تمهيد
تمهيد

زرت الفلبين ثلاث مرات..
المرة الأولى: سنة 1406هـ ـ وأنا في طريقي إلى اليابان، وكانت ليلة واحدة قمت صبيحتها بجولة قصيرة جداً في مانيلا العاصمة، وكان يرافقني فيها الأخ محمد باكريم المحاضر ـ في ذلك الوقت ـ بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية [أصبح عميداً للكلية نفسها بعد أن نال درجة الدكتوراه].
حيث أقلعت الطائرة البوينغ 747 من مطار الملك عبد العزيز بجدة يوم الخميس 26/10/1406هـ إلى مطار الرياض "مطار الملك خالد" في الساعة الخامسة والنصف مساءاً، وهبطت في مطار الرياض في الساعة السابعة إلا ربعاً، فكانت مدة الطيران ساعة وخمس عشرة دقيقة.
وأقلعت من مطار الملك خالد في الساعة الثامنة إلا ربعاً وهبطت في مطار مانيلا في الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة والأربعين صباحاً بتوقيت المملكة - يوافق الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة والأربعين بتوقيت مانيلا ، والفرق بين التوقيتين خمس ساعات، فكانت مدة الطيران بين جدة ومانيلا إحدى عشر ساعة إلا ربعاً، وهذا ما كنت كتبته في هذه الزيارة القصيرة..
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبيه ورسوله رسول الهدى، وعلى آله وأصحابه الكرام مصابيح الدجى، وعلى أتباعهم ممن اتخذ سبيلهم والاقتداء بهم مهيعاً ومنهجاً.
أما بعد:
فقد أنعم الله عليَّ بما لا يعد ولا يحصى من فضله ونعمه، ودفع عنى ما أعلم وما لا أعلم من كثير من نقمه، ومن أكبر إنعامه على بعد الإسلام الذي هداني إليه تيسيره لي سبيل طلب العلم، ومصاحبة مبتغيه وحب أهله ومحاولة الاستفادة منهم، وبخاصة في الجامعة الإسلامية التي هيأها الله للمسلمين في هذا العصر، في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي شرفها الله بنـزول وحيه، وتردد خيرة ملائكته جبريل عليه السلام لها صباح مساء لمدة تزيد عن عشر سنوات، وأكرمها بأفضل خلقه وأشرف أنبيائه وخاتمهم وأشملهم لهداية خلقه، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وآثرها بصفوة البشر بعد الرسل عليهم الصلاة السلام، وهم أصحاب نبيه من المهاجرين والأنصار، الذين حملوا هذا الدين في قلوبهم وطبقوه في سلوكهم وأعمالهم، ونشروه بالدعوة إليه والجهاد لإعلاء كلمته ابتغاء مرضاة ربهم في كل أنحاء الأرض التي استطاعوا الوصول إليها، في مشارق الأرض ومغاربها، فأناروا الدنيا بالعلم والدين ونشروا، العدل بين العالمين بالقضاء العادل والحكم الفاضل.
وكل هادٍ أو مهتدٍ إلى هذا الدين، فإنما هو ثمرة من ثمارهم وزهرة من أغصان غرسهم، رضي الله عنهم وأرضاهم، ورزقنا حبهم والاقتداء بهم وأعلى شأنهم وأبان منهاجهم، وقمع الله كل من أبغضهم واستهان بهم.
إن إنعام الله عليّ بالكون في هذه المدينة التي هذا شأنها، مدينة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروضته، مدينة غزوات بدر وأحد والخندق وبني قريظة وبني قينقاع وبني النضير وخيبر وحنين وتبوك، مدينة القضاء على الردة، وفتح فارس والروم، مدينة العز والسؤدد والشرف للإسلام وأهله.
إن ذلك وحده - من بين سائر نعم الله عليْ - ليجعلني أشعر بالعجز عن شكره والقيام بحقه، فله وحده الحمد والمنة فكل مسد خير فإنما يسديه بإذنه وبمشيئته وتيسير ذلك له وتوفيقه له، وان كان ( يجزل لمسدي الخير الثواب، و يحب لمن نال ذلك الخير من فاعله أن يشكره، فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
ولهذا فإنني أشكر أهل الخير الذي نلته بسببهم، أشكر من سعى في تأسيس هذه الجامعة الإسلامية المباركة، وأشكر من أسس هذه الجامعة ورعاها وأيدها، وأشكر من سهر على إدارتها ومناهجها وأساتذتها وطلابها وكل العاملين فيها من أجل رفعتها وقوتها وأدائها لما أُسست من أجله.
فلولا أن هيأ الله تعالى هذه المملكة التي شرفها الله، وشرف المسؤولين فيها بخدمة هذا الدين، وخدمة الحرمين الشريفين فيه، ومن ذلك إنشاء هذه الجامعة المباركة، لولا ذلك لما كان للجامعة ذكر في أنحاء المعمورة، ولولا أن هيأ الله لهذه الجامعة رجالاً مخلصين يحرصون على مصالحها، لكانت نسياً منسيا.
لهذا فإنني - وأنا ثمرة من ثمار هذه الجامعة ونبتة من غرسها - أشكر من سعى في تأسيسها ومن لبى ذلك السعي فأسس، ومن رعى وحمى وتابع، كما أشكر من منحنى علمه وتوجيهه وتأديبه فيها، عندما كنت طالباً فيها، ومن أولاني ثقته عندما صرت عاملاً بها في قاعات الدرس أو مكاتب الإدارة، أو متجولاً في مشارق الأرض ومغاربها، للدعوة إلى الله ومعرفة أحوال المسلمين في بلدان العالم المختلفة، فقد كان شوقي شديداً لمعرفة الإخوان المسلمين في أنحاء الأرض وقد يسَّر الله لي كثيراً من ذلك، وأرجو أن ييسر لي ما بقى.
رفيق السفر:
وفي هذا العام عندما اتصل بي بعض الإخوة في شؤون الدعوة بالجامعة الإسلامية، وسألوني عن البلدان التي أحب السفر إليها، فأخبرتهم أن رغبتي في السفر إلى شرق آسيا: اليابان وكوريا، وكنت أطمع في أن أكون رفيقاً لفضيلة الشيخ عمر محمد فلاتة الذي حظيت بمرافقته سنتين: السنة الأولى سنة 1404هـ إلى كل من أستراليا ونيوزيلندا وسيريلانكا، والسنة الثانية سنة 1405هـ إلى كل من كندا والولايات المتحدة الأمريكية وأسبانيا والمغرب. وقد سعدت بالسفر معه لرجاحة عقله ورزانته، وجميل أخلاقه، وحسن معاملته وإيثاره رفيقه على نفسه. [لقد توفي رحمه الله ورثيته بقصيدة بتاريخ 3/12/1419هـ 20/3/1999م عنوانها: جل المصاب، مطلعها: أفنيت عمرك في الخيرات يا عمر= ولم تزل ساعياً حتى أتى القدر]
ولكن أراد الله لظروف رأتها الجامعة الإسلامية، تتعلق بتحسين أحوال الدعاة، أن يرافق كلَّ عضو من أعضاء هيئة التدريس، أحد المحاضرين أو المعيدين، من أجل التدرب على الدعوة واستفادة اللاحق من خبرات السابق، فكان من نصيبي مرافقة أخينا الكريم، الشيخ محمد باكريم باعبد الله، وقد كنت عرفته منذ أن كان طالباً في المعهد الثانوي، عندما كنت أُدَرسّ فيه بعض المواد ومنها مادة التفسير، فعرفته من الطلبة المجتهدين المؤدبين، ولكنى عرفته وأنا أستاذ، وهو أمامي طالب في قاعة الدرس، ولم أعرفه زميلاً مسافراً أو مشاركاً لي في عمل، ولكني كنت حسن الظن به، لما أتوسم فيه من الهدوء والخلق الطيب، وقد كان والحمد لله من خيرة من رافقتهم في الأسفار، ونصيبي كله بحمد الله طيب، ما رافقت أحداً إلا رجعت وأنا أحبه أكثر مما كنت أحبه من قبل، وهذا من فضل الله عليّ، فإن المسافر الذي يترك أهله وأولاده وما ألف من عادات في منزله وأعمال ونوم وقيام وطعام، في أوقات محددة، فيفارق بسفره الأهل والأولاد، ويضطرب وقته في النوم والطعام والشراب والعمل، وتختلف عليه الأجواء والعادات، هذا المسافر إذا كان رفيقه منافراً له في عاداته وأخلاقه، إن ابتسم قطب رفيقه وجهه، وان رغب في شيء رغب رفيقه في سواه، فله الويل من السفر الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: إنه قطعة من عذاب، ومن الرفيق الذي يُضَيِّق عليه الدنيا مع سعتها.
أما إذا وجد رفيقاً مناسباً له في أغلب أخلاقه، يبادله الخلق الطيب بمثله، ويضحكه إذا رآه متكدر الخاطر بالمزاح المباح والابتسام اللطيف، يحاول أن يعرف رغبته فيسبقه إلى ذلك، وإن لم يكن في الأصل راغباً في ذلك الشيء، فتأتلف النفوس ويتعاون رفيقا السفر على قطع الزمن بعمل الخير وقوله والحث عليه، فإن هذا المسافر لا يشعر إلا بالقليل من الحنين إلى الأهل والوطن، وهذا ما ظفرت به من رفقاء السفر والحمد لله، ومنهم الأخ الكريم محمد با عبد الله الذي افترقنا أنا وهو في مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة بعد العودة من السفر، وكل منا يشعر بمرارة الفراق، مع أنا نلتقي بحمد الله في الجامعة الإسلامية التي جمعنا العمل فيها، فالحمد لله رب العالمين.
وقد قلت في جوهرة الإسلام عن رفيق السفر، بعنوان: "الأسفار تظهر الخلق الأصيل":
ولست أصف نفسي في هذه الأبيات من الجوهرة، وإنما أتحدث على لسان الأطفال والشباب، كما هو واضح من مقدمة هذه الأرجوزة، التي قلت في مطلعها:
تابع الأخ محمد باكريم باعبد الله معاملات السفر، من قطع تذاكر السفر والحجز وتأشيرات الدول التي سنمر بها أو نزورها، حتى أنهي كل إجراءاتها، بعد صدور قرار الانتداب من معالي رئيس الجامعة الإسلامية. [الدكتور عبد الله بن صالح العبيد، وكان رقم قراره لانتدابي (578) بتاريخ 19/9/1406هـ].
سرور وأمل!
عندما وقفت الطائرة في مطار الملك خالد بالرياض، قمنا نريد أن نصلى المغرب والعشاء جمع تقديم، وكنا ننظر من النافذة لمعرفة جهة القبلة بواسطة معرفة جهة غروب الشمس، فقالت لنا المضيفة: انتظروا ولا ندرى ماذا تريد؟ واتصلت عن طريق الهاتف وأشارت لنا إلى سقف الطائرة الأمامي، فإذا آله القبلة مضيئة كتب عليها بعض آي القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: {وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} واتجه السهم إلى القبلة، فسرَّنا ذلك أيما سرور لعناية الخطوط السعودية بمصالح ركابها العبادية من المسلمين في السفر، وبخاصة في الجو الذي تشتبه فيه القبلة أكثر من غيره، كما سرَّنا ذكر دعاء السفر عندما تقلع الطائرات السعودية من المطارات الداخلية أو الخارجية، وهاتان ميزتان تمتاز بهما السعودية، فيما أعلم من بين الشركات الإسلامية للطيران، كما تمتاز بالالتزام بتقديم الحلال وحظر تناول المحرمات، ولو من الأفراد الراكبين - أعنى الأشربة ونحوها - وللمسلمين ثلاثة آمال أخرى مهمة في الخطوط السعودية.
الأمل الأول: ما كنت اقترحته في كتابي: دور المسجد في التربية وهو تخصيص مكان في الطائرة يكون مسجداً يصلى فيه المسلمون، يتسع لخمسة أشخاص على الأقل في الوقت الواحد، نظرا لما يجده الراكب من حرج عندما يريد أن يصلي، وبخاصة إذا كانت الطائرة مزدحمة بالركاب، وعلى الأخص ركاب الدرجة السياحية، وإذا وجد مكان للصلاة بمشقة فقد لا يكون نظيفاً، وقد يحرج المصلى المارة من المضيفين وغيرهم، ومع ذلك فقد يفوت الوقت والمصلون يتناوبون على المكان، وما إخال ذلك صعباً، لأن السعودية تستطيع تصميم المسجد في الطائرة عند شرائها، أو تطلب تعديلاً طفيفاً فيها.
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بإقامة المساجد في الدور - أي في الأحياء - والمسافر عندما يكون في الأرض يسهل عليه اختيار مكان يصلى فيه، أما الجو فالأمر يختلف، وقد يقال: إنه مسافر مضطر فله أن يصلى قاعداً، والأمر كذلك، ولكن إذا كانت الشركات الجوية قادرة على إقامة المسلم صلاته كاملة الأركان، فإن عليها أن تقوم بذلك، كما تقوم بغيره من الخدمات. [لقد نفذت السعودية هذا الأمل في بعض طائراتها الجديدة، وهي من الميزات التي سبقت إليها غيرها، فجزى الله المسؤولين خيراً (كتبت هذا التعليق في تاريخ:9/2/1419هـ)].
وأمر آخر يلحق بالمكان، وهو أن يشعر قائد الطائرة أو من ينيبه المصلين بدخول أوقات الصلاة، لأن الأوقات في أسفار الطيران تتغير سرعةً أو بطأً من الشرق إلى الغرب أو العكس، وكما سجل دعاء السفر عند الإقلاع يمكن أن يسجل الأذان لأوقات الصلوات، وما أروع ذلك وأوقعه في نفوس المسلمين المسافرين في الجو! وهو ليس بغريب أن يحدث في طائرات المملكة العربية السعودية، وهو إعلان لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام بطريق غير مباشر.
الأمل الثاني: أن تكون المقاعد التي يمنع فيها التدخين هي الغالبة في الطائرات السعودية، إذا كان ولا بد من السماح بالتدخين، مع ثبوت ضرره المعروف عند علماء الشرع والطب، فلتخصص له مقاعد قليلة في آخر الطائرة، لأن المدخنين عندما يكونون أكثر من غيرهم، يكثر أذاهم بكثرتهم على غيرهم، فلا يخرج الراكب إلا وقد خالط الدخان ثيابه ودماءه عن طريق التنفس في مكان لا مفر له منه. [وقد أحسنت السعودية صنعا بمنع التدخين في الرحلات الداخلية، وليتها تفعل ذلك في الرحلات الخارجية، كما فعلت بعض الدول، مع العلم أن التدخين في الرحلات الخارجية أشد ضرراً على غير المدخن لطول المدة في كثير من تلك الرحلات؛ وقد فعلت ذلك في الرحلات الخارجية أيضا].
أما الأمل الثالث: فهو الأذان بالصلاة في قاعات المطارات السعودية عند دخول أوقات الصلاة، لتنبيه الناس على دخول الوقت بالصفة المشروعة وهو النداء بالصلاة، فإن كثيراً من الناس يغفلون عن ذلك، ووجود المساجد بجانب المطارات ورفع الأذان منها غير كاف، فإن أصوات المؤذنين لا تسمع من القاعات الداخلية، ولأن ضوضاء الناس وحركتهم ونداءات الموظفين في المكبرات لإعلام الناس بالإقلاع والهبوط وغيرهما، كل ذلك يمنع صوت المؤذن أن يصل إلى أسماع الناس، إضافة إلى العوامل المعمارية العازلة، ولذا تجد الناس يصلون زرافات ووحدانا، وبعضهم لا يصلي، والنداء ينبه الغافل ويقيم الحجة، وقد يختلف المصلون في دخول الوقت وعدمه... والأذان هو الفيصل. [وقد فعلت السعودية ذلك، والحمد لله، فالأذان يرتفع في مطاراتها في أوقات الصلاة، كما خصصت أماكن للصلاة في كل قاعة].
مناظر بديعة تتكرر في الأسفار:
الجمعة: 27/10/1406هـ
غفا صاحبي إغفاءة لا تقل عن ثلاث ساعات، وإغفاءات رفقائي في السفر متشابهة في الطول، ولما كانت الطائرة متجهة شرقاً، فهي تجرى بسرعتها نحو الشمس، والشمس تجرى بسرعتها نحوها - لذلك يقصر ليل المسافر شرقاً ويقصر نهاره، وبالعكس يطول ليل المسافر غرباً ويطول نهاره.
وفي الساعة الواحدة والنصف بتوقيت المملكة العربية السعودية فتحت ستار النافذة، فإذا الفجر قد بزغ، فأيقظت صاحبي من غفوته بعد أن توضأت فتوضأ وصلينا الفجر، ثم أخذت أطل على الأرض من النافذة، والشمس بازغة، ينبئ عن بزوغها - مع اختفائها - احمرار الأفق الذي أخذ في الانتشار غرباً جعل السحب الداكنة التي تزيد ظلمة الليل اسوداداً كأنها هشيم من النبات اليابس اشتعلت فيه النار، شديد الحمرة ولسرعة الشمس يمتد ذلك الاحمرار بسرعة إلى السحب المجاورة، وإذا نظرت إلى الجانب الغربي البعيد عن أشعة الشمس، رأيت السحب لازالت سوداء داكنة، فترى من الجو النهار في جهة الشرق والليل في جهة الغرب، لأن الليل إنما هو ظل الأرض الذي يحجب أشعة الشمس عن الوصول إلى بعض جوانبها، هذا عند طلوع الشمس، أما عند غروبها فإنك ترى النهار في الجانب الغربي لا زال موجوداً، وترى الليل في الجانب الشرقي، لأن الشمس قد غابت عن هذا الجانب، ولا زالت تلقى أشعتها على الجانب الآخر، وهو منظر عجيب لا يتمتع به إلا المسافر في الجو غالباً، لأن الذي على الأرض يكون السحاب فوق رأسه، فلا يرى ما يراه الراكب الذي يكون موقعه أعلى من موقع السحاب، كما أن أغلب الناس يكونون نائمين في هذا الوقت، وعندما رآه أخونا باكريم قال: سبحان الله ما كنت أظن هذا الاحمرار يحصل إلا عند غروب الشمس!
وكنا في ذلك الوقت نطير على الأرض التايلندية من جهة الجنوب فيما يغلب على الظن، بعد أن جاوزنا جنوب الهند وما يليه، وكنا في بعض الأحيان لا نرى إلا السحب المتراكمة، فإذا انقشعت وتجاوزناها إلى مكان صحو، رأينا الأنهار الجارية والجبال الشاهقة والبحار الهادرة، كل منها على انفراد، وقد يجتمع منظرها كلها في وقت واحد، فترى البحر يباهي بلونه الأزرق الجميل وأمواجه المتلاحقة التي يبدو أثر زبدها كأنه صفوف من الثياب البيضاء، وبما فيه من جواهر ولآلئ وأسماك وحيوانات، وبما يحتاج إليه الناس منه ممن يمخرون عبابه، لالتماس الرزق والانتقال من مكان إلى آخر وغير ذلك مما لا يحصى عَدَّاً من منافعه. وترى في الجانب الآخر تلك الغابات التي تباهي البحر بخضرتها الجميلة التي يود الناظر أن لا تغيب عن ناظريه، وأزهارها وورودها المختلفة التي تملأ رؤيتها النفس حيويةً ونشاطاً، وتتسلل رائحتها إلى الصدر عند تنفس الهواء العليل، وبفواكهها وثمارها اليانعة التي يتناولها الجاني بيسر وسهولة، دون مغامرة قاتلة، كتلك التي تحصل في البحر. [هذا وصف متخيل لمن وجوده عند تلك الغابات مباشر، أما من هو في الجو فلا يتمتع إلا بالمنظر العام وقت الصحو].
وترى آية من آيات الله الأخرى متواضعة مُصْلِحَةً تنمي الخير دون كذب، وتصل بين الخصمين المتخاصمين، بأخلاقها الجميلة وخيرها العميم، ولفتها الأنظار إلى أن الكون كله خلق الله، وجد لمنفعة عباده يجب أن يتعاون لتحقيق ذلك الهدف، تلك الآية هي الأنهار التي تراها مارة بالأرض تسقي حقولها وتروى زروعها، وتغذي أصول أشجارها وغاباتها، وتغذيها بالماء والمواد النافعة، كما تتصل بالبحر فيتخذها الناس معبراً من اليابسة إليه، ومنه إلى اليابسة، وتمنح الناس أسماكها الحلوة ومناظرها الجميلة.
إن النهر يمتد من اليابسة إلى البحر، يخترق الشعاب ويتلوى حول الجبال والهضاب، ويمر بالغابات ويصب في البحر، كأنه يقول للبحر: إن تلك الغابات أختك، وهي التي جعلتك مضيافاً لبنى البشر الذين لا يصلون إليك إلا عن طريق أخشابها، ولو منعت عنك اليابسة ما فيها من خيرات، من أخشاب وحديد وغيرها، لأصبحت يباباً لا ينتابك أحد، كما يقول للغابة: إن البحر لك لصديق، فهو يشارك في نقل ثمارك من بلد إلى آخر ويفسح المجال لأخشابك تمخر عبابه بالرائحين والغادين، فأنتما أولى بالتعاون والتآخي من التنافر وبالتواضع من التكبر، و ها أنا أمد بينكما حبل المودة والإخاء، وكلنا من آيات الله التي يجب على البشر أن يستدلوا بها على خالقها وأن يشكروه على نعمها، وعدونا الحقيقي جميعاً هو من يغفل عنا ولا يشكر الله على ما أنعم به عليه منا، ولو نطق النهر المصلح لقال: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ}. [النحل: 10-22].
وعندما اقتربنا من جزر الفلبين أخذت الطائرة في الهبوط رويداً رُويدا إلى الأرض، وبدت لنا تلك الأمواج المتلاطمة في المحيط الهادي التي كانت تتبارى في إجادة الرقص الممتع لأعين الناظرين، في صفوف يتلو بعضها بعضاً، كما بدت لنا الأنهار المتلوية بين الحقول والمزارع والغابات.
وجالت بنا الطائرة فوق العاصمة مانيلا التي شَهِدَت قبل أشهر عنفاً ومظاهرات واقتتالاً بين جند رئيسها السابق الذي حكمها بالقوة والسلاح والإرهاب والاغتيالات، على كره من أغلب شعبها الذي رفضه فيما بعد وأجبره على الاغتراب، بعد أن كان الحاكم المطلق في البلاد لفترة طويلة ثقيلة، وهذه سنة الله في الظلمة تكون نهايتهم مخزية، وإن تمتعوا بالترفه الظالم فترة من الزمن، وإن عز على أعوانهم من ذوى الحظوة عندهم أن يرمَى بهم في سلة المهملات، ويخرجوا من الدنيا والتاريخ يلعنهم ويلعن أتباعهم إلى يوم الدين.
ناطحات سحاب وأقفاص دواجن!
أخذنا ننظر من علُ إلى عاصمة الفلبين التي تحكى سنة الله في الكون وتقسيم الأرزاق بين الخلق: بيوت شاهقة مزخرفة يبدو عليها أثر النعمة والخيلاء (ناطحات سحاب) وبيوت قابعة في الأرض كثير منها من الصفيح، وبعضها تراها لصغرها مثل السيارات الصغيرة الواقفة في الشوارع المزدحمة (كأنها أقفاص دواجن!).
جالت بنا الطائرة جنوباً وشرقاً ثم غرباً، فرأينا في شرق المدينة جبالاً ممتدة لمسافة طويلة، ورأينا في غربها بحراً هادراً، وتبدو شوارعها غير منظمة كعواصم الغرب وما شابهها، وهبطت بنا الطائرة في مطار مانيلا الدولي في الساعة الخامسة والدقيقة الأربعين صباحاً بتوقيت المملكة العربية السعودية، الموافق للساعة العاشرة والدقيقة الخامسة والأربعين بتوقيت مانيلا .