رحلات الفلبين

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 14 صفحة
صفحة 8 من 14 2- في مدينة سيبو

2- في مدينة سيبو

2- في مدينة سيبو

وهبطت بنا الطائرة في مطار مدينة سيبو (CEBU) في الساعة التاسعة صباحاً أي بعد ساعة إلا ربعاً من إقلاعها من مطار مانيلا.
وذهبنا إلى فندق بلازا (PLAZA) وهو من فنادق الدرجة الأولى - قيل: إن صاحبه سعودي - وهو يقع على تل صغير يشرف على البلدة، وهو يتكون من عشرين دوراً، ونزلنا في الطابق العشرين منه.

فندق بلازا، مدينة سيبو 29/1/1410هـ ـ 30/8/1989م
فندق بلازا، مدينة سيبو 29/1/1410هـ ـ 30/8/1989م

وكان الجو ممطراً والغيوم تغطي البلد، ومع ذلك تبدو المناظر جميلة جداً، عندما يقف الناظر في الغرفة وينظر من النافذة، يرى تلك التلال الصغيرة تتخللها شعاب تفصل بينها قد غطيت كلها بالغابات والحشائش، وقد غرست فيها المنازل.
وعدد سكان هذه المحافظة مليونا نسمة تقريباً.
ونزلنا إلى المطعم فأفطرنا، واستأذنا من مدير الفندق في الصعود إلى سطح الفندق لالتقاط بعض الصور للمدينة، فبعث معنا أحد الموظفين فتح لنا الباب والتقطنا بعض المناظر، وكان الجو صحواً نسبياً في هذا الوقت.

منظر التقط من السطح من فندق بلازا، مدينة سيبو 29/1/1410هـ ـ 30/8/1989م
منظر التقط من السطح من فندق بلازا، مدينة سيبو 29/1/1410هـ ـ 30/8/1989م

وكنا نريد أن نلتقي الأخ نجيباً، وهو مسلم جديد في المدينة، ولم يكن عند الأخ محمد جمال عنوانه، واسمه الكامل نجيب رسول فرناندس، ومسلم جديد آخر يسمى مدينة، ولا يعرف اسمه كاملاً، واتصل الأخ محمد جمال بمكتبه في مانيلا ليعطوه عنوان الأخ نجيب وعنوانه، فأعطوه عنوانه، وذهبنا مع أحد سائقي سيارات الأجرة نبحث عنه ونتجول في المدينة واتفقنا على ثمانين بيسو في كل ساعة (تعادل أربعة دولارات أمريكية تقريباً).

نو بقلا!

وكنت أكلم السائق بالعربية وكلمات نادرة بالجاوية، كلمة من هذه وكلمة من تلك، وهو يرد عليّ بالجاوية واللغة المحلية، والإخوة يضحكون، فقلت للسائق: إنه ينطبق علينا أنا وأنت قول الشاعر:

أقول له زيداً فيسمع خالداًويكتبه عمراً ويقرؤه بكراً

فقال لي السائق: نُوبقلا نو بقلا!
فسألت الأخ محمد جمال خليفة: ماذا يقصد هذا؟
فقال: كلمة بقلا في لغة الفلبين تعني الرجل المخنث، وعندما نطقت كلمة بكرا ظنها نفس الكلمة فقال: لا ليس بقلا!
فحاولت أن أوضح له أولاً النطق وأنه بالراء وليس باللام، ففهم أنه ليس المراد ذلك المعنى القبيح، وهز رأسه ضاحكاً!

هذا هو بقلا!

هذا، وعندما وقفنا في داخل المدينة عند المسجد، أشار الأخ محمد جمال إلى شاب تجهز بجهاز النساء وتزين بما يتزين به من حلي وغيره، وقال لي: هذا هو بقلا الذي قصده السائق، ولا يخطر ببال من يراه أنه ذكر أبداً، بل لا يظنه إلا فتاة متزينة!
وأخذنا نبحث عن منزل الأخ نجيب هنا وهناك، فلم نعثر عليه إلا بمشقة، لأن منزله يقع في منازل شعبية وليس لها أرقام، وقال أهله: إنه غير موجود، فأخبرهم الأخ محمد جمال بالفندق الذي نزلنا به، وطلب منهم إخباره بأنا نريد أن نراه، ولم يتيسر لنا اللقاء معه، فقد كان مسافراً.
ثم ذهبنا نلتمس الأخ "مدينة" فأخبرنا أنه قد انتقل من مكانه الأول إلى مكان آخر غير معروف، ودلونا على مسجد في داخل المدينة قالوا: يمكن أن تجدوه فيه أو تجدوا من يدلكم عليه.
فذهبنا إلى المسجد الذي يقع في مدخل عمارة لا يزيد طوله عن مترين ونصف المتر، ولا يزيد عرضه عن مترين، وهو مفتوح من الخلف على ممر مستطيل يجتمع فيه - أي في الممر - الرجال والنساء ويتناولون الطعام في مطعم في ذلك الممر.
وعندما دخلنا أخذ أحد الحاضرين يرفع الأذان واتجه إلى القبلة يصلي وحده، ونحن لم نكن توضأنا ويصعب الحصول على مكان للوضوء في هذا المكان.

مسلمان يصليان في مسجد سيبو، الفلبين 28/1/1410هـ ـ 29/8/1989م
مسلمان يصليان في مسجد سيبو، الفلبين 28/1/1410هـ ـ 29/8/1989م

والناس الذين يجلسون في هذا الممر يظهر عليهم البؤس والفقر، والشارع الذي بجانب المسجد به أسواق شعبية.
وعندما رآنا بعض المسلمين تقدم إلينا وأخبرنا أن هذا المسجد في حاجة إلى توسعة وتجديد، وأنه قدم طلباً إلى رابطة العالم الإسلامي من أجل هذا الغرض.
فأعطيناه عنواننا في الفندق واتفقنا على أن يأتينا للتفاهم معه في هذا الأمر.
وسألناه عن عدد المسلمين في هذه المدينة، فقال: عدد الطلبة المسلمين ألف، وعدد المسلمين غير الطلاب أقل من ألف، بما فيهم النساء والأطفال.

كنيسة نينو ونصب الصليبي ماجلان:

ثم ذهبنا إلى الكنيسة الكبرى في المدينة، وهي كنيسة قديمة، ووجدنا الناس قد اصطفوا جالسين على مقاعد متجهين إلى المنصة لازمين الصمت المطبق، يصلون في زعمهم.
ومنهم من يتقرب إلى الصور بالبخور ويحني لها رأسه، ويتمسحون بما يزعمون أن فيه بركة، وقال الأخ محمد جمال: إن هذه الكنيسة هي أقدم الكنائس في الفلبين وتسمى سانتو نينو(SAINTONINO) وبقربها - على يسارها - بني نصب ماجلان، الذي قتله البطل المسلم لافو لافو، ويسمون النصب صليب ماجلان.

المكان الذي صلب فيه الصليبي ماجلان في مدينة سيبو قرب الكنيسة 28/1/1410هـ ـ 29/8/1989م
المكان الذي صلب فيه الصليبي ماجلان في مدينة سيبو قرب الكنيسة 28/1/1410هـ ـ 29/8/1989م

ثم ذهبنا فتجولنا في عدة أماكن من المدينة في شمالها ووسطها وغربها.

مائدة ضيوف المعبد من الأموات يأكلها الأحياء!

وفي غرب المدينة رأينا معبداً صينياً في سفح الجبل وقد توافد عليه الناس، وأكثرهم صينيون، يقدمون له القرابين، ووجدنا أكواماً من أكياس الأرز قد صفت في قاعة خارج المعبد تزيد عن مائة كيس، وعلى حائط تلك القاعة مواعين صغيرة بها شيء من الأرز.
وسألنا امرأة عجوز من سدنة المعبد عن هذه الأكياس من الأرز والمواعين: لماذا جئ بها هنا؟ فجاء رجل عجوز من السدنة - وكلاهما من الصينيين - فقالا: هذه الأكياس يأتي بها عباد هذا المعبد يتقربون بها إليه اليوم، وتترك هذه الليلة لتأتي الأرواح فتأكل منها، وفي الغد توزع على الفقراء.
قلت: أي الأرواح تأتي هنا لتأكل من هذا الأرز؟
قال: أرواح الناس الذين ماتوا في الفلبين من خارج الفلبين أوربيين وغيرهم!
قلت: مائدة ضيوف المعبد الصيني من الأموات يأكلها الأحياء!

زيارة الإخوة أعضاء جمعية لافُُو لاَفو الإسلامية:

جاءنا الإخوة في الفندق بعد صلاة العشاء، وهم:
1- حاجي هارون ماغادافا.
أتم دراسته في المعهد الثانوي في مراوي، وهو يتحدث اللغة العربية، وهو رئيس الجمعية، وهو تاجر في النحاس وعمره (35 سنة).
2- جمال الدين بصير، ولد سنة 1958م.
3- عبد الملك ديتا، ولد سنة 1959م.
4- عبد الملك مغوادب، ولد سنة 1953.
5- نومبر أن بديعو ، وعمره (40 سنة) .
وكلهم تجار وهم أعضاء في الجمعية.
أسست الجمعية سنة 1976م.
وعدد أعضائها 500 رجل.
من نشاط الجمعية:
تدريس الناس يومي السبت والأحد، وقد منعهم الآن صاحب البيت الذي استأجروا فيه المسجد من التعليم، وهو غير مسلم، وأجرة المسجد ألفا بيسو شهرياً.
ويوجد طلاب مسلمون في الجامعة، وهم من الجنوب والشمال، ويحضر بعضهم يوم الجمعة للصلاة في المسجد.
وعندهم الآن جمعية الطلاب المسلمين في الفلبين، وسيقومون بالانتخاب قريباً.
وقال الإخوة: إن عدد الطلاب المسلمين أكثر من ألف وعدد المسلمين - غير الطلاب - ألف.
ولذلك لا بد لهم من مسجد يجتمعون فيه ويزاولون نشاطهم، وقد اشتروا لذلك أرضاً في شارع يسمى شيك تونة (قال: والظاهر أنه محرف عن شيخ تونة) وهو هكذا بالحروف اللاتينية (SHIK TONA) وقرب هذا الشارع شارع آخر يسمى شارع عبد الرحمن )رحمان ستريت RAHMAN STREET) ومحافظ المدينة أسرته تسمى أُسمانية (LETO OSMENA).
وعمدة مدينة سيبو يسمى توماس عثمانية (TOMAS OSMENA).
وهي أسماء عربية لا زالت متوارثة مع أن أهلها غير مسلمين.
ومساحة الأرض التي اشتروها للمسجد 686 متراً، وعندهم صك للأرض باسم الجمعية، وقيمتها 370440 ألف بيسو.
وقد طلبوا من رابطة العالم الإسلامي مساعدة لبناء المسجد، وجاء خطاب من الرابطة باسم مدير عام المساجد والوقف الإسلامي عبد الله بن أحمد بازرعة، مع استمارة، طلب منهم تعبئتها، ولم تعبأ من قبل لعدم وجود الأرض، ورقم خطاب الرابطة 25/9335 وتاريخ 11/5/1409هـ.
وقد وضعوا مخططاً لبناء المسجد وتصميمه.
وسيكون هذا المسجد إذا بني أول مسجد في هذه المدينة، بعد الاستعمار الأسباني.
منطقة بسايس (المنطقة الوسطى) تتكون من محافظة سيبو (CEBU) ومحافظة بوهول (BOHOL) ومحافظة سيجور (SIOUIGOR) ومحافظة نجروس (NEGROS).
وهذه المحافظات تتكون من 122 قرية وتسع مدن وبها أربع وستون مدرسة ابتدائية حكومية، وعشر مدارس ثانوية حكومية، وخمس كليات أو معاهد، وجملتها 79.
والمدارس الخاصة 35 مدرسة ابتدائية و29 مدرسة ثانوية، و23 كلية أو معهد، المجموع 78.
وفي سيبو خاصة 166 مدرسة أو معهداً وكلية حكومية وخاصة.
وهذه المدارس موجودة في المدن التالية:
داناو(DANAO).
لافُو لافو (LAPO LAPO).
منداو (MANDANUE).
توليدو (TOLEDO).
وهذه المدارس غير المدارس الصغيرة في 48 قرية صغيرة، وهي مدارس ابتدائية وثانوية.
وعدد الطلاب الذين سجلوا في منطقة بسايس (VISAYAS) سنة 1988م (700 ألف طفل).
ويتوقع أن يزيد عدد الطلاب في السنة القادمة بنسبة 2%.
مساحة مدينة سيبو 28252 هكتار، والهكتار 10آلاف متر مربع.
وعدد سكانها 490201.
ولغتها الغالبة لغة فيسايا.
الأربعاء: 29/1/1410هـ ـ 30/8/1989م.
كنت حريصاً على أن ألتقي الأخ نجيب رسول قبل مغادرة سيبو اليوم، ولهذا ذهب الأخ محمد جمال مرة أخرى إلى منزله صباح هذا اليوم في الساعة السابعة، فأخبره أهله أنه مسافر في خارج مدينة سيبو.
واتصل بنا الحاج هارون وأصر أن يوصلنا المطار في سيارته.

سيارة مُشَكَّلَة!

هيكل السيارة أمريكي "جيب" من موديل الحرب العالمية الثانية وموتورها ياباني، وهي - في الأصل- لا تتسع لأكثر من ثلاثة أشخاص مع السائق، وقد جاء الحاج هارون بسيارته الْمُشَكَّلَة الضيقة، ومعه شخص آخر، ونحن أربعة، ومعنا حقائبنا، فَحَشَرنا في هذه السيارة حشراً، وكان الركاب الذين قعدوا في الخلف منكسين رؤوسهم لا يستطيعون الجلوس معتدلين، لأن سقف السيارة لا يسمح لهم بذلك.

سيارة الحاج هارون التي أقلتنا من فندق بلازا في مدينة سيبو إلى المطار 29/1/1410هـ ـ 30/8/1989م
سيارة الحاج هارون التي أقلتنا من فندق بلازا في مدينة سيبو إلى المطار 29/1/1410هـ ـ 30/8/1989م

ولطول عمر السيارة ورزانة عقلها لا تمشي إلا الهوينا كما قال الشاعر في وصف حبيبته: "تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل" كأنها سلحفاة، ولذلك تأخرنا عن الوصول في الوقت المحدد إلى المطار، حتى ظننا أن الطائرة قد أقلعت، ولكن الله أخرها ليبيض وجه الحاج هارون الذي أحب أن يكرمنا بإيصاله لنا في تلك السيارة العاقلة الرزينة! فلم تقلع الطائرة إلا في الساعة الحادية عشرة والنصف.
وهبطت في مطار مدينة كيجان في الساعة الثانية عشرة ظهراً.
وقد وجدنا في انتظارنا في المطار الأخ صادق بن محمد صالح عثمان، وهو متخرج في كلية اللغة العربية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1402هـ ونظر إليَّ عندما رآني وقال: إن وجهك ليس غريباً عليّ، قلت: فمن أنا؟
قال: أنت مشرفنا في الجامعة (وقد كنت مدير إدارة الإشراف والتوجيه الاجتماعي في الجامعة، وهي إدارة تشرف على شؤون الطلاب عامة في الجامعة وكانت نواة لعمادة شؤون الطلاب).
ثم قلت له: من أي كلية تخرجت؟ قال: من كلية اللغة العربية، قلت: من كان عميدها عندما تخرجت؟ قال: عبد الله قادري، قلت: الله يرحمه ويغفر له، فاهتز ظناً منه أن العميد قد توفي، ثم نظر إلي متأملاً وقال: أنت العميد (وكنت عميداً للكلية ست سنوات استقلت منها في السنة التي تخرج فيها الأخ صادق).

مناسبة جيدة!

وقد جرت في الطريق إلى مراوي حكايات، ومنها أن الأخ صادقاً قال: إن العادة هنا أن الفتاة إذا أمسكت بيد رجل وصاحت، فلا بد أن يتزوجها ولو كان متزوجاً! قلت: هذه مناسبة جيدة ولعلي أكون أحد هؤلاء الرجال!
والمسافة من مدينة كجيان ( KAGAYAN) إلى مدينة إليجان (ILIGAN) 75كيلو متراً، و(إليجان) هذه مدينة صناعية، فيها ثلاثة مصانع للإسمنت، ومصنع للحديد، ومصنع دقيق وزيت نارجيل.
والمسافة من مدين إليجان إلى مدينة مراوي (MARAWI) 35كيلو متر.
وعدد سكان كجيان أقل من مليون.
وعدد سكان إليجان ما بين 200-300 ألف نسمة. [لم أخص أيا من هاتين المدينتين بعنوان، ولم أتوسع في كتابة معلومات عنهما، لأني لم أنزل بهما، وإن كنت مررت في مدينة (كيجان) للسلام على المقرئ الحافظ الشيخ عبد الله بصفر، للسلام عليه، وقد كان يقوم بدورة قرآنية لبعض أبناء المسلمين، ولكني سلمت عليه دون أن أقعد معه، وقد كان مشغولا، وأنا في حاجة إلى استغلال الوقت أيضا].