6 ـ في مدينة كومينغ
6 ـ في مدينة كومينغ
مؤتمر أحدث أزمة في الفنادق:
كان يعقد في هذه المدينة مؤتمر تجاري، يحضر أعضاؤه من جميع مناطق الصين، ومن بعض البلدان خارج الصين، وأحسن الفنادق في المدينة: فئة أربعة نجوم، غالبها مليئة بالمؤتمرين.
لذلك اضطررت للنزول في فندق يقال: إنه ثلاثة نجوم، ويسمى JINLI) HOTEL) وكانت نجومه مزورة؟ فبت فيه بدون نوم أنتظر الصباح.

وقد بحثنا عن فندق آخر من فئة أربعة نجوم، فوجدنا غرفة بوساطة صاحب التاكسي الذي كان على صلة بفندق (GOLDED DRAGON HOTEL) أي التنين الذهبي، والفندق نظيف ومظهره جيد ولكن صيانته ـ كعادة الصينيين ـ رديئة، وإدارتهم بطيئة.
زيارة مسجد (SHA LOU):
وبهذا المسجد مدرسة أهلية يديرها مع المسجد (داود إبراهيم TIE WEI JIE) وإمام المسجد (إبراهيم بن محمد ZHANJ SAO CHAN)
بني المسجد قبل (نسيت تسجيل تاريخ بنائه) والمدرسة قبل عشر سنوات، قام ببنائه داود المذكور، يتسع المسجد لخمسمائة مصل.
عدد المصلين في غير أيام الجمع يقارب خمسين، وفي أيام الجمع يمتلئ بالمصلين.
عدد الطلاب مائة وسبعون، وعدد المدرسين عشرون.
عدد المسلمين في المدينة وضواحيها 100000 مائة ألف نسمة تقريباً، يسكن حول المسجد ألف أسرة.
عدد المساجد في المدينة خمسة عشر مسجداً، وفي الضواحي أكثر من ذلك.
البحث عن الشيخ محمد أمين:
ذهبنا إلى أحد المساجد الكبيرة في المدينة، للبحث عن (الشيخ محمد أمين) الذي أثنى عليه كثير من المسلمين، وكان المسلمون في جميع المساجد يحتفلون بالمولد النبوي، أكلاً وذكراً وصلوات، بحسب ما تعلموه في هذه المناسبة.

ولم يتجاوب معنا أحد يدلنا على الشيخ محمد أمين، ولم يظهروا ترحيباً ولا حسن استقبال بالضيف، وهذه عادة غالب من التقيناهم من المسلمين الصينيين، ما عدا الذين يحصل التعريف بنا عندهم، أو يكون له صلة بالجامعة الإسلامية.
ومن أهم أسباب عدم استقبال المسلمين الصينيين للضيف المسلم؛ طول المدة التي قضوها منزوين عن العالم، وبخاصة العالم الإسلامي، إضافة إلى خوفهم من مراقبة الدولة وعدم معرفتهم بالزائر، وقد يكون من أسباب ذلك حذرهم من بعض أهل المذاهب الإسلامية المخالفة لما ألفوه في تعبدهم، وبخاصة من يأتيهم من الجزيرة العربية التي يقال لهم: إن علماءها وهابيون!
وكان الكثير من طلبة العلم قد تحلقوا في المساجد، لابسين الثياب البيضاء والكوافي والعمائم، وبيد كل منهم كتاب من المولد النبوي المولد يقرءون فيه قراءة جماعية.
وجدنا رجلاً مسلماً يبلغ من العمر خمساً وستين سنة، ينطق بصعوبة بعض الكلمات العربية، سألناه عن الشيخ محمد أمين فطرق باب غرفة في المسجد الذي كنا فيه، وقال: هذا بيت الشيخ محمد أمين فخرجت ابنة الشيخ، وقالت: إنه في إحدى القرى الريفية.
من أي قارة أنتَ؟
جمعني مصعد الفندق برجل صيني وامرأته وطفله، ويظهر عليهم أثر النعمة والتحضر، ولعلهما من كبار موظفي الدولة، أو من أعضاء الشركات الكبيرة، وكانت المرأة تصوب نظرها إلي تصويباً يدل على تعجبها من هذا الجنس الغريب من البشر، وبادرتني سائلة: من أين أنت؟ باللغة الإنجليزية، قلت: من السعودية.
فسألت سؤالاً آخر لم أفهمه، وقلت لرفيقي (إبراهيم): ماذا تقول؟ قال: تقول: من أي قارة؟ قلت: قل لها: من كوكب بعيد عن أرضكم، ولكن إبراهيم قال لها: من قارة آسيا. قالت: من أي جنس؟ فقال لها من العرب.
قلت: إذا كانت هذه المرأة التي تنزل في الفنادق الممتازة، ويظهر عليها كما ذكرت أثر النعمة، ويبدو أنها متعلمة وهي تجهل منطقة مشهورة ـ وبخاصة في هذا العقد الذي تناقلت أجهزة الإعلام عنها أحداثاً غير عادية تعرف بها بلدان العالم ولو صغرت ـ فما بالك بعامة الصينيين؟!
وقد سبقت قصتي مع رجل الأعمال الصيني في الطائرة من هونغ كونغ إلى بكين، والقصتان تدلان على العزلة الشديدة التي حجبت الصينيين عن العالم الخارجي.
بلدة الربيع:
الأربعاء 13/3/1416هـ ـ 9/8/1995م
كان الجو صحواً، وفجأة أخذت البروق تلمع، والرعود تتجاوب، والسحب تتراكم، والأمطار تنهمر. وهذه البلدة يسميها الصينيون بلدة الربيع لاعتدال مناخها غالب أيام السنة، وتحيط بها الجبال المكسوة بالغابات من غالب الجهات، وبقربها بحيرة كبيرة تزيد من تلطيف الجو حولها.
إرهاق السكان بالضرائب:
إذا ملك السائق سيارة بعد عمله في إحدى الشركات فترة طويلة، يدفع ضريبة شهرية للدولة ألف يوان.. [الدولار يساوي ثمانية يوان وتسعة أعشار الين تقريباً في هذه الفترة].
وإذا سمح له بالعمل في فندق أو مطار يدفع شهرياً خمسمائة يوان، وجميع الدكاكين الصغيرة والكبيرة، تفرض عليها الدولة ضرائب تناسبها.
حوار مع الأخ إبراهيم:
الخميس 14/3/1416هـ ـ 10/8/1995م
الأخ إبراهيم (TANG HAI TANG KE DE) مسلم جديد، وهو الذي رافقني في رحلتي داخل الصين من يوم وصولي إلى بكين، بتاريخ 25/2/1416هـ ـ 23/7/1995م، إلى أن غادرت الصين من عاصمة منطقة يونان (YONNAN: Chumming) جنوب الصين بتاريخ 18/3/1416هـ ـ 14/8/1995م.
تاريخ ميلاده: سنة 1971م في مدينة (LAN JANG) في وسط الصين، وهي تابعة لمنطقة (SI CHUNA).درس في مدينته إلى أن تخرج من المرحلة الثانوية سنة 1989م.
سَبَقَتْهُ أخته إلى الإسلام وأرشدته إليه بحكمة:
بعد تخرجه ذهب إلى مدرسة أهلية إسلامية في بكين، بنصيحة من أخته التي سبقته بالإسلام، وتزوجت شاباً فلسطينياً يسمى مصطفى صالح ـ وسأذكر التعريف به في إحدى فقرات هذه الرحلة، وهو الذي استأذن لإبراهيم في دخول المدرسة ـ دون أن تطلب منه الدخول في الإسلام، والمشرف على المدرسة يسمى إسحاق، وهو صيني.
ولدت أخته ـ أي إبراهيم ـ سنة 1967م وسمت نفسها بعد إسلامها (سلام) وكان إسلامها سنة 1987م على يد مصطفى صالح الذي كان زميلاً لها في الدراسة.
كان الأخ إبراهيم ـ وكل ما أنسبه إليه فهو من إجاباته على أسئلتي ـ يعرف أن المسلمين هم من قومية (خْوِيْ) وهم لا يأكلون لحم الخنزير. [وقبيلة خوي هي القبيلة التي كان دخولها في الإسلام في وقت مبكر، ويحاول الحكام الصينيون أن يفهم الناس أن الإسلام خاص بهذه القومية في الصين، ووقر ذلك في أذهان الناس، ولذلك عندما تنشر الدولة إحصاءاتها الرسمية، تنشرها باسم القوميات، ومنها هذه القبيلة التي يبلغ تعدادها 18 مليوناً، ويظن الناس أن هذا هو عدد المسلمين، مع أن الإسلام منتشر في قبائل أخرى غيرها. ولذا لا ينبغي الاعتماد في عدد المسلمين على هذا الإحصاء].
ولا يعرف الأخ إبراهيم أن أحدا غيره كان يدرس في هذه المدرسة من غير المسلمين، وهي تُدَرِّس العلوم الإسلامية واللغة العربية.
ومن ذلك تفسير بعض الآيات القرآنية، وقراءة بعض قصار السور.
والذي يتولى تفسير بعض الآيات هو الشيخ إسحاق نفسه، ويختار في الغالب الآيات الدالة على وجود الله وتوحيده.. [وهو اختيار موفق حكيم،لأن الثورة الثقافية الماوية الماركسية رسخت في أذهان الناس أنه لا يوجد للكون خالق، وأن الطبيعة هي التي أوجدته].
الموت مخيف ونظام الكون دقيق ولم يكن يفكر في الْمُمِيت الْمُوجِد!
قال الأخ إبراهيم: إنه كان في صغره شديد الخوف من الموت عندما كان يرى الموتى يدفنون، ولم يكن يفكر في وجود الله، وكان يلفت نظره النظام الدقيق في الكون، ولكنه لا يفكر فيمن أوجده، ولا فكر في أن الطبيعة هي التي أوجدت نفسها.
السؤال عن حقيقة الإسلام؟
وفي هذه المدرسة بدأ يسأل بعض زملائه عن حقيقة دين الإسلام؟ فقدم له أحد زملائه كتاباً، يسمى: "حقيقة الإسلام" باللغة الصينية وعندما قرأه وجد فيه شيئاً جديداً، وهو أن لهذا الكون خالقاً واحداً، ولكنه لم يجزم بوجود خالق، بل كان يرى بأن ذلك يمكن أن يكون صحيحاً، ويمكن أن لا يكون صحيحاً، ولكنه قال في نفسه: إذا كان يوجد خالق لهذا الكون فعلاً، فلا بد أن يكون واحداً فقط، ولا يمكن أن يكون متعدداً، ولم يصدق القصص الصينية التي تقول: إن الآلهة متعددة.
إيمانه بالإله وشكه في الرسول والسبب!
ثم لما سمع الآيات الدالة على وجود الله، آمن بأن لهذا الكون خالقاً، وانتفى الشك الذي كان عنده قبل ذلك، ولكنه كان في شك من أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان رسولاً من عند الله، لاحتمال أنه ـ أي محمد صلى الله عليه وسلم ـ وصل إلى الإيمان بوجود الله وتوحيده بفكره، وليس عن طريق الرسالة.
وبناء على ذلك، أي إيمانه بوجود خالق واحد، مع الشك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، نطق الشهادتين، وكان ذلك سنة 1991م. وكان عمره 19 سنة.
لا يمكن أن يأتي بهذا الدين بشر من عند نفسه!
وفي نفس السنة سافر إلى باكستان للدراسة في جامعة الدعوة إلى القرآن والسنة في بيشاور، ومكث ثمانية شهور وهو لا يزال يشك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ويتساءل في نفسه: لماذا هو نبي؟ وكان يتهاون في أداء الصلاة لعدم معرفته بوجوبها.
ولكنه خلال الشهور الثمانية درس بعض مبادئ الإسلام، وكان يرى أنها كلها خير، وعرف أن هذه المبادئ جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، وآمن بكل ما سمعه عن الإسلام، ووقر في ذهنه أن هذا الدين لا يمكن أن يأتي به بشر من عند نفسه، بل لا بد أن يكون من عند الله، وعند ذلك أيقن بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله.
وكان قبل إسلامه قلقاً من مصيره إلى الموت، إذ كان يفكر في أنه إذا مات صار إلى التراب وتحت الأوساخ والقاذورات، وكان يحاول أن يفر من هذا الخوف بالحديث مع زملائه. أما الآن فهو لا يخاف إلا من عذاب الله إذا مات على معصية.
وأسرته: أمه وأبوه وأخته الكبرى الذين لم يسلم منهم أحد عندما أسلم ـ لم يغضب أحد منهم عليه بسبب إسلامه.
وقد دخلت أمه قريباً في الإسلام، وهو شديد الرغبة في دخول بقية أسرته في الإسلام، ولعله ينجح في ذلك قريبا بإذن الله. [هذه هي قصة إسلام مرافقي الأخ إبراهيم الصيني وهو الآن في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، نجح من السنة الأولى من كلية الدعوة وأصول الدين إلى السنة الثانية منها، أسأل الله أن يزيده هدى ويهدي به].
جولة في الجبل الغربي:
ذهبنا إلى الجبل الغربي ـ هكذا يسمونه ـ وهو أحد الجبال المحيطة بالمدينة، ويقع غربها وهو جبل سياحي، به كثير من المعابد البوذية، ويشرف على المدينة وضواحيها، وبجانبه تقع البحيرة الكبيرة، وبه المصاعد الجبلية الكهربائية التي توصل السائحين إلى قمة الجبل.


وقد صعدنا إلى قمة الجبل، ولكن الأمطار الغزيرة بللت ثيابنا ونحن في المصعد، فاضطررنا إلى العودة إلى المدينة.
حوار قصير مع سادن المعبد:
دخلنا أحد المعابد البوذية وهو ذو مبان كثيرة في كل مبنى صور مجسمة لبوذا، والناس يقدمون له أعواد البخور ويركعون ويسجدون على الأرض أمام صورته.
من هو بوذا؟
فأجاب: هو رجل هندي.
من خلق بوذا؟
قال: خلق نفسه.
هل يخلق الشيء نفسه؟
قال: بوذا خلق نفسه.
هل الكون منظم، دقيق التنظيم؟
قال: نعم
من خلق هذا الكون الدقيق التنظيم؟
قال: الطبيعة.
ما هي الطبيعة؟
قال: هي الأشياء التي نشاهدها.
هل تتصف الطبيعة بصفات تمكنها من خلق نفسها، كالعلم والقدرة والحكمة؟
فأظهر العجز وسكت، فتركناه وذهبنا.
كان الجو صحواً نسبياً، فصعدنا بالمصعد الكهربائي وهو مكشوف، وفي أثناء صعودنا هطلت الأمطار علينا فبللت ثيابنا.
السفر إلى قرية لا شا يين (LA ZI YIN)
الجمعة 15/3/1416هـ ـ 11/8/1995 م
كان خروجنا من كومينغ بالسيارة الساعة:40: 7 صباحاً.
ولا شايين منطقة تشتمل على عدة قرى، تقع جنوب شرق كومنج، ويكثر بها المسلمون، وفي الطريق إليها أسواق شعبية على جوانب الشارع، وقرى كثيرة..

وتكثر في هذه المنطقة الخيول الصغيرة الحجم، وتكثر العربات المحملة بالخضراوات والأخشاب، وتقودها الخيل والحمير، وكثير منها يقودها البشر، والأرض كلها زراعية خضراء. وتكثر بها الجبال المكسوة بالغابات الشديدة الكثافة، والبحيرات الصغيرة والكبيرة، والجداول المائية الصغيرة، والطريق في كثير منها يتلوى كالثعبان.

المسافة إليها: 120كم.