اتبع الهدى، والله رؤوف بالعباد.
تعقيب:
هكذا يكون خلفاء المسلمين عندما يشعرون بالاعتزاز بالله وبدينه، ويقتدون برسول الله صلى الله عليه وسلم ويتبعون تنزيله، يبعثون إلى زعماء الأمم غير المسلمين رسلهم برسائلهم، يشرحون لهم دين الله ويبينون لهم محاسنه، ويدعونهم إلى الدخول فيه بلا خوف ولا خجل واضعين أمامهم قول الحق عز وجل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ}. [فصلت: 33].
وهذا بخلاف من لم يرفع بهذا الدين رأساً، ولم يذق طعم الاعتزاز بالله وبدينه، ممن تولى أمر الأمة، فإنه قد يؤدي بعض شعائر الإسلام في نفسه، ولكنه لا يجرؤ على دعوة أنداده من رؤوس الكفر، بل يتواري خجلاً أن يدعو إلى الله ويقول إنني من المسلمين، وإذا لم يدع قادةَ الأمم غير المسلمة قادةُ الأمة الإسلامية فمن يدعوهم، وعلى من يقع وزر عدم تبليغهم هذا الدين؟!.
وبهذا نعلم أن المسلمين في الصين كانوا على حالتين من أول ما وطئت أقدامهم الصين إلى آخر عهد أسرة (مينغ).
الحالة الأولى: كانت الصلة فيها بين المسلمين والصينيين صلة معاملة تجارية وسفارات دبلوماسية، وكان المسلمون محصورين ـ غالباً ـ في أماكن معينة في الصين، وهي المواني التجارية بالنسبة للتجار، والمدن الصغيرة الملحقة ببعض المدن الصينية، ومنها العاصمة، وقد خصصت للوفود الدبلوماسية والكتائب العسكرية التي جاءت إلى الصين لنجدة بعض ملوكها بطلب منهم كما مضى، وكان الصينيون يُكرمونهم ويعاملونهم معاملة حسنة، وكانت التجارة والحاجة إلى نجدة المسلمين هما اللتين تدفعان الصينيين إلى تلك المعاملة في الجملة، وهذه الحالة تشمل عَهْدَيْ لأسرتين: (تانغ) و(سونغ).
الحالة الثانية: كانت صلة اختلاط وانتشار وعمل، وتشمل عَهْدَيْ الأسرتين (يوان) و(مينغ) إلا أن مكانة المسلمين في عهد أسرة: (يوان) وصلت إلى ذروتها من الاحترام والتوقير والتمكين من المناصب الحكومية، وأن فترة حكم هذه الأسرة كانت هي الفترة التي تمكن المسلمون فيها من الانتشار والنفوذ والتكاثر.
ومع الحالتين المذكورتين لم تنقطع الصلات التجارية، ولا السفارات الرسمية بين المسلمين والصين.
وقد لخص الدكتور جميل المصري مسيرة المسلمين في عهد الأسر الأربع السابقة، فقال: (وقد شق الإسلام طريقه خلال ألف عام ببطء شديد بين الصينيين وبقوة، مراعياً صفات الصينيين الذين يتصفون بالبطء والدقة والمحافظة على القديم، وقد أحبوا الإسلام وأحبوا المسلمين فلمسوا فيه الفطرة، فقد اشتهر المسلمون بالتجارة والكد والنظافة والتعاون والأمانة، ولذلك كانوا مميزين عن الصينيين، وحالهم أجمل وأزين، وكثيراً ما كانوا يأخذون أولاد الفقراء من الوثنيين ويربونهم في حجر الإسلام،خصوصاً عند حصول المجاعات، وكانوا يجمعون الزكاة في صناديق لكل بلد ينفقون منها في شدائدهم ويشدون بها عوز محاويجهم، فتجد المعدمين منهم قليلين، وعندهم الحنان والرأفة، وبسبب تجافيهم الأفيون وأنواع المسكرات كانت أجسامهم أحسن من أجسام غيرهم ـ فكانوا يفوقون الصينيين صورة ومعنى ـ فلذلك كثر العساكر المسلمون، واعتمد عليهم الملوك كقادة وأمراء، وأكثروا من بناء المساجد، والمساجد في الصين على شكل معابد الأديان الصينية التي هي على شكل السرايا الملكية، ولم يُسمح بتقليده لأهلها إلا لاحترامها، فكانت حرمة المساجد في قلوب الصينيين لا تقل عن حرمة معابدهم، ولا توجد المآذن إلا في مساجد القرى التي لا يسكنها إلا المسلمون، والسبب أن الكونفوشيوسيين يعتقدون أن البناء الأعلى يُذِل الأبنية الوطيئة ويشقيها، ولذلك فإن منازلهم متساوية الارتفاع.. وفي عهد هذه الأسرة وصل البرتغاليون إلى الصين، سنة 920هـ / 1514م، وبانتهاء هذه الأسرة انتهى العصر الذهبي للمسلمين في الصين وأخذ دورهم يؤل إلى الانحدار. [حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة (567)].
المسلمون في عهد أسرة:(تسنغ) (1644 ـ 1911):
[تسنغ لقب يطلق على (المنشوريين)].
كان عهد هذه الأسرة الذي امتد (267سنة) أسوأ عهد مر به المسلمون في حياتهم من أول وقت وطئت فيه أقدامهم الصين إلى أول وقت تسلمت فيه الأسرة المنشورية "تسنغ" زمام الحكم في هذا البلد. [وسيأتي الكلام على حالة المسلمين في عهد (ماو تسي تونغ)].
وأصل هذه الأسرة من منطقة منشوريا، عرفت فترة حكمها باسم فترة حكم "مانشو Manch" وكانت منشوريا جزءً من الإمبراطورية الصينية منذ القرن الثالث قبل الميلاد. [وتقع منشوريا في الشمال الشرقي من الصين، يحدها من الشمال والشمال الغربي والشرق ما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي، وفي جنوبها الشرقي كوريا الشمالية، وفي غربها منغوليا الداخلية، وقد اختفى اسمها (منشوريا) منذ أعيد التقسيم الإداري للصين سنة 1961م، وأصبحت الآن تشمل مقاطعات: (لياوننغ Liaoning) و(كيرين Kirin) و(هيلونغ كيانغ Heilung kiang). راجع: موسوعة المورد (6/186) والقاموس السياسي (ص: 1231)].
وهي الآن إحدى المقاطعات الكبرى في الصين، وكان الصينيون يعتبرون المنشورين عندما حكموا بلادهم أجانب عنهم، وعندما استولوا على الصين اشتدوا في معاملتهم على كل من خالفهم، واضطهدوا كل من لا يتفق معهم، في آرائهم وتقاليدهم التي فرضوها على الناس فرضاً، وكان من آثار حكمهم تقويض المدنية الصينية التي بناها الصينيون منذ القرون الخوالي. [راجع كتاب: المسلمون في الصين ـ الملف الضائع (ص: 151). جمال محمد العبد المنعم].
والذي يهمنا من تاريخ هذه الأسرة الوحشية الهمجية موضوعان رئيسان:
الموضوع الأول: حالة المسلمين في عهدهم.
الموضوع الثاني: الأسباب التي أدت إلى تلك الحالة.
حالة المسلمين في عهد أسرة تسنغ:
سبق أن المسلمين توجسوا خيفة من أسرة: "مينغ" وغيروا كثيراً من عاداتهم ـ غير العقيدة والعبادة والواجبات والمحرمات الظاهرة في الإسلام، لتشتد روابطهم بالصينيين ويصبحوا كغيرهم من السكان، يألفون ويؤلفون، لا ينظر إليهم الصينيون نظرة عداء واشمئزاز، وكان لذلك أثره في بقاء احترامهم وعدم اضطهادهم، في عهد أسرة "مينغ".
مظاهر المظالم المنشورية التي حلت بالمسلمين:
فلما حكم المنشوريون ـ أسرة: "تسنغ" الصين ـ اختلفت الأحوال ودالت الدولة على المسلمين، فهجم عليهم المنشوريون هجمة شرسة، يمكن تلخيصها في المظاهر الآتية:
المظهر الأول: إعلان موظفي الدولة الكبار كراهية المسلمين.
فقد أعلنوا في المقاطعات الصينية الكراهية الشديدة للمسلين، لما عندهم من تمسك بإيمانهم الذي يمنعهم من تقليد الأسرة الحاكمة، في عبادة أرواح الأسلاف، وعبادة السماوات والأرض التي كانوا يعتقدونها، مع ما بقي عند المسلمين من شعائر عباداتهم التي يصعب على المسلم التخلي عنها،كالصلاة والصيام وارتياد المساجد، وكالمحافظة على التقويم الهجري ـ المخالف للتقويم الصيني ـ الذي تضبط به الأهلة لمعرفة دخول شهر رمضان الذي يجب صيامه من أول يوم فيه، ويسن قيام ليله، ودخول شهر شوال الذي يجب فطر أول يوم فيه، وتجب فيه إخراج صدقة الفطر، وتشرع فيه صلاة العيد والاحتفال به، كما يعرف بها ـ الأهلة ـ الأشهر الحرم وأشهر الحج وعيد النحر، والأيام البيض التي يسن صيامها، وكذا يوم عاشوراء...
وكذلك التزام المسلمين بترك بعض المحرمات الظاهرة، مثل لحم الخنزير وشرب الخمر، وكذلك قيام المسلمين ببعض ما أمرهم به دينهم من أحكام الجنائز، كغسل الموتى وتشييعهم ودفنهم...
كل هذه المظاهر التي بقي المسلمون متمسكين بها، أثارت حفيظة الموظفين وناصبوهم العداء من أجلها، وأخذوا يغرون بهم الملوك ويقدمون لهم التقارير ويحرضونهم على الفتك بالمسلمين وهدم مساجدهم، وإجبارهم على ترك دينهم، والدخول في دين الأسرة الحاكمة.
المظهر الثاني: حرمان المسلمين من الوظائف العليا.
فقد حرموا المسلمين ذوي الكفاءات المرموقة من الوظائف العليا التي كانوا يتمتعون بها في عهد أسرة "مينغ". [راجع كتاب: تاريخ المسلمين في الصين (ص: 45)].
المظهر الثالث: مصادرة أملاك المسلمين.
المظهر الرابع: إقامة المذابح الجماعية للمسلمين.
وبخاصة عندما كان المسلمون يدافعون عن أنفسهم وأهليهم، وبخاصة ولاية يونان كما شهد بذلك أحد الكتاب الفرنسيين، بأنهم قتلوا ستمائة عائلة من المسلمين، كما قتلوا من المسلمين مليون شخص في يوم واحد عنونه بعض الكتاب الصينيين بقوله: (قامت القيامة الكبرى).
وأغلق المنشوريون بعد انتصارهم على بعض زعمائهم إحدى مدنهم لمنعهم من الهروب، وكان عدد المسلمين خمسين ألفا، فقتلوا منهم ثلاثين ألفا، ومثَّل أعداء الله بالقتلى حتى ملئوا أربعاً وعشرين سلة بآذانهم ورؤوسهم. [تاريخ المسلمين في الصين (ص: 87) وما بعدها]. وفي بعض المناطق الشمالية قتلوا ثلاثة عشر ألفاً. [المسلمون في الصين ـ الملف الضائع (ص: 158)].
وإنه ليصعب حصر المسلمين الذين استشهدوا في المعارك التي لم تخب جذوتها في غالب عهد هذه الأسرة الظالمة، وإن قال بعض الكتاب: إنهم "خسروا فيها ربع عددهم". [حاضر العالم الإسلامي ومشكلاته المعاصرة (ص: 569)].
المظهر الخامس: سبي ذراري المسلمين ونسائهم. [تركستان الصينية (ص: 47) محمود شاكر].
المظهر السادس: اضطرارهم إلى أكل لحم الخنزير، لتحريمهم ذبح البقر على المسلمين.
المظهر السابع: منع المسلمين من أداء فريضة الحج.
المظهر الثامن: منع الطلبة المسلمين من السفر إلى البلدان الإسلامية لطلب العلم، حتى يقطعوا الصلة بينهم وبين إخوانهم المسلمين في خارج البلاد.
المظهر التاسع: مضايقة المسلمين في اقتصادهم وفي مصادر رزقهم، بمنعهم من بيع وشراء بعض السلع، وفرض الضرائب الباهظة عليهم في كل ما يملكون، من خيول وأبقار وجمال وغنم وطيور منزلية، وملح وطعام، وخشب ولمبات غاز وجلود وفحم وخضروات... [الإسلام في الصين (ص: 102)، فهمي هويدي].
المظهر العاشر: مطاردة علماء المسلمين الذين كانوا يقومون بتعليمهم دينهم ويؤلفون لهم الكتب الإسلامية أو يترجمونها، ليتفقهوا في دين الله، ومنعهم من نشاطهم في مساجدهم، بل المطالبة بحرق كتبهم. [الدعوة إلى الإسلام ـ أرنولد، (ص: 343) الطبعة الثانية ـ مكتبة النهضة المصرية].
فكان ذلك سبباً في جهل عامة المسلمين بحقائق الإسلام جهلا ً جعلهم يُدخلون فيه ما ليس منه من البدع والخرافات والعادات المخالفة له.
أسباب ظلم أسرة (تسنغ) للمسلمين وانتصارها عليهم:
ويمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى اضطهاد ملوك الأسرة المنشورية للمسلمين فيما يأتي:
السبب الأول: جهل كبار موظفيهم بالأديان والعقائد وثقافات الأمم الأخرى، وجهلهم بما يجب للرعايا من حقوق، وإن اختلفوا معهم في العقائد والعبادات والآراء.
السبب الثاني: صلة بعض قادة المسلمين بأسرة "مينغ" في أواخر حكمهم وقتالهم في صفهم ضد المنشوريين قبل أن يستولوا على البلاد كلها.
السبب الثالث: تمسك المسلمين بعقيدتهم وعبادتهم، وما بقي لهم من العمل ببعض الواجبات وترك بعض المحرمات.
السبب الرابع: تحريش كبار الموظفين وحكام المقاطعات الملوك، بالمسلمين وكتابة تقارير ظالمة عنهم، والإغراء باضطهادهم وكبت حرياتهم، وبخاصة الدعاة إلى الله منهم، كما هي عادة أعداء الحق في كل زمان. [راجع لهذه الأسباب تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر (ص: 46 ـ 50)].
ومن أمثلة ذلك النص الآتي الذي كتبه حاكم ولاية "خوانسيse Khwang " إلى الإمبراطور "كين لنج" سنة 1773م:
(إن لي عظيم الشرف أن أحيط جلالتكم علماً بأن مغامراً يدعى "هانفوين Han ـ Fo ـ Yun " من ولاية خوانشي، قبض عليه بتهمة التشرد، فلما سُئل عن عمله اعترف بأنه قضى عشر سنوات يطوف بشتى ولايات الإمبراطورية، كي يستطلع أحوال ديانته، وقد وجدنا في إحدى حقائبه ثلاثين كتاباً، كتب بعضها بنفسه، وكتب بعضها بلغة لا يفهمها أحد عندنا، [يبدو أنها العربية، ويجوز أن تكون الفارسية]. وتمجد هذه الكتب ملكاً من ملوك العرب يدعى محمداً صلى الله عليه وسلم. وفي أسلوب مسرف يدعو إلى السخرية، وحين قدمنا هذا الضال الذي ذكرناه من قبل للتعذيب، اعترف أخيراً بأن الغرض الحقيقي من رحلته أن يدعو لهذا الدين الزائف الذي يتعلمونه من هذه الكتب، كما اعترف بأنه قضى في ولاية "شنسي Si ـ Shen" مدة أطول مما قضاه في أية ولاية أخرى.
لقد اختبرت هذه الكتب بنفسي فوجدت بعضها مكتوباً بلغة أجنبية، ولهذا لم أستطع فهمها، أما بعضها الآخر الذي كتب باللغة الصينية فرديء جداً، ويمكن أن أضيف إلى ذلك أنها كانت أيضاً تبعث على السخرية، لما فيها من مغالاة في مدح أشخاص، من المؤكد أنهم ليسوا أهلاً لهذا المدح، لآني لم أسمع بهم حتى مجرد السماع. [وهل عدم سماع الجَهَلَة بأولى العزم من الرسل، أو العظماء من أتباعهم يحط من قدرهم؟!].
ربما كان "هانفويون" الذي تقدم ذكره أحد الثوار من "كانسو Kansu" ولا شك أن مسلكه يدعو إلى الريبة، إذ ما كان يريد أن يعمل في هذه الولاية التي طاف بها مدة السنوات العشر الأخيرة من حياته؟ وإني عازم على بحث هذه المسألة بحثاً جدياً.
وفي هذه الأثناء ألتمس من جلالتكم أن تأمروا بإحراق صحائف الطباعة التي في حوزة أسرتهم، وبالقبض على من حفروها، وبالقبض أيضاً على من ألفوا هذه الكتب التي أرسلتها إلى جلالتكم، رغبة في الوقوف على ما ترونه في هذا الأمر). [الدعوة إلى الإسلام (ص: 342 ـ 343) أرنولد].
ويبدو أن بعض ملوك هذه الأسرة كانوا في أول الأمر لم يستجيبوا لتحريض حكامهم الظلمة، بل أظهروا شيئاً من العطف على المسلمين، وأعلنوا ذلك في مراسيم، كما في المرسوم الذي نشره إمبراطور "ينج تشن Yung Chen" سنة 1731م وهذا نصه:
"في كل ولاية من ولايات الإمبراطورية، يوجد منذ قرون كثيرة مضت عدد كبير من المسلمين". [هذه شهادة من قمة الدولة بأمرين: الأمر الأول: انتشار المسلمين في كل الولايات الصينية، لقوله "في كل ولايات الإمبراطورية". الأمر الثاني: كثرة المسلمين، لقوله: "عدد كبير"].
يؤلفون جانباً من الشعب، أعتبرهم كأبنائي، وأنظر إليهم كما أنظر إلى بقية رعيتي تماماً، ولا أفرق بينهم وبين الذين لا يدينون بالإسلام.
وقد تسلمت من بعض الموظفين ظلامات سرية ضد المسلمين، سببها أن ديانتهم تختلف عن ديانة غيرهم من أهل الصين، وأنهم لا يتكلمون بلغة الصين، ويلبسون لباساً يختلف عما يلبسه سائر الأهالي، وهم متهمون بالعصيان والغطرسة والميول الثورية، وقد طلب مني أن أتخذ ضدهم تدابير صارمة، فلما بحثت هذه الظلامات والاتهامات لم أجد لها أساساً من الصحة.
والواقع أن الدين الذي اتبعه المسلمون إنما هو دين أجدادهم، والحق أن لغتهم ليست كلغة بقية الصينيين، ولكن ما أكثر اللغات في الصين.
أما فيما يتعلق بدور عبادتهم ولباسهم وطريقتهم في الكتابة، وكلها مختلفة عما عند غيرهم من أهل الصين، فهذه مسائل لا أهمية لها مطلقاً، وما هي إلا عادة من عادات المسلمين. إنهم يتحلون بالأخلاق الفاضلة، كغيرهم من الرعية، وليس هناك ما يدل على ميلهم إلى الثورة.
من أجل ذلك كانت رغبتي أن تطلق لهم الحرية في إقامة شعائر دينهم الذي يهدف إلى تعليم الناس التمسك بالحياة الفاضلة وتأدية واجباتهم الاجتماعية والمدنية.
إن هذا الدين يحترم النظم الأساسية للحكومة، فماذا نستطيع أن نطلب من هذا؟ فإذا ظل المسلمون بعد ذلك يتصفون بما يتصف به الرعايا الأخيار المخلصون، فسأبسط لهم رعايتي، بقدر ما أبسطها إلى أبنائي الآخرين.
لقد ظهر منهم مدنيون وعسكريون ارتقوا إلى أعلى المناصب، وهذا أقوى دليل على أنهم تطبعوا بطباعنا وتعودوا عاداتنا، وتعلموا كيف يلائمون بين أنفسهم وبين شرائع كتبنا المقدسة، إنهم يجتازون امتحاناتهم في الآداب كما يجتازها أي إنسان آخر، ويقومون بما يفرضه عليهم القانون من تضحية.
وقصارى القول: إنهم أعضاء خُلَّص في الأسرة الصينية العظيمة، وإنهم يَجِدُّون دائماً في أداء واجباتهم الدينية والمدنية والسياسية.
وحين ينظر القضاة قضية مدنية لا تعنيهم ديانة المتخاصمين، فليس هناك إلا قانون واحد لرعيتي، فمن عمل صالحاً كوفئ عليه، ومن عمل سيئاً حق عليه العقاب). [الدعوة إلى الإسلام (ص: 339 ـ 340)، راجع أيضاً كتاب تاريخ المسلمين في الصين (ص: 48) لبدر الدين].
ولكن هذا المرسوم الذي يظهر فيه عدل الملك وحكمته والدعوة إلى التسامح مع المسلمين، وتركهم أحراراً في إقامة دينهم ماداموا لم يخرجوا على نظام الدولة، كان نادراً في عامة الأسرة المنشورية، ويجوز أن يكون وجد في الأسرة من هو مثل هذا الملك، ولكن كثرة الوشاة ووشاياتهم وكثرة التقارير المحذرة والمحرضة من الولاة الظلمة، وتكرار ذلك له أثره في نفوس الملوك، ولهذا كانت البطانات الصالحة خير عون لهم على العدل وإيصال الحقوق إلى أهلها، كما كانت البطانات الفاسدة من أعظم أسباب ظلم الملوك لرعاياهم ومنعهم من حقوقهم!.
السبب الخامس: تعصبهم الشديد لآرائهم واضطهاد كل من خالفهم. [المسلمون في الصين ـ الملف الضائع (ص: 151)].
السبب السادس: الحقد والحسد الصليبيان على الإسلام والمسلمين، حيث (وصل الأوربيون إلى الصين ووجدوا الإسلام يتغلغل في البلاد، فخافوا من أن تتحول الصين إلى دار إسلام... ولما لم يكن الصليبيون يتمكنون من بسط سلطانهم على هذه البلاد الواسعة العظيمة، لذا لجأوا إلى أسلوبين من الدس والوقيعة لتحطيم الإسلام داخل هذه البلاد:
1 ـ فأثاروا في المسلمين روح الثورة والتمرد على الحكام الصينيين، وأمدوهم بالسلاح... ففصلوا بذلك المسلمين عن أهل الصين.. وحدوا بذلك من انتشار الإسلام...
2 ـ أوحوا للإمبراطور وأهل الصين بخطر المسلمين، وأنهم يتحينون الفرص للانقضاض على الدولة وحكمها، فأوغروا الصدور على المسلمين، فقضوا على نفوذ المسلمين وأذاقوهم الأمرين....). [حاضر العالم الإسلامي ومشكلاته المعاصرة (568)، راجع كتاب تركستان الشرقية (ص: 22) لمحمود شاكر].
السبب السابع: دفاع المسلمين عن دينهم وأنفسهم.
ذلك أنه لما "تعرض المسلمون الصينيون للإهانة والاضطهاد والقمع الدموي الشديد، فاضطروا إلى القيام بانتفاضات مسلحة ضد حكم أسرة تسنغ، وفي الوقت ذاته أدركوا أن الدفاع عن قوميتهم ودينهم الحنيف يتوقف على قوة أبدانهم، الأمر الذي أدى إلى تكوين سجاياهم القومية المتمثلة في البطولة والتضامن والصمود ضد الجور والطغيان، وفي ظل ذلك فتحت المساجد في كافة أنحاء البلاد ملاعب [الأولى أن يقول: ميادين]. لتدريب المسلمين... [الإسلام في الصين (ص: 216)، إبراهيم فنغ جين يوان].
فقد قامت الدولة المنشورية في الصين والمسلمون مجموعتان: مجموعة منتشرة في ولايات الصين الداخلية ـ في مدنها وقراها ـ ومجموعة في (تركستان الشرقية) التي عرفت بعد احتلال الحكام المنشوريين لها بـ(سينكيانج) أي الوطن الجديد.
أما المجموعة الأولى: فقد اندمجت في الصينيين اندماجاً يصعب على من لا يعرفهم معرفة مباشرة أن يميز بينهم ـ في غير مساجدهم ومناسبات احتفالاتهم الدينية ـ وبين غيرهم من غير المسلمين، حتى عَبَّر الكتاب عن ذلك الاندماج بـ(التَّصَيُّن): "فتصينوا مع مرور الزمن من الناحية الاجتماعية والمعاشرة والعادات... مع كل هذا قد احتفظوا بعقيدة إسلامية ثابتة وراسخة في قلوبهم تختلف مع عقائد الصينيين..". [تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر (ص: 45) وما بعدها].
وهؤلاء ـ مع تَصَيُّنِهِم ـ نالهم أذى جَهَلَة الأسرة المنشورية، بسبب بقائهم على عقيدتهم وتمسكهم ببعض الشعائر والواجبات الإسلامية، وترك بعض المحرمات، وبقاء بعض عادات أسلافهم التي تظهر في بعض المناسبات.
وكان أذى الأسرة المنشورية لعلماء المسلمين وقادتهم أشد من أذاهم لعامة المسلمين، والسبب معروف.! [تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر (ص: 46)].
وأما المجموعة الثانية: فكانت في تركستان الشرقية، حيث المسلمون هم الأغلبية فيها، وأخذ حكام الصين يتدرجون في الاستيلاء عليها، مع ما يمارسونه من ظلم المسلمين في كل مقاطعة يستولون عليها.
ثورات المسلمين ضد ظلم المانشو:
فلما شعر المسلمون بظلمهم في المناطق الصينية وباحتلال أرضهم في (تركستان الشرقية) قاموا بعدة ثورات في مناطق مختلفة من الصين: [في تسمية بعض تلك الحروب التي حصلت بين المسلمين وجيش الدولة ثورات تجاوز، ومنها حادثة (لانتشو) كما هو واضح].
الثورة الأولى: وقعت في شمال غرب الصين في (لانتشو):
وكان سبب قيام الحرب بين المسلمين وجيش الحكومة نزاع نشأ بين طائفتين، طائفة ترى الجهر بالقرآن الكريم، وأخرى ترى اعدم الجهر به، فاقتتلتا قتالاً سقط في قتلى وجرحى من الجانبين، [سيأتي التعريف بهاتين الطائفتين في الكلام على مذهب المسلمين في الصين وطرقهم الصوفية]. وكان ذلك سنة 1781م واستدرج الحاكم الصيني أحد الزعيمين واغتاله، فهب أتباعه للثأر له، ويقال: إن المسلمين تحصنوا، وعندما رأوا الجيش الحكومي يهاجمهم ولا يدان لهم به، ألقوا بأنفسهم في النار.
الثورة الثانية كانت في منطقة (شيفانباو):
وهي امتداد لقضية (لانتشو) السابقة، ذلك أن المسؤولين في الدولة استمروا في التحقيق مع طائفة "الجهرية" وأذلوهم، فقام زعيم الطائفة الجديد بتدريب المسلمين على السلاح سنة 1783م، وشعر الحكام بذلك، فهاجموهم وحصلت بينهم جميعاً خسائر فادحة، فقام بعض زعماء المسلمين بجمع الجماهير الإسلامية وهجموا على القوات المنشورية، وسيطروا على بعض المدن، ولكن تعزيزات الجيش كانت قوية، لذلك مالوا على المسلمين واستأصلوهم، مخلفين وراءهم نحو خمسة آلاف من النساء والأطفال بلا عائل.! [تاريخ المسلمين في الصين (ص: 65 ـ 68)].
الثورة الثالثة: قام بها زعيم مسلم يدعى (جهانكير):
في جنوب (تركستان) من سنة 1820 ـ 1827م انتهت بهزيمة المسلمين والقبض على زعيمهم، وإرساله إلى بكين العاصمة، حيث قضى بقية عمره في صمت مطبق،لم يجرؤ على كشف أعمالهم الوحشية التي ارتكبوها في حق المسلمين. [تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر (ص: 59 ـ 63)].
الثورة الرابعة: كانت في منطقة (يونان) في أقصى جنوب الصين:
وكانت ثورات، وليست ثورة واحدة، وقد استمرت ـ متقطعة ـ من سنة 1818م إلى سنة 1873م، وقد فتك المنشوريون في بعض المعارك بستمائة عائلة، وكان أشدها في سنة 1856م، حيث ذهب ضحيتها ما لا يقل عن مليون، وقد سماها بعض الكتاب الصينيين (يوم مجزرة المسلمين) وعنون لها بعد ذلك بقوله: (قامت القيامة الكبرى في الولاية).
وهذه المنطقة هي التي عُيِّنَ فيها (السيد الأجل) ـ وهو من أهل البيت ـ حاكماً عاماً فيها في عهد أسرة (يوان)، ويكثر فيها عدد المسلمين، وكثير منهم من نسل العرب. [تاريخ المسلمين في الصين (ص: 88 ـ 95)].
الثورة الخامسة: كانت في (شانسي) و(قانصو): [تقع في وسط الصين، وهي إلى الشرق أقرب، وعاصمتها سيآن، عاصمة الصين القديمة، وقانصو تقع في شمال غرب الصين، إلى الشرق من ولاية تركستان الشرقية (سينكيانج)].
بدأت المعركة في شانسي، سنة 1862م، قام بالثورة مسلم يدعى (شنوو) يقال: إنه كان ممن اشترك في ثورة المسلمين في يونان سنة 1856م، فقد قاد آلافاً من أتباعه في شانسي ـ بعد أن قَتَلَ مندوبَ الحكومة ـ وطوق بهم عاصمة المنطقة (سيآن)، ولكن الدولة بعثت قائدين عاتيين من قوادها بجيش قوي، ودارت المعارك بينهم وبين المسلمين الذين يقل عددهم وتَشِح عُدَّتُهم، فقُتِل منهم عدد كبير، وطلبوا النجدة من إخوانهم في (قانصو) فأنجدوهم بمحاربين أسهموا في إنزال خسائر فادحة في المنشوريين، ولكن قوة الحكومة كانت فوق طاقتهم ففر من بقي منهم إلى (قانصو).
وأخذت القوات المنشورية تهاجم المسلمين في مقاطعة (قانصو) التي كان يقود الدفاع عنها القائد المسلم (ماهوا لونج) وأبلى المسلمون في تلك المعارك بلاء حسناً، وقتل منهم عدد كبير، كما كَبَّدُوا الأعداء خسائر فادحة، ولكنهم خسروا المعركة في النهاية لتفوق العدو في العَدَد والعُدَد، واضطر البطل المسلم للاستسلام، محاولاً لدى قائد جيش الدولة الرأفة بالمسلمين، فقتله قائد الجيش، وكان ذلك في سنة 1870، وبذلك انتهت مقاومة المسلمين في شانسي وقانصو التي استمرت ثماني سنين. [تاريخ المسلمين في الصين (ص: 68 ـ 72)، وراجع كتاب الشخصيات الإسلامية البارزة في الصين (107) وما بعدها، إعداد يوسف لي هوا سن ـ دار النشر باللغات الأجنبية ـ بكين، الطبعة الأولى سنة 1993م].
السبب الثامن: خذلان القوي من المسلمين الضعيف منهم، وإسلامه لعدوه وعدم نصرته:
فقد كان المسلمون في (شانسي) و(قانصو) في أشد الحاجة إلى نجدة إخوانهم المسلمين في (تركستان) بعد انتصار (يعقوب بيك) واستقلال دولته مدة ثلاثة عشر عاماً، فلم ينفروا لمساعدتهم، فكانت النتيجة أن سحقتهم القوات المنشورية، ثم زحفت على تركستان فأنزلت بأهلها الويلات واستولت عليها. [تركستان الصينية (ص: 48) ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت، محمود شاكر].
ولا زال المسلمون فيها يتجرعون غصص ذلك الاستيلاء البغيض إلى هذه الساعة.
السبب التاسع: اختلاف المسلمين وتنازعهم الذي أدى إلى فشلهم: [وهو من أهم أسباب هزائم المسلمين].
إن من شروط نصر المسلمين على عدوهم، اعتصامهم بحبل الله، أي اجتماع كلمتهم على الحق، وأن يكون جهادهم لرفع راية الإسلام، وأن يعدوا لجهاد عدوهم العدة المستطاعة، ولست هنا في مقام الحديث عن عوامل نصر الله لعباده المؤمنين على أعدائه الكافرين، وعوامل الهزيمة، فهذه لها بابها المناسب لها. [وقد فصلت القول فيها في كتابي: الجهاد في سبيل الله ـ حقيقته وغايته (2/ 96) وما بعدها].
وإنما أريد ـ هنا ـ التنبيه على أن من أهم أسباب هزائم المسلمين تنازعهم المؤدي إلى فشلهم، كما قال الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }. [الأنفال: 46].
وقد كان هذا السبب من أهم الأسباب التي أنزلت الهزائم بالمسلمين في الصين في بعض معاركهم مع عدوهم، مع قلة عددهم وضعف استعدادهم. [تاريخ المسلمين في الصين (ص: 93)].
وقد استغل عدو المسلمين بعض ضعاف النفوس منهم، عن طريق الوظائف واستعان بهم على إخوانهم. [تاريخ المسلمين في الصين (ص: 59)، وحاضر العالم الإسلامي (2/ 228، 229، 253) لشكيب أرسلان ـ الطبعة الثالثة، 1391 هـ ـ 1971م ـ در الفكر. وحاضر العالم الإسلامي ومشكلاته المعاصرة (ص: 571) ـ جميل المصري].
وإن المتأمل في حياة المسلمين، لَيرى أن أعداءهم لم يذلوهم ويستعبدوهم، إلا بسبب تفرقهم وصراعهم فيما بينهم، الدال على الضعف الشديد في إيمانهم وقلة صلتهم بربهم، وفقد إحساسهم بحياة الذل والهوان، وحياتنا اليوم خير شاهد على هذا الخطب الجلل.
كتبت هذه السطر في يوم الأحد بتاريخ 5/11/1416هـ ـ 24/31996م، ومئات المسلمين شباباً وشيباً، رجالاً ونساءً وأطفالاً يساقون إلى معتقلات اليهود وسجونهم ليعذبوا حتى يموت بعضهم تحت التعذيب، بتهم كاذبة على كثير منهم، أو لقرابتهم ممن يدافعون عن وطنهم وحرماتهم ومساجدهم وعلى رأسها بيت المقدس، أو لصلة بعضهم بأولئك المجاهدين، ولا ذنب لهم إلا أنهم آباء أو أمهات، أو إخوان أو أخوات، وهو نقيض ما تقضي به شرائع الله كلها، ونقيض القوانين البشرية وما يُدَّعَى أنه حقوق الإنسان في هذا العصر، ويُخْرِجُ اليهود الأسر من منازلهم ويجمعون جيران الأسر التي يخرجونها بقوة السلاح من بيوتهم ويَقِفونهم في مكان يشرف على تلك المنازل، ثم يهدمونها بالمتفجرات، ولا يقدر أحد يعارضهم إلا أطفال المسلمين الذين يضجون بالتكبير ويرمون أعداء الله بالحجارة. ومع إخراجهم من ديارهم وهدمها يُعِدُّ اليهود العدة لطردهم من بلادهم إلى خارجها ليزيدوا من عدد المشردين منهم في الأرض. وحكام الشعوب الإسلامية يتصارعون فيما بينهم ويهرولون إلى اليهود وأعوانهم من الصليبيين المعاصرين، ليمنحوهم الاعتراف الشرعي باغتصاب الأرض وتدنيس الأقصى.
وطلاب الكراسي والجاه والعلو في الأرض على إخوانهم الفلسطينيين، مع الذل والاستخذاء لليهود ينفذون أوامر اليهود باعتقال المجاهدين وسجنهم وإفزاعهم في منازلهم هم وأسرهم في جوف الليل. تُرَى لو اجتمعت كلمة حكام المسلمين على الحق، واجتمعت كلمة الفلسطينيين على الحق، ووقفوا صفاً واحداً للدفاع عن حقهم، أيستطيع يهود ومن والاهم أن يعيثوا هذا الفساد في أرض الميعاد؟! وسيعيثون غداً فساداً في كل بلدان المسلمين..!!!
ثم ها أنا أرتب هذه الرحلة في الكمبيوتر مرة أخرى وأصححها، في يوم الخميس الثالث من شهر شوال، لعام 1424هـ ـ 27 نوفمبر لعام 2003م، وقد اشتدت الحملة الصهيونية الصليبية على المسلمين في كل أنحاء العالم وقد احتلت أمريكا أفغانستان والعراق، وهي تحشد جيشها وأسلحتها ومخابراتها وعملاءها في كل الأقطار الإسلامية، آمرة ناهية تريد تغيير خارطة العالم سياسياً ودينياً وعسكرياً وإعلامياً واقتصادياً، بحجة أن ينعم العالم بجنة الحرية والديمقراطية، مع أن أمريكا تمارس استعباد العالم والسيطرة عليه بغير وجه حق...
ومرة أخرى أقول: لو اجتمعت كلمة المسلمين على الحق لما أصيبوا بهذا الاستعباد والقهر...
آثار ثورات المسلمين على مسيرة الإسلام في الصين:
عندما تحدث الاضطرابات والحروب والفتن، في أي شعب من الشعوب، تصاب حياة الناس ـ الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل والحياة الدينية ـ بالضيق والنكد والضنك والتمزق، ويشمل ذلك المنتصر والمهزوم، وإن تفاوتت الخسائر والمصائب.
ولكن الخسارة والآثار المدمرة التي تنزل بقليل العدد الضعيف العُدَد أنكى وأشد، من خسارة من كَثُر عَدَدُه وقوي بآلات الحرب وعدتِها ساعدُه، وبخاصة إذا كان الضعيف من أقليات الرعية، والقوي هو والي الدولة الإمبراطورية.
وهذا ما حصل لمسلمي الصين، فقد كان عددهم ـ بالنسبة لعدوهم ـ قليلاً، وعتادهم الحربي في مواجهته ضئيلاً.!
المصالح التي جناها المسلمون من معاركهم ضد الدولة:
إنه لمن الظلم المجحف أن يذكر الكتاب والمؤرخون للإسلام والمسلمين في الصين، الآثار السيئة التي عادت عليهم من معاركهم مع الدولة المنشورية، دفاعاً عن أنفسهم وعن دينهم وأعراضهم وأموالهم، وينسوا المصالح المترتبة على تلك المعارك.
ومن الإنصاف أن تذكر هذه وتلك، لما فيهما من الدروس والعبر، للحاضرين من أجيال المسلمين اليوم وخلائفهم غداً.
1 ـ فمن مصالح المسلمين من تلك المعارك: غيرتهم على دينهم ودفاعهم عنه، حفظاً لأصوله ومعانيه وبقاء حبه واحترامه في نفوس أجيالهم، فإن الدفاع عن الدين وحفظه من الضياع ضرورة من ضرورات الحياة. [يراجع مبحث (حفظ الدين) من كتابنا الإسلام وضرورات الحياة]. وهو لا يحفظ إذا انطمست معالمه وانتهكت حرماته، وأصبح ذلك الانتهاك عادة يألفها المسلمون ويستمرؤنها ويطبقونها في حياتهم، وهذا ما كان يريده أعداء الإسلام من الأسرة المنشورية.
ويدخل في ذلك حماية مساجدهم، وحريتهم في أداء شعائرهم من صلاة وصيام وحج، واحتفالهم بعيدي الفطر والأضحى، وما يلزم لذلك من معرفة التاريخ الهجري الذي لا يمكن معرفة كثير من عباداتهم إلا به..
2 ـ ومن مصالحهم بقاء تَمَيُّزِهم عمن سواهم في ترك ما حرمه الله عليهم، من المآكل (كلحم الخنزير ولحم الميتة) والمشارب (كشرب الخمر)، وغير ذلك مما حرمه الله تعالى، كالزنى واللواط والربا...
وقد كان الحكام المنشوريون يريدون من المسلمين أن يسلكوا مسلكهم في كل شيء، فلا حلال إلا ما أحلته أهواءهم، ولا حرام إلا ما عافته نفوسهم، وإذا جاراهم المسلمون على ذلك نشأت أجيالهم على ما عوَّدهم عليه آباؤهم، لا يعرفون من دينهم حلالاً ولا حراماً!.
3 ـ ومن تلك المصالح إظهار المسلمين لعدوهم أنهم أعزة، لا يقبلون الذل ولا يستكينون لظلم، لأن العدو إذ علم من عدوه قبولاً للعيش على ضيم رَكِبَه وزاد طغيانُه عليه وظلمُه له، فإذا علم بسالته وعلو همته وذَوْدَه عن عزته وكرامته، فكر وقدر ثم فكر وقدر وقدم رجلاً وأخَّر أخرى، قبل الإقدام على ظلمه وطغيانه.
4 ـ ومن مصالحهم أن ينقل التاريخ للأجيال الإسلامية، أن هذا الدين كان غالياً عند آبائهم وأجدادهم، وأنهم لم يفرطوا فيه، بل بذلوا في سبيل حفظه لهم والدفاع عنه ليصل إليهم، كل ما يملكون من نفس ومال، حتى يقتدي اللاحقون في الاعتزاز بهذا الدين بالسابقين منهم.
الأضرار التي لحقت المسلمين بسبب تلك الثورات:
أما الأضرار التي نالت المسلمين من تلك الثورات، فهي أضرار فادحة ومن أعظمها ما يأتي:
المضرة الأولى: المذابح الجماعية التي ذهب ضحيتها ملايين الأفراد وآلاف الأسر من المسلمين، حيث ذكرت كتب التاريخ أنهم فقدوا في تلك المعارك ربع عددهم، وكان ذلك سبباً في قلة المسلمين بعد كثرتهم التي تمكنهم من زيادة الانتشار في البلد والاختلاط بغير المسلمين، وهما ـ الانتشار والاختلاط ـ من عوامل دخول الناس في الإسلام، وبخاصة إذا كان المسلمون قدوة حسنة في معرفة دينهم والعمل به.
المضرة الثانية: ضياع آلاف الأسر من النساء والأطفال والعجائز، بسبب فقد أولياء أمورهم من الرجال المقاتلين، الذين كانوا يجلبون لهم الرزق ويحمونهم من التشرد، وتسلط أعدائهم عليهم الذي أفسد حياتهم الدينية والاجتماعية.
المضرة الثالثة: القضاء على كثير من علمائهم ـ وقد كانوا هم قادتهم ـ إما في أثناء المعارك وإما بقتلهم بعد أسرهم أو استسلامهم مضطرين، بعد هزائمهم في ساحات القتال.
وفَقْدُ المسلمين علماءَهم من أعظم خسائرهم، لما في ذلك من غياب العلم النافع بغياب أهله، وما يترتب عليه من جهل بالإسلام وبُعْدٍ عنه.
المضرة الرابعة: هدم مساجدهم وغصب أملاكهم، واتخاذ الوسائل التي تضطرهم إلى أكل ما حرم الله عليهم، كحظرهم ذبح البقر عليهم، ليأكلوا لحم الخنزير.
المضرة الخامسة: زيادة التضييق على المسلمين في الصين، بقطع الصلة بينهم وبين إخوانهم المسلمين في خارج الصين، وقد كان اتصالهم بالمسلمين في البلدان الإسلامية من أسباب زيادة تفقههم في الدين بالتتلمذ على العلماء والاطلاع على ما جد من الكتب الإسلامية المطبوعة، وصرم حبل هذا الاتصال حرمهم من ذلك كله.
المضرة السادسة: منعهم من القيام بأداء ركن الإسلام: (الحج) الذي كانوا يستفيدون منه ـ إضافة إلى أداء مناسكه ـ الاجتماع بإخوانهم المسلمين، وبخاصة العلماء، وتبادل الآراء في شئونهم ومشكلاتهم، وما يمكن أن يُقتَرح لها من حلول. [الإسلام في الصين (ص: 102، 103) فهمي هويدي].
ولكن يجب أن ننبه ـ هنا ـ إلى أن بعض هذه الأضرار لم يكن سببها ثورات المسلمين للدفاع عن دينهم فقط، بل كان الحكام المنشوريون ـ وبخاصة بعض حكام الولايات ـ يكنون للمسلمين الحقد ويضيقون ذرعاً بدينهم وعاداتهم، كما مضى، فلا يبعد أن يؤذوا المسلمين ويحدثوا بهم هذه الأضرار أو بعضها، ولو لم يقوموا بتلك الثورات، وإن كانوا ـ المنشوريون ـ اتخذوا تلك الثورات ذريعة للهجوم على المسلمين وسفك دمائهم...
هل يؤاخذ المسلمون على ثوراتهم التي أحدثت لهم تلك الأضرار؟
لا بد ـ هنا ـ من كشف بعض الحقائق التي بها يَعلم الجواب عن هذا السؤال:
الحقيقة الأولى: أن الحق والباطل ـ دائماً ـ في تدافع، وأن للباطل قوته التي تطغيه، وأنه لا بد للحق من قوة تحميه.
قال تعالى في الباطل وأهله: { وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا}. [البقرة: 217].
وقال تعالى في الحق وأهله: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ}. [الأنفال: 60].
الحقيقة الثانية: أن سنة الله قضت أن تكون الغلبة للحق على الباطل، وهذه السنة لا تتخلف، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ}. [الصافات: 171 ـ 173].
وقال تعالى { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ }. الروم: 47].
الحقيقة الثالثة: أن كون نصر الله تعالى لعباده المؤمنين لا يتخلف، معناه أن العاقبة الحسنة تكون لهم، ولا يلزم من ذلك عدم تأخر هذا النصر أحياناً لابتلاء المؤمنين وتمحيصهم واتخاذ شهداء منهم، أو لتقصيرهم في إعداد القوة الذي أمرهم به، أو ضعف إيمانهم الذي علق تعالى نصره لهم عليه.
والإيمان الذي علق نصره لأهله هو الإيمان الذي فصله تعالى في كتابه وفي سنة رسوله، وهو ما تترتب عليه طاعة الله وعدم معصيته، وليس الإيمان الميت أو المريض الذي لا يمنع من معصية، ولا يدفع إلى طاعة، وهو ما يتحلى به كثير من المسلمين، ويظنون أنه مراد الله.
ولهذا ابتلى الله أصحاب نبيه بسبب معصية صدرت من بعضهم له في غزوة أحد بإدالة المشركين عليهم، ولو قورنت تلك المعصية بالمعاصي التي حصلت ولا تزال تحصل ممن جاء بعدهم، لا تعد شيئاً يذكر، وعندما تعجبوا من إدالة المشركين عليهم نزل القرآن مجيباً لهم بأنهم هم السبب في تأخر نصر الله لهم كما قال تعالى: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }. [آل عمران: 165].
الحقيقة الرابعة: أن من مقتضيات الإيمان الذي ينصر الله به عباده، اجتماع كلمتهم على الحق، وترك الأسباب المؤدية إلى التنازع الذي يترتب عليه فشلهم وذهاب قوتهم وهيبتهم، كما قال تعالى: { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }. [الآيات من سورة: الأنفال، ويراجع لما تدل عليه هذه الآيات كتب التفسير، ويراجع كتاب السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية، للدكتور عبد الكريم زيدان].
هذه الحقائق الأربع تناسب الحديث عن هذه الفِقْرة والإجابة عن هذا السؤال.
فالمسلمون الصينيون كانوا أهل حق، والحكام المنشوريون كانوا أهل باطل، وأهل الباطل كانوا يملكون قوة اتخذوها وسيلة لظلمهم والاعتداء بها على المسلمين، والمسلمون شعروا بالظلم والاعتداء على أنفسهم ودينهم وعرضهم، فأرادوا أن يدفعوا الظلم والعدوان بالقوة التي كانوا يملكونها.
والمسلمون ـ وهم أهل حق ـ كانوا ينتظرون من الله نصرَه الذي وعد به عباده المؤمنين على عدوهم، وأنهم مهما توالت عليهم الابتلاءات بسبب كثرة عدوهم الظالم وقوته، وقلتِهم هُمْ وضعفِهم، فإن العاقبة ستكون لهم، لقول الله تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }. [البقرة: 249].
وعلى ضوء ما سبق يمكن أن يقال: إن المسلمين لا يؤاخذون على ما قاموا به من محاولة دفع العدوان عن أنفسهم بحسب قدرتهم.
والذين لاموهم على تلك الثورات، رأوا أنهم وقفوا أمام عَدد لا طاقة لمثلهم به عادة، إضافة إلى أن ذلك العدد هو جيش الدولة وقوته هي قوة الدولة بكل إمكاناتها، والمسلمون لا دولة لهم، ووضعهم شبيه بوضع المسلمين في مكة قبل الهجرة، وقد أصابهم من البلاء ما هو معلوم، ومع ذلك عندما هَمَّ بعضهم بدفع العدوان بالقوة أمرهم الله بالكف عند ذلك، كما قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ }. [النساء:77].
قال ابن كثير رحمه الله: (كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة... وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليتشفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسباً لأسباب كثيرة؛ منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدوهم. ومنها: كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام أشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمروا بالجهاد إلا بالمدينة، لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار). [تفسير القرآن العظيم (1/576) الطبعة الأولى ـ دار الخير].
وهذا المبدأ يجب الأخذ به وتطبيقه كلما نزلت بالمسلمين حالة تشبه تلك الحالة التي كان عليها المسلمون في مكة، فحفظ الدين لا يكون بالجهاد المسلح فقط، بل قد يكون ـ أحياناً ـ بالصبر على المحن والعدوان، وهو نوع من أنواع الجهاد الشرعي، عندما يستفحل الطغيان ويقوى أهله قوة لا يدان للمسلمين بها، بحيث إذا قاوموه سحقهم سحقاً.
متى يشرع الجهر بالإسلام ومتى يسر به؟
بل قد يكون المشروع في حق المسلمين العمل السري حتى في شعائر دينهم كالصلاة والصيام وتلاوة القرآن، عندما يرون عدوهم سيقضي عليهم ويستأصلهم إذا جهروا بذلك، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة فترة من الزمن، ولا عبرة بكلام بعض المنتسبين إلى العلم، ممن يجهلون السيرة النبوية وفقهها وأحوال المسلمين على مدى التاريخ، فينكرون العمل الإسلامي السري في كل الأحوال، ولو أن هؤلاء عادوا إلى الثورة الكمالية على الإسلام في تركيا، وكيف كان علماء الإسلام يعلمون أبناء المسلمين القرآن الكريم سراً في الدهاليز التي أعدت مأوى للحيوانات ـ كإسطبلات الخيول ـ خشية من أن تعلم عنهم أجهزة العذاب (المسماة بأجهزة الأمن) لو أنهم علموا ذلك وعلموا ما حل بالمسلمين في القرن المسمى بالقرن العشرين في الدول الشيوعية، لاستحوا من تلك الفتاوى الجاهلة التي تحكم على كل عمل سري للإسلام بأنه من أعمال الماسونية.
وكثير من أبناء المسلمين في الدول الشيوعية ـ روسيا والصين وغيرهما ـ تعلموا القرآن والحديث والفقه والعقيدة في المخابئ التي يبقون فيها الليالي والأيام، بل الأشهر مع علمائهم، ولهذا عندما تمزق الاتحاد السوفييتي، وكشف الله بعض الغمة عن المسلمين ظهر طلاب ولدوا وترعرعوا في ظل الحكم الشيوعي القاسي، ظهروا وهم يحفظون القرآن وبعضهم يحفظون بعض كتب الحديث ومتوناً في الفقه واللغة العربية، فهل كان يجب عليهم عدم العمل السري، لأنه من أعمال الماسونية؟!
نعم! الأصل في الإسلام الجهر به وبشعائره الدينية كلها، وبمبادئه الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية، وسياسته الشرعية، وقواعده الجهادية، وعلاقاته الدولية، ولا يجوز كتمان شيء من ذلك ما دام دعاة الإسلام يجدون مجالاً لبيان ذلك كله، كما هو الحال في البلدان التي تَحْكَم بشريعة الله، أو تأذن بالدعوة والبلاغ، لأن البيان واجب والكتمان محرم لَعن الله فاعله، هذا هو الأصل في الإسلام، وهو بيانه وإيضاحه كاملاً غير منقوص، ليصل إلى الناس كافة (وهو معنى البلاغ المبين).
ولكن إذا وجد المسلمون أنفسهم في بلد يحكمه طغاة جبارون، يمنعونهم من إظهار شعائر دينهم، ولا قدرة لهم على تحطيم سدود الطغيان، فعليهم أن يقيموا ما يقدرون عليه من هذا الدين سراً حتى يفرج الله همهم، وإذا كانوا في بلد يأذن فيه حكامه بمزاولة بعض هذا الدين ويحظرون عليهم بعضاً، ولا قبل لهم بمقاومة من حرمهم من إقامة ذلك، فعليهم أن يؤدوا ما أذن لهم بمزاولته علناً، وما لم يؤذن لهم به يزاولونه سراً؛ لأن ما يقدرون عليه لا يجوز لهم التفريط فيه، وما لم يقدروا عليه لا يكلفهم الله إياه { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا }.
ولكن العمل السري يحتاج إلى فقهاء في الدين يوجهون أهله، وإلا وقعوا في محاذير، وتعاطوا ما يظنون أن لهم تعاطيه شرعاً، وهو غير مشروع، لأن بعض أحكام الإسلام لا تنفذ عن طريق الأفراد ولا الجماعات، وإنما تنفذ عن طريق أمراء المؤمنين، كإقامة الحدود وجهاد الطلب، أي غزو بلدان الكفار ونحو ذلك.
إن المقارنة بين المصالح الراجحة والمفاسد المرجوحة، وتقديم الراجح على المرجوح، ومتى يكون العمل سراً ومتى يكون جهراً، ومتى يشرع للمسلمين مقاومة الطغيان، ومتى يشرع الصبر على العدوان، كل ذلك أمر واجب في ضوء نصوص الشريعة وقواعدها.
وقد يبذل الفرد أو الجماعة أو الدولة الجهد المستطاع في سبيل الوصول إلى معرفة المصلحة الراجحة، لتقديمها على المصلحة المرجوحة، أو معرفة المفسدة الراجحة لدرئها وارتكاب المفسدة المرجوحة، وقد يصيب المجتهد ويفوز في إقدامه أو إحجامه، وقد يخطئ ويخفق في ذلك، وقد يرى الحاضر مالا يراه الغائب، وكل بلد أهله أدرى بخفاياه من غيرهم، والناقد من وراء الحدود قد يَنْقُدُ نَقْدَهُ إذا تجاوزها.
وبعض الثورات الإسلامية في الصين نجحت كثورة (يعقوب بيك) في (تركستان) التي أقام فيها بعد انتصاره دولته المستقلة واستمرت مدة ثلاثة عشر عاماً كما مضى.
والمسلمون في مكة برغم قلتهم وضعفهم، ما كانوا ليصبروا على عدوان المشركين عليهم وإهانتهم وتعذيبهم، لولا وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم يُصَبِّرهم بما ينزل عليه من الوحي.
أما المسلمون في الصين فقد كان علماؤهم قلة، وقد يكون كثير من أولئك العلماء قليلي الخبرة بشئون الحرب وشئون السياسة، وقد تكون عندهم خبرة ولكنهم اجتهدوا وأخطئوا، وقد يكون بعضهم كان يرى الصبر على العدوان وعدم الدخول في صدام مع الدولة، ولكنهم غلبوا على أمرهم من تسرع عامة المسلمين الذين لم يستطيعوا الاستمرار في تحمل الهوان.
ويكفي أن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان رأيه عدم الخروج من المدينة في غزوة أحد، ولكن كثيراً من المسلمين ألحوا عليه في الخروج فخرج، فكيف بالناس ـ ولو كانوا مسلمين ـ مع غير الرسول صلى الله عليه وسلم؟!
ثم إن استمرار الاعتداء على دين الأمة وأرضها وعرضها، وإهانة أعزتها، يصعب الاستمرار على تحمله، وقد يرى المسلمون أن موتهم في ميدان المعركة خير لهم من ذبحهم كالنعاج، وسفك دمائهم خير من انتهاك أعراضهم، وهم يشاهدون لا يحركون ساكناً.
هذا، وإن لنا في أطفال فلسطين لعبرة، وهم الذين ولدوا وقد احتل العدو اليهود أرضهم، وأمهاتهم وآباؤهم يعذبون ويعتقلون ويسجنون ويقتلون، ويطردون من أرضهم، وتهدم مساكنهم، وتدمر مساجدهم ويحرق ثالث مسجد في الإسلام في بلدهم وهم يشاهدون، ويمنعون من الصلاة فيه، ويرون حكومات في الشعوب الإسلامية تخلت عن جهاد اليهود وإخراجهم من بلاد الإسلام، بل إن كثيراً منهم تآمر مع اليهود والنصارى على التخلي عن أرض الإسراء والمعراج.
وإذا أولئك الأطفال يحملون على عدوهم اليهودي حملة الأبطال المغاوير، ولا يجدون في حملتهم تلك سلاحاً يرمون به ذلك العدو إلا الحجر، والعدو يرميهم بكل أسلحته من المسدس إلى الصاروخ، ومع ذلك زلزلوا أقدامه، ونظر الآباء والأمهات الذين كانوا مستضعفين لليهود، إلى أبنائهم وبناتهم، وهم يخرجون من مدارسهم ومنازلهم حاملين حقائبهم، فإذا رأوا جيش العدو المدجج بالسلاح أخذوا يقذفونه بتلك الحجارة، وهم في كر وفر، مكبرين تكبيراً يزلزل قلوب اليهود، فاستحى آباء الأبطال الصغار وأمهاتهم من القعود الذليل، فهبوا هبة مسلم واحد يقتدون بأبنائهم، ويذلون أنوف اليهود بنفس السلاح (الحجر) الذي يبدو أنه يبشر بقرب ظهور أخيه الذي ينطقه الله، فيقول: تعال يا عبد الله، فإن ورائي يهودياً فاقتله..!
وتمر سنوات عجاف على يهود يعجزون فيها عن مقاومة الطفل والحجر، فإذا الطفل يشِب وينتقل من سلاح الحجر إلى سلاح المتفجرات التي يتقمصها ويتحزم بها ثم يفجر نفسه بين جيش عدوه، فيزداد العدو دهشة، ويشتد خوفه من أن تسري روح الجهاد في شباب الأمة الإسلامية في كل مكان، فيهب المفادون من جاكرتا إلى نواكشوط، مطالبين حكامهم بمناصرة إخوانهم المجاهدين في فلسطين، وتنقلب الأوضاع من هزيمة المسلمين واستسلامهم إلى تحد وجهاد يرد أعداء الله إلى ذلتهم التي كتبها الله عليهم.
ومن هنا بدأ التآمر اليهودي الصليبي المعاصر على المجاهدين، فأقاموا مؤتمر مدريد الذي كان أبرز مصطلح نطق به فيه رئيس وزراء العدو اليهودي (إسحاق شامير) في كلامه هو: (الجهاد) الذي طالب المجتمعين بالقضاء عليه.
وفي سرعة البرق يعقد اليهود ـ تحت ـ إشراف النصارى الصليبيين اتفاقات سرية مع من كان ـ في الظاهر ـ عدوهم ليتسلم في فلسطين إدارات الشرطة والاستخبارات الفرعية التي تتولى القضاء على الجهاد الذي شكا منه إسحاق شامير.
نعم..! اليهود لم يستطيعوا الوقوف في وجه أطفال الحجارة، ولا أمام شباب المتفجرات، فاستقدموا لأولئك الأطفال وهؤلاء الشباب آباءهم وإخوانهم، من الطامعين في القعود على الكراسي ولو كانت كراسي شرطة يهودية، لينوبوا عن اليهود في القضاء على أبنائهم وإخوانهم المجاهدين الذين كانوا سبب استدعاء اليهود لهم..!
وإذا كان لا بد من إبداء ملحوظات على المسلمين الصينيين، في ثوراتهم تلك، فلنذكر الملحوظات الآتية، مما ذكره الكتاب:
الملحوظة الأولى: أنهم لم يعدوا للأمر عدته الكاملة. [ممن أشار إلى هذه الملحوظات/ محمود شاكر، في كتاب: تركستان الشرقية (ص: 46 ـ 49].
الملحوظة الثانية: الاختلاف في توقيت الثورات في المقاطعات وعدم التنسيق بين الثوار، حيث كانت كل ثورة تقوم في وقت من الأوقات، فإذا أخمدتها القوات المنشورية، قامت ثورة أخرى في مكان آخر. [يظهر ذلك من تواريخ تلك الثورات، كما مضى].
وقد مكن ذلك للقوات المنشورية التفرغ لكل ثورة على حدة، ولو أنها قامت في وقت واحد لتشتت قوات العدو تشتتاً يضعفها ولقويت شوكة المسلمين.
الملحوظة الثالثة: عدم صفاء صفوف المسلمين من المنافقين والمندسين فيها الذين لم ينصحوا لله ورسوله والمؤمنين، والعضو الفاسد في الصف يفسد الصف.
الملحوظة الرابعة: خذلان بعض المسلمين إخوانهم الذين كانوا في حاجة إلى عونهم ومناصرتهم عندما أرهقهم عدوهم بقوته، كما حصل من تخاذل حكام (تركستان) عن نصرة المسلمين في (قانصو) و(شنسي).
الملحوظة الخامسة: تفرق المسلمين وتنازعهم إما من عند أنفسهم، وإما بمؤامرة من أعدائهم، في الوقت الذي هم في أشد الحاجة ـ بل الضرورة ـ لاجتماع كلمتهم واعتصامهم بحبل الله ضد عدوهم، وقت اشتداد المعارك واحتدامها بينهم وبين الأعداء. [تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر (ص: 93)، وحاضر العالم الإسلامي (2/ 282،229،235) للأمير شكيب أرسلان].
وهذه هي أعظم طامة مُنِيَ بها المسلمون في تاريخهم الطويل، والذي يقرأ أحوال المسلمين في العالم اليوم، لا يخالجه شك في أن غالب أسباب هزائمهم وانتصار أعدائهم عليهم، هو تفرقهم وتنازعهم وعدم اجتماع كلمتهم على الحق، وإذا أراد القارئ دليلاً على ذلك ـ وما إِخاله مريداً ذلك لوضوحه ـ فليراجع مسيرة المسلمين في فلسطين وفي الفلبين، وفي تايلاند، وفي إريتريا، وفي أفغانستان، وفي كشمير، وفي كثير من بلدان إفريقيا، وفي البوسنة والهرسك، وفي الشيشان، وفي كل مكان في هذا العالم، فإنه سيجد تلك الكارثة هي السبب الرئيس في هزائم المسلمين وفي تأخرهم، وفي تنازع البلدان الإسلامية ومنها الدول العربية عبرة لمن اعتبر!
ومن أعظم ما يدمي قلوب المؤمنين ويغيظها أن ينبري بعض من يزعم العلم والغيرة على الدين لمحاربة دعاة الإسلام وأهله وإطلاق ألسنتهم بالتكفير والسب والشتم على غير هدى من الله، وأمامهم ميادين فسيحة يسرح فيها أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والعلمانيون المنافقون المحاربون لهذا الدين فلا تجد لهم في تلك الميادين سيفاً ولا قلماً، وكأنهم ليسوا لهم بأعداء، فلا يعرفون لهم عدواً يبارزونه إلا دعاة الإسلام!
حالة المسلمين في عهد: جمهورية الصين الوطنية1911 ـ 1949م
للكتَّاب في حالة المسلمين الصينيين رأيان:
الرأي الأول: أن حالتهم تحسنت كثيراً في هذا العهد، في كثير من المجالات: التعليمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، وغيرها.
ولذلك التحسن ثلاثة أسباب رئيسة:
السبب الأول: أن الحركة الوطنية بزعامة (صون بات صين SUN YAT SEN ـ أبي الجمهورية) كانت مضطرة إلى توحيد صفوف القوميات الصينية كلها، لتتمكن من السيطرة على البلاد، والقضاء على الاضطرابات والمؤامرات التي كانت تحاك ضدها من الداخل والخارج، ولهذا أظهر هذا الزعيم العناية بالمسلمين والإشفاق عليهم، لما نالهم من اضطهاد وظلم من الحكومات السابقة، وبخاصة في عهد المنشوريين.
فقد ترجم الشيخ محمد مكين رحمه الله من كتاب الزعيم المذكور، المسمى بـ(المبادئ القومية الثلاثة) النص الآتي الدال على ما ذكر:
"الغرض الأول من المبادئ القومية الثلاث فك رقاب شعوب الصين من الاستبدادات والاستعمار، وتحقيق المساواة بينها في الحقوق المدنية. وما أصاب المسلمين فيما مضى من الظلم والاضطهاد كان أشد مما أصاب مواطنيهم، والحمية عندهم أقوى منها عند مواطنيهم أيضاً، فيجب علينا أن نشتغل بتنبيه المسلمين ليشتركوا في الحركة الوطنية.
وقد اشتهر المسلمون في العالم بالشجاعة والتضحية، فإذا تنبه المسلمون في الصين كانوا حصناً حصيناً للحركة الوطنية.
والأمة الصينية لن تنسى في صفحات تاريخ المساواة والحرية، ما يقدم إليها إخوانها المسلمون من الإعانة والمساعدة.
وأول عمل من أعمال الحركة الوطنية مقاومة الاستعمار، ولكن هذا العمل لن يتم على أيدي الأمة الصينية وحدها، فلا بد لإتمامه من اتحاد الأمم المستضعفة في آسيا.
والأمم المستضعفة في آسيا هي: الإيرانية والتركية والهندية والأفغانية والعربية، وهذه الأمم كلها إسلامية تكون منها الممالك الإسلامية التي تحرز قوة هائلة في المطالبة بالحرية والاستقلال، وقد أصابتها ضغطة شديدة، فلا بد لنا من القيام في صف واحد لمقاومة السياسة الاستعمارية وتخريبها.
وبالجملة لن تنجح الحركة الوطنية الصينية بدون إشراك الشعب الإسلامي، ولن يتم عملنا في مقاومة السياسة الاستعمارية بدون الاتحاد مع الأمم الإسلامية". [نظرة عامة إلى تاريخ الإسلام في الصين وأحوال المسلمين فيها، صفحة: 51 ـ 53].
السبب الثاني: أن زعماء الحركة الوطنية ـ وعلى رأسهم الدكتور صون بات صين ـ كانوا يدركون ما للمسلمين من صفات عسكرية يتميزون بها...
السبب الثالث: أن المسلمين وقفوا في صف الحركة الوطنية، وأسهموا في توحيد البلاد بقيادة الجنرال (تشيئانج كاي شيك) بعد وفات (صون بات سين) لمدة (16 عاماً من: 1912 إلى 1928) حيث نجحت الحركة نجاحاً تاماً، وكان القائد المسلم (عمر باي تشونج هْشِي) في طليعة قيادة هذه الحركة الوطنية.
السبب الرابع: أن المسلمين ـ بقيادة (عمر) المذكور ـ وقفوا صفاً واحداً ضد الغزو الياباني للصين بجانب الحكومة الوطنية للدفاع عن بلادهم وتحريرها من الغزاة.
فقد كوَّن المسلمون بقيادة (عمر) المذكور (جمعية الصين الإسلامية) لإنقاذ الوطن سنة: (1938م) وكان مركزها الرئيس في مدينة: (تشونج كنج) [العاصمة الحربية للصين]. ولها 33 فرعاً مركزياً فرعياً في المقاطعات، و(400 فرع) في المديريات، وأكثر من (900) مكتب محلي في أنحاء البلاد.
مظاهر دفاع المسلمين عن الوطن:
وكان المسلمون في تلك المراكز والفروع والمكاتب، يشاركون المواطنين في الدفاع عن الوطن مشاركة ممتازة، وتجلت مظاهر نشاطهم في المجالات الآتية:
المجال الأول: الدعاية القوية لمناصرة القضية الوطنية، والوقوف ضد الغزاة اليابانيين.
المجال الثاني: جمع التبرعات المالية من المسلمين للإسهام في نفقات الحرب.
المجال الثالث: حث المسلمين ـ وبخاصة الذين لا يستطيعون التبرع بالمال ـ على القيام بالخدمة المجانية في الأعمال الدفاعية.
المجال الرابع: قيام وفود وبعثات من المسلمين الصينيين بزيارات لبعض البلدان الإسلامية، لمقاومة الدعاية المضللة التي كلفت الحكومة اليابانية بعض المسلمين اليابانيين القيام بها في تلك الدول.
فقد قامت بعثة إسلامية صينية بأداء مناسك الحج عام 1939م، ثم زارت بعض البلدان العربية، كما زارت الهند في طريق عودتها إلى الصين.
كما قامت بعثة أخرى من المسلمين بزيارة إلى كل من (جاوة) و(ملايا) عام 1939م لشرح القضايا الوطنية الصينية.
وقامت بعثة أخرى منهم بزيارة لباكستان التي استقلت حديثاً لنفس الغرض.
"ولقد كان للنشاطات والمجهودات التي قام بها المسلمون الصينيون في الداخل والخارج، أثر كبير في دعم التفاهم والصداقة بين الجمهورية الصينية والبلدان الإسلامية التي تتجاوب وتتعاون معها في كثير من المجالات الدولية حتى يومنا هذا".
مكاسب المسلمين في عهد الحكومة الوطنية:
وقد تحقق للمسلمين في عهد حكومة الصين الوطنية مكسبان رئيسان:
المكسب الأول: التوسع في النشاط التعليمي المدني لأبنائهم الذين كان يغلب عليه قبل ذلك الجهل، حيث أنشئت لهم (200) مدرسة ابتدائية في مناطق الصين، كما شجعتهم الدولة على مواصلة التعليم الثانوي والعالي، عن طريق المنح الدراسية والمساعدات المالية.
المكسب الثاني: تمكينهم من الاتصال بإخوانهم المسلمين في البلدان الإسلامية العربية وغيرها، وقد استفادوا من هذا الاتصال تعريف الحكومات الإسلامية بمشكلاتهم، ومساعدة أبنائهم بالمنح الدراسية التي مكنتهم من تعلم أمور دينهم، حتى بلغ عدد الطلاب المسلمون الصينيون الذين درسوا في الأزهر، في فترة الحكومة الوطنية بين عام: 1931م وعام 1949م: (35 طالباً) كما سيأتي. [راجع لحالة المسلمين في عهد الحكومة الوطنية الصينية كتاب تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر (ص: 131 ـ 138. )، فقد استقيت هذه المعلومات من الكتاب المذكور مع شيء من التصرف].
الرأي الثاني: لبعض الكتاب الصينيين، وهو عكس الرأي الأول.
وخلاصته: أن الحكومة الوطنية، ألحقت بالمسلمين أذى شديداً: فقتلوا منهم عشرات ـ بل مئات ـ الآلاف، وأحرقوا منازلهم، وهدموا مساجدهم، وضيقوا عليهم الخناق في عبادتهم... [نقل هذا الرأي الصحفي المشهور (فهمي هويدي) في كتابه: (الإسلام في الصين) وسلسلة عالم المعرفة، رقم: (43) ـ الكويت ـ شعبان ورمضان ـ 1401 هـ صفحة: (118) وعن كتاب: (الصين المتحررة) الذي نشر في: (بكين) عام: (1956م) أي بعد قيام الحكومة الشيوعية بقيادة (ماو) بسبع سنوات. وقد أشار (فهمي هويدي) إلى أنه قد يكون في هذا الرأي مبالغة، لكونه كتب في عهد حكومة ذات عداوة شديدة للحكومة الوطنية].
وقد ذكر الشيخ محمد مكين رحمه الله ـ عند نقله وصية أبي الجمهورية (DR. SUN YAT SEN) السابقة ـ ما ينبئ عن هذا الرأي الأخير، ولكن بأسلوب الكاتب الواقع تحت ضغط دولة ناقمة عليه وعلى إخوانه المضطهدين، فقال: (وقد ظهر إهمال حكومة نانكينغ لشؤون المسلمين أنها تتمنى لو ينطفئ نور الإسلام في الصين من تلقاء نفسه، فيندمج شعب المسلمين في شعب الهانيين بطبيعة الحال، ولكن الله يأبى ذلك، فإن دينية المسلمين فوق وطنيتهم، وإذا لم تتعارض الوطنية مع الدينية فهم مخلصون لوطنهم، وإذا تعارضتا فهم متمسكون بدينهم، وهذا هو السبب الوحيد لمجاملة الحكومة الصينية لرعيتها المسلمين ولتمنيها انطفاء نور الإسلام في الصين.
وهذه الأمنية لا تضرنا، بل تنبهنا من نومنا العميق، وتدفعنا إلى الإقدام والمنافسة لبقاء ديننا الكريم مع وطننا العزيز { وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ }. [سورة البقرة، آية: 216].
ومما لا نزاع فيه أن معاملة حكومتنا لنا أحسن من معاملة أية دولة من الدول المستعمرة لأهل مستعمراتها.. [شكوى ذكي!].
وإنما رجاؤنا من حكومتنا أن تعمل بوصية أبي الجمهورية الصينية الدكتور (سون يات سين (DR. SUN YAT SEN) التي وصى بها أتباعه بالتعاون مع أبناء وطنه المسلمين وإخوانهم في الخارج، في كتابه المقدس عند أتباعه أعضاء الحزب الحاكم.. [صفحة: 51 من الكتاب المذكور].
حالة المسلمين في عهد جمهورية الصين الشعبية:
جرت عادة قادة الانقلابات والثورات ـ وبخاصة قادة الشيوعية ـ على اجتذاب كافة فئات الشعوب إلى صفوفهم، ليكثروا سوادهم ويقفوا معهم ضد أعدائهم من حكام الدول السابقة.
ويتخذون لذلك كل الوسائل المتاحة التي تغرس ثقة الناس في العهد الجديد، وهذا ما فعله الحزب الشيوعي بزعامة: (ماو تسي تونج) مع فئات الشعب الصيني ـ وبخاصة المسلمين.
وهو ما فعله زعماء الثورة الشيوعية في روسيا قبل ذلك مع المسلمين في البلدان الإسلامية في وسط آسيا.
وكان معلوماً لدى الثوار أن المسلمين يتوقون إلى تحقيق بعض أهدافهم الضرورية، ومن ذلك الحصول على نوع من الحكم الذاتي في المناطق التي هم فيها أكثرية ـ مثل تركستان الشرقية التي كانت مع جناحها الآخر: (تركستان الغربية) التي استولى عليها الشيوعيون الروس ـ دولة إسلامية، لأن استقلالهم الذاتي يكفل لهم حريتهم في إيمانهم وعبادتهم وتعليم أبنائهم، وأداء ما أوجبه الله عليهم وترك ما حرمه عليهم، وتعليم أبنائهم دينهم الذي ارتضاه الله لهم، والتخلص من الكبت والاضطهاد اللذين سامتهم بهما الحكومات المتعاقبة.
ومن هنا كال لهم القادة الجدد المديح، وأظهروا لهم عدم الاستغناء عنهم، وقد قال (ماو) في أحد خطاباته: (من المستحيل علينا أن نحقق رسالتنا ومهمتنا، إذا لم نكسب المسلمين إلى جانبنا ونضمهم إلى جبهتنا).
ووعدوهم بتحقيق أهدافهم، من إقامة حكومة إسلامية مستقلة ذاتياً، وحرية الاعتقاد... وأُمِرَ المحاربون الصينيون بالكف عن دخول مساجد المسلمين، وعدم الدخول عليهم في منازلهم بدون استئذان، واحترام أموالهم وأعراضهم.
ونص في الدستور الصيني في المادة: (88) لعام 1954م، على حرية الاعتقاد الديني لمواطني الجمهورية الصينية.
وقد أحدث ذلك لدى المسلمين تفاؤلاً وأملاً في مستقبل أفضل مما كانوا عليه، في عهود الحكومات السابقة.
رحم الله السارق الأول!
يُحكى أن رجلاً كان يحفر القبور بعد دفن الموتى فيها، ليسرق أكفانهم ثم يعيد التراب عليهم كما كان، وكان الناس شديدي الكره له، إذا ذكروه صبوا عليه اللعنات، فتُوفي وخلَّف ابناً له اقتدى به في مهنته، ولكنه زاد على ما كان يفعله أبوه شيئاً آخر، وهو أنه يملأ القبر ـ بعد أخذ الكفن ـ حطبا ويشعل فيه النار ليحرق الميت! فلما علم الناس ذلك استصغروا جرم أبيه وغدا عندهم يستحق الدعاء بالرحمة ـ لأن جرم ابنه جعل جرمه تافهاً في نظرهم ـ فقالوا: رحم الله السارق الأول!.
فقد كانت الحكومات الصينية القديمة برغم جرمها وظلمها للمسلمين، هي السارق الأول الذي يستحق الترحم عليه، بعد أن جاء السارق الثاني (الذي يجب أن تنصب اللعنات عليه)، وهم قادة الثورة الشيوعية الذين فاقوا في جرمهم وظلمهم كل الحكومات التي سبقتهم..
على حد قول الشاعر الصوفي:
يقال: إن العدنيين كانوا يترحمون على بريطانيا التي احتلت بلادهم فترة طويلة من الزمن، بعد أن حكمهم أبناء جلدتهم من الشيوعيين وساموهم من العذاب والحرمان والقتل والسجن والتشريد ما لم تفكر فيه بريطانيا.
ولا غرابة في أن يكون حكام عدن وحكام بكين في صف السارق الثاني، فكلهم شيوعيون ملحدون! وإن كانوا بعد الانهيار الذي حل بهم يحاولون إن يغيروا جلدهم القديم، كما يغير الثعبان جلده بعد أن يهترئ!.
وقد ذهب حكام عدن الشيوعيون مع إلحادهم بحملة شعبية وعسكرية، ووحد الله شطري اليمن بجهود رجال التوحيد... ونسأل الله لهذا البلد التقدم والرقي بحقائق دينه الذي لا سعادة للمسلمين إلا به. [ذكر لي بعض علماء اليمن أن كثيراً من أعضاء الحزب الاشتراكي ـ الذين كانوا أعضاء في الحزب الشيوعي سابقاً ـ لم يعودوا يعتقدون الإلحاد كما كانوا سابقاً ـ بل أصبحوا يعترفون بالإسلام ويصلون، ونسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق، ومن تاب تابَ الله عليه].
القضاء على مكاسب المسلمين:
لقد قضى الحزب الشيوعي بقيادة (ماو) على كل المكاسب التي تحققت للمسلمين في عهد الحكومة الوطنية، بعد فترة قصيرة من قبضته الحديدية على الشعب الصيني.
1 ـ فاختفت الجمعيات الإسلامية واحدة تلو الأخرى، وحلت محلها جمعية واحدة، وهي: (الجمعية الإسلامية للصين الشعبية) التي أنشئت عام 1953م ـ بعد أربع سنوات من قيام الحكومة الشيوعية ـ واتخذها الحزب الشيوعي وسيلة لتحريف المبادئ الإسلامية بما لا يخالف منطلقات الدولة العقائدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية... [وسيأتي الكلام على هذه الجمعية في مبحث خاص يتعلق بالجمعيات الإسلامية الصينية].
وهذه الوسيلة تتخذها كثير من الحكومات العلمانية في البلدان الإسلامية، للحد من النشاط الإسلامي الذي يخالف سياستها، بحيث لا يقوم بالدعوة والتعليم في تلك البلدان إلا من توظفهم تلك الحكومات، أو تأذن لهم بذلك.
2 ـ شنت أجهزة إعلام الدولة حملة شديدة على نشاط المسلمين، والتحريض على وقفه وعدم السماح ببقائه على ما كان عليه قبل الحكم الشيوعي.
3 ـ أجبر المسلمون على الاشتراك مع غير المسلمين في التجمعات المختلطة (الكومونات) الزراعية والصناعية، بحيث يختلط فيها الرجال والنساء، كباراً وصغاراً، وكان من أعظم ما مس مشاعرهم الزج بقادة المسلمين من الأئمة والشيوخ في هذه التجمعات، وتكليفهم القيام بما لا يليق بمقامهم ولا بسنهم، وبذلك خلت مساجد المسلمين وقراهم من الأئمة والمدرسين.
4 ـ أغلقت مساجد المسلمين في كل أنحاء الصين، وحولت إلى مصانع ومستودعات، لتخدم الثورة الثقافية التي سموها: (القفزة الكبرى) ما عدا بعض المساجد الموجودة في بعض المدن الكبرى ـ كمدينة بكين ـ لاتخاذها لافتات أمام الدبلوماسيين الأجانب، لإقناعهم بأن حرية التدين مكفولة، كما فعل ذلك الروس قبلهم.
5 ـ أغلق معهد بكين الإسلامي الذي كان يتبع الجمعية الإسلامية، وقد كان أبناء المسلمين يستفيدون منه ـ نسبياً ـ حيث يدرسون فيه القرآن والتفسير والفقه والحديث... فلما أغلق سدت الأبواب في وجوههم لتلقي بعض مبادئ الإسلام، ولو كان كثير منها محرفاً.
6 ـ توقف صدور مجلة (المسلمون في الصين).
7 ـ توقف سفر بعثات الحج إلى مكة المكرمة.
9 ـ هجَّروا آلاف الأسر الصينية إلى المناطق التي يكثر بها المسلمون، كما هجروا آلاف الأسر المسلمة من مناطقهم إلى مناطق يكثر فيها غير المسلمين، كل ذلك من أجل تذويب المسلمين في المجتمع الصيني والتطبع بطبعه، والابتعاد عن العادات الإسلامية التي توارثوها عن آبائهم.
10 ـ ألغوا كل المناسبات الدينية التي كان المسلمون يزاولونها، كالعيدين...
11 ـ أغلقوا مطاعم المسلمين، وحرموا عليهم ذبح الأنعام بحجة إضعاف الاقتصاد، وضيقوا عليهم الخناق ليأكلوا ما هو حرام عليهم، كلحم الخنزير.
12 ـ دعوا المسلمين إلى إحراق موتاهم، كغيرهم من الصينيين، بحجة أن مقابرهم تحتل مساحة من الأرض، فيكون ذلك سبباً في عدم استثمارها، وقد وقف المسلمون وقفة صلبة فحرسوا مقابر موتاهم ودافعوا عنها، فلم تهدم كما هدمت مقابر المسيحيين التي لم تحرس.
13 ـ عدلوا المادة الدستورية (88) لعام 1954م، التي كانت تنص على حرية الاعتقاد الديني لمواطني الجمهورية، إلى المادة الدستورية (28) لعام 1957م ونصها: (للمواطن حرية الكلام والمراسلة والنشر والاجتماع... ولهم حرية الاعتقاد وحرية عدم الاعتقاد في الأديان ونشر الإلحاد).
وبذلك أصبحت الدعوة إلى الإلحاد دستورية، بخلاف الدعوة إلى الدين ـ أياً كان ـ وبخاصة الإسلام فإنها محظورة.
ولعل في المنشور الذي وجهه الحرس الأحمر للمسلمين في 11/10/1966م ما يبين حالة المسلمين البائسة في هذا العهد البغيض:
فقد جاء في المنشور المذكور: (يا رجال الحرس الأحمر لا يمكن أن ندع عدواً من أعدائنا يهرب، وعلينا من الآن فصاعداً أن نهاجم أكثر الأعداء تخفياً ـ المسلمين الذين يقومون بنشاط ضد الحزب وضد الصينيين تحت قناع الدين المزعوم، ويختبئ أولئك المسلمون في الجوامع وبتوجيه من الاستعماريين، كما تسيطر عليهم الدول الأجنبية ضد بلادنا وشعبنا العظيم، وزعيمنا الجزيل الاحترام الرئيس ماو.
من الآن فصاعداً لن يسمح لكم بأن تضعوا قناعكم الديني على وجوهكم، سنطردكم وندمركم، ومن اليوم فصاعداً لن يسمح لكم بأن تأكلوا لحم الأبقار، لأن الأبقار تخدم الشعب، يجب أن تأكلوا لحم الخنازير... ولا يمكنكم من الآن فصاعداً أن تضيعوا وقتكم في الصلاة، يجب ألا تتكلموا اللغة العربية التي هي ضد اللغة الصينية، ولن يسمح لكم بأن تقرءوا ما يسمى بالكتاب المقدس (القرآن)!
اسمعوا أيها المسلمون... دمروا جوامعكم!! حلوا المنظمات الإسلامية، أحرقوا القرآن... ألغوا الحظر الذي وضعتموه على الزواج المشترك... كفوا عن الصلاة، ألغوا الختان. . ادرسوا أفكار ماو. .
إذا لم تندموا سنطردكم وندمركم، يجب أن نسحق جحور الجرذ الدينية وندمرها معكم..
فلتحي الثورة الثقافية الكبرى... فليحي طَويلاً طويلاً.. الرئيس ماو... [الإسلام في وجه الزحف الأحمر، للشيخ محمد الغزالي، رحمه الله (صفحة: 36 ـ 37. مكتبة الأمل ـ الكويت) ـ حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة: (2/580). جميل المصري].
ومع كل هذا الاضطهاد والتنكيل والظلم الغاشم على المسلمين في عهد الحزب الشيوعي الصيني بزعامة (ماو) جاهد المسلمون في سبيل تمسكهم بما قدروا عليه من دينهم، وتلقوا ما أمكنهم من معرفة دينهم من علمائهم والعمل بما استطاعوا، في تَخَفٍّ وسرية كاملين.
(وتوفي ماو تسي تونج عام 1396هـ ـ 1976م، بعد أن أهدرت الثورة الثقافية كل ما بناه المسلمون وأنجزوه منذ إعلان الجمهورية عام 1911م، وبدا أمامهم المستقبل قاتماً كئيباً، وحجبت أخبارهم عن العالم وعن أنظار الباحثين، ولم يتسرب إلا نتف يسيرة مما أمكن أن يتسرب عن المسلمين داخل الصين...). [حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة: (2/580). جميل المصري].
حالة المسلمين بعد عهد ماو:
الكفر ملة واحدة، والإلحاد هو الإلحاد في عهد ماو وقبله وبعده، ولكن رءوس الكفر والإلحاد يختلفون في شدة وسائل الظلم والقهر وخفتها ـ نسبياً ـ والذي يخفف وسائل الظلم منهم لا يخففها شفقة بالمظلوم أو مراعاة لمصالح الشعب، وإنما يفعل ذلك عندما يشعر بأن مصلحته هو مهددة إذا لم يفعل، وهذا ما جرى في الصين بعد وفاة (ماو).
فقد بلغت الحرب الباردة بين هذا الحزب والدول الغربية ـ التي تزعم بأنها حامية حقوق الإنسان وتدافع عنها ـ أَوجَها، وأحس الحكام الشيوعيون بخطر الانهيار الاقتصادي الذي يتبعه الانهيار السياسي، بسبب الدعاية الغربية الداعية إلى التحرر من القهر الشيوعي والقضاء على قادته، وأخذ الصراع بين الأربعة المتشددين الذين يريدون الاستمرار في تنفيذ سياسة (ماو) والوصاية على تركته، وعلى رأسهم أرملته العجوز، وبين بقية القادة الذين رأوا أنه لا بد لبقائهم من التعديل في تلك السياسة، وتمكن هؤلاء من القضاء على عصابة الأربعة، [عصابة الأربعة هم: 1 ـ جان شين، وهي زوجة ماو تسي تونغ. 2 ـ وانغ هونغ وان. 3 ـ تشوا صون شوا. 4 ـ يوا وان يوان ويلصق الزعماء الشيوعيون في الصين بعد وفات ماو كل ما حصل في البلاد من فساد وتدمير وظلم إلى هذه العصابة]. وتنفسوا الصعداء من قبضة (ماو) الحديدية التي لم يكونوا قادرين على التخلص منها مع وجوده، وإن كانت الخلافات قد برزت بينه وبين زملائه قبل موته.
وتم القضاء على الأربعة وحصل بعده انفراج نسبي للمسلمين، بسبب الانفتاح على العالم الذي تقرر مبدئياً في عام 1978م نال المسلمون قسطاً منه. [موجز أحوال الصين: صفحة (97)].
مكاسب المسلمين بعد موت ماو:
وكان من ثمرة ذلك المكاسب الآتية:
1 ـ سمح رسمياً بالاعتقاد الديني.
2 ـ أعيد فتح المساجد وترميم بعضها.
3 ـ استؤنف التعليم المسجدي لأبناء المسلمين.
4 ـ سمح لهم بالاحتفالات الدينية في المناسبات، كالعيدين..
5 ـ عادت العطلات الرسمية.
6 ـ استؤنفت بعثات الحج.
7 ـ تمكن المسلمون من إعادة جسور اتصالهم بإخوانهم في الأقطار الإسلامية، عن طريق تبادل الزيارات وحضور بعض الندوات والمؤتمرات، وكان أول مؤتمر تمكنوا من حضوره الملتقى الإسلامي في الجزائر عام (1979م). [راجع: حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة: (2/581). جميل المصري. وينبغي أن يعلم أن المسلمين الذين مكنتهم الصين من حضور مؤتمرات أو غيرها، هم الذين يتعاونون معها من أعضاء الجمعية الإسلامية، والهدف من موافقتها على خروجهم من الصين هو إشعار المسلمين في خارج الصين أن المسلمين في الصين قد نالوا حريتهم، حتى لا تتحرج الدول الإسلامية من إنشاء علاقات دبلوماسية واقتصادية... أما العلماء الذين تشك الصين في ولائهم لها فإنها تمنعهم من السفر إلى البلدان الإسلامية].
8 ـ استطاع الشباب المسلم الصيني أن يسافر إلى بعض البلدان الإسلامية، للدراسة في المعاهد والجامعات الإسلامية، بعد انقطاع طويل، وهذا يعتبر من أحسن الفرص التي أتيحت لأبناء المسلمين، لأنهم بذلك يتفقهون في الدين، ويعودون إلى أهلهم فيعلمونهم مما علمهم الله، وليس بخاف جهل الصينيين الشديد بالإسلام، وحاجتهم إلى من يعلمهم فروض العين التي لا يعذر أحد بتركها، إذا كان قادراً على العلم بها وأدائها. [تراجع مقابلتي للطالب الصيني محمد نوح التي ستأتي في هذا الكتاب].
9 ـ تمكن بعض أبناء المسلمين من مواصلة دراستهم في المدارس الحكومية.
10 ـ كما تمكنوا من المشاركة في بعض الوظائف الحكومية ـ وإن كان جلها من الوظائف الصغيرة أو الخدمية.
11 ـ أعيد فتح مطاعم المسلمين في كل المقاطعات والمدن.
12 ـ أتيحت الفرصة ـ غير الرسمية ـ للشباب المسلم في الصين أن يقوموا بنشاطات إسلامية مفيدة ومحدودة جداً، كالمخيمات والمعسكرات في حدود طاقتهم، حيث يتدرب الشباب في تلك المخيمات على إلقاء بعضهم الدروسَ على بعض، وتعليم أهل القرى التي تقام فيها تلك المخيمات ببعض المبادئ الإسلامية، كما يتبادلون الخبرات في مناهج الدراسة ويستفيد بعضهم من بعض....
ولكن مراقبة الدولة لنشاط المسلمين ـ وبخاصة العلماء منهم والأئمة شديدة.
وهي تحكم قبضتها على نشاط المسلمين عن طريق الجمعية الإسلامية في بكين، التي توجد لها فروع في كل منطقة يوجد بها مسلمون، ويقوم أعضاء الجمعية بمراقبة المساجد والأئمة، والمدارس والمناهج والمدرسين، ويبدون ملحوظاتهم وتنبيههم على كل نشاط يخالف سياسة الدولة، ويقدمون تقارير دورية إلى الجهات المختصة في الدولة، مع العلم أن (مكتب الشئون الدينية التابع لمجلس الوزراء يشرف على جميع النشاطات الدينية لكافة الأديان، ويعمل على فرض مرئيات ومتطلبات الحزب الشيوعي، على كافة الهيئات الدينية، ولا يتم تطبيق نشاط ديني بدون موافقة هذا المكتب، الذي يعمل على توجيه الدين إلى ما لا يتنافى مع سياسة الحزب والحكومة). [داخل أسوار الصين: (1/26) للشيخ محمد بن ناصر العبودي، وسيأتي ما حل ولا زال يحل بمسلمي تركستان الشرقية التي اغتصبتها الصين، وأذاقت أهلها سوء العذاب... وبخاصة في هذه الأيام التي أسجل فيها هذه السطور (5/10/1417هـ ـ 12/2/1997م)].
الجمعيات الإسلامية في الصين:
بعد قيام الجمهورية الصينية، أنشأ المسلمون عدداً من الجمعيات الإسلامية، وقد ذكر الشيخ محمد مكين، رحمه الله سبع جمعيات.. [في محاضراته التي ألقاها في القاهرة في شهر ربيع الأول سنة 1353هـ، ونشرت في مجلة الفتح، ثم طبعت في كتيب صغير، سمي: (نظرات جامعة إلى تاريخ الإسلام في الصين وأحوال المسلمين فيها) قدم له الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله وطبعت المحاضرة].
وهناك جمعية ثامنة ذكرها غيره، وهي:
أولاً: جمعية التقدم الإسلامي.
وهي التي أنشأها أعيان المسلمين برئاسة: (الشيخ عبد الرحمن وانغ هاويان) في مدينة: (بكين) سنة: 1911م. وقد أنشأ أعيان المسلمين في بعض ولايات الصين فروعاً لهذه الجمعية، ومن أقوى فروعها: (الجمعية الإسلامية الصينية) في "يونَّان".
وقامت الجمعية وفروعها بأعمال مفيدة للمسلمين، وامتد نشاطها إلى (رانجون) عاصمة (بورما).
من تلك الأعمال:
1 ـ ترجمة معاني القرآن إلى اللغة الصينية.
2 ـ إدارات للمعارف والهداية والصلح والإفتاء..
ثانياً: الجمعية الإسلامية الصينية.
وقد أنشئت في مدينة (شنغهاي) سنة: 1923م، أنشأها الأستاذ الإمام هلال الدين (هاتي جنغ HA TE CHING) وزملاؤه، وكانت هدفها: إحياء العلوم الدينية، ونشر فضائل الإسلام، وتنشيط التعليم الإسلامي، وتوطيد كتلة المسلمين.
وقد شيدت بناء شامخاً لإدارتها، ومدرسة المعلمين الإسلامية، ومدرسة التهذيب الإسلامية.
ثالثاً: جمعية نقابة المسلمين.
وقد قام بإنشائها الجنرال: (مافو سيانغ MA FU SIANG) وبعض زملائه، في (بكين) سنة 1927م، وأنشئت لها فروع في بعض المقاطعات.
وكان الهدف من إنشائها توثيق عروة المسلمين وتربية أبنائهم.
رابعاً: جمعية الاتحاد الإسلامية.
أنشئت في: (تين تسين) وقد اهتمت بمصالح المسلمين في هذه المنطقة، وطار صيتها في أنحاء الصين لقوة تصديها للدفاع عن الإسلام، وكان من زعمائها: (السيد ليومن يانغ LIU MUNG YANG )، وهي أقدم من نقابة المسلمين.
خامساً: جمعية شبان الشعب الإسلامي الصيني.
وتم إنشاؤها سنة 1933م في (بكين). وقد اهتمت بتوثيق الأخوة الإسلامية، والتواصي بالعلم والأخلاق، ونشر الثقافة الإسلامية، والمطالبة بالحرية والمساواة في الحقوق المدنية للشعب الإسلامي الصيني.
سادساً: لجنة الترقية لأبناء المسلمين.
وقد أنشأها عدد من المسلمين، منهم:الأستاذ (ووتي كونغ WU TE KUNG) سنة: 1933م في: (نانكينغ).
وقد اهتمت بإحصاء شئون التربية الإسلامية، ووضع المشروعات، وتقديم الاقتراحات، وتعميم التربية في المجتمع الإسلامي وترقيته...
سابعاً: جمعية الهداية الإسلامية الصينية.
وقد أنشئت في: (تاي يون TAI YUAN) حاضرة: (شانسي SANSI) ورئيسها: الأستاذ (ماجون تو)... [المراجع السابقة].
ثامناً: الجمعية الاتحادية الإسلامية.
التي أنشئت سنة 1938م وكان رئيسها: الجنرال (عمر باي تشونغ) وزير الدفاع الصيني حينذاك، وكان هدفها مقاومة العدوان الياباني وتوثيق العلاقات مع الدول الإسلامية. [راجع كتاب: المسلمون في الصين ـ جمال محمد العبد المنعم. الطبعة الأولى ـ لجنة الدعوة الإسلامية ـ الكويت ص: 162].
هذه الجمعيات الثمان ـ وغيرها ـ كلها أنشئت في عهد الحكومة الوطنية، وقد اختفت جميعاً في عهد الحزب الشيوعي كما سبق، واختفاؤها دليل على ما تم بعد ذلك من حرب سافرة للإسلام والمسلمين.
الجمعية الإسلامية الصينية والغرض من إنشائها:
أنشئت هذه الجمعية كما سبق في عام (1953م) بعد انتصار الحزب الشيوعي على الحكومة الوطنية واستيلائه على البلاد بأربعة أعوام، وكان الغرض الحقيقي من إنشائها إحكام الحزب السيطرة الكاملة على جميع أنواع النشاطات الإسلامية، بحيث لا يزاول المسلمون في عباداتهم وعاداتهم، في منازلهم ومساجدهم ومناسباتهم، إلا ما تأذن لهم به الدولة، مما لا يعارض سياستها المرسومة.
رأي مسلمي الصين في الجمعية الإسلامية الصينية:
تنبيه: إفراد هذه الجمعية بشيء من التفصيل أمر مهم، لأمور:
الأمر الأول: أنها هي الجمعية الرسمية الوحيدة التي تشرف على شئون المسلمين في الصين. ولا يجرؤ أحد من المسلمين على الخروج عن توجيهاتها علناً، لأنها إدارة حكومية ـ في حقيقة الأمر ـ وهي تعمل تحت إشراف مكتب تابع لمجلس الوزراء، مسئول عن الشئون الدينية.
الأمر الثاني: انخداع كثير من المسلمين في خارج الصين، أو من تمكن من زيارتها منهم باسم الجمعية وما تبثه من الدعاية التي تخدم الحزب الشيوعي، وكثير منها غير صحيح وليس في مصلحة المسلمين في الصين. [في الغالب].
الأمر الثالث: أن لهذه الجمعية ـ مع سلبياتها ـ بعض الإيجابيات، والإنصاف يقتضي ذكر ما لها وما عليها.
الأمر الرابع: أن بعض موظفيها قد لا يكونون راضين بكل ما يجري فيها، ولكنهم مضطرون لعمل ما أمكن من مصالح للمسلمين، مع تحمل ما فيها من مفاسد.
لمسلمي الصين في هذه الجمعية ثلاثة آراء، رأيان معلنان متعارضان، ورأي خفي يوافق أحد الرأيين المعلنين: [استخلصت هذه المواقف الثلاثة من زيارتي للصين، ومن قراءتي لكتاب صينيين مسلمين].
الرأي المعلن الأول:
يرى أصحابه أن هذه الجمعية هي جمعية حكومية، يقوم الموظفون فيها ـ وإن كانوا ينتسبون إلى الإسلام ـ بتنفيذ سياسة الحكومة التي خدعتهم في أول الأمر بوعدهم بمستقبل مشرق لهم ولأبنائهم، كما أرادت أن تخدع بهم العالم الإسلامي بثنائهم على الحزب الشيوعي، وأنه أعطى المسلمين حرية كافية في عبادتهم وعاداتهم، لتتمكن الدولة بذلك من إقامة علاقات سياسية ودبلوماسية واقتصادية وثقافية وعسكرية، مع حكومات الشعوب الإسلامية، وأهل هذا الموقف المعلن هم الذين يعيشون خارج الصين الشيوعية.
وممن يرى هذا الرأي المسلم الصيني (بدر الدين حي) الذي عمل مستشاراً في سفارة الصين الوطنية في المملكة العربية السعودية بجدة في التسعينات الهجرية، والسبعينات الميلادية.
وسألخص رأيه من كتابه: (تاريخ المسلمين في الصين). [كتب مقدمة هذا الكتاب في 25رمضان من عام 1395هـ].
1 ـ فهو يرى أن الشيوعيين أظهروا للمسلمين في بداية حكمهم، نوعاً من التسامح لإرضائهم، مكراً وخداعاً لإماتتهم في النهاية.
2 ـ وأن من مكرهم وخداعهم طلبهم من بعض الزعماء المسلمين، تكوين جمعية إسلامية شعبية في البر الصيني، لتعمل تحت توجيهات السلطة الشيوعية. [وقد ذكر منهم أسماء سبعة زعماء، وهم: 1 ـ برهان الدين الشهيدي (حاكم سينكيانج آنذك). 2 ـ سيف الدين (وهو من أهالي شمال سنكيانغ) 3 ـ الشيخ إبراهيم دابو تشنغ (وهو من شنغهاي) 4 ـ الشيخ محمد مكين (وهو من يونَّان) 5 ـ السيد تواضع بانغ. 6 ـ السيد يانغ تشونغ زين (وهما من شمال الصين)].
3 ـ وأن الحكومة أجبرتهم ـ بعد أن أنشئوا مراكز تعليمية واجتماعية كثيرة في مناطق الصين ـ على تأليف كتب عن الإسلام وترجمة لمعاني القرآن، تتفق مع النظريات الشيوعية. [يعني تحريف معاني القرآن ومبادئ الإسلام، ومن الأمثلة التي ذكرها الكاتب لتحريف معاني القرآن، تفسير قوله تعالى:{ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ } وأن المراد من قوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ} الخضوع الكامل لمن يستحق العبادة من كبار الزعماء الشيوعيين ورئيسهم الأعلى: (ماو تسي تونغ) وأن معنى {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} هو إطاعة من جاء بالرسالة الشيوعية رحمة لطبقة الكادحين، ومعنى: {وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} أي الذين هم من أمتكم وقومياتكم. . فأولو الأمر في الصين هم الحكام الشيوعيون!!!].
4 ـ و أن من أهم أغراض الحزب الشيوعي من إنشاء هذه الجمعية، تقييد حركة المسلمين وتحديد نشاطاتهم التي خشوا من توسعها وعدم السيطرة عليها، لو تركوا المسلمين ينشئون لأنفسهم جمعيات بعيداً عن سيطرة الدولة.
5 ـ خداع المسلمين في البلدان الإسلامية، ووفود الزائرين منها للصين، وأعضاء السلك الدبلوماسي منهم، عن طريق هذه الجمعية، بأن المسلمين لهم حرية كاملة في ممارسة شعائرهم الدينية، وأن لهم جمعية ترعى حقوقهم، وأن لهم مساجد ومراكز إسلامية في كل أنحاء الصين. [وذكر الكاتب أن هذا الخداع انطلى على بعض من زاروا الصين من كبار المسلمين، ومنهم الشيخ حسن الباقوري الذي كان وزيراً للأوقاف في مصر، وأن هؤلاء الزوار صرحوا بما أرادت الحكومة الشيوعية تحقيقه عن طريق هذه الجمعية، وهو أن السلطة الشيوعية تمنح قدراً كبيراً من الحرية في العقيدة والعمل والعبادة].
6 ـ وأن من أساليبهم الماكرة في خداع المسلمين خارج الصين، قيام الجمعية المذكورة بطبع مجموعة من الرسائل والكتب باللغات العربية والإنجليزية والصينية، تعبر عن نشاط المسلمين في كل نواحي الحياة في الصين على نفقات الحكومة الشيوعية، وأمروا موظفي الجمعية بتوزيع تلك الكتب على الزوار المسلمين، ليعودوا إلى بلدانهم بتصور سليم عن معاملة الشيوعيين للمسلمين، كما بعثوا بتلك الكتب إلى سفاراتهم في الخارج ليوزعوها على المسلمين.
وقد نقل الشيخ بدر الدين، ملخصاً لما جاء في تقرير سكرتير الجمعية العام الذي رفعه إلى مجلسها التنفيذي عام: 1955م، للاستدلال به على أن الجمعية كانت مطية لتحقيق أهداف الحكومة الشيوعية، وهو خداع المسلمين في البلدان الإسلامية بأن المسلمين في الصين ينالون كل رعاية واحترام، وتحريف معاني الإسلام تحريفاً يتفق مع مبادئ النظريات الشيوعية، وهذا نص ما ذكره بدر الدين في كتابه المذكور:
(.... فإلى القراء بعض ما جاء في تقرير سكرتيرها العام "مايو كوي" المرفوع إلى مجلس الجمعية التنفيذي في نوفمبر 1955م، قال فيه: (إن الجمعية قد كملت الأعمال التالية خلال السنتين الماضيتين عقب تشكيلها:
1 ـ إنها قد وضعت تخطيطاً لازماً لإصلاح التعليم الديني الإسلامي على أساس: "حب الوطن والحرية الدينية" وفقاً لسياسة الدولة في الصين الشيوعية.
2 ـ إنها قد عملت الترتيبات اللازمة لاستقبال الزعماء المسلمين، الذين وردوا من البلدان الإسلامية في الشرق الأوسط وجنوبي شرق آسيا، لزيارة الصين الشيوعية والترحيب بهم والحفاوة بهم، وتقديم الخدمات اللازمة لهم مدة إقامتهم في الصين، فضلاً عن تزويدهم بالمعلومات اللازمة عن أوضاع المسلمين في الصين الشيوعية المتحررة.
3 ـ إنها قد أرسلت بعض أعضائها العاملين إلى مؤتمر (باندونغ) بإندونيسيا، ضمن الوفد الحكومي الصيني، كما قامت بإرسال وفد إلى مؤتمر السلم العالمي في (هلسنكي).
4 ـ قد بعثت بعثات الحج إلى مكة المكرمة في سنة 1955م، وتعقد النية على تكرار بعثات الحج إليها في السنوات القادمة، على نفقة الحكومة، وذلك لتوثيق العرى مع البلدان الإسلامية أثناء موسم الحج وبعد الموسم.
5 ـ إن الجمعية قامت بترجمة دستور الصين الشعبية، إلى اللغة العربية وقامت بطبعه في بكين، كما طبعت القرآن باللغة العربية على المطبعة الحكومية، مع وضع تفسير له باللغة الصينية، على ضوء المبادئ والنظريات الماركسية.
6 ـ إنها قد أخرجت أفلاماً عن حياة المسلمين ونشاطاتهم في بكين خاصة، وفي أنحاء الصين الشيوعية على وجه عام، مع شرح باللغات الثلاث: العربية والصينية والإنجليزية، كما قامت بطبع الكتب ونشر المجلات بتلك اللغات الثلاث، تنوه فيها بحياة المسلمين ونشاطاتهم في الصين الشعبية المتحررة...). [راجع الكتاب المذكور (من صفحة: 157 إلى 161)].
الرأي الثاني المعلن:
هو موقف غالب العلماء والأئمة والموظفين العاملين في أجهزة الدولة، والمنخرطين في سلك الحزب الشيوعي ـ ومنهم أعضاء الجمعية أنفسهم، سواء كانوا في إدارتها المركزية، أو في الإدارات الفرعية ـ وكذلك بعض الكتاب المثقفين من المسلمين، وهؤلاء يشيدون بالجمعية وأعمالها، وبالدولة ودعمها للمسلمين إشادة مطلقة مبالغاً فيها، ويزعمون أن الدولة لا تتدخل في شئون المسلمين الدينية!، ويعترفون بأن منهج الجمعية يسير على وفق سياسة مبادئ الحزب وسياسة الدولة. [هذا مع العلم أن بعض أعضاء الجمعية قد يقول ما يقول مضطراً، ليدرأ عن نفسه الضرر إن هو لم يفعل، وقد يرى أن من المصلحة الثناء على الجمعية وعلى الدولة، ليتمكن من عمل ما قدر عليه لإخوانه المسلمين].
ومن نماذج هذا الموقف: مؤلف كتاب: المسلمون الصينيون ـ أسئلة وأجوبة ـ، قال في كتابه المذكور: [وهو باللغة العربية، صفحة: 202 الطبعة الأولى ـ دار النشر باللغات الأجنبية ـ بكين].
(تنفذ الحكومة الصينية سياسة الحرية في الاعتقاد الديني، فتحترم الاعتقاد الديني للمسلمين... وقد تأسست في عام 1953م الجمعية الإسلامية الصينية في بكين أولاً، ومن ثم تأسست جمعيات إسلامية محلية في سائر المقاطعات والبلدان والمناطق ذات الحكم الذاتي، وفي المناطق والمحافظات والمدن التي يتجمع فيها المسلمون، ليديروا بأنفسهم شؤونهم الداخلية دون تدخل الحكومات فيها...). [نعم إذا التزموا بالتعليمات التي تصدرها الحكومة والتقيد بها في نشاطهم، أما إذا خرجوا عن تلك التعليمات ـ ولو كان ما يعملونه من جوهر الإسلام ـ فهي لهم بالمرصاد وبعضهم على بعض رقيب!].
وقال في موضع آخر [صفحة: 209]. مبيناً بعض وظائف الجمعية:
(ومهمات الجمعية الإسلامية الصينية هي مساعدة الحكومة على تطبيق سياسة الحرية في الاعتقاد الديني، وتطوير التقاليد الإسلامية الحميدة، وحماية الحقوق الشرعية لرجال الدين الإسلامي والمسلمين، وتحسين إدارة الشؤون الدينية، وتوحيد المسلمين من مختلف القوميات، لحب الوطن الأم والاشتراك في البناء الاشتراكي المادي والمعنوي، ودفع قضية توحيد الوطن... والتقيد بالقوانين).
الرأي الثالث الخفي:
وهو يوافق الرأي الأول: وهو موقف العلماء والأئمة وطلاب العلم الذين رزقهم الله الفقه في دينه، وهم الذين يعيشون في داخل الصين الشيوعية.
وهؤلاء كثيرون، ولكنهم لا يجرؤن على إعلان موقفهم، لعلمهم بما تفعله الحكومة لمعارضيها، فقد أهانت آلاف العلماء وسجنت وقتلت كثيرا منهم، في عهد الثورة الثقافية، ولا زالت تتربص بمن يظهر منه شيء من المخالفة. [وهي تغلق كثيراً من المساجد التي قد يشذ بعض أئمتها عن تنفيذ توجيهاتها، كما تغلق المدارس التي لا تثق في القائمين عليها، ولا تتردد في اعتقال من لا يتقيد بأوامرها، بل إنها تقتل العشرات من المسلمين الذين يطالبون ببعض حقوقهم الضرورية، كما هو الحال الآن في تركستان الشرقية (سينكيانج)].
ولكنهم إذا وجدوا من يثقون فيه، لا يترددون في البوح له بأشجانهم والمظالم الشيوعية التي تنزل بهم وبأسرهم، وبعض هؤلاء هم ممن أوذوا في أنفسهم وأسرهم وأموالهم وأودعوا في السجون فترات طويلة، ولا زالت الدولة تراقبهم وتحذرهم من الخروج عن سياستها المرسومة وتحد من نشاطهم...
ومن الكتاب الذين أظن أنهم من هذا الصنف مؤلف كتاب: (الإسلام في الصين) ويدعى: (إبراهيم فنغ جين يوان)، فقد تصفحت هذا الكتاب ـ ولم أقرأه كله ـ وقرأت فهرسه فلم أجد فيما قرأت فيه ذكراً للجمعية الإسلامية الصينية، مع أن عنوانه يقتضي ذكرها، ولم يشد بالحكومة الصينية كغيره من الكتاب الذين يعيشون في داخل الصين.
رأيت له ـ فيما قرأت من كتابه ـ نصاً مختصراً يشير فيه إلى موقف الحكومة الصينية في سياق ترميم المساجد، وهو قوله: (ونظراً إلى استمرار الحكومة الصينية في تطبيق سياسة حرية العقيدة الدينية، واحترام الأعراف لدى الأقليات القومية، تم ترميم كثير من المساجد العريقة والمقابر الإسلامية). [صفحة: 58.. وقد طبع الكتاب في بكين ـ دار النشر باللغات الأجنبية سنة 1991م].
وهي عبارات أراد بها المؤلف فيما يبدو التخلص من اتهامه بالعداء للدولة ومبادئها.
كما أن غالب ما يذكر من المنجزات الإسلامية ـ إن لم يكن جميعه ـ متقدمُ التاريخ، أي قبل قيام الحكومة الشيوعية، إلا ما كان من جهود شخصية قام بها بعض علماء الإسلام، مع أن الرجل عمل في موقع علمي مهم، وهو: (معهد البحوث الدينية التابع لأكاديمية العلوم الاجتماعية الصينية).
ما للجمعية الإسلامية الصينية وما عليها:
قاعدة مهمة:
إن العدل يقتضي ـ مع ذكر السلبيات لأي شخص أو مؤسسة أو جماعة أو دولة ـ أن تذكر معها الإيجابيات، بل ويقتضي مع ذلك دراسة ظروف السلبيات، ومعرفة ما إذا كان صاحبها قد تعمدها، أو عملها مكرهاً أو جاهلاً، ولا يجوز لمن تنقل إليه الأحداث وآثارها من موقعها، أن يتسرع في الحكم على أهلها، وهو بعيد عنها لم يعلم أحوال أهلها علماً يسوغ له إصدار حكمه جزافاً، كما قد يفعله بعض من يدعون العلم وينصبون أنفسهم مجرحين معدلين، بدون روية ولا تثبت!
وإذا عدنا إلى السيرة النبوية رأينا فيها ما يرشدنا إلى هذه القاعدة المهمة.
فقد أذن الله سبحانه وتعالى لمن أوذي أذى لا قدرة له على تحمله، أن ينطق بلسانه كلمة الكفر ـ مع اطمئنان قلبه بالإيمان ـ كما في قصة عمار بن ياسر رضي الله عنه، وقد أنزل الله تعالى ذلك في كتابه الكريم فقال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. [النحل: 106]. والقصة معروفة.
وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الصحابة رضي الله عنهم، عندما نزل قوله تعالى: { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }. [البقرة: 284]. اشتد عليهم الأمر، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق... وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)). قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم. فأنزل الله في إثرها قوله: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ }. [البقرة: 285].
فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى: فأنزل الله عز وجل: { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} ((قال: نعم)). [صحيح مسلم: (1/115 ـ 116)].
فقد عذب كفار قريش (عمار بن يا ياسر) رضي الله عنه عذاباً شديداً لم يطق الصبر، من أجل أن يسب دين محمد صلى الله عليه وسلم، ففعل بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، وجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم خائفاً من أن يكون قد خرج بذلك من زمرة المؤمنين، فأنزل الله تعالى آية النحل دالة على أنه معذور فيما فعل، وأن إيمانه باق، وهي شاملة لكل من ناله من الأذى ما نال عماراً، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وآيات البقرة واضحة في أن الله لا يحمل خلقه ما لا يطيقون، وأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها.
والمؤمنون ليسوا سواء في قوة الصبر على الأذى وتحمله، فقد يصبر مؤمن على أذى لو نزل جزء منه على مؤمن آخر نفد صبره، وقصة بلال رضي الله عنه مع قصة عمار خير شاهد لهذا وهذا، فقد اشتد على بلال عذاب المشركين، فصبر وكان يقول: أحدٌ أحد! وقصته معروفة في السيرة النبوية.
وعلماء الصين في عهد الحزب الشيوعي ـ وبخاصة في وقت الثورة الثقافية التي سميت بالقفزة الكبرى ـ لا أظن أن وسائل تعذيب عمار في عهد قريش تبلغ عشر معشار وسائلها التي توافرت لدى أعدائهم لتعذيبهم، وإيمان علماء الصين ـ وغيرهم ـ لا يبلغ مبلغ إيمان عمار، فضلاً عن إيمان بلال، رضي الله عنهـما.
فإذا ما حصل لهم من التعذيب والإكراه ما لا طاقة لهم به وكان فوق وسعهم، أو خافوا من وقوعه بهم خوفاً حقيقياً دلت عليه الظروف المحيطة بهم، فهم معذورون فيما حصل منهم كما تدل عليه الآيات والأحاديث.
لكن قد يقال: إنه يوجد فرق بين ما حصل من عمار وما حصل لأعضاء الجمعية الإسلامية الصينية من وجهين:
الوجه الأول: أن ما حصل من عمار من الاستجابة لما طلبه المشركون، كان قاصراً عليه، أما ما حصل من بعض علماء الصين من تحريف لبعض معاني القرآن، استجابة للحزب الشيوعي، فإنه متعد إلى غيرهم من المسلمين، وهو تأثرهم بذلك التحريف الذي يجعلهم يفهمون منه غير مراد الله تعالى، والضرر المتعدي غير الضرر القاصر، لأن الضرر المتعدي تفتن به أمة، وليس فرداً، وما تفتن به الأمة لا يعذر صاحبه، بل يجب عليه أن يصبر على ما يناله، ومن هنا صمد الإمام أحمد رحمه الله للفتنة، ولم يستجب لما طلب منه خصومه وأخذ بما أخذ به بلال من العزيمة.
الوجه الثاني: أن ما حصل من عمار لم يكن يخشى منه التباسه على الناس بالتشريع وفهمهم له أنه من الإسلام، لأن قريشاً كانوا يعلمون أنه فعل ما فعل استجابة لطلبهم الذي أكرهوه عليه وهو إعلان سبه للإسلام، وليس الاعتراف بمعان جديدة تخالف الإسلام، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان بين أظهرهم، ينزل عليه الوحي ويبلغ به الناس، أما ما حصل من الجمعية فهو تحريف بعض معاني الإسلام وزعم أنها من الإسلام مع تسجيلها كتابة في ترجمات معاني القرآن أو الحديث، أو غيرهما من كتب العقيدة أو العبادة أو الأخلاق، وإعلام المسلمين ـ وعامتهم جهال ـ بأن ذلك حق يرضاه الله ورسوله، ولم يكن أحد يجرؤ على إعلان ما يخالف ذلك ـ وإن وجد من صبر على البلاء ورفض الانضمام إلى من وافق على التزييف. وهنا يكمن الخطر وهو إضلال المسلمين بما حصل من التحريف.
والجواب: أن الإنسان مكلف بما يطيق، وما لا يطيقه لا يكلفه الله به، لا فرق بين قاصر ومتعد، ولهذا لم يصبر زملاء الإمام أحمد من العلماء على ما صبر عليه هو، ولم يستطيعوا الصمود مثله، فأخذوا بما أخذ به عمار، فهو من عذر المكره الذي لا يؤاخذ الله صاحبه ما دام قلبه مطمئناً بإيمانه.
أما فيما يتعلق باللبس الذي يخشى على عامة المسلمين منه، فالواجب على من أكره على شيء من ذلك أن يتقي الله جهده، وأن يحاول اتباع المعاريض التي قد يتخلص بها من فتنة المُكْرِه (بكسر الراء) ويكون الاحتمال الراجح فيها هو الحق لا الباطل، فإذا فعل ما استطاع من ذلك، فهو معذور أيضاً لعموم النصوص، فإذا كان قادراً على التخلص من اللبس ولم يفعل كان آثماً...
هذا، وقد وجد من علماء الصين من صبر على البلاء كما صبر بلال، كما سيأتي في قصة الشيخ محمد أمين.
كما وجد غيرهم من دعاة الإسلام الذين صمدوا حتى أزهقت نفوسهم في سبيل الله، في بلدان كثيرة في العصور الغابرة والحاضرة، ومنهم سيد قطب وإخوانه الذين قتلهم عبد الناصر بعد أن أنزل بهم من التعذيب ما يزلزل الجبال لو كانت لها أرواح، وغالبهم لم يستطيعوا ذلك.
ونقل الصحفي المصري فهمي هويدي ما يدل على أن الدولة كانت تراقب أفراد المسلمين في بيوتهم، لتعاقب من تجده يصلي، وهذا نصه: (قال لي الحاج محمد علي رئيس الجمعية الإسلامية: إن من كان يريد أن يؤدي الصلاة العادية في بيته آنذاك، كان يتخفى في ركن جانبي ويؤدي الفريضة، بينما هناك من يحرسه ليحذره من أي قادم يضبطه متلبساً بالوقوف بين يدي الله). [الإسلام في الصين، صفحة: 147].
كما نقل أنه تعرض للتعذيب والإهانة في عهد الثور ة الثقافية كبار العلماء، بما فيهم رئيس الجمعية ونائبه... [نفس المرجع: ص: 145. فهمي هويدي].
والله تعالى هو العالم بمن أكره منهم وقلبه مطمئن بالإيمان، ومن باع دينه بدنياه أو دنيا غيره، وهو وحده الذي يحاسبهم، أما نحن فعلينا بيان الحق والتواصي به، وحسن الظن بالمسلم ما وجدنا إليه سبيلاً، والله المستعان.
أما من استجاب للشيوعيين وحرف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لينال منصباً أو جاهاً، أو لمجرد توهم أن يصيبه أذى، فهو آثم داخل في زمرة أهل الكتاب، كما سيأتي، إذ يجب أن يعلم أن من أكره على إعلان شيء يخالف الإسلام، يجب عليه أن يبين للناس ذلك إذا تمكن سراً، وأنه إذا زالت أسباب الإكراه وجب عليه أن يبين ذلك علناً، وهذا هو الواجب على أعضاء الجمعية الإسلامية الصينية وغيرهم ممن دخل في حكمهم بعد أن خف الضغط عليهم..
فإذا استمروا على إقرار تحريفهم مع قدرتهم على بيانه فذلك دليل على رضاهم به، فهم آثمون عند الله ولا عذر لهم، وعليهم إثم تحريفهم وإثم من عمل به إلى يوم القيامة وهم داخلون في زمرة أهل الكتاب الذين حرفوا كتاب الله ليشتروا به ثمناً قليلاً..
كما قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}. [البقرة: 79].
وقد أخبرني بعض الطلبة الصينيين أن بعض أعضاء الجمعية كانوا ـ بعد أن خفت الوطأة عليهم ـ لا يصلون وينصحون الطلاب الذين يحافظون على الصلاة أن يتركوها، وهذا دليل على فقدهم الإيمان من قلوبهم، أعاذنا الله من سوء الخاتمة.
وينطبق عليهم وعيد الله لمن كتم الحق أو لبسه بالباطل، كما قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }. [البقرة: 159-160].
وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ }. [البقرة: 174، 175].
وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. [آل عمران: 71].
المصالح التي تحققت للمسلمين بوجود الجمعية:
وقد تحققت للمسلمين مصالح لا يمكن إنكارها عن طريق هذا الجمعية ـ بصرف النظر عن السلبيات التي حصلت منها ـ ومن أهم تلك المصالح ما يأتي:
أولاً: طبع وتوزيع القرآن الكريم، وبعض كتب الحديث، وبعض الكتب الدينية. [ذكر الشيخ محمد العبودي في كتابه: داخل أسوار الصين (1/27) ط1 أن الجمعية طبعت في السنوات الأخيرة: 1 ـ القرآن الكريم 2 ـ ترجمة معاني القرآن الكريم لفضيلة الشيخ محمد مكين باللغة الصينية 3 ـ ترجمة جواهر البخاري، مع شرح القسطلاني باللغتين: الصينية والتركستانية 4 ـ تفسير الجلالين 5 ـ اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان. 6 ـ دعاء ختم القرآن 7 ـ خطب الجمعة 8 ـ نور اليقين في سير سيد المرسلين].
ثانياً: إنشاء المعهد الإسلامي الصيني لتخريج الأئمة والباحثين في بكين. [أغلق هذا المعهد في عهد الثورة الثقافية، وأعيد فتحه سنة 1402هـ تقريباً كما أشار إلى ذلك الشيخ محمد العبودي في كتابه السابق. والهدف من هذا المعهد وفروعه تخريج أئمة وخطباء وموظفين في منهج تشرف عليه الدولة عن طريق الجمعية].
وتبع ذلك إنشاء فروع مشابهة له في مناطق مختلفة من الصين، بلغت تسعة معاهد.
ثالثاً: المساعدة على ترميم المساجد.
رابعاً: مساعدة الجمعيات الإسلامية التابعة لها في المناطق الصينية.
خامساً: بعث بعض الطلاب الصينيين إلى بعض البلدان الإسلامية للدراسة.
سادساً: تنظيم وفود الحجاج إلى بيت الله الحرام.
سابعاً: تمكين المسلمين من الاحتفال بالمناسبات الدينية ـ وبخاصة العيدين المباركين.
ثامناً: استقبال وفود البلدان الإسلامية التي رغبت في زيارة المسلمين في الصين. [وفي ذلك فائدة عظيمة، لأن الوفود الزائرة ـ مهما أحيطت بالتنظيمات الرسمية التي تحول بينها وبين اتصالها بالمسلمين ـ تحصل على معلومات عن المسلمين وتنقل ذلك للمسلمين في الخارج، كما أنها تبدي نصحها لأعضاء الجمعية، وذلك يجعل حكومة الصين تخفف من ضغطها على المسلمين وتسهل لهم بعض ما كانت تشدد عليهم فيه].
تاسعاً: حضور أعضاء الجمعية بعض المؤتمرات والندوات الإسلامية في البلدان الإسلامية؛ وفي حضورهم كذلك فائدة، لأنهم يسمعون من أعضاء المؤتمرات والندوات آراء مهمة حول حقوق المسلمين التي حرمتهم منها الحكومة الصينية، والضغوط التي مارستها في حقهم، وينقل أعضاء الجمعية الحاضرين للحكومة ذلك، وهي قد تراعي مشاعر المسلمين حرصاً على مصالحها في دولهم.
عاشراً: الجمعية ـ وفروعها ـ تعتبر مظلة لنشاط المسلمين العبادي والتعليمي، يستطيع العلماء والأئمة والدعاة الصالحون القيام بتعليم المسلمين وتوعيتهم بالحكمة، والبعد عن الإثارة والتعرض لما يغري السلطات الحكومية بصدهم والحد من نشاطهم. [كثير من هذه المصالح التي تحققت من خلال الجمعية يعترف بها المسلمون، ويمكن مراجعة كتاب: (المسلمون الصينيون) صفحة 198 وما بعدها].
ما يؤخذ على الجمعية:
1 ـ أنها لم تهتم ـ فيما أعلم ـ بتصحيح ما حصل من التحريفات في المعاني الإسلامية.
2 ـ أنها تشجع الخرافات ـ كما هو الحال في كثير من الأقطار الإسلامية.
3 ـ أن كثيراً من أعضاءها يضيقون ذرعاً بطلبة العلم الذين يتمكنون من الحصول على منح دراسية خاصة ليست عن طريقهم ـ وبخاصة من فهم الإسلام منهم فهماً صحيحاً مخالفاً لما نشروه في كتبهم ومعاهدهم ـ وقد يحرضون عليهم الدولة من أجل إيذائهم، ويحذرون المسلمين من الطلاب الذين يسمونهم بالوهابيين، وهم الذين يتمسكون بالكتاب والسنة، وينبذون الخرافات. [لكن بعض هؤلاء الطلاب لا يحسنون مخاطبة الناس، بل قد يقفون مواقف تنفر منهم أئمة المساجد ممن فيهم صلاح ولديهم استعداد لقبول الحق، فتجد الطالب الصغير الذي قد يكون مستواه أقل من المرحلة المتوسطة، يقاطع الصلاة وراء الإمام بسبب أنه لا يقف على رؤوس الآي وهي مسألة لم يسبقهم إليها أحد من طلبة العلم، مع أن قراءة الإمام جيدة، وقد تكون أفضل من قراءة الطالب نفسه، وقد رأيت ذلك بنفسي في بعض المساجد الكبيرة، ولعلي ذكرتها في مذكراتي الآتية في هذا الكتاب].
4 ـ يعارضون طريقة تدريس العلماء الذين رزقهم الله فهماً صحيحاً للإسلام، في المدارس الإسلامية، ولا يشجعون نشر الأفكار الإسلامية الواعية التي تنبه عقول المسلمين على أسباب قوتهم، وأسباب ضعفهم، ووجوب تطبيق دينهم في حياتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، بل يحرصون على بقاء المسلمين على ما فهموه من تعاليمهم الماضية.
5 ـ المبالغة في التقرب من الدولة بما يرضيها، ولو كان في ذلك ما يمس الإسلام والمسلمين. [يراجع ما سبق من انتقاد بدر الدين حي للجمعية، ولا زال كثير مما انتقده ـ مع قدمه ـ موجوداً إلى اليوم].
6 ـ حرصهم على عدم وجود أعضاء في الجمعية، يخالفونهم في طريقتهم التي يسيرون عليها.
والواجب على من زار الجمعية المذكورة أو بعض أعضائها، في الصين من علماء الإسلام ودعاته، أو اجتمع بهم في خارج الصين أن يمحضهم النصح، ويبين لهم واجبهم في بيان حقائق الإسلام، وتعاونهم مع العلماء والأئمة المتفقهين في الدين، وأن يطوروا أسلوبهم في التعليم والدعوة، بما يحقق للمسلمين فهمهم الصحيح للإسلام وتمسكهم به، وإقناع الحكومة الصينية بأن فهم المسلمين لدينهم الصحيح وعملهم به في عبادتهم وأحكامهم الأسرية، لا ضرر عليها منه، وأنهم يعلمون أنهم أقلية لا طمع لهم في منافسة الدولة في السلطة ولا يريدون مخالفة قوانينها العامة.
هذا وقد زرت الجمعية لألتقي رئيسها "الشيخ محمد علي جانغ جي" فلم أجد أحداً من المسؤولين، ثم عدت إليها مرة أخرى فوجدت نائب الرئيس: (عبد الرحيم أمين) وحاولت أن أجتمع به لآخذ بعض المعلومات عن الجمعية، والحصول على نظامها وأنواع نشاطها، ولكن الرجل اعتذر في ذلك الوقت، ووعدني بالجلوس معي وإعطائي ما طلبت، إن عدت في وقت آخر، ولم يكن باستطاعتي الرجوع إليه لضيق وقتي وترتيبات حجزي بالطائرات التي يصعب تغييرها، فطلبت منه أن يزودني بالمعلومات المطبوعة، فذهب إلى أحد المكاتب ثم رجع معتذراً بأن مسؤول المستودع غير موجود والمفتاح معه.
وكنت أود أن أسمع ما يدور في الكتب وعلى ألسنة الناس عن الجمعية من رئيسها أو نائبه مباشرة، ولكني لم أتمكن برغم محاولتي.
مدارس المسلمين وأقسامها:
ذكر الشيخ محمد مكين أن المدارس الإسلامية في الصين أربعة أقسام:
القسم الأول: مدارس دينية قديمة.
وهذا القسم من المدارس كثير في المدن والقرى، وبخاصة في ولاية: "كانسو" ومن تلك المدارس:
1 ـ مدرسة: (سي ننغ SINING ) التي يقوم على أمرها تدريساً وإنفاقاً الشيخ: (ماسيانغ جينغ MA SIANG CHENG ).
2 ـ مدرسة (سانيينغ SANYNG ).
القسم الثاني: مدارس دينية حديثة، وهي أربع:
المدرسة الأولى: (مدرسة المعلمين الإسلامية) في "بكينغ" وناظرها: (تانغ كوسان TANG KOSAN ).
المدرسة الثانية: (مدرسة المعلمين الإسلامية) في "شنغهاي" وناظرها الأستاذ الشيخ (نور محمد تابو شين TA PU SHEN ).
المدرسة الثالثة: ( مدرسة المعلمين الإسلامية) في "سيجوان" وناظرها: (على لي يين شان LI JEN SHAN ).
المدرسة الرابعة: (مدرسة الأخلاق الإسلامية الثانوية) في "يونانفو" وناظرها: الأستاذ (يانغ وين بوYANG WEN PO )
القسم الثالث: المدارس الإسلامية المدنية: وتوجد منها مدرستان:
المدرسة الأولى: (مدرسة الأمة الغربية الشمالية الثانوية) في "هونان" وناظرها: (سون يين يي SON YEN I ).
المدرسة الثانية: (المدرسة الإسلامية الثانوية) في "هونان" وناظرها: الأستاذ(ماجين وو MA CHEN WU ). [الأقسام الثلاثة الماضية مدارس ذات مستوى متقدم في التدريس كما يظهر من السياق].
القسم الرابع: المدارس الابتدائية الإلزامية، التي تعلم الطلاب فروض العين، وهذه لا تخلو منها مدينة أو قرية يوجد بها مسلمون.
وجميع المدارس في الأقسام الأربعة أقيمت من تبرعات المسلمين وأوقافهم.
وأكثر أبناء المسلمين يدرسون في المدارس الحكومية في جميع مستوياتها. انتهى.. [هذه المعلومات ذكرها الشيخ محمد مكين في كتابه (نظرة إلى تاريخ الإسلام في الصين وأحوال المسلمين فيها) صفحة: 70 وما بعدها، وهو عبارة عن محاضرة ألقاها في القاهرة عندما كان طالباً في سنة: 1350هـ أي إنه مضى عليها 69 سنة].
وقد حدثت بعدها أحداث عظام عصفت بالمسلمين عصفاً، وبخاصة بعد قيام الثورة الشيوعية الظالمة، التي أغلقت مدارسهم ومساجدهم، وقتلت علماءهم وأهانتهم، وشردت المسلمين في جميع مناطق الصين، وآذتهم أشد أذية، حتى أصبحوا لا يستطيعون أن يقيموا أي شعيرة من شعائر دينهم علناً، بل أجبروا على تناول ما حرم الله عليهم، كأكل لحم الخنزير. وقد سبق ذكر شيء من ذلك. وسيأتي الكلام على المدارس الموجودة حالياً في المقابلات التي أجريتها مع بعض علماء الصين، أو الطلاب الذين اجتمعت بهم في المدينة المنورة.
وإنما ذكرت هذه المدارس هنا من باب الاطلاع على حقبة من تاريخ المسلمين، وقد فرَّج الله على المسلمين الآن نوع تفريج، وإن كانت مراقبة الدولة وتضييقها لم ينقطعا، نسأل الله أن يفرج كرب المسلمين ويرزقهم الصبر على المحن ويعينهم على التمسك بدينهم.
البعثات الطلابية الصينية إلى الأزهر:
إن في قوة العلاقات بين أبناء الأقليات الإسلامية وإخوانهم المسلمين في الشعوب الإسلامية ـ العربية وغير العربية ـ دافعاً قوياً لتلك الأقليات إلى التمسك بدينها والاعتزاز به، وبخاصة إذا كان الهدف من تلك العلاقات طلب العلم، كما يحصل من هجرة الشباب لطلب العلم في الجامعات والمعاهد الإسلامية، وأخذ العلم على أيدي كبار العلماء والمفكرين من قادة الأمة الإسلامية، لما في ذلك من التفقه في الدين، والتوسع في علوم اللغة العربية وجميع المواد الإسلامية، فإن هؤلاء الطلاب يعودون إلى بلدانهم حاملين لأمتهم العلم النافع والعمل الصالح، قادرين على تبصيرهم بمصالحهم عن علم وبصيرة وحكمة، كما قال تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }. [سورة التوبة، آية: 122].
وبذلك ينتشر العلم في المساجد والمدارس والبيوت، ويوجد القراء والمفتون، فيعلم المسلمون الحلال والحرام ويعبدون الله على بصيرة، إضافة إلى تقوية الإيمان في نفوسهم وشعورهم بأن لهم إخواناً في العالم الإسلامي يهتمون بهم ويفقهون أبناءهم، فتستمر تربية الآباء لأبنائهم على مبادئ الإسلام وأخلاقه وآدابه، وتقوى بين الأسر والأفراد والمجتمع المسلم الروابط المبنية على شرع الله، وينحصر الجهل وتقل المعاصي، ويعرف المسلمون حقوقهم وواجباتهم فيما بينهم، وفيما بينهم وبين غيرهم من أهل البلد...
وقد كان لأبناء مسلمي الصين نصيب من هذه العلاقة النافعة في العهد الجمهوري، إذ تمكنوا من الهجرة إلى الأزهر الشريف، فنهلوا من معين العلوم الإسلامية، ودرسوا اللغة العربية وغيرها مما يخدم الإسلام، ورجعوا إلى بلادهم فنشروا العلم وترجموا معاني الإسلام لقومهم، وعلموا أبناءهم القرآن الكريم ومبادئ الإسلام، بعد أن قطع حكام المانشو صلتهم بالمسلمين في خارج بلادهم فترة طويلة.
فقد ذكر الشيخ محمد مكين أن سبعة عشر طالباً منهم حصلوا على منح من الأزهر، في أربع بعثات:
البعثة الأولى: ـ وكان واحداً من أعضائها ـ وعددهم أربعة، وصلوا إلى القاهرة في 20 ديسمبر من عام: 1931م.
والبعثة الثانية: وصلت في 31 ديسمبر من عام: 1932م وعددهم خمسة.
والبعثة الثالثة: وصلت في: 20 مارس من عام: 1934م. وعددهم ثلاثة.
والبعثة الرابعة: وصلت في: 19 مايو من عام: 1934م وعددهم: خمسة. وذكر أسماءهم جميعاً.
أما الآن فقد كثرت بعثاتهم إلى الجامعات والمعاهد الإسلامية إلى كثير من البلدان الإسلامية، وبخاصة باكستان والمملكة العربية السعودية، وقد نفع الله بهم بلادهم، فنشروا العلم وفتحوا المدارس والمعاهد، وأموا الناس في المساجد، وقاموا بخطب الجمعة المفيدة. كما سيأتي في حواري مع الشيخ محمد أمين والأخ محمد نوح وغيرهما.
الصحف الإسلامية في الصين:
إذا كانت وسيلة التعليم تثبت المعلومات في عقول الطلاب، وتسهم إسهاماً فعالاً في تربيتهم واستقامتهم على النهج القويم، عن طريق المعلم والمنهج والكتاب، وتمكنهم من السير في تنمية معلوماتهم وثقافاتهم المتنوعة وزيادة استقامتهم ونفعهم لأنفسهم وأمتهم، فإن لوسيلة الإعلام تأثيرها العظيم في التثقيف والتوعية والتذكير بالمصالح التي يجب السعي لجلبها، وبالمفاسد والمخاطر التي يجب درؤها أو رفعها، تمتاز الوسيلة الإعلامية بتنوع موضوعاتها التربوية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبالاطلاع على الأحداث الجارية المستجدة...
لذلك حرصت الدول والأحزاب والمؤسسات والجماعات على اختلاف مبادئها وتوجهاتها، على إيجاد وسيلة إعلام تبلغ بها رسالتها إلى أعضائها أو إلى غيرهم، لنشر محاسن مبادئها وأفكارها والذب عنها...
والمسلمون أحوج من غيرهم إلى حيازة وسائل إعلامية، ينشرون بها مبادئهم ويثقفوا أمتهم، ويصونوا عقولهم من أن تضللها الأفكار والمبادئ المخالفة لدينهم، كما أنهم في حاجة إلى إيصال رسالتهم الإلهية التي كلفهم الله تبليغها إلى الناس كافة؛ لأن الله فرض على الأمم كلها أن تدخل في هذا الدين، وكيف يدخل في هذا الدين من لم يبلغه؟ ومن سيبلغ الناس هذا الدين غير المسلمين؟ وهل فاقد الشيء قادر على أن يعطيه غيره؟ {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي}. [سورة يوسف، من الآية: 108].
وهذا هو معنى البلاغ المبين الذي كلفه الله رسله وأتباعهم، ولم يبق دين على ظهر الأرض يجب أن يبلغ إلى الناس كافة إلا هذا الدين: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ }. [سورة آل عمران، الآية: 85].
ولا شك أن إخواننا المسلمين في الصين قد أحسوا بخطر وسيلة الإعلام كما أحسوا بخطر وسيلة التعليم، ولهذا حاولوا إيجاد تلك الوسيلة في حدود طاقتهم العلمية والأدبية والمادية... ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
وقد أشار الشيخ محمد مكين رحمه الله إلى تلك المحاولات رغم الفقر المادي والمعنوي، فقال مظهراً أسفه ـ وهو يقارن بين الإمكانات المتوافرة للصحف غير الإسلامية، وبين العوز الذي لازم الصحافة الإسلامية في بلاده: (لم توجد في الصين إلى الآن جريدة يومية مسلمة، لا تحتشم إذا وقفت بين زميلاتها الكافرات، وقد تظاهرت في السنوات الأخيرة مجلات إسلامية، ولكن الفقر الأدبي والمادي يئدها واحدة بعد أخرى...
ثم ذكر ثماني صحف لا زالت تصدر في عهده، وهي:
1 ـ (نضارة الهلال) التي تصدر في (بكينغ). ورئيس تحريرها: السيد (عبد الله جوبين CHAO PIN ).
2 ـ (الحكم الإسلامية) التي تصدر في: (كانتون) يصدرها الشيخ عثمان حسين MA SHUI TO ).
3 ـ (المنبه الإسلامي: تصدرها جمعية التقدم الإسلامية الصينية).
4 ـ (نور الإسلام) التي تصدر في: (تين سين) يصدرها: الشيخ (سعد إلياس WANG WEN TSING ).
5 ـ (المسلم) يصدرها بعض المسلمين في: (هونان).
6 ـ (مجلة شبان المسلمين) تصدرها جمعية شبان الشعب الإسلامي في: (بكينغ).
7 ـ (منبه الثغور) يصدرها بعض الشبان المسلمين الغيورين في: (نانكينغ).
8 ـ (النهضة) يصدرها بعض المسلمين في: (نانكينغ).
ومرة أخرى أقول: إنني لم أذكر هذه الصحف التي مضى على الكلام عنها: 69 سنة إلا للاطلاع على ما كان للمسلمين من نشاط في تلك الحقبة، وهو ـ وإن كان نشاطاً ضعيفاً كما أشار إلى ذلك الشيخ محمد مكين ـ فإنه جهد المقل، ومثل المسلمين في ذلك كمن لا يوجد عنده إلا درهم فأنفقه في سبيل الله، ودرهم الفقير قد يسبق دنانير الغني. وليت للمسلمين اليوم صحيفة واحدة فقط ـ ونحن في عصر الفضائيات والكمبيوتر والإنترنت ـ توزع في جميع أنحاء الصين وبخاصة أنه يوجد اليوم من الشباب المسلم من عنده قدرة على إيصال صوت الحق عن طريق وسائل الإعلام.
عدد المسلمين في الصين:
[قد تتكرر بعض العناوين بتكرر المقابلات أو النقل من المراجع المتيسرة].
يصاب الباحث في عدد المسلمين في الصين بيأس من الوصول إلى رقم محدد موثق.
وقد كتب فهمي هويدي في هذه المسألة (16 صفحة) ولم يخرج بنتيجة محددة. [الإسلام في الصين: (ص: 157 ـ 168) ولم أذكره في طليعة المراجع لوجود ما يمكن الجزم به، فهو نفسه يقول في مطلع كلامه: (أزعم أن هذه الصفحة من ملف مسلمي الصين هي من أكثر صفحاته إبهاماً وغموضاً، وإن لم تكن أكثرها أهميةً أو خطراً...) وإنما ذكرته كذلك لثلاثة أمور: الأمر الأول: أن الرجل صحفي محترف منقب. الأمر الثاني: أنه زار الصين وجال في مناطقها والتقى فيها فئات متنوعة من رسميين وغيرهم. الأمر الثالث: أنه أجهد نفسه ـ كما يبدو من صفحات كتابه ـ بالبحث في المراجع التي تمكن من جمعها، وفي مقابلاته للصينيين مسلمين وغير مسلمين، رسميين وعلماء تاريخ، ليفوز بسبق صحفي في هذه المسألة ـ كعادة الصحفيين ـ فنطح صخرة كما نطحها الأوائل قبله].
فقد انحصرت الأرقام التي نقلها عن الكتاب والمتحدثين ما بين: (ثلاثة ملايين ـ حسب تقدير بعض بعثات التبشير ـ و مائة مليون تقريباً). [ص 164، 165].
ومن أهم البنود التي ذكرها في كتابه ثلاثة بنود:
البند الأول: أن كتاب الصين السنوي ـ وهو كتاب مُقَرٌّ من الحكومة الصينية ـ الذي صدر في سنة 1935م والذي أصدرته المطبعة التجارية المحدودة في شنغهاي، ذكر أن عدد المسلمين في الصين (50 مليوناً). ومثله كتاب الصين السنوي في تايوان لعام: 1063 ـ 1964م. [صفحة: 162، 163 من الكتاب].
البند الثاني: اعتراف بعض المؤرخين المسلمين الصينيين بأنهم ـ أي المسلمين ـ كانوا يبالغون في عدد المسلمين في الثلاثينات، وبخاصة عندما كانوا يلتقون إخوانهم المسلمين في خارج الصين، فيقدرونهم بخمسين مليوناً... . ليرفعوا أصواتهم ضد اضطهاد الحكومة الصينية لهم..
فقد نقل فهمي هويدي عن أستاذ التاريخ الإسلامي: عبد الرحمن ناجونغ ـ وهو من المخضرمين الذين عاشوا في العهدين قبل ـ ما سمي ـ بـالتحرير وبعده: (أنه حدثت مبالغات كثيرة في أعداد مسلمي الصين في الماضي، وهي مبالغات لها ما يبررها، وقد شاركت بنفسي في الترويج لها طوال سنوات الدراسة العليا بمصر في الثلاثينات. فقد كنا نعيش في ظروف صعبة، وكنا نواجه اضطهاداً من حكومة الكومنتانغ ـ وهي الحكومة الوطنية التي نزحت بعد هزيمتها إلى تايوان ـ في ذلك الحين، خصوصاً في مقاطعة يونان.
وحتى نوصل أصواتنا إلى العالم الإسلامي ونحثه على إنقاذنا، فقد كنا نعلن في كل مناسبة أن عدد مسلمي الصين خمسون مليوناً مرة، وستون مليوناً مرة أخرى. ذلك فيما يتعلق بالخارج، أما في الداخل فقد كنا حريصين أن نبدو في حجم أكبر أمام الحكومة، لنحصل على مناصب تتكافأ مع التمثيل العادل لهذا العدد...)
هنا ملحوظتان:
الملحوظة الأولى: أن الاضطهاد الشيوعي ـ في عهد الثورة وبعدها ـ أشد من الاضطهاد الوطني، وكان القياس أن يبالغ المسلمون في عددهم أكثر من مبالغتهم السابقة، فلم لم يفعلوا، بل أيدوا تقديرات الحكومة الشيوعية في عددهم ودافعوا عنها؟!
الملحوظة الثانية: أن كون المسلمين بالغوا في عددهم ـ إن صح القول ـ في عهد الحكومة الوطنية ليرفعوا أصواتهم للمطالبة بحقهم في التمثيل العددي المترتب عليه رفع الظلم عنهم وإنصاف الحكومة لهم، يدل على البون الشاسع بين ضغط وظلم حكومة الكومنتانغ الوطنية التي كانوا يرفعون صوتهم ضد ظلمها، والحكومة الشيوعية التي لم يجرؤا إلى الآن ـ رغم خفة الضغط ـ المطالبة الرفيقة بحقهم منها..
البند الثالث: مناقشته لمسؤول في الدولة ـ وهو رئيس مصلحة شؤون الأديان في بكين ـ حول عدد المسلمين، فقد اعترف هذا المسؤول بعدم وجود رقم دقيق، وقدره بـ(13 مليوناً).
والمهم في هذا البند أن المسؤول المذكور أبرز سبباً من أهم الأسباب لفقد الرقم المحدد للمسلمين، وهو أن الدولة لا تؤمن بالأديان، ولذلك لا يهمها إحصاء أعداد أصحابها، سواء كانوا من المسلمين أو من غيرهم.. [حوار الكاتب مع المسؤول المذكور في ص 158 ـ 161].
وغالب المسلمين الصينيين في الثلاثينات وما بعدها يقدرون العدد بخمسين مليوناً، ومنهم الشيخ محمد مكين رحمه الله الذي اعترف بعدم وجود إحصاء دقيق، وذكر بعض الأسباب في ذلك، فقال: "ولا يعرف عدد المسلمين في الصين بالضبط، لأنهم منتشرون في طول البلاد وعرضها، أكثرهم في تركستان الصينية... ولم يكن لدينا إحصاء دقيق.
وأما إحصاءات الأجانب فمتناقضة، وما اختلفوا في ذلك ـ وهم محققون مدققون ـ إلا لأغراض خاصة سياسية أو دينية، فمنهم من يقول: ستون مليوناً، ومنهم من يقول: عشرون مليوناً، ومنهم من يقول: أقل من عشرة ملايين. [بل منهم من يقول: خمسة ملايين، وثلاثة ملايين!، كما في كتاب الإسلام في الصين (ص: 165) لفهمي هويدي]. وعلى تقديرنا أنهم خمسون مليوناً، وهذا أقرب إلى الحقيقة، فإن المسلمين متفرقون في أنحاء الصين، فما من بقعة إلا ويوجد فيها مسلمون كثيرون أو قليلون، وهم في بعض الولايات أكثرية، وفي بعض الولايات نصف السكان تقريباً". [نظرات عامة إلى تاريخ الإسلام في الصين (ص 61). وليس مراده من أنهم في بعض الولايات أكثرية وفي بعضها نصف السكان، أنهم كذلك في ولايات الصين كلها، بل مراده أنهم كذلك في بعض الولايات، بدليل قوله قبل ذلك: (كثيرون أو قليلون) ثم إنه لو فُهم أنهم كذلك في ولايات الصين لكان عدد المسلمين أكثر من عدد غيرهم، وهو أبعد من بعيد!].
وذكر الشيخ بدر الدين حي الصيني رحمه الله: (أن الطبعة الإنجليزية لكتاب الصين السنوي عام م 1940من قبل المطبعة التجارية الكبرى بشنغهاي، وكذلك كتاب الصين السنوي الذي نشر من قبل الحكومة الصينية في تشينغ كونغ عام 1948م، قد ذكر كل منهما أن عدد المسلمين قد بلغ 000، 000، 48 ثمانية وأربعين مليون نسمة...) ثم قال: وبناء على الأرقام التي قبلتها الجهات الرسمية في الحكومة الصينية كان المسلمون يوزعون على ما يلي...) وذكر جدولاً فيه 25 ولاية صينية، وأمام كل ولاية ما فيها من المساجد، وعدد السكان المسلمين، فبلغ مجموع المسلمين في تلك الولايات (48.104.240). [تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر (ص: 102 ـ 104)].
وذكر في مطلع الكتاب أن عدد المسلمين في الصين في سنة 1949م ـ وهي السنة التي استولى فيها الشيوعيون على الحكم في البر الصيني ـ بـ(48 مليوناً)، خرج منهم عدة آلاف إلى جزيرة تايوان... [في كلمته التمهيدية لكتابه: تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر (صفحة: هـ)].
وقال في كتاب آخر انتهى من تأليفه سنة 1941م: (وأما الآن فيبلغ المسلمون على أصوب تقدير أربعين مليوناً أو يزيد، وإن كان هناك قائلون بأكثر من خمسين مليوناً..). [العلاقات بين العرب والصين، صفحة: 291].
وإذا رجعنا إلى الأمير شكيب أرسلان الذي أولى شؤون المسلمين ـ ومنهم مسلمو الصين ـ جُلَّ اهتمامه، وجدنا أن غالب من نقل عنهم من مسلمي الصين، وبعضهم كانوا طلاباً في الأزهر، وأحدهم كان عالماً صينيا مهاجراً، يقدرون عدد المسلمين في تلك ـ الثلاثينات وما بعدها ـ بخمسين مليوناً... [حاضر العالم الإسلامي، راجع على سبيل المثال منه: (2/ 243، 265، 275، 283) نشر دار الفكر، الطبعة الثالثة: 1391 هـ ـ 1971م].
أما الكتاب المسلمون الصينيون، الذين كتبوا عن المسلمين في داخل الصين في عهد الشيوعيين، فغالبهم يعتمدون الإحصاء الحكومي الذي يقدر أن عدد المسلمين (13 ـ 17 مليون) ولا يعترفون بالتقديرات السابقة للحكم الشيوعي.
والإحصاء السنوي للحكومة الشيوعية، ليس مبنياً على تعداد المسلمين في الصين، لأنها لا تعترف بالأديان كما مضى، وإنما هو مبني على أن عشر قوميات صينية مسلمة، مع أنه يوجد مسلمون كثيرون من غير هذه القوميات.
فقد قال الأستاذ إبراهيم فنغ جين يوان: (ولم يكن قبل سنة 1949م إحصاء دقيق لعدد المسلمين الصينيين، وكان بعض الناس يقول بأن عددهم يبلغ 80 مليون نسمة، وبعضهم الآخر يقول بأنه يبلغ 50 مليوناً، والحقيقة أن هذه المقولة أو تلك ليس لها أساس من الصحة.
ويفيدنا الإحصاء العام الرابع العام الخاص بعدد سكان الصين والذي أجري سنة 1990م بأن عدد أبناء القوميات المسلمة في الصين يربو على: (17 مليون و597 ألف نسمة...). [الإسلام في الصين (ص: 3 من مقدمة المؤلف: نبذة عامة)].
وقال المسلم الصيني: شيو يوان: (لم يجر إحصاء دقيق لعدد المسلمين في الصين قبل عام 1949م ـ عام تأسيس الصين الجديدة. لقد ورد في حوليات الصين عام 1935م أن في الصين نحو 50 مليون مسلم. وهناك من قال: كان في الصين 80 مليون مسلم في تلك الفترة. وظل هذان الرقمان كثيرَي التداول في العالم.
إذن كم عدد المسلمين في الصين بالضبط؟
إذا أردنا الجواب على هذا السؤال، فلا بد من أن ننظر إلى تكوين القوميات في الصين...) ثم ذكر أن قوميات الصين كلها: 56 قومية، وعدد القوميات المسلمة عشر، وهي: (هوي، الويغور، القازاق، دونغشيانغ، القرغيز، سالار، الطاجيك، الأوزبك، بأوان، وقومية التتار) وذكر مع كل قومية عدد أفرادها، وقال: (ومجموع عدد أبناء هذه القوميات: 597، 17 مليون نسمة، وهذا الرقم موثوق به، أنه جاء نتيجة الإحصاء السكاني العام الرابع الذي أجري في الصين عام 1990م...)
ثم استدرك قائلاً: (ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن هناك مسلمين لا ينتمون إلى القوميات العشر السابقة الذكر...). [المسلمون الصينيون: صفحة: 6، 7].
وذكر جمال محمد عبد المنعم في مذكرات زيارته الأولى للصين، أن عدد المسلمين في الصين (120 مليوناً). [ملحق كتابه: المسلمون في الصين. . صفحة: 192 ولم يذكر مرجعا].
وذكر لي الشيخ محمد أمين في مدينة "كومنغ" أن عدد المسلمين في الصين أكثر من عشرين مليون نسمة.
نتائج وأسباب:
من هذه التقديرات نخرج بثلاث نتائج:
النتيجة الأولى: عدم وجود إحصاء دقيق لمسلمي الصين.
النتيجة الثانية: أن عدم وجود هذا الإحصاء الدقيق له ستة أسباب:
السبب الأول: يعود إلى الحكومة الصينية التي لا تعترف بالأديان من جهة، ولا تريد إعطاء الرقم الحقيقي للمسلمين من جهة أخرى. [بخلاف الحكومة الصينية قبلها، فقد اعترفت في الكتاب السنوي الذي نشر سنة 1940م بأن عدد المسلمين: 50 مليونا، كما مضى].
السبب الثاني: يعود إلى مراكز التبشير (التنصير) والاستشراق والبحوث التاريخية في الغرب التي عندها من الإمكانات ما يمكنها من الوصول إلى معلومات دقيقة، ولكنها لم تعلن الحقيقة، كما قال الشيخ محمد مكين.
السبب الثالث: يعود إلى اتساع مساحة الصين ووعورة مسالكها، وضعف مواصلاتها، وتفرق المسلمين في مناطقها.
السبب الرابع: الاضطهاد الذي حصل على المسلمين في عهود الحكومات الصينية كلها، مما جعل كثيراً من المسلمين يخفون هويتهم، ويغيرون أسماءهم، بحيث لا يفرق بين اسم المسلم وغيره في الوثائق الرسمية، وكذلك في اللباس... وإن كان كثير منهم يتخذون أسماء إسلامية فيما بينهم.
السبب الخامس: عدم وجود اهتمام من المؤرخين المسلمين الصينيين أنفسهم بهذا الأمر، إذ لو وجد عندهم اهتمام به، فقامت كل مجموعة منهم بإحصاء المناطق التي يوجدون فيها، والمناطق المجاورة لهم لتمكنوا من الوصول إلى رقم لعددهم، قد يقترب من الرقم الحقيقي.
السبب السادس: غفلة المسلمين خارج الصين في العصور المتأخرة عن إخوانهم الصينيين وعدم العناية بهم.
وهذه الغفلة ليست في تعداد المسلمين الصينيين فحسب، ولكنها غفلة في جوهر تقوية المسلمين في الصين، كما سيأتي.
فقد اتجهوا إلى بلدان الغرب وزاروا كثيراً من مناطقها ومدنها مراراً وحضروا ندوات ومؤتمرات بل أقاموها، وكتبوا عنها في الصحف والمجلات وتحدثوا عنها في الإذاعات وفي القنوات الفضائية ـ في الفترة الأخيرة ـ ولم يعطوا الصين شيئاً من هذا الاهتمام.
وإذا اعتذروا بتشدد الحكومة الصينية في السياحة ومراقبتها للزوار وللمسلمين الصينيين ومن يتصل بهم، فإن هذا العذر ـ مع وجاهته ـ يمكن التغلب عليه بوسائل كثيرة يمكن اتخاذها، إذا وجد العزم وتوافرت الإمكانات.
النتيجة الثالثة: يبدو أنه يوجد هضم متعمد لعدد المسلمين في الصين، لأن الأرقام التي ذكرت في الثلاثينات وما بعدها مهما كانت مبالغاً فيها لا تصل إلى هذا الرقم المتدني.!
ولنفرض أن المبالغة وصلت إلى 50% ونقول: إن الرقم الصحيح كان (25 مليوناً) فكم سيكون عدد المسلمين اليوم؟ أينقص عن (100 مليون نسمة؟!).
اعتراف واقتراحات:
ومع ذلك فإنا نقف حيث وقف القوم، ونقول: لا دليل على رقم محدد، ونطلب من القادرين على اقتحام العقبة أن يقتحموها، فمن هم؟ ومتى؟
وإني أقترح على المؤسسات الإسلامية في البلدان العربية وغيرها، أن تنسق فيما بينها للقيام بما يلي:
1 ـ تخصيص ميزانية لإعداد بحوث عن المسلمين في الصين.
2 ـ اختيار عدد من الباحثين والمؤرخين، وبخاصة من لهم خبرة في هذا المجال، وتكوين فريق عمل منهم يتولى التخطيط لإجراء مسح شامل لمناطق الصين، لتسجيل أعداد المسلمين في كل منطقة، على فترات متفرقة، ثم جمع ذلك كله في ملف كمبيوتري.
3 ـ ومما يسهل تنفيذ هذه الخطة الاستعانة ببعض الشباب من المسلمين الصينيين المثقفين، المعروفين بعاطفتهم الإسلامية وقدرتهم على اتخاذ الأساليب التي لا تلفت نظر من قد يعارض الفكرة، بحيث يختار لكل مجموعة من المناطق المتجاورة مجموعة من شبابها، تحت إشراف خبير أو باحث، للقيام بهذا الأمر دون ضجيج إعلامي ألفناه من كثير من المؤسسات.
4 ـ تصنيف الإحصاء ـ حسب الإمكان ـ : ذكور، إناث، أعمار، متعلمون، أميون، موظفون، عمال، تجار، عاطلون، متزوجون...
5 ـ ينبغي معرفة احتياجات المسلمين في كل منطقة، من مساجد ومدارس...
فوائد الإحصاء:
ولهذا الإحصاء ـ لو تم ـ فوائد، منها:
1 ـ إظهار الرقم الصحيح للمسلمين في الصين، وللرقم قيمته في المطالبة بالحقوق.
2 ـ بناء تخطيط المؤسسات الإسلامية في العالم الإسلامي، لمساعدة إخوانهم في الصين على أساس سليم، من حيث المساجد والمدارس والمصاحف والكتب الدراسية والمراجع الإسلامية وغيرها مما يمكن مدهم به.
3 ـ ربط الشركات في العالم الإسلامي ـ حسب الإمكان ـ صلات قوية بالشركات الصينية التي يديرها مسلمون، أو يكونون أعضاء بارزين فيها، فهم أولى بالتعامل من غيرهم.
الأسماء التي أطلقت على الإسلام وسبب إطلاقها:
من أشهر الأسماء التي أطلقها الصينيون على المسلمين لفظ (هْوِي)، ويسمون الدين الإسلامي: (دين هوي) وذكر بعض الكتاب أن سبب هذا الإطلاق هو: أن إحدى قوميات المسلمين العشر تسمى: (قومية هوي) وهذه القومية منتشرة في كل مناطق الصين، أما القوميات التسع الأخرى فإنها تنحصر في مناطق معينة لذلك اشتهرت قومية: (هوي) بالإسلام في الصين، فأطلق الصينيون هذا اللفظ على الإسلام، اعتقاداً منهم ـ وهو اعتقاد غير صحيح ـ أنه لا يوجد مسلمون في غير هذه القومية. [الإسلام في الصين: الصفحة الأولى من مقدمة المؤلف: نبذة عامة ـ إبراهيم فنغ جين يوان. المسلمون الصينيون صفحة: 16].
ومن الأسماء التي أطلقوها على المسلمين كلمة: (داشي) وهي تعني معنى: تاجر، والسبب في ذلك أن لمسلمين الأوائل الذين وفدوا على الصين كانوا تجاراً فأطلقوا عليهم ذلك.
وهناك تسميات أخرى عند الصينيين أطلقوها على الإسلام، ترجمات بعضها كما يأتي: (دين الصفاء، دين السلام، الدين المقدس، الدين الحنيف...)
وفي عهد الحكومة الشيوعية ـ عام 1956م ـ صدر بلاغ يوجب الالتزام بإطلاق اسم الإسلام، ويمنع غير ذلك من الأسماء فأصبح هو الغالب على ألسنة الناس. [الإسلام في الصين، صفحة: 36. فهمي هويدي، وقد أشار في صفحة 192 من نفس الكتاب إلى أن قومية (هوي) أطلقت على المسلمين من ذوي الأصول العربية والفارسية، ويمكن مراجعة: مجلة دراسات شرقية، العددان: 3، 4 ص: 54. لسنة: 1414 هـ ـ 1994م. باريس].
المساجد في الصين:
شأن المساجد في الإسلام عظيم، فقد أذن الله برفعها وعمارتها، وذكر اسمه فيها، وتطهيرها من الشرك والمعاصي، منذ أن جعل الله أول بيت في الأرض (المسجد الحرام) ثم بوأ إبراهيم مكانه، وأمره ـ مع ابنه إسماعيل جد سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ـ برفع قواعده.
قال تعالى: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ }. [آل عمران: 96، 97].
وقال تعالى: { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}. [الحج: 26].
وقال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} ـ إلى قوله تعالى: ـ {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. [البقرة: 125، 127].
وقال تعالى: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ}. [النور: 36، 37].
وقال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ}. [التوبة: 17، 18].
وقال تعالى: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً }. [الجن: 18].
وقد بعث الله تعالى آخر الرسل وخاتمهم محمداً صلى الله عليه وسلم في أول مسجد وضعه الله للناس (المسجد الحرام) ليطهره ـ كما طهره أبواه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قبله ـ من أرجاس الشرك والوثنية التي كان المشركون يدنسونه بها.
وعندما هاجر صلى الله عليه وسلم كان أول أعماله بناء مسجد قباء، وكان من أول أعماله في المدينة بناء مسجده الشريف الذي هو مركز المدينة.
وعندما اتخذ أعداء الله إقامة مسجد للتآمر فيه على رسوله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والإضرار بهذا الدين نبهه الله تعالى على ذلك فهدمه كما هدم الأصنام.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}. [التوبة: 107، 108].
وحث الرسول صلى الله عليه وسلم على عمارة المساجد واتخاذها في الدور.
ومضى على عمارتها أصحابه رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان إلى يومنا هذا، وإلى يوم الدين بإذن الله الذي أذن في رفعها لذكره.
لذلك لا تجد أرضاً وطئتها أقدام المسلمين، إلا كان من أهم آثارهم فيها المساجد التي ما تزال مناراتها شاهدة لهم بأنهم رفعوا منها كلمة التوحيد.
وهاهي الجوامع الكبيرة والمساجد تُشاد اليوم في كل مكان في العالم، في أوروبا بجناحيها الغربي والشرقي، وأمريكا الشمالية وأختها الجنوبية، وفي دول إفريقيا غير المسلمة، وفي الهند وأستراليا ونيوزيلندا، وفي الفلبين وتايوان واليابان والصين وكوريا...
ولا زالت المساجد هي مراكز مدن المسلمين الكبرى وأحيائها وقراها، لذلك ترى تلك المدن والأحياء والقرى تحيط بجوامعها ومساجدها، كما تحيط مباني مكة المكرمة، والمدينة المنورة، بالمسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والذي يشاهد اليوم مساجد المسلمين القديمة التي بقيت لهم مساكن حولها في الصين، يتبين له أن أحياءهم كانت تبنى محيطة بتلك المساجد من كل جانب، كما هو الحال في مدينة: شيئان.
صعوبة إحصاء المساجد في الصين وأسباب ذلك:
وإن دراسة تاريخ المساجد في الصين وإحصاءها، شبيه في صعوبته بصعوبة إحصاء المسلمين أنفسهم، للأسباب الآتية:
السبب الأول: أن الحكومة الصينية تعامل مساجد المسلمين، كمعاملتها للمسلمين أنفسهم، فكما لا تهتم بهم في الإحصاء السكاني، لأنها لا تعترف بالدين، لا تهتم بمساجدهم كذلك، ولا تحافظ عليها إلا عندما يكون لها مصلحة في المحافظة على بعضها، كالمساجد الكبيرة في المدن الكبرى، لتبدو أمام الزوار والدبلوماسيين الأجانب، أنها تمنح المسلمين حرية في أداء شعائر دينهم.
السبب الثاني: أن كثيراً من المساجد القديمة قد تهدمت، ويصعب الوقوف على أطلالها لحصرها، والحكومة الصينية تمنع تجديدها، وبخاصة في المناطق التي يغلب فيها المسلمون، كتركستان الشرقية.
قال الكاتب الصيني المسلم: (و مما يؤسف له أن الكثير من هذه المساجد قد تقوض ثم تلاشى بفعل الكوارث الطبيعية أو الغزو الاستعماري، الأمر الذي جعل من المتعذر دراسة تاريخ مساجد الصين دراسة دقيقة وافية..). [المساجد في الصين صفحة: 10]. ومما يذكر أن الإمبراطور المغولي "قوبلاي" بنى مسجداً في بكين كان يتسع لمائة ألف مصل. [الإسلام في الصين (ص: 62) فهمي هويدي]. وهو بدون شك من المساجد المندثرة.
السبب الثالث: أن كثيراً من المساجد التي تنتشر في القرى والأرياف مساجد صغيرة، لا يعرفها إلا أهلها ومن جاورهم.
كما قال الشيخ محمد بن ناصر العبودي ـ في زيارته لأحد الأرياف [في مقاطعة: "ننشا" في وسط الصين]. الصينية وقد أعجب بأحد المساجد ـ : (فسألناهم بهذه المناسبة عن عدد المساجد في هذه المنطقة؟ فأجاب رئيس الجمعية الإسلامية التي هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن المساجد التي تعترف بها الحكومة: إن عددها يبلغ مائة وخمسين مسجداً... (و) إن هذه المساجد كلها مساجد جديدة..). [داخل أسوار الصين (1/ 88)].
وإن وجود (150 مسجداً) جديداً في ريف واحد، لدليل على كثرة المساجد في الصين.
قد يقال: إن هذه المنطقة يكثر بها المسلمون، فلا غرابة أن تكثر بها المساجد! ولكن ليس الاستدلال على كثرة المساجد بمجرد وجود مساجد، بل بكون هذه المساجد جديدة، والغالب أن المساجد الجديدة لا تدخل في الإحصاء إلا بعد حين من الزمن.
السبب الرابع: أن كثيراً من المساجد لا توجد لها مآذن تدل الزائر ـ المهتم بالمساجد ـ على وجودها.
السبب الخامس: أنه لو أراد السائح الاهتمام بمعرفة المساجد، قد لا يجد من يرشده إليها حتى من المسلمين الصينيين ما لم يكونوا يعرفونه شخصياً، وهم يخافون من مرافقة الأجانب ـ وبخاصة المسلمين ـ لشدة الرقابة التي يعرفونها من أجهزة أمن الدولة التي تراقب تحركات المسلمين الصينيين أنفسهم.
السبب السادس: أن كثيراً من المساجد قد أغلقت في عهد الثورة المشؤومة، والمساجد المغلقة ليست داخلة في المساجد التي تذكر في الإحصاء الرسمي. [داخل أسوار الصين (1 /118)].
السبب السابع: أنه توجد مساجد كثيرة غير معترف بها من قبل الحكومة، وهذه أيضا لا تدخل في إحصاء المساجد.
تسمية المساجد في الصين:
للمسجد عن الصينيين أسماء متعددة، تختلف ـ فيما يبدو ـ باختلاف فهمهم لوظائف المسجد، أو تسميته ببعض أجزائه.
من تلك الأسماء: "لي تانغ" أي قاعة الاجتماع. كما قال أحد الكتاب الصينيين: (في بلاد الداشي [يعني الدولة الإسلامية] "لي تانغ" وهو يستوعب عشرة آلاف شخص، ومن عادة الملك أن يتوجه إليه حيث يصلى ويعتلي المنبر لشرح الأحكام على الملأ..).
ومنها: "تسي تانغ" أي قاعة التقديس.
ومنها: "لي باي تانغ" أي قاعة الصلاة.
ومنها: "غوانغتا" أي المنارة.
ومنها: "هْوي هوي سي" أي معبد هوي هْوي.
ويسمي كثير من المسلمين المسجد: "لي باي سي" أي المصلَّى. [الإسلام في الصين (ص: 30)، إبراهيم فنغ جين يوان. المساجد في الصين (ص: 8)، محمد يوسف لي هواين].
تقسيم المساجد في الصين:
تنقسم المساجد في الصين ـ في الجملة ـ قسمين:
القسم الأول: المساجد القديمة.
ويميز هذا القسم أن غالبه بني من الحجارة والطوب، وتظهر فيه الهندسة المعمارية العربية، حيث لا يوجد فرق بين هذه المساجد ومثيلاتها في البلدان العربية من حيث تركيباتها الهندسية، وإن تأثرت بعضها ببعض مزايا الهندسة المعمارية الصينية، وهذا القسم أصبح قليلاً، لأن غالب مساجده قد تهدمت، وهي التي بني غالبها في عهد أسرتي: تانغ وسونغ (618 ـ 1279م).
وأقدم المساجد من هذا القسم: مسجد "هْوايشنغ" أي مسجد الحنين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، في مدينة: "غْوان شو" والذي يقال: إن بناءه تم على أيدي بعض الجاليات العربية القديمة التي استوطنت الصين، كما سيأتي الحديث عنه.
القسم الثاني: المساجد الحديثة ـ نسبياً ـ .
ويتميز غالب هذه المساجد بسمات الهندسة المعمارية الصينية، وهي التي بني أكثرها في عهد أسرتي مينغ وتشينغ (1368هـ ـ 1911م).
تميز المساجد عن سواها من المعابد:
هذا ومع كون المساجد في الصين قد تأثرت ـ قليلاً أو كثيراً ـ بأسلوب الهندسة المعمارية الصينية، فإن سماتها الإسلامية تميزها عن غيرها من المعابد الأخرى، ولهذا قال الكاتب الصيني المسلم إبراهيم فنغ جين يوان: (وتختلف مباني هذه المساجد عن مباني المعابد البوذية والطاوية والكونفوشيوسية والكنائس المسيحية، أنها تحمل صبغة إسلامية واضحة... وتنتشر هذه المساجد من أدنى الصين إلى أقصاها انتشار الأزهار المبرقشة على البساط السندسي اللون مدلة بجمالها). [الإسلام في الصين (ص: 70)].
مسجد هوايشنغ:
اشتهر هذا المسجد بأنه أول مسجد بني في الصين في مدينة "غوانغشو" وهي مدينة: "كانتون" الشهيرة في التاريخ، الواقعة على ساحل بحر الصين الجنوبي، حيث استوطن التجار العرب الأوائل، بل يزعم بعض الكتاب أن الذي بنى هذا المسجد هو الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص، ولكنه زعم باطل يبطله تاريخ الصحابي المذكور. [العلاقات بين العرب والصين (ص: 158)، لبدر الدين حي].
وقد بني المسجد في عهد أسرة: "تانغ" (618 ـ 907). قال محمود يوسف لي هواين: (وتتجلى قيمة مسجد هوايشنغ في عراقة تاريخه، وضخامة بنائه المتميز بأسلوب العمارة العربي: منارة أسطوانية الشكل ترتفع 36 متراً عن أديم الأرض، وتبدو كأنها شعلة تناطح السحاب لأنها تتكون من جزأين: الجزء الأعلى يمثل فتيل الشعلة، ونظيره الأسفل يمثل بدنها... ولو صعدت إلى قمة المنارة للفت نظرك معالم مدينة غوانغتشو كلها.. وعلى الرغم من أن هذه المنارة قد أخنى عليها الدهر، إلا أنها ما زالت تنتصب بكل خيلاء على ضفة نهر اللؤلؤ..). [المساجد في الصين (ص: 12 ـ 18) وما بعدها. والإسلام في الصين (ص: 55) إبراهيم فنغ جين يوان].
مسجد شيئان جريت موسك (XI AN GRTEAT MOSQUE):
هكذا سماه لي إمامه الحالي: يحيى. [عندما زرته وصليت معه المغرب، بتاريخ: 2/3/1416هـ كما سيأتي في مذكراتي].
(ويبدو أن هذه التسمية جديدة)، ويسمى أيضًا: "داشيو هشيشيانغ" كما يسمى: "جامع هوا غيويه" باسم الزقاق الذي بني فيه [المساجد في الصين (ص: 4، 39)]. وسماه فهمي هويدي [في كتابه: الإسلام في الصين (ص: 205)].: "تشنغ تشن داسي جان داسي" وتختلف أسماء المساجد والأشخاص وغيرها بسبب اختلاف تسميات الصينيين أنفسهم، وقد يكون السبب عدم فهم النطق الصيني عندنا نحن العرب.
وتفيد الروايات التاريخية أن هذا المسجد من أقدم المساجد المبنية في الصين، وهو في مدينة شيئان، وقد بدئ في تنفيذ بنائه في سنة (742م) أي بعد بناء مسجد "هوايشنغ" السابق بمائة سنة، بأمر من الملك الصيني "تيان باو" لرعاية المسلمين الذين كان إمامهم "بدر الدين" وتم بناؤه في نفس السنة، وقد أقيم بالمسجد نصب حجري نقش فيه هذا التاريخ مع معلومات أخرى. [المساجد في الصين (ص: 4)].
وقد وصفه الكاتب الصيني المسلم محمود يوسف لي هْوان وصفا مفصلاً. [وكذلك وصفه لي إمامه الحالي يحيى، ولكني لم أستطع كتابة وصفه في مذكراتي، لضيق الوقت وصعوبة فهم بعض عباراته].
ومما قاله في وصفه: (يبدو جامع "هْوا غيويه" على شكل مستطيل، وتبلغ مساحته 13 ألف متر مربع، وهو يشبه القصر الإمبراطوري بضخامة بنائه وروعة هندسته، فلا يعتبر من أكبر الجوامع في الصين فحسب، بل يعد من كنوز الفن المعماري الصيني، ويتكون هذا الجامع من أربعِ دور متراصة تتوزع فيها أربع وثمانون غرفة من المباني الرئيسية والإضافية توزعاً متناسقاً...). [المساجد في الصين (ص: 40)].
وقال إبراهيم فنغ جين يوان [في كتابه الإسلام في الصين (ص: 40)].: (ومن المعروف أن جامع "هوا غيويه" في مدينة شيئان بمقاطعة شنسي هو النموذج الفريد من نوعه... ويبلغ طوله من الشرق إلى الغرب: 68ر245م وعرضه من الجنوب إلى الشمال: 65ر 47م ويغطي مساحة قدرها: 54ر 11684م).
وأنا أقول: لقد بهرني منظر المسجد وسعته وكبر أجزاء بناياته وكثرة مرافقه، مع عدم وجود الوقت الكافي للاطلاع على مرافقه كلها بالتفصيل، إلا أن كثيراً من بناياته ـ غير قاعة الصلاة فيه ـ تكثر بها الصور والتماثيل على غرار الطراز الصيني الوثني!.
مسجد شارع البقر (نيوجيه):
هذا المسجد من المساجد الكبرى المشهورة في الصين، وهو أكبر وأقدم مساجد مدينة بكين التي يقال: إنها تبلغ الآن (83 مسجداً). [المسلمون في الصين (ص: 42 ـ 44)].
وهو يقع في شارع اشتهر بشارع البقر، وسمي المسجد مسجد شارع البقر.
وقد كانت في المنطقة قبل القرن العاشر الميلادي، قرية جميلة في الضاحية الجنوبية لبكين، تمر بها أنهار متشابكة على ضفافها أشجار وارفة، فجذب جمال منظر القرية جماعة من المسلمين فاستوطنوها، ويروي الكتاب الصينيون أنه في عام 995م جاء إلى القرية عربي يسمى قوام الدين، ومعه ثلاثة أولاد: يدعى أكبرهم صدر الدين، ويدعى الثاني ناصر الدين، ويدعى الثالث سعد الدين، وأن سعد الدين بنى مسجداً في شرق بكين، وناصر الدين أقام مسجداً في جنوب بكين بأمر من الإمبراطور، وكان مسجداً صغيراً، وأن هذا المسجد قد وسع مراراً حتى وصل إلى صورته الحالية، وآخر ترميم له كان في عهد الحكومة الشيوعية الحالية سنة 1979م.
وتبلغ مساحة المسجد (6 آلاف متر مربع). ويتسع لقرابة ألف مصل. [المساجد في الصين (ص: 28). وقد زرت المسجد المذكور بتاريخ: 29/2/1416هـ ـ 27/7/1995م، كما سيأتي في مذكراتي، وقدرت صفوف المصلين فيه ـ إذا امتلأ بهم ـ بـ (25 صفاً) في كل صف (60 مصلياً) أي إنه يتسع لـ(مائة وألف مصل) وهو تقدير مقارب لما ذكره الكاتب الصيني].
أما سبب تسمية المسجد العربية بـ(مسجد شارع البقر)، فإن المسلمين يذبحون في هذا الشارع الأبقار والأغنام على وفق الشريعة الإسلامية، ويبيعون فيه اللحم، فغلب على الشارع من ذلك الوقت هذه التسمية. [المسلمون الصينيون (ص: 43)].
والبحث هنا لا يتيح الفرصة للحديث عن هذه المساجد أو غيرها بالتفصيل، وقد فصل الكتاب الصينيون الذين نقلنا عنهم هذه المعلومات بعض التفصيل، فلنكتف بما ذكر.
ملحق عن ترميم هذا المسجد:
أقدم مساجد بكين تحت الترميم.

http://www. islam ـ online. net/Arabic/news/2005 ـ 04/26/article07. shtml
وحدة الاستماع والمتابعة ـ إسلام أون لاين. نت/ 26 ـ 4 ـ 2005
يخضع حاليًّا أقدم وأوسع مساجد العاصمة الصينية بكين والذي يقع في قلب حي "نيوجي" ذي الأغلبية المسلمة لأعمال ترميم من المقرر إنجازها مع نهاية العام الجاري (2005).
وذكر الموقع الإلكتروني لصحيفة "الصين اليوم" الثلاثاء 26 ـ 4 ـ 2005 أن هذا المسجد الذي تم بناؤه منذ أكثر من ألف عام (عام 996) خلال فترة حكم سلالة "ليو" (907 ـ 1125)، يُعَدّ أقدم وأوسع مساجد الأقلية المسلمة في بكين.
وأضافت الصحيفة أن "مشروع الترميم" الذي بدأ الأسبوع الماضي ورصد له المجلس البلدي ببكين استثمارات بحوالي 20 مليون يوان (2. 4 مليون دولار أمريكي) لن يقتصر على مساحة المسجد الحالية التي تبلغ 5 آلاف متر مربع، بل سيشمل أيضًا مبنيين مجاورين.
وأشارت إلى أن هذين المبنيين كانا في الأصل تابعين للمسجد إلا أن عدة منظمات استغلتهما فيما بعد كمدرسة ابتدائية، ومعاهد، بالإضافة إلى مقر لأعمال تجارية، وقد عثرت هذه المنظمات على أماكن بديلة لهذه الأنشطة، وانتقلت بالفعل إليها.
وأضاف "يو" أن "أحد المبنيين سيستأنف نشاطه الأصلي كموقع للسيدات المسلمات، أما الثاني فربما يتم تحويله إلى مكتب لرابطة مسلمي مقاطعة إكسوانوو".
مكان مؤقت للصلاة:
من جانبه قال "وي تشانجي" نائب رئيس المكتب الإداري للمسجد: "إن أعمال الترميم لن تقتصر فقط على إصلاح المباني القديمة، مثل قاعة الصلاة والبرج المخصص لمشاهدة الهلال (لتحديد بدايات الشهور القمرية)، لكنها ستشتمل أيضاً على تغطية مصادر المياه، وإمداد المسجد بأنظمة للكهرباء والتدفئة".
وأشار "وي" إلى أن رابطة مسلمي المقاطعة "اختارت مبنى على بعد 200متر من المسجد الخاضع للترميم كمكان مؤقت لإقامة الصلاة؛ نظرًا لتعذر استخدام المسجد أثناء عمليات الترميم".
"ليو".. سعيد جدًّا:
"ليو تشاوليانج" مسلم يبلغ من العمر 71 عامًا، عاش كل حياته في حي "نيوجي"، عبّر للصحيفة الصينية عن السعادة البالغة التي غمرته حين علم بمشروع الترميم.
وقال: "المسجد هو المركز الروحي لما يزيد على 10 آلاف مسلم يعيشون بالقرب منه. أنا سعيد لمعرفتي أن المسجد سيتم توسعته، وسيعود إلى تصميمه الأصلي".
وأشار "ليو" إلى أنه "مع اكتمال أعمال الترميم فإن مساحة المسجد ستتضاعف تقريباً، وستجد السيدات المسلمات أماكن خاصة بهن لأداء الصلاة"، متمنيًاً أن يلتزم "عمال الترميم بتعاليم الإسلام أثناء تواجدهم داخل المسجد".
وحول المكان المؤقت الذي تم تخصيصه لأداء الصلاة لحين الانتهاء من أعمال ترميم المسجد قال "ليو": "من الملائم بالنسبة لي الذهاب إلى المكان الجديد لأداء الصلاة كل يوم، بدلاً من السير مسافة طويلة للوصول إلى المساجد الأخرى في المدينة".
وأوضح قائلاً: "المبنى المؤقت المخصص للصلاة حاليًّا مملوك أيضًا لمسلمين محليين، وقد أعيد إليهم مؤخرًا. وأنا ممتن لسياسة الحكومة الدينية".
وقد مرّ مسجد "نيوجي" بثلاث عمليات ترميم خلال أعوام 1955، 1979، و1996. وقد رمم المجلس البلدي ببكين أيضًا عدة مساجد أخرى خلال السنوات الأخيرة، مثل مسجد "تونجزو" ومسجد "دونجسي".
ودخل الإسلام الصين خلال حكم سلالة "تانج" (618 ـ 907). ووفقاً للإحصاءات الرسمية يوجد حاليًّا في العاصمة بكين حوالي 250 ألف مسلم، يعيش معظمهم في حي "نيوجي" بالعاصمة الصينية. ويبلغ عدد الأقلية المسلمة في الصين نحو 20 مليوناً أغلبهم في مناطق نينجكسيا وكسينجيانج وجانسوو كينجهاي. أ.هـ.
عدد المساجد في الصين:
ومع ذلك ذكر بدر الدين حي أن عدد المساجد الذي قبلته الجهات الرسمية في الصين حسب إحصاء سنة 1948م (42371). [تاريخ المسلمين في الصين (ص: 102، 103)].
لكن بعض الكتاب الصينيين الذين أتوا بعده وهم في داخل الصين، ذكروا أرقاماً أقل بكثير مما ذكر، فقال بعضهم إن عدد المساجد هو: (23 ألف مسجد). [المساجد في الصين (ص: 1)]. وقال آخر: (24 ألف مسجد). [إبراهيم فنغ يوان الإسلام في الصين (ص: 39)].
وهذان الرقمان الأخيران سجلا في عهد الحكومة الشيوعية كما مضى، وإذا صح أحدهما ـ وصحته بعيدة ـ فهو يدل على شدة حرب هذه الدولة الملحدة للإسلام والمسلمين، والمحاولة الجادة لتحطيم كل مرفق من مرافقهم التي تساعدهم عل أداء بعض شعائر دينهم. !
انتهى القسم الأول وهو (معلومات عن الصين)
ويليه القسم الثاني، وهو (المذكرات اليومية)