رحلات الفلبين

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 14 صفحة
صفحة 4 من 14 1- في مدينة مانيلا

1- في مدينة مانيلا

1- في مدينة مانيلا

بخشيش!!

دخلنا قاعة المطار وأخذنا حقائبنا وختمنا جوازاتنا، وسألنا عن مخزن عفش المسافرين، لإيداع حقائبنا فيه، بدلاً من حملها معنا وتعريضها لتفتيش الجمارك الفلبينية التي يخشى أن تبعثر علينا ترتيبها، ولا حاجة لنا بها، لأنا سنغادر الفلبين غداً إلى تايوان.
وعندما رآنا الموظفون الفلبينيون، بلباسنا العربي طارت قلوبهم فرحاً بنا واستبشاراً بقدومنا، وأخذوا يتابعوننا رغبة في خدمتنا وصولاً إلى "بخشيش"!! فما كنا نمر بواحد من الموظفين إلا عرض علينا استعداده لخدمتنا، فإن خدمك وجب البخشيش، وإن اعتذرت وقلت له: شكراً، قال: بخشيش!!
فقد ألح علينا بعضهم أن نوقع عقداً لاستئجار غرفة في فندق"بلازا" (PHLIPPINE PLAZA ) الفلبيني، وتم لهم ذلك تحت إلحاحهم وثنائهم على الفندق وأخذوا البخشيش، وتسلَّمَنا آخرُ ملحاً علينا في أن يستأجر لنا سيارة جيدة توصلنا إلى الفندق، ويؤكد لنا الحجز من مانيلا إلى تايبيه، فتم له ما أراد، وأخذ البخشيش، وأخذ صاحب السيارة مبلغاً كان يكفينا للتجول في مدينة مانيلا لمدة ثلاث ساعات أو أكثر، كما عرفنا ذلك فيما بعد، ولكنا ـ كما قال الشيخ عمر فلاتة في مناسبات كهذه في سفرنا: ـ حجاج، إشارة إلى أن بعض الحجاج لا يفهم اللغة وقد يقع مثلنا في أيدي بعض المستغلين.

فرصة لا نفرط فيها:

ونزلنا في فندقنا واسترحنا من عناء السفر الطويل.
ثم رأينا أن نغتنم الفرصة للتجول في مدينة مانيلا، وزيارة بعض المسلمين فيها، وإن كان الوقت قصيراً.
واتصلنا ببعض المسلمين الذين كنا قد عرفنا عناوينهم وأرقام هواتفهم بواسطة من زاروا الفلبين من قبل من الجامعة الإسلامية، وأخبرناهم برغبتنا في زيارة بعض المراكز أو المساجد الموجودة في المدينة، فجاءنا بعضهم إلى الفندق قبل المغرب، واستأجرنا سيارة وتجولنا على شاطئ البحر القريب من الفندق.

تمثال بطل الفلبين!

وأشار لنا الإخوة إلى نصب بجانبه تمثال، قالوا: إنه لمن يُدعَى ببطل الفلبين الذي وقف ضد الاستعمار الأسباني، وعندما اعتقلوه أرادوا أن يرموه بالرصاص في ظهره، فرفض وحاول أن يكون الرمي في صدره أو في وجهه، للدلالة على شجاعته، قلت للإخوة: لعل بطل الفلبين الجاهلي أراد أن يتشبه ببطل العرب الجاهلي عمرو بن كلثوم الذي قال:

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومناولكن على أقدامنا تقطر الدما

فقال أحدهم - وهو يَدْرُس في جامعة الكويت -: نعم إنه أراد معنى هذا القاصد - أي معنى هذا البيت من قصيدة الشاعر العربي.

زيارة بعض المراكز الإسلامية:

ثم زرنا المركز الإسلامي ومعهد مانيلا الإسلامي وهما الآن يبنيان، والمركز قديم، ولكنه يبنى من جديد، ولم يكن الإخوة المسلمون الذين وجدناهم يعرفون متى أنشيء هذا المركز، وقالوا: إنه قديم، وعندما تعجبنا من عدم معرفتهم بمركز في بلادهم قال أحدهم: العيب عند أجدادنا الذين لم ينقلوا لنا تاريخه... [لقد زرت الفلبين في سنة: 1409هـ ـ 1410هـ 1989م وكتبت معلومات مفصلة - وإن كانت غير كاملة - عن البلد والمسلمين فيه، وهي المادة الرئيسة لهذا الكتاب].
كما زرنا مركزا آخر، وزرنا المسجد المسمى بالمسجد الذهبي الذي قيل لنا: إن ماركوس - الذي قتل المسلمين وشردهم وأذلهم - أهدى هذا المسجد إلى مسلمي الفلبين، للدلالة على حسن نيته وهو مسجد واسع، وسمى بالذهبي لأن لونه ذهبي، وكان الناس في خارجه متجمعين ينتظرون أذان المغرب للصلاة.

مأساة تذكر بأخرى!

ومررنا ببعض حارات المسلمين في مدينة مانيلا، فرأيناها يبدو على أهلها البؤس والفقر وقال لنا بعض الإخوة: انظروا إلى مساكن المسلمين، لتروا حالتهم في العاصمة مانيلا، وقارنوا بينها وبين مساكن المسيحيين، لتجدوا الفرق الشاسع بينها، أما حالة المسلمين في غير العاصمة فهي أشد بؤساً.
قلت: هذه المأساة هنا تذكر بمآس هناك، فقد ذكرتني هذه الحارات هنا بحارات المسلمين في بلدان كثيرة، وبخاصة في دلهي عاصمة القارة الهندية، فان الذي يريد زيارة المركز الإسلامي الخاص بالجماعة الإسلامية، لا يستطيع الوصول إليه بالسيارة، بل لا بد أن يركب من مسافة بعيدة على دراجة عادية "تسمى الركشة" لضيق الشوارع المؤدية إلى المركز وشدة زحام الناس فيها، بل إن بعض الدول العربية تعامل بعض اللاجئين الفلسطينيين أسوأ من معاملة بعض الدول الكافرة للمسلمين فيها، فيا لله للمسلمين في كل مكان!
وسألت بعض الإخوة: ألا يوجد أغنياء في الفلبين من المسلمين؟
قالوا بلى ولكنهم قليل، وبعض المسلمين وقفوا مع الحكومة ضد المسلمين، لضعف إيمانهم واتقاء بطش الحكومة ونيل المنصب والجاه وتفضيل الدنيا على الآخرة.

ضرورة التفقه في الدين:

ثم رجع معنا بعض الإخوة إلى الفندق وحصلت بيننا مناقشة طويلة حول الدعوة إلى الله وأساليبها، ومناهج الدعاة، وما فيها من إيجابيات وسلبيات، وما يجب على الداعية أن يتبعه في دعوته، وأن الخطر يكمن في جهل كثير من الذين نصبوا أنفسهم للدعوة إلى الله، بدين الله الذي يدعون إليه في زعمهم، وإن كانوا قد يكون بعضهم صادق العاطفة الإسلامية، وخطر من يتصدى للدعوة إلى الإسلام على هذا الدين وهو جاهل به، أشد من خطر الجهال بالدين من غير أن ينصبوا أنفسهم للدعوة إليه.
وقد نصحنا بعض الإخوة أن يجتهدوا في بعث بعض أفرادهم إلى الجامعة الإسلامية للتفقه في الدين، وقد شكا الإخوة من أنهم قد رشحوا بعض إخوانهم للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ولم يتم قبولهم إلى الآن، فأخبرناهم أنه ربما لم تتوافر الشروط في المرشحين، وربما كان ترشيحهم متأخراً عن موعد القبول، وعليهم أن يحاولوا مرة أخرى ووعدوا بالمحاولة.
وطلبوا منا أن نسعفهم بالكتب الإسلامية العربية والمترجمة إلى اللغة الإنجليزية...

الأمن في مانيلا:

يبدو أن الأمن في مانيلا قد استتب نوعاً ما، بعد رحيل جبار الفلبين: ماركوس، ولكن التحفزات لا تزال موجودة، والتهديدات لا تزال تصدر من بعض المعارضين، فقد مررنا ببعض مباني الحكومة عندما تجولنا في المدينة، والجنود يحيطون بها، وفي أيديهم هراوات، ومجانٌّ طويلة، توازى في طولها قامة الجندي الذي يحملها وهم في غاية التحفز، يلتفتون هنا وهناك، والسيارات واقفة في حلوق الشوارع مملوءة بالجنود، ولما سألنا الإخوة عن ذلك قالوا: إن بعض المخربين هددوا الحكومة بالقيام بمظاهرة لاحتلال المباني الحكومية، ولهذا أخذت الحكومة حيطتها. والمظاهرات كثيرة في هذه الأيام، قلنا: اللهم أخرجنا منها سالمين في ليلتنا الوحيدة هذه في مانيلا .

السلام والإسلام والمصافحة و البخشيش!!

السبت 28/10/1406هـ
صلينا الفجر ورتبنا أغراضنا، ونزلنا إلى موظفي الفندق في الساعة السادسة صباحاً، فحاسبناهم واستأجرنا سيارة أوصلتنا إلى المطار، حيث أخذنا حقائبنا من مستودع الأمانات، ثم صعدنا إلى الطابق العلوي الذي فيه قاعة المغادرة الدولية، وأخذت منا إحدى الموظفات ضريبة على حقائبنا زيادة على ما دفعناه من أجرة، وكثرت الإجراءات في طريقنا.
وكان الموظفون كل ما مررنا بواحد منهم أو بأكثر - سواء لهم بنا علاقة في المطار أم لا - قالوا لنا السلام عليكم، أو: مسلم مسلم، وقد يمد بعضهم يدهم للمصافحة، مظهراً فرحه بنا وأنه هو مسلم، ثم يتبعون كل ذلك بقولهم: بخشيش، أو عندكم روبيات فلبينية؟ وكان آخر من مررنا بهم موظفات أمن تفتيش الحقائب اليدوية، فتشن الحقائب ثم أظهرن السرور والفرح بنا وقلن: السلام عليكم، بخشيش.
فكان السلام والإسلام والمصافحة وإظهار السرور، كلها وسائل للحصول على البخشيش، وعندما قلن لهن فنش، أي لا توجد معنا روبيات فلبينية أبدين الأسف وقطبن وجوههن.
ويبدو أن الفلبينيين كالبعوض، إلا أن البعوض يمتص الدماء وهم يمتصون النقود، وأكثر الذين كانوا يظهرون لنا أنهم مسلمون هم نصارى، بل قد يكونون كلهم كذلك ولكن في سبيل البخشيش يستعملون كل حيلة. ملاحظة هنا كالبعوض؟
وكان بعضهم إذا نظر في جواز أحدنا ووجد اسم عبد الله صاح قائلا: عبد الله! مسلم! أنا أيضا مسلم، وبعضهم إذا لم يجد بخشيشاً كرر اسم محمد أو عبد الله، وأخذ يضحك ويسخر، لأنهم يعرفون أن هذه الأسماء من أسماء أعدائهم المسلمين الذين يعانون من قهرهم وعسفهم وبخاصة قبيلة مورو في جنوب الفلبين.
وبعد أن تمت الإجراءات لدى طلبة البخشيش استقر بنا المطاف في مكتب ركاب الدرجة الأولى الذي لم يصرح موظفوه بطلب البخشيش، وإن كانت لسان حالهم ونظرات عيونهم تطلبه بإلحاح.
وكان مما اخبرنا به الإخوة أن عدد سكان الفلبين يقارب خمسين مليوناً، وعدد المسلمين ستة ملايين، وأن أغلب الفلبينيين مسيحيون، وفيهم قلة بوذية، وقلة من أديان أخرى، وأن القبائل الإسلامية الرئيسة في الفلبين سبع، أعظمها وأكثرها عدداً قبيلة مورو التي يبلغ عدد أفرادها مليون مسلم، وأن القبائل الأخرى منها ما يقارب عددها ثلاثمائة ألف مسلم، ومنها ما يقارب مائتي ألف مسلم، ومنها ما يقارب ثمانية آلاف مسلم، ومنها ما يقارب ثلاثة آلاف مسلم، وتوجد قبائل صغيرة يصل عددهم كلهم مليون مسلم، وفي مانيلا وحدها مائة ألف مسلم. انتهت الزيارة الأولى للفلبين التي لم تزد عن يوم واحد في العاصمة "مانيلا".