رحلة كينيا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 10 صفحة
صفحة 10 من 10 مدينة كيسومو

مدينة كيسومو

مدينة كيسومو

وعندما وصلنا إلى مطار كيسومو كان في استقبالنا الإخوة: يوسف عثمان وإسماعيل وعبد الكريم، الذين كانوا قد سبقونا بالسيارة، لنأخذ جولة في المنطقة.
وغالب سكان المنطقة من قبيلة (لُوو LUO)، ويسمون منطقتهم بـ(المملكة المتحدة) إشارة إلى اعتزازهم بقبيلتهم واستقلال أراضيهم.

نشاط الطائفة الأغاخانية:

عندما مررنا بوسط المدينة أشار الإخوة إلى مبنى كبير يضم مدرسة ابتدائية للطائفة الأغاخانية، وقالوا: إن هذه الطائفة متمكنة في كينيا، وبخاصة في المدن الكبرى الثلاث: نيروبي، مومباسا، كيسومو، وقالوا: إن عدد المسلمين في هذه المنطقة قليل جداً.

قرية بُرغولي BORGOLI:

ثم ذهبنا نتجول في ضواحي المدينة وقراها التي تنتشر فيها الأسواق الشعبية، ومن تلك القرى (بُرْغولي BORGOLI)، وهي ذات كثافة سكانية بالنسبة لغيرها من القرى المجاورة، وغالب سكانها من قبيلة (بالويا BALOYA) ويندر وجود مسلمين فيها.

مدرسة النور الإسلامية:

ثم مررنا بمدينة (كاكا ميغا KAKAMEGA) والمسلمون فيها قليل، ولكن بعض أهلها يدخلون في الإسلام، ومحافظها مسلم، وهو يشجع الدعاة والداخلين في الإسلام، ويصلي الفجر في المسجد مع المسلمين. [هو محمد الحاج يوسف عبدي، وسيأتي ذكره].
مررنا بمدرسة النور الإسلامية في هذه المدينة، واجتمعنا بمديرها "إبراهيم سعد الله رمضان" الذي يبلغ من العمر 41 سنة، وقال: إن المدرسة أنشأت سنة 1978م، قامت بإنشائها لجنة المسجد من الأهالي، وعدد المدرسين فيها أربعة، وعدد طلابها 250 بنين وبنات.

مدير مدرسة كاكاميقا إبراهيم سعد الله رمضان 2/11/1415هـ 2/4/1995م
مدير مدرسة كاكاميقا إبراهيم سعد الله رمضان 2/11/1415هـ 2/4/1995م

وكانت اللجنة المشرفة على المسجد والمدرسة مجتمعة للتشاور في رفع مستوى التعليم وفتح قسم لتحفيظ القرآن الكريم.
وسألتهم عن نسبة المسلمين في هذه المدينة فقالوا: 10% تقريباً، و21% في المحافظة (يصعب جداً أن تجد معلومات دقيقة عند المسلمين وغيرهم عن الإحصاءات في عدد المسلمين أو غير ذلك، وقد توجد إحصاءات دقيقة لدى الدولة، ولكنها تحتاج إلى وقت وقد لا تطمئن النفس إليها فيما يتعلق بالمسلمين).
وسألتهم عن عدد الداخلين في الإسلام عندهم كل سنة فقالوا: أكثر من خمس مائة، ويدخل في الإسلام آخرون في مناطق أخرى.
وقد طلب مني المدير إلقاء نصيحة في أعضاء اللجنة، فلبيت رغبته بكلمة مختصرة أرجو أن تكون مفيدة.

لقاء المحافظ المسلم محمد الحاج يوسف عبدي في الطريق:

وقد استحسن الإخوة زيارة المحافظ في منزله، لأن اليوم يوم إجازة وهو يسر بزيارة المسلمين له، وبخاصة المهتمين بالدعوة والتعليم، فمررنا بداره ولم نجده.
وعندما كنا نعبر أحد الشوارع قرب منزله قابلناه ماشياً مع بعض أولاده فنزلنا وسلمنا عليه فسر بنا غاية السرور وطلب منا الرجوع معه إلى البيت ولكنا اعتذرنا لضيق الوقت. ويسمى محمد الحاج يوسف عبدي - يبدو أنه صومالي الأصل - وعمره يقارب ستين سنة، وهو طويل القامة بشوش، يشكره المسلمون كثيراً على تعاونه معهم وتسهيل شؤونهم، ولا سيما ما يتعلق بالدعوة والتعليم والحقوق التي قد يحول بينهم وبينها بعض الموظفين من غير المسلمين، ويشجع دخول الناس في الإسلام، وقد منح بعض الداخلين في الإسلام بعض ملابسه الخاصة (لأن ملابس غير المسلمين وبخاصة سكان الغابات لا تستر العورة كما أنها لا تصلح لأداء الصلاة قبل غسلها) وذكر الإخوة أن زوجته ترأس جمعية النساء المسلمات، وقد رأينا أثر التربية الإسلامية في أسرته في لباس ابنتين له صغيرتين عندما كنا في باب منزله نسأل عنه.

منطقة أخرى تسمى كالِنْجِنْ:

ثم مررنا بمنطقة أخرى تسمى (كالِنْجِنْ KALINGIN) ويكثر بهذه المنطقة قبيلة رئيس كينيا الحالي: (عرب موي).

مركز الحميدان في قرية كاموبو:

ثم مررنا بقرية (كاموبو KAMOBO) في منطقة (كاسابيت KASABET) التي أنشئ بها مركز الحميدان (رياض الحميدان) وهو من أهل الدمام، تبرع ببناء المركز الذي يشتمل على مسجد، ومدرسة تتكون من خمسة فصول، وبيت للمعلم، وبئر.
عدد المدرسين اثنان، وعدد الطلاب 120 بنين وبنات، أحد المدرسين يسمى شافعي عبد العزيز مفتاح خير الله، وجد أبيه (خير الله) هو أول من أسلم من أسرته، ومنطقته قريبة من كيسومو، وعمره 21 سنة، وله في هذه المدرسة ثلاث شهور يدرس الطلاب، ويقوم بعض من دخل في الإسلام من منطقته بدعوة غير المسلمين إلى الإسلام.
ويدير المركز الأخ محمد بن أحمد طاهر منذ ثلاثة شهور، وعمره ثلاثون سنة.
والذي تبرع بأرض المركز مسلم عربي حضرمي يسمى (أحمد بن يسلم باشن). [هكذا نطق هذه الكلمة (باشن) ولعلها باعشن].
وعمره ستون سنة، جاء أبوه من المكلا وتزوج وأنجب في كينيا.

طقوس الرقص والدفوف!

وحيث إن هذا اليوم يوم إجازة، فقد رأينا أفواجاً من المسيحيين يسيرون في الشوارع، وهم يضربون الدفوف ويرقصون ويترنمون بأناشيد دينية، ويحملون بيارق مختلفة الألوان ذاهبين إلى الكنائس أو راجعين منها في جميع المناطق التي تجولنا فيها.

على ضفة بحيرة فكتوريا:

رجعنا بعد جولة استمرت أربع ساعات (من العاشرة صباحاً إلى الثانية ظهراً) إلى مدينة كيسومو التي تجولنا قليلاً في شوارعها ثم أخذنا نبحث عن مطعم نظيف لتناول طعام الغذاء.

أكبر فندق، ولكنه بعيد نحو 5أميال!

هكذا قال لنا أحد الشباب الذي سألناه عن فندق ممتاز، نريد أن نتغدى، قال يوجد أكبر فندق على ضفة البحيرة، (قريبو ماجي) هكذا تنطق بالسواحلية، والماجي هو الماء، قلنا: وما اسمه؟ قال: دونغا DUNGA، فذهبنا نلتمس الفندق البعيد الذي يبعد نحو خمسة أميال، وأكبر فندق قريبو ماجي، فإذا الفندق عبارة عن قليل من الغرف الأرضية التي نسأل الله العافية من قربها، وهي ليست على الضفة نفسها، بل بعيدة عنها قليلاً، لكن في الفندق مطعم على ضفة البحيرة، فذهبنا إليها وأخذنا ما تيسر مما لا يوجد سواه.
وأردنا أن نتوضأ فلم يستطع إلا بعضنا الدخول في مرحاضه، لسوئه، والمسافة التي قطعناها إلى المطعم لا أظنها تزيد عن ثلاثة كيلو متر، وتعجب الإخوة من وصف هذا الشاب الذي لم نجده ينطبق إلا على (قريبو ماجي).
فقلت: لا تتعجبوا، فالمقاييس تختلف عند الناس، فهذا الشاب يمكن أنه لا يصل إلى هذه الأماكن إلا على قدميه، وقد قاس عجلات سيارتنا الأربع على رجليه.
لكن قارنت بين قوله: إن الفندق بعيد جداً، مع أن تلك كانت مسافته، وهي قصيرة جداً، وبين قول البدوي عندنا إذا سألته عن قرية أو بئر أو غيرها: قريبة، وراءها الضلع - أي وراء هذا الجبل - ثم تسير بسيارتك قاطعاً ضلوعاً وصحاري فلا تصل إلى المكان القريب عنده إلا بعد عناء ومشقة، ولذا قلت: إن مقاييس الناس تختلف.

جولة أخرى:

ثم صلينا الظهر والعصر بعد الغداء، وتجولنا قليلاً، على الأقدام لمشاهدة ما تيسر لنا من البحيرة العظيمة، كما التقطنا بعض الصور والمناظر هناك.

وهذه البحيرة التي شاهدناها بجانب مدينة كيسومو، مع امتدادها وسعتها التي رأيناها من الأرض، كما رأيناها من الطائرة قادمين وذاهبين، لا تعدو أن تكون لسانا صغيراً للبحيرة العظمى التي يوجد غالبها في غير كينيا - أوغندا وتنزانيا - وقد أنعم الله تعالى بها على شعوب كثيرة في إفريقيا، يصل مداها إلى البحر الأبيض المتوسط عن طريق نهر النيل، كما أمد الله بها أرضاً تهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج، وتفرعت منها جداول و‎أنهار تتخلل الغابات والمزارع، فسبحان من يقول للشيء كن فيكون.
ثم أخذنا نتجول بالسيارة في كثير من شوارع المدينة، وهي ليست كبيرة كثيراً، ثم سرنا مسافة لا تقل عن ثلاثين كيلو متراً إلى الغرب في الطريق المؤدي إلى أوغندا، ويتفرع منه طريق آخر يؤدي إلى تنزانيا، وبدت على يسارنا مبان تدل على أنها مصانع، ذكر بعض الإخوة القصة الآتية:

حرمان الشعوب من كفاءاتها!

إن هذا هو مشروع لتكرير مياه البحيرة الذي اقترحه وزير خارجية كينيا سابقاً، وسعى في حصول مساعدات لإقامته ليستفيد الشعب من عائدات المشروع، كما يستفيد منه العاطلون عن العمل، وعندما حصلت الأموال التي أريد بها إقامة المشروع، طلب كبار رجال الدولة الجشعون اقتسامها وأكلها، فرفض الرجل وحاول المضي في إقامة المشروع، وأحبه الناس والشعب، وله وجاهته عند بعض الدول أكثر ممن هو أكبر منه منصباً، حتى أوصت بعض الدول الكبرى كبار رجال الدولة بالتعاون معه، فحسده الحاسدون وخاف على مناصبهم منه الطامعون، فتآمروا عليه، وسلطوا عليه رجلاً له صلة برئيس الدولة وهدده الرجل وكان معه في طائرة واحدة، وقال له - أي للوزير - : أنا لا أجيد الكلام، ولكني أجيد الفعل وسأقتلك، وذكر الوزير ذلك لبعض أقاربه.

سلطوا عليه صاحب أقبح وجه إفريقي!

والرجل الذي سلطوه على هذا الوزير، وصفه الواصفون بأنه أقبح وجه إفريقي، قزم، متزوج يهودية، وقد نفذ تهديده، فأخذ الوزير رجال مسلحون في آخر الليل من بيته، ولم يجدوه إلا بعد أيام مقتولاً ممثلاً به، ورفعت قضيته إلى المحاكم ولم يتم فيها شيء إلى الآن.
قلت: كيف يتم في قضيته شيء، والقاتل من أسلم والحاكم من أسلم والشاهد من أسلم؟! (مثل يمني). غيرت فيه شيئاً ما للمناسبة، ونصه كما يأتي: (المدعِي من أسلم والشاهد من أسلم والحاكم من أسلم، فكيف أسلم؟).
وهذا حال شعوب كثيرة، يحرمها الطغاة النهابون من كفاءاتها التي تريد لها الخير وترحمها مما حل بها من مصائب.

مذاكرة علمية:

عدنا بعد تلك الجولة إلى المطار، حيث جلسنا على كراسي في مقهى في خارج مبنى المطار، يقدم القهوة والشاي.
ومبنى مطار كيسومو صغير،حتى قلت للإخوة: إن هذا المبنى شبيه ببقالة متوسطة المساحة.

منظر أخد من مطار كيسومو 2/11/1415هـ 2/4/1995م
منظر أخد من مطار كيسومو 2/11/1415هـ 2/4/1995م

وتذاكرنا في تلك الجلسة المؤلفين في علوم الحديث، فقال الإخوان: إبراهيم شيخ إسحاق، وإسماعيل: إن غالب رجال علوم الحديث هم من الشافعية، فقلت كيف؟ فتعاونا وذكرا الأسماء الآتية:
1) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للرامهرمزي المتوفى سنة 360هـ.
2) معرفة علوم الحديث للحاكم، توفي سنة 405هـ.
3) الكفاية في علوم الرواية، للخطيب البغدادي، توفي سنة 463 هـ.
(وألف في كل فن من فنون الحديث كتاباً مستقلا). وقال العلماء - ومنهم ابن نقطة: كل من جاء بعد الخطيب عيال عليه في مصطلح الحديث.
4) معرفة علوم الحديث، لابن الصلاح، توفي سنة 543هـ
5) الإرشاد والتقريب، للنووي، توفي سنة 676هـ
6) اختصار علوم الحديث، لابن كثير، توفي سنة 774 هـ
7) التقييد والإيضاح، للعراقي، وألفيته وشرحها، توفي سنة 804 هـ
8) محاسن الاصطلاح للبلقيني.
9) تذكرة السامع والمتكلم، لبدر الدين بن جماعة.
10) تدريب الراوي، في شرح تقريب النووي، للسيوطي توفي سنة 911هـ
11) فتح المغيث، شرح ألفية العراقي، للسخاوي.
12) ألفية السيوطي في علم الحديث.
13) تعقيبات على التبصرة والتذكرة، لزكريا الأنصاري - والتذكرة شرح العراقي على ألفيته.
14) النكت، ونخبة الفكر وشرحها: نزهة النظر، لابن حجر، توفي سنة 852هـ
(وممن ألف في مصطلح الحديث من المالكية القاضي عياض: الإلماع في مصطلح الحديث).
وكنا نريد أن نكمل المذاكرة، ولكن وقت إقلاع الطائرة من كيسومو إلى نيروبي اقترب.

من كيسومو إلى نيروبي:

وفي الساعة السادسة والدقيقة العاشرة مساء أقلعت الطائرة من مطار كيسومو الصغير إلى مطار نيروبي الكبير، فأخذت أنظر إلى ما أبدع الله تعالى من الجمال في هذه الأرض، زرقة ماء البحيرة، وخضرة الغابات على الهضاب وفي الشعاب والوديان، وحقول المزارع ذات الأشكال الهندسية المختلفة، وكانت السحب تتفقد بإذن ربها تلك الأراضي التي زينها الله بجبالها وشعابها ووديانها وبحيراتها وجداولها، لتطمئن على خيرات الأمطار التي عصرها الله من مثيلاتها، فأثمرت تلك الثمار العظيمة، ولتمدها - عندما تحتاج إلى مدد جديد - بأمر ربها.

جامعة نيروبي ـ التقطت من شرفة غرفة الفندق 3/11/1415هـ 3/4/1995م
جامعة نيروبي ـ التقطت من شرفة غرفة الفندق 3/11/1415هـ 3/4/1995م

الألفاظ العربية على ألسنة الأفارقة:

وتناولت مجلة الخطوط الكينية الموضوعة في أكياس المقاعد أمام كل راكب، فإذا عنوانها هكذا : MASAFIRI أي المسافر، باللغة السواحلية، وباللغة الإنجليزية هكذا: THE TRAVLLER.
والكلمات العربية كثيرة جداً في اللغة السواحلية، وعندما أعلنت المضيفة الوقت الذي تستغرقه الرحلة من كيسومو إلى نيروبي، كان لفظها هكذا: دقيقة خمسينو، أي خمسون دقيقة، وهكذا ينطقون الثلاثين والأربعين والخمسين والستين... ويقولون: أحسنت بالمعنى المراد في اللغة العربية، وهذا يدل على الأثر الذي أحدثته اللغة العربية في اللغات الإفريقية، كما هو الحال في جنوب شرق آسيا، كما يدل على المجد الذي وصل إليه أجدادنا الأوائل عن طريق هذا الدين، بدون غزو عسكري في كثير من البلدان، ويدل على أنا نحن الأجيال المتأخرة أضعنا الأمانة التي تسلمناها من أولئك الأجداد - وإن كان يوجد من يحاول ويجتهد في تلافي ما وقعنا فيه في كل بلد من بلدان العالم.

كيف وصل الرئيس الكيني الجديد إلى الحكم؟

الاثنين 3/11/1415هـ ـ 3/4/1995م
قال لي بعض الإخوة: إن الكنيسة أخذته وهو صغير يرعى بعض الدواب، وحيداً ليس عنده أحد، واهتمت به وعلمته، وتابعت تربيته حتى أصبح مدرساً - وللمدرس في تلك الأيام منزلة رفيعة في البلاد لانتشار الجهل والأمية - في مدرسة ابتدائية، ثم ترقى في الوظائف المختلفة، حتى صار نائب رئيس الجمهورية السابق، وكان لشدة طاعته للرئيس وخنوعه له يتهم بأنه ضعيف الشخصية، حيث كان يتفانى في خدمة الرئيس، ويتغابى عن آثار تصرفاته، حتى ما يضر منها بقبيلته، كأخذ أراضيهم.
ونظراً لاعتقاد الناس أنه ضعيف، عندما توفي الرئيس السابق - وكانت توجد شخصيات مشهورة وقوية، تتنازع على السلطة - اتفقوا كلهم على أن يكون هو رئيس الفترة القانونية، ومدتها تسعون يوماً، بل إنهم جددوا له فترة أخرى بعد ذلك، ظناً منهم أنهم يستطيعون أخذ السلطة منه عندما تسنح لبعضهم الفرصة، لضعف شخصيته وضعف قبيلته وقلتها، ولكنه عندما تمكن من الحكم استأسد على الجميع.
وتخلص منهم مَجموعة مَجْموعة وفرداً فرداً، وفرقهم إلى مجموعات متحاربة فيما بينها، وكان قضاؤه عليهم يتخذ أحياناً طريق العنف والاغتيالات عن طريق بعض أفراد قبيلته الأقوياء، مثل الرجل الكامل، [كما سبق في قصة قتل وزير الخارجية، بسبب مشروع تكرير مياه البحيرة]. وأحياناً عن طريق شراء الزعماء بالمال والمناصب، ولذلك أصبح الشعب - مع شدة كراهيته للحكومة - يكره أيضاً الأحزاب المعارضة التي مضى على انتخاباتها المتعددة ثلاث سنوات، بسبب مواقفهم المخزية.
وهذا الرئيس بخلاف الرئيس السابق، رجل كنيسة، وهو يذهب إلى الكنيسة كل يوم أحد [وقد شاهدته في التلفاز يوم الأحد - أمس القريب - وهو واقف مع جمع غفير من الناس في الكنيسة، وبيده كتاب صغير وهو يترنم مع المترنمين وينشد مع المنشدين] ويصرح في مناسبات عدة بأن دولة كينيا دولة كنسية، ولا يعبأ بشعور المسلمين.
ولقد قال الوزير المسلم الوحيد في الوزارة (حسين معلم): إن الوزراء في اجتماعات الرئيس بهم، يتحدثون صراحة عن خطط ضد المسلمين، وإنه لشدة غيظه يفكر كثيراً في الخروج من تلك المجالس.

ملحوظة واحدة:

لي ملحوظات وتعليقات كثيرة على بعض الأمور التي اطلعت عليها، خلال زيارتي لكينيا - وهي أول دولة إفريقية أزورها بقصد الاطلاع على أحوال المسلمين وغيرهم فيها. [وقد مر كثير منها أثناء المذكرات اليومية، كل ملحوظة في مكانها].
ولكني أذكر بهذه الملحوظة، لأهميتها، ولئلا يفوتني ذكرها بنسيان أو غيره، وهي:
أن انتشار المتخرجين من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وبعض الجامعات العربية، كان له أثران متناقضان:

أحدهما إيجابي:

وهو الغالب والمقصود من تعلم أولئك المتخرجين في تلك الجامعات، وهو نشر السنة والرجوع إلى المصدرين الأساسيين: الكتاب الكريم والسنة النبوية، فقد رأيت في كثير من البلدان التي زرتها في العالم، وهي كثيرة جداً - كما يتضح ذلك من سلسلة: في المشارق والمغارب - التي تعد الآن للطبع.
وهذا الأثر يسر كل مسلم غيور على الدين، يحب وصول الحق إلى كل الناس في الأرض، مسلمهم وكافرهم، لأن الدين الذي يقبله الله هو ما جاء في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليست البدع والخرافات التي انتشرت في الأرض، عندما قل العلماء والمعاهد الإسلامية المؤسسة على ذينك المصدرين، أو ضعفت.

وثانيهما سلبي:

وهو: أن بعض المتخرجين لشدة حرصهم على التمسك بالكتاب والسنة والبعد عن البدع والخرافات، ولقلة اطلاعهم على كتب العلماء وأدب الخلاف الذي ساروا عليه، منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا، وجهلهم بعلوم الآلة، كأصول الفقه وأصول التفسير واللغة العربية وأدلة العلماء في الأحكام التي اختلفوا فيها - أي الفقه المقارن - وتسويتهم بين الأصول والفروع، بل اهتمام بعضهم بإثارة الاختلافات في الأحكام الفرعية القابلة للاجتهاد، والتي نص العلماء أن مسائل الاجتهاد هذه التي لها وجه معتبر من النظر لا يجوز الإنكار فيها، لما يؤدي إليه من تنازع وفشل، مع أن الراجح قد يكون مع المنكر عليه، والمرجوح عند المنكر.
أقول: إن بعض هؤلاء المتخرجين الذين هذه صفتهم العلمية ضاقت صدورهم بما عند غيرهم ممن قد يكونون أكثر فقهاً منهم، وأوسع اطلاعاً على أقوال العلماء وأدلتهم، فتجدهم - مع قلة علمهم - يتشددون ويصرون أن الحق لا يوجد إلا عندهم، وأن ما يفعله غيرهم، أو يفتي به، ما هو إلا باطل محض، وأن كل حكم لا يقولون هم به، فإنه بدعة، وفاعله مبتدع.
ولهذا يحدثون معارك في المدارس والمساجد، وخصومات في فرعيات، مثل القنوت في صلاة الفجر، والجهر بالبسملة، ووضع اليدين فوق السرة أو تحتها، فيفرقون بذلك بين المسلمين، وبخاصة الجهال الذين يقلدون أحد المختلفين، وترى أحد هؤلاء المتشددين متجهم الوجه، حاد النظرات، لا يريد أن يسمع من أحد، وإنما يريد غيره - ولو كان أعلم منه - أن يسمع منه، وإذا وجد عالماً قوي الحجة يشعر بأنه سيغلبه، أخذ يهزأ ويسخر، ويرمي ذلك العالم، كذباً وزوراً، بأنه مبتدع مخرف مقلد، وأنه لا يستحق أن يجادَل، لأنه ليس أهلاً لذلك.
وهذا الأثر وإن كان يوجد من عدد قليل من الطلاب، فإنه شديد الخطورة في انقسامات الناس وإحداث العداوات بينهم، وفيه تجريء لبعض الجهال الذين ينضمون إلى أولئك المتشددين على دعوى الاجتهاد، وسب الفقهاء والاستهزاء بهم، إضافة إلى تنفير الناس من قبول ما معهم من الحق، بسبب شدتهم وعدم احترامهم للآخرين.
نسأل الله الهداية والتوفيق للاقتداء برسولنا عليه السلام الذي لان لأصحابه برحمة من الله، ودعا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فاقتدى به أصحابه، ومن بعدهم، حتى قال الإمام الشافعي، رحمه الله: ما ناظرت أحداً في شيء إلا تمنيت أن يظهر الحق على لسانه، وقال: ما عندنا صواب يحتمل الخطأ، وما عند غيرنا خطأ يحتمل الصواب.
وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

كانت آخر مراجعة لتصحيح هذا الكتاب في 6 من شهر رمضان عام 1426هـ ـ 9 من شهر أكتوبر عام 2995م
??

= ـــــــــــــ

=

??

??

93