في مانيلا مرة أخرى
في مانيلا مرة أخرى
زيارة إدارة شؤون المسلمين التابعة لرئاسة الجمهورية:
الثلاثاء: 5/2/1410 هـ ـ 5/9/1989م.
أحببت أن أجتمع ببعض الموظفين المسلمين في الإدارات الحكومية التي لها علاقة مباشرة بشؤون المسلمين، لأسمع منهم، كما سمعت من غير الموظفين الذين ينكر كثير منهم الموظفين الحكوميين، وعلاقتهم بالدولة، فضُرب لي موعداً مع مدير الشؤون الخارجية في هذه الإدارة، وهو:
الأستاذ أحمد بومباية البالغ من العمر خمسين سنة.

ولد سنة 1939م.
دراسته ومؤهلاته.
تخصصه: المحاماة في القانون الفلبيني والدراسات الإسلامية.
أخذ شهادة المحاماة من جامعة الشرق الأقصى في مانيلا سنة 1981م.
وأخذ شهادة الدارسات الإسلامية في كلية كامل الإسلام، باللغة الإنجليزية سنة 1964م في مراوي.
واصل دراسته في جامعة عين شمس من سنة 66-1968م استعداداً لتقديم رسالة الماجستير، ولكنه لم يكمل الدارسة.
الوظائف والأعمال:
كان ناظر مدرسة ثانوية في بلوئي - لاناو الشمالية - لمدة سنتين من 68-1970م، ثم صار مدير معهد رانو الإسلامي في بلوئي نفسها لمدة سنتين من سنة 70- 1972م، ثم أصبح مديراً لكلية بلوئي الإسلامية باللغة الإنجليزية لمدة سنتين من سنة 72-1974م، ثم مدرساً في قسم الدارسات الإسلامية في الجامعة الحكومية في مندناو - مراوي - لمدة سنتين، من سنة 74-1976م.
ثم انتقل إلى وزارة الخارجية لمدة أربع سنوات من سنة 76-إلى 1980م.
ثم بقي بدون وظيفة رسمية، وكان داعية حتى عين مديراً للشؤون الخارجية في إدارة شؤون المسلمين من سبتمبر 1987م-إلى الآن.
وعنده ثلاث زوجات وتسعة أولاد.
وهذه الإدارة أصلها وزارة شؤون المسلمين أنشأت في عهد ماركوس سنة 1980م، وكانت تشمل قسم الثقافة وقسم الاقتصاد.
مكتب شؤون المسلمين وفروعه:
وبقيت هذه الوزارة سنتين فقط، ثم ألغيت وحل محلها مكتب لشؤون المسلمين والبدائيين - وهم أهل البلاد الأصليين - الذين يسكنون في الجبال والغابات وكان إلغاء الوزارة سنة 1982م. [أحدث ماركوس هذه الوزارة خداعاً لمنظمة المؤتمر الإسلامي والمنظمات الإسلامية والمسلمين في الفلبين عندما كان يفاوض المسلمين لوقف القتال وإغرائهم بالحكم الذاتي الخادع، ثم ألغى الوزارة وقرن خير أمة أخرجت للناس بالوثنيين في مكتب إداري!].
ثم انفصل مكتب البدائيين، ولكل مكتب مدير في مستوى نائب وزير، وكان الفصل سنة 1987م.
وتوجد في الفلبين منطقة رسمية يكثر بها المسلمون، والمكتب المركزي لشؤون المسلمين يشرف على تسعة فروع، له في المناطق في كل فرع ستون موظفاً، ويوجد فرع في مانيلا أيضاً - غير المكتب المركزي - وهو العاشر، وعدد الموظفين في المكتب المركزي 300 شخص، وعددهم في المكتب المركزي والفروع كلها 900 شخص 90% منهم مسلمون و10% غير مسلمين، أكثرهم بينهم وبين المسلمين مصاهرة.
ونصف الموظفين من المسلمين في الفروع، ليس عندهم مؤهلات للخدمة المدنية، ولذلك يهددهم مكتب الخدمة المدنية بالفصل من الوظائف، ليوظف من عنده مؤهلات ولو كان غير مسلم.
دواوين المكتب:
هذا، وللمكتب خمسة دواوين:
1- ديوان شؤون الحج والأوقاف.
2- ديوان شؤون تحسين التعاون بين النصارى والمسلمين.
3- ديوان الشؤون الثقافية للمسلمين.
4- ديوان شؤون الاستيطان للمسلمين.
وهذا الديوان خاص بالمسلمين اللاجئين الذين يفرون من الحروب، ويهاجرون إلى ولاية صباح في ماليزيا، تدعوهم الحكومة للعودة وتهيئ لهم السكن والمرافق العامة.
ويوجد الآن في ولاية صباح أكثر من 1200 لاجئ ويوجد في وسط الفلبين وشمالها من اللاجئين من الجنوب ما لا يقل عن مليون.
5- ديوان شؤون الخارجية، وهو متخصص في المساعدة والإعانات التي تأتي من الدول العربية، وبخاصة رابطة العالم الإسلامي والدول الإسلامية المجاورة، كإندونيسيا وماليزيا وبروناي. [تحاول الحكومة أن تمنع وصول المساعدات التي تخصصها الحكومات في الدول العربية وغيرها إلى المسلمين مباشرة وهي تتولى عن طريق عملائها من المسلمين صرفها على من يتعاون معها ويحرم منها المجاهدون والدعاة الصادقون، ويمكن أن تصرف قسماً من هذه المساعدات على الموظفين النصارى في هذا المكتب بحجة أنه مكتب يرعى شئون المسلمين!].
أقسام الشؤون الإدارية في المكتب:
والشؤون الإدارية في المكتب أربعة أقسام:
1- الخدمة الإدارية.
2- الشؤون المالية.
3- شؤون التخطيط.
4- شؤون الخدمة القانونية.
وعدد سكان الفلبين حسب الإحصاء الحكومي 56 مليوناً، وكل سنة يزيد عدد السكان مليوناً، وآخر إحصاء كان سنة 1984م فعددهم الآن 60 مليوناً تقريباً.
عدد المسلمين:
وعدد المسلمين حسب إحصاء الحكومة ثلاثة ملايين أو أقل.
وعددهم حسب إحصاء المسلمين سبعة ملايين بالتقدير، ولا يصح إحصاء الحكومة، لأنهم يقولون: إن عدد المسلمين ثلاثة ملايين من مدة طويلة.
وأغرب الإحصاءات إحصاء الشرطة الذين يقولون في سنة 1988م: إن عدد المسلمين مليون وثمانمائة ألف نسمة فقط!
والحكومة لا تعد البدائيين - وإن كانوا مسلمين - من المسلمين، والمسلمون يعدونهم منهم ما داموا مسلمين.
عدد المساجد والجامعات الإسلامية:
وعدد المساجد في الفلبين أكثر من ألف.
في لاناو 500 منها.
وفي مانيلا وضواحيها 18مسجداً. [قال الأخ مسعود: إن المساجد في المنطقة الجنوبية وحدها يزيد عددها عن ألفي مسجد، وما ذكره بومباية يدل على جهله بشؤون المسلمين].
وعدد الجامعات الإسلامية ثلاث:
1- جامعة الشريف مخدوم في زامبونجا.
2- جامعة الفلبين الإسلامية في مدينة مراوي، والمسؤول عنها أحمد ألنتو (وهي غير الجامعة الحكومية).
3- وجامعة مسلم مندناو- في مراوي أيضاً.
المساعدات:
المساعدات العادية التي تقدمها الحكومة للمواطنين كالثقافة والتعليم والمرافق العامة يستوي فيها المسلمون وغيرهم.
وأما المساعدات الخاصة، فإن الحكومة تقدم لمن ترك الجهاد من المجاهدين منحاً دراسية وتيسر لهم أسباب المعيشة. [تذلهم بلقمة العيش فيصبحون في ركابها يأتمرون بأوامرها].
ومن المساعدات الخاصة أعمال المكتب، مثل تنظيم الحج، ولا تأخذ من الحجاج ضرائب ولا جمارك، إذا رجعوا وكذلك تنظيم الأوقات في رمضان، الموظف المسلم يعمل نصف يوم، والاحتفال بالأعياد الإسلامية وإصدار مجلة إسلامية في الأحوال الشخصية.
المحاكم الشرعية ومناطقها:
وتوجد خمس محاكم شرعية:
واحدة في سولو.
وواحدة في زامبونجا.
وواحدة في كوتاباتو.
وواحدة في لاناو الشمالي.
وواحدة في لاناو الجنوبي.
وهي مخولة في الأحوال الشخصية بما في الشريعة الإسلامية، وإذا حصلت مشكلة في المجتمع الإسلامي يطبق فيها حكم الشرع، أما إذا كان في المجتمع الفلبيني فيطبق القانون الفلبيني.
ويعقد امتحان لمن يتولى القضاء الشرعي ويدرب المكتب الراغبين في حضور هذا الامتحان، ومستوى راتب القاضي المسلم هو مستوى راتب القاضي النصراني، واللغة العربية مادة في الجامعات الحكومية.
أما موقف المجاهدين من هذا المكتب فهم يرون أنه يعارض مصالح المسلمين، لأنه من مخططات الحكومة وحيلها، وليس فيه مصالح للمسلمين.
ويرى الموظفون في المكتب أن الإسلام انتشر في السابق بالتدريج، وكذلك ينبغي أن يكون الآن.
ويرون أن من حق المسلمين وهم مواطنون أن يتوظفوا كغيرهم من المواطنين.
وأن المسلمين في الفلبين يطبقون الشريعة في الأحوال الشخصية، كما يطبقها المسلمون في الدول العربية وغيرها من البلدان الإسلامية، وكذلك العبادات، كماليزيا وإندونيسيا وغيرها.
وأما تطبيق الأحكام الشرعية، كالحدود فلا تطبق في الشعوب الإسلامية، فكيف نستطيع تطبيقها هنا في دولة نصرانية. [الحكومات التي تسلطت على رقاب الشعوب الإسلامية وحاربت تطبيق الإسلام وشريعته قدوة سيئة وفتنة للمسلمين في بلادهم وفي غيرها من البلدان].
وهذه الأمور تكفي في هذا الوقت.
الفرق بين اتفاق طرابلس ومشروع الحكم الذاتي الحالي:
[بعض العناوين تتكرر - ومنها هذا العنوان - لتكرر الأشخاص الذين أقابلهم، وأود أن أعرف وجهات نظرهم في الموضوعات المقصودة].
وسألته: ما الفرق بين اتفاق طرابلس ومشروع الحكم الذاتي الحالي؟
فقال:
1- في اتفاق طرابلس نص يفيد بأن المجاهدين هم الذين يتولون شؤونهم في الحكم الذاتي بتعيين من الحكومة، والآن تريد الحكومة أن يكون هذا بالانتخاب الذي قد يفوز فيه مسلم أو غير مسلم.
2- في اتفاق طرابلس الأمن الداخلي يتولاه المجاهدون في حدود عشرة آلاف، والآن ترى الحكومة أن كل من عنده مؤهل من المجاهدين ينضم إلى الجيش بحسب النظام.
3- في اتفاق طرابلس يكون الحكم الذاتي في ثلاث عشرة محافظة ومدنها، والآن تريد الحكومة أن يكون بحسب الاستفتاء، كل محافظة يختار الحكم الذاتي تدخل في الحكم الذاتي، وكل محافظة لا يختار أهلها الحكم الذاتي لا تدخل في منطقة الحكم الذاتي.
وترى الحكومة أن 99% من اتفاق طرابلس قد ينفذ في هذا الاستفتاء، لأن في آخر ذلك الاتفاق فقرة تقول: تتخذ حكومة جمهورية الفلبين كل الإجراءات الدستورية لتنفيذ هذا الاتفاق بكامله.
وهي تفسر ذلك بالاستفتاء والانتخابات، فلا تدخل أي محافظة في الحكم الذاتي إلا بالاستفتاء، ولا يتولى أحد شأناً من شؤون تدبير البلاد إلا بالانتخابات، وأغلب سكان المحافظات الثلاث عشرة هم مسيحيون، فسكان هذه المحافظات عشرة ملايين ستة ملايين منهم مسيحيون وأربعة ملايين مسلمون.
أسباب الخلاف بين المسلمين:
وسألته عن أسباب الخلاف بين المسلمين في الفلبين؟
فقال: الخلاف سياسي حزبي، وخلاف قبلي، وخلاف مذهبي، وهذا الأخير قليل بين المذهب الشافعي والمذهب الوهابي. [قلت له: لا يوجد مذهب وهابي، قال: المقصود أفكار محمد بن عبد الوهاب، وبعض الطلاب الذين يدرسون في السعودية يتشددون، وحصل نقاش طويل معه في هذا].
القبائل الإسلامية:
والقبائل الإسلامية هي:
1- مرناو في محافظة لاناو.
2- مقندناو في كوتاباتو.
3- تاوسوج في أرخبيل سولو وزامبونجا.
وتوجد قبائل فرعية صغيرة.
فئات المجاهدين:
1- جماعة مسواري.
2- جماعة سلامت هاشم.
3- جماعة ديماس بونداتو.
وقد اصطلح هذا الأخير مع الحكومة، وجماعته ما زالوا يواصلون الجهاد، وقد أعلنوا فصله عنهم رسمياً.
4- وفئة رشيد لقمان، وقد توفي في المملكة العربية السعودية، وهدفهم تحرير مورو الوطنية، واتباعه انضموا إلى الفئات الأخرى.
وأقرب هؤلاء القادة إلى الإسلام سلامت هاشم، فهو أزهري وحوله علماء مستشارون، وثقافته إسلامية.
أما مسواري فثقافته غير إسلامية، وانضم إلى جمعية الشباب وهي شيوعية، وكان من زعمائها، ومستشاروه ثقافتهم غربية من قبيلة سولو، ما عدا واحداً تخرج في الأزهر يسمى عبد الباقي.
ولا توجد صلة للمكتب بهذه الفئات، لأنهم لا يقبلون الاجتماع مع غيرهم، وبخاصة ممن يعمل مع الحكومة.
ويقوم بعض المسلمين الذين يريدون الإصلاح بين المجاهدين والحكومة بعقد مؤتمرات يوصون فيها الحكومة بتنفيذ اتفاق طرابلس.
ويوجد خارج مندناو من المسلمين مليون ونصف المليون موزعون في مناطق مختلفة، وتحاول الحكومة أن تحل المشكلات بينها وبين المسلمين عن طريق هذا المكتب.
وترى أن هذا المكتب لا بد من بقائه ولو تقرر الحكم الذاتي في مندناو، لوجود مسلمين خارج نطاق مندناو ومما لا يشملهم الحكم الذاتي.
بعض المعلومات من الأخ مسعود عثمان:
ولد سنة 1952م
التخصص: الحقوق والشريعة في جامعة الكويت، تخرج سنة 1978م.
العمل في مكتب رابطة العالم الإسلامي وهيئة الإغاثة الإسلامية التابعة للرابطة، في الفلبين، يعمل سكرتيراً.
قال الأخ مسعود معلقاً على اللقاء الذي حصل مع الأستاذ أحمد بومباية السابق ذكره.
إن هذا الرجل أول من كون جماعة في مدينة مراوي في لانو الجنوبية، وهي جماعة جهادية سماها جماعة الإخلاص- وهي تلي جماعة مسواري في الوجود.
قاد أول معركة في مدينة مراوي استولى فيها على إذاعة الحكومة، وأذاع بنفسه بيان الاستيلاء وبقي مستولياً عليها يوماً كاملاً، وكان معه أحد خريجي الأزهر ويسمى مسلم صديق وقد قتل في هذه المعركة، ومعه أيضاً حاج حسن مرهوم، وهو عم مسعود عثمان.
صلاحيات المكتب بأيدي الموظفين الصغار من رجال الدولة:
هذا، وقد أدركت من جلوسي مع هذا الرجل في مكتبه أنه لا توجد عنده صلاحيات حتى في الحصول على المعلومات التي لا يريدون الاطلاع عليها.
لقد طلبت منه معلومات عن وزارة شؤون المسلمين التي أحدثت في عهد ماركوس، وحاول أن يحصل على ذلك من الموظفين، وهم أصغر منه فلم يتمكن من الحصول على ذلك، وأعطوه بدلاً من ذلك قائمة فيها توزيع السكان المسلمين على المناطق غير الجنوبية، وهي المنطقة الوسطى والمنطقة الشمالية.كما أحسست من هذا الرجل، وهو يتحدث عن المجاهدين وصلته بهم أنه يشعر بمرارة أو بالذنب في ابتعاده عنهم ولكن سبق السيف العذل، وقد وقع في الفخ كغيره ممن ينفصلون عن المجاهدين ويقررون التعامل مع الحكومة.
سياسة الشيعة في الفلبين:
ومن المعلومات التي ذكرها الأخ مسعود عثمان:
أن الشيعة رسموا سياسة لجعل الفلبين على المدى البعيد دولة إسلامية شيعية، ومن هذه الخطط أنهم بعثوا إلى الفلبينيين ثلاثة آلاف رجل من إيران، وتفرقوا في مناطق الفلبين وأخذوا يتزوجون فلبينيات مسلمات ونصرانيات، ويبعثون أولادهم الذين ينجبونهم منهن إلى إيران ليتعلموا ويتربوا هناك، فإذا كبروا وصاروا قادرين على التأثير، رجعوا إلى الفلبين لنشر العقائد الشيعية بين المسلمين، وهم الآن يهتمون بدعوة النصارى إلى الإسلام وتربيتهم على عقيدتهم.
هذا، مع العلم أن الناس في الفلبين إذا وجدوا من يهتم بهم ويفهمهم الإسلام ويحاول حل مشكلاتهم المادية يتأثرون به ويستجيبون له.
مع بعض أعضاء الجمعية الإسلامية للطلبة في الفلبين:
الأخ نضال صالح عودة.
ولد في سنة 1966م في الكويت، ودرس الثانوية في الكويت، وهو الآن في جامعة الشرق - قسم علم الأحياء - وهو منذ ثلاث سنوات في الفلبين، وينوي بعد ذلك دراسة الطب.
الأخ أسامة بن عبد الرحمن البكري.
تاريخ الميلاد سنة 1967م في الأردن، درس الثانوية في الأردن، وهو الآن في السنة الخامسة - هندسة إلكترونية في جامعة أهلية - (فباتي) وله هنا ثلاث سنوات وبضعة أشهر.
أغلب الطلاب الوافدين المسلمين من العرب.

وعدد المسلمين الوافدين في الفلبين خمسة آلاف طالب تقريباً، وعدد العرب تقريباً أربعة آلاف.
ويوجد عدد من الطلبة الإيرانيين لا يتجاوز مائة.
ويوجد عدد منهم سجلوا باسم أنهم طلاب، ولكنهم يعملون على نشر المذهب الشيعي، وعددهم حوالي ألف.
مجالات نشاط الإيرانيين:
أغلب نشاطهم في المسجد الذهبي.
وعندهم مجلس يوم الأحد باللغة الإنجليزية، واللغة الفارسية في مجلس آخر، ويحاولون جذب الفلبينيين والعرب، وغيرهم إلى نشاطهم.
وأثرهم قوي في مانيلا، ويوزعون منشورات يوم الجمعة بكل اللغات مجاناً.
ولهم عدة منظمات في الطلاب وغيرهم.
ويوجد معهم شباب من العرب والباكستانيين.
ويقومون بعقد مؤتمرات للعلماء في الأقاليم بدعوات خاصة.
وبعض أئمة المسجد الذهبي يتعاطف معهم ضد السنة، وذلك يعود إلى إعطائهم شيئاً من المال.
وعندهم جلسات خاصة في أماكنهم، وهي أقرب إلى الحسينيات وليست عامة كما في المسجد.
وكانوا قد ضعفوا قليلاً بسبب الحرب التي حصلت بينهم وبين أتباع الشاه.
ونشاطهم ملحوظ في اللقاءات الخاصة والمجموعات الصغيرة.
ويحاولون تحقير الحكومات العربية ونسبة الفضائح إليهم ونشرها بين الناس، وكثير منهم متفرغون لهذا الغرض ومعهم بعض العراقيين والفلسطينيين.
ويعلنون عن أسماء جماعات وهمية لاجتذاب الناس، وتأتيهم أموال من إيران، والمسؤول عن النشاط الشيعي حاج محمود- إيراني - يدرس في جامعة يوبي، وله تأثير بسبب ذلك، والمواد التي يدرسها هي المواد السياسية.
ويوجد في هذه الجامعة عدد كبير من المسلمين الذين جاءوا من الجنوب (مندناو) ونشاطهم ليس واضحاً، ولكن يعرفه الشباب عن طريق زملائهم.
وبعض الطلاب الفلبينيين يخطبون ويصرحون بدعم الشيعة وذم الحكام العرب.
وهذا الأستاذ متزوج فلبينية، وله منها أولاد، وكان مرشحاً ليكون سفيراً لإيران في مانيلا، ولكن زواجه بأجنبية منعه من ذلك قانوناً.
ويوجد نشاط نسائي شيعي أيضاً.
ويذهبون إلى الأقليات الإسلامية في خارج مانيلا، ويوزعون كتباً ملونة للأطفال وللكبار ومصاحف، ولهم مركز في الجنوب يسمى "مركز خميني" في شمال مندناو، في دومينيكان، ولهم فيه مطابع.
ويملك أحد الإيرانيين مطبعة في مانيلا، ويسمى محمد رضا، وعنده مكتبة أعدها للقراءة وعنده آلات تصوير ويبيع في هذه المكتبة أيضاً الكتب.
ويدعمون بعض الصحف، ومنها صحيفة مسلم تايمز، وصاحبها صحفي ناجح وهو فقير، وإلى الآن لم يظهر في جريدته تأييد للشيعة، ولكن يبدو أن عنده ميولاً شيعية، ولذلك يخشى أن يظهر تأييدهم للشيعة في المستقبل.
ويقيمون معارض في أيام المناسبات، مثل آخر جمعة في رمضان، ويقيمون بعض المعارض لبعض الأحداث ويقومون بالاحتجاج.
ويجب أن يوجد علماء من العرب يساعدون المسلمين في الفلبين على فهم الإسلام الصحيح، لأن الجهل عام وعلماء الفلبين ضعاف.
وينبغي أن يتردد بعض الزوار والمحاضرين على الفلبين وأن يُبعث ببعض الكتب الإسلامية المفيدة وبعض المجلات باللغة الإنجليزية، وأن تصدر مجلة خاصة باللغة الفلبينية، وبخاصة لغة المرناو.
ويجب الاهتمام بأئمة المساجد في مؤتمرات ودورات، وإيجاد علاقة معهم في الدول العربية، وكذلك رؤساء الجمعيات الإسلامية.
معلومات عن الجمعية الإسلامية للطلبة في الفلبين:
أنشأت هذه الجمعية سنة 1986م وهي مسجلة في الحكومة.
وعدد المؤسسين لهذه الجمعية 16شخصاً من بلدان مختلفة: من فلسطين والأردن، وأغلبهم من الكويت.
وأول رئيس لها هو الأخ زياد عبد الفتاح، فلسطيني الأصل وجوازه أردني، وهو مهندس يقيم الآن في الكويت، وكان في الفترة التأسيسية حسن بن أحمد الزهراني وهو هندي - له أصل عربي- ولا زال يدرس في الفلبين وهو المسؤول المالي.
والمسؤول عن الجمعية الآن الأخ نزار صالح.
نشاط الجمعية:
للجمعية عدة نشاطات:
1- نشاط ثقافي: دروس أسبوعية بعد صلاة الجمعة، وديوانيات كل يوم أحد، ومنتديات فكرية (محاضرات علمية) ومسابقات ثقافية، ومنشورات أسبوعية، ومجلة الفرقان، مرتين في السنة باللغة العربية، ويوجد ملحق الفرقان باللغة الإنجليزية، والأردية، ومجالس تربوية، وسيعقدون مؤتمراً إسلامياً قريباً.
وأسسوا ثلاث مكتبات باللغة العربية والإنجليزية والفلبينية، وأشرطة فيديو وأشرطة كاسيت وعروض أسبوعية.
وتوزع نشرات على النصارى باللغة الإنجليزية، منها محاضرات أحمد ديدات، ومطبوعات رابطة العالم الإسلامي، ويدخل في هذا النشاط الإعلامي.
ومعارض عن القضايا الإسلامية، ومقتطفات من مجلات إسلامية توزع بسعر التكلفة حفاظاً على الطلبة العرب من الميل إلى أفكار أخرى، وملصقات حائطية، وفانيلات تكتب عليها عبارات إسلامية.
2- نشاط رياضي أسبوعي.
3- نشاط اجتماعي: زيارات ومساعدات لبعض الأشخاص، وتساعد في ذلك جمعية الإصلاح وجمعية إحياء التراث.
ومن ذلك تسفير الأشخاص الذين يضيعون ويقعون في الفساد.
ويوجد نشاط في الفلبينيين المسلمين بإلقاء دروس في المساجد في العقيدة والفقه واللغة العربية، وقراءة القرآن.
ويوجد في مانيلا 32 مسجداً ومصلى، والنشاط يكون في المساجد التي يوجد فيها تجمع.
كما يوجد نشاط بين النساء المسلمات الفلبينيات من قبل زوجات الشباب العرب وخادماتهن الفلبينيات.
وقد وجد لنشاط الجمعية أثر بارز، وبخاصة في الطلاب العرب الذين لم يكن يحضر صلاة الجمعة منهم إلا القليل، وبعد وجود هذه الجمعية اهتدى كثير منهم، وأصبح الذين يصلون ألف طالب تقريباً، والباقون علمانيون، وقليل منهم شيوعيون.
ويمكن أن 80% منهم يقعون في المعاصي، ولكنهم يعودون إلى الله، وبعضهم يلتزم قبل سفره إلى أهله بشهور.
وللجمعية فرعان: أحدهما في باغيو، في الشمال، والثاني: في مدينة سيبو.
وفي منطقة باغيو أنشئ اتحاد المدارس الإسلامية بسبب نشاط الإخوة العرب، ويوجد في الجامعات في نفس المنطقة ثلاثون طالباً في الطب.
هذا، وللجمعية دستور مطبوع باللغة العربية مكون من تسعة أبواب، أذكر منها الأبواب الثلاثة الأولى:
الباب الأول: الاسم والمقر:
بند (1) الجمعية الإسلامية للطلبة في الفلبين، هي عبارة عن هيئة طلابية مستقلة تتكون من الأعضاء الطلبة المسلمين في جامعات وكليات ومعاهد الفلبين.
بند (2) اسم الجمعية: الجمعية الإسلامية للطلبة في الفلبين.
بند (3) مقر الجمعية:
أ - المقر الرئيس للجمعية يكون في مانيلا.
ب- يمكن فتح أي فرع في أماكن مختلفة بقرار من الهيئة الإدارية.
الباب الثاني: أهداف الجمعية:
1- نشر الوعي والفكر الإسلامي، بكافة الوسائل المشروعة.
2- تمثيل الطلبة المسلمين، والسعي لخدمتهم، والعناية بجميع شؤونهم الرسمية.
3- إعانة الطلبة المسلمين في حل مشاكلهم المتعددة.
4- العمل على وحدة وتماسك الطلبة المسلمين.
5- العمل على توفير الأنشطة المختلفة للطلبة المسلمين.
الباب الثالث: وسائل الجمعية:
بند (1) تقوم الجمعية بتحقيق أهدافها بكل الوسائل المشروعة التي لا تتعارض مع الإسلام.
بند (2) من أهم وسائل الجمعية:
1- المحاضرات والديوانيات واللقاءات العامة.
2- الرحلات والحفلات الإسلامية.
3- توفير مناطق العبادة في المناطق المتعددة.
4- النشرات والمجلات الدورية.
5- المسابقات الإسلامية - الثقافية والعلمية.
وبقية الأبواب تتعلق بالعضوية، والمجلس العمومي والهيئة الإدارية، ومالية الجمعية، وتعديل الدستور والدورة السنوية.
جولة في مدينة مانيلا:
الأربعاء: 6/2/1410هـ ـ 6/9/1989م.
كثير من أوقاتي في السفر لا أتمتع فيها بمعلومات جغرافية ولا مناظر طبيعية، ولا أماكن أثرية، إلا إذا جاءت عرضاً، وإذا تأمل قارئ هذه المذكرات ما يجري في اليوم الواحد من مقابلات ولقاءات وزيارات للمؤسسات الإسلامية، يتضح له المجهود الذي المبذول في هذه الرحلات من أجل زيارة أكبر عدد من المؤسسات الإسلامية والشخصيات، وأخذ أكبر قدر ممكن من المعلومات الشفوية أو الوثائقية، المتعلقة بالمسلمين: ثقافية وتعليمية وتربوية وسياسية وجهادية، ومقابلة من أمكنني مقابلته من الداخلين في الإسلام حديثاً، أو غير المسلمين لمحاورتهم، وغير ذلك.
ولا أبدد جهودي في التنزه والتمتع بالمناظر ونحو ذلك إلا قليلاً جداً - في أوقات لا توجد لي فيها مواعيد زيارات أو لقاءات - هذا مع اعترافي بأني أكون في غاية الشوق لأمتع نفسي بالمناظر الجميلة من بحار وغابات وجبال وغيرها، ولكن هذه الرغبة تغلبها الرغبة في تحقيق أهداف هذه الرحلة - وغيرها - وهي ما سبق بيانه.
لهذا تراني أزور بعض المدن وأخرج منها، وأنا لا أعرف من هذه المدن إلا الأماكن التي زرتها من المؤسسات الإسلامية والمساجد، ونحوها.
وفي هذه المدينة "مانيلا" أحببت أن أطلع على الأماكن التي أستطيع تصوير المدينة منها، وذلك لا يمكن إلا بالخروج إلى أطرافها في الجهات الأربع، أو بالتمكن من الصعود إلى مكان عال: برج أو جبل أو نحو ذلك.
ولهذا طلبت من الأخ محمد جمال خليفة أن يستأجر لي سيارة ويهيئ لي من يرافقني في يوم من الأيام التي لا توجد فيها مواعيد، فكان هذا اليوم هو الذي اختير للقيام بجولة في مانيلا.
فاستأجروا لي سيارة من مكتب سياحي، وسائقها خبير بالمدينة وضواحيها، ومعنا الأخ مسعود عثمان الذي خصص لمرافقتي مدة بقائي في مانيلا.
واتفقنا على أن ننطلق من الفندق في الساعة السابعة صباحاً.
1- وبدأنا بزيارة معرض أشجار النارجيل وهو قريب من الفندق على ساحل البحر، ولم نتمكن من الدخول لأن الوقت كما قال الحارس كان مبكراً والمعرض مغلق ولا يفتح إلا في الساعة التاسعة.
الفلبين المصغرة:
2- فذهبنا إلى "الفلبين المصغرة" وهو مكان واسع يصعب التجول فيه على الأرجل، إذا أريد الاطلاع على كل ما فيه، إلا إذا خصص لذلك وقت كاف مع التمهل وأخذ الراحة، هذا بالنسبة للشباب المسن مثلي، أما الشباب الآخر فله شأن آخر.
هذا المكان يعتبر نموذجاً للفلبين بمناطقها المختلفة شمالها وجنوبها ووسطها، لكل منطقة نموذج يحكي ما فيها من بناء ومعابد وملابس وصناعات يدوية، وفئات المجتمع من مسلمين ونصارى وبدائيين بالصور، والمباني: مساجد مصغرة وكنائس، ومساكن وغيرها. [البلدان المصغرة تنشأ في كثير من الدول، لأمرين: الأمر الأول: إعطاء الزوار والسائحين صورة عن عادات البلد وثقافته وتاريخه القديم والحديث. الأمر الثاني: اجتذاب السائحين وأموالهم التي تكون بالعملة الصعبة، لتستفيد منها الدولة ومؤسساتها وبعض من سكانها].
أما الحقيبة فلا؟
في مدخل الفلبين المصغرة طلب مني الجندي أن أترك عنده حقيبتي الصغيرة التي لا تفارقني ولا أفارقها في السفر، لأنها تضم أركان السفر من وثائق ونفقات، وكذلك طلب مني أن أترك الكاميرا التي أصطحبها عادة لتصوير المناظر التي تعجبني، فقلت له: الكاميرا لا مانع عندي من تركها، وأما الحقيبة فلا، فألح على تركها، وكأنه يريد أن يجبرني على تركها وإلا فلا دخول.
فقلت للأخ مسعود: أخبره أنني إما أن أدخل بحقيبتي، وإلا فسأعود بدون الدخول، ولست حريصاً على الدخول لأن تركه سوف لا يفوت عليّ مصلحة.
فابتسم الجندي وقال: من أين هذا الرجل؟ فقيل له: عربي! فأشار بيده: تفضلوا.
تجولنا قليلاً واطلعنا على ما تيسر من المعرض أو المتحف الطبيعي، ثم عدنا فأخذنا سيارتنا وذهبنا.
وسألت السائق عن مساحة مانيلا؟
فقال: من الشمال إلى الجنوب أربعون كليومتراً، ومن الشرق إلى الغرب ثلاثون كيلومتراً.
الأبراج الشعبية:
3- قلت له: إنني أريد أن نصعد إلى مكان مرتفع لنشرف منه على المدينة لنتصورها ونصورها، فقال: يوجد مكان خارج المدينة، فذهبنا إلى هذا المكان في شارع يسمونه الشارع الكبير أو الواسع أو السريع، إلى الجانب الشرقي من المدينة، وصعدنا إلى جبل يسمى آنتي فولو (ANTI POLO).
وهو منطقة سياحية يتنافس فيها الأهالي في بناء أبراج شعبية، يبنونها من قصب البامبو والخشب وسعف أشجار أخرى شبيهة بالنخيل، وليست بنخيل، ويبنون هذه الأبراج من عدة أدوار أو طوابق قد تصل إلى ثلاثة أو أكثر، ولها سلالم من الخشب مثبتة معها - من أصل البناء - توصل هذه السلالم من يريد الصعود إلى الأدوار العليا في الأبراج.


وفي كل برج دكان صغير في الدور الأرضي تباع فيه أنواع العصير والمأكولات الشعبية الخفيفة.
فاخترنا أحد الأبراج وصعدنا إلى الدور العلوي فيه، فرأينا المدينة بوضوح من كل الأطراف، إلا أن بعض أطرافها كانت رؤية مبانيها ضعيفة لصغرها وعدم وجود منظار مكبر هنا.
ولفت نظري مبنى مرتفع ضخم، وهو كبير من الأسفل إلى الثلثين منه تقريباً، ويبدأ يصغر في الأعلى، فسألت عنه، فقالوا هذا مبنى الهاتف المركزي في مانيلا.
أقسام مدينة مانيلا:
وسألت السائق عن أقسام المدينة؟
فقال - ويساعده -: مسعود: مانيلا مكونة من أربع مدن، ولكنها أصبحت مدينة واحدة لاتصال بعضها ببعض وهذه المدن هي:
1- كوزون ستي (QUESON CITY) وهي في الجانب الشرقي، أقرب إلى الجبل الذي كنا فيه.
2- فاساي ستي (PASAY CITY) وهي في الجهة الجنوبية وقد رأينا بعض أحياء المسلمين فيها من قبل.
3- المدينة المركزية مانيلا، وهي في الوسط.
4- كالوكان ستي (CALOCAN CITY) وهي في الشمال - ويوجد في وسطها تمثال لأحد الزعماء الفلبينيين الذين قاتلوا الأسبان.
جامعة الفلبين:
4- وبعد أن التقطت بعض الصور للمدينة، ذهبنا إلى جامعة الفلبين فدخلنا في حرمها وتجولنا في شوارعها بالسيارة، ولا نستطيع لضيق الوقت أن نتجول فيها مشياً على الأقدام، وبها يوجد مركز للدراسات الإسلامية.
5- ومررنا بمستشفى خاص بكبار السن الذين بقوا من محاربي الأمريكان، ولهم ملجأ في مكان آخر.
6- كما مررنا بكنيسة كبيرة لها أعمدة كثيرة تشبه منابر المساجد.
حوار قصير مع السائق:
وسألت السائق ويسمى: نونوي (NONOY) هل هو ملتزم بالنصرانية؟
فقال: نعم.
قلت: وهل يعتقد أن الإله يتكون من ثلاثة ويكون واحداً؟
قال: لا، هو يعتقد أن الإله واحد فقط وهو الذي أوجد الكون.
قلت له: هذا الاعتقاد الذي تؤمن به هو اعتقاد المسلمين وهو الحق، وما بقي عليك إلا أن تؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فتكون مسلماً، ونحن نؤمن بأن عيسى عليه السلام نبي الله، ولا يصح إسلام من لم يؤمن به، فتعجب من ذلك ولكنه لم يواصل الحديث في هذا الموضوع.
بؤس وقذارة وروائح منتنة!
7- وذهبنا إلى الشمال - شمال مدينة كالوكان - فوجدنا هنالك مناطق البؤس والشقاء والقذارة والروائح الكريهة المنبعثة، والحشرات والذباب التي تنطلق من القمامات، وفي وسط هذه المآسي بنيت المساكن المكونة من الأخشاب الضعيفة، وبعض هذه المساكن مبنية على مياه البحر القذرة السوداء اللون التي تعد حمأة قذرة لكثرة ما يختلط بها من قاذورات.
جبل النفايات والشقاء وسكانه!
8- وعند رجوعنا من الناحية الغربية لمدينة كالوكان متجهين إلى الجنوب رأينا ناساً يسكنون بين القمامات المتراكمة ويفتشون في القمامات الجديدة ليجدوا فيها بقايا طعام.
ولفت نظري تل مرتفع أسود اللون بنيت عليه مساكن من القش وسألت عن هذه المنطقة ومن يسكن بها؟
فقال السائق: هذا التل هو جبل من القمامة التي ترمى هنا من فترة طويلة، وقد تحجرت لطول الوقت ونزول الأمطار، حتى أصبحت ترى كأنها جبل عادي، وهؤلاء الناس الذين بنوا بيوتهم فوقه جاءوا من خارج مانيلا ولم يجدوا أرضاً يسكنون فيها، فبنوا على هذا الجبل الصناعي.
وحالة هؤلاء الناس بائسة جداً يصعب وصفها، ومن رأى ليس كمن سمع.
وأخشى أن يكون هؤلاء الناس هم المسلمين الذين نزحوا من الجنوب، بسبب الحروب مع الدولة، وهذا المكان هو الذي هيئته لهم الحكومة الفلبينية!
الفلبين تحرق جبل الفقر!
وقد رأيت في جريدة الشرق الأوسط - بعد ذلك - في عددها (4008) الصادر في يوم السبت 20/4/1410هـ ـ 18/11/1989م خبراً يتعلق بهذا الجبل، وهذا نصه:
(الفلبين تحرق جبل الفقر)
مانيلا: ستحرق الحكومة الفلبينية جبلاً هو عبارة عن أكوام ضخمة من النفايات يعيش وسطها ألوف السكان، وتعتبر رمزاً قوياً للفقر المدقع في البلاد.
وأعلن وزير الأشغال العامة: فيوريلو ستوار وحاكم مترو مانيلا الفرين كروز أن جبل سموكي سيقفل في شهر يناير.
وستستأجر الحكومة شركة أسترالية هي لوهنينج برأذر، لتحويل جبل النفايات إلى مصدر للطاقة، ويعيش أكثر من 13.400 شخص على الأكوام العالية من النفايات، وتفوح رائحتها على بعد أميال حول شمال مانيلا، وتقول دائرة الرعاية الاجتماعية: إن حوالي ثمانية آلاف من سكان جبل النفايات هم تحت سن 21 عاماً. وقال ناطق باسم الدائرة: هناك خطة لنقل 3019 عائلة تقيم الآن في جبل سموكي.
وسيسمح لهذه الأسر بالعودة إلى الإقامة في المنطقة ويمكن أن تتلقى قروضاً للمساعدة على بدء أعمال صغيرة، يمكن أن تحل محل البحث بين النفايات كمصدر للدخل. انتهى
قلت: نعم ستحرق جبل الفقر، ولكن هل ستحرق الفقر؟!
القلعة الأسبانية:
9- ثم ذهبنا إلى القلعة الأسبانية التي بقيت آثارها واضحة المعالم.
ومعروف أن ماجلان قد سبق الاحتلال الأسباني الناجح بأكثر من قرنين، ولكنه واجه الجهاد الإسلامي الذي أرداه قتيلاً بقيادة لافو لافُو سنة 1521م وكان استقرار الاستعمار الأسباني سنة 1815م.
وعندما ينظر المرء إلى المظهر الخارجي للقلعة يجده نسخة من قلاع المسلمين بالأندلس التي كانت أسبانيا مقراً لها.

ولا غرو فأسبانيا تعلمت معنى الدولة، ومعنى الإعمار والتحضر، من المسلمين الذين بقوا هناك عدة قرون.
وكنا نريد دخول مبنى حكومي في داخل القلعة يضم بعض الصور والمعالم الأسبانية وما يتصل بها، ولكنه كان مغلقاً فلم نتمكن من ذلك.
وتوجد في القلعة حجرات كتب عليها تعريف بها، منها حجرة كان يتخذها القائد الأسباني مقراً لقيادته (مكتبه).
كما توجد حجرات وضع الفلبينيون فيها بعض الآثار القديمة، ومنها أول قطار دخل الفلبين، وهو أمريكي، ومنها سيارات قديمة، بعضها كانت مراكب لبعض زعماء الفلبين.
وكان عدد كبير من بنات المدارس الصغيرات في رحلة في بعض حدائق القلعة تشرف عليهن بعض المدرسات.
جامعة سانتوتوماس:
10- ثم ذهبنا إلى جامعة سانتوتوماس وهي أقدم جامعة في الفلبين، وهي تابعة لكنيسة نصرانية، قال عنها الأخ مسعود عثمان: إنها أكبر مركز تنصيري في الشرق، ولكنها تعمل في الخفاء أكثر من عملها الظاهر، وفيها كليات كثيرة منها كلية الطب وهي كلية متقدمة جداً.


والمساحة التي شيدت عليها الجامعة 13 هكتار، وتمول هذه الكنيسة التي تتبعها الجامعة الكنائس الغربية.
مقبرة الأمريكان الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية:
11- كما مررنا بمقبرة الأمريكيين الذين قتلهم الجيش الياباني في الحرب العالمية الثانية، وهي تقع على مساحة واسعة، أنشأت بها مبان عليها ألواح من المرمر طويلة عريضة، كتب عليها أسماء القتلى من الأمريكيين، وحلفائهم، وعلى كل قبر نصب صليب من المرمر وهي كثيرة جداً.

ومررنا بمناطق أخرى.
ثم عدنا إلى الفندق بعد جولة استغرقت أكثر من سبع ساعات، كنت في حاجة بعدها إلى الراحة، والحمد لله.
الخميس: 7/2/1410هـ ـ 7/9/1989م
كنت قبل سفري قد أخذت تأشيرات دخول إلى البلدان التي أريد زيارتها من سفاراتها المعنية في المملكة، ولكن لطول السفر انتهى وقت بعض التأشيرات، ومنها الفلبين التي جدد لي موظف الجوازات التأشيرة في المطار عند الدخول، وبقيت بلدتان من البلدان التي عزمت على زيارتها، وهما تايوان وهونغ كونغ.
فطلبت من الأخ محمد جمال خليفة أن يبعث إلى سفارة البلدين في مانيلا من يأخذ لي منهما تأشيرة الدخول.
فذهب بعض الإخوة وأخبر من قبل السفارتين أنه لا بد من معاملة جديدة: تعبئة ورقة معلومات ودفع مبلغ مالي والانتظار أياماً معلومة حتى تمنح التأشيرة.
وقد اقترب وقت السفر الذي تقرر أن يكون يوم الأحد وقد تم الحجز واتصلت بالأخ يونس عبد الحي في تايبيه - وهو طالب في الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - وأخبرته بذلك.
وأخبرني الإخوة أن سفارة تايبيه لا تمنح التأشيرة إلا بعد ثلاثة أيام من تسليم الجواز.
ومعنى هذا أن تسليم الجواز اليوم الخميس والتأشيرة لا تنتهي إلا يوم الثلاثاء، لأن يوم السبت ويوم الأحد لا يحسبان لأنهما يوما إجازة.
قلت: نسلمهم ونرجو الله أن يسهل الأمر، وسنراجعهم يوم الجمعة - غداً.
ما أدلتكم على أنه شيوعي؟
وفي الطريق من سفارة تايوان إلى الفندق جرى حديث مع بعض الإخوة الفلبينيين.
فقد سألتهم عما يقال من أن نور مسواري يساري؟
فقالوا: نعم هو كذلك.
قلت: هل أنتم على علم تام بذلك؟
قال: سمعت أنه أول من دخل من المسلمين في الحزب الشيوعي، وأنه لا زال مستمراً على ذلك، وكان مع زوج الرئيسة كورازون أكينو.
وعندما فاز أكينو في الانتخابات ليكون عضواً في مجلس الشيوخ، رفض ماركوس ذلك بحجة أنه لم يبلغ السن القانونية التي تؤهله للترشيح، وسبب رفضه أنه شيوعي في الحقيقة، وأعلن الحكم العرفي سنة 1973م.
قلت: وهل كان أكينو شيوعياً حقيقة؟
قال: نعم، ولكنه كان يريد الاستقلال للفلبين.
قلت: هل عندك أدلة أخرى أن مسواري يميل إلى الشيوعية؟
قال: إنه عندما ذهب إلى باندونج في مؤتمر عدم الانحياز قدم تقريراً، لم يبدأه ببسم الله الرحمن الرحيم، وناقشناه ونحن طلاب في الكويت في ذلك، فقال: إن العرب والمسلمين لم يقدموا لنا العون والمساعدة، ولهذا أنا أكتب لغير المسلمين كالصين -يعني ولا يريد أن يشعرهم بشيء من الإسلام حتى كتابة البسملة!.
وهو يرى أن الإسلام لا يمكن أن يطبق في الفلبين.
قلت: هل تظن أن هذه الأمور كافية في إثبات أنه شيوعي؟
فقال: أنا متوقف في ذلك.
قلت له: أنا سأحاول أن أتصل به وأسمع منه، كما سمعت من غيره لأن الناس كثيراً ما يتهم بعضهم بعضاً بغير الحقيقة عند الخصومة، وهذه صفة سيئة.
وسألته: من أكثر رجالاً وأقوى تنظيماً سلامت أو مسواري؟
فقال: إن بعض العرب جاءوا إلى معسكرات سلامت فوجدوها كثيرة ووجد أعداداً فيها مرابطة تتدرب، وسألوا عنه العلماء فوجدوا أغلبهم يؤيدونه في لاناو الجنوبية.
وذهبوا إلى هولو، وهي المنطقة التي فيها مسواري فوجدوا مؤيدي سلامت هاشم فيها كثيرين.
ولما ذهبوا إلى معسكرات مسواري وجدوها قليلة، وسألوا بعض قواده عن معسكراته فقالوا: إن عنده معسكراً كبيراً ولكنه بعيد، فطلبوا منهم أن يوصلوهم إليه ولو كان بعيداً ليعرفوا الحقيقة بأنفسهم، فذهبوا معهم مشياً على الأقدام في الغابة لمدة سبع ساعات، وسأل الضيوف متى نصل إلى المعسكر؟
فقالوا لهم غداً فاستمروا معهم في المشي ثم سألوهم مرة أخرى: متى نصل؟ وطلبوا منهم أن يخبروهم بالحقيقة بدون إتعابهم، فاعترفوا بأنه لا يوجد معسكر كبير كما ذكروا لهم من قبل.
قلت له: من أخبرك بهذه القصة؟
قال: أحد المندوبين من بعض الدول العربية.
قلت: من هم العرب الذين ذهبوا؟
قال: لم يذكروا لي أسماءهم.
قلت: إذا الأمر يحتاج إلى تحقق.
قال: إن إشاعات ترددت أن سلامت هاشم يريد الاستسلام للحكومة، وأن عنده بيتاً في مانيلا، وأن الحكومة عرضت عليه مالاً لمساعدته إذا استسلم، وأن التلفزيون أذاع أمس في أخبار الساعة السابعة مساءاً خبراً عن ذلك، وكذلك نشرت جريدة التا يمز المحلية، وقبل أسبوع نشرت جريدة أخرى تكذيب هذه الإشاعات. [سألت الأخ سلامت هاشم عن هذه الإشاعة فنفاها نفياً قاطعاً، راجع المقابلة التي أجريت معه].
معركة كللت بالنجاح!
الجمعة: 8/2/1410هـ ـ 8/9/1989م.
جاءني الأخ مسعود في الساعة الثامنة صباحاً وذهبنا إلى السفارة السعودية طلبنا المساعدة لدى السفارتين التايوانية والبريطانية، لتسهيل منح التأشيرة لدخول تايوان وهونغ كونغ، فلم نجد السفير ولا القنصل في ذلك الوقت، وخشينا أن يفوت الوقت، فذهبنا إلى سفارة تايوان، فإذا الزحام شديداً بالمراجعين.
ورأيت شاباً صينياً قاعداً في القاعة على مكتب يتلقى بعض المعاملات، فقلت له: أريد أن أقابل السفير أو القنصل فقال: أين رقم المعاملة؟
فقال الأخ مسعود - وهو واسع البال -: الرصيد في المكتب، قلت: ما الرصيد وفي أي مكتب؟ قال السند الذي أخذناه منهم بعد دفع الرسوم في مكتبنا.
قلت له: وترافقني إلى السفارة وأنت تعلم أن الرصيد ليس معنا، وحملت عليه فذهب مسرعاً واتصل ببعض الإخوة في المكتب فجاء بالرصيد، وإذا الرصيد ليس هو المطلوب وإنما المطلوب رقم معاملة لم يظهر بعد، فألححت على الشاب أن يأذن لي بالدخول أو يردوا لي جوازي وألغي الرحلة إلى تايوان، فدخل الشاب وخرج وأشار إليّ بالدخول.
فمسكت ذراع مسعود ليدخل معي حتى يترجم لي فمنعه الجندي، وكان يجره إلى الخارج وأنا أجره إلى الداخل، وعندما رآني الجندي مصراً على دخوله معي وقفنا جميعاً وقال للموظف المختص: إن هذا الرجل لا يريد أن يدخل وحده؟ فقال له: ليدخل مع زميله فدخلنا.
وقلت للموظف: أريد أن أرى السفير، قال: راجعنا يوم الأربعاء، قلت له: أما أن أقابل السفير وأما أن تردوا لي جوازي وألغي الرحلة إلى تايوان، وأنا أستاذ في جامعة لا أستطيع التأخر، ولا بد أن أسافر يوم الأحد إلى تايوان أو ألغي السفر إليها، فدخل ورجع وقال: راجعنا الساعة الثالثة بعد ظهر اليوم.
وعندما عدنا في الساعة الثالثة وجدنا الأمر منتهياً فسلموني الجواز مع التأشيرة.
عند ذلك قلت: الحمد لله لقد كانت معركة كللت بالنجاح.
صلاة الجمعة في الجامع الذهبي:
جاءني بعض الإخوة من الطلاب العرب في الفندق، وذهبنا إلى الجامع الذهبي الذي وعدت الإخوة بإلقاء خطبة الجمعة فيه.
عندما دخلت المسجد وجدت إمامه يرحب بي، وبعد أن صليت السنة اقترب مني وقال لي هامساً في إذني: أرجو أن لا تذكروا في خطبتكم القبائل أو الشيعة أو الأحزاب، لأن في هذا البلد خلافات ومشكلات ويكاد الناس يتضاربون في المساجد. [كثيرا ما أعتذر عن إلقاء خطب الجمعة في السفر، لسببين: السبب الأول: أن خطباء المساجد أولى بها، وقد لا يرغب الخطيب أن يتولى الخطبة غيره، وبخاصة الغريب. السبب الثاني: أن الموضوعات التي يتطرق لها الغريب قد تثير مشكلات بين أهل البلد، وهو لا يشعر، ولكن كثيراً من الإخوة المسلمين - بما فيهم خطباء المساجد - يلحون علي أن أقوم بالخطبة، بحجة أن الناس يجتمعون في أيام الجمع، والفائدة تعم. وبناء على ذلك أحاول أن أستكشف أحوال الناس في البلد، وما يمكنني أن أتحدث عنه من الموضوعات المناسبة بحكمة قدر المستطاع. والموضوعات التي لا مجاملة فيها هي الموضوعات الإيمانية (العقيدة) والبدع المحضة].
فقلت له: اطمئن فستكون الخطبة إن شاء الله مفيدة غير مثيرة لمشكلات.
وجاء وقت الخطبة فصعدت على المنبر وكان المترجم بجانبي، وقال: أرجو أن تكون الترجمة جملة جملة، وكان من الطلاب الذين تخرجوا في كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1406هـ.
وكانت الخطبة الثانية قد تضمنت الحرص على الأخوة والتعاون والاعتصام بحبل الله والبعد عن أسباب الفرقة بين المسلمين التي نفرت الناس من الإسلام، واستغرقت الخطبتان مع الترجمة خمسين دقيقة، ولولا الترجمة لما زادت عن 20 دقيقة.


صخب وإثارة فتنة وقانا الله شرها!
وبعد الصلاة أعلن أحد الطلبة العرب باللغة العربية أنه ستقدم أسئلة للدكتور الأهدل باللغة العربية والإجابة عنها ستكون باللغة العربية.
فتجمع الطلاب العرب، وكان عددهم كثيراً، فألقيت كلمة مختصرة حول القدوة الحسنة والتمسك بالإسلام.
ثم بدؤوا يقدمون الأسئلة، وهي متنوعة في العقيدة والعبادة والمعاملات وأجيب عن بعضها.

وثار بعض الطلبة المتشيعين قائلاً للطالب الذي كان يقدم الأسئلة: لماذا تختار أسئلة معينة وتترك الأسئلة الأخرى؟ يجب أن تقرأ كل الأسئلة.
فقال له الطالب: الدكتور لا يريد الأسئلة التي تثار فيها قضايا طائفية.
فقال الشيعي: لماذا؟ يجب أن يجيب عن كل سؤال وإلا فتقرأ عليه الأسئلة ويعتذر إذا شاء حتى يعرف الناس أنه يتهرب عن الإجابة.
وحصلت ضجة وصخب في المسجد، وكان ذلك مقصوداً من قبل المتشيعين، لا يريدون الناس يسمعون إلا ما يرغبون، والذي يريدونه هو السباب والشتائم الموجهة إلى من يعادون - حتى ولو كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقفت ـ وكنت جالساً ـ وقلت: أيها الإخوة أنا الذي أمرت الأخ أن يقرأ عليّ الأسئلة التي لا إثارة فيها للطائفية، فقال الشيعي: لماذا؟ قلت: أنا حر، أجيب عما أريد وأترك ما لا أريد الإجابة عنه، قال: لماذا؟
وكانت أوداجه منتفخة وعيناه محمرتين، فقلت: السلام عليكم.. ومشيت خارجاً، وتفرق الناس، ما عدا مجموعة من الطلبة السنيين التفوا حولي ومشوا معي.
وذهبنا نلتمس سيارة أجرة توصلني إلى الفندق، فلم نجد سيارة بسهولة لشدة زحام الناس، وهذا المكان مركز المدينة.
وجاء بعض المتشيعين، فقال: أعطونا الشيخ نحن نوصله إلى الفندق، فقال له بعض السنيين: الشيخ لا يحتاج إليكم عنده من يوصله ولو على الأكتاف.
ثم جاء متشيع آخر فصافحني وقال لي: عفواً يا شيخ إن كنا أسأنا الأدب معك فنحن غضبنا من تصرف مقدم الأسئلة الذي يقدم ما يريد ويؤخر ما يريد.
قلت: الواجب علينا في بلد غير مسلم أن نري الناس الإسلام الذي يجذبهم إلى الدخول فيه، ونترك هذه الصراعات، وإذا كان المقصود الوصول إلى الحق في المناقشات، فلتكن فيما بيننا، وكان هذا المتشيع قد سلمني منشوراً بعد صلاة الجمعة، وطلب مني قراءته على الناس، فقلت له: ليس عندي وقت لقراءة المناشير ولكن سآخذه وأقرؤه لنفسي.
وعندما رجعت إلى الفندق قرأت المنشور فإذا هو يطفح بالجهل والأساليب الإنشائية، والتعرض لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يليق بهم، وسب غير الصحابة بعدهم من باب أولى.
شدة الرياح:
عندما رجعت إلى الفندق خرجت إلى الشرفة، لأتمتع بمناظر البحر وأمواجه المتتالية، فإذا شدة الرياح لا تتيح فتح نافذة الغرفة، وإذا الأمواج غاضبة هائجة، تكاد تنسف الجدار الذي بني حاجزاً بينها وبين مرافق الفندق التي أنشأت بجواره، كالمسبح والمطاعم ونحوها، وإذا الأشجار تكاد تقلعها الرياح، فقفلت النافذة وأخذت أنظر من وراء الزجاج لتلك المظاهرة العظيمة. [كانت هذه الرياح مقدمة لهيجان عم المنطقة بعد فترة وأحدث دماراً ووقف الرحلات الجوية عندما كنت في تايوان كما سيأتي].
مقابلة مع المسلم الجديد مينرادوا دي مارتاينز:
اسمه القديم: مينرادوا دي مارتاينز (MENRADOUADI. MARTINEZ).
واسمه الجديد - بعد الإسلام: أبوبكر ماتاينز (ABU BAKR MARTINEZ).
تاريخ الميلاد: 19يوليو 1953م.
التخصص: المحاسبة، حصل على شهادتها سنة 1982م.
ديانته: كاثوليكية إلى أن صار عمره 17سنة.
ثم انتقل إلى البروتستانتية إلى أن صار عمره 20 سنة.
ثم عُمِّد في شهود يهوا وعمره 23 سنة.
سبب تنقله من دين إلى آخر:
وسألته عن سبب التنقل من دين إلى آخر في الأديان النصرانية؟
فقال: إنه ترك الكاثوليكية لأن في رسائل البابا تناقضات، ولم يكن راضياً عن عاداتهم وسلوكهم، والكتاب المقدس لا يوجد تعليم لاحترامه عند قراءته.
وعقائدهم هي من تعليم القديس بيتر وليس من تعليم عيسى عليه السلام مباشرة.
وفي بعض الترنيمات: الجهل بالإنجيل.
هو الجهل بالمسيح، فلما بدأ يقرأ الإنجيل علمه البروتستانت أن بيتر هو الذي جاء بما في الإنجيل، وليس عيسى عليه السلام.
وطلبوا منه أن يدرس الإنجيل الذي عندهم بتعمق، وهو نسخة الملك جيمس، ويتكون من 66 سفراً، وإنجيل بيتر يتكون من 73 سفراً.
الفروق بين الديانات التي تنقل بينها:
ويختلفان في أن نسخة جيمس متأخرة سهلة في لغتها، ونسخة بيتر قديمة اللغة صعبة الفهم، وجعل البروتستانت في قلبه احتراماً للإنجيل، وعند البروتستانت يتجه الإنسان بالإيمان، وعند الكاثوليك يتجه بالإيمان والعمل.
وسألته عن التثليث في الديانتين؟
فقال: كلاهما سواء يؤمنون بالتثليث، ولكن عند البروتستانت سقطت سلطة البابا، وعند الكاثوليك لا بد من واسطة وهو الراهب، أما البروتستانت فلا توجد هذه الواسطة، بل يعبد الرب مباشرة.
والقرارات عند الكاثوليك مصادرها أربعة وهي: البابا، والعادات، والمجالس الدينية، والكتاب المقدس.
أما البروتستانت فالمصدر هو الكتاب المقدس فقط.
أما انتقاله إلى شهود يهوا، فسببه أنه قابل فتاة منهم تدعو إلى هذه الديانة، فذهب إليهم وسمع منهم كلاماً عن مذهبهم، من ذلك أنهم يؤمنون باله واحد، وأن عيسى نبي فيه نوع من الألوهية، ولكن العبادة المطلقة لله، وهم محافظون على العبادات والعادات أكثر من غيرهم.
والبروتستانت يركزون على العهد الجديد، أما شهود يهوا فيهتمون بالكتابين: القديم والجديد، ويكثرون من الكلام على الوعد بالجنة.
ويقولون: إن جنة السماء قد حجزت لمائة وأربعة وأربعين ألفاً، ولم يبق مجال إلا في جنة الأرض.
وقد أخذ الأخ أبو بكر ستة أشهر دراسة مركزة في هذه الديانة (شهود يهوا) وبعد سنة عمدوه، وكان يعتقد أن هدف الإنسان هو عبادة الله وليس مجرد الثواب.
وكانوا قد ذكروا في مجلاتهم ودروسهم، أن نهاية العالم ستكون في سنة 1975م، وكذلك نهاية الشرور في الأرض، وسيؤسس الله مملكته على الأرض، ولم يحصل شيء من ذلك فوقع عنده شك في هذه الديانة.
وكذلك هم يعادون العلم ويقولون: أنه لا فائدة من الدراسة، إذا كان العالم سينتهي في 1975م، وهذه النقطة جعلته يدرس الديانتين مرة أخرى الكاثوليكية والبروتستانتية، وكذلك بدأ يدرس الأديان الأخرى: الإسلام والبوذية.
وقرأ هجوماً شديداً من شهود يهوا على الأديان الأخرى.
بداية سماعه عن الإسلام:
وسألته: متى سمع عن الإسلام؟
فقال: إنه ولد في الشمال في منطقة باتنجاس (BATNGAS) والناس فيها كلهم كاثوليك، وبقي في المنطقة 12سنة، ولم يسمع عن الإسلام إلا في كتاب تعليم الكنيسة الكاثوليكية، وفيها عبارة الفارقليط قال رجال الكنيسة: إن المسلمين يزعمون أن المراد بالفارقليط الإسلام.
وأول ما سمع عن الإسلام في المنهج الدراسي الثانوي في مانيلا وكان عمره 14سنة.
والذي سمعه في ذلك المنهج هو عن شهداء المسلمين الذين دافعوا عن الفلبين، وأن آباءهم كانوا مسلمين، ثم إن النصارى أجبروهم على النصرانية.
الموضوعات التي جعلته يميل إلى الإسلام:
وبدأ يدرس الإسلام عندما كان منضماً إلى شهود يهوا، ووجد أن الأنبياء المذكورين في الكتاب المقدس موجودون في الإسلام، وهذا جعله يفكر في الإسلام، وكذلك جذبه إلى الإسلام التوحيد وعدم استخدام المسلمين الصور والتماثيل في عباداتهم ومساجدهم، وأعجب بشجاعة المسلمين وجهادهم ضد الأسبان، والجهاد في أفغانستان ضد الروس.
الذي أثر فيه هو الإسلام وليس المسلمين!
وسألته: هل اختلطت بأصدقاء من المسلمين في الدراسة؟
قال: كان في الكلية طلاب وطالبات من المسلمين، ولكنهم لم يدعوه إلى الإسلام ولم يعطوه أي كتاب، وكان عملهم يخالف الإسلام، ليس عندهم إلا الأسماء.
وكان عنده ترجمة معاني القرآن، وكان بسبب قراءته يعرف القرآن أكثر منهم، وناقش فتاة مسلمة فوجدها لا تعرف شيئاً عن الإسلام، ولهذا لم يطل النقاش معها، وأحد جيرانه وهو أستاذ في جامعة الفلبين وليس متديناً، وكان يريد أن يناقشه فلم يهتم به. [وإذا كانت هذه حالة المسلمين: جهل بالإسلام، وعدم تدين، وعدم اهتمام به فكيف ينتشر الإسلام وكيف ننتظر من غير المسلمين أن يدخلوا في الإسلام أو يفهموه؟!].
وقال الأخ أبو بكر: إن الذي أثر فيه هو الإسلام وليس المسلمين.
وكان إعلانه الدخول في الإسلام يوم الأحد 27/8/1989م، أي قبل شهر من الآن، وكان قبل إشهار إسلامه يشعر بأنه مسلم.
أراد أن يتحدى الحجج والبراهين فصرعته!
ومر بفترتين: في عام 1980م رأى في المنام أنه طار في الهواء، ورأى مسجداً في الصحراء وظن أنها مكة في وسط الصحراء، ونسي ذلك.
والفترة الثانية في السنة الماضية 1988م رأى أخوه برنامجاً في التلفزيون لأحمد ديدات.
وقال له أخوه: إن في كلامه أدلة قوية، وبعث برسالة ذكر له فيها ذلك، وبدأ هو يفكر في الإسلام، ثم جاءه كتاب لأحمد ديدات وعنوانه: هل الإنجيل كلام الله؟ وكتاب آخر لجمال بدوي، وعنوانه: محمد في الإنجيل.
وأول ما اطلع على هذا الكتاب صدم لما فيه من التحدي للنصرانية، وقال: لا بد أن أواجه هذا التحدي ولا يمكن أن أومن به بل سأقوم بالبحث.
وجاء أخوه من السعودية وجلس معه، وكان أخوه يقول: يجب أن ندرس الحقيقة مع بعض، وقال: إن التحدي الذي رآه في التلفزيون لم يصمد أمامه أحد، وقال أخشى أن يأتي جمال بدوي إلى الفلبين ولا يقف أمامه أحد، وأثبت جمال بدوي رسالة محمد في الإنجيل، واقتنع هو بذلك.
وكان إقراره بالدخول في الإسلام صعباً وهو عضو بارز في شهود يهوا، ولكن الحجج أقنعته بالإسلام وأسلم في أول الأمر سراً، فصرعته تلك الحجج بدلاً من أن يصرعها.
الإسلام وحده هو الذي يستحق دعوة الناس إليه:
قلت: هل ترى هذه الأديان - غير الإسلام - تستحق أن يجتهد في نشرها ودعوة الناس إليها؟
قال: بصفتي مسلماً لا أرى ذلك، قلت: بالمقارنة بالإسلام ما رأيك فيها؟
قال: تلك الأديان لا تمنع المحرمات والأخلاق السيئة، والقسيس يقول: افعلوا ما أقول ولا تفعلوا ما أفعل، فالإسلام وحده هو الذي يستحق الدعوة إليه ونشره بين الناس.
وقال: إن أمنيته أن يموت وهو يخدم الإسلام ولو ولد مرة أخرى ورأى طريقين أحدهما مستقيم والآخر معوج، لسلك الطريق المستقيم.
وقد توقف نشاطه في الديانات الأخرى ويشعر بالسأم من هذا التوقف، لأنه لم يجد بعد إسلامه تنشيطاً كما كان يجد عند النصارى.
قلت: هل اعتنى بك المسلمون عندما علموا بإسلامك؟
قال: بعضهم اعتنى به ونصحه.
قلت له: ما الفرق بين حياتك قبل الإسلام وبعده؟
قال: إنه بعد إسلامه ارتاح كثيراً، ويشعر بالقرب من الله، وفهم الإنجيل فهماً آخر أكثر من قبل. [سألته عن نوع هذا الفهم فلم يجب].
قلت: ما الموضوعات التي ترى أنها تؤثر في غير المسلمين من الموضوعات الإسلامية؟
قال: بيان أن الإسلام دين سلام، لأن الحروب في الجنوب جعلت الناس يخافون من الإسلام. [ولكن المعتدين هم النصارى في الجنوب والمسلمون يدافعون عن حقوقهم].
وسلوك المسلمين السيئ يجب أن يبين أنه يخالف الإسلام.
وقال: إن الداعية إلى الإسلام يجب أن يتحلى بالصبر والإقناع بالحجة والحكمة والأسلوب الحسن.
وأن يكون عنده علم كاف بالإسلام.
ويجب استغلال كل وسيلة ممكنة لتبليغ الإسلام: الإذاعة والتلفزيون والمحاضرات في الجامعات وغيرها، وإقامة مركز للدعوة تنطلق منه الدعوة.
وتقسم الفلبين إلى مناطق لنشر الدعوة فيها.
ويهتم بالمسلمين الذين هاجروا من الجنوب إلى الشمال ليتمسكوا بالإسلام ويكونوا قدوة حسنة لغيرهم.
لا بد من كشف الشبهات عنه!
جاء مع الأخ أبي بكر ثلاثة من الطلبة المسلمين العرب في مانيلا وكان المترجم بيني وبينه الأخ حسن أحمد حسن الزهراني من سكان الإمارات العربية المتحدة ـ عجمان.
والأخ أبو بكر بلغ درجة القسيس في جماعة شهود يهوا وهداه الله للإسلام.
كان مجيئهم في الساعة الثامنة مساء ولم يخرجوا من عندي إلا في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.
وكان الأصل في مجيئه أن آخذ منه بعض المعلومات المتعلقة به قبل الإسلام وبعده، ولكنه جاء وقد سجل قائمة من الأسئلة التي يلقيها أعداء الإسلام للتشكيك في الإسلام، ويزعمون أن فيه تناقضاً ومشكلات في القدر وغيره، وبدأ هو يفتح قائمته ويسأل، فقال له بعض الإخوة: إن الدكتور يريد أن يسألك هو أولاً، وإذا بقي وقت يمكنك أن تسأل أنت، فوقف ولمحت في وجهه تأثراً.
فقلت: دعوه يسأل هو أولاً، فهو أحق بالسؤال، لأنه يريد أن يستفسر عن أمور قد يكون محتاجاً إلى الإجابة عنها، ولا بد من كشف الشبهات عنه، وهو حديث عهد بالإسلام ولكني أطلب منه إذا انتهى من أسئلته أن يعطني فرصة لأسأله أيضاً، فلما ترجموا له هذا الكلام تهلل وجهه، وسارع إلى أخذ ورقته وبدأ يسأل وكنت أجيبه بما فتح الله به في وقته.
واستمر النقاش من الساعة الثامنة إلى الساعة الحادية عشرة - ثلاث ساعات.
ثم بدأت أنا أسأله ابتداء من الساعة الحادية عشرة إلى الساعة الواحدة.
وبعد ذلك طلب الدعاء أن يعينه الله على الاستمرار في هذا الدين، وأن يزيل عنه الوحشة التي يعيشها في أسرته التي لا يزال يكتم إسلامه عنها.
ما مصدر هذا الإزعاج؟
السبت: 9/2/1410هـ ـ 9/9/1989م.
أيقظني رنين جرس الهاتف في الساعة التاسعة صباحاً، وعندما رفعت السماعة سمعت صوت امرأة تكلمني باللغة الإنجليزية بسرعة لم أستطع أفهم منها شيئاً، فقلت لها: آسف باللغة الانجليزية المجودة:لم أفهم ما تقولين لأنني لا أجيد اللغة الانجليزية، هل تتكلمين من الفندق؟
قالت: نعم، قلت: أعطيني رقم هاتفك وسأتصل بصديق لي يكلمك ليفهم ما تقولين ويبلغني، فأعطتني رقم هاتف عادي - ليس له توصيلة داخلية - واتصلت بالإخوة في مكتب الرابطة وكلمني شاب اسمه أبو أمين، وهو يتكلم اللغة العربية.
قلت له: اتصل بهذا الرقم واسأل المرأة ماذا تريد مني؟ فاتصل وأنكرت المرأة التي كلمته اتصالها بأحد، فلما أخبرني بذلك تعجبت! واتصلت أنا بالرقم وقلت لها: هل أنت فلانة؟- وكانت أعطتني اسماً زعمت أنه اسمها - قالت: الرقم غلط وقفلت الهاتف.
واتصل أبو أمين بالفندق وأعطاهم رقم الهاتف واسم المرأة، وسألهم هل هذا الهاتف للفندق وهل هذه المرأة تعمل في الفندق؟
فقالوا: لا الهاتف لهم ولا المرأة تعمل عندهم، فقال لي الأخ أبو أمين يبدو أن هذه المرأة سيئة، فإذا اتصلت بك مرة أخرى فلا تكلمها.
وبعد قليل رن جرس الهاتف فإذا امرأة تقول لي: أنت الأهدل؟
قلت: نعم، فتكلمت كلاماً سريعاً فهمت منها أنها تريد حساب الفندق عما مضى من أيام وأن أنزل الآن.
فاتصلت بالأخ مسعود ليحقق من الأمر - وقد ساورني شك عندما طلبت مني النزول أن هناك أمراً يدبر لي ولكني أحببت أن أتحقق - و الأخ مسعود واسع البال يبدو أنه لم يتصل بهم وخرج من المكتب، فنزلت بنفسي وأنا غير مطمئن إلى هذا النزول وسألت الموظفة في الصندوق هل طلبتموني؟ قالت: لا، فسألت موظفة في الاستقبال هل طلبتموني؟ قالت: لا، قلت: تحققي فرجعت إلى الكمبيوتر، فلم تجد أي إشارة تدل على الطلب، وعندما علم بعض الإخوة العرب قالوا لي: لا تنزل من الغرفة وحدك، وإذا أردت النزول فاتصل بنا، فقد تكون هذه مؤامرة من بعض الأشخاص الذين عرفت!
فسمعت النصيحة ولم أنزل وأكد لي كلامهم هذا ما كنت قد فكرت فيه من قبل كفانا الله شرهم.
في شرفة الفندق:
واصل الهواء شدته طوال الليل وصباح اليوم، وكانت أمواج البحر يتخطى بعض أجزائها الجدار الحاجز بين البحر ومرافق الفندق.
وخلا المسبح وما حوله من الشياطين أمس واليوم، وكانت فرصة لي فأخذت الكرسي وقعدت في الشرفة وأغلقت جزءاً من النافذة ليخف الهواء نسبياً، وأخذت أتمتع بتلك المظاهرة العارمة المنتظمة من أمواج البحر، وبالهواء النقي البعيد عن مفسداته الموجودة في وسط المدينة وفي بعض أطرافها الأخرى، والهدوء الكامل الذي لا يسمع فيه إلا ما يحدثه الهواء في أغصان الأشجار وأمواج البحر.
وباتت الرياح القوية تزداد قوة، وكنت أسمع حفيف الأشجار وهدير أمواج البحر وأنا في داخل الغرفة مغلقاً نافذتها، وكان في بعض الأحيان ينزل المطر فيشارك وقعه في الأرض تلك الأصوات، فتكون كلها موسيقى جميلة دعك عن المنظر الجميل الذي كنت أراه من زبد أمواج البحر وأنوار السفن الراسية، وومضات البرق الخاطف المتكرر، وتمايل أغصان الشجر المتراقصة، تتخللها أنوار الكهرباء، وكذلك الأنوار التي تحيط بالبحر في الجهة المواجهة للفندق من المدينة الممتدة على الساحل.
وفي الساعة السادسة جاءني بعض الطلبة العرب ومعهم بعض الأسئلة التي لم نتمكن من الإجابة عنها في المسجد بسبب الفوضى التي أحدثها المتشيعون يوم الجمعة وقد تمت الإجابة عنها حسب المستطاع.
والحقيقة أن هؤلاء الطلاب يكافحون في سبيل نشر الدعوة والدفاع عن الإسلام ما أمكنهم، أعانهم الله.
نكتة وداع غير مقصودة:
الأحد: 10/2/1410 هـ ـ 10/9/1989م.
وعدني الأخ مسعود بأن يكون عندي صباح اليوم في الساعة السابعة إلا ربعاً، لنحاسب الفندق ونذهب إلى المطار للسفر إلى تايبيه عاصمة تايوان.
وانتظرته إلى السابعة والنصف فلم يصل، فنزلت إلى الموظفين وأعطيت إحدى الموظفات المفتاح وقلت لها: إني أريد أن أسافر الآن وأريد تجهيز الحساب، وذهبت إلى مكان قريب من الباب وجلست أنتظر قدوم الأخ مسعود، ولما تأخر إلى الساعة الثامنة رجعت إلى الموظفة أطلب منها المفتاح لأعود إلى الغرفة، فلما رأتني التفتت إلى صواحبها وتعالت الضحكات منهن وأخذت تكرر هي رقم الغرفة، وأنا لا أدري ما السبب، فقلت لها: ماذا حدث؟ قالت: لا شيء، فألححت عليها: ماذا حدث؟ قالت: أنت قلت: إنك مسافر الآن، ونحن نظن أنك سافرت وأشارت إلى أحد الموظفين وهو يحمل لوحة كتب عليها: الأهدل يبحث عني في القاعة وتوابعها!
وكانت حقائبي موجودة عند الموظف المسؤول عن الحقائب أمامهن، فأشرت لهن إلى الحقائب وقلت لهن: أنا كنت أنتظر صديقي، فكانت نكتة وداع غير مقصودة.
السفر إلى تايبيه عاصمة تايوان:
ذهبنا إلى مطار مانيلا، وبعد انتهاء الإجراءات اللازمة في المطار، أقلعت بنا الطائرة التايوانية 767 بوينج من مطار مانيلا الدولي في الساعة الثانية عشرة ظهراً متوجهة إلى تايبيه.
ماذا أقول عن الفلبين فيما يتعلق بالمسلمين؟
ذهبنا أنا والأخ مسعود عثمان إلى المطار، بعد أن حاسبنا الفندق، وبعد إنهاء الإجراءات في المطار ودعني وعاد، ودخلت إلى قاعة الانتظار (مكتب ركاب الدرجة الأولى).
وأخذت أفكر - بعد جولة ثمانية عشر يوماً متواصلة لزيارة المسلمين في مؤسساتهم، ومعاهدهم ومساجدهم، والزيارة لشخصيات بارزة منهم - في أوضاع المسلمين في الفلبين، وتواردت عليّ في ذلك الوقت بعض الأفكار والمقترحات، التي أختم بها هذه الزيارة للفلبين:
المسلمون أوصلوا الهدى وأسباب الرقي إلى الفلبين:
الذي يدرس تاريخ الإسلام في الفلبين يجد أن المسلمين وصلوا إليها في وقت مبكر وكانوا يسمون هذه الجزر عذراء ماليزيا، وأنهم هم الذي أناروا لأهل البلاد درب التحضر وعلموهم سبل التمدن، وأدخلوا النور الرباني - الإيمان والعلم النافع والعمل الصالح - إلى هذه الجزر، وأن الإيمان انتشر في جميع الجزر الفلبينية من جنوبها إلى شمالها، وأن مانيلا كانت من المدن الإسلامية، إلا أن الدعوة الإسلامية بدأت في المقاطعات الجنوبية وتعمق الإيمان في نفوس أهلها، وقامت فيها ممالك إسلامية أقامت دين الله فيها وطبقت الشريعة الإسلامية في الجملة.
ثبت الإسلام في الجنوب بسبب قوته وقيام ممالكه:
وبسبب قوة الإسلام وقيام ممالكه في الجنوب فترة طويلة وقلة المسلمين في الشمال وعدم تمكن الإيمان في نفوسهم مثل تمكنه في نفوس أهل الجنوب وقف الجنوبيون في أدوار الاستعمار الثلاثة: الأسباني والأمريكي والياباني وقفة جهاد وتضحية للدفاع عن الإسلام والمسلمين وقدموا الشهداء تلو الشهداء، وصبروا وصابروا ولا زالوا مصابرين إلى هذه اللحظة.
وهزم المسلمون في الشمال لضعف الإيمان وقلة المسلمين:
وأما الشمال فبسبب قلة المسلمين وضعف الإيمان في النفوس انتصر أعداء الإسلام انتصاراً ساحقاً من عهد الاستعمار الأسباني إلى العهد النصراني الأخير.
وفي هذا عبرة للمسلمين في كل مكان، إذا أرادوا أن يثبت الإسلام في أي أرض ويبقى شامخاً ضد أعدائه، عليهم أن يقووا الإيمان في نفوس الناس ويفقهوهم في الدين ويربوهم على العمل الصالح، وينشروا المعاني الإسلامية ليكثر الداخلون في هذا الدين، حتى يجاهدوا تحت رايته ويدافعوا عنه.
إضعاف الاستعمار للمسلمين وتقويته للنصارى وأثر ذلك:
جلب الاستعمار بأدواره الثلاثة تأخراً شديداً للمسلمين في التعليم الديني والدنيوي، وانتشر الجهل بينهم لقلة المدارس الإسلامية وعدم المناهج الشاملة، وقلة العلماء المتفقهين في الدين وعدم إدخال المسلمين أبناءهم في المدارس الإنجليزية خوفاً عليهم من العقائد الكافرة والأفكار الهدامة والأخلاق الفاسدة ـ كما هو شأنهم في غالب القارات ـ مما جعل النصارى يتقدمون عليهم ثقافة وعلوماً معاصرة وإحراز الوظائف المهمة التي تدار بها أمور البلاد، وأصبح المسلمون تابعين لغيرهم أجودهم من يحصل على إمامة مسجد أو وظيفة مؤذن في المساجد الأهلية بأجر زهيد، وكانت مدارسهم كتاتيب يتعلمون فيها قراءة القرآن الكريم بدون فهم وقد يعلم فيها الأولاد شيئاً يسيراً من مبادئ الفقه.
نهضة المسلمين بعد الاستقلال وأسبابها:
1 - الاتصال بالعالم الإسلامي وتلقي التعليم في المؤسسات الإسلامية..
عندما استقلت الفلبين انفتح للمسلمين باب الاتصال بالعالم الإسلامي تدريجياً، ونتج عن ذلك حصولهم على منح دراسية لأولادهم، فتلقوا تعليمهم في بعض الجامعات الإسلامية والمعاهد الدينية في الدول العربية وغيرها، كما وفدت إليهم البعثات التعليمية من بعض البلدان العربية كمصر، وبدأت النهضة التعليمية تأخذ طريقها بين المسلمين.
2- إنشاء الجمعيات وبناء المؤسسات التعليمية..
قيض الله للمسلمين بعض زعمائهم الذين قاموا بتأسيس جمعيات إسلامية وإنشاء مدارس ومعاهد وبناء مساجد، فكانوا سبباً في انتشار التعليم بين أبناء المسلمين في المدارس وكان لذلك أثره في الأسر وأحدث شيئاً من التنافس في بناء المعاهد والمدارس في مناطق متعددة.
3- انتشار الوعي بين المسلمين لاتصالهم بالجماعات الإسلامية..
انتشر الوعي بين الطلبة الفلبينيين الذين درسوا في بعض الدول العربية، واتصلوا ببعض الجماعات الإسلامية، وكان لذلك أثره في سريان الروح الجهادية ضد عدوهم الصليبي المتربص بهم، مما جعل الحكومة الفلبينية تصطدم - مع قوتها وضعف المسلمين مادياً - بالمجاهدين الذي أرخصوا نفوسهم وأموالهم ومنازلهم للدفاع عن دينهم، حتى أرغموا هذه الدولة على محاولة الوصول إلى المصالحة السياسية، التي تمنح بموجبها المسلمين الحكم الذاتي الذي لا زالت تماطل فيه وتخادع المسلمين في الداخل، ومن يظهر مناصرتهم من الخارج.
4- قيام تنظيمات شبابية واعية ذات أهداف مرسومة..
وجد شباب واع تربى على الإسلام ونظم نفسه تنظيماً جيداً، كان له أثره في نشر الوعي والتربية وتنظيم الدعوة، وهذا الشباب يسير بخطوات ثابتة مرسومة لها أهدافها ووسائلها المتاحة، وثمار هذه الدعوة بطيئة نسبياً، ولكنها أكثر ثباتاً وعمقاً من غيرها.
5- مساعدة المسلمين في دول الخليج وغيرها لمسلمي الفلبين..
هيأ الله بعض الجمعيات الإسلامية في الدول العربية وبخاصة بعض دول الخليج العربي وبالأخص المملكة العربية السعودية والكويت، لمساعدة الجمعيات الإسلامية والمعاهد والمدارس والمشروعات الخيرية والاجتماعية وبناء المساجد وغيرها، فكان لذلك أثره في زيادة التعليم والدعوة، والإعانات التي ينتفع بها ذوو الحاجات.
هذه بعض الأمور الإيجابية التي استفاد منها المسلمون وانتشر بينهم التعليم والدعوة، وأصابوا بها نهضتهم المعاصرة.
ولكن هناك أموراً أخرى أثرت سلباً في مسيرة المسلمين في الفلبين، لا بد من إيجاد وسائل لتلافيها ومن ذلك:
1- ضعف فقه بعض الدعاة وقلة احترام الأئمة..
يجب على الدعاة إلى الله أن يتفقهوا في الدين، ليدعوا إلى الله على بصيرة، وأن يتحلوا بالحكمة والصبر واللين، والتواضع، وأن يحسنوا أساليبهم في الدعوة، والتدرج مع الناس بغرس المعاني الإيمانية في نفوسهم من الكتاب والسنة، والتركيز على محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والتمسك بسنته، وبيان أن الأئمة مهما اختلفوا في الفروع، فاختلافهم ناشئ عن اجتهاد، وكل منهم متبع للسنة من حيث أداه اجتهاده، وتفهيم الناس أن دعوتنا إلى السنة ليس معناها الطعن في أحد من الأئمة، لأن بعض إخواننا الدعاة هداهم الله عندما يدعون إلى السنة في أمر من الأمور، ويسألون عن مذهب بعض الأئمة وبخاصة المذهب الشافعي المنتشر في البلد، يطلقون عبارات تنفر منهم الناس، مثل قولهم: نحن لا نتبع الشافعي، إنما نتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد يقولون: ما جاء عن الله ورسوله فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين، وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال، فيفهم الناس من ذلك أن الإمام الشافعي وغيره من أئمة الإسلام، ليسوا متبعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو قالوا للناس: إن الإمام الشافعي- أو غيره - متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال بهذه المسألة الإمام الفلاني، لصحة النص بها، لو قالوا مثل هذا، بدلاً من إظهار التعالي وعدم احترام العلماء، لجلبوا إليهم قلوب الناس ولأثروا فيهم.
2- كثرة الخلافات التي بددت طاقات المسلمين..
ويعود غالب الخلافات إلى خلافات سياسية وحزبية، منهم من يؤيد الحكومة، ومنهم من يؤيد المجاهدين، والذين يؤيدون المجاهدين منقسمين أقساماً وفرقاً، كل فرقة تؤيد قائداً، وهذا الخلاف أحدث خللاً في الصفوف وضعفاً في المقاومة، وبعض هذه الخلافات يعود إلى حب الزعامات الدينية يكون الشخص عضواً في جمعية، فينفصل عنها وهو بجانبها ليكون جمعية أخرى ليكون زعيماً لها وينال مساعدات مستقلة، فتضعف بسبب ذلك الجمعيات ويتوزع العاملون فتتبدد الطاقات، ثم يتفرق الناس هؤلاء يتبعون زعيماً وأولئك يتبعون زعيماً آخر، وأي شيء يخالف فيه هذا الزعيم ذاك الزعيم، انبرى أتباع كل منهما لمناصرته ضد خصمه في الحق وفي الباطل، وقد يحصل تدابر وتقاطع بسبب ذلك، وما هكذا يكون دعاة الإسلام!
3- عدم وجود زعيم كفء يلتف حوله المسلمون في كل منطقة..
ينقص المسلمين في كل منطقة وجود زعيم يقنع الجميع بالالتفاف حوله، لغزارة علمه وورعه وتقواه، وقوة عاطفته، وإدراكه لمصالح المسلمين ووعيه السياسي، وحكمته ومقدرته على جمع الشمل وعدم التحيز.
4- قدم مناهج التعليم وعدم تطويرها وقلة الكفاءات التعليمية..
مناهج التعليم والكفاءات التعليمية في المعاهد والمدارس الإسلامية تحتاج إلى مراجعة شاملة يراعى فيها الأمور الآتية:
الأمر الأول: النظر في أوضاع المسلمين المعاصرة، وما يحتاجون إلى معرفته لغرس المعاني الإيمانية التي ورد بها الكتاب والسنة، وتصحيح ما طرأ على تلك المعاني، وإزالة الغبش الذي حجب الرؤية الإسلامية الصحيحة عن المسلمين، فأفسد تصورهم الإيماني السليم، سواء ما يتعلق بالإخلاص ونبذ الشرك جليه وخفيه، أو بفهم الربوبية وأسماء الله وصفاته، ليكون ذلك كله مبيناً على ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما سار عليه السلف الصالح في القرون المفضلة.
وكذلك توضيح معنى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في المعاني العبادية، والبعد عن البدع والخرافات التي سيطرت على حياة الكثير من المسلمين.
الأمر الثاني: ربط حياة المسلمين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كلها بالمنهج الرباني، بحيث يعلم المسلمون أن الإسلام وشريعته يحكمان نشاطهم في الحياة كلها، وأن أي عمل أو عادة تأصلت في نفوس المسلمين وأعمالهم، يجب عرضها على الكتاب والسنة، فما وافقهما قبل على أساس أنه من الإسلام، وما خالفهما رفض لمخالفته الإسلام.
الأمر الثالث: التأكيد على الأخوة الإسلامية بين المسلمين، وجمع كلمتهم على الحق، وبث روح التعاون على تحقيق المصالح ودرء الأخطار عنهم، ومحاربة كل أسباب الخلاف والشقاق والفرقة بينهم، والسعي لإيجاد المحبة والرحمة والإيثار بينهم، حتى يصيروا كالجسد الواحد كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.
إن تربية الناشئين في المدارس والمعاهد الإسلامية على هذا المعنى، سيحقق للمسلمين الاعتصام بحبل الله والتعاون على البر والتقوى، ويزيل الأنانية التي مزقت المسلمين بالجري وراء الزعامات والمطامع الشخصية وتسويغ ذلك بمسوغات شيطانية زائفة.
الأمر الرابع: أن يشتمل المنهج على الدارسات الإسلامية التي تحقق الفقه في الدين والعلوم التي لا غنى عنها في الحياة: الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، والعلاقات الإنسانية ويكون أساسها كلها التصور الإسلامي وعدم مخالفتها له.
وكذلك العلوم الكونية كالفيزياء والكيمياء والهندسة والفلك والطب وغيرها، ليكون المسلمون أقوياء في دينهم ودنياهم، ينافسون أعداءهم في تعمير الكون بالعلم والإيمان، ولا يكونون من سقط المتاع لا يحسب لهم حساب.
الأمر الخامس: توحيد هذا المنهج في كافة المدارس والمعاهد والجامعات الإسلامية، بحيث تتوحد تصورات المسلمين وتتقارب ولا تتنافر وتتعارض.
الأمر السادس: العناية بالأطفال في الأسرة، وإنشاء رياض لهم يبدأ فيها بتربيتهم وإعدادهم للمراحل القادمة من الابتدائي إلى الجامعة.
الأمر السابع: تأليف الكتب المناسبة لتحقيق هذه الأمور باللغة العربية والإنجليزية واللغة المحلية.
سبل تحقيق تطوير المناهج وتوفير الكفاءات:
ويمكن تحقيق هذه الأمور باتباع الوسائل الآتية:
1- أن يجتمع زعماء الجمعيات الإسلامية والمؤسسات التعليمية، في جميع أنحاء الفلبين ليكونوا لجنة مشتركة تتولى دارسة أوضاع المسلمين - كما مضى - وتحدد جوانب النقص في المناهج الدراسية سواء ما تعلق منها بالدراسات الإسلامية أو بالعلوم الكونية.
2- تكوين وفد من زعماء المسلمين يتصل بالجامعات الإسلامية وغيرها، لتخصيص عدد من الخبراء في التعليم في مجالاته المتعددة، يزورون الفلبين ويمسحون معاهد المسلمين ومدارسهم وجامعاتهم، ليطلعوا ميدانياً على مناهجها وكيفية سيرها، ويطلعوا على جوانب النقص فيها، ثم يقوموا بالتعاون مع اللجنة المشتركة في الفلبين، بوضع أهداف للتعليم ثم وضع خطط ومناهج تحقق بها تلك الأهداف، واقتراح الأسس التي يتم بها تأليف الكتب الدراسية في كل المراحل.
وتقوم تلك الجامعات بمساعدة مسلمي الفلبين بما يأتي:
1- بعث مدرسين في المراحل المختلفة، ليساعدوا في بناء التعليم على أسلوبه الجديد ويدربوا الأساتذة في الفليبين على ذلك، حتى يتمكنوا من تطبيقه بأنفسهم، وليوجدوا طلاباً يتخرجون وهم قادرون على القيام بمهمات التعليم الجديد.
2- تخصيص منح دراسية في تلك الجامعات للطلبة الفلبينيين في التخصصات المتنوعة المحتاج إليها، حتى يعودوا بعد تخرجهم قادرين على القيام بعملية التعليم.
3- تقوم المؤسسات والمنظمات الإسلامية القادرة والمحسنون من أهل اليسار، بتمويل هذا التعليم بما يحتاج إليه.
وتقوم المؤسسات الإسلامية الدعوية بتعيين علماء في الشريعة الإسلامية يتفرقون في مناطق المسلمين، وبخاصة مناطق تجمعهم للقيام بتعليم الراغبين في التوسع في العلوم الإسلامية والتخصص فيها في المساجد والمعاهد المتخصصة في ذلك، لينشأ جيل متعلم متفقه في الدين قادر على نشر العلم بين أبناء المسلمين، ليستمر العلم قوياً ولا يضعف ويقوى الجهل كما هو الحال الآن.
السعي لجمع كلمة المجاهدين على الحق:
إن تفرق المجاهدين بسبب اختلاف زعمائهم، أمر له عواقب وخيمة على مستقبل المسلمين في الفلبين، وهذا التفرق له أسباب منها:
اختلاف هؤلاء الزعماء في الاتجاهات الفكرية، فبعضهم ثقافته إسلامية شرعية وله إلمام بالأمور الإدارية والسياسية، وبعضهم ثقافتهم في الأصل أجنبية إنجليزية كما يسمونها، والمقصود بها الثقافات العلمانية، ولكنها ليست علمانية محضة، بل هي مخلوطة بشيء من الثقافة الإسلامية التي لا ترقى إلى ثقافة النوع الأول الشرعية، ويترتب على اختلاف الثقافتين تمسك النوع الأول بأصول الإسلام وفروعه ووجوب تحكيم شرع الله في كل شيء، وتساهل النوع الثاني في الأحكام الشرعية حيث يرى أن ما يجب تطبيقه من الإسلام في العصر الحاضر هو الشؤون العبادية وأحكام الأحوال الشخصية، وما عدا ذلك فيتخذ فيه ما تتخذه الحكومات العلمانية في الشعوب الإسلامية ومنها بعض الدول العربية، وهو الفصل بين الدين والدولة وتطبيق القوانين الوضعية، ولكل قيادة من النوعين أتباعها الذين يؤيدونها.
كيف تحل هذه المشكلة؟
وهذه المشكلة يمكن أن يتولى حلها أطراف متعددة من الداخل ومن الخارج:
أما من الداخل فبتكوين لجنة من علماء الشريعة الذين يوثق في علمهم وورعهم وإخلاصهم للإسلام، ومحبتهم لتحقيق مصالح المسلمين في البلد، ويكونون من علماء الطائفتين المختلفتين ومن غيرهم من العلماء في الفلبين، لمدارسة أوضاع البلد وأسباب الاختلاف في هذا الأمر، وعرض ذلك على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما وافق ذلك أخذ به وما خالفه رفض، لأن الإسلام يجب تطبيقه بناء على نصوص الوحيين وما استنبط منهما لا على الأهواء و الرغبات المنفلتة.
وأما من الخارج فيجب على المؤسسات الإسلامية المؤثرة أن تقوم بواجبها في ذلك، ويمكن أن تكون لجنة من الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ورابطة العالم الإسلامي، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، وبعض الأساتذة من الجامعات في المملكة العربية السعودية وفي بعض دول الخليج الأخرى، ومن جامعة الأزهر في مصر، وتقوم بدراسة أسباب الخلاف وتتعاون مع اللجنة الداخلية في ذلك، ويصدعوا بكلمة الحق ويحاولوا أن يجمعوا الطرفين على الحق الذي يرضي الله تعالى من تمكين حقيقة الإسلام في البلد بدون نظر إلى هذا الطرف أو ذاك.
وتقدم تقريراً مفصلاً إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، لتتعاون مع المجاهدين على ضوء ما يجب شرعاً، ولا يؤذن لطرف من الأطراف التي لا يوافق على ذلك بالاتصال بهذه المؤسسات الإسلامية.
هذه بعض الأفكار والمقترحات، أرجو أن يجتهد علماء المسلمين وزعماء الجماعات الإسلامية - في داخل الفلبين وخارجها - في دارستها ومحاولة القيام بها أو بما أمكن منها، وكذلك المؤسسات والمنظمات الإسلامية الرسمية والشعبية، عليها أن تقوم بما تقدر عليه من ذلك، حتى يتحقق للمسلمين في الفلبين الاستقامة على دين الله والسير على نهجه والنصر على عدوهم في الداخل وفي الخارج.
ولا بد من نصر المجاهدين معنوياً ومادياً، أمام عدوهم الحاقد الذي يملك ما لا يملكون من عدة وعتاد.